تفسير رسالة يعقوب 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الخامس

الإيمان والانشغال بالغنى

بعد ما تحدث عن الشهوات الأرضيّة عاد ليحدثنا عن خطورة الانشغال بالغنى:

١. الانشغال بالغنى                          ١ – ٦.

٢. موقف المؤمنون من الأغنياء الظالمين     ٧ – ١١.

٣. عدم القسم                               ١٢.

٤. موقف المؤمن في كل الظروف:

 أولا: في حالة الحزن                    ١٣.

 ثانيًا: في حالة السرور                  ١٣.

 ثالثًا: في حالة المرض          ١٤ – ١٨.

 رابعًا: في حالة انحراف أخ               ٩ – 20.

1. الانشغال بالغنى

أ. الغنى غير باقٍ

“هلم أيها الأغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة.

غناكم قد تهرأ، وثيابكم قد أكلها العُثُّ.

ذهبكم وفضتكم قد صدئا.

وصدأهما يكون شهادة عليكم،

ويأكل لحومكم كنار،

قد كنزتم في الأيام الأخيرة]1 ٣[.

يطلب الرسول من الأغنياء المتكلين على أموالهم أن يبكوا ويولولوا:

ا. لأن شقاوتهم قادمة. وهنا كلمة “قادمة” لا تعني المستقبل البعيد، إنما تعني أنها على الأبواب. ولهذا السبب يسمي القديس يوحنا الذهبي الفم المال “الشارد”[1]، إذ يؤدي إلى أتعاب كثيرة، وعند الضرورة يهرب ولا يقف بجوار صاحبه.

ب. لأن شقاوتهم تَنْبُع من نفس المصدر الذي يترجون منه السعادة، فغناهم قد تهرأ، وهنا لم يقل “سيتهرأ” وذلك للتأكيد.

وثيابكم أكلها العُثُّ”، والثياب علامة الغنى، كما هو علامة السلطان والسطوة (إش ٣: ٦)، فعندما أحب يعقوب يوسف أعطاه ثوبًا ملونًا، الأمر الذي أثار حسد إخوته عليه.

“ذهبكم وفضتكم قد صدئا“. إنه لم يذكر معدنًا رخيصًا كالبرونز (سى 12: 10،) وذلك بسبب غناهم. فإنه حتى المعادن الثمينة مع الزمن تفقد لمعانها وجمالها. وهنا يُذكِّرنا الرسول بِمَثَل العبد الكسلان الذي حفر في الأرض وأخفى فضة سيده” (مت ٢٥: 18).

ج. هذا يكون شهادة عليهم ويأكل لحومهم كنار، إذ تحترق أجسادهم وتهلك نفوسهم كما بنار. لأن مُحِبّ المال لا يستريح هنا ولو اقتنى العالم كله، ولا يستريح في الأبديّة إذ لا يطيق أن يعاين الله.

د. “قد كنزتم في الأيام الأخيرة“. بينما كان يَلْزم الاستعداد للرحيل، قد بدأوا يكنزون ويزينون المسكن ويبنون بيوتًا، مع أنهم في لحظات يرحلون.

ب. ينزع العدل والرحمة

هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ،

وصياح الحصَّادين قد دخل إلى أذني رب الجنود” ]٤[.

حب الاقتناء يُفقد الإنسان رحمته بأخيه، بل يدفعه إلى ظلم الأجير. وهو إحدى الفئات الأربع التي تهتز السماوات لصراخهم ويسمع لهم الرب وهم:

  • المقتول عمدًا (تك ٤: ١٠).
  • صراخ المسكين (خر ٢: 24).
  • صراخ التائبين (تك ١٨: 26).
  • صراخ الأجراء المظلومين.

إنها تصرخ كدم هابيل طالبةً الانتقام كقول الكتاب[2] “لا تَبِتْ أجرة أجير عندك إلى غد”، “من يمسك أجرة الأجير يُسْفَك دمه”.

نلاحظ أن الرسول يلقب الله “رب الجنود” أي رب الصباؤوت أو رب القوات السمائيّة، بمعنى أنه قادر على الدفاع عن المظلومين.

ج. يدفع إلى حياة الترف والتنعم

قد ترفهتم على الأرض وتنعمتم

وربيتم قلوبكم كما في يوم الذبح” ]٥[.

خلق الله العالَم لنستخدمه، لا لكي نلهو فيه وبه عن الخالق، إذ يوبخنا قائلاً: لما رَعَوْا شبعوا، شبعوا وارتفعت قلوبهم لذلك نسوني” (هو ١٣: ٦)، “أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ (مت ٦: ٢٥).

إن حياة الانغماس في الترف تحرم الإنسان من ضبط نفسه أما المتنعمة فقد ماتت وهي حيّة” (١ تي ٥: ٦). بالتنعم يتربى القلب لكي يُذْبَح في يوم الدينونة، لهذا يُحذِّرنا الرب فاحترزوا لأنفسكم لئلا تَثْقُل قلوبكم في خُمَارٍ وسُكْرٍ وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة (لو ٢١: ٣٤).

د. يقاوم البر والأبرار

وحكمتم على البار، قتلتموه، لا يقاومكم” ]٦[.

قصد بالبار ربنا يسوع كما سبق أن قال إستفانوس الشماس في توبيخه لجماعة اليهود البار الذي أنتم صرتم مُسَلِّميه وصالبيه (أع ٧: ٥٢). وربما قصد بالبار جماعة المؤمنين الذين قتلهم اليهود وخاصة الأغنياء منهم ورؤساؤهم دون أن يقاوموهم، وذلك مثل إستفانوس ويعقوب بن زبدي. وربما أيضًا كان يتحدث بروح النبوة عن نفسه، إذ قتلوه دون أن يقاومهم مع أنهم كانوا يدعونه بالبار. 

2. موقف المؤمنون من الأغنياء الظالمين

فتأنّوا أيها الإخوة إلى مجيء الرب

مجيء الرب يبعث في المؤمنين (الإخوة) طول الأناة، إذ يُحوِّل الآلام إلى لذة ومتعة، وتصير موضوع فرح، لأنها تُزَكِّيهم في ذلك اليوم.

يقول الشهيد أغناطيوس الثيؤفورس (حامل الإله): [ليت النار والصليب… ليت جماعات الحيوانات المفترسة… ليت التمزيق والكسر… خلع العظام وبتر الأعضاء… تقطيع الجسد إربًا إربًا… وليت كل عذابات الشيطان تَنْصَبُّ عليّ، لكنني فقط أصلي إلى يسوع المسيح[3].]

هكذا إذ يتطلع المؤمن إلى يوم الرب يشتهيه، عاملاً ومثابرًا بنعمة الرب كالفلاح الذي يترجى يوم الحصاد.

هوذا الفلاح ينتظر ثمر الأرض الثمين،

متأنيًا عليه حتى ينال المطر المبكر والمتأخر.

فتأنوا أنتم، وثبتوا قلوبكم، لأن مجيء الرب قد اقترب” ]7 ٨[.

يحتمل الفلاح الآلام والأتعاب من أجل الحصاد لينال المطر المبكر والمتأخر الذي يُعِيُنه على الإثمار. هكذا إذ ننتظر مجيء الرب حصادنا، يلزمنا أن نحتمل كل شيء، لننال بركات الرب ونعمه علينا التي قدمها ويقدمها لنا في العهد القديم وفي العهد الجديد.

كلما اقترب موعد الزفاف يتعلق قلب العروس بعريسها، مُهيِّئةً نفسها ليوم العرس، مُتزينة بكل هداياه لها. هكذا نتزين نحن بكل هبات الرب – المبكرة والمتأخرة – لنقدِّم عروسًا عفيفة طاهرة بلا عيب ولا دنس ولا غضن. ومن أجل يوم العرس نحتمل الضيق بقلبٍ ثابتٍ بلا تردد وذلك كقول الرسول:

فتأنوا أنتم وثبِّتوا قلوبكم،

لأن مجيء الرب قد اقترب“.

وكما كتب البطريرك المتألم البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه يوضح لهم عذوبة الطريق واتساعه رغم ضيقه وأتعابه قائلاً:

[ومع أن طريق الملكوت ضيق وكَرْب بالنسبة للإنسان، لكنه متى دخل رأى اتساعًا بلا قياس، وموضعًا فوق كل موضع. إذ شهد بذلك أولئك الذين رأوا وعاينوا وتمتعوا بذلك[4].]

(يقول البشر في الطريق) “جَعَلْتَ ضغطًا على مُتُوننا – أي (أحزانًا على قوتنا) (مز ٦٦: ١١). لكن عندما يَرْوُون فيما بعد عن أحزانهم يقولون: “أخرجتنا إلى الخصب” (مز ٦٦: ١2)، وإذ يدرك المؤمن عذوبة الطريق يليق به أن يُنَفِّذ وصيّة الرسول:

لا يئن بعضكم على بعض أيها الإخوة لئلا تُدانوا.

هوذا الديان واقف على الباب]٩[.

أنكم كإخوة لا يليق بكم أن تطلبوا الانتقام، فإن هذا عمل الديان.

هوذا الديان واقف على الباب، أي يوم الرب قد اقترب جدًا، فالآن ليس وقت الانتقام والإدانة بل وقت الخلاص وإعانة غير العارفين للحق، وذلك بحبنا لهم، وصلاتنا من أجلهم لأجل إنقاذهم وليس للانتقام منهم.

إنها لحيظة ينبغي علينا فيها أن نختبيء في حب الله ومحبة القريب، فنخلص نحن ويخلص الآخرون معنا أيضًا.

وكما يقول القديس إكليمنضس الروماني:

[كل الأجيال، من آدم إلى يومنا هذا، تموت. ولكن الذين بنعمة الله تكملوا في الحب فلهم موضع بين القديسين، ويظهرون عند ظهور ملكوت السموات. إذ مكتوب: هلم يا شعبي ادخل مخادعك واغلِقْ أبوابك خلفك. اختبيء نحو لحيظة حتى يعبر الغضب” (إش ٢٦: ٢٠) “وأتذكر يومًا حسنًا فأقيمكم” (حز ٣٧: ١٢)…

فموسى عندما صعد على الجبل وقضي أربعين يومًا وأربعين ليلةً في صوم وتواضع قال له الله: “قم انزل عاجلاً من هنا لأنه قد فسد شعبك… اتركني فأبيدهم وأمحو اسمهم من تحت السماء، وأجعلك شعبًا أعظم وأكثر منهم” (تث ٩: 12-14)، أجابه موسى: “الآن إن غفرت خطيتهم، وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت (للحياة)” (خر ٣٢: 32).

يا لعظمة الحب! يا لكماله العجيب! العبد يكلم سيده بصراحة طالبًا العفو لشعبه، أو أن يحذف اسمه هو أيضًا معهم!…

هكذا نحن أيضًا يَلزمنا أن نطلب من أجل كل ساقطٍ في الخطيّة حتى يهب لهم إمعان الفكر والتواضع، فيخضعوا لإرادة الله وليس لنا[5].]

خذوا يا إخوتي مثالاً لاحتمال المشقات والأناة الأنبياء

الذين تكلموا باسم الرب” ]١٠[.

وكأن الرسول يوبخنا قائلاً: أنتم قد اقتربتم من يوم الرب، فإن كنتم لا تقتدون بالرب يسوع عريسكم، أو حتى برجال العهد الجديد، فلا أقل من تتمثلوا برجال العهد القديم. فالأنبياء رأوا خلال الرموز والظلال والرؤى وروح النبوة، ومع هذا لم يفلت منهم أحد من الآلام والمشقات التي حلت بهم من اليهود، أمَّا نحن فقد رأينا وسمعنا ما لم يره الأنبياء ويسمعوه، أفلا يليق بنا أن نحتمل على الأقل ما احتملوه؟

لقد اقتربت بنا الأيام جدًا وصرنا في الساعة الأخيرة، فيلزم أن يزداد رجاؤنا ونستعد للآلام مُطوِّبين الذين سبقوا فاحتملوا بصبر.

ها نحن نُطَوِّب الصابرين،

قد سمعتم بصبر أيوب،

ورأيتم عاقبة الرب، كثير الرحمة ورؤوف” ]١١[.

وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [كان أيوب يرى أن العالم هو مكان يتجرب فيه البشر على الأرض (أي ٧: ١)، فيتزكون في هذا العالم بالأحزان والأتعاب والغم، فينال كل واحد منهم المجازاة التي تتلائم معه، إذ يقول الله على لسان النبي “أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلى، لأعطي كل واحد حسب طرقه” (إر ١٧: ١٠)[6].]

ويقول مار إفرام السرياني: [التجارب تساعد العادلين والأبرار، فأيوب رجل التمييز كان منتصرًا في تجاربه. لقد حل به الضعف، ومع ذلك لم يَشْكُ! أحزنه المرض لكنه لم يتذمر! سقط جسده ووهنت قوته أما إرادته فلم تضعف! لقد برهن في آلامه على كماله، لأن التجارب لم تهلكه[7]!]

         وحلل القديس يوحنا ذهبي الفم آلام أيوب وكيف احتملها بصبر وقد سبق ترجمة تحليله هذا في كتيب عن “رد عن القائلين بأن للشيطان سلطان علينا”، مكتفيًا هنا بذكر مقتطفات منها[8]:

[1. افتقر أكثر من الشحاذين… هؤلاء لهم ثوب ممزق، أما هو فجلس عريانًا، بل كان له ذلك الثوب الذي أمدته الطبيعة به أي الجسد، وحتى هذا الثوب مزقه الشيطان من كل جانب، بل أصابه بالقروح.

هذا القطيع الفقير له على الأقل أن يستظل تحت سقفية في الطرقات ولهم مأوى، أما أيوب فبقى لياليه في العراء ولا سقف له يأويه!…

هؤلاء لهم (شرور) يوبخون بها أنفسهم، وهذه تساهم بتعزية ليست بقليلة في أثناء الكارثة… أما أيوب فنزعت عنه كل تعزية!

هؤلاء فقراء من مولدهم فاعتادوا الفقر، أما هو فاحتمل كارثة لم يقدر عليها!

لقد حُرم من الأرض المجردة بل جلس في مزبلة…

  1. آلام الجسد: من بلغ به العجز مثله! من احتمل أمراضًا هكذا؟… الرائحة الكريهة تحيط به من كل جانب بعنف، والجسد يتحطم قليلاً قليلاً وتصيبه العفونة… ولم يكن قادرًا على التمتع بالقوت المُعْطَى له.
  2. احتماله موت أولاده: لقد فقد أولاده العشرة. الكل اُِكتُسِحُوا دفعة واحدة والجميع في ريعان شبابهم. والعشرة كانوا فضلاء، ولم يموتوا موتًا طبيعيًا بل موتًا قاسيًا يُرثى له.
  3. احتماله سُخرية البشر: وكان أيضًا هروب أصدقائه منه واستهزاؤهم وسخريتهم وتهكمهم وتجريحهم له أمرًا لا يُطاق (أي ١٩: ١). فإن آلام الكارثة لا تعادل تلك التي تنبع من أولئك الذين يوبخوننا أثناء الكارثة…

لقد دعاهم غير رحماء بقوله أقاربي قد خذلوني والذين عرفوني نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبيًا. صرتُ في أعينهم غريبًا. عبدي دعوتُ فلم يُجِبْ. بفمي تضرعت إليه[9] (أي ١٩: ١٤-١٦).

  1. أهوال الليل: لم يجد راحة بالليل، فإن أهوال الليل المرعبة كانت أقصى من مصائبه بالنهار… تُرِيعُنِي بالأحلام وتُرْهِبُني بِرُؤى” (أي ٧: ١٤).

         ولكن إن قلتَ: إنه أيوب!… (أقول) إنه كان الأجدر بك أن تحتمل أكثر منه… لأن أيوب كان في عهد ما قبل النعمة وقبل الناموس، حيث لم تكن هناك حياة محدودة ولا أُعْطِيَ نعمة الروح العظيم، عندما كان يصعب محاربة الخطيّة، وكانت اللعنة سائدة والموت مرعبًا.]

٣. عدم القسم

ولكن قبل كل شيء يا إخوتي

لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر،

بل لتكن نعمكم نعم،

ولاكم لا،

لئلا تقعوا تحت دينونة” ]١٢[.

القسم معناه اشهاد الله على عمل معين أو على تعهد معين، أو أنك تقول الصدق. وإذ كل الخليقة من أعلى السماء إلى أسفل الأرض، من عرش الله إلى الشعرة البيضاء أو السوداء جميعُها تحكمها العناية الإلهيّة، فمن يُقْسِمُ بالسماء أو الأرض أو أورشليم أو رؤوسهم يرتبطون بالقسم أمام الله[10].

لكن قد يسأل أحد: لقد جاء في الشريعة أوفِ للرب أقسامك” فلماذا منع الرب (مت ٥) ويعقوب الرسول القسم؟

  1. رأي القديس يوحنا ذهبي الفم[11]:

يوضح القديس خطورة القسم في:

ا. إن الشيطان يستغله لِنُقْسِمَ أثناء غضبنا، فإذا ما عدنا إلى هدوءنا نَلتزِم بما أقسمنا به في غضبنا، فننجذب إلى الخطيّة قسرًا.

ب. في لحظات اللذة والشهوة يفقد الإنسان اتزانه فَيُقْسِم، كما فعل هيرودس حينما أَقْسَمَ في فترة خنوعه للشر أن يُعطِي لابنة هيروديا ما تطلبه ولو كان نصف المملكة… والْتَزَمَ بقطع رأس يوحنا المعمدان.

         ج. من أجل تحقيق هدف سامً يُقْسِمُ الإنسان من غير أن يدرك ما يُقْسِمُ من أجله، كما فعل يفتاح إذ صار قاتلاً لابنته بسبب قسمه (قض ١١).

  1. رأي القديس أغسطينوس[12]، أن القسم ليس خطيّة في ذاته، ولكن الرب منعنا من القسم:

ا. لأنه لا يليق أن نقسم بالله من أجل أمورٍ زمنيّة.

ب. أن من يعتاد على القسم فيما هو صِدْقٌ لا يقدر أن يمتنع فيما هو كَذِبٌ.

ج. إن الرسول بولس قد أقسم كما في (٢ كو ١١: ٣١)… وذلك بشروط:

أولاً: أن يكون من أجل خلاص الناس، وليس من أجل ربحٍ زمنيٍ له أو لهم.

ثانيًا: موضوعه الكرازة والبشارة وليس أمرًا زمنيًا.

ثالثًا: أن يُشْهِدَ الله على حق أكيد…

رابعًا: إن هذه الشهادة أو القسم من أجل ضعف السامعين، وليس تأكيدًا لكلامنا.

ومع هذا فإذ يعتاد اللسان على القسم لا يدرك أو يميز بين القسم الحقيقي وغير السليم لهذا يمنعنا الرب منه بتاتا.

٤. موقف المؤمن في كل الظروف

أولاً: في حالة الحزن

أعَلَىَ أحد بينكم مشقات فليصلِ” ]١٣[.

ربنا يسوع المسيح هو المركز الذي تتجه إليه أنظارنا في كل الظروف والأحوال، سواء الضيق أو الفرح أو المرض أو سقوط أخ وانحرافه، في كل أمورنا نتجه نحو الرب.

ففي الضيق نرفع أنظارنا بالصلاة. وكما يقول الأب نيلس: [الصلاة هي دواء الغم وانقباض النفس[13].]

المؤمن المتعقل يُحوِّل آلامه إلى لقاءات مع الرب، فقد جاء في سيرة القديس باخوميوس[14] إنه إذ كان يجمع الحطب متى دخلت في قدمه شوكة كان يذكر شوكة الخطيّة ويتأمل آلام الرب، وكثيرًا ما كان يُستغرق في صلاته بدموع ناسيًا إخراج الشوكة من قدمه.

ومن إحسانات الله علينا أن يسمح لنا بالتجارب ولا يستجيب لطلباتنا سريعًا بل يتركنا في الضيق لِنتعلَّم الوجود في حضرته. وكما يقول الأب نيلس: [لا تضطرب وتحزن إذا لم تحصل على طلباتك من الله… الله يريد أن يفيدك أكثر بأن يُعَلِّمك الإلحاح في الصلاة مع الصبر في الوقوف أمامه، لأنه أي شيء أسْمَى من الوقوف أمام الله في حديث معه والدخول في شركته[15]؟]

ثانيًا: في حالة الفرح

أمسرور أحد فليرتل]13[.

يَلزمنا ألاَّ ننشغل بفرحنا عن المسيح بل نستخدمه كفرصة لتسبيح الله وشكره[16]. وقد خصص الكتاب أسفارًا وأصحاحات بأكملها للتسبيح مثل سفر المزامير وتسبحة موسى (خر ١٥) وتسبحة الثلاث فتية. وقد رتبت الكنيسة أن يسبح أولادها بتسابيح مقطتفة من الكتاب المقدس أو بروحه، وذلك في مناسبات متعددة منها قبل صلاة القداس الإلهي، وأثناء توزيع جسد الرب ودمه، وفي أثناء الفرح بأعياد القديسين الذين انطلقوا إلى الفردوس.

وقد نَغََّمَتْ الكنيسة المزامير وكثيرًا من التسابيح بنغمات جميلة وقسمتها إلى مقاطع، فكان المؤمن أينما وُجِد يقول مَقْطعًا فيرد عليه الباقون بالمقطع التالي وهكذا أينما وُجِدْتَ، سواء في الحقول أو البيوت أو المتاجر لا تسمع سوى مزامير وتسابيح روحيّة تُشْعِلُ القلب بمحبة الله والصلاة له بحرارة.

يقول الأب إسحق:

[من له القدرة – مهما بلغت خبرته – أن يعدد الأسباب التي تثير القلب فيلتهب مُشتعِلاً بالنار، وتحثه للصلوات الورعة العظيمة الغيرة؟ لكننا نذكر أمثلة قليلة منها…

أحيانًا التغنِّي بمقطع من المزامير يبعث فينا صلاة حارة.

وأحيانًا انسجام التلحين لصوت أحد الإخوة يثير الأذهان الخاملة إلى ابتهالات كثيرة.

كذلك طريقة النطق والوقار الذي للمرنم (بالتسبيح) يلهب غيرة من معه[17].]

يقول الأب أوغريس:

[صَلِّ في سلام ونقاء، رتل بفهم ولذة وبذلك ستكون كنسرٍ صغيرٍ يُحَلِّق في أعلى السماء.

ترتيل المزامير يُسَكِّن الشهوات ويكبح نبضات آلام الجسد، والصلاة تدفع العقل لأن يكون حكيمًا وسليمًا في أفعاله…

ترتيل المزامير هو صورة لِتَنَوُّع الحكمة الإلهيّة…

إن لم تكن قد أَخَذْتَ عطيّة الله أو ترتيل المزامير اطْلُب بحرارة وإلحاح فستأخذ[18].]

ثالثًا: سر مسحة المرضى وسر الاعتراف

أمريض أحد بينكم فليَدْعُ قسوس الكنيسة،

فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب.

وصلاة الإيمان تَشْفي المريض والرب يقيمه.

وإن كان قد فعل خطيّة تُغْفَر له.

اعترفوا بعضكم على بعض بالزلات،

وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تُشْفَوْا.

طِلْبَة البار تقتدر كثيرًا في فعلها.

كان ايليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا،

وصلى صلاة أن لا تمطر،

فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر

ثم صلى أيضًا فأعطت السماء مطرًا وأخرجت الأرض ثمرها“.. ]1518[

الكنيسة كأم تترفق بأولادها ومسئولة أن تُشْبِع لهم احتياجاتهم ليس في ترفُّه أو تنعُّم، ولكن بالقدر الذي به يسلكون في طريق الصليب. لذلك إذا مرض الإنسان “فليَدْعُ قسوس الكنيسة“. وقد سَلَّمنا الآباء الصلوات التي يصليها الكهنة من أجل المريض. وقد وُضِعَتْ بإرشاد الروح القدس، وقد سبق التعليق عليها[19]، إنما نذكر هنا عنها:

  1. إنها توجه أنظار المؤمن المريض جسديًا إلى خلاص نفسه والاهتمام بالشفاء الروحي. وما أكثر الفصول من الكتاب المقدس والصلوات التي يبتهل بها الكاهن من أجل غفران خطايا المريض ومن معه، وخطايا الكاهن نفسه، وجهالات كل الشعب.
  2. تشترط الكنيسة أن يُلازم سِرَّ مسحة المرضى سِرَّ الاعتراف “اعترفوا بعضكم على بعض بالزلات“، وهنا واضح أن الذي يعترف هو المريض للكاهن وليس الكاهن للمريض.

يقول القديس أغسطينوس بأنه [هل عندما يُقال “علموا بعضكم بعضًا” نفهم منها أن التلميذ يعلم المعلم أو واضح أن المعلم هو الذي يعلم التلميذ، وهكذا أيضًا عندما نقول “اشفوا بعضكم بعضًا” واضح أن الطبيب هو الذي يَشْفِي المريض. [

  1. ويدهنوه بزيت باسم الرب“… فالسرّ هنا لا يعتمد على برّ الكاهن وصلاحه بل على “اسم الرب”. فالعامل فيه هو الروح القدس. غير أن إيماننا شرط أساسي في السرّ “وصلاة الإيمان تَشْفي المريض والرب يقيمه“.

فالكنيسة كعروس الرب تطلب بروح عريسها أن يقيم أولادها، لكنها تقدم مشيئته لا مشيئتنا الذاتية، فقد يكون لخير المريض – رغم مغفرة خطاياه – أن يبقى في المرض لأجل تأديبه أو تزكيته أو بحكمة إلهيّة أخرى كما حدث مع بولس الرسول. لذلك تصلي الكنيسة قائلة:

[يا من أقام ابن الأرملة وابنة الرئيس من الموت لما أمرهما بالقيام وأقام لعازر من بعد موته بأربعة أيام من الجحيم بسلطان لاهوته أقِمْ عبدك هذا من موت الخطيّة، وإن أمرتَ بإقامته إلى زمان آخَر، فامنحه مساعدة ومعونة لكي يُرضيك في كل أيام حياته.

وإن أمَرْتَ بأخذ نفسه فيكون ذلك بيد ملائكة نورانيين يخلصونه من شياطين الظلمة – انْقُلْه إلى فردوس الفرح ليكون مع جميع القديسين بدمك الذي سُفِكَ من أجل خلاصنا الذي به اشتريتنا لأنك أنت رجاؤنا…]

  1. يقدّم الرسول لنا مثلاً في الإيمان، وهو كعادته يوبخ المؤمنين بأمثلة من رجال العهد القديم. فالسماء خضعت لإيليا حينما أصدر لها أمرًا لكي تمتنع عن المطر (1مل 17: 1) ومن هو إيليا هذا؟ إنه إنسان تحت الآلام مثلنا، أي تحت الضعف مثلنا!

ونلاحظ أن النبي صلى من أجل السماء لكي تمتنع عن إسقاط المطر، ليس انتقامًا لنفسه، بل تأديبًا للشعب الذي ترك عبادة الله الحي وعبد إله الصيدونيين، فاستجاب الله له، فكم بالأكثر تكون قوة صلاة الكنيسة عروس المسيح في سرّ المسحة من أجل شفاء المريض، روحيًا أولاً ثم جسديًا.

يقول العلامة ترتليان: [اسْتُخْدِمَتْ صلوات العهد القديم من أجل الخلاص من النيران (دا ٣) والوحوش (دا ٦) والمجاعات (يع ٥) مع أنهم لم يكونوا قد استلموا الصلاة من السيد المسيح، فكم بالأكثر تكون فاعليّة الصلاة المسيحيّة قويّة جدًا إذ لا تأتي بالملائكة لكي تُهدِّيء من عمل النار ولا تُبْكِم الأسود ولا تُقدِّم للجائع خبزًا طازجًا (٢ مل ٤: 42-44). إنها ليس لها نعمة نَزْع مشاعر الألم (أي نزع التجارب) بل تَهَب الألم والشعور به والحزن، هذا كله مع الاحتمال. إنها تُغَذِّى الهبة بالفضيلة[20].]

رابعًا: في حالة انحراف أحد الإخوة

أيها الإخوة إن ضل أحد بينكم عن الحق فَرَدَّه أحد.

فليعلم أن من رَدَّ خاطئًا عن ضلال طريقه،

يخلص نفسًا من الموت،

ويستر كثرة من الخطايا]19– 20[.

ختم الرسول رسالته بهذه العبارة. ومع أنه عالج في الرسالة أمورًا كثيرة تكشف عن ضعفات الذين أرسَلَ إليهم الرسالة، مثل محبة التعليم وحب الظهور وكثرة الكلام والمحاباة للأغنياء في أماكن العبادة والقسم، إلاَّ أنه يختم الرسالة بألا يكفوا عن أفعالهم هذه، إذ سبق أن أرشدهم إلى ذلك، بل أن يبحثوا عن الخروف الضال.

والسبب في هذا أنه بهذا “يخلص نفسًا من الموت” هي نفس الذي ضل، “ويستر كثرة من الخطايا” أي خطايا الباحث عن الضالين. لأنه كما نستر على الضالين بِرَدِّهم إلى طريق الحق، يستر الله أيضًا علينا من جهة خطايانا الكثيرة. ففي تَرَفُّقْنَا بالساقطين يقيمنا الرب معهم ويتراءف علينا[21].

ويقول القديس بينوفيوس: [وأيضًا مع الرحمة والإيمان تُمْحَى الذنوب إذ بالرحمة والحق يُسْتَر الإثم” (أم ١٦: ٦)… وذلك كما بواسطة شوقنا نحو خلاص الذين ضلوا وسَعْيِنا وتَعَبِنا بإنذاراتنا ووعظنا[22].]

ويقول القديس غريغوريوس: [إن كان الذي يخلِّص إنسانًا من الموت الجسدي – مع أنه لم يمت اليوم يموت غدًا – فإنه يستحق مكافأة عظيمة، فأية مكافأة يستحقها من يخلِّص نفسًا من الموت الأبدي، ويُسَبِّب لها مجدًا أبديًا لا تخسره أبدًا[23]!]

ويقول القديس يوحنا الدرجي: [التقرب بنفس واحدة إلى الله بالتوبة أفضل عند الله من جميع القرابين، إذ ليس في العالم عند الله أفضل من النفس الإنسانيّة، لأن كل ما في العالم يزول إلاَّ النفس المذكورة فإنها خالدة[24].]

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [لِنُوِلْوِلْ عليهم أشدَّ من ولولة النساء النادبات، لأنهم يجهلون خلاصهم، لأن المرأة لا تحب رجلها هكذا كما نحب نحن كافة الناس لنجذبهم للخلاص.]

[إن رأيتَ أعمى يسقط في هوة، أما تمد يدك إليه وتسنده حالاً. فكيف إذن يسوغ لنا أن نرى إخوتنا ساقطين في مثل هذه المخاطر ولا نمد إليهم يد الإغاثة، وهم مشرفون على السقوط في الحفرة الجهنميّة الخالدة[25]؟]

[متى رأيتَ إنسانًا محتاجًا إلى شفاء روحي أو جسدي، لا تقل في نفسك إن هذا من عمل فلان أن ينقذه من شره ويَشفيه. فإنني أنا علماني ولي زوجة وأولاد، وهذا من عمل الكهنة والرهبان. أجبني يا هذا هل لو وجدتَ وعاءً مملوءًا ذهبًا تقول في نفسك لِمَ لا يأخذ هذا الوعاء فلان أو فلان… بل تبادر كالذئب الخاطف وتأخذه قبل أي إنسان. ليكن لك هذا الاشتياق بالنسبة لإخوتك الساقطين، واضعًا في نفسك أنك وجدتَ كنزًا ثمينًا جدًا وهو اعتناؤك بأمر خلاص أخيك. هوذا الله نفسه يقول على فم رسوله إنك إن أنقذتَ إنسانًا من الضلالة تخلص نفسًا من الموت!]

[1] للمؤلف: الكنيسة تحبك ص 35.

[2] لا 19: 13، سي 34: 27 راجع تث 24: 14-15، عا 3: 10، 5: 11-13، أم 3: 27-28، أش 5: 8، أي 24: 10، طو 4: 15.

[3] للمؤلف: أغناطيوس وبوليكربس ورسائلهما (رسالة إلى رومية).

[4] رسائل القيامة طبعة 67 ص 130.

[5] للمؤلف: رسالة إكليمنضس الأولى طبعة 67 ص 41-46.

[6] رسائل القيامة ص 6/155.

[7] إرشادات ونصائح ص 16.

[8] للمؤلف: هل للشيطان سلطان عليك؟ ص 90-96.

[9] استحسنت ذكر النص كاملاً.

[10] القديس أغسطينوس: الموعظة على الجبل 5/124.

[11] Concerning The Statues.

[12] أغسطينوس: الموعظة على الجبل، وعظات على فصول منتخبة من العهد الجدي.

[13] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 10 (نسبت خطأ للأب نيلس في الفيلوكاليا وهى للأب أوغريس).

[14] للمؤلف: القديس باخوميوس أب الشركة وتلميذه تادرس، 1967.

[15] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 14.

[16] أف 5: 19-20، 1كو 14: 15، كو 3: 16.

[17] للمؤلف: مناظرات كاسيان، 1981، ص 233.

[18] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 25-26.

[19] راجع كتاب الحب الإلهي، 1967، “الله مقدسي”.

 [20] Tert. On Prayers 29

[21] راجع نح 4: 5، مز 32: 1، أم 10: 12، دا 12: 3، 1بط 4: 8.

[22] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان، 1981، 8/507.

[23] للمؤلف: الحب الأخوي، 1964، 73.

[24] للمؤلف: الحب الأخوي، 1964، 73.

[25] للمؤلف: الحب الأخوي، 1964، 73.

تفسير رسالة يعقوب 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع

الإيمان والشهوات

بعدما تحدث الرسول عن الحكمة السماوية والحكمة الأرضيّة أراد أن يوجه أنظارنا إلى خطورة الشهوات الأرضيّة على حياة المؤمنين إذ:

١. تفقدنا سلامنا الداخلي        ١ – ٣.

٢. تفقدنا سلامنا مع الله         ٤ – ١٠.

٣. تفقدنا سلامنا مع الناس      ١١ – ١٣.

٤. لا تهبنا شيئًا                ١٤ – ١٧.

1. تفقدنا سلامنا الداخلي

من أين الحروبات والخصومات بينكم،

 أليست من هنا من لذاتكم المحاربة في أعضائكم؟” ]١[

تنبع المنازعات والخصومات لا عن مضايقات الغير، بل عن ضعف الإنسان الداخلي وهزيمته في الحرب الخفيّة التي ميدانها النفس. وقد أوضح الأب بيامون[1] أن البناء متى اهتز وسقط لا يكون العيب في الرياح التي هَبَّتْ، بل في عدم تأسيس البناء على أساس قوي، إذ يقول:

[إذا انهزم الإنسان أمام خطأ واشتعلت فيه نيران الغضب، وجب عليه ألاَّ يعتبر أن مرارة الإهانة الموجهة إليه هي سبب خطيّته بل بالحري ظهور ضعفه الخفي. إذًا لا نحتاج إلى البحث عن سلامنا في الخارج، ولا نظن أن صبر الآخرين يفيد عدم صبرنا. لأنه كما أن ملكوت الله داخلنا، كذلك أعداء الإنسان من أهل بيته” (مت ١٠: ٣٦)، لأنه ليس عدوًا أكثر من قلبي الذي هو بالحق ألْصَق أهل بيتي إليَّ.]

فأساس المنازعات هي حرمان القلب من السلام الداخلي، لهذا يقول القديس أغسطينوس: [في الحرب الروحيّة إذا انتصرنا على شهواتنا ننتصر على أعدائنا (الشياطين). لأنه متى قهرنا فينا الشهوات الأرضيّة، نقهر لا محالة العدو الذي يتسلط علينا بهذه الشهوات. فإذا قيل للشيطان (في شخص الحيّة) أن يأكل التراب، قيل للخاطيء (في شخص آدم) أنت تراب وإلى تراب تعود، وبهذا صار الإنسان طعامًا للشيطان. فإن أردنا ألاَّ نكون هكذا يلزمنا ألاَّ نكون ترابًا.]

سرّ الخصومات هو استسلام المرء للذات المحاربة في أعضائنا بغير مقاومة. أما إذا قاوم ولم يستسلم، فإنه وإن ضايقه الجميع، وساءت الظروف المحيطة به، وفَقَدَ كل شيء، لا يفقد سلامه الداخلي ولا يدخل الخوف إلى قلبه. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم [لا يضرك أحد إن لم تضر نفسك بنفسك. إن كنت لا تخطيء فإن عشرات الألوف من السيوف تهددك، ولكن الله ينتشلك حتى لا تقترب إليك[2].]

هذا ما تفعله اللذات في حياة الإنسان المستسلم لها… وماذا ينتفع منها؟

يقول الرسول: “تشتهون ولستم تمتلكون“. إنها كالسراب تجذب الإنسان ليجري وراءها فيضل الطريق ويزداد عطشًا دون أن ينال شيئًا لأنها لذَّات خادعة.

تقتلون وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا.

تخاصمون وتحاربون، ولستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون]٢[.

يحدِّث الرسول أناسًا قامت بينهم خصومات، في ظاهرها من أجل الحق، لكن حقيقة دافعها اللذات المحاربة في أعضائهم أي الكرامة الزمنيّة أو أي دوافع أرضيّة أخرى. هذه اللذات دفعتهم إلى روح الحسد والبغضة. لهذا يقول “تقتلون” أي تبغضون “وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا“. وقد دعاهم قتلة بسبب البغضة. وذلك كما في إنجيل متى (٥: ٢٢) ورسالة يوحنا الأولى (٣: ١٥)، حيث تُعْتَبَر الكراهية قتلاً، وفي سفر يشوع بن سيراخ (٣٤: ٢١) يُعتبر من يهضم حق الأجير سافك دم.

فكل بغضة هي قتل حتى وإن اختفت وراء الدفاع عن الحق، ولا ينال الإنسان من وراء ذلك شيئًا بل يفقد حتى حياته، كإيزابيل التي قتلت نابوت اليزرعيلي كرمه، فلحست الكلاب دمها ( ١ مل ٢١: ١-23).

تطلبون ولستم تأخذون

لأنكم تطلبون رديًا، لكي تنفقوا في لذاتكم” ]٣[.

لقد سبق الرسول فعلل سبب عدم نوال الشيء بعدم الطلب “لستم تمتلكون، لأنكم لا تطلبون“. وما أصعب على الأب أن يرى أولاده محتاجين ولا يطلبون من أبيهم. غير أنه توجد فئة تطلب لكنها لا تأخذ. وليس السبب في الواهب بل في الطالبين، فبينما يرفعون كلماتهم في الصلاة إلاَّ أن قلوبهم مرتبطة باللذات في الأرض، فتكون صلواتهم مَكْرَهَة أمام الرب. إذ نستخدمها وسائل لتحقيق مآرب أرضيّة، وكأننا نقول للآب السماوي: “هب لنا عطايا أرضيّة، لأننا مرتبطون بالأرض، ونريد أن نرتبط بها، ولا نشتاق أن نتهيأ للسماء حيث يكون لنا نصيب معك”.

ما أثقل على نفس الأب أن يطلب الابن منه عطايا لكي يهرب بها من وجه أبيه، والعروس التي تطلب من عريسها هدايا ولا تطيق أن ترى وجهه!

يقول القديس غريغوريوس: [“كل ما تسألون الآب باسمي يعطيكم“. أما اسم الابن فهو “يسوع” أي مخلص. فالذي يسأل باسم المخلص هو ذاك الذي يسأل فيما يختص بأمر خلاصه. إذن فلتراجعوا طلباتكم لتنظروا ما إذا كانت باسم “يسوع” أي خاصة بأمور الخلاص، أم يطلب أحدكم عُرسًا وآخر حقلاً وثالث ثوبًا ورابع رزقًا وقوتًا… وهذه يجب أن تُطْلَب من الخالق القدوس لكن الأولى أن نتبع قول الرب: “اطلبوا أولاً ملكوت الله“[.

٢. تفقدنا سلامنا مع الله

أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله؟

فمن أراد أن يكون محبًا للعالم، فقد صار عدوًا لله” ]٤[.

يترجمها البعض “أيتها الزانيات Ye Adulteress”، وليس غريبًا أن يستخدم الرسول هذه الصيغة، لأنه في العهد القديم[3] كان يُشبَّه خيانة عهد الله والانحراف عن العبادة بالخيانة الزوجيّة، كما استخدم العهد الجديد[4] نفس التشبيه مُسَمِّيًا هذا الأمر “فسقًا” أي زنا روحيًا، فيه ترفض النفس البشريّة الاتحاد بعريسها (2 كو 11: 2) لتتحد بإله آخر. هذا الإله قد يكون إنسانًا معينًا أو شهوة مادة.

لكن يتساءل البعض: لماذا نعتبر محبة العالم عداوة لله وزنا روحيًا، مع أن الله خلق كل شيء من أجل الإنسان؟ الله لا يريد مضايقتنا أو حرماننا، لكن كبعلٍ للعروس أو خَتْنِها السماوي لا يقبل أن تلتصق بآخر. يريدنا أن نستعمل العالم. لكي نَتلَمَّس محبة الواهب دون أن يرتبط قلبنا بحب العطيّة ذاتها متجاهلين صاحبها. فالعالم في خلقته حسن (تك ١: 10)، لكن إذا تمسك الإنسان به، وانشغل عن الله يُقال: العالم كله وُضِعَ في الشرير (١ يو ٥: ١٩)، إذ لم يعد قنطرة للعبور إلى الأبديّة، بل تَعَبَّد له الإنسان وارتبط بمغرياته، وهكذا سقط في فخاخه. لهذا يوبخنا الرسول قائلاً:

أم تظنون أن الكتاب يقول باطلاً

الروح الذي حلّ فينا يشتاق إلى الحسد]٥[.

وكما يقول الله عن نفسه “لأني أنا الرب إلهك إله غيور” (خر ٢٠: ٥). فالروح القدس الساكن فينا يشتاق إلى الحسد أو يغير علينا غيرة مقدسة[5].

وكما يقول القديس إيرونيموس [لو لم يكن الله محبًا للنفس لما غار عليها ولا تَعَقَّبها على حب غيره، كالرجل الذي يتعقَّب عروسه على حبها سواه.]

ولكنه يعطي نعمة أعظم.

لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين،

وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة” ]٦[.

إن كان الله يغير علينا فإنه لا يتركنا وحدنا حتى لا نخور في أنفسنا (عب ١٢: ٣) لكنه يَهَب نعمة أعظم للمتواضعين الخاضعين لعمله (أم ١٦: ١٨)، أما الذين يتكلون علي ذواتهم فيقاومهم لأنهم ارتبطوا بروح إبليس المعاند.

فاخضعوا لله.

قاوموا إبليس فيهرب منكم]٧[.

إن كنا نرفض ملكوت إبليس يَلْزَمنا أولاً أن نقبل ملكوت الله بالخضوع له، بعد هذا نقاوم، وعندئذ لا يكون لإبليس سلطان علينا بل يهرب منا.

ويُشَبِّه القديس ذهبي الفم الشيطان بكلبٍ لا يبرح ملتصقًا بمائدة صاحبه مادام يُلْقَى إليه بين حين وآخر شيئًا منها. لكن إن كفَّ عن ذلك، فسيبقى إلى حين ثم ينقطع رجاؤه ويهرب من المائدة ليبحث عن مائدة أخرى. هكذا يَلْزَمنا أن نقاوم إبليس على الدوام ولا نعطيه مكانًا فينا (أف ٦: ١١، ١٣؛ ٤: ٢٧).

كيف نخضع لله ونقاوم إبليس؟

  1. 1. بالاقتراب منه “اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم”

رأى الأب المحب ابنه الضال راجعًا فتحنن وركض ووقع على عنقه وقَبَّله” (لو ١٥: 20). فما أن نرجع إلى الله حتى يرجع هو إلينا (زك ١: ٣)، لأنه ليس ببعيدٍ عنا، بل كما يقول “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ ٣: ٢٠).

بالتوبة ندخل إلى الله، وبدونها لا ننتفع بالبركات الإلهيّة التي نلناها في العماد، ولا نستحق التناول من الأسرار المقدسة للاتحاد بالرب، ولا نعرف كيف نصلي أو كيف نستمع إلى صوت الله في كتابه، أو كيف ندخل بيته، أو نُرَنِّم له ونسبحه ونشكره، أو نخدمه ونخدم أولاده الخ.

٢. “نقوا أيديكم أيها الخطاة

يقول القديس إكليمنضس الروماني[6]: [ليتنا نقترب إليه في قداسة النفس، رافعين أيادي نقيّة غير دنسة.]

يَلْزم ألاَّ تكون التوبة كلامًا أو مجرد مشاعر وعواطف بل سلوكًا أيضًا وحياة. لذلك طالب الرسول بنقاوة اليدين، أو نقاوة الأعمال. ويريدنا الرسول بولس أن نصلي رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال (١ تي ٢: ٨)، لأنه “من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين والنقي القلب” (مز ٢٤: ٤). ويؤكد الله “إن كَثَّرتم الصلاة لا أسمع”. وما السبب؟ أيديكم ملآنة دمًا” (إش ١: ١٥).

٣. “وطهروا قلوبكم يا ذوي الرأيين]٨[.

وهنا لم يقل “أيها الخطاة” بل “يا ذوي الرأيين” موضحًا أن طهارة القلب تعني وحدة الهدف، فلا يكون منقسمًا بين محبة الله ومحبة شيء آخر. هكذا عرَّف الأب موسى[7] نقاوة القلب الذي هو ترمومتر العبادة.

اكتئبوا ونوحوا وابكوا ليتحول ضحككم إلى نوح وفرحكم إلى غم” ]٩[.

يقول الأب نيلس السينائى: [قبل كل شيء اطلب من الله أن يَهبَك دموعًا، فربما تُلَيِّن الدموع الصلابة الكامنة في نفسك، وتكشف لك خطاياك من نحو الله، وبهذا يَهَبك الله عنها غفرانًا. استخدم الدموع كسلاح للحصول على طلباتك من الله، لأن الله القدير يُسَرُّ عندما تصلي بدموع… احذر الوقوع في انفعال عاطفي… فكثير من الناس ينسون الغرض من الدموع[8].]

ليعطنا الرب أن نرفع أعيننا بالدموع نحوه كالطفل تجاه أمه، فيكون لنا هذا الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنْشيء توبة لخلاص بلا ندامة (٢ كو ٧: ١٠).

جاء في سيرة القديس باخوميوس [في أحد الليالي إذ عبر باخوميوس ومعه تادرس تلميذه على مقابر فوجدا نسوة يَنُحْنَ ويَبْكِين، فتأثر باخوميوس لهذا المنظر مشتاقًا لو بكى الكل على خطاياهم حتى يقومون… لذلك قال لتلميذه: أما ترى هؤلاء كيف يَسْكُبْنَ دموعهن على أموات ليس لهن قدرة على إقامتهم؟ فكم يَلزمنا نحن المدعوين رهبانًا أن نندب أنفسنا الميتة بزلاتها لكي يقيمها السيد المسيح ويحييها برحمته!

على كل حال البكاء ممدوح إن كان بقصد صالح، كما كان يفعل سائر الآباء القديسين. فداود النبي يقول: “أُعَوِّم كل ليلة سريري بدموعي أُذَوِّب فراشي” (مز ٦: ٥)، فعني بالمساء هذا العالم، والصباح العالم الآتي. ويوسف بكى على إخوته… وناح إرميا النبي نادبًا شعبه[9].]

  1. “اتضعوا قدام الرب فيرفعكم” ]١٠[.

خشي الرسول أنهم في بكائهم يحسبون أنفسهم أفضل من غيرهم فيفقدون كل جهادهم. لهذا يقول الأب نيلس السينائي [عندما تسكب فيضًا من الدموع أثناء الصلاة لا تفتخر بذلك، ظانًا في فكرك أنك أفضل من آخرين، بل إن اعترافك بخطاياك وهبك دموعًا استجلبت حنان الله[10].]

٣. تفقدنا سلامنا مع الناس

رأينا أن محبة الأرضيّات تفقدنا سلامنا الداخلي وسلامنا مع الله، وبالتالي تُفْسِد نظرتنا للآخرين، فندينهم ونرى كأنهم أشرار. لذلك ينصحنا الرسول: “لا يذم بعضكم بعضًا أيها الإخوة. الذي يذم أخاه ويدين أخاه يذم الناموس ويدين الناموس، وإن كنت تدين الناموس فلست عاملاً بالناموس، بل ديانًا له” ]١١[.

إنه يوجه الحديث قائلاً: “أيها الإخوة“. فإذ نحن إخوة يليق بنا أن نستر ضعفات بعضنا البعض، مترفقين بالكل. فمن يذم أخاه يذم الناموس الذي أوصانا بمحبة القريب كنفوسنا، ومن يدين الناموس ويرفضه إنما يرفض واضعه مع أنه “واحد هو واضع الناموس، القادر أن يخلص ويهلك، فمن أنت يا من تدين غيرك؟” ]١٢[

إنه الديان الوحيد واضع الناموس الحب والرحمة وقادر أن يخلص، وقادر أن يدين، فَمَنْ نحن حتى ندين الآخرين فنسلب الله حقه وعمله؟

ذكر بلاديوس [حدث أن دان إسحق القس التبايسي أخًا على فعل ما، وذلك بعد خروجه من الجماعة ليتوحد في البريّة، فجاءه ملاك يقول له: “الرب يقول لك: أين تشاء أن تطرح نفس ذلك الأخ المخطيء الذي تدينه؟” فلما أدرك خطأه قال “أخطأت، اغفر لي”.]

ويقول الشهيد كبريانوس [لا يجوز لنا أن نسبق بالحكم مادام الرب نفسه هو الديان، اللهم إلاَّ إذا كان سيصادق على ما نحكم به الآن على الخطاة، حتى إذا وجد فيما بعد توبة صادقة وكاملة منهم[11].]

٤. لا تهبنا شيئًا

سِرُّ انجذابنا للشهوات وانشغالنا بالأرضيّات هو عدم إدراكنا لحقيقة غربتنا على الأرض، أو تناسينا لها، لهذا يوبخ الرسول قائلاً:

هلم الآن أيها القائلون

نذهب اليوم أو غدًا إلى هذه المدينة أو تلك وهناك نصرف سنة واحدة

ونَتَّجِر ونربح .

أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد،

لأنه ما هي حياتكم،

إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل” ]13 ١٤[.

ليس العيب في الاتجار، لكن في التحديد بأمرٍ قاطعٍ دون تسليم المشيئة للرب. حَسَنٌ للإنسان أن يدبِّر الأمور، متكلاً على الله، وشَرّ أن يظن أنه قادر على تدبير أموره بحكمته الخاصة. فالرب لا يُعلِّمنا التواكل بل الاتكال، بل يطلب الأمانة في كل عمل، لكن بغير كبرياء، كالغني الغبي الذي جمع الكثير، وظن أنه قادر أن يُشْبِعَ نفسه لسنين كثيرة، فطُلِبَتْ نفسه في ذات الليلة (لو ١٢: ١٥-٢١).

“ما هي حياتكم؟” هكذا يستخف الرسول بالحياة الزمنيّة من أجل قصرها، وكما يقول القديس ذهبي الفم[12]: [إن الحياة هنا وأمورها هي مجرد طريق، أما مسكننا فهو أمور الدهر الآتي. أمور هذه الحياة تُشْبِه الربيع، أما الحياة الأخرى فهي كالصخور لا تنهدم.]

لم يقل الرسول “لماذا تذهبون وتتاجرون”، إنما كان لومه هكذا: “عِوَض أن تقولوا إن شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك. وأما الآن فإنكم تفتخرون في تعظمكم، كل افتخار مثل هذا رديء” ]15 16[.

لقد كانت عادتهم أن يذهبوا إلى المدن الجديدة ويقضون عامًا تقريبًا ليتاجروا ويربحوا ويعودوا إلى بلدهم. لم يَلُمْهُمْ على هذا، إنما لامهم لأنهم لم يسلموا المشيئة في يدي الله، بل اتكلوا على ذواتهم وتخطيطاتهم وحكمتهم وتكبروا.

فمن يعرف أن يعمل حسنًا، ولا يعمل، فذلك خطيّة له]١٧[. وكأنه يجيبهم على سؤال وجهوه إليه: وهل في هذا العمل خطيّة؟ نحن لم نُؤْذِ أحدًا ولا أسأنا إلى الناموس، فلماذا تلومنا؟

بلا شك عدم الاتكال على الله خطيّة، لكن الرسول أجابهم بصورة أروع. “من يعرف أن يعمل حسنًا “أي يتكل على الله”، “ولا يعمل، فذلك خطيّة”. فماذا يكون الأمر إن كنتم تعرفون ما هو شر وتفعلونه؟

[1] حرصٌا على عدم الإطالة راجع مناظرات يوحنا كاسيان ص 462-474.

[2] راجع للمؤلف: كتاب “الكنيسة تحبك” ص 36-38.

[3] مز 73: 27، أش 54: 5، إر 2: 2، 3: 1، حز 16، 23: 37-43، هو 2: 2.

[4] مت 12: 39، 16: 4، رؤ 2: 20-22.

[5] خر 34: 14، تث 4: 24، 5: 9، 6: 15، يش 24: 19، حز 39: 25، نا 1: 2، زك 8: 2.

[6] للمؤلف: رسالة القديس إكليمنضس أسقف رومية طبعة 1967.

[7] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان 1..

[8] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 8-9.

[9] للمؤلف: باخوميوس أب الشركة وتلميذه تادرس طبعة 67 ص 46.

[10] الفيلوكاليا عن الصلاة.

[11] للمؤلف: الحب الأخوي، 1964، ص 445.

[12] العناية الإلهيّة للقديس يوحنا الذهبي الفم مترجم عن الفرنسيّة لمدام عايدة حنا ف 11.

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول

الإيمان والتجارب

 

يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن الإيمان والتجارب:

١. المقدمة (تحية).                          ١.

  1. التجارب الخارجية. 2-4.
    كيف نحتمل التجربة؟

   أولاً: باقتناء الحكمة السماوية              ٥–٧.
  
ثانيًا: باقتناء التواضع                      ٨.

   ثالثًا: إدراك زوال العالم                     ٨ – ١٢.

  1. التجارب الداخلية ١٣ – ١٥.
  2. 4. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح ١٦ – ١٧.
  3. موقفنا كأولاد لله:

   أولاً: الإسراع في الاستماع                 ١٨.

   ثانيًا: الإبطاء في التكلم                    ١٩.

   ثالثًا: الإبطاء في الغضب                   ١٩ – ٢٠.

   رابعًا: نزع بذور الشر وغرس الكلمة         ٢١ – ٢٥.

   خامسًا: تلجيم اللسان                      ٢٦.

   سادسًا: الرحمة بالآخرين                   ٢٦.

   سابعًا: حفظ الإنسان من دنس العالم       ٢٧.

1. المقدمة (التحية)

يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح،

يهدي السلام إلى الإثنى عشر سبطا الذين في الشتات” ]١[

لم يذكر الرسول نَسَبُه حسب الجسد للرب يسوع بل يدعو نفسه “عبدًا”. والعبد كما نعرف لم يكن له حق أو سلطان حتى على جسده أو إرادته أو زوجته أو أولاده… بل للسيد أن يتصرف كيفما يشاء. هكذا يحب يعقوب الرب إلى درجة العبوديّة، يفرح جدًا أن يترك للمحبوب أن يفعل به ما يريد. هذه عبوديّة، لكنها لا عن قسر وإكراه بل في حب ورضا.

هذه أحاسيس الذين عشقوا الثالوث القدوس، فإذ يرون الآب يفتح لهم أحضانه كبنين، والابن يقبلهم كعروس، والروح القدس هيكلاً له، يرتمون في حضن الثالوث القدوس في تسليم كامل كعبيد، فيقول كل واحد منهم مع الرسول أنه “عبد الله والرب يسوع المسيح“.

هذا القول يكشف عن عظمة حب الرسول واعتزازه بالتعبد لله في تواضع حقيقي[1].

2. التجارب الخارجية

احسبوه كل فرح يا إخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة” [.

لم يقل الرسول “يا أولادي” مثل يوحنا الحبيب بل “يا إخوتي”. والسبب في هذا أنه يتحدث عن التجارب والآلام، فيريد أن يبث فيهم روح الشجاعة كإخوة، وأنهم ليسوا أطفالاً وأبناء.

وقوله “يا إخوتي” يُذكِّرهم برباطهم معًا في أخوة روحيّة خلال الميلاد الجديد كأبناء لله، مما يجعلهم يتقبلون الآلام بغير تذمر، وفي تسليم وفي فرح، بل في “كل فرح“.

وربما قصد بكلمة “كل” هنا أنها النهاية القصوى للفرح، أو عدم تقبُّل شيء غير الفرح، أو كل صنوف الفرح، إذ تحل بهم صنوف متنوعة من التجارب. وكأنه يقول لهم: حينما تحل بكم لا تجربة ولا إاثنتين بل تجارب متنوعة، يليق بكم لا أن تفرحوا بل تفرحوا كل الفرح.

وكلمة “تقعون” في اليونانيّة لا تعني السقوط أو الدخول في تجارب، إنما تعني حلول التجارب واحاطتها بالإنسان من الخارج، كما تحمل معنى المفاجأة في الحلول وعدم توقعها. بهذا فإن الرسول لا يتكلم عن التجارب التي تنبع من داخل النفس، بل التي تحل بنا من الخارج.

فخلال هذا النسب الجديد نتقبل هذه التجارب المتنوعة بكل فرح[2] قائلين: “كحزانى ونحن دائمًا فرحون” (٢ كو 6: 9). لأن هذه الآلام ليست بسبب الخطيّة، بل هي سمة الرب المتألم “مكملين نقائص شدائد المسيح في أجسادنا”  (كو 1: ٢٤).

وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [“لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا” (٢ كو 1: 5)… إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، من أجله نتألم! بالإيمان ندرك الميلاد الجديد والقيامة. فالذين يؤمنون بيسوع المُقام حقًا، يلزمهم أن يقدموا أنفسهم للآلام. والذين لهم شركة في آلامه، يقومون معه أيضًا. لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات” (في ٣: 10)[3].]

ويكتب البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه الذي تحل به التجارب على أيدي الأريوسيين قائلاً: [لنفرح عالمين أن خلاصنا يحدث في وقت الألم. لأن مخلصنا لم يخلصنا بغير ألم، بل تألم من أجلنا مبطلاً الموت، لهذا أخبرنا قائلاً: “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو ١٦: ٣٣). وهو لم يقل هذا لكل إنسان بل للذين يخدمونه خدمة صالحة بجهادٍ وإيمانٍ، أي أن الذين يعيشون بالتقوى من جهته يُضطهدون[4].]

عالمين أن امتحان إيمانكم ينشىء صبرًا” ]٣[.

سر الفرح أن التجارب مهما اشتدت هي بالنسبة للمؤمن الحقيقي امتحان. هذا الامتحان يُعين الإنسان أن يكون له صبر، إذ يتشبه بالرب يسوع.

ويلاحظ أن الصبر هنا لا يحمل المعنى السلبي الذي فيه يستسلم الإنسان بخنوعٍ أو يخضع للألم بشجاعة بشريّة وكبت على حساب أعصابه، فإن هذا حتمًا يدفع إلى الانفجار. وإنما الصبر هنا يعني الجانب الإيجابي، وهو الصبر المملوء حبًا،حيث يرمي الإنسان بآلامه على الرب المتألم بفرح في حب ورضا، بل يسعى هو بنفسه للألم لأن خلاله يتمثَّل بالرب المتألم.

وأما الصبر فله عمل تام“.

التجربة في ذاتها مرّة، لكن الصبر الذي تنشئه له غاية كاملة وهي: “لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء]٤[.

  1. نكون تامين أي ناضجين روحيًا، فكما أنه لا يكفي لزراعة شجرة أن نلقي البذرة ونرويها ونعتني بها، لكن مع اهتمامنا بها يلزم أن نصونها من الرياح في بدايتها، ثم نعرضها لها قليلاً قليلاً حتى تنضج، هكذا لا يكفي أننا نؤمن بالمصلوب، وإنما يلزمنا بعد ولادتنا بالمعموديّة أن نشترك مع الرب في آلامه حتى ينمو فينا الإنسان الجديد، وينضج يومًا فيومًا في رجولة روحيّة.

ويُشبِّهنا القديس يوحنا ذهبي الفم بالطفل الذي يتعلم المشي. فإن المُربية تمد يديها وتمسك بيديه، وتسير به قليلاً قليلاً، وفي خلال سيره تترك يديه إلى حين. قد يبكي، وقد يسقط، لكن قلبها وعينيها وكل أحاسيسها معه! هكذا يمسك الله بيدينا ويترفق بنا، لكن لابد أن يسحب يده قليلاً دون أن يتخلى عنا. يسمح لنا بالتجارب لكي نتدرب في طريق النضوج الروحي.

لذلك كتب العلامة ترتليان إلى المتألمين المسجونين بسبب الإيمان يقول لهم: ]أيها الطوباويون، احسبوا كل ما يصيبكم تداريب للتقوية، حتى تنالوا إكليلاً أبديًا ملائكيًا، فتصيروا سكانًا للسماء، ممجدين إلى الأبد… إن سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى حلبة المصارعة (للتدريب) يرى أن هذا مفيد لكم… فيُلزمكم بتداريب قاسية لتنمو روحيًا… فالفضيلة تُبنَي فينا بالجهاد وتزول وتتحطم بالانزلاق في الشهوات[5].]

  1. كاملين وغير ناقصين في شيء… أي ليس فقط تامين، ولكن هذا النضوج يشمل كل جوانب الحياة الروحيّة.

حقًا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع ٣: ٢)، لكننا كأولاد لله قدر ما نخضع لمدربنا الرب يسوع، مجاهدين نسمع كلمات الرسول: “بعدما تألمتم يسيرًا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويُمَكِّنكم” (١ بط ٥: ١٠).

كيف نحتمل التجربة؟

أولاً: باقتناء الحكمة السماوية

إن كان أحد تعوزه حكمة

فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير،

فسيُعطَى له” ]٥[.

بالحكمة السماوية يقف الإنسان على إرادة الله ويدرك مواعيده للصابرين إلى المنتهى، فيفرح بالتجارب كمن وجد غنيمة. لهذا لا نكف عن طلبها قائلين: هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. فإني أنا عبدك وابن أمتك، إنسان ضعيف، قليل البقاء وناقص الفهم (حك ٩: ٥٦).

وإنه “يعطي الجميع” أي يهب كل من يطلب، لأنه لا يحابي أحدًا، وهو يعطي بسخاء، أي بفيض، مجانًا بلا قيد ولا شرط. يقدّم ولا يعيّر، لأنه أب، والأب يفرح بعطائه لابنه كل شيء. لكن لماذا لا ننال أحيانًا؟

ليس السبب في الله، بل فينا نحن الذين توقّف فيض عطاياه علينا بسبب عدم إيماننا، لذلك يقول الرسول: “ولكن ليطلب بإيمان“. وكما يقول الأب إسحق: [هكذا تستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: “كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم” (مر ١١: ٢٤)[6].]

ليطلب الحكمة “غير مرتاب البتة“، أي من غير أن ينقسم قلبه بين التجائه إلى الله واهب الحكمة  واعتماده على حكمته الذاتيّة، أو بين محبة الله ومحبة الأمور الزمنيّة.

لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه” ]٦[ فيكون كالموجة التي تدفعها الريح على الصخر فتصير رذاذًا.

فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب.

رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه” [7-٨[.

وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب[7]!]

ثانيًا: باقتناء التواضع

تنزع الحكمة السماوية عن الإنسان ذاتيته، فيختبر التواضع الحقيقي. إذ ينحني منسحقًا يلتصق بصليب الرب، فيرتفع مبتهجًا غالبًا بقوة القيامة. لذلك يقول الرسول: “وليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه” ]٩[.

وأما الغني فباتضاعه“.

يوجه حديثه هنا للغني، دون أن يقول “الأخ” حتى لا يظنوا أنه يداهنهم بسبب غناهم. إنه يجدر به ألاَّ يفتخر بغناه بل بتواضعه. بهذا يقدر أن يحتمل التجربة!

ثالثًا: إدراك زوال العالم

إذ يدرك المؤمن حقيقة غربته على الأرض يرتفع نظره إلى حياة أفضل، محتملاً كل ألمٍ وتجربةٍ بغير تذمر، إذ كل ما في هذا العالم يزول.

“لأنه كزهر العشب يزول.

لأن الشمس أشرقت بالحر،

فيبَّسَتْ العشب،

فسقط زهره، وفني جمال منظره.

هكذا يذبل الغني في طرقه” [10-١١[.

تأثر الرسول بالمنظر الساحر الذي في تلك البقاع حيث تغطي أزهار شقائق النعمان منحدرات التلال في الصباح، لكن ما أن تظهر الشمس وتهب الرياح الحارة حتى تجف وتُجمع للوقود. وقد استخدم إشعياء نفس التشبيه (٤٠: ٦٧)، وكذلك أيوب (١٤: ٢).

إن الشمس التي تهب حياة للزرع تُفني جمال زهر العشب، هكذا شمس التجارب التي تُزيد المؤمن بريقًا، تُهلك المتكلين على غناهم فيذبلون في طرقهم.

إذًا ليرفع الأغنياء أنظارهم إلى السماويات، بدلاً من أن ينشغلوا بجمال زهر عشب الغِنَى الذي سرعان ما يذبل، وبهذا تتحول تجاربهم إلى موضوع كل فرح.

طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة،

لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة

الذي وعد به الرب للذين يحبونه” ]١٢[.

وإذ يرتفع نظرنا إلى السماويات، تاركين الغِنَى الزمني، نشتهي الدخول في مدرسة التجارب العمليّة. وإذ نتخرج فيها نعلن حبنا لله فننال “إكليل الحياة” الذي هو نصيب المحبين. إنها تُخرِّج رجالاً في الروحانيّة، لذا يقول الرسول “طوبى للرجل…” لذلك تاق الآباء إليها:

فيقول الأب تادرس: [يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة… ويتغني الرسول الطوباوي قائلاً: “أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي” (٢ كو ١٢: ١٠)[8].]

ويقول القديس أغسطينوس [إن كنتَ ذهبًا، فلماذا تخاف النار، فإنه في الكور يحترق الزغل وتخرج أنت نقيًا؟ وإن كنت حنطة، فلماذا تهاب الدراس، مع أنك لا تظهر على ما أنت عليه إلاَّ به حيث يُنتزع عنك “التبن” ويظهر أصلك وشرفك؟]

٣. التجارب الداخلية

لا يقل أحد إذا جُرِّب إني أُجَرَّب من قِبَل الله،

لأن الله غير مُجرِّب بالشرور،

وهو لا يُجرِّب أحدًا” ]13[.

بحثت الفلسفات كثيرًا عن مصدر الشر، فنادى البعض بوجود إلهَيْن، أحدهما علة الخير والآخر علة الشر[9]… وآخرون نادوا أن الله علة الخير والشر.

والشر هنا لا يعني ما قد يحل بنا من تجارب أو كوارث أو ضيقات، بل الخطيّة والظلمة. الأمر الذي لا يتفق مع طبيعة الله كلّي الصلاح الذي فيه كمال مطلق. وهنا يقطع الرسول بأن الله غير مُجرِّب بالشرور وبالتالي لا يُجَرِّب أحدًا.

حقًا قيل عن الله إنه يجلب شرًا[10]، وهذا كقول القديس أغسطينوس من قبيل حب الله أن يحدثنا بلغتنا قدر فهمنا، فهو يجلب التأديب الذي نسميه شرًا لخيرنا. أما الشر أي الخطيّة، فلا يحرضنا الله عليها، بل ولم يخلق فينا عواطف أو دوافع أو طبيعة شريرة، بل كل ما خلقه فينا هو حسن جدًا. ونحن بإرادتنا في شخص آدم انحرفنا عما هو حسن لنشبعه بما هو ليس حسن. فالحواس والعواطف والدوافع كلها بلا استثناء يمكن أن تًوجه كطاقات للخير متى سلمت في يد الله، وكطاقات للشر متى نُزِعَت عنا نعمته[11]

إذن الله لا يجربنا بالشرور، إنما يسمح لنا بالتجارب الخارجيّة لامتحاننا.

يقول البابا ديونيسيوس الإسكندري:

[ربما تقول: ما هو الفرق بين كون الإنسان يُجَرَّب، وبين سقوطه في تجربة أو دخوله فيها؟ حسنًا متى انهزم إنسان بالشر، ساقطًا بسبب عدم جهاده دون أن يصونه الله بدرعه، نقول أنه دخل في تجربة وسقط فيها وصار أسيرًا تحتها. أما من يثبت ويحتمل فهذا الإنسان يكون مجرَّبًا وليس داخلاً في تجربة أو ساقطًا فيها.

هكذا اقتاد الروح السيد المسيح لا ليدخله في تجربة بل ليجربه الشيطان (مت ٤: ١).

إبراهيم أيضًا لم يُدخله الله في تجربة بل جربه…

والرب جرب (امتحن) تلاميذه…

هكذا عندما يجربنا الشرير يجذبنا إلى الشر لأنه “مُجرِّب بالشرور”. أما الله فعندما يجربنا (يمتحنا) يسمح لنا بالتجارب بكونه غير مُجَرِّب بالشرور.

الشيطان يجذبنا بالقوة بقصد إهلاكنا، والله يقودنا بيده ويدربنا لأجل خلاصنا[12]. [

إذن الشر ليس مصدره الله. فلماذا نسقط في الشر؟

لكن كل واحد يُجَرِّب إذا انجذب وانخدع من شهوته.

ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيّة،

والخطيّة إذا كملت تنتج موتًا” ]14-15[.

ا. الانجذاب والانخداع: يقوم عدو الخير بإثارتنا بمثيرات داخلية وخارجيّة كثيرة بلا حصر، من لذات جسديّة وملذات العالم وكراماته وأحزانه. هذه المثيرات مهما اشتدت ليست لها قوة الإلزام بل الخداع لكي ما يخرج الإنسان من حصانة الله، ويفلت من بين يديه، منجذبًا ومنخدعًا وجاريًا وراء الخطيّة.

يؤكد ربنا يسوع المسيح قائلاً: “خرافي تسمع صوتي… ولا يخطفها أحد من يدي” (يو 10: 27-28)، أي لا توجد قوة مهما بلغت يمكن أن تخطف نفس المؤمن الذي يسمع لصوت الرب ويتبعه، أما إن امتنع المؤمن عن الاستماع لصوت الرب وقَبِلَ باختياره الإنصات إلى صوتٍ آخر، للحال ينخدع وينجذب من دائرة الرب إلى دائرة الخطيّة.

من يُقبِل إلى الرب لا يخرجه خارجًا (يو 6: ٣٧)، إذ هو الباب إن دخل به أحد يخلص ويجد مرعى (يو ١٠: ٩)، ولكن إن شاء الخروج عن الرب، فلا يلزمه الرب بالبقاء، عندئذ ينطلق من عناية الله تجاه خداعات العدو.

ب. الحبل: يُشبِّه الرسول الشهوات بامرأة زانية تجذب إليها الإنسان وتخدعه. وإذ يقبلها ويتجاوب معها يتحد بها فتحبل. “ثم الشهوة إذا حبلت…” أي تكون كالجنين الذي ينمو يومًا فيومًا، الذي هو الخطيّة.

ج. الولادة: وإذ يكتمل نمو الجنين تلد ابنًا هو “الموت”، لأن الخطيّة تحمل في طياتها جرثومة الموت.

تحدَّث كثير من الآباء عن هذه المراحل الثلاث. فيطالبوننا أن نصارع الخطيّة في طورها الأول وهي تحاول أن تخدع حيث لا سلطان لها علينا، ويمكننا برشم علامة الصليب وبصرخة خفيفة داخليّة تجاه الرب أن نتخلص منها. أما إذا تركنا الخطيّة لتتعدى الطور الأول إلى الثاني حيث نقبلها ونرضيها. فإن إرضاءنا لها– مهما كان إغراؤها– هو بإرادتنا ونحن مسئولون عنه.

هذا ما يؤكده القديس مرقس الناسك[13] قائلاً يأنه لا يمكن أن تسيطر علينا خطيّة فجأة، لكن إما أننا سبق أن قبلناها بإرادتنا، أو قبلنا خطيّة مشابهة لها أو باعثة لها. فمثلاً لا تسيطر أفكار شهوة على إنسان عفوًا، اللهم إلاَّ إذا كان قد سبق أن ترك لأفكاره العنان بإرادته يتلذذ بها، أو سقط بإرادته في الكبرياء والعجرفة وحب الظهور الذي يُوَلِّد السقوط، أو سقط في الغضب بإرادته حيث تنزع عنه نعمة الله، أو أتخم معدته وتلذذ بالنَّهم.

إذن يليق بنا أن ندرك مراحل الخطيّة الثلاث (الانجذاب لها، التلذذ بها، تنفيذها) حتى نحاربها بالرب يسوع منذ بدايتها. وهذا أكثر أمانًا لنا. وقد تحدث القديس أغسطينوسعن هذه المراحل الثلاث فقال:

[الخطية تكمل على ثلاث مراحل:

ا. إثارتها (الانجذاب لها والانخداع بها[14]).

ب. التلذذ بها (الحبل بها).

ج. إرضاؤها (الولادة).

تحدت الإثارة عن طريق الذاكرة أو الحواس كالنظر أو السمع أو الشم أو التذوق أو اللمس. فإن نتج عن هذا لذة لزم ضبطها. فلو كنا صائمين، فبرؤيتنا الطعام تثور شهوة التذوق، هذه الشهوة تنتج لذة. فعلينا ألاَّ نرضيها بل نضبطها إن كان لعقلنا – الذي يمنعنا من إرضائها – السيادة. أما إذا أرضيناها فستكون الخطيّة قد كملت في القلب فيعلم بها الله ولو لم يعلم بها البشر.

إذن هذه هي خطوات الخطيّة: تتسلل الإثارة بواسطة الحواس الجسدانيّة كما تسللت الحيّة في إثارة حواء، لأنه حيث تسربت الأفكار والتصورات الخاطئة إلى نفوسنا تكون هذه نابعة من الخارج من الحواس الجسديّة. وإن أدركت الروح أي إحساس خفي عن غير طريق هذه الحواس الجسديّة، كان هذا الإحساس مؤقتًا وزائلاً، فتسلل هذه التصورات إلى الفكر في دهاء الحيّة…

وكما أن للخطيّة مراحل ثلاث أي الإثارة واللذة والإرضاء، هكذا تنقسم الخطيّة إلى ثلاثة أنواع:

ا. خطيّة القلب (لم تنفذ عمليًا).

ب. خطيّة بالعمل.

ج. خطيّة كعادة.

وهذه الأصناف الثلاثة تشبه ثلاثة أموات:

ا. الميت الأول كما لو كان في المنزل ولم يُحْمَل بعد، وذلك عند إرضاء الشهوة في القلب (وهو صبية صغيرة).

ب. الميت الثاني كما لو كان قد حُمِل خارج المنزل، وذلك عندما يبلغ الرضا حد التنفيذ (وهو شاب أكبر من الصبية).

ج. الميت الثالث كما لو كان في القبر قد أنتن، وذلك عندما تكون الخطيّة قد بلغت حد العادة (وهو رجل أكبر من الشاب).

ونرى في الإنجيل أن الرب أقام هذه الأنواع الثلاثة من الأموات مستخدمًا عبارات مختلفة عند إقامتهم. ففي الحالة الأولى قال: طليثا قومي” (مر ٥: 41). وفي الثانية: “أيها الشاب لك أقول قم” (لو٧: ١٤). وأما في الثالثة فقد انزعج بالروح وبكى وبعد ذلك صرخ بصوت عظيم “لعازر هلم خارجًا” (يو ١١: ٣3-4٤).[15]]

٤. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح

لا تضلوا يا إخوتي الأحباء .

كل عطيّة صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق

نازلة من عند أبي الأنوار” ]16-١٧[.

في كل مرة نصلي نقول: “فلنشكر صانع الخيرات…” لأننا لا نعرف مصدرًا للخيرات غير الله. وهنا يحذرنا الرسول ألاَّ نضل، فنظن أنه يمكن أن يصدر عن الله غير الخير والصلاح، أو نحسب أننا نقدر أن ننال صلاحًا بطريق آخر غير الله. نَسَبُ الشر إلى الله ضلال، لأن الله “أب الأنوار”. وطلب الصلاح من غير الله ضلال، لأنه هو “أب” لا يقبل أن يلتجىء أولاده إلى أب غيره!

إذن كل عطيّة صالحة أي لخيرنا، وكل موهبة تامة مُقدَّمة كهبة مجانيّة ليس فيها عيب أو نقصان هي من فوق نازلة، أي يوجد فيض مستمر من السماء تجاه البشر، من الأب نحو أولاده.

يقول الأب شيريمون: [يبدأ الله معنا ما هو صالح، ويستمر معنا فيه، ويكمله معنا. وذلك كقول الرسول “والذي يُقدِّم بذارًا للزارع وخبزًا للأكل سيقدم ويُكَثِّر بذاركم ويُنْمِي غلات برّكم” (٢ كو ٩: ١٠). هذا كله من أجلنا نحن، لكي بتواضع نتبع يومًا فيومًا نعمة الله التي تجذبنا. أما إذا قاوْمنا نعمته برقبة غليظة وآذان غير مختونة (أع ٧: ٥١)، فإننا نستحق كلمات النبي إرميا القائلهل يسقطون ولا يقومون؟ أو يرتد أحد ولا يرجع؟ فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتدادًا دائمًا، تمسكوا بالمكر، أبوا أن يرجعوا؟” (إر ٨: 4-5).[16]]

ويؤكد الرسول أنها من عند “أبي الأنوار. الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران“.

وكما يُدْعَى إبليس أب الأشرار (يو ٨: ٤٤)، يُدْعَى الله “أب الأنوار” أي القديسين النوارنيين أو الملائكة. إنه النور الحقيقي وواهب النور. إنه ليس كالشمس المنظورة التي تعكس نورها على الكواكب الأخرى، لكنها تتغير ويأتي اليوم الذي فيه تزول، إنما هو شمس البرّ الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران!

أب ينير أولاده، وأبوته المنيرة ثابتة لا تتناقص، يجذب أولاده ليستنيروا منه. كيف يتم ذلك؟ خلال أشعة محبته المعلنة في عطاياه الزمنيّة والروحيّة يجذب أنظارنا وينير عقولنا، فنراه ونعشقه، وعندئذ لا ننشغل حتى بعطاياه الصالحة ومواهبه التامة، إنما نقول له مع القديس أغسطينوس: [قبل هذه الأعمال الجسديّة أعمالك الروحيّة التي هي سماوية ومتلألئة هكذا… لكنني جُعْتُ إليك، وعشطتُ لك… لك أنت بذاتك أيها الحق “الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران[17]“.]

عطيّة واحدة خلال كل عطاياه التي بلا حصر ومواهبه التامة يلزم ألاَّ تفارق ذهننا أبدًا، وهي عطيّة الميلاد الجديد الذي نلناه بالمعموديّة، فصرنا له أولادًا وهو أب لنا، إذ:

شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه” ]١٨[.

يا لها أشرف عطيّة أننا بالرب يسوع “كلمة الحق” الذي مات عنا بالجسد وقام وهبنا بروحه القدوس أن نولد لله والكنيسة ولادة جديدة روحيّة بالمعموديّة.

بهذه الولادة يجدر بنا أن نرتبط بالرب يسوع “البكر”، فنصير نحن أيضًا “باكورة من خلائقه”.

وكما كان الله يُلزِم عابديه أن يقدموا له البكور وأوائل الثمار مخصصة له، معتبرًا أنهم بذلك قدموا كل الثمار له. هكذا يقبلنا الله كباكورة من خلائقه، محفوظين ومخصصين لله (عب ١٢: 2٣)، وبهذا نرتبط بكنيسة الأبكار مكتوبين في السماوات.

هكذا انتقل بنا يعقوب الرسول الحديث عن التجارب الخارجيّة كمصدر فرح وتطويب للصابرين إلى الجهاد ضد التجارب الداخليّة، أي التحفظ من الخطيّة، ثم عناية الله بنا وتقديم كل إمكانية لنا، معلنًا حبه فيما وهبنا إياه أن نكون أولادًا له. لكن ما موقفنا نحن كأولاد لله؟ هذا يحدثنا عنه الرسول بطريقة عمليّة.

٥. موقفنا كأولاد لله

أولاً: الإسراع في الاستماع

إذًا يا إخوتي الأحباء.

ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع” ]١٩[.

يترجم البعض عبارة “إذًا يا إخوتي الأحباء” “أنتم تعرفون هذا. ولكن يا إخوتي الأحباء…” كأن ما قد سبق أن تحدث به هو أمر يعرفه المؤمنون، كتبه الرسول من أجل التذكرة فقط، وإنما يطلب أن نََتَنَبَّه إلى واجبنا العملي والتزامنا كأولاد لله.

وأول واجب نلتزم به هو أننا إذ ولدنا بكلمة الحق بالمعموديّة يليق بنا ألاَّ نفارق “كلمة الحق” بل نسرع دومًا للجلوس عند أقدام ربنا يسوع “كلمة الحق” مع مريم أخت لعازر، مُنْصِتين إلى حديثه العذب المملوء حبًا.

هذا هو واجبنا، وهذا أيضًا هو حقنا، وهذا هو نصيبنا الذي لن يُنْزَع منا إلى الأبد، أن نجلس متواضعين عند أقدام الرب يناجينا ونناجيه. حقًا ما أصعب على الإنسان في وسط دوامة هذه الحياة، أن يهرب! يهرب من أجل نفسه التي هي أغلى ما عنده، لكي يخلع عنه كل اهتمام واضطراب مُنصِتًا بكل جوارحه لعريس نفسه، هذا الذي يبعث صوته في داخل النفس سرورًا وفرحًا وتبتهج عظام الإنسان في تواضع وانسحاق وليس في كبرياء وعجرفة[18].

ثانيًا: مبطئًا في التكلم

إذ يسرع الإنسان للإنصات إلى كلمة الحق يتشرب بروح أبيه الذي لا يشهد للحق بكثرة الكلام بل بالعمل. وبهذا نتفهم الوصيّة فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات” (مت ٥: 16). حسن للإنسان أن يشهد للحق، لكن كثرة الكلام والتسرع فيه يكشفان عن نفسٍ خائرة ضعيفة تخفي ضعفها وراء المظهر، من أجل هذا يوصي الحكيم قائلاً أرأيت إنسانًا عجولاً في كلامه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به” (أم ٢٩: ٢٠).

ويقول القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك: [كثيرًا ما تكلمت وندمت وأما عن الصمت فما ندمت قط[19].]

وكشف لنا مار إسحق[20] مفهوم الصمت أنه ليس مجرد امتناع عن الكلام بل هو حديث سري مع الرب يسوع، لذلك نصح الراغب في الصمت أن يقتني ثلاث خصال: خوف الله، صلاة دائمة، عدم انشغال القلب بأي أمر.

كما يقول أيضًا: [من يريد أن يلازم السكوت من غير أن يقطع علل الآلام فهو أعمى.]

إذن كما يقول الكتاب للسكوت وقت وللتكلم وقت” (جا ٣: ٧). بوجد ثلاثة أنواع للسكوت وثلاثة أنواع للكلام:

  1. الصمت المقدس، وهو أن يصمت الفم ليتكلم القلب مع الله.
  2. الصمت الباطل، وهو أن يصمت الفم دون أن ينشغل القلب بالله.
  3. الصمت الشرير، وهو أن يصمت الفم وينشغل الداخل بالشر.
  4. الكلام المقدس: وهو الحديث الذي يقول عنه القديس باسيليوس الكبير: [يُظهر رائحة بخور تدبيرنا الداخلي المملوءة حكمة[21].] أي يتكلم الإنسان فيما هو لبنيان نفسه وبنيان الآخرين.
  5. الكلام الباطل: وهو الحديث الذي ليس للبنيان وبلا معنى، وهذا نعطي عنه حسابًا (مت ١٢: ٣٦).
  6. الكلام الشرير: الذي يهدم النفس ويهدم الآخرين.

من أجل هذا يقول الأب بيمين: [إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد[22].]

ثالثًا: “مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله” ]٢٠[.

دُعِيَ الله بطويل الأناة وبطيء الغضب، لهذا يجدر بأولاده أن يتشبهوا بأبيهم، فلا يطلبوا الانتقام ولا ينفعلوا، بل في طول أناة يترفقوا بالجميع.

فغضب الإنسان لا يصنع برّ الله، وكما يقول القديس أغسطينوس أن الإنسان مهما ارتكب من خطيّة يستطيع في نفس اللحظة أن يقف نادمًا ويشعر بمحبة الله طويل الأناة، لكن في لحظات الغضب لا يقدر الإنسان أن يقف للصلاة، بهذا يحرم نفسه من برّ الله.

ويقول أيضًا: [لا تظنوا أن الغضب أمر يستهان به، إذ يقول النبي: “تعكرت (ذبلت) من الغضب عيناي” (مز ٦: ٧)، وبالتأكيد لا يقدر مُتَوَعِّك العينين أن يعاين الشمس، وإن حاول رؤيتها تؤذيه ولا تبهجه[23].]

ويوضح لنا يوحنا كاسيان[24] خطورة الغضب فيقول:

[يجب أن نستأصل سم الغضب المميت من أعماق نفوسنا. فطالما بقي الغضب في قلوبنا وأَعْمَى بظلمته المؤذية عين الروح (القلب) لا نستطيع الحصول على التمييز والحكم السليم، ولا نستطيع أن ننال النظرة الداخليّة الصادقة أو المشورة الكاملة، ولا أن نكون شركاء للحياة أو نحتفظ بالبرّ، أو حتى يكون لنا المقدرة على النور الروحي الحقيقي “تعكَّرت من الغضب عيناي” (مز ٦: ٧). ولا نستطيع أن نصير شركاء للحكمة، ولو وُجد حكم جماعي بأننا حكماء، لأن “الغضب يستقر في حضن الجهلاء” (جا 7: 9). ولا نستطيع أن ننال الحياة غير المائتة، لأن الغضب يُهْلِك حتى الحكم (راجع أم ١٥). ولا نقدر أن نحصل على القوة الضابطة للبرّ حتى لو ظن البشر فينا أننا كاملون وقديسون، لأن “غضب الإنسان لا يصنع برّ الله”. كما لا نستطيع نوال الوقار والكرامة التي تُعطَى حتى في العالميات، ولو ظنوا بنا أننا نبلاء وذوو شرف، لأن “الرجل الغضوب يُحتقر. ولا يمكن أن تكون لنا مشورة صالحة… “لأن السريع الغضب لا يعمل بالحق” (أم ١٤: ١٧). ولا نستطيع التحرر من أي اضطرابات خطيرة أو نكون بلا خطيّة، ولو لم يسبب لنا أحد اضطرابًا… “لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام، والسخوط كثير المعاصي” (أم ٢٩: ٢٢)[25].]

رابعًا: مقتلعًا بذار الشر، غارسًا بذار كلمة الله

لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر،

فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة،

القادرة أن تخلص نفوسكم” ]٢١ [.

إذ يحدث الرسول يعقوب الذين وُلِدوا “بكلمة الحق” لهذا يوجه أنظارهم إلى “كلمة الحق” القادرة أن تأتي فيهم بثمر كثير.

ولكي تمتليء حياتهم بكلمة الحق ويتجاوبوا معها يَلْزم أن تتم في داخل قلوبهم عمليتان متلازمتان، بل هما عمليّة واحدة لها جانبان، وهي عمليّة طَرْح النجاسة وبَذْر كلمة الله. فبالولادة الثانية صرنا أبناء الله وبسِرّ الميرون حل الروح القدس فينا، وصار لنا بالروح القدس أن نُفْرِغ من قلبنا كل ما هو ليس حقًا (النجاسة) ليملك فينا ما هو حق (كلمة الله).

من أجل هذا توصي الكنيسة الإشبين[26]: [ازرعوا فيهم الخصال الجميلة. ازرعوا فيهم الطاعة والمحبة والطهارة. ازرعوا الرحمة والصدقة والعدل. ازرعوا فيهم التقوى والصبر والصلاح…]

إذن لنطرح عنا كل نجاسة، وربما قُصِدَ بها هنا الغضب السابق ذكره. ولا نقف عند طرح كل روح الغضب، بل لنقبل في وداعة كلمة الله المغروسة القادرة. هذه الكلمة هي البذار التي تأتي بثمر كثير.

نلاحظ أن الرسول يُحَدِّث أناسًا مؤمنين ومُعَمَّدين ومع ذلك يقول: “قادرة أن تخلص نفوسكم” ولم يقل “خلصت نفوسكم”، لأن الخلاص أمر مستمر يعيش فيه المؤمن كل أيام غربته، وليس أمرًا حدث وانتهى. وكأن الرسول ينصحنا أن نخضع بروح الوداعة، لا العجرفة، لكلمة الله، لأنه يلزمنا أن نثابر كل أيام غربتنا حتى لا نفقد الطريق.

هذا الخضوع يلزم أن يكون عمليًا وليس مجرد حفظ للكلمة أو استماع نظري لها، إذ يقول الرسول: “ولكن كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفوسكم” ]٢٢[.

لأنه ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون (رو ٢: ١٣). وقد شبه الرب السامعين غير العاملين برجلٍ جاهلٍ يبني بيته على الرمل، فتهب الرياح وتسقط الأمطار فيسقط ويكون سقوطه عظيمًا (مت ٧: ٢٦-٢٧)، ويشبهه الرسول بالآتي:

لأنه إن كان أحدكم سامعًا للكلمة وليس عاملاً،

فذاك يشبه رجلاً ناظرًا وجه خلقته في مرآة .

فإنه نظر ذاته وللوقت نسي ما هو” ]23- 24[.

يشبهه بالرجل الذي ينظر في مرآة، ومن شيمة الرجال ألا يمعنوا النظر فيها، أما أبناء الله فيليق بهم أن يُمْعِنوا النظر في كلمة الله التي هي كالمرآة تكشف لهم ضعفهم ونقائصهم. وهي أيضًا تُذَكِّرهم بخلقتهم الروحيّة الجديدة أي بميلادهم السماوي، وهذا يبعث فيهم روح الجهاد، ويجعلهم يتجاوبون مع الإمكانيات الإلهيّة الموهوبة لهم. لأنه متى أدرك الإنسان مركزه كابن لله لا يكف عن الالتصاق بأبيه ومناجاته متشبثًا بحقوقه للحياة المقدسة.

ولكن من اطلع على الناموس الكامل، ناموس الحريّة،

وثبت، وصار ليس سامعًا ناسيًا،

بل عاملاً بالكلمة،

فهذا يكون مغبوطًا في عمله]٢٥[.

إذ يُمْعِن النظر في الناموس ناموس الحريّة، أي الإنجيل، الذي حررنا بقوة الدم من سلطان الخطيّة، وَوَهَبْنا حريّة الأبناء، فإنه بهذا تصير كلمة الله بالنسبة له عمليّة، فلا يكون سامعًا ناسيًا بل ثابتة فيه. في أعماق نفسه الداخليّة.

هذا العمل يَهَب لنا عذوبة بالرغم من صعوبة الوصيّة، إذ نحمل نيرها لا بتذمر كعبيد أذلاء، ولا من أجل المنفعة كأجراء، بل نفرح بها كأبناء يتقبلون وصيّة أبيهم، لهذا يكون كل منا “مغبوطًا في عمله“. بهذا يقول الإنسان لخالقه: “نيرك هيِّن وحِمْلَك خفيف” رغم ما يجاهد به وثابر فيه ويتحمله ويتخلى عنه من أجل الرب!

خامسًا: “ملجمًا لسانه”

إن كان أحد فيكم يظن أنه دَيِّنْ وهو لا يلجم لسانه،

بل يخدع قلبه،

فديانة هذا باطلة” ]٢٦[.

الديانة الحقيقيّة هي التي تنبع من الداخل، من القلب، إذ “مَجْد ابنة الملك من الداخل”، و”الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات (لو ٦: ٤٥). على هذا الأساس ظن البعض أنه لا حاجة لضبط اللسان بدعوى أن القلب طيب والعبادة بالروح… لكن الرب الديان يقول: “من فضلة القلب يتكلم اللسان” (مت ١٢: ٣٤).

ويقول الشيخ الروحاني: [من يحذر بلسانه لن يسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه[27].]

يقول الأب بيمين: [من يضبط فمه فإن أفكاره تموت، كالجرّة التي يوجد فيها حيَّات وعقارب، سِدْ فمها (فوهتها) فإنها تموت[28].]

[وسأل أخ شيخًا: [يا أبي إني أشتهي أن أحفظ قلبي. فقال له الشيخ: كيف يمكنك أن تحفظ قلبك وفمك الذي هو باب القلب مفتوح سايب؟[29] ]

إذن من لا يضبط لسانه يخدع قلبه، فبينما يظن أنه دَيِّن إذ بديانته باطلة.

سادسًا: يرحم إخوته

الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم]٢٧[.

لم يقل الرسول “الديانة الطاهرة… هي الإيمان” إنما كشف عن الجانب العملي ليس تجاهلاً أو استهتارًا بالإيمان، لكن تأكيدًا للأعمال المرتبطة بالإيمان. فإذ يقيم الآب نفسه أبًا للأيتام وقاضيًا للأرامل (مز ٦٨: ٥) لهذا فإن من كانت ديانته طاهرة يلزمه أن يتمثل بأبيه.

والجميل في الكنيسة الأولى أنها اهتمت بالأرامل، إذ أعطت للأرامل اللواتي ينذرن أنفسهن للخدمة مكانة خاصة تلي مكانة العذارى مباشرة، حتى أن القديس يوحنا الذهبي الفم عندما أرسل إلى أرملة شابة يعزيها في زوجها هنأها أنها صارت “أرملة[30]“.

وقد اهتمت الكنيسة بتحويل طاقات هؤلاء الأرامل إلى العبادة أو الخدمة التي تتناسب معهن، الأمر الذي جعل كثيرًا من القديسين كتبوا بفيض عن “الترمل وشروطه وقوانينهن ونظامهن[31]“.

سابعًا: “وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم” ]٢٧[.

بدأ أولاً بالترفق بالمتألمين أي اليتامى والأرامل، لأنه بدون رحمة بالآخرين كيف نستعين برحمة الله لكي تحفظنا من دنس العالم وشهواته؟ إذن لنرحم فيما هو قليل ليرحمنا الله في الكثير.

وإذ يحفظ الإنسان نفسه بلا دنس، لا يعطي لإبليس أي حق للملكيّة في داخله، بهذا تبقى النفس مقدسة للرب وحده.

 

[1] تكملة النص سبق شرحه فى المقدمة.

[2] راجع 1 بط 1: 6، 7، 4: 13.

[3] للمؤلف: القيم الروحيّة لعيد النيروز، ص 18.

[4] رسائل القيامة للبابا أثناسيوس، طبعة 1967، ص 163.

[5] للمؤلف: القيم الروحيّة لعيد النيروز.

[6] مناظرات يوحنا كاسيان، طبعة 1968، ص 238.

[7] دير السريان: حياة الصلاة الأرثوذكسيّة.

[8] مناظرات يوحنا كاسيان، طبعة 1968، ص 150.

[9] مثل الفلسفات الغنوسيّة بكل أنواعها.

[10] 2 أى 34: 24، إر 6: 9 ؛ 11: 1 ؛ 49: 37.

[11] راجع للمؤلف كتيب: “الحب: مفهومه ودرجاته”، طبعة 1970.

[12] Works of Dionys.:Exegetical Fragments.

[13] عن الفيلوكاليا.

[14] الأقوال ما بين القوسين هنا وما بعد ذلك ليست من أقوال القديس.

[15] أغسطينوس في شرح الموعظة على الجبل، طبعة 1968، ص 88-91.

[16] مناظرات يوحنا كاسيان، طبعة 1968، ص 513..

[17] The Confessions 3: 6

[18] Cf. Augustine: On the Gospel of St. John, 57: 3.

[19] عن بستان الرهبان.

[20] عن بستان الرهبان.

[21] دير السريان: القديس باسيليوس الكبير، ص 55.

[22] عن بستان الرهبان.

[23] للمؤلف: الحب الأخوى، 1964، عدم الغضب، ص 314.

[24] للمؤلف: الحب الأخوى، 1964، عدم الغضب، ص 315.

[25] للاستزادة من أقوال الآباء عن “الغضب” راجع: الحب الأخوى، ص 309-390.

[26] الشخص الملتزم برعاية المعمد في الإيمان المستقيم و الحياة المسيحيّة.

[27] أي القديس يوحنا سابا: عن بستان الرهبان.

[28] عن بستان الرهبان.

[29] عن بستان الرهبان.

[30] راجع كتيب: رسالة تعزية إلى أرملة شابة، للقديس يوحنا الذهبي الفم.

[31] راجع كتاب “الترمل” للقديس أغسطينوس، وكتاب القديس باسيليوس لدير السريان، ص 366-370.

 

تفسير رسالة يعقوب 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

من تفسير وتأملات الآباء الأولين

رسالة يعقوب

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

مقدمة

رسائل الكاثوليكون

  • تلقب الكنيسة الرسائل السبع (يعقوب، ورسالتي بطرس ورسائل يوحنا الثلاث، يهوذا) بالكاثوليكون أي الجامعة[1]، وذلك لأنها اتسمت بالعموميَّة، فلم تُكتب إلى جماعة معينة أو كنيسة خاصة أو مدينة أو شخص كما هو الحال في رسائل معلمنا بولس الرسول.

وإن كانت الرسالتان الثانية والثالثة من رسائل معلمنا يوحنا الحبيب قد وُجهتا إلى شخصين معينين لكن لصغرهما يمكن اعتبارهما امتدادًا للرسالة الأولى، خاصة وأنهما يحملان نفس الطابع والأسلوب.

  • هناك تشابه بين الرسائل وبعضها البعض وعلى وجه الخصوص بين:

ا. رسالة بطرس الأولى ويعقوب.

ب. رسالة بطرس الثانية ويهوذا.

ج. بين رسائل يوحنا الثلاث.

  • تعطي الكنيسة اهتمامًا لهذه الرسائل فتحتم قراءة فصل معين أو أكثر على المؤمنين في أكثر المناسبات وخاصة في الليتورجيات الكنسية…
  • يقول القديس إيرونيموس عن هذه الرسائل إنها امتازت بالإسهاب مع الإيجاز؛ إسهاب في المعاني مع إيجاز في العبارات مما يجعلها صعبة الإدراك كما ينبغي.

 

رسالة يعقوب

كاتب الرسالة

ورد في العهد الجديد 3 أشخاص باسم يعقوب.

  1. يعقوب بن زبدي (مت 10: 2) أحد الإثنى عشر تلميذًا، وأخ يوحنا الإنجيلي. ولا يمكن أن يكون كاتب الرسالة إذ قتله هيرودس أغريباس الأول سنة 44م (أع 12: 1). وحتى ذلك الوقت لم تكن قد تأسست الكنائس المسيحية بشكل يسمح بكتابة رسائل لها، وما كان قد حدث التشتيت الذي ذكره الكاتب، أو ظهرت البدع التي أوردها.
  2. يعقوب بن حلفى (مت 10: 3) وتوجد أبحاث كثيرة لتحقيق ما إذا كان هو نفسه يعقوب أخو الرب أم شخص آخر.
  3. يعقوب أخو الرب، (غل 1: 19) أي ابن خالته، وقد أجمع الرأي على أنه كاتب الرسالة. وفيما يلي موجز لحياته:

ا. إن لم يكن هو نفسه يعقوب بن حلفي أحد الإثني عشر (مت 10: 3، مر 3: 18، لو 6: 15، أع 1: 13) وشقيق يوسي ويهوذا وسمعان[2]، يرى البعض أنه لم يكن مؤمنًا بالرب أثناء حياة السيد على الأرض، وذلك كقول الإنجيلي: “لأن إخوته أيضًا لم يكونوا يؤمنون به” (يو 7: 5) وقد آمن به بعد القيامة إذ جاء في (أع 1: 14) إن التلاميذ كانوا مجتمعين هم وإخوة يسوع.

ب. يذكر القديس إيرونيموس، كما يؤكد التاريخ، أنه رُسم أسقفًا على أورشليم، وبقى فيها حتى يوم استشهاده، وقد وضع قداسًا مازال الأرمن يُصلون به.

ج. قال عنه إبيفانيوس وأوسابيوس أنه كان نذيرًا للرب من بطن أمه، فكان لا يشرب خمرًا ولا مسكرًا ولا يحلق شعر رأسه ويقتات بالبقول.

د. دُعِيَ يعقوب البار، إذ كان مُحبًا للعبادة ومن كثرة ركوعه للصلاة كانت ركبتاه كركبتي جمل. ويذكر القديس ايرونيموس إن اليهود في بداية الأمر كانوا يهابونه جدًا، ويتهافتون على لمس ثيابه. وفي إحدى المرات جاءوا به إلى جناح الهيكل لكي يشهد ضد المسيح، فقال لهم: “إن يسوع الآن جالس في الأعالي عن يمين الآب… وسيُدين الناس”. فلما سمعوه يقول هذا، صرخ البعض قائلين: “أوصنا لابن داود”، فحنق عليه الكتبة والفريسيون وثاروا ضده، وهم يقولون: “لقد ضلّ البار”، ثم طرحوه من فوق إلى أسفل. أما هو إذ وقع انتصب على ركبتيه طالبًا الغفران لهم، فأسرعوا برجمه[3] ثم أتى صباغ وضربه بمدقةٍ على رأسه، فاستشهد في الحال نحو سنة 62م ووُدفن في موضع استشهاده بالقرب من الهيكل[4].

ويقول يوسيفوس المؤرخ: [أن من أسباب خراب أورشليم أن أهلها قتلوا يعقوب البار. فنزل غضب الله عليهم.]

ه. في حوالي سنة 52م رَأسَ المجمع الأول في أورشليم بخصوص إيمان الأمم، وقد أعلن القديس يعقوب قرار المجمع (أع 15).

ز. دعاه الرسول بولس أحد أعمدة الكنيسة، وذكره قبل بطرس ويوحنا (غل 2: 9).

لمن كتبت؟

كُتبت إلى “الإثنى عشر سبطًا الذين في الشتات“، وقد كثرت الآراء في تفسير هذا النص نذكر منها:

  1. يرى البعض أنها كتبت إلى الذين كانوا قبلاً يهودًا وقد تشتتوا قبل المسيحية، وقد استخدم الله هذا التشتيت في الكرازة بالمسيحية، إذ آمن بعض منهم عندما جاءوا إلى أورشليم في يوم الخمسين. هؤلاء الذين كانوا قبلاً يهودًا وآمنوا بالمسيح صاروا موضع ضيق واضطهاد من أقربائهم اليهود الذين رفضوا الإيمان بالسيد المسيح.
  2. يرى آخرون أن اليهود إذ رأوا بعضًا آمنوا بالسيد المسيح، وإذ كانوا ينتظرون مسيحًا حسب فكرهم، يعطيهم سلطانًا زمنيًا ويجعلهم سادة العالم ويُخضِع الممالك لهم – وللأسف هذه الفكرة الصهيونيّة مازالت في أذهان اليهود، لهذا أثاروا الرومان ضد المسيحيّين، فلجأ المسيحيون إلى الأمم إذ وجدوا بين الوثنيين صدرًا رحبًا أكثر مما لليهود الأشرار.
  3. يرى البعض أن ذِكره الإثني عشر سبطًا لا يعني أنهم من أصل يهودي، وإنما إشارة إلى أن الكنيسة – أيًا كان أعضاؤها – صارت الوريثة للأسباط روحيًا، وانتفت صفة “إسرائيل” من اليهود. لهذا فإننا لا نؤمن بأن اليهود هم إسرائيل وإنما يَدَّعون هذا، فقد أنكروا الإيمان، وانتُزِعَت عنهم صفة شعب الله.

زمن كتابتها

كتبت في أوقات اضطهاد اليهود للكنيسة. فقد أثار أغنياؤهم ورؤساؤهم الاضطهاد (أع 4: 1، 5: 17)، وكان ذلك قبل اضطهاد دومتيان وتراجان. كتبت قبل سقوط أورشليم أي قبل تشتيت اليهود (68 م). ويُرجِّح البعض أنها كتبت حوالي سنة 60 أو 61م، في الوقت الذي انتشرت فيه الضلالات التي فندها الرسول في هذه الرسالة.

غاية الرسالة

  1. تشجيع المسيحيين لاحتمال الضيق الذي يعانون منه من اليهود، والكشف عن مفهوم التجارب على ضوء صليب الرب المتألم.
  2. تشجيعهم على الثبات في الإيمان بالرب إيمانًا عمليًا.
  3. توضيح مفهوم الإيمان الحي، وارتباطه بالأعمال.
  4. إظهار خطورة بعض الخطايا التي يظنها البعض تافهة.

مميزاتها وارتباطها بالأسفار الأخرى

  1. اتبعت الأسلوب العملي بخصوص قداسة الحياة المسيحية.
  2. سهولة التعبير وإيضاحه وخصوبة التصوير بإيجاز. وقد جاء بها كثير من التشبيهات مستقاة من فلسطين (1: 11، 3: 11، 12، 5: 7، 17، 18).
  3. الحزم في التوبيخ مع فيض من الحنو والحب.
  4. تتشابه مع الموعظة على الجبل من جهة كثرة الوصايا العمليّة، حتى ظن البعض أنها تجميع لبعض أقوال الرب يسوع. وقد تحدث كلاهما عن النظرة الروحيّة للناموس في أعماقه، وعن أبوة الله والاختيار بين حب الله وحب العالم.
  5. تتشابه في كثير من عباراتها مع يشوع بن سيراخ[5] والحكمة[6] ورسالة بطرس الأولى[7].
  6. ارتبطت بالعهد القديم، ففي الحديث عن الصبر أشار إلى الأنبياء وأيوب (يع 5)، وفي الحديث عن الصلاة أشار إلى إيليا… لكنها اتسمت بطابع العهد الجديد مع تكرار كلمة “إخوة“، وذِكْرِه الولادة الجديدة (1: 18)، وعن الناموس الكامل ناموس الحريّة (1: 25)، وأسرار الكنيسة (يع 5)…

هل يوجد تناقض بينها وبين رسائل الرسول بولس؟

ظن البعض بسبب سطحيتهم في تَفهُّم كلمة الله أنه يوجد تناقض في الفكر بين ما ورد في هذه الرسالة وما نادى به الرسول بولس خاصة رسالته إلى أهل رومية، ظانين أن الرسول يعقوب لا يبالي بالإيمان والرسول بولس لا يبالي بالأعمال، لكن من يدرس الرسائل يجد الآتي:

  1. عدم وجود تعارض في الفكر بين الرسولين، خاصة وإن كليهما كانا على اتفاق في المجمع الأول الذي رأسه يعقوب البار (أع 15).
  2. أن الرسول يعقوب يُحدِّث أناسًا مؤمنين انحرف بعضهم عن السلوك في النور بدعوى أن الإيمان وحده قادر أن يبرر ولا حاجة للأعمال، أما الرسول بولس فهو كرسول للأمم واجه جماعة من الذين كانوا أصلاً يهودًا نادوا بضرورة تهوُّد الأمم واختتانهم جسديًا، متكلين على أعمال الطقس اليهودي في ذاتها[8] إنها تبرر الإنسان. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الذين كانوا أصلاً أممًا اتكلوا على أعمالهم قبل الإيمان لتبريرهم، لهذا لا نعجب إذ ركز يعقوب الرسول على الأعمال، وركز الرسول بولس على الإيمان، رافضًا الاتكال على أعمال الطقس اليهودي في ذاته وأعمال البرّ الذاتي.
  3. يتفق الرسول بولس مع الرسول يعقوب في ضرورة الأعمال للتبرير, ولكن أيّة أعمال؟ الأعمال المؤسسة على استحقاقات دم المسيح وليست أعمال البرّ الذاتي, ويؤكد ذلك بقوله: “إن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئا” (1 كو 13: 2). إن الإيمان بدون المحبة ليس بشيء فلا يبرر، وما هي المحبة إلاّ كما عرَّفها الرسول في نفس الأصحاح أنها أعمال محبة عمليّة “تتأتى وترفق. لا تحسد الخ “

ولا غرابة إن رأينا الرسول بولس الذي ركَّز على الإيمان يؤكد أن المحبة أعظم من الإيمان (1 كو 13: 13).

  1. لا يقف الرسول بولس عند ضرورة الأعمال، بل يؤكد أن الأعمال الشريرة تهلك الإنسان حتى ولو كان مؤمنًا[9].
  2. لا يتجاهل الرسول يعقوب الإيمان (يع 1: 6، 5: 15)، بل كما سنرى يربط الأعمال بالإيمان، والإيمان بالأعمال بلا انفصال ولا تمييز.

قانونيتها

هُوجمت هذه الرسالة في القرن السادس عشر بسب تركيزها على الأعمال, حتى وُصفت بأنها “رسالة قش”. هذه النظرة تختلف تمامًا عن نظرة الكنيسة الأولى التي كانت تتطلع إليها كجزءٍ لا يتجزأ من الكتاب المقدس, تُفهم على ضوء الكتاب كله, بدونها يكون الجانب السلوكي المسيحي غير كامل[10].

فيما يلي بعض الشهادات عن قانونيتها:

أولا: الشهادة الخارجية

في القرن الثاني الميلادي أشار العلامة أوريجينوس إليها كرسالة للقديس يعقوب، وقد عرفها كسفر قانوني[11].

وُجدت مقتطفات منها، أو تلميحات مقتطفة عنها في القديس إكليمنضس الروماني، والديداكيّة، ورسالة برناباس، وأغناطيوس، وبوليكربس، وهرماس الخ.

رأى البعض أن هذه الرسالة لم تنتشر بسرعة مثل رسائل القديس بولس، خاصة في الغرب، ذلك لأنها كُتبت للمسيحيّين من أصل يهودي الذين في الشرق، ولم تُوجه للكنائس التي من أصل أممي[12].

هذا ويلاحظ أن هذه الرسالة مع رسالتي بطرس والرسالة إلى العبرانيّين، لم تذكر في القانون الموراتوري Muratorian Canon، وذلك ربما يرجع إلى إصابة نص هذا القانون بالتلف.

ثانيًا: الشهادة الذاتية[13]

يقدم الكاتب نفسه بطريقه بسيطة: “يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح” (1: 1)، هذا الوصف البسيط يكشف أن الكاتب معروف، ولما كان اثنان مشهورين بهذا الاسم، هما يعقوب بن زبدي الذي استشهد سنة 44 م بواسطة هيرودس، والآخر يعقوب أخ الرب الذي كان له دوره الحيوي في الكنيسة الأولى، فواضح أن الرسالة هي من وضعه بوحي الروح القدس.

وتظهر أصالة الرسالة وأنها بالفعل من وضع القديس يعقوب من الآتي:

ا. لدى الكاتب خلفيّة يهوديّة، إذ لا يستطيع أحد أن ينكر أن فكر الكاتب قد انسحب من العهد القديم. بجانب الاقتباسات المباشرة (1: 11؛ 2: 8، 11، 23؛ 4: 6) توجد تلميحات بلا حصر من العهد القديم (1:10، 2: 21، 23، 25؛ 3: 9؛ 4: 6؛ 5: 2، 11، 17، 18 الخ). وعندما أراد تقديم توضيحًا للصلاة والصبر استخدم شخصيّات من العهد القديم. كما ركَّز على الاهتمام بحفظ الناموس (2: 9-11).

واضح أن فكر الكاتب يحمل الطابع اليهودي، وأيضًا تعبيراته، مثل استخدامه تعبير “رب الجنود أو الصباؤوت” (5: 4)، “مجمعكم” (2: 2)؛ “إبراهيم أبونا” (2: 21)…

ب. وجود تشابه بين ما جاء في الرسالة، وخطاب القديس يعقوب في سفر الأعمال (ص 15)، كاستخدامه كلمة “إخوتي” (2: 5) (أع 15: 13)، و”خائيرين (السلام)” (1: 1) (أع 15: 23)، وأيضًا “الاسم الحسن الذي دُعي به عليكم” (2: 7) (راجع أع 15: 17)… مع وجود مفردات كثيرة مشتركة.

ج. يرى بعض الدارسين أن التشابه القوي بين ما جاء في هذه الرسالة وأقوال السيد المسيح، مثل الموعظة على الجبل، يؤكد أن الكاتب سجل لنا من وحي ما سمعه بنفسه عن السيد المسيح. فيما يلي أمثلة لهذا التشابه:

1: 2 الفرح وسط الضيقات (مت 5: 10-12)؛

1: 4 الحث على الكمال (مت 5: 48)؛

1: 5 طلب العطايا الصالحة (مت 7: 7 الخ)؛

1: 20 الغضب (5: 22)؛

1: 22 عن سامعي الكلمة والعاملين بها (مت 7: 24 الخ)؛

2: 10 حفظ الناموس كله (مت 5: 19)؛

2: 13 بركات الرحمة (مت 5: 7)؛

3: 18 بركات صنع السلام (مت 5: 9)؛

4: 4 محبة العالم عداوة لله (مت 6: 24)؛

4: 10 بركة التواضع (مت 5: 5)؛

4: 11-12 الإدانة (مت 7: 1-5)؛

5: 2 السوس والصدأ يفسدان الغنى (مت 6: 19)؛

5: 10 الأنبياء كأمثلة لنا (مت 5: 12)؛

5: 12 القسم (مت 5: 33-37).

بجانب هذا توجد أيضًا مقارنات بين ما ورد في الرسالة وتعاليم السيد المسيح في مواضع أخرى، مثل:

1: 6 ممارسة الإيمان دون شك (مت 21: 21)؛

2: 8 عظمة وصيّة محبة القريب (مت 22: 39)؛

3: 1 شهوة التعليم (مت 23: 8-12)؛

3: 2 خطورة التسرع في الكلام (مت 12: 36-37)؛

5: 9 اقتراب مجيء الديان (مت 24: 33).

د. اتفاقه مع شخصيّة يعقوب الواردة في العهد الجديد. في أول تعرُّف عليه نجده غير مؤمن بالسيد المسيح (مر 3: 21، يو 7: 5)، لكنه لم يكن بالشخص الغريب، إنما مع محبته وتقديره لشخص السيد ربما لم يتفق معه في طريقة حياته، ولم يكن قادرًا على إدراك رسالته[14].

قيامة السيد هي التي غيَّرت مفاهيمه، فلا نراه فقط بين تلاميذ السيد (أع 1: 14)، وإنما يُذكر باسمه عند الحديث عن ظهورات القيامة (1 كو 15: 7). ذكره الرسول بولس، ربما لأنه أخبره عنها (غل 1: 19)، وقد حسبه الرسول أحد أعمدة كنيسة أورشليم الثلاثة. وفي الأعمال (ص 15) نجده يرأس مجمع أورشليم الكنسي. هذا كله يتفق مع شخصيّة يعقوب كاتب الرسالة، كشخص معروف يهودي الأصل يهتم بحفظ الناموس، خاصة وإنه يكتب في أورشليم لشعب مسيحي من أصل يهودي

ه. ظروف الجماعة التي يكتب إليها تشهد بأن الكاتب هو القديس يعقوب كتبها قبل خراب أورشليم، إذ نجده يتحدث عن الأغنياء الذين يضغطون على الفقراء (5: 1-6)، هذا يناسب ما قبل الخراب وليس بعده. أيضًا ذِكره للحروب والمنازعات فيما بينهم يناسب حال أورشليم قبل خرابها، هذا وعدم تلميحه عن سادة وعبيد، وعدم ذكره شيئًا عن العبادة الوثنيّة، هذا كله يناسب إنسانًا مسيحيًا من أصل يهودي يعيش مقدسًا للرب في فترة ما قبل خراب أورشليم[15].

اعتراضات على الكاتب والرد عليها

  1. يعترض بعض النقاد الحديثين على أن يعقوب هو كاتب الرسالة بالقول بأن لغة الرسالة اليونانيّة توحي بأن الكاتب لا يمكن أن يكون إنسانًا جليليًا بسيطًا، بسبب غنى اللغة و سموها. يرد على ذلك، أنه بجانب العمل الإلهي “وحي الروح القدس” الذي يتجاهله الدارسون المحدثون، فإنه لا يوجد دليل ينفي أن يعقوب قد تهذب بالثقافة اليونانيّة، خاصة وأن هذه المنطقة كانت مليئة بمدن يونانيّة. وقد عُرف يهود البحر الأبيض المتوسط بتدربهم على الثقافة اليونانيّة (الهيلينيّة) على أعلى مستوى، بدليل قيامهم بالترجمة السبعينيّة للعهد القديم.
  2. الاعتراض الثاني: لو أن الكاتب هو يعقوب، لأشار أنه أخ الرب ليعطي للرسالة أهمية أكثر تقديرًا. يرد على ذلك بأن هذا الاعتراض غير مقبول، أولاً لأن القديس في إدراكه لشخص السيد المسيح حسب نفسه “عبدًا”، “وخادمًا” (1: 1). هذا وأن علاقتنا بالسيد المسيح لا تقوم علي معرفة جسديّة بحتة (2 كو 5: 16) وقرابات دمويّة.
  3. يتشكك البعض في الكاتب قائلين، بأنه لو كان الكاتب يعقوب أخ الرب لسجل الأحداث الكبرى في حياة السيد المسيح مثل موته وقيامته، خاصة وأنه إذ التقى مع الرسول بولس تحدث في ذلك الأمر. ويرد على ذلك بأن يعقوب نفسه في خطابه الوارد في الأعمال (ص 15) أيضًا لم يذكر هذه الأمور، أولاً لأنه يقصد هدفًا معينًا بذاته وليس عرضًا لأحداث السيد أو لأفكار لاهوتيَّة، ثانيًا لأن هذه الأحداث كانت معروفة تمامًا في الكنيسة ولم تكن تتطلَّب منه تسجيلها، خاصةً وأنه يكتب لهدف سلوكي (مسيحي) محدد.
  4. لو أن الكاتب هو القديس يعقوب أخ الرب، لكان قد كتب عن الناموس بطريقة أخرى كما ظن بعض الدارسين، مثل التعرض لمشكلة الختان والطقوس اليهوديّة أكثر من الجانب السلوكي. يرد على ذلك بأن القديس يعقوب كتب الرسالة غالبًا قبل انعقاد مجمع أورشليم المذكور في الأعمال (ص 15)، وبكونه المسئول عن كنيسة أورشليم التي تمثل الكنيسة التي من أصل يهودي لم يُرِدْ أن يدخل في هذا النزاع. خاصةً ويبدو أنه كان يميل إلى ملاطفة اليهود في البداية لا عن اقتناع بأهمية الختان وغيره، وإنما ليكسبهم ولا يعثر الآلاف منهم. فقد كان له دوره في أن يتطهر بولس ويدخل الهيكل حسب الطقس اليهودي حتى لا يعثرهم (أع 21: 17-26). ونلاحظ ذات الأمر عندما جاء “قوم من يعقوب” إلى القديس بطرس، فأفرز القديس نفسه من الأمم خوفًا من الذين هم من الختان (غل 2: 11-12) الأمر الذي أثار القديس بولس ليقاومه مواجهة.

أقسام الرسالة

  1. الإيمان والتجارب الأصحاح الأول.
  2. الإيمان والأعمال الأصحاح الثاني.
  3. الإيمان واللسان الأصحاح الثالث.
  4. الإيمان والشهوات الأرضية الأصحاح الرابع.
  5. الإيمان والانشغال بالغنى الأصحاح الخامس (1-11).
  6. الإيمان في كل الظروف الأصحاح الخامس (12-20).

 

 

 

[1] لُقِّبَتْ هذه الرسائل بالكاثوليكون منذ القرون الأولى وجاء ذلك في كتاباتهم منها:

 * دعا العلامة أوريجينوس في تفسيره 2 يو 6: 8 رسالة بطرس الأولى بالكاثوليكون.

 * دعا القديس ديوناسيوس الإسكندري رسالة يوحنا الأولى بالكاثوليكون.

 * دعا يوسابيوس القيصري في تاريخه (2: 25) يعقوب ويهوذا بالكاثوليكون.

[2] يرى القديس جيروم أنه في مر 15: 40 “مريم أم يعقوب الصغير ويوسي” كلمة “الصغير” تعني المقارنة بين شخصين فقط فلا يوجد يعقوب ثالث، وبهذا يكون يعقوب أخو الرب هو نفسه يعقوب بن حلفى (الصغير)، ولكن بعض الآباء يرون أن الكلمة في الأصل لا تدل على المقارنة بين إثنين فقط.

[3] يوسيفوس ك 20 ف 11.

[4] أوسابيوس ك 2 ف 22.

[5] راجع يع 1: 6 مع سي 1: 28، يع 1: 9، 11 مع سي 31: 5، يع 1: 2، 4 مع سي 2: 1-5، يع 1: 13 مع سي 15: 11 -20، يع 1: 19 مع سي 4: 29، يع 2: 1-6 مع سي 10: 26-34، يع 3: 2 مع سي 19: 16-17، يع 3: 9 مع سي 17: 8، يع 5: 13 مع سي 38: 9-15.

[6] راجع يع 1: 5 مع حك 9: 4-6، يع 1: 7 مع حك 7: 15-16، يع 1: 19 مع حك 1: 11، يع 2: 6 مع حك 2: 10، 19.

[7] راجع يع 1: 2-3 مع 1بط 1: 6-7، 4: 12-13، يع 1: 10-11مع 1بط 1: 24، يع 1: 18 مع بط 1: 3، 23، يع 1: 21 مع 1بط 2: 1-2، يع 4: 10 مع 1بط 5: 6، يع 5: 2 مع 1بط 4: 8.

[8] أخذت المسيحيّة منذ بدء نشأتها الكثير من النظم والترتيبات الروحيّة التي كانت قائمة، لكنها امتنعت عن الختان الجسدي والذبائح الدمويّة وغير ذلك من الأمور التي كانت ظلالاً للعهد الجديد (أرجو من الله أن يسمح بإفراد بحث خاص بالكنيسة الأولى وارتباطها بالنظم والطقوس السابقة).

[9] راجع رو 6: 1-12، عب 10: 26، تي 1: 16، غل 5: 19-21، 2تس 1: 8-9.

[10] Donald Guthrie: New Testament Introd., 1975, p 736.

[11] Ad Rom 4: 1; In Lev, hom 2: 4; In Josh. hom 7: 1.

[12] J.B. Mayor: Epist. Of James, 1913, p li.

[13] C.f Guthrie: N. T. Introd., p 739 ff.

[14] J.B. Mayor, p XIV. XVI.

[15] R.J. Knowling: The Epistle of St. James, 1904, p XII, XIII.

 

تفسير رسالة يعقوب – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح الرابع: فرح في كل حين

بعد هذا الحديث الشيق عن فرح الأسير بولس، معلنًا أنه ليس من سجن، ولا من تخطيط الأشرار ضده، ولا من غضب الإمبراطور يقدر أن ينزع فرحه الداخلي منه، لذا ختم رسالته عن الفرح الدائم. قدم لنا مقومات هذا الفرح، كما أوضح أنه فرح كنسي شعبي مشترك.

  1. مصدر الفرح 1-4.
  2. سرّ الفرح 5-9.

         أ. عدم الارتباك بشيءٍ.

         ب. صلاة عن كل شيءٍ.

         ج. شكر من أجل كل شيءٍ.

  1. فرح مشترك عملي 10-20.
  2. تحية ختامية 21-23.

1. مصدر الفرح

“إذًا يا إخوتي الأحبّاء والمشتاق إليهم،

 يا سروري وإكليلي،

اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحبّاء” [1].

إذًا“: تربط ما بعدها بما قبلها. وبما أنكم يا إخوتي الأحباء تنتظرون مجيء الرب فلابد أن تثبتوا في الرب حتى النفس الأخير.

في وسط السباق يثبت المؤمن في المسيح المصلوب لكي لا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يمكن لكائنٍ أو لحدثٍ أو لظرفٍ ما أن يسحب عينيه عن الجعالة العليا، بل يحيا في السماويات، ويمارس مواطنته فيها. هذه العلاقة الشخصية مع محب البشر تفتح قلبه ليتمثل بمخلصه، فيحمل إخوته في قلبه بالحب ليجد فيهم سروره وإكليله، لكن ليس خارج مخلصه.

إذ يتحدث الرسول عن سباق وجهاد معركة يدعو المؤمنين إخوته الأحباء المشتاق إليهم ليسندهم بالحب والحنو. ففي وسط الآلام يحتاج الإنسان إلى مساندة المخلصين له في الرب.

يدعوهم سروره وإكليله، ليس فقط لأنه بخلاصهم يتمتع بإكليل سماوي من أجل محبته وجهاده لأجلهم، وإنما كأبٍ حقيقيٍ يرى في سرورهم الأبدي سروره، وفي تمتعهم بالإكليل السماوي تمتعه هو به.

ما يبهج قلبه أن يكون هو آخر الكل، حتى في السماء، فيفرح بسموهم وسرورهم وإكليلهم. لهذا يوصيهم: “اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء”، لأن ثبوتهم هذا كأنه ثبوته هو في الرب!

  • الحب، هو ذروة كل فضيلة بالنسبة للمسيحي، لا يتحقق كما يليق إن لم يثبت المؤمنون متحدين معًا كشخصٍ واحدٍ، يفكرون معًا في توافقٍ. هذا ما عناه الرسل هنا بقوله: “اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء“. لنفهم أنه يود منهم أن يتحدوا في الفهم، إذ بالحقيقة يدعوهم “إخوتي الأحباء جدًا“. الحب المشترك هو ثمرة التفكير المتناسق والوقوف معًا في المسيح. حينما يكون للكل إيمان متساوي في المسيح، فنقف جميعًا معًا فيه[1].
الأب ماريرس فيكتورينوس
  • انظروا كيف يضيف مديحًا لهم بعد التحذير. “يا سروري وإكليلي“. لم يقل فقط “سرور“، بل ومعه “مجد“. ليس فقط “مجد“، وإنما أيضًا “إكليلي“. أي مجد يمكن أن يعادل ذلك، إذ هو إكليل بولس[2].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • افتخر الحكيم جدًا بولس بالذين دُعوا بواسطته، قائلاً: “يا سروري وإكليلي” [1]، أما التلاميذ فلم يقولوا شيئًا من هذا، ولكنهم فرحوا فقط بسبب أنهم استطاعوا أن يسحقوا الشيطان (لو 10: 17)[3].

القديس كيرلس الكبير

“أطلب إلى أفوديّة،

وأطلب إلى سنتيخي،

أن تفتكروا فكرًا واحدًا في الرب” [2].

بعد أن قدم الرسالة باسم الكنيسة كلها، شعبًا وكهنة، أوصى أشخاصًا معينين، غالبًا لهم دورهم القيادي. بدأ بسيدتين هما أفودية وسنتيخي، كانتا على خلاف إما فيما بينهما أو بينهما وبين الكهنة أو الخدام. ويرى البعض أنهما كانتا شماستين في كنيسة فيلبي. يسألهما أن تتحدا معًا في الفكر في الرب، وأن تعيشا في سلام الرب وفي محبته. يدعوهما للوفاق حتى تتمتعا مع أهل فيلبي بفرح المسيح.

معنى كلمة أفودية “رحلة مؤقتة” ومعنى سنتيخني “سعيدة الحظ”، وهما عملتا مع بولس في خدمة الإنجيل كغيرهما غير إنه وقع الاختلاف بينهما وعطلتا عملهما.

  • يطلب من هاتين السيدتين أن تلتزما بالفهم المشترك في الرب. يلزمهما خلال إيمانهما في المسيح أن يكون لهما التفكير والفهم لما يقوله الإنجيل عن المسيح. لكنه يقول “أطلب“، لأن هذا لنفعهما؛ “إنني لست أصدر أمرًا بل أطلب”[4].

الأب ماريرس فيكتورينوس

“نعم أسألك أنت أيضًا يا شريكي المخلص،

ساعد هاتين اللتين جاهدتا معي في الإنجيل

مع إكليمنضس أيضًا،

وباقي العاملين معي الذين أسماؤهم في سفر الحياة” [3].

هنا يوجه حديثه غالبًا إلى تلميذه تيموثاوس أو سيلا (أع 15: 40؛ 19:16) اللذين خدما معه في فيلبي، أو أسقف فيلبي والمسئول عن رعاية الكنيسة فيها.

كما اشترك معه في الخدمة فليشترك في حمل النير، فيسند هاتين الشماستين. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[5] أن هاتين السيدتين كان لهما دورهما القيادي في الكنيسة، وفي خدمة الإنجيل مع إكليمنضس وباقي العاملين مع الرسول بولس.

يلاحظ أن أول الذين قبلوا الإيمان في فيلبي سيدة، وهي ليدية بائعة الأرجوان (أع 14:16)؛ وربما كانت هاتان الشماستان من بين الحاضرات عند النهر حيث يقول الإنجيلي لوقا: “كنا نكلم النساء اللواتي اجتمعن” (أع 13:16)، ومن بين هؤلاء النساء من آمن، وربما اختيرت هاتان السيدتان للعمل كشماستين تخدمان كلمة الرب وسط النسوة.

كما طالبه الاهتمام باكليمندس الذي صار فيما بعد أسقفًا على روما، وله رسالة موجهة إلى أهل كورنثوس، سبق لي ترجمتها ونشرها.

أيضًا يسأله بصفة خاصة أن يهتم بالخدام العاملين مع الرسول بولس الذين لم يذكر أسماءهم هنا، لكن أسماءهم مسجلة في سفر الحياة بالروح القدس.

  • كان من الضروري أن يسجل يسوع المسيح (عند ميلاده) اسمه في إحصاء كل العالم. سُجل مع كل أحد، وقدَّس كل أحد. لقد ارتبط مع العالم في الإحصاء، وقدم للعالم أن يرتبط به. بعد الإحصاء استطاع أن يسجل أسماء أولئك الذين من كل العالم “في سفر الحياة” معه. من يؤمن سينقش اسمه مؤخرًا في السماء مع القديسين[6].

العلامة أوريجينوس

افرحوا في الرب كل حين،

وأقول أيضًا افرحوا” [4].

إذ يشير إلى علاقة الأسقف بالخدام والخادمات يسأل جميع العاملين أن يمارسوا الفرح الدائم في الرب. مؤكدا ضرورة الفرح، إذ هو طريق الخدمة الروحية الناجحة. المسيح هو فرحنا الحقيقي، فيه نجد حياتنا وقيامتنا وشبعنا ومجدنا، وبالتالي فرحنا الدائم. وإذ لا يستطيع أحد ولا حدث ما أن يعزلنا عنه، لا يمكن أن يُنزع فرحنا من داخلنا.

من يلصق فرحه بالزمنيات يفقد فرحه مع تغير الظروف والأحداث، ومن يربط فرحه بثبوته في المسيح يتمتع بالفرح الدائم فيه.

“افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضا افرحوا” يعود الرسول في نهاية الرسالة ويؤكد أن هدف الرسالة هو الفرح, أفراح الملكوت مستمرة في كل حين… في السعة وفي الضيق، في الراحة وفي الشقاء، في الظروف السعيدة وفي الظروف التعسة، في الغنى العظيم وفي الفقر المدقع، في الصحة التامة وفي المرض القاتل. أفراح الملكوت تمنح القوة لمواجهة المشاكل والآلام.

  • يطوب (السيد المسيح) الذين ينوحون ليس علي فقدانهم أقربائهم، وإنما الذين تنخسهم قلوبهم، الذين يحزنون علي أخطائهم ويهتمون بخطاياهم أو بخطايا الآخرين. أما الفرح هنا فليس مضادًا لهذا النوح إنما يتولد منه. لأن من يحزن علي خطاياه ويعترف بها يفرح. علاوة علي هذا يمكننا الحزن علي خطايانا مع الفرح في المسيح.

gقد عانوا من الآلام: “لأنه قد وُهب لكم… لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألموا لأجله” (29:1)، لهذا يقول لهم: “افرحوا في الرب“. هذا يعني إن أظهرتم مثل هذه الحياة تفرحون. أو عندما لا تُعاق شركتهم مع الله تفرحون…

إن كانت الجلدات والقيود التي تبدو أكثر الأمور خطورة تجلب فرحًا، فأي شيء يمكنه أن يسبب لنا حزنا؟

وأقول أيضًا افرحوا“، حسنًا يكرر القول. لأن طبيعة هذه الأمور تجلب حزنًا، لذا بتكراره يؤكد الالتزام بالفرح بكل وسيلة[7].

  • الفرح الحقيقي هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تتعذب النفس، وتتمزق الشهوة بسعادة المسيحي سعادة حقيقية وليست بلذة محمومة، إنها تعطي الحرية للنفس وهي حربة جذابة وغنية باللذات الحقيقية[8].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • عندما تتحدون قلبيًا تفرحون في الرب، وعندما تفرحون في الرب تتحدون قلبيًا معًا في الرب[9].

الأب ماريرس فيكتورينوس

2. سرّ الفرح

         “ليكن حلمكم معروفًا عند جميع الناس،

الرب قريب” [5].

كلمة “الحلم” هنا تحمل معنى اللطف وطول الأناة والرقة في التعامل وعدم الجدال الجاف والإذعان للغير، فهي تعبير عام شامل كما يقول آدم كلارك.

الإنسان الحليم يأخذ في اعتباره الآخرين فلا يتصلف في آرائه، بل يسمع وينصت ويقدر الرأي الآخر مادام في الرب.

بقوله: “الرب قريب” يكشف أن ما يمارسه الخادم أو المؤمن من حلم ينال مكافأته سريعًا من الرب نفسه الوديع والمتواضع القلب. إنه قادم سريعًا ليكافئ من شاركوه سماته، وحملوا صليبه بفرحٍ.

الرب قريب“… هذه الحقيقة هي حصانة لكل نفس ضد الخطية، لأنه مادام الرب قريب فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إليه؟

  • سبق فقال: “آلهتهم بطونهم، ومجدهم في خزيهم” (في 19:3). فيُحتمل أنهم أرادوا ان يدخلوا في عداوة مع الأشرار، لهذا يحثهم ألا تكون لهم شركة معهم، بل يلزمهم أن يحتملوهم بكل حلمٍ، يحتملوا ليس فقط إخوتهم بل وأعداءهم والمقاومين لهم.

الرب قريب، فليس من مجالٍ للقلق… هل ترون (الأشرار) يعيشون في ترفٍ وأنتم في ضيق؟ الدينونة قريبة، وقريبًا سيعطون حسابًا عن أعمالهم… ستنتهي الأمور قريبًا.

هل يخططون ضدكم ويهددونكم؟ “لا تقلقوا في أي شيء”. فإنك أن تعاملت برفقٍ مع الذين يدبرون شرورًا، فإن هذا ليس لنفعهم (ماداموا لم يتوبوا). المكافأة علي الأبواب[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ يطالبهم الرسول أن يكون حلمهم معروفًا عند جميع الناس، لا يبغي مدحهم من الناس، وإنما أن يكونوا قدوة للغير. ليس شيء يجتذب النفوس للإيمان مثل طول أناة المؤمنين وحلمهم.

  • إنهم يطوَّبون ليس فقط عندما يمارسون الأعمال الصالحة، وإنما أيضًا يُلهمُون الآخرين لفعل الأعمال الصالحة[11].

الأب أمبروسياستر

“لا تهتمّوا بشيء،

بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر،

لتُعلم طلباتكم لدى الله” [6].

قد يظن الإنسان أن وصية الحلم أو الوداعة وطول الأناة صعبة، خاصة حيث يوجد مقاومون، لكن انتظار مجيء الرب القادم سريعًا ينزع عن النفس أي قلق أو ارتباك. أما سلاح المؤمن في ذلك فهو الصلاة مع الدعاء والشكر، فيستجيب الرب لطلبة الإنسان المصلي الشاكر!

الرب وحده هو المعين الحقيقي، فلنلجأ إليه بالصلاة والطلبة بغيرة (دعاء)، مع الشكر على عطاياه فيهب أكثر ويسند ويعين. هنا يربط الرسول عدم القلق بالصلاة والطلبة والشكر.

لا تهتموا بشيء“… ليس معنى هذا أن نسلم أنفسنا للإهمال والكسل، ولكن القصد طرح هموم الحياة عنا، وإن لا نتحزب أو نرتبك أمام هموم الحياة والتجارب المختلفة، لأن سلام الله قادر أن يحفظ قلوبنا “بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر“. الصلاة هي الطريق الوحيد إلى الراحة الحقيقية, وفي كل مرة نصلي بإيمان نشعر إن الله قريب منا يسمعنا ويستجيب دعاءنا. الصلاة تشمل التسبيح والسجود والشكر والطلب، أما الدعاء فهو الطلب، وكليهما يجب أن يقترنا بالشكر لأن تقديم الشكر يسر الله ويريح قلوبنا.

“لتُعلم طلباتكم لدى الله”… الله يعلم كل شيء، ولكن المقصود هنا استجابة الطلبات سواء بالإيجاب أو الرفض أو الانتظار.

  • أنظروا تعزية أخرى، هوذا دواء يعالج الحزن والكآبة، وكل ما هو مؤلم, ما هو هذا؟ الصلاة والشكر في كل شيء. إنه يرى ألا تكون صلواتنا طلبات مجردة، وإنما أن تكون تشكرات أيضًا علي ما لدينا. إذ كيف يمكن أن يطلب الإنسان أمورًا مقبلة وهو غير شاكرٍ علي الماضي؟… يلزمنا ان نشكر عن كل شيء، حتى عن تلك التي تبدو خطيرة، فإن هذا هو دور الإنسان الشاكر. في الحالات الأخرى (المفرحة) تتطلب طبيعة الأمور الشكر، أما هنا فالشكر ينبع عن نفس شاكرة وعن إنسان في غيرة منجذب نحو الله[12].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لا تقلقوا من جهة أنفسكم. لا تدعوا الأفكار غير الضرورية والارتباك بخصوص العالم والأمور الزمنية أن تحل بكم. فإن الله يمدكم بكل ما تحتاجون إليه في هذه الحياة، وستكونوا في حال أفضل في الحياة الأبدية[13].

الأب ماريرس فيكتورينوس

“وسلام الله الذي يفوق كل عقل،

يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع” [7].

سلام الله هو عطية مجانية مقدمة للنفس التي تلقي رجاءها عليه فلا تضطرب، بل في وقت الضيق تصلي وتطلب وتشكر أيضًا. فتنفتح أبواب السماء ويفيض عليها السلام الإلهي الفائق للعقل، والقادر وحده أن يحفظ القلب والفكر في المسيح يسوع.هذا السلام الإلهي الداخلي يهب الإنسان نوعًا من التناغم بين النفس والجسد، وبين العقل والقلب، وبين الإرادة والسلوك، فيحيا المؤمن بلا صراعات داخلية، لأن روح الله يهبه وحدة داخلية فائقة. فلا تقدر خطية ما أن تتسلل إلى أعماقه لتفسد سلامه، ولا يقدر عدو الخير أن يقترب إليه، لأنه لا يحتمل النور الإلهي السماوي.

“وسلام الله الذي يفوق كل عقل” عندما يُقبل الخاطي إلى المخلص يحصل على “السلام مع الله“, ثم يعيش حياة الإيمان، فيختبر “سلام الله الذي يفوق كل عقل”. فالسلام المنسوب لله نفسه نحن منتسبون إليه أيضًا، وهو ملجأنا. فإننا نضع طلباتنا لديه عارفين إنه يسمع لنا, وإنه يتكفل بكل ما يخصنا, وهذا يعزي قلوبنا ويريحها ولو لم نحصل على جواب حسب فكرنا البشري. فنحن كثيرا ما نصرخ إليه من أجل ضيق خاص أو سببٍ مكدرٍ, ونحصل على السلام الكامل مع أن الشيء الذي طلبنا إزالته باق بعد، إذ يرفعنا فوقه ولا يقدر أن يكدرنا. هكذا بقيت شوكة بولس كما هي ولكنها لم تقدر أن تكدر راحة بولس.

  • سلام الله الذي يهبه للبشر يفوق كل فهمٍ. لأنه من يستطيع أن يتوقع، ومن يستطيع أن يترجى أن مثل هذه الصالحات تحدث؟ إنها تفوق كل فهم الإنسان وليس فقط كلماته. لم يرفض أن يبذل ابنه من أجل أعدائه والذين يبغضونه والذين أصروا أن يتركوه وذلك لكي يصنع سلامًا معنا. هذا السلام، الذي هو المصالحة، حب الله، يحفظ قلوبكم وأفكاركم[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

         اتسم الرسول بمحبته الشديدة لشعبه، لا يكف عن التعبير عن محبته لهم بكل وسيلة، تارة بالتشجيع وأخرى بالنصح، ودومٍا بالصلاة عنهم. هنا يطلب لهم السلام الإلهي الذي يففوق كل عقلٍ.

  • هذا هو دور المعلم، ليس فقط أن ينصح بل أيضًا يصلي لكي بالطلبات يسندهم حتى لا يُهزموا بالتجارب ولا يُخدعوا. كأنه يقول: ليت ذاك الذي وهبكم مثل هذا النوع من الفكر الذي لا يُدرك، هو نفسه يحفظكم ويجعلكم في أمان، حتى لا يصيبكم شر. إما أنه يقصد هذا أو يقصد ذاك السلام الذي قال عنه المسيح: “سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم” (يو 27:14)، هذا السلام يحفظكم، إذ يفوق فهم الإنسان[15].
  • ماذا يعني: “في المسيح يسوع”؟ إنه يحفظنا فيه حتى تبقوا ثابتين، ولا تسقطوا من إيمانه[16].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • عندما يحل سلام الله علينا ندرك الله. ولا يكون للخلاف ولا للتنافر ولا للنزاعات موضع، ولا يوجد شيء موضع تساؤل. هذا أمر صعب في الحياة العالمية. لكنه يتحقق عندما يكون لنا سلام الله حيث يصير لنا الفهم. لأن السلام هو حالة تمتع فعلي بالراحة والأمان[17].

الأب ماريرس فيكتورينوس

“أخيرًا أيها الإخوة كل ما هو حق،

كل ما هو جليل،

كل ما هو عادل،

كل ما هو طاهر،

كل ما هو مُسر،

كل ما صيته حسن،

إن كانت فضيلة وإن كان مدح،

ففي هذه افتكروا” [8].

إذ يملك الرب في الداخل ويقيم سلامه الفائق تتحول طاقات الإنسان كلها للتأمل والتفكير فيما هو للرب وحده.

“أخيرا أيها الإخوة”: أخيرا تشير هنا إلى قرب انتهاء الرسالة.

  • ماذا يعني “أخيرًا“؟ إنها تُستخدم بمعني: “لقد قلت كل شيء”. إنها كلمة ينطق بها من كان مسرعًا، وليس له أن يفعل شيئًا في الأمور الحاضرة[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وضع الرسول عدة بوابات يعبر عليها أي فكر لتحدد إن كنا نقبله أو نرفضه وهذه البوابات الست هي:

1- الحق.        2- الجلال والوقار.        3- العدل.

4- الطهارة.      5- السرور والفرح.        6- السمعة الحسنة.

  • يُعلمنا عن مكان العريس ومسكنه. إنه لا يحل في النفس البعيدة عن الفضيلة, فإذا أصبح أي شخص إناءً للعطور، يخرج منه مختارات من المرّ يصير كوبًا للحكمة التي تستقبل خمر الفرح النقية.

تعلمنا كلمات النشيد الآتية عن التغذية التي يُقدمها الراعي الصالح لرعيته فلا يدع غنمه تدخل الصحراء أو الأماكن الممتلئة بالأشواك لترعى، بل يقدم التوابل العطرة بالجنة كغذاء. وبدلاً من مرعى العشب يجمع لها الراعي السوّسن لتغذيتها.

يعلمنا كلمة الله الأمثلة، لأننا نرى أن طبيعة القوة المهيمنة على كل شيء ترتب مكانًا لهؤلاء الذين يستقبلونه بنقاءٍ وطهارةٍ. وهم يملكون حديقة مليئة بنباتات كثيرة مختلفة مزروعة بالفضائل. ويُنميهم العريس بقوة بواسطة السوّسن المزدهر، ويمتلئون بثمار التوابل العطرة.

يرمز السوّسن للفكر النقي المضيء ورائحته الجميلة لا تتفق مع رائحة الخطية الرديئة. تقول العروس أن السيد يعرف خرافه الروحية، ويغذيها في حدائقه ويجمع السوّسن ليغذي به غنمه.

يختار لنا بولس العظيم السوّسن لغذائنا من بيت الغذاء المقدس: “كل ما هو حق، وكل ما هو جليل، وكل ما هو عادل، وكل ما هو طاهر، وكل ما هو مسر وكل ما هو حسن الصيت، وكل ما كان فيه فضيلة وخصلة حميدة” (في 8:4). هذا هو في رأيي السوّسن الذي يغذى به الراعي الصالح والمعلم العظيم قطيعه[19].

القديس غريغوريوس النيسي

  • كل ما هو حق” – ما هذه الأمور التي هي حق؟ إنها تلك التي بيَّنها الإنجيل: يسوع المسيح ابن الله، وكل ما يدور حول الأخبار السارة. عندما تكون أفكارك حق يتبع ذلك أنها تكون جليلة. ما هو حق لا يكون فاسدًا، وهذا يعني أنها مكرمة. ما هو ليس بفاسدٍ هو حق. لذلك ما هو حق وجليل هو أيضًا عادل أو يحقق العدالة. وما هو عادل فهو طاهر، إذ يتقبل التقديس من الله. كل ما هو عادل وجليل وحق وطاهر فهو مسر (محبوب) ولطيف. لأنه من لا يحب هذه الفضائل المقدسة؟… تتعلق بعض البنود من هذه القائمة بالفضيلة الحقيقية ذاتها، بينما البنود الأخيرة تخص ثمر الفضيلة. ما يخص الفضيلة هو الحب والحق والكرامة (جليل) والعدل والطهارة. وما يخص ثمر الفضيلة أنه مسر ولطيف[20].

الأب ماريرس فيكتورينوس

“كل ما هو حق”: فحيث لا موضع للخطية، ولا للباطل يتجلى الحق الإلهي في النفس والفكر. فيصير فكر الإنسان عرشًا للسيد المسيح القائل: “أنا هو الحق“، ولن يقبل أن يكون ملهي لإبليس وأفكاره الباطلة. يقصد بـ “كل ما هو حق” جميع الجوانب المرتبطة بالحق، الحق في كل شيء في الفكر والكلام والتصرف بحسب وصية الإنجيل أي في الأمور التي تفيد روحيًا ولا تحزن قلب الله أو الإنسان نفسه أو الآخرين.

  • القديسون دائمًا متهللون جدًا أن يروا ثمار الحق عمليًا[21].

هيلاري أسقف آرل

  • إن حصنا أنفسنا بذلك، إن منطقنا أحقاءنا بالحق، لا يقدر أحد أن يغلبنا. من يطلب تعليم الحق لن يسقط على الأرض[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • المسيح ليس فقط هو الله، بل بالحقيقة الله الحق، إله حق من إله حق، إذ هو نفسه الحق[23].

القديس أمبروسيوس

“كل ما هو جليل”: إذ يدرك المؤمن مركزه كابن لله لا يستطيع أن يفكر إلا في كل ما هو لائق بكرامته في الرب، أي فيما يتسم بالجلال والوقار، الأشياء ذات المهابة والقداسة وليس في الأشياء التافهة. إذ نلنا حرية مجد أولاد الله (رو 8: 21)، فلا نفكر ولا نعمل إلا بما يليق بمركزنا الجديد في الرب، مجدنا الداخلي. وكما يقول الرب نفسه: وأكون مجدًا في وسطها” (زك 5:2).

  • الذين يستنيرون يتقبلون ملامح المسيح… فإنه حتما يُطبع على كل واحد منهم شكل الكلمة وصورته وملامحه حتى يُحسب المسيح مولودًا في كل واحدٍ منهم بفعل الروح القدس… ويصير الذين يتعمدون مسحاء آخرين[24].

 الأب ميثوديوس

“كل ما هو عادل”: يؤدي العدل الحق الواجب نحو الله والناس بأمانة وإخلاص. فلن يقدر فكر ما ضد الآخرين أن يعبر بأولاد الله المقدسين فيه. لأنه حيث يملك الحب لا يقدر الظلم أو البغضة أن تتسلل.

  • لقد أُعطي لنا الغضب لا لنرتكب أعمالاً عنيفة ضد إخوتنا، بل لكي نصلح من شأن الساقطين في الخطية بالعمل بدون كسل. لقد زرع فينا الغضب كنوع من المنخاس لكي نصر على أسناننا ضد الشيطان مملوءين عنفًا ضده وليس ضد بعضنا البعض. أسلحتنا هي لمحاربة العدو وليس لمحاربة بعضنا البعض.

هل أنت غضوب ؟ كن هكذا ضد خطاياك. أدب نفسك، واجلد ضميرك، وكن قاضيا قاسيا، واحكم بلا رحمة على خطاياك.

هذا هو طريق الانتفاع من الغضب. هذا هو السبب الذي لأجله غرس الله فينا الغضب[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“كل ما هو طاهر”: الطهارة هي نقاوة القلب والذهن من الفكر الدنس. ففكر المؤمن المقدس في الرب القدوس يتمتع بفيض من الطهارة والنقاوة والعفة.

  • الحقيقة هي أن الكل غير طاهرين، هؤلاء الذين لم يتطهروا بواسطة الإيمان بالمسيح، وذلك كقول العبارة: “إذ طهر بالإيمان قلوبهم” (أع 15: 9)[26].
  • إننا محتاجون إلى العفة، ونحن نعلم أنها عطية إلهية، وهي امتناع القلب عن الميل نحو كلام الشر مع عدم تقديم أعذار عن خطايانا.

إننا محتاجون إلى العفة حتى نقمع الخطية فلا نرتكبها، وإن أخطأنا فلا نبرر ذلك بكبرياء شرير.

وبالإجمال، نحن نحتاج إلى العفة لكي نحيد عن الشر، ونحتاج إلى فضيلة أخرى هي البرّ لكي نفعل خيرًا. هذا ما ينصح به المزمور المقدس قائلاً: “حد عن الشر واصنع الخير”. وبأي هدف نصنع هذا؟ “اطلب السلامة واسعَ وراءها” (مز 34: 14). سيكون لنا السلامة الكاملة، عندما تلتصق طبيعتنا دون أن تنفصل عن خالقها، فلا يكون لنا في أنفسنا ما يضاد أنفسنا.

وهذا أيضًا – كما أظن – أراد مخلصنا نفسه منا أن نفهمه بقوله “لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة” لأنه ماذا تعني الأحقاء الممنطقة؟ إنها ضبط الشهوات، وهذا هو عمل العفة. وأما السرج الموقدة فتعني الإضاءة والتلألؤ بالأعمال الصالحة، أي عمل البرّ.

وهنا لا يصمت الرب عن توضيح هدف صنع هذه الأمور إذ أضاف قائلاً: “أنتم مثل أناس ينتظرون سيدهم متي يرجع من العرس” (لو 12: 35، 36) فعند مجيئه يأتي ليكافئ الذين حفظوا أنفسهم من الشهوات، وصنعوا الأعمال التي تأمر بها المحبة. وهكذا يملكون في سلامه الكامل الأبدي أي بغير صراع مع الشر، بل يبتهجون بالخير بفرحٍ سامٍ[27].

القديس أغسطينوس

“كل ما هو مسر”:  نفكر في كل ما يسر الغير ويجلب المحبة ويسعد القلوب بالعطف والاحتمال وعدم ذم الآخرين أو إدانتهم. يغمر المؤمن السرور والفرح الذي لا يُنطق به، فرح الروح، بكونه الجو الطبيعي الذي يسود مملكة الله في القلب. يشعر المؤمن في أعماقه أنه أسعد كائن على وجه الأرض.

“كل ما صيته حسن”: يبتعد الصيت الحسن عن الكلمات القبيحة وينطق أولاد الله بما يمجد أبيهم السماوي. فالمؤمن الحقيقي يشهد له حتى الأعداء، إذ يشعر الكل بغنى نعمة الله عليه فيلتمسون بركة الرب الحالة فيه. أفكاره دائمًا لصالح البشرية وبنيانها الدائم، يشرق على من حوله بنور السيد المسيح الذي فيه.

“إن كانت فضيلة، وإن كان مدح ففي هذه افتكروا”، فكره أشبه بالنحلة التي تمتص الرحيق من كل زهرة لتقدم عسلاً شهيًا. هكذا يرى المؤمن في كل إنسان حتى الذين يُدعون مجرمين جانبًا فاضلاً يتعلمه. بهذا إذ لا يكف عن أن يتعلم من كل أحد ما هو صالح ونافع، يصير فكره وسلوكه وكلماته موضع مديح الناس، وإن كان هذا لن يشغل قلبه، إذ يطلب مديح الرب لا الناس.

  • ما هو حق بالحقيقة هو فضيلة. الرذيلة هي بطلان، مسرتها باطلة، مجدها باطل، كل ما فيها باطل. ما هو طاهر هو ضد التفكير في الأمور الأرضية. ما هو جليل ضد أولئك الذين آلهتهم بطونهم (في 19:3)[28].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إننا نصير مثل الطعام الذى نأكله. دعونا نأخذ مثال الإناء الأجوف من الكريستال، فكل ما يوضع فيه يُرى بوضوح. ويشبه ذلك عندما نضع بهاء السوّسن في نفوسنا، فإنها تشع وتُظهر من الخارج الأشكال الموجودة بالداخل. ولتوضيح هذه النقطة. تتغذى الروح بالفضائل التي تُسمى رمزيًا بالسوّسن، ويُصبح الشخص المكوّن بهذه ذا حياة طيبة، مُشرقًا، مُظهرًا في حياته كل نوع من الفضيلة. لنفرض أن السوّسن النقى هو ضبط النفس والاعتدال والبرّ والشجاعة والقدرة وكل ما يقوله الرسول أنه حق وجليل ومستحق للحب وعادل ومقدس وعطوف وفاضل ومستحق للتمجيد (في 8:4) تتكون هذه الفضائل جميعها في النفس نتيجة للحياة النقية وتزيّن النفس التي تمتلكها[29].

القديس غريغوريوس النيسي

“وما تعلّمتموه وتسلّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيّ،

فهذا افعلوا،

وإله السلام يكون معكم” [9].

مع توصيتهم كتابة يوصيهم الرسول بلغة التسليم أو التقليد والإقتداء به. فلا يكفي ما تعلموه من الرسول كتابة أو شفاها، وإنما أيضا ما تسلموه وما رأوه فيه في حياته العملية، هذا يلتزمون به، لأنه يقدم إنجيل المسيح، فيكون معهم اله السلام. الإله الذي هو مصدر السلام الداخلي، والمحب للسلام، والحافظ له في كل الظروف هو معهم وفيهم.

  • هذا هو تعليمه في كل نصائحه أن يقدم نفسه نموذجًا. وكما يقول في موضع آخر: “كما نحن عندكم قدوة” (في 17:3). مرة أخرى يقول هنا: “وما تعلمتموه وتسلمتموه“، أي تعلمتموه بكلمة الفم. “وسمعتموه ورأيتموه فيّ“، سواء بكلماتي أو أفعالي أو سلوكي. أنظروا كيف يقدم لنا هذه الوصايا في كل الجوانب؟ لما كان يصعب وضع تعبير دقيق لكل الأمور الخاصة بدخولنا وخروجنا وحديثنا وتحركاتنا وتعاملاتنا – وإذ يحتاج المسيحي أن يفكر في كل هذه الأمور – لذلك قال باختصار كمن يلخص الأمور: “سمعتموه ورأيتموه فيّ“. إني أقودكم إلى الأمام بالأفعال وبالكلمات. افعلوا هذه الأمور، ليس فقط بالكلام وإنما أيضًا بالعمل.

وإله السلام يكون معكم“، أي ستكونون في هدوء وأمان عظيم، ولا تعانوا من أمرٍ مؤلمٍ، ولا ما هو ضد إرادتكم، فإننا إذ نكون في سلامٍ معه، يكون هذا خلال الفضيلة، حيث يكون بأكثر سلام معنا. فإن ذاك الذي يحبنا، ويُظهر حنوه علينا حتى بغير إرادتنا، سوف يُظهر بالأكثر حبه لنا حين يرانا نسرع نحوه. ليس شيء فيه عداوة لطبيعتنا مثل الرذيلة. في أمور كثيرة يتضح كيف أن الرذيلة تحمل عداوة ضدنا، بينما تحمل الفضيلة صداقة من نحونا[30].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ربما يتساءل أحد إن كان التقليد الشفهي قد توقف بظهور أسفار العهد الجديد. نجيب بأن الرسل أنفسهم قد ذكَّروا المؤمنين بالتقليد الشفهي حين كتبوا رسائلهم للجماعات المسيحية الأولى، إذ من خلاله يستطيعون أن ينالوا فهمًا للحق المسيحي:

“إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورقٍ وحبرٍ، لأني أرجو أن آتى إليكم فمًا لفم ليكون فرحنا كاملاً” (2 يو 12).

“وكان لي كثير لأكتبه لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبرٍ وقلمٍ. ولكنني أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفم” (3 يو 14، 13).

“أما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها “الكلمة اليونانية تعني أطقسها” (1 كو 34:11).

“لأجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم في كل مدينة قسوسًا” (تي 5:1).

في مواضع كثيرة يوصي الرسول بولس تلاميذه أن يحفظوا التقليد، ويودعوه أناسًا آخرين، وأن يتمسكوا بالتقاليد التي تعلموها بالكلام أو برسالته وأن يتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذي أخذه منه” (2 تس 6:3). كما حذرنا من كل تقليد بشري مقاوم للإيمان “حسب أركان العالم وليس حسب المسيح” (كو 8:2).

  • إذا حاولنا أن نحذف العوائد غير المكتوبة لأنها ليست بذات أهمية فلننتبه إلى أننا نسيء إلى البشارة في أهم أركانها، ونجعل الكرازة الإنجيلية اسمًا لغير مسمى.

القديس باسيليوس الكبير

3. فرح مشترك عملي

“ثم أني فرحت بالرب جدًا،

لأنكم الآن قد أزهر أيضًا مرّة اعتناؤكم بي،

الذي كنتم تعتنونه،

ولكن لم تكن لكم فرصة” [10].

يكن الرسول بولس بالامتنان والشكر لأهل فيلبي من أجل عنايتهم به، متهللاً بالرب الذي  وهبهم هذا الحب والحنو، وقد ترجمت العطية إلى عمل كلما سنحت لهم الفرصة للتعبير عنها.

وهنا نأتى إلى الجزء الأخير من الرسالة والذي قد يكون أحد الأسباب الهامة لكتابة الرسالة, ويتناول هذا الجزء شكر الرسول وتقديره لأهل فيلبي على محبتهم وازدهار الفضيلة في حياتهم ومعونتهم له وقبوله لهذه المعونة والطلب من الله ليعوضهم أجرًا صالحًا سمائيًا حسب غناه في المجد.

فرحت بالرب جدًا”: يفرح بولس الرسول بالرب رغم قيوده في حبسه وإن كان سبب الفرح هو محبتهم ومعونتهم, فالله هو الذي حرك قلوبهم بذلك… هو يفرح أيضًا لأن الرب أنجح ما زرعه، الشجرة التي غرسها ونمت وأينعت وازدهرت وأتت بالثمر.

  • قلت مرارًا أن الصدقة تُقدم ليس من أجل مستلميها بل من أجل الذين يعطونها، لأن الأخيرين ينتفعون بها بطريقة أعظم. هذا ما يظهره بولس هنا أيضًا. فأهل فيلبي أرسلوا إليه شيئًا بعد فترة طويلة، وفعلوا نفس الشيء مع أبفرودتس. انظروا الآن كيف أنه إذ هو مزمع أن يرسل أبفرودتس حاملاً هذه الرسالة يمدحهم، مظهرًا أن هذا العمل هو من أجل حاجة المُعطين لا المستلمين لها. فعل هذا لكي ما لا ينتفخ الذين قدموا له إحسانًا بالزهو، وأن يصيروا في أكثر غيرة في ممارسة العمل الصالح. إذ هم بالحري ينالون نفعًا لنفوسهم، بينما الذين يتقبلون العطايا لا يندفعون بجسارة لينالوا العطية حتى لا يُقابلوا بالنقد. يقول الرب: “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أع 35:20).

 لماذا يقول: “ثم إني فرحت بالرب جدًا“؟ يقول ليس بفرحٍ عالميٍ، ولا بفرح هذه الحياة، وإنما في الرب. ليس لأني تسلمت قوتًا (معونة)، وإنما من أجل تقدمكم، فإن هذا هو قوتي. لهذا يقول “جدًا (فرحًا عظيمًا)”، حيث أن الفرح ليس جسدانيًا ولا من أجل قوتٍ، بل من أجل تقدمهم[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[32] أن حديثه هنا يحمل مديحًا رقيقًا كما يحمل عتابًا، لأنهم اعتنوا به، وقدموا له عطية، ولكن بعد فترة طويلة. غير أنه يقدم لهم العذر إذ يقول: “ولكن لم تكن لكم فرصة“.

يقول أيضًا القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس كان حريصًا أن يتجنب كل عثرة من جهة المادة حتى لا يعطل أحد فخره (1 كو 15:9)، فكان يعمل بيديه لأجل احتياجاته واحتياجات من معه.

“ليس إني أقول من جهة احتياج،

فإني قد تعلّمت أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه” [11].

لم يكتب لهم شاكرًا إياهم لأنه كان محتاجًا، ولا لأنه يطلب المزيد، فقد تدرب أن يشعر بالشبع والاكتفاء بالقدر الذي لديه، وتحت أية ظروف، حتى وإن كان في القيود داخل السجن، أو تحل به ضيقات واضطهادات. لن يرجو أن ينال شيئًا من أحد. كالمثل القائل: الذهن المكتفي عيد دائم[33]“.

“ليس إني أقول من جهة احتياج” لئلا يظن أحد إنه قبل العطية ويطلب المزيد, ففي عُرف بولس إن الخدمة ليست طريقًا للتكسب, ولا للفائدة الشخصية, ولكن هنا بسبب محبته الشديدة لأهل فيلبي, وأيضًا بسبب الاحتياج قَبِلَ معونة أهل فيلبي “تعلمت أن أكون مكتفيا بما أنا فيه”. استخدم بولس لفظ الاكتفاء للتعبير عن القناعة. يقصد الاكتفاء، وليس الشراهة.

  • يقول إني أعاتبكم ليس لأني أطلب ما هو لي، بل انتقدكم كما لو كنت في عوزٍ، إذ أطلب هذا ليس من أجلي… هنا يتحدث إلى أولئك الذين عرفوا الحقائق، وبالكشف عنها يجعلهم في موضع أكثر حزنًا. إذ يقول: “تعلمت أن أكون مكتفيًا بما أنا عليه[34].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول صاحب المشورة الصالحة: “تعلمت أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه“. إذ عرف أن أصل كل الشرور هو محبة المال (1 تي 10:6). ولهذا كان مكتفيًا بما لديه، ولا يطلب ما هو لدى الغير. يقول: يكفيني ما لديّ، سواء كان قليلاً أو كثيرًا فهو بالنسة لي كثير… هذا معناه: “لن أكون محتاجًا ولا أكون مستفضلاً”. لست محتاجًا، لأنني لا أطلب المزيد ولا استفضل لأن ما لدي هو ليس لي بل لكثيرين. قال هذا عن المال. لكنه يستطيع أن يقول هذه الكلمات عن كل شيءٍ. فإن كل ما كان لديه في تلك اللحظة كان مكتفيًا به. فلم يكن يطلب كرامة أعظم، ولا خدمات أكثر، ولا يشتهي مجدًا باطلاً، ولا يسأل كلمة شكر، إذ لا يوجد ما يستوجب ذلك. لكنه كان صبورًا في أتعابه، مطمئنًا لاستحقاقاته، يترقب نهاية الصراع، الأمر الذي يتطلب منه الاحتمال. يقول:”أعرف أن أتضع[35].

القديس أمبروسيوس

  • غالبًا ما يُظن أن المعاناة من الفقر بلوى، لكن الفيض أيضًا يمكن أن يصير بلوى. الإنسان الحكيم يضبط نفسه فلا يضعف بواسطة الفيض[36].

 العلامة أوريجينوس

  • كل أنواع البشر بالحق يمكن أن يعانوا من الفقر، أما أن يعرف الشخص كيف يحتمل الفقر فهذا علامة العظمة… أما الذي يعرف كيف يستفضل (أي يشعر بالفيض في شكرٍ) فهذا لا يخص إلا الذين لا يفسدهم الفيض[37].

القديس أغسطينوس

“أعرف أن أتضع،

وأعرف أيضًا أن أستفضل في كل شيء،

وفي جميع الأشياء قد تدرّبت أن أشبع وأن أجوع،

وأن أستفضل وأن أنقص” [12].

هذا هو عمل نعمة الله الفائقة أن تهب المؤمن أن يمارس حياة التواضع كشركة مع ربنا يسوع في تواضعه، وأن يشعر بفيض عطايا الله عليه، فلا يشعر بالاكتفاء فقط، وإنما بالشوق الحقيقي للعطاء بلا توقف. وكما يقول الرسول: “كأننا لا نملك شيئًا ونحن نملك كل شيء”. “كأننا فقراء ونحن نغني كثيرين”. يحمل طبيعة العطاء فيفيض حبًا وحنوًا وسلامًا وعطاء ماديًا ونفسيًا وروحيًا. وفي هذا كله يعرف أن يتواضع، لأنه يدرك أن ما يقدمه ليس من عنده، بل هو عطية الله له لأجل إخوته.

لا يفتخر معلمنا بولس الرسول هنا بما اتسم قبوله برضا العطاء والفيض والشبع وأيضًا النقص والجوع والعطش، إنما ينسب كل شيء للسيد المسيح.

“أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني” [13].

ما كان يمكن للرسول أن يتمتع بهذا الشعور الداخلي بالشبع ولا أن يفيض على الغير بذاته، إنما هي قوة المسيح العاملة فيه. لذا يسبحه قائلا أن المسيح قوته (غل 2: 20).

  • النجاح ليس من عندي بل هو نجاح ذاك الذي يعطيني القوة[38].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“غير أنكم فعلتم حسنًا إذ اشتركتم في ضيقتي” [14].

مع تمتعي بعطية الاكتفاء وعدم الاحتياج إلى أحد، لكنكم تستحقون المديح لأنكم شاركتموني آلامي واحتياجاتي. شهوة قلبي أن أرى الكل مملوء حبًا، لكن ليس عن طمع من جانبي ولا لكي أنال شيئا من أحد. لقد شاركوه آلامه بالحب وعبروا عن هذا بالعطاء وسط ضيقاته.

“غير أنكم فعلتم حسنًا إذ اشتركتم في ضيقتي”… من العادة عندما نكتب رسالة شكر إلى أحد نذكر هذا الشكر في رأس الرسالة, لكن بولس الرسول ترك شكره حيث ختم به رسالته… لماذا؟ لأنه يريد أن يعطيهم الدروس الروحية أولاً ويأتي بهم إلى الفرح ثم يقدم شكره لهم.

” فعلتم حسنا” فالرسول يقدر تعب محبتهم وتصرفهم بشهامة وكرم ونبل…

ضيقتي” يعبر عن الفاقة والعسر والحاجة التي كان يعاني منها الرسول في سجنه.

  • إذ يرى الذين يقدمون العطايا من يتسلمها لا يتعاطف معهم بل يحتقر عطاياهم، يسقطون بالأكثر في حالة بلادة… لذلك عالج بولس هذا الأمر. فما قاله قبلاً حط من أفكارهم المتشامخة، وما جاء بعد ذلك أنعش استعدادهم للعمل، إذ يقول: “غير أنكم فعلتم حسنًا إذ اشتركتم في ضيقتي“. انظروا كيف استبعد نفسه، ثم عاد فاتحد بهم. هذا هو دور الصداقة الروحية الحقيقية. يقول: “لا تظنوا لأني في غير احتياج لست محتاجًا إلى عملكم هذا. إني محتاج إليه من أجلكم. لم يقل: “أعطيتموني” بل “اشتركتم“، ليظهر أنهم هم أيضًا انتفعوا، إذ صاروا شركاء في أتعابه. لم يقل “خففتم” ضيقتي بل “اشتركتم في ضيقتي” وهو أمر أسمى[39].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وأنتم أيضًا تعلمون أيها الفيلبيّون،

أنه في بداءة الإنجيل لما خرجت من مكدونيّة

لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ إلا أنتم وحدكم. [15]

في بدء كرازته في مكدونية لم تشترك كنيسة ما في احتياجات الرسول أثناء كرازته سوى الكنيسة التي في فيلبي. لم يساهموا في احتياجاته عندما كان في فيلبي فقط، وإنما أرسلوا إليه حين ذهب إلى كورنثوس (2 كو 8:11-9).

  • يا لعظمة مديحه لهم! فإن أهل كورنثوس وروما يُثارون عندما يسمعون هذا منه، فقد فعل أهل فيلبي هذا دون أية كنيسة أخرى، وكانوا هم المبتدئين. إذ يقول: “في بداءة الإنجيل” أعلنوا دون غيرهم عن مساندتهم للرسول القديس، بكونهم المبادرين بالعمل دون وجود أي مثال يقتدون به، حاملين هذا الثمر.

ولا يستطيع أحد أن يقول أنهم فعلوا هذا لأنه سكن معهم أو لأجل نفعهم، إذ يقول: “لما خرجت من مكدونية، لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ إلا أنتم وحدكم”. ماذا يعني “العطاء”، و”المشاركة”؟ إذ لم يقل: “لم تعطني كنيسة واحدة”، بل “تشاركني في حساب العطاء والأخذ”؟ إنه موضوع شركة!

يقول: “إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات، أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات؟ (1 كو 11:9) مرة أخري يقول: “تكون فضالتكم لأعوازهم” (2 كو 14:8). كيف شارك هؤلاء؟ بالعطاء في الجسديات وقبول الروحيات. فكما أن الذين يبيعون ويشترون يشاركون بعضهم البعض بالعطاء المشترك مما لهم، هكذا الأمر هنا.

إنه ليس أمر ما أكثر نفعًا من هذه التجارة والمقايضة. تبدأ علي الأرض وتتم في السماء. الذين يشترون هم على الأرض، لكنهم يشترون وينتفعون بما يخص السماويات، بينما يقدمون ثمنًا أرضيًا[40].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فإنّكم في تسالونيكي أيضًا،

أرسلتم إليّ مرّة ومرّتين لحاجتي” [16].

إذ كان ينشئ الكنيسة في تسالونيكي كان يسدد احتياجاته هو ومن معه جزئيا بعمل يديه (1 تس 9:2 ؛ 2 تس 7:3-9)، والباقي بالمعونة التي ساهمت بها الكنيسة في فيلبي.

  • هنا أيضًا مديح عظيم، إذ وهو قاطن في العاصمة قامت مدينة صغيرة (فيلبي) بتقديم له القوت[41].

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاء النص اليوناني “حاجات” وليس حاجاتي. ويرى القديس يوحنا ذهبي الفم أنه قد تعمد ذكر هذه الكلمة، لأنه كثيرًا ما ابرز أنه لا يحثهم علي العطاء عن احتياج، بل لنفعهم. فقد خشي لئلا يصابوا بحالة فتور في المشاعر وإحباط في الرغبة في العطاء، لذا أكد أنهم أرسلوا لأجل إشباع الاحتياجات.

“ليس أني أطلب العطيّة،

بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم” [17].

لم يشتهِ الرسول أية عطية من أحد، لكن ما يشتهيه ثمر الروح فقط، المُعلن عمليًا بالعطاء وسد احتياجات الخدمة.

كل ما يقدمه الإنسان عن صدقة وتواضع يضاف إلى حسابه في الملكوت، وإن كان حسب الظاهر إن بولس الرسول هو الذي تسلم عطاياهم، لكن في الحقيقة إن الله الذي تسلم هذه العطايا.

  • يوجد فرق بين من كان في عوز ولا يطلب شيئًا، وبين من يكون في عوز ولا يحسب نفسه أنه في عوز. يقول الرسول: “ليس إني أطلب العطية، بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم“. لست أطلب ما هو لي. هل ترون أن الثمر صادر منهم؟ يقول: هذا أقوله لأجلكم، وليس من أجلي، وإنما لخلاصكم. فإنني لست أربح شيئًا عندما أأخذ، إنما النعمة يتمتع بها الذين يعطون، والمكافأة قائمة في مخزن المُعطين، أما العطايا فيستهلكها الذين يستلمونها هنا[42].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولكني قد استوفيت كل شيء واستفضلت،

قد امتلأت،

إذ قبلت من أبفرودتس الأشياء التي من عندكم نسيم رائحة طيّبة،

 ذبيحة مقبولة مرضيّة عند الله” [18].

يعبر الرسول بولس عن سخاء أهل فيلبي إذ قدموا ليس فقط احتياجاته بل وما فضل عنه، فامتلأ لا بالعطاء بل بنسمة الحب القادمة من قلوبهم، واشتم عملهم ذبيحة مقدمة لله وليس لبولس، ذبيحة مقبولة موضع سروره.

  • إذ قال: “ليس إني أطلب” فلئلا يصابوا بحالة فتور في العطاء، أضاف: “ولكني قد استوفيت واستفضلت“، أي خلال تلك العطية التي بها تناسب من كان في عوزٍ. بهذا يجعلهم أكثر غيرة. فإن الذين يقدمون إحسانات كلما كانوا أكثر حكمة يطلبون فيمن يتقبل العطاء أن يكون شاكرًا. فإنكم ليس فقط قدمتم ما كان ناقصًا بل اجتزتم هذا بتفوق[43].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“نسيم رائحة طيبة ذبيحة مقبولة مرضية عند الله” وصف بولس الرسول عطايا أهل فيلبي بالآتي:

1- رائحة طيبة   2- ذبيحة مقبولة 3- مرضية عند الله.

وهذه الأوصاف تطابق أوصاف العهد القديم التي كانت تشير إلى ذبيحة الصليب.

نسيم رائحة طيبة“… هي رائحة المحبة التي قدمها أبناء المسيح لخادم المسيح.

  • “إذ قبلت من أبفرودتس الأشياء التي من عندكم نسيم رائحة طيبة، مقبولة مرضية عن الله”. أنظروا من الذي رفع عطيتهم، يقول: لست أنا، بل الله خلالي، فمع إني لست في عوز، اذكروا أن الله الذي ليس له احتياج قبل من أياديكم مثل هذه. حتى أن الأسفار المقدسة لا تحجم عن أن تقول: “تنسم الرب رائحة زكية” (تك 21:8) حيث تشير إلى من هو مسرور. حقًا أنتم تعرفون كيف أن نفوسنا تتأثر بالروائح الزكية، كيف تُسر وكيف تبتهج. فلم تحجم الأسفار المقدسة عن أن تستخدم كلمة بشرية وتطبقها على الله. وهكذا لكي تظهر للبشر أن عطاياهم مقبولة. لأنه ليست الشحوم ولا الدخان (البخور) يجعل الذبيحة مقبولة بل غاية فكر من يقدمها[44].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يظهر أنه بالحق الرحمة نحو الفقراء تسكب زيتًا على ذبيحة الله، أما الخدمة المُقدمة للقديسين فتضيف عذوبة البخور[45].

العلامة أوريجينوس

  • عندما ساعد الإخوة الطوباوي الرسول بولس في احتياجات ضيقته قال أن هذه الأعمال الصالحة هي ذبائح الله… فإنه عندما يتدفق أحد بمسكين يقرض الله، وعندما يعطي الأصاغر يعطي الله ذبائح روحية رائحة رضا[46].

الشهيد كبريانوس

“فيملأ إلهي كل احتياجكم بحسب غناه في المجد،

في المسيح يسوع” [19].

إذ كيلوا للرسول بكيل الحب الفائض يكيل لهم الله حسب غناه ليتمتعوا بأمجاد سماوية بفيض في المسيح يسوع. لم يتركوا بولس في عوز، فلن يتركهم الله في احتياج إلى شيء. لا يستطيع بولس أن يوفي لهم الدين، لكنه قدم الصك لمرسله يسوع المسيح الذي وحده قادر أن يفي عن رسله وتلاميذه.

“حسب غناه”.. يعطي الفقير حسب فقره القليل, ويعطي الغني حسب غناه الكثير, والملك يعطي حسب عظمته أكثر, فما بالك بملك الملوك إذا وهب؟!

 “المجد“… صفة ملازمة لله منذ الأزل وإلى الأبد. فالله ممجد من ذاته لا يستمد مجده من أحد.

أبينا“: نحن نتعامل مع أبٍ، عينه علينا يشعر بكل احتياجاتنا ويهتم بنا.

  • انظروا كيف يطلب لهم أن تحل عليهم البركات كما يفعل الفقراء (حين يتقبلون عطية ما). فإن كان بولس يبارك أولئك الذين أعطوا كم بالأولي بنا ألا نخجل من ذلك. عندما ننال (عطية من أحد)، ليتنا لا نتقبل العطية كما لو كنا نحن أنفسنا محتاجين، فلا نفرح من أجل أنفسنا، بل من أجل المعطين. نحن أنفسنا ننال مكافأة إن فرحنا من أجلكم. وليتنا لا نتضايق عندما يحجم الناس عن العطاء بل بالحري نحزن من اجلهم. فإننا نجعلهم في أكثر غيرة إن علمناهم أننا لا نعمل هذا من أجل أنفسنا، إنما ليملأ إلهي “احتياجكم” بكل نعمة أو بكل فرح “حسب غناه” أي حسب هبته المجانية، فهي بالنسبة له سهلة وممكنة وسريعة[47].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولله أبينا المجد إلى دهر الداهرين آمين” [20].

هذا الحب المتبادل بين الرسول وأهل فيلبي يمجد الله أب الجميع الذي يفرح بعمل نعمته فيهم.

  • المجد الذي يتكلم عنه لا يخص الابن وحده بل أيضًا الأب، فإذ يتمجد أيضًا الآب[48].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • هنا كما في فيلبي 19:4 لا يفصل بين الله والآب، بل يصلي لإلهنا وأبينا. يدعوه الله من أجل المهابة، ويدعوه الآب من أجل الكرامة ولأن كل بداية هي منه[49].

 الأب امبروسياستر

  • هنا يسبح الآب وحده، بينما في موضع آخر يسبح الابن وحده (رو 5:9)… فلا يفصل الابن عن الآب ولا الآب عن الابن. إنه يقدم التسبحة للطبيعة الإلهية ككل[50].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم[51] أن الرسول بولس ليس معه من هو نظير نفسه (في 20:2) ومع هذا يدعوهم إخوته.

4. تحية ختامية

“سلّموا على كل قدّيس في المسيح يسوع،

يسلم عليكم الإخوة الذين معي” [21].

يود من الكنيسة أن تبلغ كل عضو عن تحيات الرسول والعاملين معه له شخصيًا، حاسبًا رسالته هذه مُقدمة للكنيسة ككل كما لكل عضوٍ فيها كرسالة خاصة به.

  • ليس من يدعو نفسه قديسًا هو قديس، بل ذاك الذي يؤمن بالرب يسوع ويعيش حسب تعليمه[52].

الأب ثيؤدوروت أسقف قورش

“يسلّم عليكم جميع القدّيسين،

ولاسيما الذين من بيت قيصر” [22].

يرى في شعب فيلبي قديسين كما أيضًا في شعب روما، حتى المسيحيين في قصر نيرون كانوا في عينيه قديسين يقدمون تحياتهم ومحبتهم لقديسي الكنيسة في فيلبي.

من بيت قيصر” ليس المقصود نيرون وأسرته ولكن المقصود بعض رجال الحرب وموظفو القصر الذين آمنوا.

  • إنه يرفعهم من نفسياتهم ويقويهم بأن يظهر لهم أن كرازته قد بلغت حتى إلى بيت الملك (الإمبراطور). فإنه إن كان أولئك الذين كانوا في قصر الملك استخفوا بكل شيء من أجل ملك السماء، كم بالأكثر يليق بهم أن يفعلوا ذلك. هذا دليل أيضًا علي حب بولس وأنه أخبر عنهم بأمور كثيرة عظيمة حتى أن الذين في القصر قد اشتاقوا إليهم، والذين لم يروهم قط يسلمون عليهم[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم. آمين” [23].

لا يجد الرسول في أغلب رسائله ما يختم به حديثه سوى تقديم ربنا يسوع المسيح لمحبوبيه المرسل إليهم الرسالة. هذا أعظم ما يشتهيه لكل إنسان! تبدأ الرسالة بالنعمة وتنتهي بها… النعمة هل عمل الله مع النفس البشرية التي لا تستحق هذه النعمة.

كُتبت إلى أهل فيلبّي من رومية على يد أبفرودتس.

إذ كان معصم الرسول في القيد الحديدي لذلك أملى رسالته إلى ابفرودتس الذي أخذ بركة كتابتها كما أخذ بركة صاحبها.

 

من وحي فيلبي 4

أنت فرحي الدائم!

  • كيف لا تتهلل نفسي،

وأنت في داخلي تفيض بفرح الروح؟

كيف أضطرب وتقلق نفسي،

وأنت قائد حياتي وضابط الكل؟

كيف أخاف من المستقبل،

وأنت تفتح بالصلاة كل الأبواب المغلقة؟

كيف لا أمارس الحياة السماوية،

وأنت غيرٌت طبيعتي الجاحدة،

ووهبتني الشركة في حياتك الشاكرة؟

  • أنت فرحي الأبدي .

أختبره في أعماقي حيث أنت تقيم!

وأختبره مع إخوتي،

حيث كنيستك، جسدك متهلل!

لأفرح هنا علي الأرض،

حيث عبر قلبي إلى سماواتك!

 

 

 

المحتويات

 

مسيحنا هو حياتنا الدائمة التهليل

 

مقدمة في رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

مدينة فيلبي، البشارة في فيلبي، سمات الكنيسة التي في فيلبي، تاريخ الرسالة، غاية الرسالة، ملامح الرسالة، قانونية الرسالة، أقسام الرسالة.

 

الأصحاح الأول: فرح وسط الآلام

تحيّة رسولية، شكر ودعاء وحب، شوق وصلاة، قيود ونصرة، فرح بالكرازة، الحياة بالمسيح، تحدي وقوة.

 

الأصحاح الثاني: فرح في الخدمة الباذلة

حياة جماعية متهللة، المسيح القائد والمثل الأعلى، أضيئوا في العالم، حب وفرح للراعي والرعية.

 

الأصحاح الثالث: فرح في الرب

عجز الناموس عن تحقيق الفرح، سباق لبلوغ الكمال، المكافأة: مواطنة سماوية.

 

الأصحاح الرابع: فرح في كل حين

مصدر الفرح، سرّ الفرح: أ. عدم الارتباك بشيءٍ. ب. صلاة عن كل شيءٍ. ج. شكر من أجل كل شيءٍ.، فرح مشترك عملي، تحية ختامية.

7

 

9

 

 

 

 

17

 

 

 

 

53

 

 

 

 

95

 

 

 

 

138

 

 

 

[1] Epistle to Philippians 4:1 (ACCS).

[2] Homilies on Philippians, homily 13.

[3] Comm. On Luke, Sermon 64.

[4] Epistle to Philippians 4:2.

[5] Homilies on Philippians, homily 14.

[6] Homilies on Luke, homily 11:6.

[7] Homilies on Philippians, homily 14.

[8] Hom. On 1Tim., hom. 2. ترجمة سعاد سوريال

[9] Epistle to Philippians 4:4-5 (ACCS).

[10] Homilies on Philippians, homily 14.

[11] Epistle to Philippians 4:7:1 (ACCS).

[12] Homilies on Philippians, homily 14.

[13] Epistle to Philippians 4:6 (ACCS).

[14] Homilies on Philippians, homily 14.

[15] Homilies on Philippians, homily 14.

[16] Homilies on Philippians, homily 14.

[17] Epistle to Philippians 4:7.

[18] Homilies on Philippians, homily 14.

[19] Homilies on Song of Songs, 15. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[20] Epistle to Philippians 4:8-9 (ACCS).

[21] Introductory Commentary on 2 John.

[22] In Eph. hom 23.

[23] Of the Holy Spirit Book 1:17:108.

[24] على رسالة أفسس 1، 13.

[25] In Eph, hom 2.

[26] Augustine: Enchiridion, 75.

[27] Augustine: Continence, 15.

[28] Homilies on Philippians, homily 14.

[29] Homilies on Song of Songs, 15. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[30] Homilies on Philippians, homily 14.

[31] Homilies on Philippians, homily 15.

[32] Homilies on Philippians, homily 15.

[33] Cf. Adam Clarke: Comm. on phil. 4:11.

[34] Homilies on Philippians, homily 15.

[35] Duties of the Clergy, 2:17:90.

[36] Commentary on Rom. 4:9.

[37] On the Good of Marriage, 25.

[38] Homilies on Philippians, homily 15.

[39] Homilies on Philippians, homily 15.

[40] Homilies on Philippians, homily 15.

[41] Homilies on Philippians, homily 15.

[42] Homilies on Philippians, homily 15.

[43] Homilies on Philippians, homily 15.

[44] Homilies on Philippians, homily 15.

[45] Homilies on Leviticus 4:9:1.

[46] Treatise 4 on the Lord’s Prayer, 33.

[47] Homilies on Philippians, homily 15.

[48] Homilies on Philippians, homily 15.

[49] Epistle to Philippians 4:20.

[50] Epistle to Philippians 4:21.

[51] Homilies on Philippians, homily 15.

[52] Epistle to Philippians 4:21.

[53] Homilies on Philippians, homily 15.

 

تفسير رسالة فيلبي 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني: فرح في الخدمة الباذلة

تكلفة الخدمة المفرحة: “أخلى نفسه”

لم يشغل السجن ولا القيود فكر القديس بولس، إنما إذ حمل في أعماقه السيد المسيح، واهب الحياة، أشع بروح الفرح على مخدوميه وسط آلامه وآلامهم. لذا تحدث عما اقتناه في داخله من حياة شكرٍ وحبٍ وفرحٍ وشعورٍ بالنصرة وتمتعٍ بالحياة الجديدة مع إدراكه لسرّ القوة، وتحديه لقوات الظلمة. وقد جاء هذا الأصحاح يكشف عن الفرح الذي تمتع به الرسول بالخدمة والبذل بروح الحب والوحدة لحساب ملكوت المسيح، بالرغم من وجود مقاومات ومتاعب كثيرة.

يا له من تخطيط إلهي فائق! من أجل البشرية أخلى الابن الوحيد الجنس ذاته وأخذ شكل الإنسان. احتل رب الكل مركز العبد وتواضع بالأكثر إذ وهو واهب الحياة أطاع حتى الموت. واجه موتًا مشينًا هو موت الصليب، كثمنٍ إلهيٍ لحياتنا الجديدة المفرحة فيه.

خلال هذه الخبرة اقتبس القديس بولس في داخل السجن تسبحة كنسية [1-11] ليتغنى بتواضع المسيح كطريقٍ ملوكي لبلوغ المجد، ويٌحتمل أنه هو واضع هذه التسبحة.

تضم هذه التسبحة ثلاثة عناصر بدائية تشير إلى استخدامها في الليتورجيا الخاصة بالعماد:

  • * الاعتراف بالإيمان القائم على القيامة.
  • * سمو اسم يسوع الذي هو رب الكل.
  • * تشكيلنا على شبه ربنا يسوع الذي هو صورة الآب.
  1. حياة جماعية متهللة 1-4.
  2. المسيح القائد والمثل الأعلى 5-11.
  3. أضيئوا في العالم 12-15.
  4. حب وفرح للراعي والرعية 16-30.

1. حياة جماعية متهللة

ختم الرسول بولس الأصحاح السابق بالحث على الجهاد المشترك بروح الحب والوحدة. الآن يقدم لهم السيد المسيح نفسه، خادم كل البشرية مثالاً فريدًا في التواضع والحب الفائق، الذي تمجد ومجد الآب بتواضعه وبذله. وهو في هذا يحث الشعب على الحب العملي المشترك.

“فإن كان وعظ ما في المسيح،

إن كانت تسلية ما للمحبّة،

إن كانت شركة ما في الروح،

إن كانت أحشاء ورأفة” [1].

بقوله: “فإن” تعني أن الحديث هنا هو امتداد للحديث السابق. وبقوله: “إن كان” لا يعني هنا الشك، إنما بالعكس جاء يحمل اليقين أنه ليست “تعزية” أو “كلمة وعظ” إلا في المسيح. وكأنه طالما يوجد وعظ، يجب أن يكون في المسيح. ويقصد بالوعظ هنا التشجيع والإقناع العقلي, ليهذب نفوسنا ويثبتنا في الإيمان.

  • ليس شيء أفضل ولا أكثر رقة من المعلم الروحي، مثل هذا يفوق حنو أي أبٍ طبيعيٍ (حسب الجسد)!

تأملوا كيف يتعامل هذا الطوباوي مع أهل فيلبي فيما هو لصالحهم.

أنظروا كيف يتحدث بغيرةٍ متقدةٍ وعاطفةٍ شديدةٍ!

إن كانت راحة ما في المسيح” وكأنه يقول إن فعلتم أي شيء لحسابي، وإن أظهرتم لي أي اهتمام، إن كنتم تتقبلون أي صلاح من يدي، افعلوا هذا (في المسيح)… إنه لا يذكرنا بمنافع جسدية بل روحية.

بمعنى إن أردتم أن تقدموا لي راحة في تجاربي وتشجيعًا في المسيح، وأية تعزية للمحبة، إن أردتم إظهار أية شركة في الروح، إن كانت لكم أحشاء ورأفة، فإنكم بهذا تحققون فرحي[1].

القديس يوحنا الذهبي الفم

تسلية ما للمحبة” يقصد الرسول بالتسلية التعزية والمواساة. فإن مخلصنا الصالح عندما يعزينا ينزع آلامنا الخفية مهما كانت قوتها, ويهبنا الراحة الحقيقية التي ما بعدها راحة.

شركة ما في الروح” تجمع الشركة المسيحية أبناء الله، وتربطهم بربط المحبة والبذل. إن كانت شركة بين المؤمنين فهي في الروح القدس.

إن كانت أحشاء ورأفة“… المقصود بالأحشاء والرأفة المشاعر الداخلية الدقيقة والأحاسيس المرهفة النابعة عن المحبة واللطف والوداعة والشفقة والعطف. إن كنتم تتوقعون رأفة الله ومراحمه، فلتقدموا رحمة ورأفة لبعضكم البعض.

“فتمّموا فرحي حتى تفتكروا فكرًا واحدًا،

ولكم محبّة واحدة بنفس واحدة،

مفتكرين شيئًا واحدًا” [2].

  • انظروا إنه لم يقل “اجعلوني فرحًا” بل قال: “تمموا فرحي” حتى لا تبدو الوصية كأنها مقدمة لأشخاص معيبين. إنه يقول: لقد بدأتم تغرسون هذا فيٌ، لقد قدمتم لي بالفعل نصيبًا من السلام، لكنني أود البلوغ إلى كماله[2].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[3] أن أهل فيلبي يودون أن يقدموا للرسول راحة وتعزية وشركة في الروح وحنوًا ورأفة. هنا يوجههم أن يمارسوا كل هذه الأمور أولاً كما يليق في المسيح يسوع بطريقة روحية، ثانيًا أن يحملوا وحدة الروح والحب المتبادل فيما بينهم بهذا يتحقق فرحه، وينال كل ما يبغونه له.

يسألهم أن يحققوا له فرحه، الذي لن يتحقق إلا بوحدتهم وحبهم لبعضهم البعض. وكأنه يقول لهم إن كنت أكرز لكم بإنجيل المسيح لخلاصكم، فلتكونوا مصدر فرحٍ كاملٍ لي. حقًا إني مسرور بكم، لكنني محتاج إلى البلوغ إلى كمال الفرح الذي لن يتحقق إلا بأن يكون لكم الفكر الواحد، ولكم ذات الحب. هذه الرسالة هي رسالة فرح, والفرح يمثل الخط الذهبي الذي جُدلت به كلمات الرسالة، لكن كيف نتمم فرح الرسول؟

1- بالفكر الواحد: بأن يفكر كل واحد فينا فيما هو لأخيه، ونكون مستعدين للتنازل عن أفكارنا الخاصة الخاطئة، عندئذ نصل إلى الفكر الواحد. يتحدث بولس الرسول عن اتفاق تلاميذه معًا بأنه يُحسب حنوًا يُقدم له شخصيًا، مظهرًا بهذا مدى الخطورة العظيةم جدًا متى كانوا ليسوا بفكرٍ واحدٍ.

2- بمحبةٍ واحدةٍ: المحبة تستر كثرة من الخطايا، وهي رباط الكمال. عندما نحب الآخرين عندئذ نكون محبوبين منهم وتكتمل صوره المحبة التي أرادها الله لنا. كأنه يقول إن أردتم أن أنال راحة منكم، وتعزية من محبتكم وشركة في الروح معكم، وشركة معكم في الرب، وأجد رحمة ورأفة لديكم فانظروا إلى حبكم بعضكم لبعض. فإنني اقتني هذا كله أن أحببتم بعضكم بعضًا.

  • ولكم ذات المحبة“، بمعني لا تكون الوحدة في الإيمان وحده، بل وفي كل الأمور الأخرى، فإن هذا يختلف عن أن يكون لهم الفكر الواحد وليس لهم المحبة[4].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3- بنفسٍ واحدةٍ: النفس هي مركز المشاعر والأحاسيس. وعندما يكون لنا الفكر الواحد والمحبة الواحدة سيكون لنا المشاعر الواحدة، وبهذا تكتمل فينا صورة الملكوت.

  • صلى الرب للآب عن الذين له أن يكونوا واحدًا كما هم واحد (يو 17: 22)… الثلاثة ليسوا ثلاثة آلهة، ولا ثلاثة قديرين، بل إله واحد قدير. الثالوث كلّه هو الله الواحد، فالحاجة إلى واحد. ليس ما يحضرنا إلى هذا الواحد إلا إن كنّا نحن الكثيرون قلبًا واحدًا[5].

القديس أغسطينوس

“لا شيئًا بتحزّب أو بعجب،

بل بتواضعٍ،

حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم” [3].

جاءت الآيتان 3 و4 مقابل 1 و2 فبعد أن حثهم بوصايا إيجابية خاصة بالتواضع والحب وشركة الروح والحنو والوحدة، حثهم على الوصايا السلبية المضادة ليتجنبوا التحزب أو الانشقاق والكبرياء والأنانية.

لا شيء بتحزب” ينشأ التحزب في الجماعة النشطة حيث يكون لكل عضوٍ طموحاته وخططه. تنشأ من اعتزاز الإنسان بذاته وبرأيه الخاص, ثم التمسك بهذا الرأي، ومحاولة فرضه على الجماعة، وينتهي التحزب بالانقسام، وقد ينتهي بالبدع والهرطقات. “أو بعُجب“… العُجب هو الخيلاء، والكبرياء هو العمل لمجد الذات، هو تجسيم وتجسيد لكلمة “أنا”.

  • لا شيئًا بتحزبٍ أو عجبٍِ“. هذا كما أقول دومًا هو علة كل الشرور. منه تصدر المحاربات والخصومات. بهذا تبرد المحبة عندما نحب مديح الناس، عندما نصير عبيدًا للكرامة التي يقدمها الكثيرون لنا. فإنه يستحيل أن يصير الإنسان عبدًا لحب المديح، ويكون عبدًا حقيقيًا لله[6].
  • ليس شيء غريب عن المسيحي مثل التعالي. أقول التعالي، وليس الجرأة ولا الشجاعة، لأن الأخيران يتناسبان مع المسيحي. التعالي شيء، والجرأة والشجاعة شيء أخر. هكذا التواضع شيء، والخسة والمداهنة والتملق شيء أخر[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم” [3]… لم يقل أفضل من أنفسكم بل أفضل من أنفسهم… فماذا يقصد الرسول من هذا؟ إنه يقصد أن نعطي لكل واحد كرامة وتقديرًا واعتبارًا أكثر مما يستحق…

نقدر الناس بأكثر مما يستحقون…

فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح“… إنه فكر التواضع. “فليكن فيكم” أي ضرورة وجود هذا الفكر في حياتنا، لأنه هو العمود الفقري لكافة الأفكار المستقيمة, وهو الضمان الوحيد الهروب من التحزب والانقسام والخصام والعجب والكبرياء والمجد الباطل وتمجيد الذات…

لا تظن فيه أنه مجرد أعظم منك، بل هو “أفضل” منك، أي له سمو أعظم جدًا، فلا تستغرب ولا تتألم إن رأيته يُكرم. نعم، حتى وإن عاملك باستخفافٍ، احتمل هذا بنبلٍ، إذ تحسبه أعظم منك. وإن شتمك، تخضع له. وإن عاملك رديًا تحمل ذلك في صمتٍ. لأنه إذ يتأكد الإنسان تمامًا أن الآخر أعظم منه لا يغضب إن عامله رديًا، ولا يسقط في الحسد، لأنه لا يحسد أحدًا أعظم منه بكثير، بل ينسب كل شيء إلى سموه[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه،

بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا” [4].

الأنانية تقتل الحب المسيحي، إذ يليق بالمؤمن أن يحب قريبه كنفسه، ويضع نفسه في موضع قريبه، بل ويعطي الأولوية له عن نفسه.

  • لا يطلب أحد ما لنفعه، بل ما هو لنفع الآخر. لا يطلب أحد ما لكرامته، بل ما لكرامة الآخر[9].

القديس أمبروسيوس

  • قدم لنا الرب نفسه مثالاً بإرسال تلاميذه اثنين اثنين (مر 6: 7)، فكل منهما يود أن يخضع بفرحٍ وبكل قلبه للآخر، متذكرًا كلمات الرب:من يضع نفسه يرتفع” (لو 18: 14)[10].

القديس باسيليوس الكبير

2. المسيح القائد والمثل الأعلى

“فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا” [5].

ما يطلبه الرسول منهم ليس بوصايا نظرية، لكن بالشركة العملية مع السيد المسيح الذي قدم بتجسده مفهومًا فريدًا للحب والتواضع، لا لمصلحة خاصة به، بل لأجل محبوبيه.

  • ليس شيء يحث النفس العظيمة الحكيمة (صاحبة الفلسفة) علي ممارسة أعمال صالحة مثل أن تتعلم أنها بهذا تصير على شبه الله. أي تشجيع يعادل هذا؟ لا شيء! هذا ما يعلمه الرسول تمامًا عندما أراد أن يحثهم علي التواضع[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ذاك الذي ظهر في غابة طبيعتنا البشرية بسبب حبه للبشر، أصبح تفاحة باشتراكه معنا في الجسد (اللحم والدم). وكل من هذه (اللحم والدم) يقابله أحد ألوان التفاح. فاللون الأبيض يمثل لون اللحم، أما اللون الأحمر فيمثل الدم. لذلك، عندما تفرح النفس في الأمور السماوية فإنها ترغب أن ترى تفاحًا على السقف، وهكذا ترى ما هو فوق وتركز على التفاح، فيقودها هذا إلى الطريق السماوي للحياة حسب تعاليم الإنجيل. الذي جاء من الأعالي والذي هو فوق الجميع أرانا الطريق من خلال ظهوره في الجسد، فقد كان لنا مثالاُ عاليًا لكل فضيلة وصلاح. وكما قال السيد المسيح: “تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” (مت 29:11). وقد تكلم الرسول في نفس الموضوع عندما تحدث عن التواضع، ودعوني أقرأ النص لأوضح الحقيقة العامة: يقول بولس ينظرون إلى أعلى “فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح أيضًا. الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد” (في 5:2). لقد شاركنا حياتنا بالجسد والدم وبإرادته أخذ هذا، تقول العروس، “أنعشوني بالتفاح”، حتى أبقى باستمرار ناظرة إلى أعلى، فأرى على الدوام صور الفضيلة واضحة في عريسي. ففيه أرى الوداعة، الخلو من الغضب، التصالح مع الأعداء، حب الذين يسببون له الضيقات، مقابلة الشر بالخير، كما أرى القوة والنقاء والصبر وليس به أي أثر للمجد الباطل أو الخداع[12].

القديس غريغوريوس النيسي

“الذي إذ كان في صورة الله،

لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله” [6].

لو أن يسوع مخلوق بشري وعادل نفسه بالله لحسب مسلكه هذا خلسة، سرق مجد الله، ونسب لنفسه ما لله. لكنه إذ هو كلمة الله المتجسد، فما فعله هو من قبيل حبه وتواضعه.

إذ كان في صورة الله“… كان المستخدمة هنا تصف الإنسان الذي له مميزات وصفات معينة وهذه الصفات لا يمكن أن تتغير أو تتبدل, فمثلا زكا كان قصير القامة فهي صفة ثابتة فيه لن تتغير.

كان في صورة الله” فهو يقصد أن السيد المسيح كان ولا يزال هو الله في ذات جوهره بلا تغيير ولا تبديل. وليس معنى قول الرسول عن السيد المسيح إنه “كان في صورة الله” إنه فقد هذه الصورة عندما أتخذ صورة العبد. كلا، إنه يملك صورة الله قبل التجسد وبعد التجسد وإلى الأبد. وهنا يثور السؤال: السيد المسيح الذي له صورة عبد هل فعلاً وحقيقة صار عبدًا له جسد بشري وروح بشرية مثلنا؟ نعم وبلا شك إنه صار عبدًا حقيقيًا.

لم يحسب خلسة“: هذا التعبير معناه إن السيد المسيح ليس في حاجة إلى خطف المساواة بالله، لأنه يملكها إذ هو مساوي للآب في الجوهر, وعندما يعتبر نفسه إنه مساوٍٍ للآب فلا يُعد هذا سرقة أو اختلاسًا لأن مساواته للآب وأزليته مع الآب هي حقيقة صادقة.

  • ليت ذاك الذي لا يستطيع بعد أن يرى ما سيظهره الرب يومًا ما لا يطلب أولاً أن يرى ما يؤمن به. إنما ليؤمن أولاً أن تُشفى العين التي بها يرى. فإن ما يُعلن لأعين العبيد هو فقط شكل العبد، لأنه إن كان الذي “لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله” [6] يمكن أن يُرى الآن أنه معادل لله بواسطة الذين يرغب هو في شفائهم، لم تكن هناك حاجة أن “يُخلي نفسه آخذًا صورة عبد”. ولكن إذ لا يوجد طريق به يمكن رؤية الله، وإنما يمكن أن يُرى الإنسان، لهذا فإنه صار إنسانًا، حتى بهذا يُرى فيشفي ما لا يُمكن به أن يُرى. فإنه هو نفسه يقول في موضع آخر: “طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت 5: 8)[13].

القديس أغسطينوس

  • بالتدبير صار بيننا في شبهنا “وأخذ صورة عبدٍ“، ومع ذلك فهو من فوق. قال بوضوح مخاطبًا اليهود: “أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق؛ أنا لست من هذا العالم” (يو 8: 23). وأيضًا قال: “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان” (يو 3: 13)[14].

القديس كيرلس الكبير

  • وإن كان مشتركًا في طبيعتنا كإنسانٍ فهو لا يزال في نفس الوقت فوق كل الخليقة كإله[15].

القديس كيرلس الكبير

  • “قد تركت بيتي. رفضت ميراثي. دفعت حبيبة نفسي ليد أعدائها” (إر 12: 7). لاحظ إذًا أن ذاك الذي هو في “صورة الله” (في 2: 6) جالس في السماوات، وأنظر إلى بيته الذي يفوق السماوات، ولو أردت أن ترى أيضًا ما هو أعظم وأعلى من ذلك، فإن بيته هو الله: “لأني في الآب” (يو 14: 11). “لقد ترك أباه وأمه” (مت 19: 5). ترك أورشليم السمائية، وجاء إلى الأرض، قائلاً: “قد تركت بيتي. رفضت ميراثي”.

كان ميراثه في الواقع في الأماكن التي تُوجد فيها الملائكة والصفوف التي توجد فيها القوات المقدسة.

“دفعت حبيبة نفسي (نفسي الحبيبة) ليد أعدائها”. دفع نفسه لأيدي أعداء النفس، لأيدي اليهود الذين قتلوه، لأيدي الملوك والرؤساء المجتمعين ضده، فإنه: “قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه” (مز 2: 2)[16].

العلامة أوريجينوس

“لكنه أخلى نفسه،

آخذًا صورة عبد،

صائرًا في شبه الناس” [7].

وهو الكلمة الإلهي صار إنسانًا، أخذ ناسوتنا. لم يظهر في مجده، بل أخذ شكل العبد، وصار في شبه الناس، صار إنسانًا حقيقيًا وهو الإله الحق.

1- أخلى نفسه من مجد لاهوته، لأنه أخفى مجد لاهوته داخل ناسوته، وحجب مجده داخل حجاب جسده, إنه أخفى لاهوته عن الشيطان ليكمل لنا الفداء، ولتدور معركة الصليب الرهيبة. أخلى نفسه، فلم يسمح للاهوته بتخفيف الآلام عن ناسوته فجاع وعطش وتعب وبكى وتألم ومات.

2- أخذ صورة عبد: ظهر في صورة نجار بسيط في أسرة فقيرة في بلد حقيرة. اتخذ صورة عبد، فصار هو العبد الوحيد الذي أرضى الله الآب.

3- صار في شبه الناس: ولكنه يختلف عن أي إنسان آخر، لماذا؟

 أ- لأنه هو الإنسان الوحيد الذي بلا خطية.

 ب- لأنه هو الإنسان الوحيد الكامل.

 ج- لأنه ليس إنسانًا كاملاً بلا خطية فقط، بل لأنه هو الله ذاته.

4- وإذ وُجد في الهيئة كإنسانٍ: التشبيه “كإنسانٍ” يعلن لنا إنه ليس مثل أي إنسان. إنه إنسان بالحقيقة، لكنه يختلف عن كل البشر.

5- وضع نفسه وأطاع مشيئة الآب.

6- أطاع حتى الموت: هو البار القدوس الذي لم يفعل خطية جاز في الموت، لأنه حمل خطايانا وآثامنا.

7- موت الصليب: وهو أشر وأقصى أنواع الموت. مات موت اللعنة, موت العار, موت السخرية, مات موت العثرة والجهل, أطاع إلى المنتهى حتى صرخ على الصليب قائلاً: “قد أكمل”. لذلك رفعه الله أيضًا، وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل إنسانٍ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب”.

كثيرًا ما علق العلامة أوريجينوس علي قول الإنجيلي: “وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس” (لو 52:2)، مؤكدًا أنه إذ أخلى نفسه حقيقة وصار طفلاً، لا نعجب من أنه يتقدم ليس فقط في القامة جسمانيًا، بل وحتى في الحكمة. وقد استشهد بقوله النبي عنه: “عرف أن يرفض الشر ويختار الخير قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير علي الأرض” (إش 15:7-16)[17].

  • تعمد الكلمة القول في جسارة بأنه أخلى نفسه لكي يسلك في هذه الحياة. وبإخلائه يجعل العالم في الملء. لكن إذ كان ذاك الذي سلك في هذه الحياة مخليًا نفسه، فإن هذا الإناء الخالي إنما هو الحكمة بعينه، لأن جهالة الله أحكم من الناس (1 كو 25:1 )[18].
  • حمل ضعف خطايانا، وحملنا. جاء إلى الذين لعنوه، وضعفت قوته بين الذين لعنوه عندما نزل من السماء، لأنه في نفس الوقت أخد شكل العبد وأخلي نفسه. هكذا يقول ” قوتي ضعفت بين الذين يلعنونني ” (إر 10:15)[19]
  • نزل الرب لا ليهتم بنا فحسب، بل ولكي يحمل ما لنا[20].
  • خُلق الإنسان علي شبه صورة (الله). ولهذا فإن مخلصنا الذي هو صورة الله، بحنوه نحو الإنسان الذي خلقه علي مثاله، إذ رآه قد ترك صورته جانبًا ولبس صورة الشرير، أخذ صورة الإنسان ونزل إليه[21].

 العلامة أوريجينوس

  • قال الرب لليهود: “ماذا تظنّون في المسيح” (مت 22: 42)؟ أجابوه: “ابن داود”، لأنهم عرفوا ذلك بسهولة إذ تعلّموه من الأنبياء. بالحقيقة كان من نسل داود، ولكن “حسب الجسد” من العذراء مريم التي كانت مخطوبة ليوسف. وعندما أجابوه قال لهم: “فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلاً: “قال الرب لربّي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه ربًا فكيف يكون ابنه؟…

هل تتعجّبون من أن يكون ابن داود إلهًا له، عندما ترون مريم أمًا لربّها؟

إنه رب لداود “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله” [7]، وابن داود بكونه “أخلى نفسه آخذًا صورة عبد[22].

  • يا أيّها النبي القائل: “أنت أبرع جمالاً من بني البشر” (مز 45: 3)؟ أين رأيته؟ هناك أنا رأيته. هل تشك أن المعادل لله أبرع جمالاً من بني البشر؟…

وليسأل ذاك القائل: “رأيناه، ليس فيه حُسن ولا جمال” (إش 53: 2 LXX). أنت تقول هذا، أخبرنا أين رأيته؟… “

أخلى ذاته، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب“. هنا أنا رأيته.

هكذا الاثنان في توافق مملوء سلامًا، كلاهما يتفق معًا.

أي جمال أبرع من الله؟ وأي تشويه أكثر من المصلوب[23]؟

  • لقد ترك أباه حتى لا يُظهر نفسه هنا مساويًا للآب، بل “أخلى ذاته، آخذًا صورة عبدٍ“. لقد ترك أيضًا أمه، المجمع، الذي وُلد منه حسب الجسد لقد التصق بامرأة أي بكنيسته[24].

القديس أغسطينوس

  • قد يقول أحد الحاضرين: أنا إنسان مسكين، أو قد أكون في ذلك الوقت مريضًا على الفراش، “أنا امرأة وأُخذت إلى الطاحونة، فهل أُرفض؟! تشجع يا إنسان، فإن الديان لا يحابي الوجوه. لا يقضي بحسب منظر الشخص ولا حسب كلامه[25]. لن يكرم المتعلمين فوق البسطاء، ولا الأغنياء أكثر من المحتاجين. إن كنتم في حقل تأخذكم الملائكة. لا تظنوا أنه يأخذ أصحاب الأراضي ويترك الحارثين. حتى وإن كنت عبدًا أو فقيرًا لا تتضايق. لقد أخذ شكل العبد [7]، فهل يرفض العبيد؟ حتى وإن كنت راقدًا على الفراش، إذ مكتوب: “يكون اثنان على الفراش واحد، فيؤخذ الواحد ويُترك الآخر” (لو 34:17). حتى وإن كنت مظلومًا تحت إلزام، رجلاً كنت أو امرأة، مكبلاً أو جالسًا بجوار طاحونة، فإن الذي بسلطانه يحل المقيدين لن يتجاوزك.

الذي عتق يوسف من العبودية وأخرجه من السجن إلى المملكة يفديك من ضيقتك إلى ملكوت السماوات.

يليق بك أن تفرح فرحًا حسنًا، وتعمل وتجاهد بغيرة فإنك لن تفقد شيئًا من جهادك. كل صلاة هي لك. كل مزمور تتغنى به يسجل لك. العفة من أجل الله تُحسب لك[26].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • كما أن المسيح “أخذ صورة عبدٍ” [7] وغلب الشيطان بالتواضع، هكذا فإنه في البداية سقط الإنسان عن طريق الكبرياء والمجد الباطل بخداع الحيّة؟[27]

القديس مقاريوس الكبير

  • تقارن العروس جمالها بمثل حنان الله القدوس، فتقلد السيد المسيح في عملها، فتصبح للآخرين كما كان المسيح للبشر. قلد بولس السيد المسيح بالتضحية بحياته حتى يُعطي بني إسرائيل الخلاص إزاء معاناته وضيقاته. “فإني كنت أوّد لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو 3:9). يمكن تعديل هذه الكلمات لتناسب العروس كالآتي: هذا هو جمال روحك، وهذه هي محبة الله الذي أخلى نفسه وأخذ شكل العبد (في 7:2) وأعطى نفسه فداء عن العالم. هو الغني الذي أصبح فقيرًا من أجلنا، حتى يمكننا أن نحيا بموته، ومن أجلنا افتقر لكي نغتني، وبعبوديته نملك (2 كو 9:8)[28].
  • تصف العروس العريس بأن ظله على الفراش: “سريرنا أخضر” (نش 16:1). أي أن الطبيعة البشرية تدرك أو سوف تدرك أنك تظللها برعايتك. “لقد أتيت” قالت العروس، “أنت الجميل الذي يظلل فراشنا”. لأنه إن لم “يخيم ظلك علينا على هيئة عبد” (في 7:2) عندما تكشف لنا عن أشعة بهائك الإلهي، من يستطيع أن يتطلع إلى عظمتك البهية؟ “وقال لا تقدر أن ترى وجهي. لأن الإنسان لا يراني ويعيش” (خر 20:33). لقد أتيت إلينا الآن كشخصٍ رائعٍ ويمكننا استقباله. أتيت إلينا متجسدًا كإنسانٍ، لتخفي عن عيوننا أشعة ألوهيتك. كيف اتحدت الطبيعة التي تدوم إلى الأبد بالطبيعة التي تموت؟ إن ظل جسده عمل كوسيط يمنحنا النور نحن الذين كنا نعيش في الظلمة: تستعمل العروس كلمة فراش (سرير) لكي تُفسر بحاسة تصويرية اتحاد الطبيعة البشرية مع الله[29].

القديس غريغوريوس النيسي

“وإذ وُجد في الهيئة كإنسان،

وضع نفسه،

وأطاع حتى الموت، موت الصليب” [8].

قبل ناسوتنا لكي يعلن حبه بآلامه الحقيقية وطاعته عوض عصياننا، وبكامل حريته. قبل أبشع أنواع الموت وهو الصلب ليحقق مصالحتنا مع الآب. قبل عار الصليب لكي يمجدنا. مارس الحب والتواضع:

* أخلى نفسه، وأخفى مجده الأزلي بتأنسه.

* لم يستنكف من أن يحمل شكل الإنسان وهو الإله الحي.

* قبل أن يحتل آخر صفوف البشرية، إذ صار عبدًا للجميع، يشتهي أن يخدم الكل.

* قبوله الألم حتى الموت.

* اختياره عار الصليب. فالصليب هو الطريق الملوكي لبلوغ المجد: المسيح أخلى نفسه من مجده، وأطاع حتى الموت، فتمجد فوق الكل، وحملنا فيه لنشاركه مجده. ان كان المسيح هو مثالنا فإننا لا نرى صليبًا بدون إكليل. إن كنا نتألم معه فسنملك أيضًا معه.

         هنا نلاحظ الآتي:

  1. يؤكد القديس بولس أن شركة الابن الكاملة في الطبيعة الإلهية ليست نوعًا من الاختلاس؛ أي لم يغتصبها من الآب، بل واحد مع الآب في أزليته، إذ هو واحد معه في ذات الجوهر.
  2. تخليه لا يعني تغير ابن الله في الطبيعة الإلهية، عندما أخذ جسدًا لأجل خلاصنا. لقد أخلى نفسه، لا بتخليه عن الطبيعة الإلهية أو انتزاعها عنه، بل بإرادته حمل ناسوتنا. يتعامل التجسد مع إرادة الابن لا مع طبيعته. لقد صار إنسانا كاملاً، إذ بالحقيقة تجسد، مشاركًا حالنا البشري دون تغير في لاهوته.
  3. أخلى الابن نفسه لكي يملأ فراغنا. صار إنسانًا لنصير أبناء الله. نسأله أن يملأ فراغنا بحلوله في حياتنا، فنسمعه يقول على الدوام: “وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل” (يو 10: 10).
  4. تعبير “عبد” يحمل مفارقة صارخة لكونه في شكل الله، ولقبه “رب” الذي أعلن في نهاية العبارة.
  5. اتسم القديس بولس بالجانب العملي كما بعمق الفكر. إنه لا يتركنا قط كما على سحابٍ. لا يفصل قط المعرفة عن العمل، فالمسيحية في عينيه حياة وإيمان. العقيدة الإيمانية دون الحياة لا ترفعنا إلى شيءٍ. بعد أن قدم الرسول قياس الأعالي في مجد المسيح، لم يود أن يتركنا هناك.
  • وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب“. أنظروا قد يقول أحد: لقد صار بإرادته مطيعًا إذ لم يكن مساويًا لمن أطاعه. يا لكم من معاندين جهلاء! هذا لن يقلل من شأنه قط. فإننا نحن أنفسنا نصير مطيعين لأصدقائنا، وهذا لا تأثير له (علي كرامتنا).

لقد أطاع بكونه الابن لأبيه، لم يسقط إلى حال العبودية، بل بهذا الفعل تظهر بنوته العجيبة فوق كل شيء آخر، بهذا يكرم بقوة الآب. إنه يكرم الآب ليس لكي تحتقروه هو، بل بالحري لكي تتعجبوا منه، وتتعلموا من هذا الفعل أنه ابن حقيقي، بتكريمه لأبيه أكثر من أي شيء أخر.

ليس من أحد يكرم الله هكذا. فبقدر علوه هكذا مارس التواضع الذي حققه. إذ هو أعظم من الكل، ليس من أحدٍ يعادله، هكذا في تكريمه لأبيه فاق الكل، ليس عن إلزام ولا بغير إرادة، بل هذا أيضًا من سموه. نعم، فإن الكلمات لا تسعفني. حقًا، إنه لأمر عظيم لا يُنطق به أنه صار عبدًا، واجتاز الموت، إنه لأمر عظيم للغاية. لكن يبقى شيء أعظم وأكثر غرابة، لماذا؟ ليس كل أنواع الموت واحدة. موته يبدو أكثرهم بشاعة من الكل، مملوء عارًا ولعنة. إذ كُتب: “ملعون من عُلق علي خشبة” (تث 23:21، غل 13:3). لهذا كان اليهود يشتاقون بكل حمية أن يقتلوه بهذه الوسيلة، ليجعلوه في عارٍ.

فإن كان أحد لا يريد أن يتخلى عنه بسبب موته، فسيتركه بسبب طريقة موته ذاتها. ولذات السبب صُلب معه لصين وهو في الوسط، حتى يشاركهما سمعتهما الرديئة، فيتحقق قول الكتاب: “أحصي مع آثمة” (إش 12:53). مع هذا أشرق الحق بالأكثر، وصار أكثر بهاءً. فإنه إذ خطط الأعداء مثل هذه الأمور ضد مجده، أشرق مجده بطريقة أعظم مما توقعوا. ليس بقتله، بل بقتله بهذه الكيفية ظنوا أنهم يجعلوه رجسًا ليؤكدوا أنه أكثر نجاسة من كل البشر، ولكنهم لم ينالوا شيئًا![30]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لو لم يكن الرب قد صار إنسانًا لما كان في وسعنا أن نُفتدى من الخطية، وأن نقوم من بين الأموات، بل لبقينا أمواتًا تحت الأرض، ولما كنا نُرفع إلى السماء، بل لرقدنا في الجحيم[31].

البابا أثناسيوس الرسولي

  • لأن الكلمة الذي هو الله أخذ جسدنا، ومع ذلك فقد بقيَ إلهًا. ولهذا يقول بولس الرسول المقدّس جدًا أنه صار في شبه الناس ووُجد في الهيئة كإنسانٍ، لأنه كان الله – كما قلت – في شكلنا البشري، مماثلاً لنا، ولم يأخذ جسدًا بلا نفس كما ظن بعض الهراطفة، بل بالأحرى جدًا تحييه نفس عاقلة[32].
  • حتى إن كان يُقال أنه تألم في جسده، فهو لم يقبل الآلام في طبيعة ألوهيّته، ولكن قبلها في جسده الخاص القابل للألم[33].

القديس كيرلس الكبير

  • يقول الكتاب في ميخا: “هوذا الرب يخرج من مكانه، وينزل ويمشي على شوامخ الأرض” (مي 3:1). لذلك يُقال أن الله ينزل عندما يتنازل ليهتم بالضعف البشري. هذا يلزم أن يظهر على وجه الخصوص في ربنا ومخلصنا الذي لم يُحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، “أخلى نفسه آخذا صورة عبد“. لقد نزل، لأنه “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 13:3). فقد نزل الرب ليس فقط ليهتم بنا، وإنما أيضا ليحمل ما هو لنا، إذ “أخذ صورة عبد”، ومع أنه هو نفسه غير منظور في طبيعته، إذ هو مساوي للآب، إلا أنه أخذ شكلاً منظورًا، “ووُجد في الهيئة كإنسانٍ”. أيضًا عندما ينزل يصير أسفل مع البعض، لكنه يصعد مع آخرين ويكون أعلى[34].

يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح إذ أطاع حتى الموت، أعلن أنه لم يفعل ذلك عن ضرورة وإلزام، وإنما عن اختيار وحرية إرادة[35].

  • ما معنى: صار مطيعًا” ( في 2: 8)، وسلم ذاته لأجلنا كلنا” (رو 8: 32) هذا يعني جعل الرب نفسه حملاً في المسيح، لأن “الحكمة بنت بيتها” (أم 1:9) و”أطاع حتى الموت”. إنك تكتشف أن كل ما تقرأه عن المسيح تحقق لا علي ضرورة بل بإرادته[36].
  • تمجد عندما جاء إلى الصليب وعندما قبل الموت. أتريد أن تعرف أنه تمجد؟ يقول بنفسه: “أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك، ليمجدك ابنك أيضًا” (يو 1:17). حتى آلام الصليب كانت له مجدًا، لكن هذا المجد لم يكن تشامخًا بل تواضعًا[37].

العلامة أوريجينوس

  • أن العمل في سبيل البشر كان بحسب الصلاح الذي من الآب بالابن[38].

 القديس باسيليوس الكبير

  • إذ كنا قابلين للموت، خاضعين له بسبب خطايانا، تنازل ليموت عن الخاضعين للموت حتى يرد لنا الحياة فيه[39].

القديس جيروم

“لذلك رفعه الله أيضًا،

وأعطاه اسمًا فوق كل اسم” [9].

بعد أن سجل معلمنا بولس رحلة التواضع من العرش الإلهي إلى صليب العار، يسجل له رحلة العودة من الجحيم منتصرًا ظافرًا بأعدائه إلى عرش الآب. ترتب على ذلك الآتي:

1- رفعة الله: رفعه من بين الأموات إلى أرض الأحياء، ورفعة من بين الأحياء واصعده إلى أعلى السماوات وأجلسه عن يمينه.

2- وأعطاه اسمًا فوق كل اسم: إنه اسم يسوع ومعناه “يهوه يخلص”.

3- لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة: يجثو باسمه كل كائن مهما كان. فكل مؤمن يجثو عن رضا وحب واشتياق. يجثو له من هم في السماء، أي الطغمات الملائكية. ومن على الأرض، أي النساك والعباد ولباس الصليب والأبرار والصديقون والعاشقون اسمه القدوس. ومن تحت الأرض، وهم هؤلاء الذين سيجثون رغمًا عنهم عندما يكتشفوا حقيقة ألوهيته وسلطانه.

4- ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب: كلمة “يعترف” في الأصل اليوناني تحمل معنى التسبيح والتمجيد وتقديم الشكر. يعترف كل لسان, فلسان الأبرار يسبحه ويمجده ويشكره, ولسان الأشرار أيضا سيعترف بربوبيته.

بتأنسه احتل مركزنا، وصار ممثلاً لنا حتى إذ رفعه الآب وأعطاه اسمًا فوق كل اسمٍ رفعنا معه، كأعضاء جسده المقدس. يقول الرسول: “أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماوات، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط، بل في المستقبل أيضًا” (أف 1: 20-21).

حمل اسم يسوع عندما تحقق تنازله بتجسده وتأنسه، وأحصى مع آثمة، لا عن خطية ارتكبها، وإنما ليحمل خطايانا وآثامنا في جسده. هذا الاسم صار سرّ الغلبة والنصرة للمؤمنين به على قوات الظلمة التي غلبها بالصليب وشهر بها.

  • كلمة “يسوع” مجيدة وتستحق كل سجود وعبادة. إنه الاسم الذي يفوق كل اسم[40].

العلامة أوريجينوس

  • “أخبرني يا من تحبه نفسي”. إنني أدعوك هكذا (دون ذكر اسم معين) لأن اسمك فوق كل اسم (في 9:2). إنه لا يوصف، وغير مدرك بالعقل البشري. لذلك فإن اسمك يكشف عن صلاحك، علاقتي بك روحية[41].

القديس غريغوريوس النيسي

  • نرى الكتاب المقدس لا يقدم لنا الرب تحت اسم واحد، ولا تحت الأسماء المنوطة بلاهوته فقط، أو الدالة على عظمته، بل تارة يستعمل ميزات الطبيعة (خواصه الأقنومية)، فيعرف أن يقول: “الاسم الذي يفوق جميع الأسماء” (في 2: 9)، اسم الابن، والابن الحقيقي، والله الابن الوحيد، وقوة الله وحكمته وكلمته. وتارة، بالنظر إلى كثرة سبل وصول النعمة إلينا التي بصلاحه يمنحها لطالبيه حسب حكمته الكثيرة الأوصاف، يدعوه الكتاب المقدس بنعوت أخرى كثيرة، فهو يسميه تارة الراعي، وتارة الملك، ثم الطبيب، فالعريس والطريق والباب والينبوع والخبز والفأس والصخرة. هذه التسميات لا تدل على الطبيعة، كما قلت، بل على تعدد مظاهر النشاط الذي يبذله، رحمة منه بكل فرد من خليقته، وتلبية لحاجة كل من يسأله[42].

القديس باسيليوس الكبير

  • حينما قال: “دُفع إليَّ كل سلطان” (مت 28: 18)، “آخذها” (يو 10: 18)، و“لذلك رفَّعه الله” [9]، فإن هذه هي الهبات الممنوحة لنا من الله بواسطته. لأن الكلمة لم يكن محتاجًا إلى أية شريعة في أي وقت[43].

البابا أثناسيوس الرسولي

  • لنرى بالحقيقة أن الابن لا الآب مُقام من الأموات، إلا أن قيامة الابن هي من عمل كل من الآب والابن. إنها من عمل الآب، إذ كُتب “لذلك رفَّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم” [9]. هكذا أقامه الآب إلى الحياة ثانية، رافعًا ومنقذًا إيّاه من الموت. هل أقام المسيح نفسه أيضًا؟ بالتأكيد فعل هذا، لأنه تحدث عن الهيكل كمثالٍ لجسده، قائلاً: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو 2: 19). فكما أن تركه للحياة يشير إلى آلامه هكذا أخذه للحياة يشير إلى القيامة… من الواضح أن الآب أعاد له الحياة، إذ يقول المزمور: “أقمني فأجازيهم” (مز 41: 10). لكن لماذا تنتظرون منّي برهانًا على أن الابن قد أعاد الحياة لنفسه؟ دعوه يتحدّث بنفسه: “لي سلطان أن أضعها” (يو 10: 18)… إنه يقول: “لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا”، “ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي”، “لأخذها أيضًا” (يو 10: 17-18)[44].

القديس أغسطينوس

“لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة،

ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” [10].

صار عمله الخلاصي العجيب موضوع تسبيح السمائيين وخلاص البشريين ورعب الشياطين. أمام اسمه “يسوع” الذي يعني “يهوه مخلص”، يجثو السمائيون والأرضيون وحتى الشياطين.

يجثو السمائيون باسمه، إذ اكتشفوا سرّ الحكمة المكتومة. ويجثو البشريون إذ يشكرونه على مصالحتهم مع الآب. وتجثو الشياطين في رعبٍ ومذلةٍ، إذ فقدوا سلطانهم ومملكتهم التي في قلوب البشر.

ولعله يقصد البشر جميعًا، الذين عبروا إلى الفردوس كما إلى السماء، والذين يجاهدون على الأرض، والذين ماتوا وصاروا في القبور؛ الكل يجثون باسم يسوع الناصري.

  • عندما يأتي علنًا في مجيئه الثاني لا يكون في صمت. فإنه وإن كان قد جاء أولاً ملتحفًا بالتواضع، إلا أنه سيأتي مُعلنًا في قوة[45].

الشهيد كبريانوس

“ويعترف كل لسانٍ،

أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” [11].

تعترف كل الخليقة وتشهد أنه الرب صاحب السلطان المطلق، وهو في هذا ليس في تضادٍ مع الآب، لأنه واحد معه في ذات الجوهر. ما يفعله هو باسم الآب أيضا ولمجده الإلهي.

  • أيّة أقوال أوضح وأكثر بيانًا من هذه الأقوال؟ إن الرب لم يكن أصلاً في حالة وضيعة ثم رُقيَ، بل بالأحرى إذ كان إلهًا فقد اتّخذ صورة عبد. وباتّخاذه صورة العبد لم يرتقِ بل أذلّ نفسه. إذن فأين هو أجر الفضيلة في هذه الأمور؟ لأنه إن كان وهو الإله قد صار إنسانًا وبتنازله من علوّه لا يزال يُقال أنه يُرفّع، فمن أين يُرفّع وهو الله؟… فهو ليس في حاجة إلى ازديادٍ، وليس الأمر كما يفهمه الأريوسيّون… ما هي النعمة التي ينالها واهب النعمة؟ أو كيف نال هو الاسم للعبادة، وهو الذي كان دائمًا معبودًا باسمه؟[46]

البابا أثناسيوس الرسولي

3. أضيئوا في العالم

“إذًا يا أحبّائي كما أطعتم كل حين،

ليس كما في حضوري فقط،

بل الآن بالأولى جدًا في غيابي،

تمّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ” [12].

لم يقدم لهم الرسول وصية جديدة، ولا يحثهم على وصية كمن قد كسروها، فهم دومًا حاملون سمة الطاعة، لكنه يطلب المزيد سواء في حضوره أو في غيابه عنهم بالجسد.

  • يليق بنا ونحن نقدم نصائح أن نصحبها بالمديح، بهذا تصير النصائح مقبولة… كما فعل بولس هنا كمثالٍ. انظروا بأي تمييز فريد يقول: “إذًا يا أحبائي“. انه لم يقل “كونوا مطيعين” إلا بعد أن مدحهم بالكلمات: “كما أطعتم كل حين” بمعنى أنني لست أقدم أناسًا آخرين كقدوة لكم، بل أقدمكم أنتم أنفسكم مثالاً[47].
  • لماذا “الآن بالأولى جدًا في غيابي“؟ نعم، ربما يبدو أنكم كنتم تفعلون كل شيء تقديرًا لي، خشية العيب، لا يكن الأمر هكذا. فإن فعلتم هذا بوضوح في حضوري فإنكم إذ تجاهدون بأكثر غيرة وحمية في غيابي فهذا برهان واضح أن ما كنتم تفعلونه ليس من أجلي، وإنما من أجل الله[48].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ”، فالخلاص هو حركة دائمة حية، وسلوك لا يتوقف حتى يتم حين يصيرون على قياس ملء قامة المسيح، فلا خلاص بدون مثابرة وسهر. أما الخوف والرعدة فيشيران إلى الحذر الشديد والجدية الحازمة مع النفس، وإدراك حقيقة المعركة ضد قوات الظلمة.

تمموا خلاصكم“: للإنسان دور في تتميم الخلاص, فالخلاص عمل مشترك بين الله الذي يوجد فينا الرغبة في الخلاص, ويهبنا المعونة للانتصار على الخطية, ويزرع فينا الفضيلة, وبين الإنسان الذي يتمم الخلاص بعمل الأتي:

1- يقبل الخلاص المقدم لنا على عود الصليب.

2- يقبل المعمودية كموتٍ ودفنٍ وقيامةٍ مع المسيح.

3- يقبل سرّ الميرون، ثم ممارسة سر التوبة والاعتراف, وسرّ الإفخارستيا.

4- يترجم الإيمان النظري إلى إيمان عملي، أقصد الأعمال الصالحة، الإيمان العامل بالمحبة.

وبخوفٍ ورعدةٍ” [12]: ليس خوف المهانة والمذلة، ليس خوف العبيد، وإنما خوف الأبناء. الخوف والحذر لئلا تخدعنا الحية القديمة أو الذات الماكرة، فنسقط ونهلك ونُحزن قلب الآب علينا.

  • كان مثل هذا الخوف لدى بولس، إذ يقول: أخاف “حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا” (1 كو 27:9). فإن كان بدون عون الخوف لن تتحقق الأمور الزمنية، كم بالأكثر الأمور الروحية. فإني أود أن أعرف من تعلم الحروف (التي ينطق بها) بدون خوف؟ من صار بارعًا في أي فن بدون خوف؟…

من أين ينتج الخوف؟ إن كنا نحسب الله حاضرًا في كل مكان، يسمع كل الأشياء، ويرى كل شيء، ليس فقط ما يُمارس بالعمل وما يُقال، بل أيضًا وما في القلب وفي أعماق النفس، إذ هو يميز أفكار القلب ونياته (عب 12:4). فإن كنا ندرك ذلك، لن نفعل شيئًا أو ننطق به أو نتخيله إن كان شريرًا.

أخبرني، إن كان يلزمك أن تقف دومًا بجوار شخص الحاكم أما تقف بخشية؟ فكيف تقف في حضرة الله وأنت تضحك أو تلقي بظهرك إلى خلف ولا تخف وترتعد؟ لا تستهن بطول أناته، فإنها لكي تجلبك للتوبة، إذ هو طويل الأناة[49].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • أنه ذاك الإنسان الذي تمّم خلاصه بخوفٍ ورعدةٍ. أنه ذاك الذي يسير بكل حرصٍ وسط فخاخ وشباك وشهوات هذا العالم، ويطلب نعمة الرب وعونه، ويترجّى برحمته أن يخلص بالنعمة[50].

القديس مقاريوس الكبير

  • الأراضي المنخفضة تمتلئ، والأراضي المرتفعة تجفّ. النعمة هي مطر. فلماذا تتعجّبون إذن إن كان الله يقاوم المتكبّرين، ويعطي نعمة للمتواضعين (يع 4: 6)؟ لذلك القول: “بخوفٍ ورعدة” يعني بتواضعٍ. “لا تستكبر بل خفْ” (رو 11: 20). خفْ حتى تمتلئ، لا تستكبر لئلاّ تجفْ![51]

القديس أغسطينوس

“لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا،

من أجل مسرته” [13].

إنها نعمة الله القادمة أن تقدس الإرادة، وتهب قوة لعمل الصلاح، أي تحقق الإرادة الصالحة بالسلوك العملي. فهو خالق النفس والجسد، واهب الإرادة ومعطي القوة وكل الطاقات التي للإنسان. وهو يقدم هذا من أجل مسرته بالإنسان ليكون أيقونة له.

لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا” [13] هذه الآية تطمئنا، وتوجه نظرنا لله العامل فينا. إنها تهبنا روح الرجاء فعندما نشعر أن الله القادر على كل شيء ليس ببعيدٍ عنا، وإنه قادر أن يصد عنا كل حروب عدو الخير، عندئذ تستريح قلوبنا.

من أجل مسرته” [13]: يسر بأبنائه كما يُسر بابنه الوحيد.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم كيف يقول المرتل: “اعبدوا الرب بخوفٍ واهتفوا (افرحوا) برعدةٍ” (مز 2: 11)؟ وإن كان الله هو العامل فينا، فكيف نتمم خلاصنا بخوف ورعدة؟

  • لا تخافوا حين أقول: “بخوفٍ ورعدةٍ“. فإنني لست أقول بهذا المعنى أن تتوقفوا عن العمل في يأس، وأن تظنوا أن الفضيلة أمر يصعب بلوغه، وإنما أن تقتفوا أثرها، ولا تضيعوا أوقاتكم في مساعٍ باطلةٍ. فإن كان حالكم هكذا فإن الله يعمل كل شيء. ألا ترون: “الله هو العامل فيكم”. فإن كان هو العامل، فمن جانبنا ليكن لنا فكر حازم متمسك غير متهاون[52].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لا تخافوا فإنكم لستم منهزمين، فإن كلاً من الرغبة القلبية والعمل هما من الله، فحيث تكون لنا الإرادة هو يزيد إرادتنا. كمثال: أرغب أن أمارس بعض الأعمال الصالحة، أنه هو الذي يعملها بذاتها، وبها أيضًا يعمل في الإرادة. يقول الرسول هذا من تقواه العظيمة إذ يحسب كل أعمالنا الصالحة هي هبات النعمة.

إذ يدعوها هبات، لا يٌضعف من حرية الإرادة، بل يمنحنا حرية الإرادة. فيقول: “العامل فينا أن تريدوا“. لا يحرمنا من حرية الإرادة، بل يُظهر أن بعملنا الصالح ذاته نزيد رغبتنا القلبية في الإرادة. فالعمل يجلب عملاً، وهكذا عدم العمل يجلب عدم عمل. هل تعطي صدقة؟ فان هذا يحثك ان تعطي أكثر. هل ترفض العطاء؟ ستصير بالأكثر غير ميال إلى العطاء[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة” [14].

يقدم لنا الرسول سبع نصائح هامة تعيننا في تتميم خلاصنا بخوف ورعدة (14-16):

 1- افعلوا كل شيء بلا دمدمة [14].

2- ولا مجادلة [14].

3- تكونوا بلا لوم [15].

4- بسطاء [15].

5- بلا عيب [15].

6- في وسط جبل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم [15].

 7- متمسكين بكلمة الحياة [16].

يحثنا الرسول أن نمارس حياتنا الجديدة ونتمم الوصية بفرحٍٍ، في طاعة تنبع عن أعماق القلب، وليس بترددٍ وتذمرٍ وجدالٍ. قدم الله وصيته لنجد فيها لذة الطاعة له كمحبوبنا، لا لتكون موضوع جدال نظري تفسد سلامنا الداخلي. فإن المنازعات والمجادلات الغبية تفسد العينين عن معاينة الحق والتمتع بعذوبة الشركة في النور.

تشير الدمدمة إلى الشكوى الخفية التي تثور في النفس والتردد. تعتبر الدمدمة المرحلة الأولى من التذمر، وتنتج من ضعف المحبة وقلة الصبر وضيق القلب.

  • ألم تلاحظوا أنه يعلمهم ألا يتذمروا (دمدمة)؟ ليُترك التذمر للعبيد الذين ليس لهم مبادئ وأردياء. اخبروني أي ابن هو هذا الذي يتذمر دومًا عندما يعمل في شئون أبيه، والذي يعمل لصالحه… لماذا يتذمر من يعمل بحرية إرادته وليس عن اضطرار؟ من الأفضل ألا يفعل شيئًا من أن يفعله بتذمرٍ، فإن العمل نفسه يفسد[54].
  • الدمدمة (التذمر) لا تٌطاق، هي مرعبة للغاية، على حافة التجديف… المتذمر جاحد لله، ومن كان جاحدا لله يصير مجدفًا[55].
  • إذ يجد الشيطان نفسه بلا سلطان أن يسحبنا من ممارسة ما هو حق يرغب في إفساد مكافأتنا بوسائل أخرى. فانه يبحث عن فرصة لكي يدس في فكرنا الكبرياء أو المجد الباطل، وإن لم يستطع ذلك يدس الدمدمة، وان لم يجد فيدس الريب والشك. انظروا كيف يدفع هذه الأمور بكل قوة إلى الخارج[56].

القديس يوحنا الذهبي الفم

المجادلة أي المناظرة والمناقشة بأسلوب يشوبه الكبرياء والتمسك بالرأي، وهذا ضد الحياة المسيحية المقدسة المحبة. والمجادلة هنا جاءت في اليونانية لتعني الشك (1 تي 8:2).هذا و يثور الجدال بسبب تشامخ الإنسان على أخيه.

  • ماذا يعني “ولا مجادلة“؟ أي الحوار المستمر إن كان هذا أمر صالح أم غير صالح؛ لا تدخلوا في مجادلات[57].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء،

أولادًا لله بلا عيب،

في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ،

تضيئون بينهم كأنوارٍ في العالم” [15].

إذ نقبل الإرادة المقدسة من الله، ونتممها بقوته العاملة فينا، ونحيا بلا تذمر ولا جدال، نتمتع بحياة مقدسة تنعكس على أعماقنا الداخلية كما على سلوكنا مع أقربائنا ومع الله نفسه. لهذا يقول: “لكي تكونوا بلا لوم“، أي تحملون قدسية داخلية وطهارة ونقاوة قلب، لا موضع لعيبٍ في أعماقنا. وأما قوله: “وبسطاء” فتعني سلوكًا بسيطًا مع الغير، لا يحمل أذية لأحد. ونكون “أولادًا لله بلا عيب“، أي نكشف عن تمتعنا بشركة الطبيعة الإلهية.

بهذه الحياة بجوانبها الثلاث نصير ككواكبٍ مستنيرةٍ بشمس البرّ ومتلألئة تضيء العالم.

الكلمة اليونانية المترجمة هنا “أنوار” هنا تعني الكواكب المنيرة كالشمس والقمر والنجوم.

بسطاء: أي لا نظهر غير ما نبطن، بعيدين عن كل مكرٍ ودهاءٍ، ولا نخلط الشر بالخير.

أولاد الله هذا شرف وامتياز لنا، لكنه أيضًا مسئولية علينا، لأن الأولاد يجب أن يشابهوا ويماثلوا أباهم في الصلاح. يجب علينا أن نعيش بلا عيب لكي يكون لنا نصيبا مع مصاف القديسين.

في وسط جبل معوج وملتو، تضيئون بينهم كأنوار في العالم: إذا كان الاعوجاج والالتواء أمر طبيعي في حياة أولاد إبليس، فإن النور والإضاءة شيء طبيعي في حياة أولاد المسيح.

  • لأن الآباء القدّيسين الذين كانوا قبلنا امتلكوا كلمة الحياة، فقد صاروا أنوارًا العالم[58].

القديس كيرلس الكبير

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أولاد الله يضيئون وسط جيل معوج وملتوي، كما تضيء الكواكب في الليل، في وسط الظلمة، وتُحسب بلا عيب بسبب جمالها. نعم أن الظلمة المحيطة بالكواكب تعكس بهاءً أعظم على الكواكب، هكذا من يسلك باستقامة وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ.

يرى العلامة أوريجينوس أن أولاد الله الذين بلا عيب يسيرون في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ، كما سار بنو إسرائيل في وسط البحر الأحمر، ولم تستطع المياه أن تقترب إليهم وتغرقهم.

  • إن كنت ابن إسرائيل (الروحي) يمكنك أن تسير على أرض جافة وسط البحر. إن كنت ملتزمًا أن تسير وسط شعبٍ معوجٍ وملتوٍ، ممسكًا بكلمة الحياة مثل نور شمس المجد، فإنه يحدث أن تسير وسط خطاة ولا يمكن لمياه الخطية أن تنسكب عليك، ولا تقدر موجة الشهرة أن ترش مياهًا عليك وأنت تعبر هذا العالم، ولا تقدر موجة الشهوة أن تلطمك. من كان مصريًا (وثنيًا) ويتبع فرعون (رمز إبليس) فيغرق في فيض الرذائل. أما الذي يتبع المسيح ويسير كما سار هو، فتصير المياه حاجزًا على اليمين واليسار (خر 22:14)، ويسير هو نفسه في الوسط على أرض جافة (خر 19:15)، لا ينحرف يمينًا ولا يسارًا حتى يبلغ إلى الحرية ويترنم بتسبحة الغلبة للرب قائلاً: أسبح الرب، لأنه بالمجد تمجد(خر 1:15)، بالمسيح يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الأبد. آمين[59].
  • دخلت خيل فرعون بمركباته وفرسانه إلى البحر، ورد الرب عليهم ماء البحر. وأما بنو إسرائيل فمشوا علي اليابسة في وسط البحر” (خر 19:15). فإن كنت ابن إسرائيل يمكنك أن تمشي علي اليابسة في وسط البحر. إن كان يلزم أن تكون في وسط جيل معوج وملتوٍ تضيء بينهم كنور الشمس للمجد. يمكنك أن تسير وسط الخطاة، وسط ماء (سائل) الخطية دون أن يغمرك. يمكنك أن تعبر هذا العالم دون أن تنتثر أمواج الشهوة عليك، فلا تضربك موجة الشهوة[60].

العلامة أوريجينوس

  • رغم إننا صرنا ظلمة بسبب الخطية فإن الله قد أطفى علينا جمالاً وبهاءً من خلال نعمته الفائقة. عندما يسود الليل ويلف الظلام كل شيء نجد أنه رغم أن بعض الأشياء تصير مضيئة بالطبيعة، إذ حل النهار، فإن مقارنتها بالظلمة لا تنطبق على الأشياء التي كانت معتمة قبلاً بالسواد. وهكذا تعبر النفس من الخطأ إلى الحق، وتتبدل صورة حياتها المظلمة إلى نعمة فائقة. انتقل بولس الرسول عروس المسيح من الظلمة إلى النور، إذ يقول لتلميذه تيموثاوس (1 تي 13:1)، كما العروس لوصيفاتها، إنه قد صار مستحقًا إن يكون جميلاً، لأنه كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا ومظلمًا. ويقول بولس الرسول أيضًا أن المسيح جاء إلى العالم لينير للذين في الظلمة. إن المسيح لم يدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة، الذي جعلهم يضيئون كأنوار في العالم (في 15:2)، بحميم الميلاد الثاني الذي غسلهم من صورتهم السوداء الأولى[61].
  • لنشعل لأنفسنا نور المعرفة. هذا يتحقق بزرع البرّ وحصاد ثمار الحياة، فإن العمل هو ابن التأمل، الأمر الذي نتعلمه بين أمور أخرى هو ما هو النور الحقيقي، وما هو النور الباطل، فنخلص من السقوط بغير حذر في الشر كأننا ساقطون في الخير. لنصبح نحن أنفسنا نورًا، كما قيل للتلاميذ من النور الأعظم: “أنتم نور العالم” (مت 5: 14). بل ولنصر “كأنوارٍ في العالم، متمسكين بكلمة الحياة”، أعني نصير قوة محيية للآخرين. لنتمسك بالألوهة، ونقتبس نورًا من النور الأبهى الأول. لنسر نحوه مشرقين، قبل أن نتعثر في الجبال المظلمة المعادية (إر 42: 16). ما دام الوقت نهار فلنسلك بأمانة كما في النهار لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر (رو 13: 13)، التي هي أعمال الليل الشريرة[62].

القديس غريغوريوس النزينزي

  • أرسلنا الله لكي نكون أنوار، ولكي نصير كالخميرة، حتى نعلم الآخرين، ونعيش كملائكة بين البشر، وكرجال بين أطفال صغار, وكأناس روحيين بين أهل العالم الحاضر، فيستفيدون منا، مثل بذور تنتج ثمارا وفيرة[63].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لنبعث بنورنا، حارين في الروح، مقتنين الخلاص من قوات الظلمة التي تحدرنا إلى الموت:لأن أجرة الخطية موت” (رو 6: 23). هكذا تصير كلمات الرسول حقًا بالنسبة لنا نحن أيضًا: “قد أُبتلع الموت في غلبة، يا موت، أين شوكتك؟ يا هاوية، أين نصرتكِ؟” (1 كو 15: 54-55) ليتنا بطاعتنا لشمس العدل نستنير بنوره، ونتأهل للفهم والقوة، فنتبرر فيه. ليس فقط يليق بنا نحن نضيء أكثر من الثلج، لأن الله لا يخدع عندما يعد: “إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج” (إش 1: 18)، وإنما نشرق أيضًا بالنور للقادمين إلينا. ليتنا نعطي اهتمامًا لكلمات الرب: “أنتم نور العالم” (مت 5: 14)[64].

القديس باسيليوس الكبير

4. حب وفرح للراعي والرعية

“متمسّكين بكلمة الحياة

لافتخاري في يوم المسيح،

بأنّي لم أسعَ باطلاً،

ولا تعبت باطلاً” [16].

سرّ الاستنارة الداخلية والإنارة للعالم هو تمسكنا بكلمة الحياة، أي بالوصية الإلهية التي هي سراج منير تحثنا على خدمة الغير بفرح. يظن البعض أن الرسول بولس هنا يشبه المؤمنين بالأبراج التي على الشواطئ في المواني حيث تُوضع نيران ترشد البحارة خاصة بالليل فلا تضل الطريق.

يقف الرسول متهللاً ومفتخرًا بعمل الله به فيهم وذلك في يوم الرب العظيم، ويحسب أن سباقه لم يضع هباء، وآلامه لم تكن باطلة. سيكونوا إكليله في ذلك اليوم. نحن نقدم كلمة الله للآخرين، واثقين إنها مبعث الفرح لهم.

  • ماذا يعني بقوله “لافتخاري“؟ إنني أشارككم في أعمالكم الصالحة. عظيمة هي فضيلتكم، ليس فقط تخلصكم، بل وتجعلني بهيًا. يا له من نوعٍ عجيبٍ من الافتخار (المجد) يا أيها الطوباوي بولس! لقد جُلدت وطُردت وأٌهنت من أجلنا. لذا يضيف: “في يوم المسيح، بأني لم اسعَ باطلاً ولا تعبت باطلاً” فإنه من حقي دومًا أن افتخر بأنني لم أسع باطلاً[65].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لكنّني وإن كنت انسكب أيضًا على ذبيحة إيمانكم وخدمته،

أُسرّ وأفرح معكم أجمعين” [17].

اعتاد البحارة، خاصة حين يتعرضون لعواصف شديدة ويكونون في خطرٍ، عند وصولهم إلى الميناء بسلامٍ أن يقدموا ذبيحة شكر لله يكونوا قد نذروها أثناء ضيقتهم. هكذا يرى الرسول شعب الله وقد بلغ إلى الميناء السماوي بسلام يقدمون ذبيحة إيمانهم، وأما هو فيكون كالسكيب من الخمر الذي يسكب داخل الذبيحة علامة الفرح وسط آلام الذبح.

  • يقول: صرت سكيبًا وذبيحة! يا لها من نفس طوباوية! يحب إحضارهم لله ذبيحة. انه من الأفضل جدًا تقديم نفس (لله) عن تقديم ثور[66].
  • نعم إن كنت أٌقَدَمْ مع الذبيحة والخدمة، فإني أفرح وأتهلل معكم جميعًا. وبنفس الطريقة هل تفرحون وتبتهجون معي؟[67]

القديس يوحنا الذهبي الفم

كما أخلى الكلمة الإلهي ذاته من أجلنا يليق بنا من جانبنا نحن أيضًا أن نخلي أنفسنا. فالصليب أو إخلاء الإنسان نفسه هو طريق الحياة الجديدة في السيد المسيح. يقدم لنا الرسول بولس هنا أمثلة لثلاثة أشخاص أخلوا أنفسهم من أجل المسيح:

1. القديس بولس: يشارك ذبيحة السيد المسيح بفرح.

2. القديس تيموثاوس: يطيع ويخدم الآخرين.

3. القديس أبفرودتس: له الحب المقدس والعواطف المقدسة.

  1. القديس بولس: إنه يدرك تمامًا حاجة الشعب إلى َمثَلٍ. يحتاجون إلى مفسرٍ في الجسد، يوضح كيف تتحقق ممارسة الإنجيل عمليًا. لقد سكب نفسه سكيبًا على ذبيحة إيمان الناس. هكذا كان مبتهجًا وفرحًا معهم [17]. في العهد القديم كان الكاهن يسكب الخمر على الذبيحة كسكيبٍ (خر 29: 40). يشير الخمر إلى الفرح الروحي. وقد حسب القديس بولس آلامه اليومية حتى الموت هو الخمر الذي يسكبه السيد المسيح (رئيس الكهنة الأعظم) في حياة الشعب المتألم. إنه يفرح ويهب فرحًا في المسيح. صار بولس بالسيد المسيح مصدرًا للفرح. فهو مع الشعب يشاركون ذبيحة المسيح بالإيمان. وقد اعتبر بولس إيمان أهل فيلبي وآلامهم وخدمتهم ذبيحة حية, وهو ككاهن يقدمها لله.
2. تيموثاوس [19-23]. أخلى نفسه بالطاعة وشارك القديس بولس خدمته. لقد ولد القديس بولس تيموثاوس، كأبٍ أنجب طفلاً، الآن يتبنى الطفل حياة الوالد.

         يشير القديس بولس كيف يندر أن توجد مثل مجموعة السمات المتآلفة التي للقديس تيموثاوس. فبالرغم من ضعف صحته (ا تي 5: 23)، وحداثة سنه (ا تي 4: 12)، واستخفاف البعض به (1 كو 16: 10)، اتسم القديس بقوة البصيرة الداخلية، ولباقته، وحنوه، ونجاحه في مواجهة المجتمعات المتمردة.

         يرى البعض أن كلمة “الطاعة” في العهد الجديد كلمة بولسية (رو 6: 17؛ 16: 19؛ 2 كو 7: 15؛ 10: 6؛ 2 تس 3: 4؛ فل 21؛ عب 5: 8 الخ.)، بينما لم توجد في الأناجيل كلها سوى خمس مرات (مر 1: 27؛ 4: 41؛ مت 8: 27؛ لو 8: 25؛ 17: 6). تجد كلمة “طاعة “جذورها في تعبير “الاستماع“، وقد أصاغ الرسول بولس تعبير “طاعة الإيمان” (رو 1: 5 ؛ 16: 26 ؛ راجع استماع الإيمان غل 3: 2، 5)، وقد عبر بهذا عن الانفتاح على إرادة الله حسب متطلبات الإيمان.

  1. أبفرودتس [25-30]. كان مثلاً رائعًا للعواطف المقدسة كطريقٍ للنمو في النعمة الإلهية. صار أبفرودتس أسقفًا لفيلبي، ومات شهيدًا. كان شريكًا في العمل وجنديًا مرافقًا للرسول بولس [26]. لقد التهبت عواطفه بالحب الأخوي، فحزن جدًا لحزن الشعب عليه بسبب مرضه حيث قارب إلى الموت.

وأسر وأفرح“: إنه صوت الفرح الذي بعثه الرسول من سجنه في روما. فتردد في جنبات مدينة فيلبي, ولا شك أن الفرح يهبنا القوة لمواجهة التجارب، وأن الفرح هو وصية الله لنا.

وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا،

وافرحوا معي” [18].

أنه يفرح بخلاصهم وبلوغهم الميناء السماوي بسلام، ويسألهم أن يفرحوا معه، إذ يكون كسكيب الخمر الواهب الفرح لشاربيه.

  • يقول: إنه ليس بشرٍ أن أتألم، بل بالحري أفرح بذهابي إلى المسيح، فهل لا تفرحون؟ “افرحوا معي“. ليتنا نحن أيضًا نفرح عندما نرى إنسانا بارًا يموت، ونفرح بالأكثر حتى عندما يموت شرير ميئوس منه. فإن الأول يذهب لينال مكافأة أعماله، والآخر يتوقف إلى حد ما عن خطاياه العنيفة[68].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“على أني أرجو في الرب يسوع

أن أرسل إليكم سريعًا تيموثاوس،

لكي تطيب نفسي إذا عرفت أحوالكم” [19].

يعدهم بإرسال ابنه في الرب إليهم بسرعة إن سمح الرب لكي يعود يحمل إليه أخبارهم السارة، فيتهلل معهم ويشاركهم فرحهم.

  • انظروا كيف ينسب كل شيء إلى المسيح حتى إرساله لتيموثاوس، قائلاً: “أرجو في الرب يسوع“، بمعنى إني أثق أن الله سيسهل هذا لي، حتى إنني أتشجع عندما أتعرف على أحوالكم. إني أنعشتكم عندما سمعتم الأمور الخاصة بي والتي كنتم تصلون من أجلها، وهي أن يتقدم الإنجيل وأن يخزى أعداؤه، حيث أن الوسيلة التي ظنوا أنهم يسببون لي بها أذية صارت لفرحي. هكذا أيضًا أود أن أتعرف على أحوالكم لكي ما أتشجع عندما أعرف أخباركم. هنا يٌظهر أنهم يجب أن يفرحوا بقيوده ويستريحوا لها، إذ ولدت فيه مسرة عظيمة. فإن كلماته: “تطيب نفسي” من جهة ما أنتم عليه[69].
  • يا له من شوق عظيم نحو مكدونية! يشهد نفس الشيء بالنسبة لأهل تسالونيكي، إذ يقول: “وأما نحن أيها الأخوة، فإذ قد فقدناكم زمان ساعة واحدة بالوجه…” (1 تس 17:2). وهنا يقول: “أرجو في الرب يسوع أن أرسل إليكم سريعًا تيموثاوس” لكي أعرف أحوالكم. هذا دليل عن عنايته الفائقة. فإذ لم يكن قادرًا أن يكون معهم بنفسه أرسل تلاميذه، إذ لم يستطع أن يحتمل بقاءه ولو إلى فترة قصيرة يجهل أحوالهم، لأنه لم يعرف كل أموورهم بإعلان الروح. هذا هو عمل النفس التي تهتم بالآخرين وتفكر فيهم، وتصارع دومًا من أجلهم[70].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ينتحب الراعي وسط الأجراء. إنه يبحث عن أحد ممن حوله يحب قطيع المسيح بإخلاص، فلم يجد بينهم ولا واحد! لا يعني هذا أنه لم يوجد في كنيسة المسيح سوى الرسول بولس وتيموثاوس اللذين لهما اهتمام أخوي بالقطيع، لكن هذا ما حدث في ذلك الحين أثناء إرسال تيموثاوس، إذ لم يجد معه بين أبنائه سوي أجراء الذين “يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح” (في 21:2) ومع هذا فهو نفسه من أجل اهتمامه الأخوي نحو القطيع فضل أن يرسل ابنه ويبقي هو بين الأجراء. يوجد أجراء بيننا نحن أيضًا، والرب وحده هو الذي يميزهم. ذاك الذي يفحص القلوب يميزهم، وأحيانًا نحن أيضًا نميزهم. فليس بلا هدف قال الرب نفسه عن الذئاب: “من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا؟” (مت 16:7)[71]

 القديس أغسطينوس

“لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي،

يهتم بأحوالكم بإخلاص” [20].

تيموثاوس شخصية، في عيني الرسول، لا تُقارن بأحدٍ، في خدمته وإخلاصه وبذله. إنه يحمل ذات روح الرسول وقلبه.

يرى القديس أغسطينوس أن الرسول يتحدّث هنا عن كثرة وجود الأُجراء الذين يكرزون بعلّةٍ لصالحهم الشخصي، وندرة وجود الراعي الذي يكرز بالحق، فيطلب لا ما لنفسه بل ما هو ليسوع المسيح[72].

  • إنه يكرمهم بإرسال تيموثاوس إليهم… “لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي“، بمعنى ليس ممن يهتمون هو مثلي، ليس من يهتم حقًا بكم… تيموثاوس هو ذاك الذي معي يحبكم. كان يمكن أن أرسل آخرين، لكن لا يوجد من هو مثله. إنه نظيري[73].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم،

لا ما هو ليسوع المسيح” [21].

 هنا يشير الرسول إلى كثرة الكارزين عن حسد وتحزب (15:1). ولعله قال هذا حاسبًا الآخرين هكذا إن قورنوا بشخص تيموثاوس.

  • الإنسان الصالح يكرز لكم، اقطفوا العنب من الكرمة. الإنسان الشرير (الذي يطلب ما لنفسه) يكرز لكم، اقطفوا العنب من على السياج. فإن العنقود قد نما على غصن الكرمة محاط بالأشواك، لكنه لم يصدر عن الشوك. على أي الأحوال عندما ترون مثل هذا وأنتم جائعون كونوا حذرين وأنتم تقطفون العنقود، لئلاّ وأنتم تمدّون يدكم على العنب يمزّقها الشوك. هذا ما أقوله: بحكمة استمعوا إلى ما هو صالح، ولا تتمثلوا بشرّ الأشخاص[74].
  • البسوا ثوب العرس. أوجّه حديثي إليكم يا من لم ترتدونه بعد. أنتم الآن فعلاً في داخل (العرس)، ومع هذا لم تلبسوا الثوب لتكرموا العريس. إنكم تطلبون ما هو لأنفسكم لا ما هو ليسوع المسيح [21]. لأن ثوب العرس هو لتكريم الاتحاد، أي اتحاد العريس والعروس. أنتم تعرفون العريس أنه المسيح. أنتم تعرفون العروس، إنها الكنيسة. كرّموا العروس، وقدّموا كرامة للعريس. إن قدّمتم الكرامة اللائقة لكليهما تكونون أبناءهما[75].
  • يُقال على لسان الرب نفسه للروح التي تزني وراءه: “لقد كنت ترجو أمرًا أعظم بانفصالك عنّي”. لأن الخاطي في تعدّيه، أي في خطيّته يهتم بنفسه فقط، إذ يرغب في إبهاج نفسه لفائدته الخاصة، بينما يُلام الذين يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح [21]، بينما أُمر بالمحبّة التي “لا تطلب ما لنفسها” (1 كو 13: 5)[76].
  • يحوي الفلك كلا النوعين، فإن كان الفلك هو رمز الكنيسة، ترون بالحقيقة في الطوفان الحاضر الذي للعالم الكنيسة تضم بالضرورة النوعين، كما تضم الغراب هكذا تضم الحمامة. ما هي الغربان؟ الذين يطلبون ما لأنفسهم وما هو الحمام؟ الذين يطلبون ما للمسيح[77].

القديس أغسطينوس

“وأمّا اختباره،

فأنتم تعرفون أنه كولد مع أبٍ خدم معي لأجل الإنجيل” [22].

يدرك أهل فيلبي العلاقة القوية بين الرسول بولس وتلميذه تيموثاوس في الرب، وخلال خدمة إنجيل المسيح. لقد حسبه ابنه الخاص خدم كابنٍ لا كأجير (أع 16: 1-3؛ 17: 14).

  • قدم لهم تيموثاوس لكي ما يكرموه بالأكثر. هذا أيضا ما فعله حين كتب إلى أهل كورنثوس: “لا يحتقره أحد، لأنه يعمل عمل الرب كما أنا أيضًا” ( 1 كو 11:16، 10). قال هذا ليس لأنه مهتم به، وإنما من أجل الذين يستقبلونه، كي ينالون مكافأة عظيمة[78].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“هذا أرجو أن أرسله أول ما أرى أحوالي حالاً” [23].

إذ هو أسير ليس حرًا في حركته لم يستطع أن يحدد الزمن، فهو يود أن يذهب إليهم بنفسه (24)، لكن إذ يود أن يطمئن حاول الإسراع في إرسال تلميذه المحبوب.

  • سأرسله عندما أرى ما هو موقفي، وما هي نهاية أموري[79].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وأثق بالرب إنّي أنا أيضًا سآتي إليكم سريعًا” [24].

  • لم أرسله كما لو كنت لا أريد أن آتي إليكم، وإنما لكي أتشجع عندما أعرف حالكم، وفي الوقت نفسه لا أجهل حالكم. يقول “واثق بالرب“. انظروا كيف يعتمد في كل شيء على الله، ولا يتكلم بشيء من ذهنه هو. إنه يقول: “إن شاء الرب!”[80]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولكني حسبت من اللازم أن أرسل إليكم أبفرودتس،

أخي والعامل معي والمتجنّد معي

ورسولكم والخادم لحاجتي” [25].

إذ يخشى عدم إمكانية إرسال تيموثاوس بسرعة، ولكي يبعث فيهم روح الفرح، شعر بالالتزام أن يرسل أبفرودتس أخاه والعامل والجندي الرفيق في معركة الإنجيل والرسول المتخصص لخدمتهم وخدمته.

هما تيموثاوس وأبفرودتس اللذان قرر بولس أن يرسلهما إلى فيلبي. إنهما ليس من رسل يسوع, ولا هما صانعا آيات ومعجزات ولكنهما خادمان أمينان.

  • أرسله وبعث معه مديحًا كذاك الذي لتيموثاوس. فقد مدحه في نقطتين: أولاً أنه يحبهم “يهتم بأحوالكم بإخلاص” ]20[، وثانيًا أنه تزكى في عمل الإنجيل. لنفس السبب وبذات العبارات يمتدح أيضًا هذا الرجل، كيف؟ دعاه أخًا وعاملاً معه، ولم يقف عند هذه النقطة بل دعاه متجندًا معه. لقد أبرز كيف شاركه في مخاطره واختبر ما اختبره هو. فإن “المتجند معه” هو أكثر من “العامل معه“. فربما يسند في الأمور الهادئة، ولا يفعل ذلك في وسط الحروب والمخاطر. فبقوله: “المتجند معي” يظهر أنه يفعل هذا أيضًا (وسط المخاطر)[81].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“إذ كان مشتاقًا إلى جميعكم،

ومغمومًا،

لأنكم سمعتم أنه كان مريضًا” [26].

كان أبفرودتس مريضًا، وإذ سمعوا عن مرضه حزنوا، فاغتنم هو على حزنهم، إذ لم يكن يود أن يسمعوا ويحزنوا.

  • هدف بهذا إلى نقطة هامة يعلنها وهي أن أبفرودتس كان يعلم جيدًا كيف كان محبوبًا منهم. وهذا ليس بالأمر الهين بالنسبة للحب. يقول: أنتم تعرفون كيف كان مريضًا وحزن أنه بعد شفائه لم يركم لكي ينزع عنكم حزنكم عليه بسبب مرضه. هنا يقدم سببًا آخر لإرساله إليهم مؤخرًا جدًا. فإن هذا ليس عن إهمال. فقد احتفظ بتيموثاوس، إذ ليس لديه من هو مثله… وأبفرودتس بسبب مرضه[82].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فإنه مرض قريبًا من الموت،

لكن الله رحمه وليس إيّاه وحده،

 بل إيّاي أيضًا،

لئلا يكون لي حزن على حزن” [27].

وسط آلامه في السجن وعجزه عن الحركة وافتقادهم مرض أبفرودتس  حيث صار قريبًا من الموت، فرحمه الله وشفاه حتى لا تزداد أحزان بولس، إذ هو في حاجة إلى مساعدته في الخدمة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم قد يتساءل البعض: لماذا قال الرسول: “لكن الله رحمه” مع أن الانطلاق ليكون الشخص مع المسيح أفضل؟ يجيب علي ذلك بأنه كما شعر القديس بولس بأنه مُلزم أن يبقى من أجلهم، فإن الله رحمه لأجل الخدمة لكي يربح نفوسًا لله.

“فأرسلته إليكم بأوفر سرعة،

حتى إذا رأيتموه تفرحون أيضًا،

وأكون أنا أقل حزنًا” [28].

يكشف الرسول عن علاقات الحب العجيبة المتبادلة. فمع شدة احتياجه إلى أبفرودتس يرسله بأوفر سرعة ليرده إلى أهل فيلبي الذين حزنوا على مرضه الشديد. وإذ يفرحون يجد الرسول في فرحهم راحة له، فيخفف ذلك من أحزانه.

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أنهم فرحوا إذ سمعوا عن شفاء محبوبهم أبفرودتس، لكن فرحهم يزداد بالأكثر إذ يروه بعد شفائه.

لماذا يقول: “وأكون أنا أقل حزنًا”؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل إنني بلا حزن، بل “أقل حزنًا“، مظهرًا أن نفسه لم تحرر من الحزن تمامًا، إذ يقول: “من يضعف وأنا لا أضعف؟ ومن يعثر وأنا لا ألتهب؟” (2 كو 29:11). متي يكون مثل هذا متحررًا من الحزن؟[83]]

“فاقبلوه في الرب بكل فرح،

وليكن مثله مكرمًا عندكم” [29].

يسألهم أن يقبلوه بكل فرحٍ ليس من أجل صداقتهم له، ولكن من أجل خدمته للرب. يكرموه كخادم أمين يختفي في الرب.

  • اقبلوه بطريقة تليق بالقديسين، إذ يلتزم قبول القديسين بكل فرح! لقد فعل هذا كله من أجلكم، وليس من أجل من يرسلهم، فإن النفع الأكبر هو للذي يعمل أكثر من الذي ينال العمل الصالح[84].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لأنه من أجل عمل المسيح قارب الموت،

مخاطرًا بنفسه لكي يُجبر نقصان خدمتكم لي” [30].

مرة أخرى يكشف الرسول عن عواطفه المقدسة الملتهبة حبًا، فقد اشتهى كثيرون من أهل فيلبي أن يخدموه في سجنه بروما، لكن حالت الظروف عن تحقيق ذلك، وشعروا كأنهم مقصرون في حقه، لكن إذ بذل أبفرودتس كل طاقته في خدمته حتى تعرض للموت بسببه حسب الرسول أن هذا العمل قُدم من أهل فيلبي جميعهم، لأنهم صاروا كأنهم واحد مع أبفرودتس. فخدمة أبفرودتس وتضحياته حتى قرب الموت من أجل الرسول بولس هو عمل محبة، كأن أهل فيلبي قاموا به.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[85] أن أبفرودتس انطلق من فيلبي إلى روما حيث كان بولس في السجن، وقد تعرض لمخاطرٍ كثيرةٍ لكي يلتقي به في السجن ويخدمه ويسد احتياجاته.

 

من وحي فيلبي 2

خورس كنسي عند الجلحثة!

  • تُرى هل انطلق الرسول الأسير مع الشعب،

كخورسٍ كنسيٍ متهللٍ ليستقر عند الجلجثة،

أم تحولت زنزانته إلى الجلجثة بعينها؟

  • أراه يقود خورس كنسيًا فريدًا.

يتمتع بكلمة الوعظ، جوهرها تعزيات في المسيح لا تنقطع!

يمارس الكل روح الحب فتذوب الآلام!

وتنفتح أمام الكل  جراحات المصلوب،

 فيدخل الجميع إلى أحشاء حبه وتحننه!

  • يتغنى الرسول مع الشعب بأغنية الحب،

ويمارس الكل الوحدة،

فقد انسجمت أوتار القيثارة المتنوعة،

لتخرج سيمفونية سماوية يهتز لها السمائيون.

  • يقف الكل معًا في انسجام ينشد أغنية جديدة.

وقف الكل أمام المصلوب، وقد طارت الكلمات من أفواههم.

أي حب أنزلك إلينا يا من لا تسعك السماء؟

كيف قبلت ان تصير ابنًا للإنسان يا وحيد الأب؟

كثيرًا ما تئن نفوسنا في داخلنا:

لماذا لنا هذا الجسد الضعيف؟

هوذا خالق الكل صار جسدًا.

شاركتنا في كل شيء ماخلا الخطية!

رفعت من شأننا يا خالق السمائيين والأرضيين!

  • صرت إنسانًا، وأخذت آخر صفوف البشرية!

حبك دفعك لتصير عبدًا،

لتقيم منا نحن العبيد أبناءً لأبيك!

  • قدمت دمك ثمنًا لتقتنينا عروسًا لك!

دخلت إلى دائرة لعنتنا بالصليب،

لكي تحطم متاريس اللعنة،

وتدمر أبوابها،

وتطلقنا وتحملنا إلى فردوسك السماوي!

  • صرت قائد موكبنا يا واهب الغلبة!

اجتزت بنا وسط جيلٍ ملتوٍ،

فلم تقدر الظلمة أن تخفي نورك فينا.

أقمت منا كواكب بهية وسط ظلمة العالم!

  • لك المجد يا أيها الراعي الصالح العجيب!

أقمت منا جسدك المتهلل العجيب في حبه!

ماذا نرد لك من أجل حبك وتواضعك وقدرتك؟

[1] Homilies on Philippians, homily 5.

[2] Homilies on Philippians, homily 5.

[3] Homilies on Philippians, homily 5.

[4] Homilies on Philippians, homily 5.

[5] Sermons on N.T. Lessons, 53 :4.

[6] Homilies on Philippians, homily 5.

[7] Homilies on Philippians, homily 5.

[8] Homilies on Philippians, homily 5.

[9] Duties of the Clergy, 3:2:13.

[10] The Long Rules, Question 35.

[11] Homilies on Philippians, homily 6.

[12] Homilies on Song of Songs, 4. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[13] Sermons on N.T. Lessons, 38 :6.

[14] letters, 41:16. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[15] letters, 50:14. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[16] Homilies on Jeremiah., Homily 10:7.

[17] Homilies on Jeremiah, homily 1:7.

[18] Homilies on Jeremiah, homily 8:8.

[19] Homilies on Jeremiah, homily 14:9.

[20] Homilies on Genesis, homily 4:5.

[21] Homilies on Genesis, homily 1:13.

[22] Sermon on N.T. lessons, 1:20.

[23] Sermons on N.T. Lessons, 45 :4.

[24] Sermons on N.T. Lessons, 41 :7.

[25] إش 3:11 “فلا يقضى بحسب نظر عينية ولا يحكم بحسب سمع أذنيه”.

[26] مقالات لطالبي العماد 15: 23.

[27] Homilies, 27:5. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[28] Homilies on Song of Songs, 15. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[29] Homilies on Song of Songs, 4. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[30] Homilies on Philippians, homily 7.

[31] Adv. Arian. 1:11:43. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[32] letters, 55:21. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[33] letters, 55:34. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[34] Hom. on Gen., hom. 4: 5.

[35] Cf. Hom. on Gen., homily 8:6.

[36] Homilies on Genesis, homily 8:6.

[37] Homilies on Exodus, homily 6.

[38] On the Holy Spirit, 8:21.

[39] Homilies on Psalms, homily 29.

[40] Homilies on Luke, homily 14:2.

[41] Homilies on Song of Songs, 2. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[42] On the Holy Spirit, 8:17.

[43] Adv. Arian. 4:5. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[44] Sermon on N.T. lessons, 2:13.

[45] Treatise 9 on the Advantage of Patience, 23.

[46] Adv. Arian. 1:11:40. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[47] Homilies on Philippians, homily 8.

[48] Homilies on Philippians, homily 8.

[49] Homilies on Philippians, homily 8.

[50] Homilies, 4:5. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[51] Sermons on N.T. Lessons, 81 :3.

[52] Homilies on Philippians, homily 8.

[53] Homilies on Philippians, homily 8.

[54] Homilies on Philippians, homily 8.

[55] Homilies on Philippians, homily 8.

[56] Homilies on Philippians, homily 8.

[57] Homilies on Philippians, homily 8.

[58] letters, 31:3. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[59] Homilies on Exodus., hom. 6:14.

[60] Homilies on Exodus, homily 6:14.

[61] Homilies on Song of Songs, 2. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[62] Oration on Holy Baptism, 38.

[63] Hom. On 1 Tim., hom. 10. ترجمة سعاد سوريال

[64] Concerning Baptism, ch. 2.

[65] Homilies on Philippians, homily 8.

[66] Homilies on Philippians, homily 8.

[67] Homilies on Philippians, homily 8.

[68] Homilies on Philippians, homily 8.

[69] Homilies on Philippians, homily 9.

[70] Homilies on Philippians, homily 9.

[71] On the Gospel of St. John, tr. 46:5.

[72] Sermons on N.T. Lessons, 87 :11.

[73] Homilies on Philippians, homily 9.

[74] Sermons on N.T. Lessons, 52 :10.

[75] Sermons on N.T. Lessons, 40 :6.

[76] Sermons on N.T. Lessons, 1:33.

[77] On the Gospel of St. John, tr. 6:2.

[78] Homilies on Philippians, homily 9.

[79] Homilies on Philippians, homily 9.

[80] Homilies on Philippians, homily 9.

[81] Homilies on Philippians, homily 9.

[82] Homilies on Philippians, homily 9.

[83] Homilies on Philippians, homily 9.

[84] Homilies on Philippians, homily 9.

[85] Homilies on Philippians, homily 9.

تفسير رسالة فيلبي 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول: فرح وسط الآلام

علامات الحياة المفرحة في المسيح

من داخل السجن كتب القديس بولس إلى الكنيسة المحبوبة لديه، والتي يبدو أن كان لها مكانة خاصة لديه. أما موضوع الرسالة فهو “المسيح فرحنا“. إنه مصدر الفرح، في كل الظروف، يتجلى بالأكثر وسط الآلام حيث نشاركه آلامه.

يقدم لنا القديس بولس في هذا الأصحاح علامات معينة لهذه الحياة الجديدة المتهللة في المسيح يسوع:

أ. نظرة مقدسة للآخرين: لذا يدعو القديس بولس المؤمنين “جميع القديسين في المسيح يسوع” [1]، شعبًا وكهنة.

ب. عواطف مقدسة [7-8]: عندما تاب القديس أغسطينوس لم تتحطم عواطفه، بل بالحري تغير مسارها. عوض الشهوات الجسدية التي كانت تحطم طاقاته، تمتع بشهوات إلهية، والتهبت كل عواطفه بحب الله والناس.

ج. النمو في الحب [9] كما في المعرفة [10] والأعمال الصالحة [10] والبرّ [10]. فالفرح هو وراء النمو الدائم والتقدم المستمر في المسيح يسوع. إنه تجديد يومي، يبغي التشبه بالرب الذي هو الحب والحكمة والبرّ.

د. توجيه كل الطاقات إلى خلاص الإنسان بفرحٍ [12-26]: لم يكن القديس بولس يفكر في سجنه أو آلامه، بل بالحري وجد في سجنه فرصة رائعة للشهادة للمسيح في مجال جديد، بين الحراس ورجال الدولة. كان أيضًا متهللاً بسجنه، لأنه بعث بحركة جدية وجريئة للكرازة يقوم بها تلاميذه وأصدقاؤه، بل وحتى أعداؤه الذين كانوا يحسدونه ويقاومونه.

ه. الفرح بعطية الألم [27-30]: كان الألم من أجل المسيح هو منهج الرسول الذي يعلن عنه مرارًا في رسائله. يحمل الألم شهادة للآخرين عن تجلي السيد المسيح المصلوب فينا، كما فعلت قيود القديس بولس [7، 13]. يمكن للألم أيضًا أن يبعث فينا النمو في الإيمان. الألم هو عطية المسيح، كالإيمان تمامًا. كان الفرح بالألم شهادة بأن نفس القديس بولس حرة؛ فقد وجد جوًا من الفرح حتى داخل السجن. يخبرنا القديس بولس عن نصرته المتهللة على الألم بسبب ثقته في المسيح. لذلك يشير إلى اسم المخلص 40 مرة في هذه الرسالة القصيرة.

لكي يتمتع المؤمن بالفرح الدائم يليق به أن يعيد تقييم حياته، لئلا يكون قد انطبق عليه القول: “أنا عارف أعمالك أن لك اسمًا أنك حيّ وأنت ميت” (رؤ 3: 1).

  1. تحيّة رسولية 1-2.
  2. شكر ودعاء وحب 3-7.
  3. شوق وصلاة 8-11.
  4. قيود ونصرة 12-14.
  5. فرح بالكرازة 15-19.
  6. الحياة بالمسيح 20-26.
  7. تحدي وقوة 27-30.

1. تحيّة رسولية

“بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح،

إلى جميع القدّيسين في المسيح يسوع،

الذين في فيلبّي مع أساقفة وشمامسة” [1].

يسجل القديس بولس اسم تلميذه تيموثاوس معه في الافتتاحية كمن هو شريك معه في الرسالة. فقد كان مزمعًا أن يرسله إليهم ليخبره عن أحوالهم، فيتعزى ويفرح (في 19:2). هذا وقد كان تيموثاوس معروفًا لديهم (أع 3:16، 10-12)، شارك الرسول في رحلتيه إلى فيلبي، وكانت له مكانة خاصة لدى الكنيسة هناك. على هذا الأساس سجل اسمه في الرسالة، وإن كان لم يساهم في كتابتها.

بولس وتيموثاوس عبدا…” يمثل بولس الرسول حياة التواضع, إذ وهو المعلم وكاتب الرسالة يقرن اسم تلميذه باسمه دون تفرقة أو تمييز، مساويًا تلميذه بنفسه. ويمثل تيموثاوس التلمذة المستمرة والجهاد الدائب والمثابرة إلى النفس الأخير.

لم يسجل القديس بولس لقبه أنه “رسول” في هذه الرسالة ولا في رسالته إلى أهل تسالونيكي ورسالته إلى فليمون، لأن رسوليته لم تكن موضوع شك لدى المُرسل إليهم. ولأن أهل فيلبي لم يحتاجوا أن يتذكروا سلطانه الرسولي.

يدعو الرسول نفسه وتلميذه عبدي يسوع المسيح، فإنهما لا يطلبان مركزًا خاصًا في الكنيسة، ولا تشغلهما السلطة، إنما كانا يفتخران بعمل الرب الذي قبلهما عبدين له يتممان مشيئته.

لماذا يلقب الرسول بولس نفسه في هذه الرسالة بـ “عبد” فقط؟

1- لأنه يفتتح الرسالة بما يناسب المؤمنين الذين وجهها إليهم.

2- لأنه كان مزمعًا أن يتحدث عن ابن الله الذي أخلى نفسه آخذًا صورة عبد.

3- يشعر بولس بملكية الله له، لقد اشتراه بدمه الثمين فصار عبدًا له.

4- كانت كنيسة فيلبي ثمرة طاعة بولس لسيده.

  • يدعو نفسه عبدًا لا رسولاً. بالحقيقة يا لعظم هذه الرتبة أيضًا، وذروة كل الصالحات، أن يكون الشخص عبدًا للمسيح، وليس مجرد مدعوًا هكذا. بالحقيقة عبد المسيح هو إنسان حرٌ من جهة الخطية، وبكونه عبدًا حقيقيًا لا يكون عبدًا لآخر، إذ لا يود أن يكون عبدًا نصف نصف (أي يشارك عبوديته للمسيح عبوديته لآخر)[1].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • كم من سادة يخضع لهم ذاك الذي يهجر السيد الواحد؟! ليتنا لا نترك السيد الواحد الحقيقي. من يريد أن يترك ذاك الذي قُيد بسلاسل حقيقية، لكنها سلاسل الحب التي تهب حرية ولا تقيد؟ هذه السلاسل التي يفتخر بها من يُقيدون بها، قائلين: “بولس عبد يسوع المسيح وتيموثاوس“. حين نُقيد بواسطته، نصير في مجدٍ أعظم عن أن نكون أحرارًا من آخرين[2].

القديس أمبروسيوس

إلى جميع القديسين في المسيح يسوع[1] يكثر الرسول من ذكر كلمة “جميع” و”جميعكم” (25,8,7,4:1؛ 2: 26) لأنه يريد أن يوجه نظرنا إلى الابتعاد عن الانقسامات والتحزبات.

  • أراد اليهود أيضًا أن يدعوا أنفسهم قديسين حسب الوحي الأول (العهد القديم) حيث دُعوا شعبًا مقدسًا, شعبًا خاصًا لله (خر 6:19؛ تث 6:7 الخ). لهذا أضاف: “إلي القديسين في المسيح يسوع“، فإن هؤلاء وحدهم هم قديسون، وأما الآخرون فدنسون[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لا عجب إن أشار إلى الشعب نفسه ودعاهم “جميع القديسين في المسيح يسوع” قبل إشارته إلى الأساقفة والشمامسة.

وقد جاءت كلمة “أساقفة” تقابل Presbyters وهي تضم الأساقفة والكهنة معًا. ويرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن لقب أساقفة يضم الأساقفة والكهنة، لأن فيلبي ليست بالمدينة الكبرى التي يمكن أن يُسام عليها أكثر من أسقف. هذا ويرى أن الأساقفة يحسبون الكهنة والشمامسة شركاء معهم في الخدمة[4].

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم أن الرسول اعتاد في رسائله أن يكتب إلي الكنيسة، ولا يشير إلي رجال الكهنوت، فيما عدا هذه الرسالة، وذلك لأنهم بعثوا إليه أبفرودتس من قبلهم، كما قدموا له عطايا[5].

“نعمة لكم، وسلام من الله أبينا،

والرب يسوع المسيح” [2].

النعمة هي الهبة أو البركة أو العطية المجانية التي يهبها الله للإنسان، والسلام الإلهي الذي يفوق كل عقل وكل تصور. غالبًا ما يقدم في البركة الرسولية نعمة الله وسلامه الإلهي الفائق العقل، ليس من عنده، وإنما من الله الآب بالابن الرب يسوع المسيح.

2. شكر ودعاء وحب

“أشكر إلهي عند كل ذكري إيّاكم” [3].

طبيعة الرسول بولس الرسول الداخلية المتهللة تفيض دومًا بتقديم ذبيحة شكر لله من أجل عمل الله، ليس فقط معه، بل ومع أولاده المخدومين. فهو كأب يحسب كل عطية وكل نجاح خاص بالشعب، كأن له شخصيًا، فيشكر الله دومًا باسم الشعب.

  • وضع (بولس) نفسه في مركز الأب، الشاكر كل حين من أجل أولاده، من أجل ما يمارسونه[6].

العلامة أوريجينوس

“دائمًا في كل أدعيتي،

مقدمًا الطلبة لأجل جميعكم بفرح” [4].

لم يغب ذكر أهل فيلبي عن فكر الرسول، ولاعن قلبه، حتى وسط قيوده ومشاغله باهتمامات الكنائس الأخرى. ذكرهم الدائم في الرب، وذكرهم جميعًا، يبعث فيه الرغبة المستمرة للدعاء والصلاة عنهم بروح الفرح والتهليل.

ربط الرسول بين الشكر والطلبة فهو يشكر الله من أجلهم, من أجل إيمانهم ومحبتهم ونشاطهم في الكرازة “في كل أدعيتي“. كان بولس يهتم جدًا بالصلاة ويعرف قيمتها، لذلك كان يرفع قلبه بالصلوات من أجل مخدوميه ومتاعبهم ومشاكلهم “بفرح“: يصلي بفرح بالرغم من إنه سجين سياسي، يواجه احتمال الحكم بإعدامه. فالمسيحية هي ديانة القلب الفرح المسرور، والوجه المشرق البشوش. الإنسان المسيحي إنسان فرح بإيمانه، مسرور بمسيحه، سعيد بملكوته.

لم يشر الرسول هنا إلى ما عاناه في فيلبي مع رفيقه سيلا، حيث مزق الولاة ثيابهما وأمروا بضربهما بالعصي ضربات كثيرة، وألقيا في السجن الداخلي (أع 16:22-24). لكن ما يذكره دومًا عمل الله معه لقبول الإيمان منذ دخوله في اليوم الأول، وعلى ما وهبه الله من فرح في وسط الآلام.

  • ليس لأنكم متقدمون في الفضيلة أكف عن الصلاة من أجلكم[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لسبب مشاركتكم في الإنجيل من أول يوم إلى الآن” [5].

لم يقل الرسول أن سرّ فرحه قبولهم الإيمان وإنصاتهم لكلمة الوعظ، إنما “الشركة“، حيث ترجموا الإيمان إلى شركة حب روحي جماعي. فمنذ اليوم الأول لحضوره إليهم آمنوا والتصقوا معًا في شركة جماعية في الرب، استمرت حتى يوم كتابته الرسالة. فهي ليست شركة انفعال عاطفي مؤقت، لكنها شركة حب فائق تدفع للعمل والمثابرة معًا ليختبروا دومًا الحياة الإنجيلية الكنسية المفرحة.

“مشاركتكم في الإنجيل”: هي ممارسة الحب المشترك الإنجيلي، بين الجميع، شعبًا وكهنة. شركة في العبادة (الليتورجيات والإفخارستيا)، وشركة في الأمور المادية حيث شهوة العطاء الدائم (2 كو 13:9، غل 6:6، عب 16:13)، وشركة الشهادة لإنجيل المسيح. هذا كله يتحقق بشركة الروح القدس (2 كو 14:13).

عندما نعيش في المحبة المسيحية يعتبر هذا كرازة عملية بالإنجيل, وعندما نصلي بعضنا عن البعض يعتبر هذا كرازة بالإنجيل، وعندما نطلب المعونة الإلهية من أجل الكارزين يعتبر هذا كرازة بالإنجيل، وهذا ما فعله أهل فيلبي. والمبدأ هنا واضح وهو إن كل من يتعب في الإنجيل لابد أن يشترك في النعمة.

  • إن كانت “الشركة” تُعطي لنا “مع الآب والابن” والروح القدس، يليق بنا أن نلاحظ لئلا نُبطل هذه الشركة المقدسة الإلهية بارتكاب الخطية. لأننا إن كنا نفعل أعمال الظلمة (رو 12:13) فمن الواضح أننا نجحد شركة النور[8].

العلامة أوريجينوس

  • عندما يكرز شخص ما وأنتم تخدمونه، تشاركونه أكاليله. فإنه حتى في المصارعة لا يأخذ الإكليل من يغلب فقط، وإنما يشاركه فيه مدربه والحاضرون وكل الذين أعدوا حلقة المصارعة. فالذين يقودونه ويدربونه بحق يشاركونه نصرته… إن كنا نخدم القديسين بطيب قلب نشاركهم مكافأتهم. هذا ما يخبرنا به المسيح أيضًا: “اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية” (لو 16: 9)[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“واثقًا بهذا عينه،

أن الذي ابتدأ فيكم عملاً صالحًا،

يكمَّل إلى يوم يسوع المسيح” [6].

سرّ فرح الرسول في خدمته وسلامه الداخلي إدراكه أن الذي يبدأ العمل في الخدمة هو الله، العامل في خدامه، هو يبدأ وهو يكمل الطريق حتى النهاية، يوم مجيء الرب الأخير. وكما قيل عن عمل الله في صموئيل النبي: “وكان الرب معه، ولم يدع شيئًا من جميع كلامه يسقط إلى الأرض” (1 صم 19:3).

يقين الرسول بولس أن الله من جانبه لن يتوقف عن العمل في خدامه لحساب ملكوته، فهو الذي يهب بروحه روح الحكمة والقداسة حتى يحضر المختارين في يوم الرب كاملين. نعمة الله لن تتوقف مطلقًا مادام الزمن حاضرًا حتى تكمل النفوس وتدخل بهم مع الجسد إلى شركة المجد الأبدي.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله لا يحركنا كقطعٍ خشبية (كالشطرنج) أو الحجارة، بل يعمل فينا حين نكون جادين في طلب عونه ومجتهدين. لهذا إذ يؤكد الرسول أنه الله الذي بدأ حتمًا سيكمل عمله معهم حتى النهاية، ففي هذا مديح لهم كعلامة على أنهم جادون، وفي نفس الوقت ما يمارسونه هو هبة من الله وليس من ذاتهم.

  • ليس بالمدح الهين أن الله يلتزم بالعمل في شخصٍ ما، فإنه لا يحابي الوجوه. متى تطلع إلي صدق غايتنا يساعدنا في الأمور الصالحة. هذه شهادة أننا وكالته نجتذبه ليعمل فينا. بهذا لا يسلبهم الرسول مديحهم[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • العمل الذي بين أيدينا سيبلغ نهايته بقوة الله، القادر ما يقوله يحوله من كلمة إلى عمل[11].

القديس غريغوريوس النيسي

يعلق القديس أغسطينوس على صلاة السيد المسيح الوداعية موضحًا أن الله الذي قدس تلاميذه يبقى يعمل فيهم ليتمتعوا بتقديسٍ مستمرٍ. وكأن تقدبسنا لا يتحقق دفعة واحدة ليتوقف.

  • يقول: “قدسهم في حقك” (يو 17: 17). هل هم محفوظون من الشرير، إذ سبق فصلى طالبًا لهم ذلك (يو 17: 15)؟ لكن يتساءل البعض: كيف لم يعودوا بعد يُحسبون من العالم (يو 17: 17) إن كانوا لم يتقدسوا بعد في الحق؟ أو إن كانوا هم بالفعل قد تقدسوا في الحق، فلماذا يطلب لهم أن يكونوا هكذا. أليس هذا لأن حتى هؤلاء المقدسين لا يزالوا يستمرون في التقدم في ذات التقديس وينموا في القداسة، وهم لا يتمتعون بهذا بدون معونة نعمة الله، بل بتقديس تقدمهم حتى وإن كان قد قدس بدايتهم؟ لهذا يقول الرسول ما يشبه ذلك: “أن الذي ابتدأ فيكم عملاً صالحًا يكمل إلى يوم المسيح[12].

القديس أغسطينوس

“كما يحق لي أن افتكر هذا من جهة جميعكم،

لأني حافظكم في قلبي، في وُثقي،

وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته،

أنتم الذين جميعكم شركائي في النعمة” [7].

لم يكن ممكنًا للوُثق أو القيود أن تحجب الحب، بل على العكس أعطته فرصة أعظم للتفكير فيهم، وحرصه على حفظهم في قلبه، والصلاة الدائمة عنهم، والشكر لأجل عمل الله معهم. فالسجن والقيود والآلام لم تسحب قلب الرسول عن مخدوميه، بل قدمت له فرصة أعظم لخبرة الحب الرعوي حتى دون اللقاء معهم جسديًا.

  • يا للعجب وهو في السجن، حتى في اللحظات التي يتقدم فيها للدفاع عن نفسه أمام المحكمة لن يسحبهم من ذاكرته[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يقف القديس يوحنا الذهبي الفم في دهشة أمام موقف شعب فيلبي، فإنهم جميعًا مشغولون بالشهادة للإنجيل وتثبيته، شركاء الرسول بولس في هذه النعمة.

المقصود بالمحاماة توضيح قضايا الإنجيل وشرحها للمقاومين مثل المتهودين, وتثبيته في قلوب التائبين الراجعين.

  • في وثقي وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته“. حقًا أن تثبيت الإنجيل كانت وُثُقة[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يا لها من مشاعر حب فائقة للطبيعة:

أولاً: إنه حافظهم جميعًا في فكره، كمن يحفظ لآلئ عظيمة، لا يقدر أن يتجاهل واحدة منها أو ينساها.

ثانيًا: وإن كان مقيدًا كسجين، فهو يحفظهم في قلبه، كمن يغلق عليهم في داخله، ويربطهم بقيود الحب. لذا يقول: “في وثُقي”.

ثالثا: إنهم جميعًا – كشعب وكهنة – شركاء معه في المحاماة عن الإنجيل وتثبيته.

رابعا: كان جميعهم شركاء معه في النعمة. يراهم بعيني الروح في قلبه، يستدفئون بنار حبه في الرب.

3. شوق وصلاة

“فإن الله شاهد لي كيف اشتاق إلى جميعكم،

في أحشاء يسوع المسيح” [8].

يدعو الرسول بولس الله نفسه ليكون شاهدًا لما في أحشائه من حب نحو أهل فيلبي، هذا الحب ليس لأنهم يعملون معه كشركائه في نعمة تثبيت الإنجيل، وإنما يحبهم في أحشاء المسيح لأجل أنفسهم حسب المسيح.

“فإن الله شاهد لي”: لسنا نظن أن بولس الرسول ظن أنهم يشكون في محبته لهم حتى يستشهد بالله نفسه، القادر وحده أن يرى ما في قلبه. لكنه يُشهد هنا الله الذي يُسر بأن يجد الشعب كله مع الكهنة لهم موضع خاص في قلب خادمه. مسرة الله أن تتمتع الكنيسة كلها بالحب العملي والشركة في النعمة الإلهية.

إذ يفتح كلمة الله المتجسد قلبه للعالم كله، فيبذل حياته ذبيحة حب عن البشرية، يجد مسرته أن يرى خدامه يتشبهون به، فتتسع قلوبهم لإخوتهم، مقدمين حياتهم مبذولة عنهم، فيرددون أنسكب أيضا على ذبيحة إيمانكم وخدمته” (17:2).

“في أحشاء يسوع المسيح”: الخادم الحقيقي يحمل الشعب في أحشائه، يفرح بخلاصهم، ويتوجع لضعفاتهم. لذا كان إرميا النبي يصرخ: “أحشائي، أحشائي، توجعني جدران قلبي، يئن فيّ قلبي، لا أستطيع السكوت”. (إر 19:4). توجعت جدران قلب إرميا، إذ يدرك شوق الله أن يحمل شعبه في أحشائه: “حنت أحشائي إليه، رحمة أرحمه، يقول الرب” (إر 2.:31). ويقول الرسول بولس: “في أحشاء يسوع المسيح”. فالحب الملتهب في أحشاء الرسول، هو حب السيد المسيح الساكن فيه والملتهب نحو البشرية. فالحب الرعوي ليس إلا حب المسيح نفسه العامل في قلب الراعي أو الخادم.

يُشهد القديس بولس الله نفسه على مدى تأجج عواطفه نحوهم، فقد التهب بالشوق إليهم جميعًا، بغير استثناء. أحب الكل، غير متطلعٍ إلى أية عوامل خاصة بكل واحد منهم، إنما يتطلع إلى عاملٍ واحدٍ، وهو أن عواطفه المتأججة تنطلق خلال السيد المسيح الساكن فيه، فهو يحملهم في أحشائه، وبالتالي في أحشاء المسيح الذي فيه. وذلك كما أحب أبونا إبراهيم ابنه اسحق، لكن أحبه في الرب.

كيف اشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح“… ما أجمل وما أحلى هذه العواطف الرقيقة التي يقدمها بولس إلى أولاده؟! لقد تطابقت مشاعر بولس مع مشاعر سيده المسيح, ومن فيض هذه المشاعر الغزيرة اشتاق بولس أن يرى كل واحد من أولاده، ولخص كل هذه المشاعر في كلمة واحدة “أحشائه”، أي كل ما يحويه قلب يسوع المسيح تجاه أبنائه.

  • لم يقل “في الحب”، بل قال بتعبير أكثر دفئًا: “في أحشاء (حنو لطف) المسيح“، وكأنه يقول لهم: “إذ صرت لكم أبًا خلال العلاقة التي بيننا في المسيح، فإن هذا يهبنا أحشاء دافئة متقدة. يهب السيد مثل هذه الأحشاء لخدامه الحقيقيين. “في هذه الأحشاء“، كأنه يقول أحبكم ليس في أحشاء طبيعية، بل خلال أحشاء أكثر دفئًا، أعني أحشاء المسيح[15].
  • إنني عاجز عن أعبر لكم عن شوقي إليكم في كلمات. إنه يستحيل عليٌ أن أخبركم بها[16].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • قدمْ ابنك (اسحق) ليس في أعماق الأرض، ولا في وادي الدموع (مز 84: 6)، وإنما على الجبال المرتفعة العالية (تك 22: 2)، لتظهر أن إيمانك بالله أقوى من عواطف الجسد. يقول النص أن إبراهيم أحب اسحق ابنه، لكنه وضع حب الله قبل حب الجسد، وقد وُجد ليس في أحشاء الجسد بل في أحشاء المسيح، أي في أحشاء كلمة الله والحق والحكمة[17].

العلامة أوريجينوس

“وهذا أُصلّيه أن تزداد محبتكم أيضًا،

أكثر فأكثر في المعرفة،

وفي كل فهم” [9].

جوهر موضوع صلاة الرسول أن يتمتع مخدوميه بالحب لله، ولبعضهم البعض، كما لكل البشرية، وأن ينمو في هذا الحب المثلث الجوانب بلا توقف. فيكونوا أشبه بنهرٍ لا تتوقف أمطار النعمة عن أن تنسكب عليه بفيض، لكي يفيض النهر دومًا بالمياه المتجددة على مجاريه وشواطئه وعلى السهول. إذ تمتعوا بفيض النعمة اشتاق أن تلتهب قلوبهم أكثر فأكثر لينالوا بلا توقف. فالنعمة الإلهية تولد عطشًا أعظم نحوها؛ كلما ذاقها المؤمن أراد المزيد. “من أكلني عاد إليّ جائعًا، ومن شربني عاد ظامئا” (سيراخ 24: 29).

لا يعرف الرسول السكون، بل يود النمو الدائم بلا توقف، فإن كان شعب فيلبي مملوء حبًا، فإنه يشتهي لهم أن يزدادوا في الحب كما في المعرفة والتمييز. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لا يود أن يقفوا عند قياسٍ معين.

تزداد محبتكم… في المعرفة وفي كل فهم“: المحبة مرتبطة بالمعرفة, فعندما يحب الإنسان موضوعًا يبحث فيه وعنه حتى يلم بكل جوانبه، وعندما يحب شخصًا معينًا يجب أن يعرف كل شيءٍ عنه, وهكذا عندما يحب الإنسان الله تزداد معرفته عنه.

“في المعرفة وفي كل فهم”: لا يطلب لهم الحب العاطفي المجرد، أو ما يدعوه البعض بالحب الأعمى، بل الحب المستنير بالمعرفة والفهم، حب المسيح حكمة الله. فتكون لهم معرفة أسرار الله وفهم لكلمته، حتى يذوقوا بحق عذوبة الحياة والشركة معه.

  • قياس الحب لا يقف عن حد معين، إذ يقول: “أن تزداد محبتكم أيضًا أكثر فأكثر“. لتراعوا سمو التعبير، إذ يقول: “تزداد محبتكم أكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم“. فإنهم لا يقفوا عند الصداقة وحدها، ولا عند المحبة وحدها، بل أن يأتوا إلى المعرفة. فلا يُقدم ذات الحب للكل، فإنه مثل هذا لا ينبع عن الحب، بل عن عدم الفهم. إنه يعني أن يكون الحب بتعقلٍ وتمييزٍ. إذ يوجد خطر لمن يحب بدون تعقل يحب أيا كان الأمر…. يوجد خطر من أن يُفسد البعض بحبه للهراطقة…. إذ يجب أن تكونوا مخلصين، فلا تقبلوا تعليمًا خاطئًا تحت ستار الحب… كيف يقول: “إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس” (رو 18:12)؟ إنه لم يقل: “حبوا حتى يصيبكم أذى من الصداقة، إذ قيل: “فإن كانت عينك اليمنى تعثرك، فأقلعها وألقها عنك” (مت 29:5)[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“حتى تميّزوا الأمور المتخالفة،

لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح” [10].

الترجمة الحرفية تعني “الأمور المتباينة” أو المختلفة فيما بينها، مما قد يسبب نوعًا من الارتباك، لذا يطلب لهم “روح التمييز”. ويترجمها البعض “الأمور السامية” excellent. يرى البعض أن الرسول يقصد أن أمور السيد المسيح سامية وفائقة تحتاج إلى التمييز لكي يختبرها المؤمنون بإخلاص، فينعموا بإنجيل الخلاص، ليحيوا في الكمال. بهذا يُحضروا يوم الرب حاملين برّ المسيح. ففي اليوم الأخير إذ يأتي شمس البرّ، يُفحصون ببهائه، ويوجدوا طاهرين بلا عثرة.

“لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة”: مخلصين، أي لنا القلب الواحد، فلا نعرج بين الفرقتين.

كلمة “مخلصين” في اليونانية مشتقة من كلمتين: eille وتعني بهاء (سمو) الشمس، krino وتعني “أحكم”. وكأن معناها أن أحكم على الشيء أو أفحصه على ضوء الشمس الساطعة، فلا مجال للخطأ، بل يظهر كل شيء بوضوح، أنه طاهر ونقي لا يخفي أي نقص. وكأنه يقول لهم أنهم إذ ينموا في النعمة، يصيروا بلا لوم حتى في نظر الرب شمس البرّ.

وجاءت الكلمة ذاتها باللاتينية تعني “بدون شمع”، حيث يتنقى عسل النحل من الشمع، ولا يكون فيه أي أثر له.

“بلا عثرة”، فالحياة المسيحية كما يراها القديس بولس أشبه بسباق جري للبلوغ إلى النهاية والتمتع بالمكافأة. ففي المسيح يسوع لن توجد عثرات تعطل المؤمن عن جريه.

المحبة الحقيقية تمنح الإنسان الذهن المستنير بالروح القدس ليميز الأمور المتخالفة, والمحبة تضيء القلب، فيستطيع أن يميز صوت الراعي عن صوت الغريب, ويميز مشيئة الله عن مشيئته الخاصة, ويميز الأمور المتخالفة، فيختار الصالح ويترك الطالح.

  • “لكي تكونوا مخلصين أمام الله، وبلا عثرة أمام الناس، إلى يوم المسيح، فإن صداقات كثيرة للبشر يمكن أن تضرهم، حتى وإن كانت لا تضركم أنتم، فقد يتعثر بها الغير. “إلي يوم المسيح“، أي حتى توجدوا أتقياء، غير معثرين لأحد[19].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“مملوءين من ثمر البرّ،

الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده” [11].

البرّ هو السيد المسيح. فالإنسان المسيحي لابد أن يثمر، ويُثمر في هدوء وسلام، أما ثمر البرّ فهو الأعمال الصالحة. إذ نُغرس في المسيح يسوع، ونُطعم فيه لا نعود نكون بعد أغصان برية، بل أغصان الكرمة الإلهية الحاملة ثمر الروح. هذه الثمار الفائقة والمشبعة موضع اعتزازنا، لكن ليست علة كبرياء وتشامخ، إذ هي هبة إلهية لمجد الله والتسبيح له. كما يُقصد بكلمة “البرّ” هنا كل أعمال الروح القدس الذي يهبنا برّ المسيح، والشركة في الطبيعة الإلهية.

يقول “ثمرة البرّ”، وليس “ثمار البرّ”. جاءت الكلمة اليونانية في المخطوطات القديمة بصيغة الفرد لا الجمع. وجاءت نفس الكلمة في المفرد في غل 22:5 ؛ أف 9:5 ؛ يع 18:3 ؛ عب 11:12 ؛ رو 22:6، لأن ثمر الروح مع تنوعه من حب وفرح وسلام وصلاح الخ. في تناغم معًا، كأنه ثمرة واحدة.

  • يقول: “مملوءين من ثمر البرٌ“، إذ بالحق يوجد برٌ ليس حسب المسيح، على مستوى الحياة الأخلاقية. “الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده“. أنظروا فإنني لست أتكلم عن مجدي، بل عن برّ الله… يقول: “لا تجعلوا محبتكم تضركم بطريقة غير مباشرة، بأن تعوقكم عن ادراك الأمور النافعة. احذروا لئلا تسقطوا خلال محبتكم لأي أحد. فبالحق أود أن تزداد محبتكم لكن دون أن يصيبكم ضرر منها[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

4. قيود ونصرة

“ثم أريد أن تعلموا أيها الاخوة أن أموري

قد آلت أكثر إلى تقدّم الإنجيل” [12].

كان القديس بولس مقيدًا ومسجونًا في روما. ربما ظن البعض أن هذا الأمر يقف حجر عثرة أمام حديثي الإيمان، إذ كانوا يخجلون مما حدث معه، ولعلهم خشوا أن يكون هذا هو مصيرهم. ولعل البعض حسب أن سجن الرسول بولس يُعثر الذين هم خارج الإيمان.

هنا يحدث بولس أهل فيلبي الذي يحبونه ويحبهم عن أموره وأخباره خوفًا من وصول أخبار خاطئة عنه. ويوضح لهم إن متاعبه وسجنه وآلامه كانت بخطة إلهية مقصودة لانتشار الكرازة بالإنجيل عن طريق السجانين، ونجاة الرجال الذين كانوا معه في السفينة (276 رجلاً)، وكرازته في روما عاصمة العالم في هذا الوقت. حيث تحول السجن في روما إلى كنيسة صغيرة جمعت اليهود مع الأمم في شخص المسيح الواحد.

“حتى أن وُثقي صارت ظاهرة في المسيح،

في كل دار الولاية،

وفي باقي الأماكن أجمع” [13].

صارت قيود الرسول ظاهرة في المسيح، فقد عرف الكل أنه لم يُسجن من أجل جريمةٍ ارتكبها، وإنما من أجل “اسم يسوع”.

كما دُعي في دار الولاية Praetorian الملحقة بقصر نيرون، لكي يدافع عن نفسه، فكانت فرصة رائعة للشهادة للسيد المسيح أمام رجال الدولة. وإذ كثيرون كانوا يأتون من دول كثيرة إلى دار الولاية، صار الرسول شاهدًا للسيد المسيح “في باقي الأماكن أجمع”، كما في قصر الإمبراطور نفسه.

  • يبدو أنهم كانوا في حزن عندما سمعوا عنه أنه في القيود، وتخيلوا أنه بهذا توقفت الكرازة. ماذا إذن؟ لقد بدد هذه الظنون فورًا. وأظهر أيضًا عاطفته نحوهم إذ أعلن لهم عما يخصه إذ كانوا في قلق من جهته…. لقد أجاب: “هذا الأمر (الكرازة) ليس فقط لم يتعطل، إذ لم يرتعب (العاملون)، بل بالحري تشجعوا… فإذ تكلم بجرأة وهو في القيود بث فيهم الثقة أكثر مما كانوا عليه وهو ليس في القيود[21].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوُثقي،

يجترئون أكثر على التكلّم بالكلمة بلا خوف” [14].

قدمت قيود الرسول بولس للإخوة شجاعة للكرازة، فإن كان الرسول قد نال كرامة الألم من أجل الكلمة، لم يخشَ المخلصون في الحق من الشهادة، مقتدين بالرسول مثالهم العملي.

  • هذا يُظهر أنهم كانوا في شجاعة صادقة حتى من قبل، وتكلموا بجرأة، لكن هذه الشجاعة تزايدت بالأكثر. وكأنه يقول: “إن كان الآخرون قد صاروا أكثر جرأة بقيودي، كم بالأولى أكون أنا؟ إن كنت أنا سببًا في جرأتهم، فكم بالأكثر أصير أنا أكثر جرأة؟[22]

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. فرح بالكرازة

“أمّا قوم فعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح،

وأمّا قوم فعن مسرّة” [15].

وجد الحاسدون للرسول بولس فرصتهم للكرازة ليس عن حبٍ وإخلاصٍ، وإنما لكي تتشدد الدولة وتضيق الخناق على الرسول، فلا يخرج من السجن. أو لعلهم وجدوا فرصتهم في سجن الرسول أن يكرزوا ليحتلوا مكانه في الخدمة، فيُنسب نجاح الخدمة إليهم.

ولعل بعضهم في روما كانوا من المنادين بالتهود الذين سعوا بكل قواهم إلى تهديد المسيحية، فرأوا في سجنه فرصة للتحرك، فلا يجدوا مقاومة لأفكارهم. حسبوا في سجن الرسول الذي في نظرهم مقاوم للناموس الموسوي والعوائد اليهودية فرصة أن يعملوا بكل قوة. مثل هؤلاء قادهم بولس الرسول في إنطاكية وفي أفسس وشبههم في هذه الرسالة بالكلاب وفعلة الشر. لقد كان بولس يقلع زرعهم الفاسد الذي زرعوه في أذهان الناس.

مقابل هذا أيضًا تحرك المخلصون للعمل بكل قوة عن حب للسيد المسيح ورسوله بولس الأسير. الأولون كانوا يعملون بدافع التحزب ضد الرسول، والآخرون يعملون من أجل خلاص البشرية، وفي كلا الحالتين التهبت الكرازة في روما بسبب سجنه.

  • صدر عن قيودي خطين للعمل، فريق ازداد شجاعة للعمل، والآخر ترجى أن يعمل ليحطمني فصاروا يكرزون بالمسيح[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فهؤلاء عن تحزّب ينادون بالمسيح،

لا عن إخلاص،

ظانّين أنهم يضيفون إلى وُثقي ضيقًا” [16].

إنهم غير مخلصين في كرازتهم بالمسيح، إذ يكرزون عن تحزب. وكلمة “تحزب” تشير إلى المنفعة الشخصية والطموح الأناني والتنافس.

  • ظنوا إنني سأسقط تحت مخاطر أعظم، فيضيفون إلى ضيقي ضيقًا.

يا للقسوة! يا لها من إثارة شيطانية!

لقد رأوه في القيود، مُلقى في السجن، ومع هذا كانوا يحسدونه.

لقد أرادوا أن يزيدوا من الكوارث التي تحل عليه، ويجعلوه موضع غضب أشد.

حسنًا يقول: “ظانين”، لأن ما حدث علي خلاف هذا. لقد ظنوا بالحقيقة أن يحزنونني بهذا العمل، لكنني فرحت إذ امتد الإنجيل[24].

  • يُمكن أن يُمارس عمل صالح بدافع غير صالح. مثل هذا ليس فقط لا تكون له مكافأة، بل تكون له عقوبة. فإنهم إذ كرزوا بالمسيح بغية أن يسقط الكارز بالمسيح في مخاطر عظيمة، ليس فقط لا ينالوا مكافأة، إنما يسقطون تحت النقمة والعقاب[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وأولئك عن محبّة،

عالمين إني موضوع لحماية الإنجيل” [17].

“إني موضوع”: تعني إني معين من قبل العناية الإلهية لنشر نور الإنجيل بين الشعوب.

  • ماذا يقصد بالحماية؟ لقد عُينت لأكرز، ويلزمني أن أقدم حسابًا وأجيب عن العمل المُوكل إليٌ. لقد ساعدوني، لكي تكون حمايتي للإنجيل سهلة، فإنه إذ وُجد كثيرون تعلموا وآمنوا، فتصير حمايتي له سهلة[26].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فماذا، غير أنه على كل وجه،

سواء كان بعلّة أم بحق يُنادى بالمسيح،

وبهذا أنا أفرح،

بل سأفرح أيضًا” [18].

لم يكن ممكنًا للحسد أو مقاومة الحاسدين أن تسيء إلى قلب رسول الأمم، لكنه يفرح من أجل الكرازة، حتى وإن عمل المتهودون بكل قوة، فإن الله حتمًا يستخدم كل هذه الجهود، مهما كانت النية، لبنيان ملكوته وخلاص الكثيرين. إنه يفرح، وسيبقى في فرحه من أجل مجد الله المنتشر، حتى وإن مارس البعض كرازتهم بنية الحسد والمقاومة له.

جاء في رسائل القديس كبريانوس أن البعض استغل هذه العبارة لكي يتركوا الهراطقة يكرزون دون أن تقف أمامهم الكنيسة. يقول القديس كبريانوس: [لم يكن القديس بولس يتحدث في رسالته عن هراطقة، ولا عن معموديتهم… إنما كان يتحدث عن إخوة، إما سالكين بلا ترتيب أو ضد نظام الكنيسة، أو عن حفظ حق الإنجيل بخوف الرب. لقد قال أن البعض تكلم بكلمة الله بمثابرة وشجاعة، والبعض عن حسد وتحزب. البعض حملوا نحوه حبًا سخيًا، والبعض حملوا روحًا حقودًا للخصام. وقد احتمل هذا بكل صبرٍ مادام اسم المسيح الذي يكرز به بولس يبلغ إلى معرفة الكثيرين سواء بحقٍ أو بعلةٍ[27].]

  • أنظروا حكمة الرجل! أنه لم يتهمهم بعنفٍ، لكنه أشار إلى النتيجة.

يقول: ما هو الفرق بالنسبة لي سواء تمت الكرازة بهذه الطريقة أو تلك؟… لقد أرادوا إثارة غضب الإمبراطور، ليكن وليكرزوا أيضًا… “بهذا أنا افرح، بل سأفرح أيضًا“، وحتى إن فعلوا أكثر فأكثر. فإنهم يتعاونون معي بغير إرادتهم. سينالون العقوبة علي شقاوتهم أما أنا فأنال مكافأة فيما لا أفعله…

ألا ترون أن من يثير حربًا ضد الحق ليس له قوة، بل بالحري يجرح نفسه كمن يرفس المناخس؟[28]

  • إنني ليس فقط لا أحزن ولا أنهار تحت هذه الأمور، إنما بالحري أفرح بل وسأفرح ليس إلى حين بل افرح دومًا بسبب هذه الأمور. “لأني أعلم أن هذا يؤول لي إلى خلاصٍ“، هذا الذي سيتحقق حينما تؤول عداوتهم وحسدهم لي إلى تقدم الإنجيل.

يضيف: “بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح“. أنظروا تواضع فكر هذا الطوباوي، فإنه كان قبلاً يجاهد في صراع، أما الآن فها هو يقترب من إكليله، لقد قدم ربوات الأعمال البطولية، إذ هو بولس، فماذا يمكن لهذا الأمر أن يضيف اليه؟ ومع هذا يكتب إلى أهل فيلبي: “لعلي أخلص بطلبتكم” أنا الذي اقتنيت خلاصًا خلال أعمال لا حصر لها.

إنه يطلب أيضًا مؤازرة روح يسوع المسيح. وكأنه يقول: إن حُسبت أهلاً لصلواتكم فأنال نعمة أعظم. فإن كلمة “مؤازرة” تعني أنه إن كان الروح يسندني أنال ما هو أكثر[29].

  • قولوا لي: إذا كان طبيب له ابن مهدد بالعمى، وهو عاجز عن شفائه، ووجد طبيبًا قادرًا على شفائه، فهل يرفض علاج هذا الطبيب لابنه؟ بالتأكيد لا، بل يسرع بالقول: سواء يتم ذلك بواسطتك أو بواسطتي، فإن ما يهمني هو شفاء ابني”. لماذا؟ لأنه لا يطلب مصلحته الذاتية، وإنما شفاء ابنه.

هكذا بالمثل إذا تأملنا دعوة مجد المسيح، فلنعمل ما يلزمنا عمله سواء عن طريقنا أو عن طريق آخرين. وكما يقول الرسول: “سواء كان بعلةٍ أم بحق ننادي بالمسيح” (في 1: 18).

اسمعوا ما قاله موسى ليشوع عندما أثاره حين تنبأ ألداد وميداد: “هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء؟” (عد 11: 29)[30].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الكرازة حق، أما هم فليسوا حقًا. ما يكرزون به هو حق، أما الذين يكرزون هم أنفسهم ليسوا حقًا. لماذا هم ليسوا بحقٍ؟ لأنهم يطلبون في الكنيسة أمرًا آخر، ولا يطلبون الله. فإن كانوا يطلبون الله يلزمهم أن يكونوا طاهرين. لأن النفس تجد في الله زوجها الشرعي.. أما من يطلب من الله ما هو بجانب الله فهو لا يطلب الله بعفةٍ.

تأمّلوا يا إخوة، فإن الزوجة التي تحب زوجها، لأنه غني ليست عفيفة. فإنها لا تحبّ زوجها بل تحب الذهب الذي لزوجها[31].

  • يوجد في الكنيسة أناس يتحدّث عنهم الرسول، يكرزون بالإنجيل لعلّة، يطلبون من الناس ما هو لنفعهم الخاص، سواء كان مالاً أو كرامة أو مديحًا بشريًا. إنهم يكرزون بالإنجيل بشهوة نوال مكافآت بأية وسيلة ممكنة، ولا يطلبون بالأكثر خلاص من يكرزون لهم، بل ما هو لنفعهم الشخصي[32].
  • الراعي يكرز بالمسيح بالحق، وأما الأجير فبعّلة يكرز بالمسيح، طالبًا شيء آخر. ومع هذا فإن هذا وذاك يكرزان بالمسيح[33].
  • حقًا لقد كرزوا بالمسيح عن حسدٍ، لكنهم كرزوا بالمسيح. انظروا لا إلى الوسيلة، بل إلى موضوع الكرازة. لقد كُرز لكم بالمسيح عن حسدٍ. تأملوا في المسيح وتجنبوا الحسد.

لا تتمثلوا بشرً الكارز، وإنما تمثلوا بالصالح الذي كُرز لكم به[34].

  • المسيح هو الحق. ليُعلن الحق عن علة بواسطة أجراء. ليُكرز بالحق بواسطة الأبناء. الأبناء ينتظرون بصبرٍ من أجل الميراث الأبدي للأب. الأجراء يتوقون إلى ذلك من أجل نوال أجرة وقتية ينالونها من الذي يستأجرهم[35].
  • الذين يحبونني يكرزون، والذين يبغضونني يكرزون. في الرائحة الذكية يعيشون الأولون، وفي تلك الرائحة يموت الآخرون. ومع هذا فبكرازة الفريقين ليتمجد اسم المسيح ولتملأ رائحته العالم[36].

القديس أغسطينوس

“لأني أعلم أن هذا يؤول لي إلى خلاصٍ،

بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح” [19].

الله المحب – في صلاحه – يحول حتى أعمال الحاسدين لخلاص الرسول وخلاص الكثيرين، وذلك بصلوات وطلبات محبوبيه – شعب فيلبي – ومساندة الروح القدس، روح يسوع المسيح، له. إن كل ألم واضطهاد يؤول إلى رصيد لصالح القديس بولس، لذا يقبله بفرح وهو يطلب منهم صلواتهم.

يرى البعض أن الرسول يتحدث هنا حتى عن خلاصه من السجن، فبانتشار الإنجيل سواء بنية الحسد أو الحب للرسول بولس، أدرك الرومانيون أن إنجيل السيد المسيح لم يمس سلامة الإمبراطور والدولة، بل يحث المؤمنين على تقديم الكرامة لمن لهم الكرامة والطاعة للسلطات في الرب. بهذا تحقق كثير من رجال القصر أن بولس الرسول ليس مقاومًا للإمبراطور كما ظن البعض.

لقد اقتبس الرسول عن أيوب 16:13 (الترجمة السبعينية) العبارة. “هذا يؤول لي إلى خلاصي”، وهي خاصة بشعب الله في كل العصور الذي يحول الآلام لخلاص شعبه وأولاده.

العجيب أنه يضع طلبات الشعب من أجل الرسول أولاً، ومساندة روح يسوع المسيح بعدها. لأن الروح القدس يتحرك بالأكثر لخلاص المؤمنين ومساندتهم حين يسود الحب المشترك، حتى بين الشعب والرعاة.

  • أسألكم أن نقدم تشكرات الله علي كل الأمور، فإنه يخفف من أتعابي ويزيد من مكافأتي[37].

القديس يوحنا الذهبي الفم

6. الحياة بالمسيح

“حسب انتظاري ورجائي إني لا أخزى في شيء،

بل بكل مجاهرة،

كما في كل حين كذلك الآن يتعظّم المسيح في جسدي،

سواء كان بحياةٍ أم بموتٍ” [20].

شجاعة المؤمنين وقبولهم الألم بفرح وبهجة قلب يمجد السيد المسيح المصلوب. هؤلاء يمجدونه حتى في أجسادهم إن عاشوا أو حتى ماتوا، أي إن أُعطيت لهم فرصة للعمل والكرازة، أو استشهدوا من أجل اسمه. حياة الرسول حتى في السجن كما استشهاده لن يفقده رجاءه ولا ينزع عنه جرأته في الشهادة للمخلص.

  • إنه يحثنا ألا نترك الأمر كله للصلوات المقدمة عنا دون أن نساهم نحن في شيء من جانبنا.

انظروا كيف يبرز دوره هو، ألا وهو الرجاء مصدر كل صلاح. وكما يقول النبي: “لتكن رحمتك يا رب علينا، إذ نترجاك” (مز 22:33). وكتب في موضع آخر: “اعتبروا الأجيال القديمة وانظروا هل ترجى أحد الرب فخزي؟ (ابن سيراخ 10:2). مرة أخري يقول الطوباوي نفسه: “الرجاء لا يخزى” (رو 5:5). هذا هو رجاء بولس، الرجاء الذي لن يخزى قط!…

ألا تنظروا عظمة الرجاء في الله؟ يقول: مهما حدث لن أخزى، فإنهم لن يسودوا عليٌ، بل بكل جرأة كما في كل حين كذلك يتعظم المسيح في جسدي”.

حقًا لقد توقعوا أن يُسقطوا بولس في هذا الفخ، وأن يطفئوا كرازة الإنجيل كما لو كان لمكرهم أية قوة[38].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“الآن يتعظم المسيح في جسدي سواء كان بحياةٍ أم بموتٍ”… المقصود هو إظهار عظمة المسيح من خلال جسد بولس.

  • سواء كان بحياة أم بموت” لم أقل أن حياتي وحدها ستعظمه، بل موتي أيضًا. يقصد بقوله: “بحياة” الوقت الحاضر، فإنهم لن يقدروا أن يحطمونني، وإن أهلكوني فالمسيح أيضًا سيتعظم بموتي. كيف هذا؟ بحياة، لأنه يخلصني؛ وبموتي لأنه لن يقدر الموت أن يدفعني علي جحده، فقد وهبي الاستعداد للموت، وجعلني أقوى من الموت.

فمن جانب حررني من المخاطر، ومن جانب أخر وهبني ألا أخشى طغيان الموت. بهذا يتعظم بحياةٍ أو بموتٍ… إنني بنبلٍ أحتمل الحياة والموت، هذا هو دور النفس المسيحية![39]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لأن لي الحياة هي المسيح،

والموت هو ربح” [21].

الحياة هنا بالنسبة للرسول فرصة للكرازة بفرحٍ وسط الآلام. والموت فرصة للانطلاق للقاء مع السيد المسيح وجهًا لوجه. ففي حياته أو موته كل ما يشتهيه الرسول هو اقتناء السيد المسيح بكونه حياته.

الموت بالنسبة للجسدانيين خسارة وتحطيم، أما بالنسبة للإنسان الروحي فهو مكسب. ففيه انطلاق من العالم بكل شروره إلى الحياة الأخرى بأمجادها الفائقة.

إذ صرنا أمواتًا بالخطية لم نعد في حاجة إلى وصايا لكي ننفذها بل بالحري نحتاج أولاً إلى من يقيمنا من الأموات. فالسيد المسيح هو الحياة والقيامة، من يقتنيه يتمتع بالحياة؛ جاء لكي يقدم نفسه لنا، لذا نسمعه كثيرًا ما يردد: “أنا هو…”

يسألنا أن نقتنيه، فهو خبز الحياة المشبع للنفس، وهو العريس السماوي نتحد به فلا نعاني من الشعور بالعزلة، بل تصير حياتنا عرسًا دائمًا، وهو المخلص واهب المجد الأبدي. إنه المدرب والكنز والنور والشبع، هو كل شيء بالنسبة لنا.

رجل الأعمال يقول: “لي الحياة هي الغنى”، والدارس يقول: “ليّ الحياة هي النصرة”. والإنسان الشهواني يقول: “لي الحياة هي الملذات”، والمتعجرف يقول: “لي الحياة هي الشهرة”، وأما المؤمن: “لي الحياة هي المسيح”، فبالنسبة لي الحياة ليست غنى ولا معرفة ولا شهرة ولا كرامة زمنية، بل المسيح. هو الأول والطريق والنهاية بالنسبة لي.

“لأن لي الحياة هي المسيح والموت ربح”: النظرة المسيحية للحياة أنها بركة، وتستحق أن تُعاش مادامت مع المسيح، كما أن الموت ربح عظيم مادام في الرب. وأيضًا قول الرسول: “لأن لي” تحمل لنا فكر الرسول واعتقاده بأن حياته هي في مسيحه.

  • ما يقصد هو: بالموت لا أموت، فإن حياتي هي في داخلي، لهذا إن أرادوا بحق أن يقتلوني، فلتكن لهم قوة أن يرعبوني بنزع الإيمان من نفسي. لكن مادام المسيح معي، فالموت نفسه لن يهزمني، إذ أبقى حيًا.

حياتي ليست هي الحياة الحاضرة بل المسيح نفسه. هكذا يليق بالمسيحي أن يكون! يقول: “لا أحيا الحياة العامة” (غل 20:2) بل المسيح يحيا فيٌ[40].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إننا نري أن هذا الموت هو ربح، والحياة عقوبة…

ما هو المسيح إلا موت الجسد ونسمة الحياة؟

فلنمت معه لنحيا معه.

ليكن هذا فينا كتدريبٍ يوميٍ وميلٍ نحو الموت، بهذا ننفصل عن الملذات الجسدية التي نتحدث عنها، وتتعلم نفوسنا أن تنسحب منها، كما لو كانت قد صارت في العلى، حيث لا تقدر الشهوات الأرضية أن تقترب منها وتلتصق بها. تحمل شبه الموت فلا تسقط تحت عقوبة الموت[41].

القديس أمبروسيوس

  • تقول النفس، المرآة الحيّة، التي تملك الإرادة الحرة: “عندما أنظر إلى وجه حبيبى، ينعكس جمال وجهه عليّ”. ويقلد بولس هذه الكلمات بوضوح بقوله: “وفيما بعد لا أحيا أنا، بل المسيح يحيا في. أما الحياة التي أحياها الآن في الجسد، فإنما أحياها بالإيمان في ابن الله، الذي أحبني وبذل نفسه عني” (غل 20:2).

وعندما يقول: “فالحياة عندي هي المسيح” (في 21:1)، يصرخ بولس أنه نقى نفسه من أي هوى بشري مثل السرور، والحزن، والغضب، والخوف، والجبن، والأهواء القوية، والكبرياء، والحمق، والرغبة الشريرة، والحسد، والانتقام، وحب التملك، والمكسب أو أية عادة قد تؤدي إلى تخريب النفس. هو وحده الذي يملأ نفسي، وهو ليس أيّ مما سبق ذكره.

لقد نزعت عني كل طبيعتي الخارجية الظاهرة، ولم يبقَ بداخلي أي شيء غير المسيح.

حقيقة “الحياة عندي هي المسيح”، أو كما تقول العروس: “أنا لحبيبي وحبيبي لي”. هذا هو الطهر والنقاء وعدم التلوث والنور والحق الذى يغذي نفسي.

إنها لا تتغذى بالعشب الجاف أو بالشجيرات ولكن بروعة قديسيه. يوحي السوّسن ببهاء وإشعاع ألوانه الجميلة. من أجل هذا فالذي يتغذى بين السوّسن يقود قطيعه إلى مروج السوّسن حتى تكون: “نعمة ربنا علينا” (مز 17:90)[42].

القديس غريغوريوس النيسي

  • إذ نذكر الحقيقة التي يقدمها الرسول بولس في رسالته، قائلاً: “لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح“، نحسبه ربحًا عظيمًا ألا تمسك بنا بعد فخاخ هذا العالم، ولا نخضع بعد لرذائل الجسد، بل نتخلص من الشعور بآلام المتاعب، ونتحرر من مخالب إبليس القاتلة، ونقبل دعوة المسيح بفرحٍ الخلاص الأبدي[43].

القديس كبريانوس

“ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي،

فماذا اختار؟ لست أدري” [22].

في جهاده على الأرض ثمرته هو اقتناء المسيح. هكذا يحسب الرسول تعبه منحة إلهية صالحة، قُدمت له لنمو ملكوت الله في العالم، لمجد الله وبنيان كنيسة المسيح.

في (ع 22 و23) يحتار الرسول أيهما أفضل له: الحياة حيث تمتلئ حياته بالعمل الصالح والثمر المتكاثر لصالح المسيح، وهل يفضل الحياة لبشارة البعيدين ورد الضالين ومشاركة المتألمين، أم الموت الذي يريحه من أتعابه وينقله إلى الأمجاد؟

الحياة بالنسبة له هي التمتع بالسيد المسيح وخدمته, والموت هو الوصول إليه وإلى أمجاده. لذا يقول “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذلك أفضل جدًا” [23] لأنه سيلتقي مع المسيح إلى الأبد بلا عائق. ولكن من أجل خير أولاده وتقدمهم وفرحهم فضل بولس أتعاب الأرض وشقائها عن نعيم الأبدية وأمجادها [24].

كان الرسول عاجزًا عن الاختيار، لو وُضع الأمر بين يديه، هل يحيا وسط الاضطهادات والضيقات يشهد للسيد المسيح، أم ينطلق وينعم باللقاء مع السيد وجهًا لوجهٍ. بهذا كان الرسول في صراعٍ نحو الاختيار، ليس بين أمرين شريرين، ولا أحدهما صالح والآخر شرير، وإنما بين أمرين غاية في الصلاح، أي بين التمتع ببركة الجهاد لحساب ملكوت الله، والشوق الداخلي لرؤية الله في السماء. في كلا الحالتين يحيا في المسيح ومعه. اختيار بين جهاد مؤقت وآخر فيه راحة دائمة، وكلاهما لمجد الله.

  • هنا يظهر أن الحياة الحاضرة أيضًا لازمة، إن استخدمناها كما ينبغي، إن حملنا ثمرًا، فإن لم تحمل ثمرًا لا تعود حياة. لأننا نستخف بالأشجار التي لا تحمل ثمرًا، كما لو كانت جافة، ونلقيها في النيران. إذن نحن لا نكره الحياة، إذ نحيا حسنًا أيضًا! حتى إن أسأنا استخدامها، فإننا لا نلقي اللوم علي الحياة… بل علي حرية اختيار من يستخدمها بطريقة سيئة. وهبك الله أن تحيا، لكي ما تحيا له. ولكن بسلوكك الفاسد في الخطية تجعل نفسك معرضًا لكل لومٍ[44].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فإني محصور من الاثنين:

لي اشتهاء أن انطلق، وأكون مع المسيح،

ذاك أفضل جدًا” [23].

جاء تعبيره هنا مقتبسًا من حالة إنسان يقف على الشاطئ في الميناء، وقد التهب حنينه أن يبحر ليلتقي بأسرته وأحبائه وأصدقائه في أرض وطنه، ويشعر أن كل دقيقة تعبر به في الميناء وكأنها عام كامل!

تمتع القديس بولس برؤى كثيرة، وظهر له الرب في طريقه إلى دمشق، كما ترآى له في الهيكل حيث أكد له دعوته لخدمة الأمم ( أع 22 :17-21). لكن ما كان يملأ حياته عذوبة فهو رؤيته لسيده بعيني القلب خلال حياته اليومية. كان بهاء مجد سيده يعكس على أعماقه مجدا، فيرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ (2 كو 3: 18).

واضح أنه كان يميل بشوقٍ ملتهبٍ نحو اختيار الموت استشهادًا لأجل المسيح، فالأفضل له هو الرحيل ليبقى مع المسيح في الفردوس، لا ليودع العالم بكل شروره وتجاربه وضيقاته، وإنما لينعم بالحياة مع المسيح في أروع صوره.

في أحاديث واقعية كثيرًا ما عالج القديس أغسطينوس[45] المقابلة بين شوق المؤمن للانطلاق ليكون مع المسيح وبين الخوف الطبيعي من الموت. فيرى أن الإنسان يأتي إلى لحظات الموت بغير إرادته، وهو يخشى الموت طبيعيًا، إذ هي لحظات رهيبة ومرعبة. لكن بإرادته المقدسة في المسيح يسوع يغلب هذه المخاوف مشتهيًا الانطلاق. يقدم لنا القديس أغسطينوس الرسول بطرس الذي خشي الموت وهو في شيخوخته، وكما سبق فأخبره السيد المسيح: “متي شختُ، فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء” (يو 19:21). بحسب الطبيعة كإنسانٍ لم يشأ حتى وهو شيخ أن يموت.

بل ويقدم القديس أغسطينوس رب المجد نفسه كابن البشر يطلب من الآب: “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، لكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت” (مت 39:26). لقد جاء خصيصًا ليموت عن العالم، ويقول الرسول بولس: “من أجل السرور الموضع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي” (عب 2:12).

  • إنه يهبهم راحة إذ يروه سيدًا في اختياره، وهذا لا يتحقق بخطية الإنسان (الذي يخطط لموت الرسول) بل بتدبير الله. يقول لماذا تحزنون لموتي؟ إنه أفضل كثيرًا للإنسان أن ينطلق. “أن أنطلق وأكون مع المسيح ذلك أفضل جدًا[46].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ألعلنا نستطيع أن نجد إنسانًا آخر مثل بولس الرسول يمكنه أن يقول: “لي اشتهاء أن أنطلق، وأكون مع المسيح” (في 1: 23)؟

من جهتي لن أستطيع أن أقول مثل بولس، لأنني أعرف إنني إذا انطلقت فإن كل ما هو خشب وعشب وقش (1 كو 3: 12) فيّ يجب أن يُحرق. هذا الخشب الموجود فيّ هو النميمة، والإفراط في الشرب والسرقات وغيرها من الأخشاب التي تراكمت على الأساس الموجود في بيتي.

كل ذلك يغيب عن كثير من المؤمنين، كل واحد منا يظن أنه طالما لم يزنِ ولم يرتكب الفحشاء يخلص؛ ولا ندرك أنه “لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد، بحسب ما صنع،، خيرًا كان أم شرًا” (2 كو 5: 10). ولا نضع أمامنا الذي قال: “إياكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض. لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم” (عا 3: 2)، ليس على بعض ذنوبكم، والبعض الآخر لا أعاقبكم عليها[47].

العلامة أوريجينوس

  • يُدرك هذا الجمال غير المنظور لأعين الجسد بالذهن والنفس فقط. فإذ يلقي بنوره على أحد القديسين يتركه وهو في أنين الشوق إليه بطريقة لا تُحتمل، فيقول وهو مضطرب من الحياة على الأرض: “ويل لي فإن غربتي قد طالت” (مز 120: 5). “متى أجيء وأتراءى قدام وجه الله ؟” (مز 42: 3)…

إذ يشعر (القديسون) بثقل هذه الحياة الحاضرة كما لو كانت سجنًا، فإنهم بالجهد يستطيعون أن يضبطوا أنفسهم وهم تحت الدوافع التي تثيرها لمسة الحب الإلهي في داخل نفوسهم.

بالحقيقة يسبب شغفهم النهم للتمتع برؤية الجمال الإلهي يصلون أن يستقر فيهم التأمل في فرح الرب كل الحياة الأبدية. فالبشر بالطبيعة يرغبون فيما هو جميل. لكن ما هو بالحقيقة جميل ومُشتهى فهو صالح[48].

القديس باسيليوس الكبير

  • أما يستحق التنهد الوجود في بلدٍ غريبٍ مع الحرمان من الوطن؟ أما يستحق الفرح أن يوجد الإنسان في ميناء آمن وينضم إلى المدينة العليا حيث هرب الألم والضيق والتنهد؟ تقول، ولكن كيف يكون لي هذا وأنا خاطي؟ ألا ترى أنه ليس الموت هو علة الحزن، بل الضمير الشرير؟ كُفْ عن أن تكون خاطئًا، فيصير الموت أمرًا محبوبًا ليدك[49].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم” [24].

 مع كل هذا الحنين فإنه يحسب رحيله مكسبًا له، وبقاءه مجاهدًا مكسبًا لهم. وقد تدرب الرسول على البذل لحساب إخوته، بهذا كان القرار فيه اختيار البقاء من أجل إلزام الحب الأخوي في الرب.

  • قال هذه الكلمات لكي يُعدهم لقبول موته عندما يحل الوقت، هكذا كان يعلمهم بحكمة حقيقية…

ليس الموت صالحًا، إنما ما هو صالح هو أن نكون مع المسيح بعد الموت. ما يتبع الموت إما ان يكون صالحًا أو شريرًا.

ليتنا لا نحزن لأجل الموتى ولا نفرح بالأحياء، إنما نحزن علي الخطاة، ليس فقط عند موتهم بل حتى وهم أحياء.

ولنفرح بالأبرار ليس فقط وهم أحياء، وإنما حتى عند موتهم…

فالخطاة أينما وجدوا هم بعيدون عن الملك، فتُسكب الدموع عليهم. وأما الأبرار فهم مع الملك سواء كانوا هنا أو هناك، يبلغون هناك درجة سامية وقربًا للملك، لا خلال رمزٍ أو بالإيمان وإنما يرونه “وجهًا لوجهٍ” (1 كو 12:13)[50].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لنكن غرباء عن جسدنا لئلا نصير غرباء عن المسيح. فإننا وإن كنا نعيش في الجسد، لكننا لا نتبع أمور الجسد. ليتنا لا نجحد متطلبات الطبيعة، لكننا نطلب قبل الكل عطايا النعمة، “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا، ولكن أن أبقى في الجسد اُلزم من أجلكم” (في 23:1-24)[51].

القديس أمبروسيوس

“فإذ أنا واثق بهذا، أعلم إنّي أمكث وأبقى مع جميعكم،

لأجل تقدّمكم وفرحكم في الإيمان” [25].

يتمتع الرسول بولس باليقين الذي له فيه عمل الله ورعايته الفائقة فحتمًا الله يعمل ما هو لبنيان الكنيسة، وما هو لنفع الرسول بولس. هذا يبعث فيه روح الفرح في المسيح يسوع. هذا الفرح ينعكس على الشعب، فيتمتع بالتقدم والفرح. ففرح الراعي مصدر لفرح الرعية في الرب.

كان للرسول ثقة بروح النبوة أنه سيخرج من السجن ويبقى مع الشعب، لأجل تقدمهم في البرّ وفرحهم في الإيمان، أي سعادتهم الروحية.

  • يمكن لبولس أن ينطلق إلى المسيح لكنه لم يرد ذلك، بل أن يبقى في الجهاد من أجل الناس. فأي عذر لنا؟… إن كان من الضروري أن أبقى هنا بكل وسيلة، فإنني لست أبقى فقط، إنما “أبقى مع جميعكم“. فإن هذا هو معني “أبقي معكم” أن أراكم. لماذا؟ “لأجل تقدمكم وفرحكم في الإيمان“. هنا يحثهم أن يهتموا بأنفسهم… لكي يتقوا مثل صغار الفراخ التي تحتاج إلى أمها حتى ينبت لها الريش. هذا برهان علي عظمة الحب![52]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لكي يزداد افتخاركم في المسيح يسوع فيّ،

بواسطة حضوري أيضًا عندكم” [26].

يترجم البعض “افتخاركم” بـ “فرحكم”، إذ خدمة الراعي المبهجة تسكب فرحُا في المسيح خلال خادمه، فيتهللون بحضور الخادم الذي يتجلى فيه ربنا يسوع.

يعلق القديس يوحنا ذهبي الفم[53] علي كلمة “فيٌ“، فإن تقدمهم وفرحهم في الرب هو في الرسول بولس، بمعنى أن بقاءه معهم ليس عن تغصبٍ، وإنما هو أنفع للرسول بولس نفسه (فإنني أتمجد أكثر عندما تتقدمون أكثر).

7. تحدي وقوة

“فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح،

حتى إذا جئت ورأيتكم أو كنت غائبًا أسمع أموركم،

أنكم تثبتون في روحٍ واحدٍ،

مجاهدين معًا بنفسٍ واحدةٍ لإيمان الإنجيل” [27].

“فقط” [27] تربط بين هذا العدد وما قبله, فإن كان بولس قد فضّل البقاء في الجسد من أجل خير أولاده، فإنه يريد أن يرى كل واحدٍ منهم إنجيلاً معاشًا.

  • ألا ترون كيف أن كل ما يقوله يحوله إلي أمرٍ واحدٍ، وهو التقدم في الفضيلة؟… ماذا تعني هذه الكلمة “فقط” سوى هذا وليس شيء أخر هو ما ينبغي أن نبحث عنه؟ إن صار لنا هذا لن يحل بنا خطر ما[54].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هنا يوصي الرسول أولاده أن يسلكوا ويعيشوا بحسب وصايا الإنجيل ودعوته فيصيروا قديسين, وهذه أعظم كرازة صامتة بالقدوة الحسنة.

كيف يعيشوا بحقٍ في الإنجيل؟

1- الثبات في الروح الواحد: يحثهم على أن يحيوا كمواطنين سماويين، كما يليق بحق إنجيل المسيح السماوي. لا يشغل الرسول حضوره بالجسد أو غيابه، ففي كل الأوضاع يفرح بثباتهم بروحٍ واحدٍ في الإيمان، وجهادهم القانوني حسب إنجيل المسيح، بروح الوحدة معًا. يركز الرسول على الثبات في المعركة الروحية التي نواجهها. والروح القدس هو المسئول عن وحدانية الكنيسة لذلك كل عملٍ انفراديٍ أنانيٍ هو ضد روح الجماعة وضد روح الله ذاته.

  • هذا هو ما فوق كل شيء، أن يوٌحد المؤمنين، ويسند الحب كي لا ينحل، “ليكونوا واحدًا” (يو 11:17). لأن المملكة التي تنقسم علي ذاتها لا تثبت (مر 24:3). لهذا ينصح تلاميذه في كل حين أن يكونوا بفكرٍ واحدٍ. ويقول المسيح: “بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حب بعضًا لبعض” (يو 35:13)[55].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2- الجهاد بنفسٍ واحدة لإيمان الإنجيل: ليس ما يفرح قلب الرسول مثل جهادهم بنفسٍ واحدةٍ وفكرٍ واحٍد إنجيليٍ! إذ لهم شركة الروح القدس (أف 4: 3-4). الجهاد ضد الخطية, والجهاد للحفاظ على الإيمان الواحد, والجهاد لكي يكون لنا فكر المسيح الواحد والجهاد في الكرازة. “إيمان الإنجيل”، أي الإيمان بصدق مواعيد الإنجيل – لأنه كيف يدافع الإنسان عن قضية لا يقتنع بها.

  • أنظروا كيف يدعو النفس الكثيرة نفسًا واحدة. هذا حدث منذ القدم، إذ مكتوب أنهم كانوا بقلبٍ واحدٍ ونفسٍ واحدةٍ، مجاهدين معًا لأجل الإيمان بالإنجيل (أع 32:4) يقول لكي يسند الواحد الآخر في إيمان الإنجيل[56].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هنا يتحدث عن وحدة الروح ووحدة النفس (الفكر)، فالروح القدس يسند العاملين معًا والذين يحملون فكرًا واحدًا، يسندهم في جهادهم ليعلن بشارة الإنجيل المفرحة وسط آلامهم.

3- الشجاعة في مواجهة المقاومين

“غير مخوفين بشيء من المقاومين،

الأمر الذي هو لهم بيّنة للهلاك،

وأمّا لكم فللخلاص، وذلك من الله” [28].

إذ يجاهدون بقيادة الروح القدس وبروح الوحدة لن يقدر المقاومون أن يقفوا أمامهم، ولا الخوف أن يتسلل إليهم. لا يخافون من مقاومات ومحاربات عدو الخير مهما كانت قواته، ومهما كان أعوانه، ومهما تعددت أساليب حروبه.

  • حسنًا يقول: “مخوفين“، هذا ما يسقطه علينا أعداؤنا. كل ما يقدموه هو أن يخيفونا فقط.

يقول: لكن ليس ما يخيفنا، مهما حدث، مهما تكن المخاطر، ومهما خططوا. فإن هذا هو نصيب السالكين باستقامة. لا يقدر العدو أن يفعل شيئًا سوى أن يخيف فقط…

فإنهم إذ يرون أنهم بكل خططتم التي لا تُحصى عاجزون عن أن يخيفونكم، يحسبون هذا دليلاً علي هلاكهم.

عندما لا يغلب المضطهدون من يضطهدونهم، ولا ينتصر واضعو الخطط علي من هم موضع خططهم، وأصحاب السلاطين علي من هم تحت سلطانهم، أليس في هذا دليل ذاتي أن هلاكهم علي الأبواب، وأن قوتهم كلا شيء، وما قاموا به من جانبهم باطل وضعيف؟ يقول الرسول أن هذا يحدث من عند الله[57].

القديس يوحنا الذهبي الفم

واضح من حديثه هنا أن الكنيسة في فيلبي كانت تعاني من ضيق أو اضطهاد، لكن بالحب والوحدة يؤول ذلك لخلاصهم من قبل الله، وتهلك قوات الظلمة وتتبدد المشورات المقاومة ضدهم.

4- هبة الألم

 “لأنه قد وُهب لكم لأجل المسيح،

لا أن تؤمنوا به فقط،

بل أيضًا أن تتألّموا لأجله” [29].

لأنه“: تربط ما بعدها بما قبلها, أي أن الثبات في روح واحد والجهاد بنفسٍ واحدةٍ، والشجاعة في مواجهة المقاومين لابد أن يترتب عليها الاضطهاد والألم. “وُهب لكم“، أي أنعم الله بها عليكم، فهنا الألم لا يظهر كعقابٍ من الله، إنما هو علامة محبة.

الإيمان كما السماح بالألم كلاهما هبة من قبل الله، إنهما أخان رفيقان، يرافقان المؤمن كما الكنيسة ككلٍ في الطريق إلى السماء.

يميز القديس يوحنا الذهبي الفم[58] بين عطية الفضائل وعطية الألم، فيحسب أن الفضائل هي هبة مجانية من الله، لكننا نلتزم بالقيام بدورٍ من جانبنا والجهاد لنوالها. أما هبة الألم من أجل المسيح فهي بكاملها عطية مجانية من الله، لا لكي تحطم حرية إرادتنا، وإنما لكي تجعلنا متواضعين وفي وضع أفضل.

  • التألم من أجل المسيح هو نعمة، هو عطية النعمة، نعمة مجانية. إذن لا تخجلوا من عطية النعمة، فإنها أكثر عجبًا من قوة إقامة الموتى وصنع العجائب. فإنني بهذه أنا مدين، أما هنا (بالألم) فالمسيح مدين لي. لهذا يليق بنا ليس فقط ألا نخجل بل نفرح بنوالنا هذه العطية[59].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيَ،ّ

والآن تسمعون فيَّ” [30].

إذ يتألمون من أجل السيد المسيح يرون في الرسول بولس مثلاً رائعًا، سواء إن كانوا قد رأوا ذلك بأعينهم أو سمعوه عنه.

  • لديكم مثال (إذ ترونه فيٌ). هنا أيضًا يرفعهم إلي فوق، مظهرًا لهم أن جهادهم في كل موضع هو ذات جهاده، كلاهما جهاد قوي، وهم بهذا يتحدون معه في احتمال المشقات. لم يقل لهم: “سمعتموه عني”، بل “رأيتموه فيٌ“، إذ جاهد كثيرًا في فيلبي[60].

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحي فيلبي 1

قيود الحرية المفرحة!

  • انطلقت نفسي إلى سجن روما.

رأيت رسولك السجين طيرًا حرًا،

ينطلق من مجدٍ إلى مجدٍ ليبلغ إلى سماواتك!

  • حبك سبي نفسه وقلبه وفكره.

صارت قيوده من أجلك أعذب وأسمى من كل حرية!

اعتز بعبوديته لك كمصدر لكل الحرية.

 اشتريته بدمك الثمين، فلا يستطيع سيد ما أن يقتنيه عبدًا له.

  • لم تقدر قيوده أن تغلق قلبه، فأحب البشرية كلها فيك.

وتهلل بخلاص كل نفسٍ!

لم يستطيع السجن أن يحطم تهليل قلبه،

فتحولت زنزانته إلى هيكل مقدس لك، فيه يقدم ذبائح شكر لا تنقطع!

تشتمها في السماء رائحة رضا!

  • قيوده رفعت قلبه إلى يوم مجيئك.

فرأي في الشعب كله قديسين،

يلتحفون ببرك ويتمتعون ببهائك فيهم!

  • قيوده قدمت له فكرك العجيب.

فرأى في كل عملٍ محبة شركة معه في خدمة إنجيلك!

رأى بعينيك شعبك ينمو في الحب،

وتلامس مع نعمتك التي لا تتوقف عن العمل!

رآك بدأت تعمل وتستمر وتكمل عملك حتى النهاية.

  • رأى في سجنه أروع فرصة للكرازة

في وثقه حلٌ رباطات نفوس كثيرة، من رجال الدولة وقصر الإمبراطور والجند.

  • كلما أُغلق الباب عليه، لم يشعر بكتمان حريته.

بل يدخل إلى أعماقه ليجد فيها حبًا لشعبك لا ينقطع.

يحمل في داخله دفء أحشاء حنوك، فيلتهب قلبه شوقًا لجميع مخدوميه.

ينسكب أمامك من أجل نمو أولادك، طالبًا لهم الحب والوحدة والتمييز والحكمة.

طالبًا لهم ثمر روحك القدس، ثمر البرٌ الذي لا ينقطع.

  • في سجنه لا يستطيع أن يتسلل الإحباط إلى قلبه، ولا اليأس إلى نفسه،

يرى مجدك يتلألأ بحياته كسجين،

ويتعظم بالأكثر في موته وانطلاقة إليك!

يكتشف بالحق أنك أنت هو حياته وفرح قلبه.

أمامك يصير العالم كله نفاية.

والموت يصير له ربحًا.

يشتهي الانطلاق ليكون معك،

لكن ليبقي، لا من أجل نفسه، بل من أجل محبوبيه.

[1] Homilies on Philippians, homily 1.

[2] Letters , 63:96.

[3] Homilies on Philippians, homily 1.

[4] Homilies on Philippians, homily 1.

[5] Homilies on Philippians, homily 1.

[6] Comm. On 1 Cor. 1:2 (1:15).

[7] Homilies on Philippians, homily 1.

[8] Homilies on Leviticus, homily 4:4.

[9] Homilies on Philippians, homily 1.

[10] Homilies on Philippians, homily 1.

[11] Letter 16:1.

[12] On the Gospel of St. John, tr. 108:2.

[13] Homilies on Philippians, homily 1.

[14] Homilies on Philippians, homily 1.

[15] Homilies on Philippians, homily 2.

[16] Homilies on Philippians, homily 2.

[17] Hom. on Gen., hom, 8:7.

[18] Homilies on Philippians, homily 2.

[19] Homilies on Philippians, homily 2.

[20] Homilies on Philippians, homily 2.

[21] Homilies on Philippians, homily 2.

[22] Homilies on Philippians, homily 2.

[23] Homilies on Philippians, homily 2.

[24] Homilies on Philippians, homily 2.

[25] Homilies on Philippians, homily 2.

[26] Homilies on Philippians, homily 2.

[27] Epistles, 72:14.

[28] Homilies on Philippians, homily 2.

[29] Homilies on Philippians, homily 3.

[30] Hom. On 1Tim., hom. 3. ترجمة سعاد سوريال

[31] Sermons on N.T. Lessons, 87 :9.

[32] Sermons on N.T. Lessons, 87 :5.

[33] Sermons on N.T. Lessons, 87 :11.

[34] On the Gospel of St. John, tr. 5:19.

[35] On the Gospel of St. John, tr. 46:6.

[36] On the Gospel of St. John, tr. 50:8.

[37] Homilies on Philippians, homily 2.

[38] Homilies on Philippians, homily 3.

[39] Homilies on Philippians, homily 3.

[40] Homilies on Philippians, homily 3.

[41] On Belief in the Resurrection, 2:40.

[42] Homilies on Song of Songs, 15. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[43] Treatise 7 on the Mortality, 7.

[44] Homilies on Philippians, homily 3.

[45] On the Gospel of St. John, tr. 123:5.

[46] Homilies on Philippians, homily 3.

[47] Homilies on Jeremiah., Homily 20:3.

[48] The Long Rules, Question 2.

[49] Commentary on Ps. 116.

[50] Homilies on Philippians, homily 3.

[51] On Belief in the Resurrection, 2:41.

[52] Homilies on Philippians, homily 4.

[53] Homilies on Philippians, homily 4.

[54] Homilies on Philippians, homily 4.

[55] Homilies on Philippians, homily 4.

[56] Homilies on Philippians, homily 4.

[57] Homilies on Philippians, homily 4.

[58] Homilies on Philippians, homily 4.

[59] Homilies on Philippians, homily 4.

[60] Homilies on Philippians, homily 4.

تفسير رسالة فيلبي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

من تفسير وتأملات الآباء الأولين
رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

بسم الآب والابن والروح القدس الله الواحد، آمين.

 

قام الأخ المبارك الدكتور ناجي الفونس بالمشاركة في هذا العمل خاصة في المقدمة، كما قام الأخ سمير نصيف بمراجعة البروفات، والأنسة مريان منير بالكتابة على الكومبيوتر مع بعض الشابات بالكنيسة.

 

 

مسيحنا هو حياتنا الدائمة التهليل

تعتبر هذه الرسالة من أعذب الرسائل التي كتبها الرسول بولس. وهي أشبه بمقالٍ يوجهه الرسول بولس إلى الكنيسة في كل العصور، بل وإلى كل مؤمنٍ في كل الأزمنة ليحيا دائم التهليل، بغض النظر عن الظروف التي تحيط به، وذلك خلال ممارسته الحياة الجديدة التي لا تعرف السكون، بل دائمة الحركة في المسيح يسوع.

كتب الرسول هذه الرسالة إلى شعبٍ اتسم بعلاقة حب خاصة مع الرسول بولس، فهو الشعب الذي من أجل محبتهم له كانوا دائمًا يمدونه بالعطايا لكي ينفق على رسالة الإنجيل، سواء في احتياجاته الضرورية أو احتياجات الخدام المرافقين له، حتى بعد أن تركهم، سواء وهو في كورنثوس أو تسالونيكي.

في سجنه الأول في روما حيث وضع تحت التحفظ في بيت استأجره مقيدًا بجند رومان، وذلك لمدة عامين. كان الرسول بولس ممنوعًا من السفر إلى دول أو بلاد أو حتى الانتقال إلى بيوت في ذات المدينة ليكرز بالإنجيل. لكنه، كما يشهد، أن قيوده قد آلت بالأكثر إلى تقدم الإنجيل. لم يكن ممكنًا للقيود أن تحرمه من الشهادة للإنجيل، ولم يكن ممكنًا للحبس أن يفقده الحياة المتهللة في المسيح يسوع.

  1. وجد القديس بولس في سجنه فرصة للحديث مع الحراس الرومان ورجال الدولة عن ربنا يسوع. إنها فرصة فريدة بالنسبة له أن يكرز لهم. أدرك الحراس الوثنيون أنه مسجون من أجل السيد المسيح، وصاروا يهتمون بالإنجيل بل ومنهم من شهدوا له.

هكذا كلمة الله قوية وقديرة، تحول حتى قوات الشر التي لهذا العالم المظلم للخدمة والاعتراف بعظمة الله، كما سبق فاستخدم الله فرعون ملك مصر أثناء خروج شعبه، وهيرودس أثناء ميلاد السيد المسيح، والساخرين بالسيد أثناء صلبه، وحراس القبر أثناء دفنه للكشف عن عمل الله الفائق.

  1. سجن الرسول بولس أعطاه فرصة للكتابة للشعب المحبوب لديه عن الحياة المفرحة كل حين في الرب.
  2. على نقيض الذين كرزوا عن حسدٍ ولعلةٍ شخصية، كرز أيضًا البعض بإخلاص ومحبة؛ هؤلاء الذين حملوا إرادة مقدسة وحبًا. لقد تشدد أصدقاء الرسول بولس وتلاميذه وكثير من المؤمنين في الإيمان وصاروا أكثر شجاعة في كرازتهم بلا خوف ليشاركوا الرسول كرامته كأسير السيد المسيح.
  3. عمل أعداؤه بقوة لتحويل الوثنيين إلى الإيمان لكي ما يثيروا الإمبراطور الولاة ولا يسمحوا بإطلاق الرسول بولس من السجن. وربما اجتهدوا في كرازتهم كفرصة للظهور أثناء سجن بولس، ظانين أنهم بهذا يقللون من شأن الرسول. على كل حال حتى هؤلاء الذين كرزوا عن حسدٍ وخصامٍ ليضيفوا أحزانًا للرسول جعلوه بالأكثر متهللاً من أجل خدمة السيد المسيح وإنجيله (1: 16-18).

مقدمة في رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

مدينة فيلبي

اسم “فيلبي” معناه “محب للخيل أو للحرب”. وقد اُعتبرت المدينة الأولى من حيث الأهمية، لأنها أول مدينة يصلها المسافر بحرًا على مكدونية.

  1. جغرافيًا: عُرفت مدينة فيلبي في الأصل بكرينيدس Krenides، ومعناها “آبار” أو “ينابيع”. دُعيت فيلبي على اسم الملك فيليب الثاني المقدوني، والد الإسكندر الأكبر. بعد استيلاء الرومان عليها صارت جزءً من مقاطعة مكدونية.

تقع مدينة فيلبي في الشمال الشرقي لمقاطعة مكدونية شمال اليونان على بعد تسعة أميال من بحر إيجة. وتقع المدينة على تله صغيرة بارزة، بينما يحيط بها سهل خصيب، لذلك فهي مدينة زراعية. علاوة على خصوبتها توجد مناجم للذهب والفضة بجوارها.

  1. تاريخيًا: في عام 357 ق.م ضم الملك المقدوني فيليب الثاني أبو الإسكندر الأكبر منطقة كرنيدس حتى نهر نستوس إلى مملكته، ثم قام بتوسيع المدينة بإضافة مساحات أخرى لها وحصّنها. سقطت تحت سيطرة الجيوش الرومانية، فأصبحت مستعمرة رومانية، وعندما انتصر أوكتافيوس وأنطونيوس على بروتس وكاسيوس قتله يوليوس قيصر في معركة شرسة بالقرب من فيلبي، وأصبح أوكتافيوس إمبراطورًا على الإمبراطورية الرومانية باسم “أوغسطس قيصر”. اهتم بمدينة فيلبي فجددها ووسعها ونالت المدينة صفة “كولونية” أي مستعمرة رومانية حرة، ينال أهلها نفس الحقوق والامتيازات التي تتمتع بها روما، وغلب عليها الطابع الروماني أكثر من الطابع اليوناني، وأصبحت اللغة الرسمية اللاتينية لغة الجنود الرومان, وكانت الديانة السائدة في المدينة هي الديانة الوثنية.

البشارة في فيلبي

نحو عام 5051 م ظهرت لبولس رؤيا في الليل رجل مقدوني قائم يطلب إليه ويقول: “أعبر إلى مكدونية وأعنا”, فللوقت طلب بولس أن يخرج إلى مكدونية بنفسه، وكان معه سيلا ولوقا الإنجيلي وتيموثاوس، فذهب إلى فيلبي التي هي أول مدينة في مقاطعة مكدونية. وصل الرسول إلى فيلبي وبينه وبين أهلها مفارقات:

  • كان بولس يهوديًا، وأهل فيلبي أمميين.
  • كان بولس فخورًا بأصله اليهودي, وأهل فيلبي فخورين بأنهم رومانيون، وإن كان بولس يتمتع بالجنسية الرومانية.
  • كان بولس آسيويًا، أما فيلبي وأهلها فكانوا أوروبيين.
  • كانت لغة بولس العبرية ويجيد اليونانية, وأهل فيلبي يتحدثون اللاتينية واليونانية.
  • كان قلب بولس يشع بالإيمان بالمسيح, وأهل فيلبي يعيشون في رجاسات الوثنية.

زار القديس بولس فيلبي (أع 16: 1140) في رحلته الكرازية الثانية، حيث أسس القديس بولس في فيلبي أول كنيسة في أوربا. عند وصوله إلى فيلبي ذهب ومعه القديسون سيلا ولوقا وتيموثاوس إلى ضواحي المدينة عند شاطىء نهر “الجنجتس” حيث اعتاد اليهود أن يصلوا هناك في يوم السبت. وفي هذا الاجتماع تحدث الرسولان إلى النساء عن الخلاص. سمعت إحدى النساء، تدعى ليديا، يهودية غنية بائعة الأرجوان والأقمشة الملونة شهادة الرسل، فآمنت واعتمدت هي وأهل بيتها. ألزمت بولس ورفاقه أن يمكثوا في بيتها. وصارت أول مسيحية في كل أوروبا، وأصبحت فيلبي أول مدينة في أوروبا تؤمن بالمسيحية (أع 16: 12، 15، 40).

يروي لنا الإنجيلي لوقا في سفر الأعمال (16: 1640) عن إخراج روح شرير من جارية عرافة. كانت تكسب مواليها كثيرا بعرافتها, اتبعت بولس بصراخها قائلة: “هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي، الذين ينادون لكم بطريق الخلاص”. فالتفت بولس إلى الروح وقال: “أنا أمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها”، فخرج في تلك الساعة (أع 16:16-18).

لم يقبل معلمنا بولس هذه الشهادة الصادرة من الشيطان عدو الحق. لأنه لو قبل هذه الكلمات من هذه الجارية أمام الناس لقبل الناس جميع كلامها. أثار هذا الأمر سادتها، إذ فقدوا مصدر ربحهم، فأخذوا موقفًا مضادًا من بولس وسيلا لدى رجال الدولة والمجمع. مزق القضاة ثيابهما وأمروا بضربهما، وألقوهما في السجن مع وضع أرجلهما في المقطرة (أع 20:16-24)، بتهمة إثارة الفتنة. وإذا تمعنا في هذه التجربة المريرة نلاحظ الآتي:

  • التهمة المنسوبة إليهما ليست جديدة، فقد نسبها عدو الخير على لسان اليهود للسيد المسيح.
  • الله الذي قد يسمح بالشر والضيقة لأولاده يحول هذا الشر إلى خير، والضيقة إلى فرج, فيبصر المؤمنون عجائبه ويختبرون محبته وعمله معهم.
  • عندما ترك بولس وسيلا الولاة يمزقون ثيابهما برضا كان أمام أعينهما يسوع المسيح الذي تعرى على الصليب لكي ما يستر عرينا ففرحا.
  • هذا البذل وهذه التضحية من جانب الرسولين يمثلان صليب الكرازة وتكلفة انتشار الإنجيل وخلاص النفوس من قبضة عدو الخير.
  • كانت هذه فرصة لشاول وهو يتذكر ما صنعه من قبل بالمسيحيين الأبرياء من اضطهاد وضرب وقتل وتشريد وزج بالسجون “لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي” (أع 16:9).

بالرغم من السجن والألم والظلم والاضطهاد، فقد راح بولس وسيلا في منتصف الليل يسبحان الله بفرحٍ ويصليان. فحدثت زلزلة عظيمة وارتجت الأرض واهتزت أساسات السجن وسقطت السلاسل وانفكت المقاطر وفُتحت الأبواب، ولم يهرب بولس وسيلا. هذه الزلزلة وأمثالها مثل تحرك جبل المقطم وغيره تظهر قوة المسيحية الغير محدودة التي تتخطى الزمن ولا تشيخ مع الأيام والسنين.

وإذ رأى حارس السجن ذلك ظن أن كل المساجين قد هربوا، فأراد أن يقتل نفسه، لكن الرسولين منعاه عن ذلك مؤكدين أن كل المساجين لم يهربوا. خر السجان أمام بولس وسيلا وهو مرتعد. تحدثا معه عن السيد المسيح، فقبل الإيمان المسيحي هو وأهل بيته. في اليوم التالي اكتشف الولاة أنهما رومانيان، فصارا في موقفٍ حرجٍ للغاية، لأنهما ضربا رجلين رومانيين وسجناهما بدون محاكمة.

في اختصار زار القديس بولس أهل فيلبي بعد ذلك مرتين في رحلته الكرازية الثالثة، حوالي عام 5758 م (أع 20: 1، 6). مؤخرًا إذ سمع أهل فيلبي بسجنه في روما (6163 م) أرسلوا أبفرادتس يقدم له معونة مالية (4: 10) لكي يبقى معه يخدمه. أصيب أبفرادتس بمرض حتى قارب الموت. وإذ سمع أهل فيلبي حزنوا جدًا بسبب مرضه الخطير. بعد شفائه رده القديس بولس إلى أهل فيلبي الذين كانوا َمشتاقين إلى رؤيته.

سمات الكنيسة التي في فيلبي

  1. صغر الجالية اليهودية، وبالتالي كانت أقل تعصبًا من مدن أخرى.
  2. كان لهذه الكنيسة مكانة خاصة في قلب القديس بولس الرسول، لأنه ذهب إليها بموجب رؤيا سماوية.
  3. تميز شعب هذه الكنيسة بمحبته العظيمة لبولس الرسول وأرسلوا المعونات له أكثر من مرة.
  4. كانت كنيسة متألمة، فكان اليهود يعيرونهم بأنهم يعبدون إنسانًا حُكم عليه بالموت.
  5. كانت هذه الكنيسة تمثل المكان والبيت الذي يستريح فيه الرسول.

تاريخ الرسالة

عُرفت هذه الرسالة مع الرسائل إلى أهل أفسس وكولوسي وفليمون برسائل الأسر، كتبها الرسول بولس أثناء أسره الأول أو سجنه في روما (61-63 م). كانت هذه آخر رسالة في الأسر سجلها الرسول وبعثها مع أبفرودتس.

غاية الرسالة

هدف هذه الرسالة كما يعلنه الوحي الإلهي هو مساندة أولاد الله إزاء شدائد هذا العالم. ترينا صورة المؤمن كقديسٍ متألمٍ وكسائحٍ, مشدود الحقوين، لكنه رغم كل الظروف المريرة فهو فرح في الرب كل حين.

توضح أن العالم لا يقدر إن يحرمنا من التعزية في السيد المسيح واختبار الانتصار الروحي على جميع الظروف المكدرة.

إنها بحق الرسالة التي ترينا باختصار كيف يجب أن تكون سيرتنا في العالم، وتصرفنا بعضنا مع بعض، بل وتصرفنا مع الآخرين.

  1. كان أهل فيلبي قلقين على محبوبهم سجين روما.
  2. كان الفيلبيون قلقين على البشارة بالإنجيل عن طريق رسول الأمم.
  3. الرسالة دعوة إلى الفرح في جميع الظروف. ودعوة للشركة في البشارة بالإنجيل (في 5:1) ، وفي نعمة المسيح (في 7:1)، وفي روح المسيح (في 1:2)، وفي آلام المسيح (في 10:3)، وفي الضيقات من أجل المسيح (في 14:4)، وفي العطاء (في 15:4).
  4. كتب لهم يشكرهم على العطاء الذي قدموه ويظهر امتنانه لهم.
  5. لكي ينصحهم ويرشدهم ويحذرهم من المعلمين الكذبة.
  6. لم يكن بهذه الكنيسة مشاكل وانقسامات تُذكر، بل مجرد عدم توافق بين خادمتين في الكنيسة هما أفودية وسنتيخي، فاهتم الرسول بهما.

ملامح الرسالة

  1. تخلو هذه الرسالة من الحوار العقائدي والمناظرات، فقد كان فكر الرسول قد اُمتص بالكامل في الفرح السماوي، لقد أعلن لنا فيها عن حياتنا السماوية الفعالة (الديناميكية) والمتهللة في المسيح يسوع ربنا. الفرح هو سمة هذه الرسالة. أما نمط الفرح فهو الشركة في الرب (4: 1). الفرح هو السمة الرئيسية للعلاقة بين الرسول والمجتمع الكنسي. الفرح يعين المؤمنين لاحتمال الألم، ومواجهة احتمال الاستشهاد.
  • إننا نمارس الحياة المفرحة هنا على الأرض، مادام المسيح هو حياتنا. والموت هو ربح ومكسب (1: 21)، إذ نرى المسيح وجهًا لوجه عند رحيلنا من هذا العالم.
  • اشتهاؤنا هو أن نرحل، ونكون مع المسيح، فهذا أفضل (1: 23).
  • إننا نجاهد نحو الهدف لننال الجعالة لدعوة الله العليا في المسيح يسوع (3: 14).
  • مواطنتنا في السماء (3: 20). مع هذا فإن القديس بولس لم يكن يفكر في نوال المكافأة بعد الموت، إنما ما كان يشغله هو انتشار الإنجيل. كان يتطلع إلى كل حياته كتمجيد للسيد المسيح. إن كان بموته يمجد المسيح، فهذا “ربح”، مادام كل غاية وجود الرسول هو مجد المسيح.
  • ننتظر يسوع المسيح الذي سيغير أجسادنا الضعيفة إلى شكل جسده الممجد. إننا نكرم أجسادنا، لأنها ستشارك نفوسنا أمجادها.
  • يحسب الرسول بولس فرح شعبه وأكاليله فرحه هو وإكليله (4: 1). يمارس الخادم الصالح حياة الشركة مع مخدوميه. حين يفرحون يفرح، وحين يواجهون متاعب يتألم. وبحسب كلمات الرسول بولس نفسه أنه يتمخض حتى يتشكل المسيح فيهم (غل 4: 19)، وفي العالم العتيد سيجدهم إكليله.
  • يحسب خدمته دعوة للفرح. “افرحوا في الرب في كل حين، وأقول أيضًا افرحوا” (4: 4).
  • نحسب كل شيء نفاية لكي نربح المسيح (3: 8)، إذ هو كفايتنا وكنزنا.
  • يكرر القديس بولس تعبير: “يوم المسيح” (1: 6، 10) كيومٍ مفرحٍ.
  1. يعبر القديس بولس عن معنى التجسد والخلاص (2: 6-11).
  2. يعلن الرسول عن ثقته في عمل الله: “وأثق بالرب إني سآتي إليكم سريعًا” (2: 24). كان واثقًا في الله أنه سيطلقه من السجن ويأتي إليهم.
  3. كان الرسول معتزًا بعمل الله مع رجال الدولة، فقد كانوا في فساد وشر عظيم.
  4. تقديس العواطف: لم يرفعنا القديس بولس لنرى فقط أجسادنا ستتمجد، وتصير في شكل جسد يسوع المسيح القائم من الأموات، لكنه بطريقة غير مباشرة يحثنا أيضًا ألا نحطم عواطفنا بل نتمتع بتقديسها. من أمثلة ذلك يقول:

حافظكم في قلبي” (1: 17).

“كيف أشتاق إلى جميعكم في أحشاء يسوع المسيح” (1: 8).

“إذ كان (أبفرودتس) مشتاقًا إلى جميعكم، ومغمومًا، لأنكم سمعتم أنه كان مريضًا. فإنه مرض قريبًا من الموت” (2: 26 27).

“إن كانت أحشاء ورأفة، فتمموا فرحي، حتى تفتكروا فكرًا واحدًا، ولكم محبة واحدة، وبنفسٍ واحدةٍ، مفتكرين شيئًا واحدًا” (2: 1 2).

  1. التعاون بين النعمة الإلهية وإرادة الإنسان. إنها مسرة الله أن يعمل فينا، فيقوي إرادتنا ويقدسها، ويسندنا في العمل إن كنا نخضع له. يريدنا أن نكون إيجابيين نحو خلاصنا: “تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته” (2: 12-13). أيضًا يريدنا القديس بولس أن نجاهد بلا انقطاع: “لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع” (3: 14).
  2. لم يمارس الرسول بولس الحياة المفرحة في الرب باجتهاد فحسب، إنما صار مصدر فرح للمتألمين. كان أشبه بالسكيب الذي يُسكب على ذبيحة إيمانهم (2: 17-18). في سفر الخروج 29: 40 يشير السكيب إلى الفرح خلال الألم. فالخمر رمز للفرح الروحي، هذا الخمر يسكب على الذبيحة (الألم) ليحولها إلى الفرح الداخلي.
  3. يشير القديس بولس إلى أهمية التسليم (4: 9)، أو ما ندعوه أحيانا بالتقليد.
  4. الدور الإِيجابي للشعب (للعلمانيين). لقد دعاهم قديسين، وأشار إليهم قبل الأساقفة والشمامسة (1: 1). لما كان محور الرسالة الرئيسي هو الحياة في المسيح المتفاعلة (الديناميكية) والمتهللة، أو الحياة المقدسة السماوية، لذا وُجهت إلى الكنيسة ككل، خاصة إلى الشعب المدعوين أن يكونوا قديسين. هذا هو التزام الأساقفة والشمامسة أن يبذلوا كل الجهد في خدمة أبناء الله ليصيروا بالحق قديسين.
  5. عاش القديس بولس يشفع في الآخرين. حتى في السجن كان يصلي عن أصدقائه: “أشكر الهي عند كل ذكري إياكم، دائما في كل أدعيتي، مقدمًا الطلبة لأجل جميعكم بفرحٍ” (1: 3-4).

قانونية الرسالة

من الثابت إن كاتب هذه الرسالة هو معلمنا بولس الرسول. فالشهادات القديمة جميعها تؤكد نسبتها له. مثل شهادة القديسين بوليكاربوس وإيريناوس وكبريانوس والعلامة أوريجينوس وغيرهم. وأيضًا الشواهد الداخلية، فأسلوبها وتعليمها ومبادئها تتفق مع أسلوب وتعاليم القديس بولس كما جاءت في رسائله الأخرى.

أقسام الرسالة

  1. فرح وسط الآلام ص 1.
  2. فرح في الخدمة ص 2.
  3. فرح في الرب ص 3.
  4. فرح في كل حين ص 4.

 

من وحي الرسالة إلي أهل فيلبي

أنت هو فرحي!

  • تلألأت السماء أمام عيني بولس السجين.

لم يرَ القيود الحديدية في يديه،

بل شاهد بهاء مجدك ينعكس عليه.

لم يشتهِ الخروج للعمل لحساب إنجيلك.

لأن القيود فتحت له أبوابًا جديدة للكرازة!

  • تحولت دار الولاية في عينيه إلى منبر للكلمة.

ووجد في زنزانته أروع فرصة للكتابة لمحبوبيه!

  • تهللت نفسه فيه، فقدم لك تسبحة شكر!

محبوه تشجعوا بسجنه، فالتهبت قلوبهم غيرة للكرازة!

مقاوموه وجدوا فرصتهم للخدمة تنكيلاً به،

إذ ظنوا أنهم بهذا يزيدون أحزانه،

وحسبوا أنهم بهذا يسرقون مجده،

لكن قلب بولس عاشق الإنجيل تهلل!

أدرك أن كل الأمور تؤول لمجد الله!

  • صار سجنه كرازة عملية بحياة الفرح فيك،

يا مصدر الفرح!

يا فرحي وتهليل قلبي.

تفسير رسالة فيلبي – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة فيلبي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث: فرح في الرب

في الأصحاح الأول كشف الرسول بولس عن الآلام كمناخٍ طيبٍ للتمتع بالفرح، وفي الثاني الخدمة كمصدر فرح حقيقي، وهنا يعلن عن طبيعة هذا الفرح أنه في الرب المتألم القائم من الأموات، وهو فرح على مستوى سماوي.

يخبرنا القديس بولس أن حياة كل إنسان هي عصب خطة الله، الذي يُسر به كابنٍ وأيقونة له حية متهللة. يلزمني أن أحمل هذه الخطة، التي هي حياتي السماوية في المسيح. هذه الحياة لها تكلفتها السلبية كما الإيجابية:

أولاً: التكلفة السلبية للحياة الجديدة المتهللة

  1. الحذر من حرفية العبادة [2-3]، أو التخلص من الشكليات التي بلا روح. كان المتهودون يعلمون بأن المؤمنين يحتاجون للخضوع للناموس الموسوي بطريقة حرفية، خاصة طقس الختان، بدونه لن يتحقق الخلاص. هاجم القديس بولس هؤلاء المتهودين بذات اللقب الذي استخدموه للأمم “الكلاب”، وقارن ختانهم ببعض الممارسات الوثنية لبتر الإنسان أعضاءه ودعاه “القطع”. كان يمكن للرسول أن يفتخر بحفظه الناموس الموسوي حرفيًا، لكنه بإرادته تخلى عن هذا لأنه أراد أن يعبر بهم إلى إسرائيل الجديد، كنيسة المسيح، يتعبد لله بالروح.
  2. عدم الثقة في الجسد بل في الروح.
  3. كل ما في هذا العالم نفاية إن قورن بالسيد المسيح [7-9].
  4. نسيان ما هو وراء، أي الأمور الحاضرة [13].
  5. مجد هذا العالم عار.

أولاً: التكلفة الإيجابية للحياة الجديدة المتهللة

  1. العبادة بالروح [3].
  2. الرجاء في تغيير أجسامنا الواهية إلى شبه جسد المسيح الممجد [21]. فمع الثقة في الجسد لا نستخف بأجسامنا الواهية. لا تتغير مادتها، إنما ستكون لها خبرة المسيح القائم من الأموات، جسده الممجد. تعبر من الانحطاط إلى المجد، وتتقبل عدم الفساد.  
  3. قبول المسيح كفايتنا [8]، وبرنا [9].
  4. النمو في معرفة المسيح المصلوب القائم من الأموات [10-11]. نشترك في آلامه بفرح، ونتشبه بموته، وتكون لنا قوة قيامته. بهذا نصير مثله. الإيمان [10] يهبنا الشركة في حياة المسيح وقيامته. هو انفتاح على عمل الله في حياتنا، فنتقبل المسيح برّنا. أيضًا يليق بنا أن نجاهد دومًا من أجل بلوغ الجعالة السماوية بدعوة الله في المسيح [12-16]. نجاهد دومًا لأننا لسنا بعد كاملين.
  5. مواطنتنا هي في السماء [20]. يليق بنا أن نحيا كمواطني أسمى دولة، مملكة السماء. سكن ربنا بالجسد على الأرض أكثر من 33 عامًا، لكن إقامته على الأرض لم تجعل منه مواطنًا أرضيًا متعلقًا بالعالم. ونحن إذ صرنا أعضاء جسمه يلزمنا ألا ننسى أننا اكتسبنا جنسيته. “لا تشاكلوا هذا العالم، بل تغيروا بتجديد أذهانكم” (رو 12: 2).
  6. عجز الناموس عن تحقيق الفرح 1-11.
  7. سباق لبلوغ الكمال 12-16.
  8. المكافأة: مواطنة سماوية 17-21.

1. عجز الناموس عن تحقيق الفرح

“أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الرب،

كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليّ ثقيلة،

وأمّا لكم فهي مؤمنة” [1].

الآن يكتب الرسول بولس إلى محبوبيه شعب الكنيسة التي في فيلبي مطالبًا إياهم بالفرح في الخدمة. والعجيب أن الكاتب يبعث رسالته وهو مقيد بالسلاسل، ويرسلها إلى كنيسة مع كونها أمينة (مؤمنة) ومنتعشة لكن المتهودين يزعجونها. فالمتاعب سواء من الخارج أو من الداخل لا تقدر أن تفقد المؤمن أو الخادم فرحه في الرب. وقدر ما نتهلل داخليًا نكون بالأكثر مستعدين لقبول الألم من أجله، ولا تقدر قوة ما أن تعزلنا عنه.

أخيرًا“: يقصد بها الرسول إنه سيبدأ استكمال رسالته.

  • لقد هدأ بولس أهل فيلبي الذين كانوا في حالة كآبة شديدة. كانوا في قنوط، إذ لم يكونوا يعرفون كيف سارت الأمور مع بولس. كانوا في كآبة إذ ظنوا أنها قد تفاقمت جدًا بالنسبة له، وبالنسبة للكرازة ولأبفرودتس. لقد أكد لهم وطمأنهم من جهة كل هذه النقاط، وقال:” أخيرًا يا إخوتي افرحوا“. يقول لهم: ليس لكم بعد علة للكآبة معكم أبفرودتس الذي حزنتم من أجله، ومعكم تيموثاوس، وأنا نفسي سآتي إليكم، والإنجيل في حالة تقدم. ماذا يعوزكم بعد؟ افرحوا![1]

القديس يوحنا الذهبي الفم

يا إخوتي” يستخدم هذا اللفظ للتعبير عن شدة الحب والاعتزاز والأخوة والمشاركة لأهل فيلبي. لقد دعا الغلاطيين “أولادي” (غل 19:4)، أما هؤلاء فدعاهم “إخوتي“، فعندما يهدف نحو تصحيح أمرٍ ما أو إظهار حنوه يدعوهم أولاده، وعندما يخاطبهم بكرامةٍ عظيمةٍ يلقبهم إخوته.

افرحوا في الرب“: الفرح هو الخيط الذهبي الذي يمر بين طيات هذه الرسالة. أما مصدر الفرح فليس النجاح الظاهر، ولا الإمكانيات الخارجية، إنما “في الرب”. ليس من حصنٍ آمنٍ للنفس البشرية أكثر من الفرح في الرب “وأما لكم فهي مؤمنة”. ما أروع أن يكتب الرسول لهم عن الفرح وهو في شدة الضيق والألم, فالألم يلازمه الحزن، ولكن اجتماع الألم مع الفرح لا يتحقق إلا في الرب.

افرحوا في الرب… لماذا؟

أ- لأن الرب هو ضابط الكل، وهو محب البشر.

ب- لأن الرب هو الذي يهتم بكل أمورنا، ويهبنا كل شيء.

ج- لأننا نطرح تحت أقدام صليبه خطايانا وآثامنا وهمومنا، فيحملها عنا المصلوب برضا ولطفٍ.

د- لأنه ينقذنا من أعدائنا الخفيين والظاهرين، ويحول الشر إلى خير، والضيقات إلى بركات.

و- لأن الفرح بالرب يهبنا القوة في جهادنا الروحي.

هـ- لأنه هو الذي ينير ظلمتنا.

  • أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الرب” يقول بحق “في الرب“، وليس “حسب العالم“، فإن هذا ليس بفرحٍ. يقول أن هذه المتاعب التي بحسب المسيح تجلب فرحًا[2].
  • كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليٌ ثقيلة، وأما لكم فهي مؤمنة. احذروا الكلاب“. ألا تلاحظوا كيف يتدرع بالصبر لكي يقدم نصيحة في البداية؟ فإنه بعد أن قدم لهم مدحًا عظيمًا، وأظهر إعجابه بهم، عندئذ قدم النصيحة ثم عاد يكرر المديح. فإن هذا الأسلوب من الكلام يبدو أنه كان يحمل صعوبة بالنسبة لهم. لذلك حاول تغطيته من كل جانب[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“انظروا الكلاب،

انظروا فعلّة الشر،

انظروا القطع” [2].

انظروا“: أي النظر بعيونٍ يقظة وحرصٍ شديدٍ. ويكرر الرسول نفس اللفظ ثلاث مرات للدلالة على أهمية وخطورة الأمر. عندما بدأ بولس كرازته بين الأمم هاج عليه المتهودون، وبذلوا كل جهدهم لكي يربطوا المسيحية باليهودية, وكأنها طائفة جديدة من الطوائف اليهودية.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الذين يفسدون الإيمان بالمناداة بضرورة ممارسة أعمال الناموس الحرفية كالختان وحفظ السبت للدخول في طريق الخلاص يشبهون الكلاب التي تنبح وتهاجم لتؤذي. فهي تشوه الإيمان بالمخلص، وتفقد المؤمنين يقينهم في عمله علي الصليب. هذا ويرى الأب فيكتورينوس بأن الكتاب المقدس يشَّبه المدافعين عن بيت الرب بالكلاب التي في أمانة تحرسه من اللصوص والمفسدين.

  • تتحدث الأسفار المقدسة عن الكلاب النافعة والمدافعة عن الكنيسة، كما يعلمنا داود في المزمور 68 قائلاً بأن هذه الكلاب تلحس دماء الأعداء في هيكل الله. وهنا يتحدث (بولس) عن نوع مضاد من الكلاب. واضح أنه يتحدث عن اليهود (المقاومين للكلمة) لأنهم عاملون بالشر. فإن الأعمال (الناموسية الحرفية) هي عملهم الوحيد في حياتهم دون معرفة الله، ويترجون الخلاص من أعمالهم[4].

ماريوس فيكتورينوس

انظروا الكلاب“: كان اليهود يدعون الأمم بالكلاب، وهنا قلب الرسول بولس الصورة حتى أن بولس يضع نفسه في مصاف الأمم ويشبه المتهودين بالكلاب. لماذا يدعو المطالبين بالعودة إلى حرفية الناموس كطريق الخلاص بالكلاب؟ لأنهم عوض الكرازة بلغة الحب، واحتضان النفوس بأبوة روحية ينبحون كالكلاب بأصوات مزعجة للنفس، ومقلقة للجماعة، ويؤذون البسطاء بأفواههم التي لا تكف عن أن تعض وتؤذي.

بينما يطالب هؤلاء بحرفية الناموس لكي يتطهروا إذا بهم يتدنسوا كالكلاب (تث 23: 18؛ مز 59: 6، 14، 15؛ 2 بط 2: 22). إنهم يحملون عداوة لصليب المسيح، ينسبون له العجز عن المصالحة مع الله بدون حرفية الناموس. كان اليهود يدعون الأمم كلابًا (مت 15: 26)، لكن بعدم إيمانهم فقدوا سمتهم كإسرائيل الحقيقي، فصاروا أممًا، ونُسب إليهم لقب الكلاب الذي دعوا به الأمم.

  • لكن من هم الذين يلقبهم كلابًا؟ كان في ذلك الموضع بعضًا ممن أشار إليهم في كل رسائله، من اليهود…الأردياء والمنحطين الذين يطمعون في الربح القبيح والمغرمين بالسلطة. هؤلاء كانوا يرغبون في جذب كثير من المؤمنين إليهم بالكرازة بخلط المسيحية مع اليهودية في نفس الوقت، مفسدين الإنجيل[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

انظروا فعلة الشر“: إذ يحرفون الإنجيل بسلبه عمل الصليب، فصاروا بتعاليمهم “فعلة الشر”، مخادعين، يكرزون ولكن لا لحساب مملكة الله، بل لحساب الظلمة والشر.

  • احذروا فعلة الشر“… فإنهم يعملون بقصدٍ شريرٍ، العمل الذي هو أشر من البطالة، إذ يستأصلون ما قد وُضع بتدبير صالح ويقتلعونه[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

انظروا القطع“: عوض قوله “الختان”، يقول: “انظروا القطع”. كان الختان علامة في الجسد على قبول العهد مع الله. وإذ رفضوا العهد الجديد، وبالتالي فقدوا سمتهم كإسرائيل الروحي، تحول ختانهم من علامة العهد مع الله إلى مجرد قطع في الجسم لا معنى له ولا قوة. وهو بهذا يكشف عن إساءتهم لمفهوم الختان، إذ جردوه من مفهومه الروحي وهدفه. صار قطعًا في الجسد، لا يختلف عن الممارسات الوثنية، الأمر الذي يمنعه الناموس (لا 21: 5). وكأنهم فيما هم ينفذون الناموس حرفيًا إذا بهم يتعدونه.

يرى البعض أن الرسول غالبًا لم يقصد بالقطع الختان. إنما قصد الجراحات الممنوعة على الكهنة للتعبير عن حزنهم على موت أحد أقربائهم. حتى لو أخذنا المعنى الآخر فإن المتهودين افتخروا بقطع جزء من الجسد، كأن هذا الأمر فقط هو الذي سيصيرهم من شعب الله, بينما اغفلوا المعاني الروحية للختان… فالختان هو ميثاق مع الله وتقديس القلب لله.

  • يقول: “احذروا القطع” كان طقس الختان مكرمًا عند اليهود، إذ فتح الناموس له الطريق، وكان السبت يحسب أقل من الختان. فيمكن إتمام الختان مع كسر السبت. فلم يقل أن الختان شر، وأن لا لزوم له، لئلا يرعب الناس. لكنه عالج الأمر بأكثر حكمة، ساحبًا إياهم منه[7].
  • لم يرد حتى أن يشترك في الاسم، بل ماذا قال؟ إن هذا الختان هو “قطع“. لماذا؟ لأنهم لا يفعلون شيئًا سوي قطعًا في الجسد. فإنه إذ يُمارس، ولكن ليس حسب الناموس، لا يكون سوى قطعًا من الجسد. لهذا السبب دعاه هكذا. أو ربما لأنهم أرادوا أن يقطعوا الكنيسة إلى شقين، ونحن ندعو الأمر “قطعًا” في الذين يفعلون هذا عشوائيًا، بلا هدف ولا مهارة. يقول: الآن إن كنتم تطلبون الختان، تجدونه عندنا نحن “الذين نعبد الله بالروح“، أي نتعبد روحيًا. أجبني: أيهما أسمى، النفس أم الجسد؟ واضح ان الأولى أسمى. لهذا فإن ذاك الختان (الذي للنفس) هو أسمى أيضًا، أو بالحري ليس أسمى بل هو الختان الوحيد. فإنه إذ يُوقف الرمز يأتي بحق الأمر كتابة: “انزعوا غرل قلوبكم” (إر 4:4). بنفس الطريقة عالج الأمر في الرسالة إلي أهل رومية قائلاً: “لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء (في الداخل) هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالحرف هو الختان” (رو 2: 28-29). أخيرًا نُزع عنه الاسم نفسه إذ لم يعد ختانًا (بل قطعًا) كما يؤكد. فالرمز كان يدعي هكذا (ختانًا) حتى تحل الحقيقة، ولكن متى جاءت الحقيقة لم يعد للرمز ذات الاسم[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • “الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف، وهو يخطئ، محكومًا عليه من نفسه” (تي 10:3-11). ليتنا كبحارة حكماء نبحر في إيماننا في المسلك السليم حتى نعبر بأكثر أمانٍ، ونتبع سواحل الأسفار المقدسة.

القديس أمبروسيوس

“لأننا نحن الختان الذين نعبد الله بالروح،

ونفتخر في المسيح يسوع،

ولا نتّكل على الجسد” [3].

بينما يطالب المتهودون بالختان الجسدي، ليحسبوا من أهل الختان يصيرون أهل الغرلة روحيًا، بينما إذ نمارس ختان الروح نصير نحن أهل الختان “الذين نعبد الله بالروح، ونفتخر (نفرح) في المسيح يسوع، ولا نتكل على الجسد”.

وقد ذكر معلمنا بولس ثلاث علامات للختان الروحي الحقيقي:

1- العبادة لله بالروح لا الحرف القاتل: حتى نتمتع بالشركة العميقة مع الله الذي هو روح وحياة. فنقدم له القلب ليقدسه بروحه القدوس ويقيم منه هيكلاً له. ليس معنى عبادة الله بالروح هو إبطال الطقوس والتدبير الروحي, إن كان يساعدنا على عبادتنا الروحية.

2- فرح في يسوع المسيح يسوع:، يهبنا فخرًا واعتزازًا بالرب وصليبه.

3- عدم الاتكال على الجسد: فمع تدبير حياتنا الروحية، لكن خلاصنا يقوم على عمل الروح. لا نمارس العبادة الجسدية التي تخص الجسد دون الروح ولا تتكل على الجسد أي لا تعتمد على الذات في عبادتنا، فلا يكون الدافع لعبادتنا هو إرضاء ذواتنا.

  • كان لابد أن يقول: “اختتنوا للرب” (إر 4: 4). فإن الختان من الجانب الجسدي لم يقتصر علي أهل الختان بحسب شريعة موسى وحدهم، وإنما علي أناس آخرين كثيرين. فكهنة الأوثان المصريين كانوا يختتنون لها (للأوثان)، فكان هذا الختان من أجل الأوثان وليس للرب، بينما ختان اليهود ربما كان للرب. فإذا كنا قد فهمنا معنى اختتنوا للرب بالمعنى الحرفي، فلننتقل إلي معناه الرمزي حتى نعرف كيف يوجد بين المختونين بعضًا منهم مختتن للرب، والبعض الآخر مختتن ولكن ليس للرب.

توجد كلمات أخرى بخلاف كلمة الحق أي عقيدة الكنيسة: فإن الذين يمارسون الفلسفة، قد ختنوا أخلاقهم وقلوبهم، ويمارسون ما يمكن أن نطلق عليه ضبط النفس؛ فإن الهراطقة يمارسون ضبط النفس وهم في الوقت نفسه مختتنين جسديًا، ولكن في هذه الحالة فإن ختانهم ليس للرب، لأن الختان عندهم يُنَفَّذ بموجب عقيدة كاذبة. ولكن حينما تذهب إلي الكنيسة وتتبع تعاليمها الحقة، فإنك لن تكون فقط مختتنًا، وإنما مختتن للرب[9].

العلامة أوريجينوس

“مع أن لي أن اتّكل على الجسد أيضًا،

إن ظن واحد آخر أن يتّكل على الجسد،

فأنا بالأولى” [4].

 يقدم لنا الرسول نفسه مثالاً على عدم الاتكال على الجسد، بل على عمل الله فيه. فمن جهة إن أراد أحد أن يفتخر بامتيازاته الجسدية الخارجية فلدى الرسول الكثير ليفتخر به، الأمر الذي لا يقدر أن يباريه فيه أحد. فرفضه للافتخار بالأمور الجسدية ليس عن نقصٍ لديه أو عجز عن تحقيقها.

يذكر الرسول بولس سبع امتيازات له (ع4-6)

1- مختون في اليوم الثامن: وهذا إثبات إنه ولد في اليهودية، وليس دخيلاً عليها، لأن الدخلاء يختتنون يوم دخولهم الإيمان اليهودي.

2- من جنس إسرائيل: لأنه لا ينسى الديانة اليهودية التي أسسها الله على جبل سيناء.

3- من سبط بنيامين: بنيامين الابن الوحيد ليعقوب الذي ولد في أرض الموعد من زوجته المحبوبة راحيل, وهو آخر أبناء يعقوب.

4- عبراني: هناك فرق بين الإسرائيلي والعبراني: الإسرائيلي هو إنسان يهودي نال الختان, وليس بالضرورة أن يجيد اللغة العبرية، أما العبراني فيجيد اللغة العبرية كما يعني أن أجداده لم يختلطوا مع الأمم في الزواج كما فعل كثيرون من اليهود الآخرين الذين نزحوا من الأمم.

5- فريسي: أي المفرز والمخصص والمكرس لله. وإنه من الذين يعتنون بممارسة الطقوس والفرائض الدينية.

6- مضطهد الكنيسة: كان شاول غيورًا جدًا على ديانته، فلم يطق أن يرى أحدًا خارج الحظيرة اليهودية. لذلك عندما نشأت المسيحية وجذبت الكثيرين من أبناء جنسه اشتعلت نار الغيرة داخله فأقترف كثير من الآثام ضد الكنيسة وسجن واضطهد الكثير من المؤمنين وكان راضيًا بقتل استفانوس.

7- من جهة برّ الناموس كان بلا لوم: تمم كل مطالب الناموس من وصايا وتقليدات، “ولكن ما كان لي ربحًا، فهذا حسبته من أجل المسيح خسارة”.

“من جهة الختان مختون في اليوم الثامن،

من جنس إسرائيل من سبط بنيامين،

عبراني من العبرانيّين،

من جهة الناموس فرّيسي” [5].

من جهة إمكانياته للافتخار والاتكال على الجسد، فقد تمتع بكل الأمور التي كان اليهود يعتزون بها.

  • يشير بهذه الظروف أنه ليس دخيلاً ولا وُلد من والدين دخيلين. ختانه في اليوم الثامن يتبعه أنه ليس بدخيل، وأنه من سلالة إسرائيل، وأن أبواه ليسا دخيلين[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول: هويتي اليهودية ليست بأية حال مُلتبس فيها. فإنني لست من أسرة نصف يهودية. إني زرع حر، ابن راحيل المحبوبة التي من أجلها البطريرك (يعقوب) نفسه احتمل العبودية[11].

ثيؤدورت أسقف قورش

“من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة،

من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم” [6].

إنهم ليسوا أكثر غيرة منه، فقد كان غيورًا على حرفية الناموس وتقليدات آبائه والاعتزاز بأمته، بذل كل جهده لاضطهاد الكنيسة خدمة للناموس وإسرائيل. الأمر الذي لن يقدر أن ينكره أحد من بني أمته. أما عن حياته الشخصية فبحسب الناموس كان فريسيًا مدققًا في حرفية متشددة، يُحسب في أعين اليهود بارًا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس بعد أن أعلن عن ما كان يمكنه أن يفتخر به، وهي أمور ليست باختياره، إذ لم يختر لنفسه أن يختتن في اليوم الثامن، ولا أن يكون من جنس إسرائيل الخ.، يتحدث عما هو باختياره، إذ كان يمكن أن يكون فريسيًا ولكن غير غيور علي الناموس كما فعل بعض رؤساء الكهنة. باختياره كان غيورًا جدًا فاضطهد الكنيسة، وسلك في البرّ وبلا لوم حسب الناموس.

  • يقول حين كنت أغزو الكنيسة لم أكن مدفوعًا بحب الكرامة والمجد الباطل والغيرة مثل قادة اليهود، بل كنت ملتهبًا بالغيرة علي الناموس[12].

ثيؤدورت أسقف قورش

  • قبل اهتدائه تمم بولس الناموس بطريقة رائعة، إنما خوفًا من الناس أو من الله نفسه، حتى حين كان يضاد الناموس في مفاهيمه الداخلية. لكنه كان ينفذ الناموس خشيه العقوبة وليس حبًا في البرّ[13].

القديس أغسطينوس

“لكن ما كان لي ربحًا،

فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة” [7].

مع كل ما قد بلغه في أعين إسرائيل القديم، ومع كل ما تمتع به من امتيازات، أدرك الرسول أن هذا كله لن ينفعه شيئًا، وأنه عاجز عن تبريريه لدى الله. ألقى بهذا كله وحسبه خسارة ليربح السيد المسيح القادر وحده أن يبرره. من يلتصق بالحرف الناموسي يسقط في الفقدان والخسارة مادام يفقد المسيح مصدر حياته وشبعه. حسب الرسول الكرامة التي نالها من شعبه بسبب غيرته على حرفية الناموس خسارة لحقت بأعماقه.

  • إنه يسأل إن كنت من جهة نقاوة سلالتي وغيرتي وعاداتي وطريقة حياتي قد فقت الكل، فلماذا أرفض كل هذه الكرامات إلا لأني وجدت أن أمور المسيح أفضل، وأفضل جدًا؟ لهذا أضاف: “لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة” [7]… أما نحن فلسنا حتى نستحق بالمال لنربح المسيح، بل نفضل الحرمان من الحياة العتيدة عن الصالحات التي للحياة الحاضرة[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • هذه الكلمات هي مديح للناموس. كيف هذا، هذا ما يعلنه هنا. لنصغِ بانتباه إلي كلماته عينها. لم يقل “الناموس خسارة” بل “حسبته خسارة“. ولكن عندما تحدث عن الربح لم يقل: “حسبته” بل قال: “كان لي ربحًا“… قديمًا كان ربحًا بسبب طبيعته، وأخيرًا صار هكذا بحسب رأيي.

يقول ماذا إذن، أليس الناموس هكذا (ربحًا)؟ إنه خسارة من أجل المسيح.

كيف كان الناموس ربحًا؟ ولم يُحسب ربحًا، بل كان هكذا.

تأملوا كيف كانت عظمته، إنه يجلب الناس الذين كانوا بهيمين في طبيعتهم ليحملوا شكل البشر.

لو لم يوجد الناموس ما كانت النعمة قد أُعطيت. لماذا؟ لأنه صار نوعًا من الجسر، فحيث كانت هناك استحالة للصعود إلى العلى من حالة الانحطاط الشديد جاء في شكل سلم، ولكن الذي صعد لم يعد بعد محتاجًا إلى السلم، دون أن يحتقر السلم، بل هو شاكر له. إذ رفعه إلى هذا الوضع، لم يعد يحتاج إليه…

هذا هو حال الناموس، فقد رفعنا إلى فوق، فكان لنا ربحًا، أما بالنسبة للمستقبل فحسبناه خسارة. كيف؟ ليس لأنه هو خسارة، وإنما لأن النعمة أعظم.

ذلك كما لو أن فقيرًا كان جائعًا، فإذ وجد فضة هرب منه الجوع، أما وقد وجد ذهبًا ولم يُسمح له بالاحتفاظ بالاثنين معًا، حسب الاحتفاظ بالفضة خسارة، مع أنها هي في ذاتها ليست هكذا. وإذ يلقيها يأخذ العملة الذهبية…

إذن الناموس ليس خسارة، وإنما هو هكذا بالنسبة للإنسان الذي يلتصق بالناموس ويهجر المسيح.

الناموس إذن خسارة إن قادنا بعيدًا عن المسيح، أما إذا بعث بنا إليه فهو ليس خسارة. لهذا قال: “من أجل المسيح خسارة“، فإن كان من أجل المسيح، فهو ليس خسارة بطبعه.

 لكن لماذا لا يسمح لنا الناموس بالذهاب إلى المسيح؟ يخبرنا (الرسول) نفسه بأن الناموس قد أُعطي ليقودنا إلى المسيح. والمسيح هو مكمل للناموس وغاية الناموس. إنه يقودنا إليه إن أردنا. “لأن المسيح غاية الناموس” من يطيع الناموس يترك الناموس ذاته. إنه يسمح لنا بالذهاب إلى المسيح إن كنا نراعي هذا، وإلا فإنه لا يسمح لنا بذلك. نعم حقًا لقد حسبت كل شيء خسارة[15].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة،

من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي،

الذي من أجله خسرت كل الأشياء،

وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح” [8].

إذ التقى بالرب ورآه وفتح قلبه لسكناه، سقطت كل هذه الامتيازات كنفاية لا تستحق أن يشغل فكره بها. هذه النفاية لا يليق بالمؤمن أن يحتفظ بها، بل يلقيها خارجًا لتلهو بها الكلاب الضالة. ما كان يعتز به قبلاً صارت نفسه تمقته ليعتز بعار الصليب، وفقر المسيح، وذبيحته الفريدة القادرة أن تفتح أبواب السماء ليدخل كل مؤمن ويستقر في الأحضان الإلهية في مجد أبدي.

من أجل معرفة فضل المسيح يسوع ربي” بعدما نهض شاول من سقطته بعد سماعه صوت ربنا يسوع عرف جيدًا أن كل ما كان له ربحًا هو في حقيقته خسارة من أجل معرفة المسيح يسوع.

من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية“… خسر شاول كل امتيازاته السابقة, وخسر وضعه كشخصٍ مقربٍ من القيادات الدينية, وخسر وضعه كقائدٍ غيورٍ مشهورٍ, وخسر وضعه بين أصدقائه ومعارفه، وخسر وضعه وسط أسرته المتدينة. خسر كل هذه الامتيازات وهو يعتبرها نفاية, والحقيقة أن القديس بولس مارس عملية استبدال، فاستبدل هذه الأرباح الوهمية المؤقتة الزائلة بأرباح حقيقية تبقى معه إلى الأبد.

  • أقول: لماذا يعني هنا الناموس؟ أليس العالم صالحًا؟ أليست الحياة الحاضرة صالحة؟ لكن إن سحبتني هذه عن المسيح أحسب كل هذه الأشياء خسارة. لماذا؟ “من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي“. فإنه إذ تشرق الشمس، يحسب الجلوس بجوار شمعة خسارة. فالخسارة تقوم علي المقارنة، علي السمو علي الأمور الأخرى… لاحظوا كيف يدعو كل شيء خسارة، ليس في ذاتها، وإنما من اجل المسيح[16].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد قرأ (الرسول) أن إبراهيم إذ اعترف أنه تراب ورماد وجد نعمة الله في تواضعه الشديد (تك 27:18). وقرأ أن أيوب إذ جلس في المزبلة (أي 8:2) استرد كل ما فقده (أي 42-17:10). وقرأ في نبوة داود أن الله يقيم المسكين من التراب والبائس من المزبلة (مز 7:113)[17].

القديس أمبروسيوس

  • إنني لست أهرب منها (وصايا الناموس) كأمور دنيئة، لكنني أفضل ما هو أسمي. فإنني إذ أتذوق الحبوب ألقي النفاية (غطاء البذور). لأن النفاية هي الجزء الكثيف من القش. إنها تحمل الحبوب، لكن ما أن تُجمع الحبوب حتى تُطرح النفاية[18].

ثيؤدورت أسقف قورش

  • ليس من فقدان لطوباوية الفضيلة بسبب الألم، أيضًا ملذات الجسد لا تضيف شيئًا للمتعة[19].
  • عظيم هو الربح الذي نقتديه بالصلاح، الذي هو الغنى بالله، وليس الغنى الزائل، إنما بالعطايا الأبدية حيث لا تحارب بل نعمة دائمة لا تنتهي[20].

القديس أمبروسيوس

  • من منكم يتوقع أن يسمع صوت ملاك يقول له: “الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك عني” (تك 12:22)، أو ابنتك أو زوجتك، ولم تمسك مالك أو كرامة العالم، أو طموح العالم، بل احتقرت كل الأشياء وحسبتها نفاية لكي تربح المسيح. لقد بعت كل شيء وأعطيت للفقراء واتبعت كلمة الله؟ (مت 21:19). من منكم تظنون أنه يسمع كلمة كهذه من الملائكة؟ لقد سمع إبراهيم هذا الصوت[21].

 العلامة أوريجينوس

“وأوجد فيه، وليس لي بري الذي من الناموس،

بل الذي بإيمان المسيح،

البرّ الذي من الله بالإيمان” [9].

لكي أربح المسيح وأوجد فيه” [8-9] أي اتحد به. بقوله: “أوجد فيه” يكشف أنه كان ضالاً لم يكن له مكان لراحته واستقراره، فوجده الرب يسوع ودخل به كما إلى أحشاء محبته ليستقر في بيته في أمان. فحين كان يظن أنه بار بحسب الناموس كان بالحقيقة تائهًا وضالاً، وإذ تمتع بالإيمان صار في المسيح مستقرًا ومختفيًا يرتدي بره برًا له. هذا هو الإيمان بالمسيح كعطية إلهية.

  • إن كان ذاك الذي كان له برّه جرى نحو هذا البرّ الآخر، إذ برّه الخاص به هو كلا شيء، كم بالأولى الذين ليس لهم برّ يلزمهم أن يجروا إلى المسيح؟ حسنًا قال: “لي بري”، ليس الذي اقتنيه بتعبي وكدحي، وإنما وجدته من النعمة. إن كان الذي كان بهذا السمو العظيم قد خلص بالنعمة، فكم يليق بنا نحن. كان يبدو أنهم سيقولون بأن البٌر الذي يأتي بالتعب أعظم، لذا أظهر أنه نفاية أن قورن بالبرّ الآخر… وما هو البرّ الآخر؟ الذي من الإيمان بالله، أي يمنحه الله. هذا هو برّ الله. هذا بكليته هو هبة. هبات الله لا تقارن بالأعمال الصالحة التي بلا قيمة الصادرة عن جهادنا[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لأعرفه، وقوّة قيامته،

وشركة آلامه،

متشبهًا بموته” [10].

وضع الرسول القيامة قبل الآلام، لماذا؟ لأنه عاين السيد المسيح القائم أولاً في حياته ثم دخل إلى حلبة الآلام. أعلن له السيد المسيح عن أمجاد قيامته أولاً، ثم أخبر حنانيا عن آلام الرسول. لا يوجد فاصل بين لأعرفه وقوة قيامته لأن أهم شيء في معرفة المسيح هي قوة قيامته التي كانت لأجلنا نحن وليس لأجله.

شركة آلامه“: بولس المتألم في سجنه وقيوده وهو بريء يعرف أن آلامه هذه ما هي إلا شركة مع المسيح المتألم.

عوض الانشغال بالحرفيات القاتلة والتي كان يظنها طريق البرّ، دخل في المسيح وحلّ المسيح فيه بالإيمان. بهذا صارت له معرفة فائقة. تعرف عليه، ويبقى ينهل من ينبوع المعرفة والحكمة ليدرك عمليًا قوة قيامته، ويختبر شركة آلامه، ويسعد بالتشبه بآلامه. لا يحتمل أن يفسد وقته بحوارٍ جدليٍ حول ما يخص الجسد، ويترك تمتعه الدائم بمعرفة متجددة لا تنقطع للسماوي القادر أن يبرر الجميع بدمه الثمين وببهجة قيامة المسيح برًا له (رو 4: 25 ؛ 1 كو 17:15).

  • ماذا يعني “بالإيمان لأعرفه” بالإيمان نعرفه، وبدونه يستحيل معرفته. لماذا؟ وكيف؟ بالإيمان نعرف قوة قيامته… فإن كانت قيامة المسيح حسب الجسد تُعرف بالإيمان، كيف يمكن بالعقل إدراك ولادة كلمة الله؟ لأن القيامة أقل من الولادة… لأنه يُوجد للقيامة أمثلة كثيرة، أما الميلاد فلن يوجد له مثيل قط. لم يولد أحد قط من عذراء[23].
  • هذه الأمور (الولادة من عذراء والقيامة) تهب البرّ، هذا ما يليق بنا أن نؤمن به أنه قادر أن يفعله، أما كيف كان قادرًا هذا ما لا نستطيع برهنته. فإنه بالإيمان ندخل في شركة آلامه، لكن كيف؟ إن لم نؤمن لا نقدر أن نحتمل الآلام. إن لم نؤمن بأننا إن كنا نتألم معه فسنملك أيضًا معه (2 تي 12:2) لما يمكننا أن نحتمل الآلام… من يؤمن أن المسيح قام يسلم نفسه للمخاطر، ويشاركه آلامه. إذ تكون له شركة مع ذاك الذي قام، مع ذاك الحي[24].
  • الاضطهادات والأحزان والشدة يلزم ألا تجعلنا مضطربين، فإننا بها نتشبه بموته. وكأنه يقول إننا نتشكل بشبهه. وكما يقول في موضع آخر: “حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع” (2 كو 10:4). هذا يأتي من الإيمان العظيم. فإننا لسنا نؤمن فقط أنه قام، وإنما حتى بعد قيامته له سلطان عظيم، فنرحل في ذات الطريق الذي سافر فيه، أي نصير إخوته في هذا الأمر أيضًا. كأنه قال: صرنا مسحاء في هذا الأمر! يا لعظمة كرامة الآلام! إننا نؤمن أننا نصير في شبه موته خلال الآلام! [25]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات” [11].

ما يشغل الرسول بولس على الدوام هو انطلاقه اليومي في طريق القيامة خلال شركته مع السيد المسيح في آلامه وصلبه، حيث ينعم بكرامة الشركة معه، والدخول إلى الأمجاد الأبدية.

قيامة الأموات التي يقصدها الرسول هنا هي القيامة الواحدة الوحيدة العامة الشاملة لجميع الأموات، الأبرار والأشرار، وهي تتم في لحظة واحدة يعقبها الجزاء والعقاب.

لعلي” التي استخدمها الرسول لا يقصد منها الشك في أمر قيامته، لكنه يقصد بها صعوبة الوصول إلى هذا الأمر. إنه يحتاج إلى جهاد العمر كله.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن كل البشر سيقومون، فماذا يعني الرسول بقوله: “أبلغ إلى قيامة الأموات“؟ [البعض بالحق يقوم ليُكرم، وآخرون لكي يُعاقبوا… ماذا يعني ببلوغ القيامة التي تشير إليها هنا؟ القيامة التي تقود إلى المسيح نفسه.]

  • هذا لأن بولس لا يزال يثابر في شركة الآلام التي كادت أن تكون علي شبه الموت نفسه حتى يقول: “لعلي أبلغ قيامة الأموات“. لم يكن لديه أدنى شك أنه يبلغ قيامة الأموات. ولكن ما هو بلوغ قيامة الأموات؟ إنها الحياة الكاملة التامة لكل شخص، والنابعة عن شركة آلام المسيح بكل وسيلة، والتي تتجلى بوضوح في نهاية الزمن عندما تتحقق قيامة الأموات، أي عندما يعود الأموات إلى الحياة[26].

ماريوس فيكتورينوس

  • يقودنا نشيد الأناشيد الآن إلى الرغبة في التفكير بعمق في الحُسن العظيم. لكن تتألم نفوسنا عندما نعرف أنه لا يمكننا الإلمام بهذا الحُسن. كيف لا يأسف أي شخص عندما يكتشف أن الارتقاء إلى هذا الحُسن صعب المنال، إذ ترتفع النفس الطاهرة النقية بواسطة الحب لكي تشارك في هذا الحُسن، ولكن يظهر أنها للآن لم تتمكن من الحصول على ما تبحث عنه، كما يقول القديس بولس (في 11:3)[27].

القديس غريغوريوس النيسي

2. سباق لبلوغ الكمال

“ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً،

ولكني أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع” [12].

سرّ قوة الرسول بولس إدراكه عدم بلوغه بعد الكمال، لا بروح اليأس والتهاون، وإنما بالسعي والجهاد مدركًا أن السيد المسيح نفسه يطلبه ويسعى إليه لكي يفديه ابنا له. بينما يود أن يدرك المسيح يعلم تمامًا أن المسيح أدركه. فغيرة الرسول على خلاص نفسه لا تقارن بغيرة السيد المسيح على اقتنائه له.

أسعى لعلي أدرك” لم ينل بعد الرسول المكافأة، ولا تمتع بعد بكمال المجد، ولا أنهى بعد سباقه، لكن ما يسنده أن السيد المسيح هو العامل فيه بنعمته. يبدأ معه، ويسير معه في طريق جهاده، ويكون هو غايته. فالزمن مقصر، والجهاد طويل، لكن الإمكانيات التي له جبارة وقديرة، لأنها إمكانيات عمل الله فيه. إنه تعبير واضح وقوي عن حياة الجهاد “الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع“. لقد أدرك السيد المسيح شاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق ممتطيًا جواده، متكبرًا متعجرفًا مملوءً غضبًا وحقدًا ليكمل معصيته باضطهاد يسوع المسيح في شخص أولاده. أدركه فهرب الشر من داخله وفر الكبرياء واختفى الحقد.

  • يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل[28].

القديس أمبروسيوس

  • نحن جميعًا الآن غير كاملين، هناك سنكون كاملين حيث يصير كل شيء كاملاً. يقول الرسول بولس: “ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً” [12]، فهل يجسر أحد أن ينسب لنفسه الكمال؟ نعم بالأحرى لندرك عدم كمالنا، فننال الكمال[29].

القديس أغسطينوس

  • يليق بالبشر أن يحتملوا الصراع كله، فيأتوا إلى قيامته. ولعله يقصد إن ظننت إني متأهل لبلوغ القيامة المجيدة، وهي موضوع ثقة علي شبة قيامته، فإني احتمل كل الصراعات. بهذا أكون قادرًا أن أنال القيامة، وأن أقوم في مجدٍ!.. حياتي لا تزال بعيدًا عن النهاية. لازلت بعيدًا عن الإكليل، لازلت أجري وأثابر للبلوغ إلى الهدف. إنه لم يقل “إني أجري” بل يقول “أسعى“. فانتم تعلمون بأية غيرة يسعى الإنسان[30].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ينبغي أن تتغيّر نفوسنا وتتحوّل من حالتها الحاضرة إلى حالة أخرى – إلى طبيعة إلهيّة، وتصير خليقة جديدة بدلاً من العتيقة، أي تصير صالحة متحننة وأمينة بدلاً كونها في المرارة وعدم الإيمان. وهكذا إذ تصير مناسبة ولائقة تعود وتسكن في الملكوت السماوي. لأن بولس المغبوط يكتب هكذا عن تغييره الذي به أدركه المسيح، قائلاً: “ولكنّي أسعى لكي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع” [12]. كيف أدركه الله إذن؟ يحدث هذا مثلاً حينما يمسك طاغية مجموعة من الأسرى ويسوقهم قدّامه، ثم بعد ذلك يدركهم الملك الحقيقي ويخلّصهم منه. هكذا حين كان بولس تحت سيادة وتأثير روح الخطية الظالم، فإنه كان يضطهد الكنيسة ويتلفها، لكن لأنه كان يفعل هذا عن غيرة لله وبجهل… لهذا فإن الله لم يهمله بل أدركه، إذ أضاء حوله الملك السماوي الحقيقي[31].
  • يعلّمنا الروح التواضع الحقيقي الذي لا نستطيع الآن أن نصل إليه حتى بالتغصّب، لكن يعلّمنا أن نثمر بالحق أحشاء رأفات (كو 3: 12) وشفقة، وكل وصايا الرب بدون تعب أو تغصّب، كما يعرف الروح نفسه كيفيّّة ذلك حين يملأنا بثماره[32].

القديس مقاريوس الكبير

  • إني أعجب من أولئك الذين يدعون لأنفسهم الكمال، أولئك الغنوسيين، الذين يُهيأ لهم أنهم أفضل من الرسول. إنهم مغرورون ومفتخرون بينما يقول الرسول نفسه: “ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً…” ومع هذا يحسب نفسه كاملاً لأنه قد انفصل عن حياته الأولى، ساعيًا بلا ملل نحو حياة أفضل، غير مدعٍ الكمال في المعرفة، لكنه كان ساعيًا نحو الكمال. هنا أيضًا يضيف: “فليفتكر هذا جميع الكاملين”، واصفًا الكمال بجلاء أنه ترك للخطية، وتجديد في الإيمان الكامل وحده، نازعين من ذاكرتنا خطايانا السابقة[33].

القديس إكليمنضس السكندري

“أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت،

ولكني أفعل شيئًا واحدًا،

إذ أنا أنسى ما هو وراء،

وامتد إلى ما هو قدّام” [13].

مع عظمة ما ناله الرسول، لكن بمقارنته بما يعده له الرب من أمجاد يحسب كل ما ناله كلا شيء. ففي كل يوم يتمتع الرسول ببركات كأنها جديدة، فيصرخ: هوذا الكل قد صار جديدًا”. ينسى الماضي لأنه مشغول بحاضرٍ مجيد، إن قورن بما يناله غدًا يصير في نظره كلا شيء. إنه في سباق دائم بروح الرجاء المفرح في الرب.

وهب الله الإنسان الاشتياق المستمر للنموّ والتقدّم، فينسى ما هو وراء ليمتد إلى ما هو أعظم. فإن كان قد تمتّع بمجد الكواكب يشتهي خلال النعمة الإلهية أن يبلغ مجد الشمس، إذ يقول الرسول: “إن نجمًا يمتاز عن نجمٍ في المجد” (1 كو 15: 41)، كما قيل “حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (مت 13: 43). هذا وفي العهد القديم جاء في الشريعة بأن “كل واحدٍ يسير في المحلّة على حسب علامته (رايته)” (عد 2: 2).

ولكني أفعل شيئًا واحدًا… ” [13]. يركز المتسابق كل أفكاره ويجمع كل قواه للوصول إلى الهدف بأقصى سرعة. الذي يركز على شيءٍ واحدٍ يحقق نجاحًا ما أفضل من الذي ينشغل بأمور كثيرة، فهو لا يحقق نجاحًا يذكر. يقدم بولس الرسول هنا صورة مستعارة من سباق عربات الخيل في القرن الأول الميلادي. وكأن المتسابق لابد أن يكون حاصلاً على الجنسية الرومانية. وهكذا نحن المتسابقون يا أحبائي جميعًا قد خرجنا من جرن المعمودية وحصلنا على الجنسية السمائية.

إذا أنسى ما هو وراء“… أرفض حتى النظر إلى مكان الخطية. النظر إلى الماضي قد يعطل مسيرة الإنسان تجاه الملكوت, فعندما ينظر الإنسان إلى ماضيه ويفتخر بأعماله الصالحة ويعتمد عليها ويشعر إنه إنسان كامل يصاب بالشيخوخة الروحية. قد ينظر الإنسان إلى ماضيه بما فيه من أخطاء وخطايا ويذكر تفصيلات هذه الخطايا فيتعثر فيها ثانية.

“وامتد إلى ما هو قدام“، أي أركز أفكاري وجهدي في الواجب المُلقى على عاتقي ومسئوليتي تجاه إلهي وكنيستي.

في حديثه عن الزواج والبتوليّة يقول القديس أغسطينوس أننّا لا ندين الزواج، فمن تزوّج لا يعود ينظر إلى الوراء حين كان غير متزوّج، بل يتطلّع إلى ما هو قدّام ليحيا بفرح في حياته الزوجيّة مقدّسًا. وأما البتول فإنه إذ جعل الزواج خلفه لا يعود ينظر إلى الوراء، بل يتطلّع إلى الأمام[34].

  • إذ تطلّعت امرأة لوط إلى خلف صارت جامدة. إلى حيثما بلغ الشخص فليخف لئلاّ يتطلّع إلى الوراء من تلك النقطة. يلزمه أن يسير في الطريق، فليتبع المسيح[35].
  • بقي الرجاء الذي أظن أنه يقارن بالبيضة. فإن ما نرجوه لم يتحقّق بعد، ذلك مثل البيضة التي لم تصر بعد كتكوتًا… فالرجاء يحثّنا على ذلك: أن نستخفّ بالأمور الحاضرة وننتظر الأمور العتيدة. “ننسى ما هو وراء“، ومع الرسول “نمتد إلى ما هو قدّام[36].

القديس أغسطينوس

  • ليس للرب نهاية، ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة؛ ولا يجرؤ المسيحيّون أن يقولوا “لقد أدركنا” [13]، لكنهم يظلّون يسعون بتواضعٍ ليلاً ونهارًا[37].

القديس مقاريوس الكبير

  • إذ يستحيل علي الذين يصعدون ويبلغون القمة أن يتحاشوا الشعور بالدوار، لهذا يحتاجون ليس فقط أن يتسلقوا صاعدين، بل وأن يكونوا حذرين عند بلوغهم الذروة. الحذر شيء وفقدان توازن رؤوسنا عندما نرى المسافة التي تسلقناها شيء آخر، فلنلاحظ ماذا تبقي لنا أن نصعد ونهتم بهذا[38].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • تنقسم الخليقة إلى قسمين واضحين: أحدهما حسًي ومادي والآخر عقلاني وروحي… أما القسم الثاني من الخليقة وهو العقلاني الروحي، فلا قيود عليه وليس له حدود ولا يحصره أي شيء. وإضافة إلى ذلك تمتاز الطبيعة الروحيّة بأن لها ناحيتين:

أولاً: يظل الخالق (الغير مخلوق) ثابتًا دائمًا كما هو. لذلك فهو لا يسمح أن يتغيّر الحق نقصًا أو زيادة.

ثانيًا: أما الناحية الثانية فهي تخص الخليقة، وتنظر دائمًا إلى بدايتها والهدف الأول لها. بالمشاركة فيما وراء الحدود.

تظل الخليقة ثابتة في الخير، ومن وجهة نظر مُعيّنة، فهي خُلقت بينما تتغيّر باستمرار إلى الأحسن في نموها وكمالها. فهي ليست محدودة، ولا يمكن أن نوقف نموّها إلى الأحسن، غير أن حالتها الراهنة من الحُسن حتى ولو كانت عظيمة وكاملة، إلا أنها بداية فقط إلى مرحلةٍ أحسن وتفوّق الحدود. وهكذا فإن كلمات الرسول تتحقّق: “أيها الاخوة إني لا أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكني أفعل شيئًا واحدًا إذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدّام” (في 3: 13). إن الخير الذي هو أعلى مما قد حصلنا عليه يشد انتباه الذين ساهموا فيه، ولا يسمح لهم بالنظر إلى الماضي، لأنهم يتمتّعون بما هو جدير، أما الأشياء الدنيا فقد مُسحت من ذاكرتهم[39].

  • عندما كتب الرسول العظيم بولس إلى كنيسة كورنثوس عن رؤيته السماوية، لم يكن متأكدًا إذا كان قد رآها بروحه فقط أم بجسده وروحه معًا. وشهد قائلاً: “أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت. ولكنى أفعل شيئًا واحدًا إذا أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام” (في 13:3). يتضح من هذا أن بولس وحده كان يعرف ما يوجد وراء السماء الثالثة (لأن موسى نفسه لم يذكرها عندما تكلم عن خلق الكون وأصله). استمر بولس في الارتفاع ولم يتوقف بعدما سمع عن أسرار الفردوس التي لا يُنطق بها. ولم يسمح للسمو والارتفاع الذي وصل إليه أن يحدّ من رغبته هذه وأكد بولس أن ما نعرفه عن الله محدود لأن طبيعة الله أبدية وأسمى مما نعرفه وليس لها حدود. أمّا من يتحدون مع الله فتنمو وتزداد شركتهم معه باستمرار في الحياة الأبدية، ويتفق هذا مع كلمات السيد المسيح: “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت 8:5). إنهم سوف يعرفون الله بقدر ما تسمح به عقولهم من فهم، إلا أن الله الغير محدود والغير مدرك يبقى دائمًا بعيدًا عن الفهم. إن مجد الله العظيم جدًا لا حدود له كما يشهد بذلك النبي (مز 5:145، 6). يبقى الله دائمًا كما هو عندما نتطلع إليه ونفكر في علو سمائه. هذا ولقد حاول داود العظيم بكل قلبه أن يرتفع بفكره إلى الآفاق العليا. وكان دائمًا يتقدم من قوة إلى قوة (مز 7:84). وصرخ إلى الله: “أما أنت يا رب فمتعالٍ إلى الأبد”. (مز 8:92). بذلك يتضح أن الشخص الذي يجرى نحو الله يصبح أعظم كلما ارتقى إلى أعلى وينمو باستمرار في الخير حسب مستواه في الارتفاع. ويحدث هذا في جميع العصور والله هو الأعظم ارتفاعًا الآن وإلى الأبد ويظهر باستمرار هكذا لمن يقتربون منه فهو أعلى وأسمى من قدرات كل من يرتفعون[40].

القديس غريغوريوس النيسي

  • لكن ماذا تعني عبارة: “لأننا نسعى وراء أفكارنا (شرورنا)”؟ إن الذين بدأوا بوضع أياديهم على المحراث وكذلك امتدوا إلى ما هو قدام لكي يزرعوا ونسوا ما هو وراء، بهذا أعطوا ظهرهم للأعمال الشريرة. لكن إذا وضع أحد يده على المحراث ونظر إلى الوراء فإنه في هذه الحالة يسعى وراء شروره، لأنه يسعى مرة أخرى إلى الأشياء التي كان قد تحول عنها، ويجئ مسرعًا إلى الخطايا التي تركها.

كل الذين بعدما سمعوا دعوة الرب للتوبة تحولت حياتهم إلى الفساد، سواء كانوا مسيحيين قد تركوا الحياة الوثنية، أو مؤمنين قد تقدموا في الإيمان، ثم بعد ذلك سقطوا ورفضوا التوبة، فإنهم لن يستطيعوا أن يقولوا سوى تلك الكلمات: “لأننا نسعى وراء أفكارنا وكل واحدٍ يعمل حسب عناد قلبه الردئ”[41].

  • الإنسان البار ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام؛ أما الإنسان الذي يوجد في وضع مضاد للإنسان البار، فإنه سوف يتذكر ما هو وراء، ولن يمتد إلى ما هو قدام. بتذكره لما هو وراء يرفض سماع السيد المسيح القائل: “فلا يرجع إلى الوراء ليأخذ ثوبه”؛ يرفض سماع السيد المسيح القائل: “تذكروا امرأة لوط”؛ يرفض سماع السيد المسيح القائل: “إن الذي يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله”. وفي العهد القديم مكتوب أيضًا أن الملائكة قالوا للوط بعد خروجه من سدوم: “لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة. اهرب إلى الجبل لئلا تهلك” (تك 19: 17): “لا تنظر إلى ورائك” امتد دائمًا إلى ما هو قدام؛ لقد تركت سدوم، فلا تنظر إذًا إليها، لقد تركت الشر والخطية فلا تعود بنظرك إليهما؛ “ولا تقف في كل الدائرة”. فإنه حتى إذا أطعت الأمر الأول “لا تنظر إلى ورائك”، هذا غير كافِ لإنقاذك إن لم تطَع الأمر الثاني أيضًا: “ولا تقف في كل الدائرة”.

إن بدأنا التقدم والنمو الروحي، يجب علينا ألا نتوقف في حدود دائرة سدوم، بل نتخطى تلك الحدود ونهرب إلى الجبل. إذا أردت ألا تهلك مع أهل سدوم فلا تنظر أبدًا إلى ما هو وراء، ولا تقف في دائرة سدوم، ولا تذهب إلى أي مكان آخر سوى الجبل، لأنه هناك فقط يمكننا أن نخلص؛ الجبل هو ربنا يسوع الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين[42].

العلامة أوريجينوس

  • بالحق كل الحياة البشرية تقوم هكذا، لا تقتنع بما قد عبر، ولا تقتات علي الماضي كما علي المستقبل. إذ كيف يكون الإنسان في حال أفضل لو أن معدته كانت ممتلئة بالأمس بينما لا يجد اليوم ما يشبع جوعه كما يليق؟ بنفس الطريقة فإن النفس لا تربح شيئًا بفضيلة الأمس ما لم يتبعها سلوك لائق اليوم[43].

القديس باسيليوس

“أسعى نحو الغرض،

لأجل جعالة دعوة الله العُليا في المسيح يسوع” [14].

يرى الغرض بكل وضوح، وتوجد أمامه علامة في سباقه لا تنحرف عينا قلبه عنها. فمن أجل مكافأة دعوة الله له في المسيح يسوع لا يمكن للأحداث الزمنية بمباهجها أو أحزانها ولا الأرض بكل جمالها ومتاعبها أن تسحب قلب الرسول عن السماء، إذ ينعم بعربونها داخله، وهو يجري مع كل نسمة من نسمات عمره ويحمل معه كثيرين في الرب، ليجد الكل موضعًا في المسكن الأبدي.

سباقه هذا هو دعوة عليا (غل 4: 26؛ كو 3: 1)، دعوة سماوية (عب 3: 1). أما الجعالة فهي إكليل البرّ (1 كو 9: 24؛ 2 تي 8:4)، إكليل الحياة (1 بط 4:5)، إكليل مجد لا يفنى”.

“أسعى نحو العلامة markوكما يقول آدم كلارك “أسعى نحو الخط”، هذا يشير إلى الخطوط البيضاء التي على أرضية الاستاد Stadium من نقطة الابتداء حتى موضع الهدف، الذي يليق بالذين يركضون أن يثبتوا أنظارهم عليها، فإذا خرج أحدهم عن الخط يحسب جريه لاغيًا وغير قانوني، وذلك كي لا يتجمهروا في الطريق بل يلتزم كل منهم أن يسلك في حدود الخطين الموضوعين له.

أسعى نحو الغرض لأجعل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع“. الغرض الذي أسعى نحوه هو المسيح. إن كان السيد المسيح نفسه هو الطريق وهو المكافأة، فإن المكافأة نفسها تدعوني للركوض كي أقتنيها. عندما قيل لديوغنيس Diogenes الكلبي (أحد الفلاسفة اليونانيين يؤمنون بأن الفضيلة هي ضبط النفس): “لقد صرت شيخًا مسنًا فلتسترح من أتعابك” أجاب: “إن كنت قد ركضت في الميدان كل هذا الزمان فهل أتلكأ في السير وقد اقتربت من النهاية، أما يليق بي أن أسرع إلى الأمام بالأكثر؟”

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي تعبير “في المسيح يسوع“، موضحًا تواضع الرسول بولس، فهو يعلم يقينًا أن المكافأة هي في السماء حيث البهاء، والتي لن نبلغها إلا في المسيح يسوع.

  • هذا الألم المؤقت البسيط سيتحول إلى مكافأة كرامة بهية أبدية[44].

الشهيد كبريانوس

  • رقص بولس روحيًا عندما امتد إلى قدام من أجلنا ونسي ما هو وراء، واضعًا هدفه قدامه، مناشدًا نوال مكافأة المسيح… هذا الرقص يصحبه الإيمان وترافقه النعمة[45].

القديس أمبروسيوس

  • كان يركض على الأرض، والمكافأة متدليّة من السماء. إذن ركض على الأرض، وبالروح صعد. انظروا فإنه يبسط نفسه إلى خارج، انظروا إنه متعلّق بالمكافأة[46].

القديس أغسطينوس

  • إن كنتَ تنحني إلى أسفل تسقط وتصير خائرًا. تتطلع إلى فوق حيث توجد المكافأة، فإن رؤية المكافأة تزيد من عزيمة إرادتك. الرجاء في نوال المكافأة يجعلك لا تشعر بالأتعاب، وتجعل المسافة قصيرة. وما هي هذه المكافأة؟ ليست إكليل سعف، فماذا هي؟ ملكوت السماوات، الراحة الأبدية، المجد مع المسيح، الميراث، الأخوة، ربوات الأشياء التي لا يمكن تسميتها. إنه يستحيل وصف جمال المكافأة. من ينالها هو وحده يدركها ويتقبلها. إنما هي ليست من ذهب، ولا مرصعة بالجواهر. إنها أثمن بكثير. يُحسب الذهب وحلاً إن قورن بتلك المكافأة. وتُحسب الحجارة الكريمة قرميدًا إن قورنت بجمالها. إن كان لك هذه المكافأة وأخذت طريق رحيلك إلى السماء تستطيع أن تسير هناك بكرامة عظيمة. الملائكة تكرمك حين تحمل المكافأة، وستلتصق بهم بكل ثقة[47].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فليفتكر هذا جميع الكاملين منّا،

وإن افتكرتم شيئًا بخلافه،

فالله سيُعلن لكم هذا أيضًا” [15].

هذا الأمر يتفق فيه جميع المؤمنين الحقيقيين الذين بلغوا الكمال، أو النضوج، ولم يعودوا بعد أطفالاً في حياتهم الروحية وسلوكهم المسيحي (1 كو 14: 20) والذين لا يثقون بعد في الجسد. هؤلاء قد وضعوا قلوبهم على الحياة الأبدية، إنهم يسلكون حسب قوانين السباق (2 تي 5:2)، فيتمتعون بالنصرة الكاملة والإكليل الأبدي.

هكذا يليق أن نقتدي بهم، ونسلك على منوالهم فنركض قانونيًا كأناس مجاهدين ناضجين، فلا نكون أطفالاً في الفهم بل رجالاً لنا خبرة عميقة (1 كو 6:2)، ننطق بالحكمة بين الكاملين، الناضجين في المعرفة المسيحية، حتى نبلغ الإنسان الكامل (أف 13:4)، نبلغ إلى النضوج المسيحي (عب 15:5).

فليفتكر هذا“… ذكرت في الرسالة نحو عشر مرات, وعدد عشرة يعبر عن الكمال وأيضا المسئولية. مسئوليتنا أن يكون لنا الفكر الصحيح، فكر المسيح.

“جميع الكاملين فينا” المقصود بالكاملين هنا هم الناضجون روحيًا، الذين يجتهدون لكي يصلوا إلى حياة الكمال، وقد تعدوا مرحلة الطفولة الروحية.

وإن افتكرتم شيئا بخلافه” لو انشغلتم بأمور أخرى ليست شريرة ولكنها تعطلكم في السباق الروحي، فماذا يكون الحل؟

فالله سيعلن لكم هذا“: فإن الله سيعلن لكم الحق بروحه الساكن فيكم.

  • أي شيء هو “هذا“؟ إنه يلزمنا أن ننسي ما هو وراء. لذلك فإن من هو كامل لا يحسب نفسه كاملاً…

“الله سيُعلن لكم“: أنظروا كيف ينطق بهذا التواضع! الله سيعلمكم، أي يحثكم وليس يعلمكم، لأن بولس يعلم، لكن الله يقودهم. وهو لم يقل “سيقودكم” بل “سيعلن لكم” كمن يُعلن لهم خلال جهلهم. نطق بهذا ليس بخصوص التعاليم (العقائد)، وإنما بخصوص كمال الحياة وعدم ظننا في أنفسنا أننا كاملون، لأن من يحسب نفسه أنه يدرك كل شيء لا يقتني شيئًا[48].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال[49].

القديس أغسطينوس

“وأمّا ما قد أدركناه فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه،

ونفتكر ذلك عينه” [16].

لقد خشي الرسول على نفسه كما عليهم أنهم بعد أن قطعوا شوطًا ضخمًا في الركوض يفقدون ما تمتعوا به بعد استمراريتهم في ذات قوانين الركوض والسباق، فينحرفوا عن الخط الأبيض الموضوع لهم. فيليق بهم أن يفتكروا في هذا الخط وتتركز أنظارهم على المكافأة المجيدة المقدمة من الله بالمسيح يسوع.

وأما ما قد أدركناه“، أي ما قطعناه من مشوار الحياة الروحية… ما سلكنا فيه في أمور روحية… وما وصلنا إليه بصعوبة بالغة، فلنحرص عليه.

فلنسلك بحسب ذلك القانون“، أي لنسير جميعًا في درب الملكوت في صفوف منتظمة يحكمنا قانون السلوك الروحي، قانون الجهاد الروحي.

ونفتكر ذلك عينه“: نسير أيضًا بنفس الفكر حتى يكون لنا الفكر الواحد في الجهاد الروحي, كل حسب قامته، وكل حسب جهده.

  • يقول: لنتمسك بما نجحنا في نواله: الحب والاتفاق والسلام… انظروا فإنه يود أن يجعل من وصاياه قانونًا لنا، والقانون لا يُضاف إليه شيء ولا يُنقص منه، لأن هذا يفسد كقانون. “بحسب ذلك القانون عينه“، أي بذات الإيمان وفي داخل حدوده[50].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. المكافأة: مواطنة سماوية!

“كونوا متمثّلين بي معًا أيها الاخوة،

ولاحظوا الذين يسيرون هكذا

كما نحن عندكم قدوة” [17].

يحسب الرسول نفسه أنه هو الخط الأبيض في أرضية السباق، فيلزمهم جميعًا أن يركضوا معًا في حدود الخط، مقتدين به وبالخدام الذين معه مثل تيموثاوس وأبفرودتس. قدم نفسه والخدام الأمناء أمثلة حية وقدوة [16]. الآن يحذرهم من المعلمين الكذبة الأشرار [18-19]. إنهم يحملون اسم المسيح لكنهم أعداء صليبه. ما يشغلهم هو التهود والتبرير بالطقوس اللاوية، لا بذبيحة المسيح. في تعاليمهم يؤمنون بالصليب، لكن في حياتهم يرفضونه ويقاومونه.

كونوا متمثلين بي“: نافسوا بعضكم بعضًا في الإقتداء بالرسول بولس, لماذا؟

أ- يود أن يوجه أنظارهم إلى المبادئ الروحية التي يكرز بها, ولاسيما إن الإنجيل لم يكن قد كُتب بعد، لذلك يضع الرسول أمامهم الأناجيل المُعاشة المقروءة، متمثلة فيه هو والقادة الروحانيين.

2- لأنه هو شخصيًا يتمثل بالمسيح.

“لاحظوا الذين يسلكون هكذا كما نحن”: توجد أمور روحية يجب أن نلاحظها جيدًا ونتأملها, وتوجد أمور جسدية يجب أن نغض النظر عنها. هذه تبني وتلك تهدم. وهنا غيَّر بولس الحديث عن نفسه إلى الحديث عن المجموعة، وكذلك غيَّر الرسول الصورة الإستعارية من صورة السباق إلى صورة المسيرة.

  • قال قبلاً: “احذروا الكلاب“، إذ أراد أن يقودهم بعيدًا عنهم، الآن يحضرهم إلى أولئك الذين يود أن يتمثلوا بهم. إنه يقول: إن أراد أحد ان يتمثل بي، إن رغب أحد في أن يسلك ذات الطريق أن يلتفت إليَّ. فإني وإن كنت غير حاضر، لكنكم تعرفون أسلوب طريقي، أي سلوكي في الحياة. فإنه لم يعلمهم فقط بالكلمات، وإنما أيضًا بالأعمال. وكما في خورس (الموسيقي) وفي الجيش يلزم أن يتمثلوا بالقائد فيتقدموا. كان الرسل مثالاً يُحفظ في شكل نموذجي. لاحظوا كيف كانت حياتهم دقيقة، فيُحسبون نموذجًا ومثالاً وكقوانين حية. ما قالوه في كتاباتهم أعلنوه للكل بأعمالهم. هذا هو أفضل وسائل التعليم، بهذا يقدر المعلم أن يحمل تلميذه. أما إن تحدث كفيلسوف، بينما في تصرفاته يسلك في اتجاه مضاد، فلا يحسب بعد معلمًا. فالفلسفة النظرية سهلة حتى علي التلميذ، لكن الحاجة إلى التعليم والقيادة بالأعمال. هذا يجعل المعلم محترمًا ويهيئ التلميذ للخضوع بالطاعة[51].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لأن كثيرين يسيرون ممّن كنت أذكرهم لكم مرارًا،

والآن أذكرهم أيضًا باكيًا،

وهم أعداء صليب المسيح” [18].

العجيب أن السيد المسيح يعلن أن قطيعه صغير (لو 32:12)، بينما المعلمون الكذبة كثيرون. هؤلاء يذكرهم الرسول باكيًا بمرارة، حزنًا على هلاكهم، وفي مرارة من أجل خداعهم للبسطاء.

من هؤلاء الذين يذكرهم الرسول باكيًا؟

1- المتهودون… وكيف صاروا أعداء الصليب؟

أ- نادوا بضرورة الالتزام بأعمال الناموس ولا سيما الختان.

ب- يريدوا أن يقيموا حاجزًا بين اليهود والأمم.

2- الغنوسيون… وكيف صاروا أعداء الصليب؟

أ- اعتقدوا أن المادة شر وخطية, وبما أن الجسد مادي، فإنه سيظل في شره وخطيته.

ب- بما أن الجسد سيظل في شره، لذلك دعوا أتباعهم إلى ارتكاب كافة الخطايا والشرور والآثام وترك العنان للجسد.

ج- نادوا بأن الإنسان كما يجرب الفضيلة وحياة الصلاح يجب أن يجرب الرذيلة وحياة الخطية.

“الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم،

ومجدهم في خزيهم،

الذين يفتكرون في الأرضيات” [19].

نهايتهم الهلاك“: يحزن الرسول بولس على هلاكهم الأبدي، وقد اتسموا بصفات خطيرة:

أ. “إلههم بطنهم“: يقيمون من بطونهم آلهة يتعبدون لها، فلا يعيشون من أجل الأبدية، بل يشغلهم شبعهم ولذة الطعام. يفضلون شهوة الطعام على وصية الإنجيل، ويبحثون عن لذة المأكولات المختلفة ولا يشبعون، والمعتاد إن شيطان النهم يتبعه شيطان الزنا.

يرى العلامة أوريجينوس أن الإنسان في حاجة إلى ختان التذوق، حتى إذا أكل أو شرب، يأكل ويشرب لمجد الله (1 كو 31:10)، أما الإنسان غير المختون التذوق فإن إلهه بطنه، يكرس حياته للذة التذوق[52].

  • ما هو شكل ذي الأربعة أرجل؟ رأسه منحنية نحو الأرض، يتطلع نحو بطنه، ويطلب ما هو لها. أما أنت يا إنسان فرأسك تتجه إلى السماء، عيناك تنظران إلى فوق. لذلك عندما تحط من نفسك بشهوات الجسد، وتصير عبدًا لبطنك وإلى الأجزاء السفلية، تقترب من الحيوانات دون سبب، وتصير كواحدٍ منهم[53].

القديس باسيليوس الكبير

  • لأننا لا نعترف أنه يوجد إله آخر، فلا نفعل كالنهمين بالنسبة للبطن الذين آلهتهم بطونهم (أف 3: 19)، ولا كمحبي المال بالنسبة للفضة، ولا كالطامعين بالنسبة لعبادة الأوثان.

يجب علينا ألا نقيم إلهًا، ولا أن نؤله شيئًا من الذي يؤلهه الناس، ولكن لنا إله الذي هو فوق كل شيء، الله الذي هو “إله وأب واحد للكل، الذي علي الكل، وبالكل، وفي كلكم” (أف 4: 6).

وبما أن شغلنا الشاغل هو حب الله، إذ يربطنا الحب بالله، فسنقول: “ها قد أتينا إليك لأنك الرب إلهنا”[54].

  • لذلك قال الرب لهم: “كما أنكم تركتموني وعبدتم آلهة غريبة في أرضكم، هكذا تعبدون الغرباء في أرض ليست لكم”. أي أن كل إنسان يتخذ له إلهًا من أي شيء كان، فهو بذلك يعبد آلهة غريبة[55].

هل تُؤلّهِ المأكولات والمشروبات؟ فإن إلهك يكون بطنك (في 3: 19).

هل تحسب فضة هذا العالم وغناه خيرًا عظيمًا؟ إذًا المال هو إلهك، حيث قال عنه السيد المسيح أنه سيد الذين يحبون الفضة، حينما قال: “لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” (لو 16: 12).

الذي يُقّدِر المال ويُعظِم الغنى حاسبًا أنه خير، والذي يُجلِس الأغنياء في صفوف الآلهة ويحتقر الفقراء، يؤله المال.

إذا كان يوجد في أرض الله، التي هي الكنيسة، أناس يعبدون آلهة غريبة بتأليههم لأشياء حقيرة، فسوف يطردون في أرض غريبة، وهناك في تلك الأرض الغريبة فليعبدوا آلهتهم التي كانوا يعبدوها وهم في داخل الكنيسة! فيُطرح الإنسان الجشع خارجًا، خارج الكنيسة! ويُطرح الإنسان النهم خارجًا، خارج الكنيسة!

سوف أقف هنا عند التفسير الرمزي، دون أن أتأمل كيف أن الله في عنايته، بعدما أقام شعبه عبادة في أرض غريبة (أرض الشيطان)، قام بطرده من أرضه الخاصة إلى الأرض التي كتب عنها: “اسمع يا إسرائيل. كيف صرت في أرض عدوّة؟ كيف حُسِبتَ ضمن الهابطين إلى الهاوية؟ أليس لأنك تركت الرب مصدر حياتك. لو كنت قد سلكت في طريق الرب لعشت في سلام إلى الأبد” (با 3: 9-13)[56].

العلامة أوريجينوس

  • يحفظ جنس البشر بعمليّتين جسديّتين (الطعام والزواج)، يخضع لهما الحكيم والقدّيس كأمرين واجبين، وأما الجاهل فيندفع فيهما مقهورًا منقادًا بشهوته… كم من كثيرين يندفعون بشرَهٍ نحو أكلهم وشربهم ويجعلونهما كل حياتهم، كأنهم يعيشون لأجلهما. فبينما بالحق يأكل البشر فليعيشوا، إذا بهؤلاء يظنّون أنه يعيشون لكي يأكلوا. هؤلاء يمقتهم كل حكيم، وبخاصة الكتاب المقدس الذي يدين الشرهين والسكّيرين “الذين إلههم بطنهم” [19]. لا يدفعهم إلى المائدة حاجتهم للقوت بل شهوة الجسد، لذلك ينهمك هؤلاء في أكلهم وشربهم[57].

القديس أغسطينوس

  • ليس من إنسان تحت هذه السماء يتربى على هذه الممارسات (كثرة الأكل الترف) يمكن أن يصير حكيمًا، مهما كانت عبقريته الطبيعية جديرة بالإعجاب… إنه كمن يدفن عقله في بطنه… أولئك الناس إيمانهم في بطونهم[58].

القديس إكليمنضس السكندري

يرى القديس إكليمنضس السكندري أن مناداة أفلاطون بعدم المبالغة في الطعام تقوم على معرفته بما فعله داود النبي مع شعب إسرائيل حين قسم على جميع الشعب رجالاً ونساء رغيف خبز واحد وكأس خمر وقرص زبيب (2 صم 6: 17، 19).

ب. “مجدهم في خزيهم“: مفاهيمهم خاطئة، فيرون في خزيهم وعارهم مجداً. يبررون الشر ويفتخرون به، ويفعلون الخطية ويتباهون بها متناسين أن الخطية عار.

  • يفتخر أناس بكونهم أبناء حكام، وبقدرتهم على إنزال بعض الكهنة من درجاتهم الكهنوتية، مثل هؤلاء يتعظمون ويتفخرون من أجل أمورٍ تافهةٍ لا طائل من ورائها، وبالتالي فإنه لا يوجد أدنى سبب لتعظمهم هذا. ويوجد من يفتخرون بأنهم يملكون سلطان إعدام الناس، ويفتخرون بأنهم قد حصلوا على ما يسمونه امتياز Promotion يمكنهم من الإطاحة برؤوس الناس: إن مجد هؤلاء الناس يكون في خزيهم (في 3: 19). وآخرون يفتخرون بغناهم، ليس الغنى الحقيقي، بل الغنى الأرضي… لا تستحق كل هذه الأشياء حتى أن توضع في الاعتبار، ولا يليق بنا أن نتفاخر بأي منها.

الأشياء التي تعطينا الحق في التعظم والتفاخر، هي أن نفتخر بأننا حكماء، أو أن نفتخر (بتعقّل) بأننا منذ عشر سنوات مثًلا لم نقترب من الملذات الجسدية والشهوات، أو لم نقترب منها منذ الطفولة؛ أو أيضًا حينما نفتخر بحمل القيود في أيدينا من أجل السيد المسيح، هذه أشياء تدعو للتفاخر عن حق، ولكن حتى هذه الأشياء أيضًا، فإذا حكَّمنا عقلنا بالحق، نجد أنه ليس لنا أن نتعظم أو نتفاخر بها.

كان لدى بولس الرسول ما يدعوه للتعظم بسبب الرؤى والإعلانات والمعجزات والعلامات وبسبب الآلام التي تحملها من أجل السيد المسيح، وبسبب الكنائس التي أقامها في أماكن كثيرة من العالم، في كل ذلك كان لديه ما يدعوه للتفاخر، وبحسب الأشياء الخارجية الظاهرة التي تدعو للفخر، كان سيبدو افتخار بولس الرسول شيئًا طبيعيًا بالنسبة للناس؛ ومع ذلك، وبما أنه من الخطر عليه أن يتفاخر، حتى بالنسبة لتلك الأشياء، فإن الآب في رحمته، كما أعطاه تلك الرؤى، أعطاه أيضًا على سبيل الرأفة به، ملاك الشيطان ليلطمه لئلا يرتفع؛ ومن أجل هذا الموضوع تضرع بولس إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقه، فأجابه الله: “تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل (2 كو 12: 7-9)[59].

  • الذين يفتكرون في الأرضيات لا يسمحون بتأسيس الأمور الجديدة، ولا للأمور القديمة أن تُطهر[60].
  • نفوس الأبرار في يد الله (حك 1:3)، وأما الذين بين الأشرار فيحسبون كلا شيء[61].

العلامة أوريجينوس

ج. “يفتكرون في الأرضيات“: ويتناسون أن محبة العالم عداوة لله. تنشغل أفكارهم دومًا بالماديات والأرضيات، لا موضع للروحيات والإلهيات في قلوبهم وأفكارهم. يعلق العلامة أوريجينوس[62] علي وعد الله لإبراهيم: “وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء، وكالرمل الذي علي البحر” (تك 17:22)، قائلاً بأن الكنيسة – نسل إبراهيم – تضم كثيرين يُقارنون بنجوم السماء في بهائهم الروحي. كما يوجد بها كثيرون يفكرون في الأرضيات (في 19:3)، وبسبب خطاياهم صاروا أثقل من رمل البحر.

  • ليس شيء مناقض وغريب عن شخص المسيحي مثل طلب الحياة سهلة والراحة. الاستغراق في الحياة الحاضرة غريب عن مهنتنا وتجندنا.

سيدك قد صُلب فهل تطلب الراحة؟

سيدك سُمر بالمسامير فهل تعيش في ترفٍ؟

هل هذه الأمور تقيم منك جنديًا شريفًا؟ لذلك يقول الرسول: “لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارًا، والآن أذكرهم أيضًا باكيًا، وهم أعداء المسيح”. حيث وُجد البعض وقد تظاهروا بالمسيحية، وعاشوا في الطريق السهل والترف، وهذا مضاد للصليب. لهذا تكلم الرسول بهذا.

فالصليب يخص نفسًا في موقع معركة، تتوق أن تموت، لا تطلب شيئًا سهلاً…

هؤلاء وإن كانوا يقولون أنهم لا يزالوا للمسيح، إلا أنهم أعداء الصليب. فلو أنهم أحبوا الصليب لصارعوا كي يعيشوا الحياة المصلوبة.

أليس سيدك علي الصليب؟ لتقتدي به. أصلب نفسك ولو لم يصلبك أحد.

أصلب نفسك، لا بقتل نفسك، حاشًا، فإن هذا شر، بل كما قال بولس: “قد صُلب العالم لي، وأنا للعالم” (غل 14:6).

إن كنت تحب سيدك مُتْ موته!

تعلم عظمة قوة الصليب، وكم من الصالحات يحققها، وافعل هذه فهي أمان لحياتك[63].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فإن سيرتنا نحن هي في السماوات،

التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح” [20].

“فإن سيرتنا” أو موطننا أو جنسيتنا هي في السماويات، فنحن على الأرض غرباء راحلون، فكيف نلتصق بالأرضيات؟ إن كانت الجنسية الرومانية في ذلك الحين لها تقديرها وامتيازاتها الخاصة (أع 28:22)، فكم تكون الجنسية السماوية. من حقوق المتمتع بهذه الجنسية أن عدو الخير لن يقدر أن يلحق بنا أو يتسلل إلينا.

  • “لأن العدو قد طارد نفسي” (مز 3:143)… كيف يمكننا أن نفلت من هذه المطاردة؟ إن وجدنا موضعًا لا يقدر (الشيطان) أن يدخله. تسأل: وما هو هذا الموضع؟ أي نوع هو هذا الموضع سوى السماء؟ ولكن كيف يمكنني أن أصعد إلى السماء؟ أصغِ إلى كلمات بولس التي تكشف عن هذا، وقد التصق بجسدٍ كما نحن، فنقدر أن نحيا هناك. “فكروا في ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله” (راجع كو 1:3-2). وأيضًا: “طريق حياتنا يعبر في السماء” (راجع في 20:3)[64].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • من يرفض هذا العالم يجب أن يؤمن بكل يقين أنه ينبغي أن يعبر بفكره منذ الآن بالروح إلى عالم آخر. هناك تكون سيرتنا ولذّتنا وتمتّعنا بالخيرات الروحيّة[65].
  • رئيس الشرّ الذي هو نفسه الظلام الروحي – ظلام الخطية والموت – وهو ريح عاصف، وإن كان خفيًا، فإنه يهز كل جنس البشر على الأرض، ويقودهم بالأفكار القلقة الطائشة، ويغوي قلوب الناس بشهوات العالم، ويملأ كل نفسٍ بظلام الجهل والعمى والنسيان، ماعدا أولئك الذين وُلدوا من فوق، وانتقلوا بقلوبهم وعقولهم إلى عالم آخر كما هو مكتوب أن مدينتنا هي في السماوات.
  • بالرغم من أنّنا على الأرض فإن “مدينتنا هي في السماوات” [20]. إذ فيما يخص العقل والإنسان الباطن نصرف وقتنا ونقوم بأنشطتنا في ذاك العالم. وكما أن العين الظاهرة – عندما تكون صافية – ترى الشمس دائمًا بوضوحٍ، هكذا العقل المُطهر تمامًا ينظر دائمًا مجد نور المسيح، ويكون مع الرب ليلاً ونهارًا[66].
  • هذا لا يمكن أن يتحقق إذا لم يجحد المسيحي هذا العالم ويؤمن بالرب بكل قلبه. في هذه الحالة تستطيع قوة الروح أن تجمع القلب المشتّت في الأرض كلها، وتأتي به غالبًا محبة الرب وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي[67].

القديس مقاريوس الكبير

  • من أراد بالحقيقة أن يكون تابعًا لله يلزمه أن يمزق القيود التي تربطه بهذه الحياة. هذا يتحقق بالعزل الكامل ونسيان العادات القديمة. فما لم ننتزع أنفسنا من كل من الرباطات الجسدية والمجتمع الزمني وننتقل كما إلى عالم آخر خلال سلوك حياتنا، وكما قال الرسول: “هدايتنا في السماء “، يستحيل تحقيق هدفنا نحو مسرة الله. وكما قال الرب بصورة دقيقة: “فكذلك كل واحدٍ منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذً (لو 14: 33). إذ نفعل هذا يلزمنا أن نلاحظ قلوبنا بكل يقظةٍ، ليس فقط أن نحذر لئلا نفقد فكر الله أو نلطخ ذكرى عجائبه بتخيلات باطلة، وإنما لكي نحمل أيضًا فكر الله المقدس مختومًا على نفوسنا، كختمٍ دائمٍ لا يُمحى، وذاكرة طاهرة[68].
  • الزهد هو حل رباطات هذه الحياة المادية الزائلة، وتحرر من الارتباطات البشرية حتى نهيئ أنفسنا بالأكثر لنكون على الطريق الذي يقود إلى الله. إنه الدافع الذي لا يُعاق لاقتناء بالخيرات النفيسة جدًا التي هي أشهى من الذهب والحجارة الكريمة” (مز 19: 10) والتمتع بها. باختصار الزهد هو انتقال من القلب البشري إلى طريقة حياة سماوية، فيمكننا القول: “فإن هدايتنا نحن هي في السماوات”. أيضًا إنه النقطة الرئيسية – هو الخطوة الأولى نحو التشبه بالمسيح، الذي وهو الغني افتقر لأجلنا (2 كو8: 9). فإن لم ننل هذا الشبه يستحيل علينا أن نبلغ طريق الحياة حسب إنجيل المسيح[69].
  • بينما نسحب جسدنا على الأرض مثل ظل، نحفظ نفوسنا في صحبة الأرواح السمائية[70].

القديس باسيليوس الكبير

  • “بابل كأس ذهب بيد الرب تُسكر كل الأرض” (إر 28: 7). إن أردت أن تعرف كيف أن كل الأرض أصبحت سكرى بفعل كأس بابل، أنظر إلى الخطاة الذين يملأون الأرض كلها. لكنك قد تقول لي أن الأبرار لم يسكروا من كأس الخطاة، فكيف يقول الكتاب أن كل الأرض تسكر من كأس بابل؟ لا تظن أن الكتاب لا يقول الصدق حينما يقول ذلك، لأن الأبرار في الواقع ليسوا أرضًا (ترابًا)، وبالتالي فإن كل الأرض فقط أي الخطاة وحدهم هم الذين يسكرون. أما الأبرار، فبالرغم من وجودهم على الأرض إلا أن سكناهم في السماوات (في 3: 20). بالتالي لا يليق أن يقال للإنسان البار: “أنت تراب (أرض) وإلى التراب تعود”، بل سيقول له الرب، طالما أن ذلك الإنسان يلبس صورة السماوي (1 كو 15: 49): أنت سماء وإلى السماء تعود”. لذلك فإن كأس بابل لن يسكر إلا الذين مازالوا أرضًا[71].
  • البار ليس أرضًا (إر 28:7). فإنه وإن كان على الأرض، لكن دولته السماء. فلا يسمع: “أنت أرض، وإلى أرض تعود” (تك 19:3) بل بالأكثر يسمع: “أنت سماء وإلى سماء تعود، لأنك تحمل صورة السماوي” (1 كو 49:15)، وتقف ثابتًا[72].
  • لتخرجوا من كل ما هو ليس مقدسًا ولا مكرسًا لله. نقول إننا نخرج لا من أماكن، بل من أفعال، ليس من أقاليم، بل من أساليب حياة. أخيرًا، نفس الكلمة التي تدعي “مقدس hagios” في اللغة اليونانية تعني أن الشيء خارج الأرض. لأن من يكرس نفسه لله يتأهل أن يظهر خارج الأرض وخارج العالم. يمكن لهذا الشخص أن يقول وهو سالك علي الأرض “لنا طريق حياة في السماء”[73].
  • يُقال عن النفس التي تخطيء: “من شعب الأرض” لأن هذا القول لا ينطبق علي ذاك الذي يقول: “محادثتنا في السماء التي منها أيضًا تنتظر مخلصًا هو الرب يسوع“، لذلك كيف يمكنني بحق أن أدعو هذه النفس: “من شعب الأرض” هذه التي ليس لها شركة مع الأرض، بل هي بالكامل في السماء، تقطن فيها حيث المسيح جالس عن يمين الله (كو 1:3). والتي تشتهي العودة لتكون مع المسيح. فإن هذا أفضل، لكنها تلزم أن تبقي في الجسد لحسابنًا[74].

العلامة أوريجينوس

  • قلوب المؤمنين هي سماء، يرفعونها يوميًا إلى هناك عندما يقول الكاهن: “ارفعوا قلوبكم”، فيجيبون: “رفعناها عند الرب”. وبكلمات الرسول: “مواطنتنا هي في السماء“. إن كانت مواطنة المؤمنين هي في السماء، فإنه إذ تكون فيهم المحبة الحقيقية، فإن جذر المحبة يُغرس في السماء. علي النقيض فإن جذر الطمع الذي في قلوب المتكبرين مغروس في جهنم، لأن هؤلاء يطلبون دومًا المقتنيات الأرضية، ويميلون إليها، ويحبونها، ويضعون كل رجائهم في الأرض[75].

الأب قيصريوس أسقف أرل

“الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا،

ليكون على صورة جسد مجده،

بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيء” [21].

لقد سبقنا الرأس السماوي وقد حمل طبيعتنا فيه، هذه التي تقدست وتمجدت بقيامته وتهيأت للسماء، حتى إذ نحمل صورة جسد مجده نعبر به ومعه إلى موطننا السماوي. هذا ما يتحقق في يوم الرب العظيم، حيث نقوم بأجساد على صورة جسد المسيح القائم من الأموات. فكما لبسنا صورة آدم الترابي سنلبس صورة آدم الروحاني، فننعم بالجسد الروحاني (1 كو 15: 42-44). الآن ننال القيامة الروحية لنفوسنا كعربون لقيامة الجسد (رو 11:8).

“سيغير“… هذا يذكرنا بجسد السيد المسيح الذي تغير على جبل طابور.

جسد تواضعنا“… المسيحية لا تحتقر الجسد بل كرمت الجسد جدًا, فبعد تجسد كلمة الله نال الجسد كرامة ما بعدها كرامة. الجسد شريك للروح في رحلة العمر والجهاد لذلك سيشاركها في المجد. لكن لماذا يدعوه الإنجيل جسد تواضعنا؟ لأنه يتعرض للضعف والمرض والسقوط.

ليكون على صورة مجده“… سيتغير جسد تواضعنا ليصبح مثل جسد المسيح بعد القيامة الذي خرج من القبر وهو مغلق.

“بحسب عمل استطاعته“… إنه يستطيع هذا فقد قام من بين الأموات بذاته وفي اليوم الأخير يقيمنا.

في حديث القديس هيلاري أسقف بواتييه عن الثالوث القدوس يشير إلى هذه العبارة: “يخضع لنفسه كل شيء“، موضحًا أنه يُخضع العدو إبليس تحت قدميه، ويخضع الموت حيث يهب الخلود نازعًا سلطان الموت، كما يخضع الطبيعة البشرية فيبطلها لا ليفني الإنسان بل لكي ما تُبتلع طبيعته في طبيعة جديدة مجيدة.

  • في خضوع أعدائه ينهزم الموت، وإذ ينهزم الموت يتبعه الخلود. يخبرنا الرسول هنا أيضًا عن مكافأة خاصة تُوهب خلال هذا الخضوع، إذ يتحقق خضوع بخضوع الإيمان. إذن يوجد خضوع آخر يحقق التحول من طبيعة إلى طبيعة أخري. إذ تبطل طبيعتنا من جهة حالها الذي نحن عليه الآن، وتخضع له فتصير علي شاكلته. بالإبطال لا يعني نهاية وجودها، وإنما تقدمها إلى حالٍ أسمى، هكذا تدمج في صورة الطبيعة الأخرى التي تنالها، فتخضع لشكلٍ جديدٍ… إننا نخضع لمجد قانون جسده[76].

 القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • يقول “جسد تواضعنا“، لأنه الآن متواضع، خاضع للهلاك وللألم، ويبدو كما بلا قيمة، ليس فيه شيء أسمى من الحيوانات الأخرى. “ليكون علي صورة جسد مجده“.

ما هذا؟ هل سيشكل جسدنا علي مثاله، ذاك الجالس عن يمين الآب، والمسجود له من الملائكة، والذي تقف أمامه القوات غير المتجسدة، ذاك الذي أعلى من كل نظام وسلطان وقدرة؟

ألا يستحق النحيب، إذ يبكي العالم كله وينتحب الذين سقطوا من هذا الرجاء؟ فإنه إذ أعطي الرجاء في جسدنا أن يصير على مثاله لا يزال يسير مع الشياطين؟ لست أبالي بجهنم هناك، فمهما قيل عنها فإن السقوط من مجدٍ عظيمٍ هكذا الآن وفيما بعد تحسب جهنم كلا شيء بالنسبة لهذا السقوط[77].

  • بحسب استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيءٍ“. يقول أن لديه استطاعة أن يخضع كل الأشياء لنفسه، حتى الدمار والموت… لقد أظهر أعمالاً أعظم لسطانه لكي تؤمن بها أيضًا… رجاؤنا هذا (أي التمتع بصورة مجده) فيه الكفاية أن يقيمنا من بلادتنا العظيمة وخمولنا[78].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • كل الذين يأتون إليه ويرغبون في أن يصيروا شركاء في الصورة الروحية بتقدمهم يتجددون كل يوم في الإنسان الداخلي (2 كو 16:4)، ذلك حسب صورة خالقهم، حتى يصيروا علي شبه جسد مجده، ولكن كل واحد حسب قدراته[79].

العلامة أوريجينوس

 

من وحي فيلبي 3

أنت هو ينبوع فرحي!

 

  • في وسط آلامي أراك حاملاً الصليب.

فتتهلل نفسي لشركة آلامك .

وفي خدمتي لإخوتي أراك خادم الجميع.

فأشتهي أن أُبذل معك بكل سرور.

  • أنت هو ينبوع فرحي.

أعبدك، لا في شكليات باطلة،

بل بالروح والحق أثبت فيك وأنت فيٌ.

تجدد طبيعتي بروحك القدوس،

فأحمل دومًا طبيعة مفرحة.

أجد فيك كفايتي.

وبك أتبرر أمام الله أبيك!

  • تتهلل نفسي أن تفيض عليٌ بمعرفة أسرارك.

وتدخل بي إلى حجالك.

اختبر وسط الآلام قوة قيامتك.

وترفع نفسي كما إلى سماواتك.

هناك احتمي فيك،

فلن يقدر العدو أن يتسلل إليٌ!

ولا تقدر فخاخه أن تصطادني.

  • حولت حياتي إلى سباقٍ مفرحٍ.

أنسى علي الدوام ما مضى،

مشتهيًا أن أبلغ إليك بروح النصرة.

أنت إكليلي ونصرتي الأبدية.

[1] Homilies on Philippians, homily 10.

[2] Homilies on Philippians, homily 10.

[3] Homilies on Philippians, homily 10.

[4] Epistle to Philippians 3:1:3.

[5] Homilies on Philippians, homily 10.

[6] Homilies on Philippians, homily 10.

[7] Homilies on Philippians, homily 10.

[8] Homilies on Philippians, homily 10.

[9] Homilies on Jeremiah., Homily 5:14.

[10] Homilies on Philippians, homily 10.

[11] Epistle to Philippians, 3:5 (ACCS).

[12] Epistle to Philippians, 3:6 (ACCS).

[13] Two Letters of Pelagius, 1:15.

[14] Homilies on Philippians, homily 10.

[15] Homilies on Philippians, homily 11.

[16] Homilies on Philippians, homily 11.

[17] On Patience, 2:1:4.

[18] Epistle to Philippians, 3:8 (ACCS).

[19] Duties of the Clergy, 2:4:12.

[20] Duties of the Clergy, 2:6:26.

[21] Homilies on Genesis, homily 8:8.

[22] Homilies on Philippians, homily 11.

[23] Homilies on Philippians, homily 11.

[24] Homilies on Philippians, homily 11.

[25] Homilies on Philippians, homily 11.

[26] Epistle to Philippians, 3:12 (ACCS).

[27] Homilies on Song of Songs, 4. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[28] Duties of the Clergy, 3:2:11.

[29] Sermons on N.T. Lessons, 92 :10.

[30] Homilies on Philippians, homily 11.

[31] Homilies, 44:8. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[32] Homilies, 19:9. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[33] Paedagogus 1:1:6. راجع ترجمة فليوباترون.

[34] Sermons on N.T. Lessons, 46 :10.

[35] Sermons on N.T. Lessons, 41 :10.

[36] Sermons on N.T. Lessons, 55 :8.

[37] Homilies, 26:17. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[38] Commentary on Ps. 120.

[39] Homilies on Song of Songs, 6. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[40] Homilies on Song of Songs, 8. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[41] Homilies on Jeremiah., Homily 18:3.

[42] Homilies on Jeremiah., Homily 13:3.

[43] Letters, 42:1.

[44] Epistle 76:2.

[45] Concerning Repentance, 2:43.

[46] Sermons on N.T. Lessons, 41 :6.

[47] Homilies on Philippians, homily 12.

[48] Homilies on Philippians, homily 12.

[49] Two Letters of Pelagius, 3:19.

[50] Homilies on Philippians, homily 12.

[51] Homilies on Philippians, homily 12.

[52] Homilies on Gen., homily 3:6.

[53] The Hexaemeron, homily 9:2.

[54] Homilies on Jeremiah., Homily 5:2.

[55] بعد المعني الحرفي للآية، انتقل إلى المعنى الروحي.

[56] Homilies on Jeremiah., Homily 7:3.

[57] Sermon on N.T. lessons, 1:23,24.

[58] Paedagogus 2:1. راجع ترجمة فليوباترون

[59] Homilies on Jeremiah., Homily 12:8.

[60] Homilies on Gen., homily 13:2.

[61] Fragments from Catena (Frs of Church ,vol. 97, p. 316.)

[62] Homilies on Genesis, homily 9:2.

[63] Homilies on Philippians, homily 13.

[64] Commentary on Ps. 143.

[65] Homilies, 49:1. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[66] Homilies, 17:4. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[67] Homilies, 24:2. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[68] The Long Rules, Question 3.

[69] The Long Rules, Question 8.

[70] Concerning Baptism, ch. 2.

[71] Homilies on Jeremiah., Homily 20:9.

[72] Fragments from Catena (Frs. of Church ,vol. 97, p. 3.)

[73] Homilies on Leviticus, homily 11:1:5-6.

[74] Homilies on Leviticus, homily 2:5:2.

[75] Sermons, 22:4.

[76] On the Trinity, 11:35-36.

[77] Homilies on Philippians, homily 13.

[78] Homilies on Philippians, homily 13.

[79] Homilies on Genesis, homily 1:13.

تفسير رسالة فيلبي 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة بطرس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث

علاقتنا العائلية في المسيح يسوع

 

  1. وصايا زوجية

 أولاً: خضوع المرأة للرجل ١.        

 ثانيًا: الاهتمام بالسيرة                ٢ – ٦.

 ثالثًا: علاقة الرجل بامرأته           ٧ – ٨.

  1. علاقة المسيحي بالمضايقين له ٩ – ٢٢.

١. وصايا زوجية

أولاً: خضوع المرأة للرجل

كذلك أيتها النساء كن خاضعات لرجالكن

حتى إن كان البعض لا يطيعون الكلمة

يُربحون بسيرة النساء بدون كلمة.

ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف” [1-2].

كانت الشريعة الرومانيّة تبيح للرجل أن يتسلط على زوجته وأولاده، كما على عبده وحيواناته. فلم يكن للنساء أي حق مما دفع بعضهن إلى الهروب. ولما جاءت المسيحية تنادي بالحب، ظن البعض أنها في مناداتها بالحب والحرية تحث النساء على العصيان، لهذا وجهت الكنيسة وصايا واضحة للنساء خاصة بخضوعهن لرجالهن.

يطلب الرسول من المؤمنات أن يخضعن لرجالهن حتى وإن كان البعض غير مطيعين للكلمة، فإنهم يسمعون كلمة الكرازة العملية خلال سيرة النساء الطاهرة المملوءة خوفًا وتقوي لله. فإن كان لا يليق بها أن تُعَلِّم رجلها لأنه رأسها، لكنها تقدر أن تكسبه للرب، وتجتذب قلبه إليه بخضوعها وسلوكها الحسن.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [المرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا نحوها… بالمحبة تزول كل مقاومة، فإن كان الرجل وثنيًا يقبل الإيمان سريعًا، وإن كان مسيحيًا يصير أفضل[1].]

والخضوع هنا ليس عن خوف منه بل “في الرب” (كو ٣: ١٨)، إذ تستمده من خضوع الكنيسة لعريسها الرب يسوع (أف ٥: ٢٤). يقول القديس إكليمنضس السكندري:

[لقد قيل في الكتاب المقدس أن الله أعطى المرأة معينة للرجل. في رأيي أنه من الواضح أنها تقدر أن تقوم بعلاج جميع متاعب زوجها في تدبير خدمتها، وذلك خلال سلوكها الحسن وقدرتها.

فإن لم يخضع (متأثرًا بسلوكها) فإنها تسعى ما في استطاعتها أن تسلك في حياة طاهرة… آخذة في اعتبارها أن الله هو معينها والمساعد لها في سلوكها هذا، وأنه هو المدافع الحقيقي عنها، ومخلصها في هذه الحياة والحياة الأخرى.

لتأخذ الله قائدًا لها ومرشدًا لها في كل أعمالها، حاسبة الوقار والبرّ عملها، ناظرة إلى إحسانات الله غايتها.

بالنعمة يقول الرسول في رسالته إلى تيطس “كذلك العجائز في سيرة تليق بالقداسة غير ثالبات غير مُسْتَعْبَدات للخمر الكثير معلمات الصلاح. لكي ينصحن الحدثات أن يكن محبات لرجالهن ويُحْبِبْنَ أولادهن. متعقلات عفيفات ملازمات بيوتهن صالحات خاضعات لرجالهن لكي لا يُجدَّف على كلمة الله” (٢: ٣–5)[2].]

ثانيًا: الاهتمام بالسيرة الحسنة

لا تكن زينتكن الزينة الخارجية

من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب،

بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد،

 زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن” [3-4].

يُقرأ هذا النص في قداسات تذكار انتقال المتبتلين… وكأن الكنيسة تريد أن توجه كل نفس لتتزين لعريسها ربنا يسوع بالزينة الداخلية.

وكما تتزين النفس المؤمنة لعريسها، تتزين المرأة الزانية بزينة خارجية لعريسها: “متسربلة بأرجوان وقرمز، ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ، ومعها كأس من ذهب في يدها، مملوء رجاسات ونجاسات زناها” (رؤ ١٧: ٤).

لتتزين أيضًا النساء لرجالهن، ولكن ليَعْلَمْن أن الرجال قد يُعْجَبْن بالزينة الخارجية لكن إلى حين، أما ما يجذب قلوبهم بحق فهو زينتهن الداخلية، بل وتجذب قلب المسيح أيضًا قائلاً: “ها أنت جميلة يا حبيبتي هذا أنت جميلة. عينيك حمامتان…” (نش ١: 15).

لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[أتريدين أن تكوني جميلة؟ تسربلي بالصدقة. البسي العطف، توشحي بالعفة. كوني خالية من التشامخ. هذه كلها أوفر كرامة من الذهب. هذه تُصَيِّر الجميلة جزيلة البهاء وغير الجميلة جميلة.

عندما تُغالين في التزين أيتها المرأة تكونين أشنع من العارية لأنكِ خلعتِ حسن الجمال…

قولي لي لو أعطاك أحد ثوبًا ملكيًا فأخذتيه ولبستِ فوقه ثوب العبيد، أما يكون لك خزي يليه عذاب؟ قد لبستِ سيد الملائكة، أترجعين إلى الأرض؟

قولي لي لماذا تتزينين، هل لكي ترضي زوجك؟ افعلي هذا في منزلك[3]!]

ويرى القديس إكليمنضس السكندري أن الزينة الحقيقية للمرأة ليست التي من عمل الآخرين، أي الزينة الخارجية، بل التي تَتعب هي بنفسها فيها أي زينة الروح المجاهدة إذ يقول:

[لأن عمل أيديهن يَهَب لهن جمالاً خالصًا أكثر من كل شيء، فيدرِّبْن أجسادهن ويزيِّن نفوسهن بمجهوداتهن وليس من عمل الغير.

المرأة الصالحة تنسج بيديها ما تريد. فإنه غير لائق بمن قد تشكَّلت بصورة الله أن تتزين بالأمور التي تباع في السوق، بل بعملها الداخلي[4].]

فإنه هكذا كانت قديمًا النساء القديسات أيضًا،

 المتوكلات على الله يزين أنفسهن، خاضعات لرجالهن.

كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها

التي صرتن أولادها صانعات خيرًا، وغير خائفات خوفًا البتة” [5-6].

يضرب الرسول مثلاً بسارة زوجة أب المؤمنين، إذ كانت متزينة:

  1. بالاتكال على الله، فلا تبالي بكلام الناس بل برضاء الله.
  2. بالخضوع لرجلها، حيث كانت تدعو زوجها بمحبة “يا سيدي“.
  3. صانعة خير، أي مثابرة على ما هو لخلاص نفسها والاهتمام بمنزلها.
  4. غير خائفة خوفًا البتة، لأن خضوعها لا عن خوف العبيد بل في حب زيجي.

ثالثا: علاقة الرجل بامرأته

كذلك أيها الرجال كونوا ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائي كالأضعف،

معطين إياهن كرامة كالوارثات أيضًا معكم نعمة الحياة،

لكي لا تعاق صلواتكم” [7].

يُحمَّل الرسول الرجال مسئولية عدم خضوع نسائهم، لأن التعامل معهن يحتاج إلى فطنة أي حكمة.

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [لنوجه نساءنا إلى ما هو صالح حتى يظهرن شخصية طاهرة نُعْجَب بها، فيُظْهِرْن مشاعر التواضع الحقيقي[5].]

وقد عدَّد الرسول الأسباب التي تدفع الرجل إلى تكريم زوجته فقال:

  1. أنهن آنية ضعيفة، يحتَجْن إلى ترفّق حتى لا يهلكن.

2 أنهن أعضاء لنا، والرأس لا يكون مقدسًا ما لم تكن الأعضاء مكرمة.

  1. أنهن شريكات معنا في الميراث الأبدي، بلا تمييز بين رجل وامرأة.
  2. لكي نحفظ سلام القلب والبيت، فتخرج صلواتنا مملوءة حبًا، بروح واحد لا يعوقها غضب (١ تي ٢: ٨).

وأخيرًا بعدما تحدث الرسول عن العلاقات العائلية في المسيح يسوع قال:

والنهاية كونوا جميعًا متحدي الرأي بحس واحد،

ذوي محبة أخوية مشفقين لطفاء” [8].

والنهاية” أي غاية هذه الوصايا جميعها أن يكون ليس فقط بين الزوجين، بل نود أن يكون الكل برأي واحد (في ١: ٢٧) ومشاعر واحدة مملوءين حبًا أخويًا وحنوًا ولطفًا (في ٢: ٢).

هذه الوحدة طلبها الرب يسوع في صلاته الوداعية (يو ١٧: ٢١)، وأوصانا بها الرسول بولس قائلاً: “فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين” (رو ١٢: ١٥).

أما قوله “لطفاء” ففي الأصل اليوناني تعني أنها ناشئة عن التواضع أمام الله، وكان الرومان يحسبون اللطف عدم شهامة.

٢. علاقة المسيحي بالمضايقين له

يصعب على الإنسان أن يحب مضايقيه لكن في المسيح يسهل ذلك لأنه:

  1. وارث للبركة، لا يخرج إلاَّ ما هو للبركة:

غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمة بشتيمة،

بل بالعكس مُبارِكين،

عالمين إنكم لهذا دُعيتم لكي ترثوا بركة” [9].

هذه هي دعوتنا أن نرث البركة، لهذا لا يليق بنا أن نُخْرِج من داخلنا إلاَّ ما هو للبركة، فلا نقاوم الشر بالشر بل نغلبه بالخير (رو ١٢: ٢١). فلم يعد غريبًا عنا أن ننفذ وصية الرب “باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم” (مت ٥: ٤٤).

  1. لكي يتدرب هنا على تذوق السلام

“لأنه من أراد أن يحب الحياة ويرى أيامًا صالحة،

فليَكْفُفْ لسانه عن الشر،

وشفتيه عن أن يتكلما بالمكر.

ليُعْرِض عن الشر،

وليصنع الخير،

ليطلب السلام، ويجِدّ في أثره” [10-11].

هذا دافع آخر وهو أننا راحلون إلى أبديّة السلام. فنتدرب هنا على الأرض، كمن هم في مدرسة، على حياة السلام التي نحياها مع ملك السلام. فإذ نحب الحياة (الأبديّة) وأن نرى أيامًا صالحة ليس فيها شر، عربون للحياة الأخرى يليق بنا الآتي:

أ. نكْفُف لساننا عن الشر، أي نُعرِض عنه، كالعبد الذي يخاف سيده.

ب. نصنع الخير، كالأجير الذي ينتظر مكافأة.

ج. وأخيرًا نطلب السلام ونجدّ في أثره، ليس خوفًا ولا من أجل الأجرة، لكن كأبناء لملك السلام لا نحيا ولا نريد إلاَّ أن نتذوق السلام!

يقول القديس دوروثيؤس:

[لقد عبَّر النبي داود عن هذا التسلسل في قوله التالي: “حد عن الشر واصنع الخير. اطلب السلامة واسعَ وراءها” (مز ٣٤: ١٤). “حد عن الشر“، أي تجنب الشر كله بصفة عامة. اهرب من كل عمل يدفعك نحو الخطية. لكن النبي لم يقف عند هذا الحد، بل أضاف قائلاً: “واصنع الخير“، لأنه أحيانًا لا يصنع إنسان شرًا ولكنه لا يصنع أيضًا خيرًا… وإذ قال داود هذا أكمل: “اطلب السلامة واسعَ وراءها”. إنه لم يقل فقط “اطلب” بل “اسعَ وراءها” أي مجاهدًا لنوالها.

فكر في هذه الكلمات بتدقيق، ولاحظ الدقة التي أظهرها القديس. فعندما يوهَب للإنسان أن يَحِدْ عن الشر، وبعون الله يجاهد لكي يصنع الخير، يمكنه أن يكون فريسة وموضوع هجوم العدو. لذلك عليه أن يتعب ويجاهد ويحزن، مرة كعبد بدافع الخوف حتى لا يرتد إلى الشر مرة أخرى، ومرة كأجير طالبًا المكافأة عن صنع الخير… ولكن عندما يتقبل معونة الله ويحصل على عادة معينة في صنع الخير، عندئذ يجد راحة (في صنع الخير) ويتذوق السلامة. عندئذ يختبر ماذا تعني تلك المعركة المحزنة، وما هو معنى فرح السلامة وسعادتها، عندئذ “يطلب السلامة” ويجاهد مثابرًا في داخله[6].]

يقول القديس أغسطينوس: [إنه سيكون لنا السلامة الكاملة عندما تلتصق طبيعتنا دون أن تنفصل عن خالقها، فلا يكون لنا في أنفسنا ما يضاد أنفسنا[7].]

إذن بترك الشر وصنع الخير تصير لنا السلامة، وهذا هو تدريبنا على الأرض.

  1. لكي يرضي الرب

“لأن عيني الرب على الأبرار، وأذنيه إلى طلبتهم،

ولكن وجه الرب ضد فاعلي الشر” [12].

وهنا لا يقصد الرسول أن الله لا ينظر إلى الأشرار أو يختفي حديثهم عن أذنيه، لكنه يقصد بالنظر والسمع الاستجابة لهم. غاية المؤمن أن يكون موضوع رضا الرب وسروره. فليس بالكثير عليه أن يقابل الشر بالخير، ويحب مضايقيه مادام هذا يرضي الرب.

  1. لأنه لا يقدر أحد أن يؤذيه

يدرك المؤمن هذه الحقيقة، أنه لا يقدر أحد من البشر ولا تستطيع الأحوال مهما قست والضيقات مهما اشتدت أن تؤذي نفسه، ما لم يؤذِ الإنسان نفسه بنفسه، بتركه صنع الخير. لهذا لا يضطرب من أحدٍ، بل يحب حتى الذي يريد قتله، متأكدًا أنه لا يقدر أن يحرمه من صنع الخير، وبالتالي كلما اشتدت الآلام حوله تزايدت أكاليله.

فمن يؤذيكم إن كنتم متمثلين بالخير.

ولكن إن تألمتم من أجل البرّ فطوباكم [13].

كتب القديس يوحنا الذهبي الفم كتابًا عنوانه “لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ هذا الإنسان نفسه[8]” كشف فيه أنه لا يقدر شيطان أو ظلم أو مرض أو موت أو فقر أن يؤذي أحدًا ما لم يؤذ الإنسان نفسه بصنع الشر، بل بالعكس نجد الآلام طَوَّبَت أيوب، والفقر أفاد لعازر، والرياح والأمطار أكدت ثبوت البيت المبني على الصخر (مت ٧: ٢٤).

إن الحاسد لا يؤذي من يحسده بل يؤذي نفسه، والظالم يقتل نفسه ولا يهلك من يظلمه. وهكذا فإن الألم لا يجلب ضررًا، بل تطويبًا لمن يحتمله من أجل البر.

  1. تعطي فرصة للكرازة

وأما خوفهم فلا تخافوه ولا تضطربوا.

بل قدسوا الرب الإله في قلوبكم،

مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم

بوداعة وخوف” [14-15].

اقتبس الرسول هذا القول عن إشعياء النبي (8: 12-13). يطالب الرسول المؤمن ألا يخاف ممن يضايقونه ولا يضطرب منهم. والدافع لهذا هو تقديس الرب الإله في القلب. لأن من يقدس الرب الإله في قلبه لا يخاف البشر بل الله. ومن يخاف الله دون البشر يكون بهذا مُقَدِّسًا الرب في قلبه… وهذا خير كرازة وشهادة عملية للرب، وإجابة حقة لمن يسأله عن سبب الرجاء الذي فيه، محتملاً المضايقة بوداعة ومخافة الرب.

هكذا يَشْتَّمونَ رائحة المسيح الذكية في سيرة المؤمن الصالحة عندما يُفترى عليه ظلمًا، فيحتمل بضميرٍ صالح بغير رغبة في الانتقام، ولكن حبًا في خلاص الكل.

ولكم ضمير صالح

لكي يكون الذين يَشْتُمُون سيرتكم الصالحة في المسيح يُخْزَوْن

في ما يفترون عليكم كفاعلي شر” [16].

لقد شهد فستوس وأغريباس عن بولس قائلين: “إن هذا الإنسان ليس يفعل شيئًا يستحق الموت أو القيود” (أع ٢٦: ٣١).

وبقدر ما ازدادت الإضطهادات على المسيحيين كانوا يجتذبون المضطهِدين أنفسهم خلال احتمالهم الاضطهاد بفرح وشكر.

يقول الشهيد بوستينوس: [ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تُقْطَع رؤوسنا ونُصْلَب ونُلْقَى إلى الوحوش ونُقَيَّد بسلاسل ونُلقى في النار وكل أنواع التعذيب أننا لا نترك إيماننا، بل بقدر ما نُعاقَب بهذه الضيقات ينضم مسيحيون أكثر إلى إيماننا وديانتنا باسم يسوع المسيح[9].]

  1. إقتداء بالرب يسوع

“لأن تألمكم إن شاءت مشيئة الله وأنتم صانعون خيرًا

أفضل منه وأنتم صانعون شرًا.

 فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا،

البار من أجل الآثمة لكي يُقَرِّبنا إلى الله،

مماتًا في الجسد، ولكن محيي في الروح” [17-18].

يتدرب المسيحي على حياة الاحتمال والحب للمضايقين على يدي مُدرِّبه الرب يسوع المتألم. فمنه وبه ينال قوة داخلية لقبول الألم بشكر. بحسب المنطق البشري حينما يتألم الإنسان من أجل ذنب اقترفه يجد ما يعزيه أنه مستوجب لهذا الألم. أما فكر ربنا يسوع فهو منطق الحب الإلهي أنه يليق بنا بالحري أن نفرح عندما نتألم ظلمًا. إذ يكون مبعثها الحب وهذه “تُنْشِيءْ أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا” (٢ و ٤: ١٧).

تألم الرب بالجسد مرة واحدة. احتمل أجرة خطايانا في جسده. هذه هي آلام الحب التي دفعته أن يقبل برضا موت الجسد وهو محيي في الروح، لأنه لم يخطئ قط، فلم تذق روحه الموت.

مات الرب بالجسد بانفصال نفسه عن جسده، لكن لاهوته لم يفارق ناسوته ولا فارق نفسه قط.

الذي فيه أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن،

إذ عصت قديمًا حين كانت أناة لله تنتظر مرة في أيام نوح،

 إذ كان الفلك يُبنى، الذي فيه خلص قليلون، أي ثماني أنفس بالماء” [19-20].

إذ مات الرب بالجسد انفصلت نفسه عن جسده، أما لاهوته فلم ينفصل قط لا عن جسده ولا عن نفسه. فانطلقت النفس إلى الجحيم (السجن) تكرِز وتبشر للذين ماتوا على رجاء، لأن عدو الخير ليس له سلطان عليها.

وكما يقول القديس أمبروسيوس[10] بأنه من الواضح أن السيد المسيح لم يسقط تحت قوات الظلمة بل بالحري هو كسر سلطانها، كارزًا حتى بين الأموات الذين في الجحيم لكي يحررهم.

أما من هم الذين ذهب ليَكْرِز إليهم من الأموات فهناك تفاسير كثيرة منها:

أ. رأى القديسين أثناسيوس وكيرلس وايرونيموس

إن السيد المسيح بعد موته بالجسد نزل بروحه أي بنفسه إلى الجحيم، وبشًّر الذين كانوا في أيام نوح لا يصدقونه إذ كان ينذرهم بالطوفان. لكنهم لما رأوا انهمار المياه تاب بعضهم وطلبوا الرحمة.

ب. رأى القديس أغسطينوس

إن السيد المسيح بروحه القدوس سبق أن بشر الذين كانوا في أيام نوح على لسان نوح، وأنذرهم بحدوث الطوفان لعلهم يتوبون لكنهم لم يصدقوا. وبهذا فإن قوله “في السجن” يعني بها “الأرواح التي في الجسد”، ومع هذا لم يخلص بهذه الكرازة إلاَّ ثماني أنفس أي نوح وزوجته وأبناءه ونساءهم.

وقد استخدم العلامة ترتليان[11] هذا العدد “ثماني أنفس” ليظهر أن العالم كما بدأ به آدم وحواء دون أن يأخذ له زوجة أخرى، هكذا بدأ العالم الجديد بعد الطوفان وخرج نوح وأولاده كل منهم له زوجة واحدة.

ج. رأي الأب هيبوليتس

[لقد رتب الأمور التي على الأرض، إذ صار إنسانًا بين الناس ليُعِيد خِلقة آدمنا خلال نفسه Himself وأيضًا الأمور التي تحت الأرض إذ أُحْصِى مع الموتى مُبَشِّرًا بالإنجيل لنفوس القديسين (الذين ماتوا على رجاء) وبالموت داس الموت[12].

د. رأي القديس ايريناؤس

بعدما تحدث عن جميع القدماء أنهم أخطأوا قال: [لهذا السبب نزل الرب أيضًا إلى أعماق الأرض مُبَشِّرًا بصعوده مُعْلِنًا غفران الخطايا لمن آمنوا به. والآن كل الذين آمنوا به وترجوه وأعلنوا عن مجيئه وخضعوا لبركاته، أي الأبرار والأنبياء والآباء غفر لهم خطاياهم بنفس الكيفية التي صنعها معنا تمامًا[13].]

ه. رأي القديس إكليمنضس السكندري[14]

له رأي غريب اعتمد فيه على قول أيوب (٢٨: ٢٤) أن الله يبشر (ينظر) إلى أقاصي الأرض، فإنه نزل وبشر ليس فقط للذين ترجّوا خلاصه، بل والأمم الذين في جهل سلكوا كأبرارٍ حسب ناموسهم.

الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية،

لا إزالة أوساخ الجسد،

بل سؤال ضمير صالح عند الله لقيامة يسوع المسيح” [21].

إذ تحدث الرسول عن فلك نوح رمز المعمودية بدأ يحدثنا عن فاعليتها:

الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية” ويقول القديس أغسطينوس: [يعطي مسيحيو قرطاجنة اسمًا ممتازًا للأسرار عندما يقولون عن المعمودية أنها ليست سوي “الخلاص“، وسرّ جسد المسيح ليس إلاَّ “الحياة“. وكما أظن من أين أخذوا هذا إلاَّ من التسليم الرسولي الأول حيث كانت كنائس المسيح تعتمد عليه كأساس، لأنه بدون العماد والاشتراك في عشاء الرب يستحيل على الإنسان أن ينال ملكوت الله أو الخلاص والحياة الدائمة. هكذا يشهد له الكتاب المقدس بالأكثر… لأنه هل فِكْرُهم هذا بخصوص المعمودية وتعبيرهم عنها بالخلاص يختلف عما هو مكتوب خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تي ٣: ٥)، أو عبارة الرسول بطرس[15].]

وقد رأى هرماس في إحدى رؤياه الكنيسة المنتصرة كبرج مبني على الماء فلما سأل عن السبب قيل له [اسمع الآن لماذا يُبْنَى البرج على المياه، ذلك لأن حياتكم تخلص وستخلص خلال الماء[16].]

فالمعمودية لا تزيل وسخ الجسد، بل تهب ضميرًا صالحًا بقوة قيامة الرب، إذ فيها نُدفن مع المسيح ونقوم أيضًا. ولهذا السبب اعتادت الكنيسة أن تقوم بتعميد الموعوظين قُبَيْل عيد القيامة كما نرى ذلك واضحًا من التاريخ الكنسي ومن كتابات الكنيسة الأولى، ولازلنا إلى يومنا هذا نعيد بأحد التناصير في الأحد السابق لعيد القيامة مباشرة.

لهذا يليق بنا ألا نقف عند حد أخذ الإمكانيّة لحياة القداسة في سر المعمودية وننكره بسلوكنا، بل نسلك بضمير صالح بقيامة الرب يسوع[17].

وقد تحدث القديس باسيليوس الكبير عن فاعلية المعمودية في رده على سؤال مقترح: لماذا يكون العماد “بالماء”؟ فقال:

[يوجد (في المعمودية) تطهير للنفس من الوسخ الذي نما فيها من الفكر الجسداني، وكما هو مكتوب “اغسلني فأبيض أكثر من الثلج” (مز ٥١: ٩). على هذا الأساس فإننا لا نغسل أنفسنا بعد كل دنس كما يفعل اليهود بل لنا معمودية واحدة (أف ٤: ٥). إذ في العماد يُحمَل الموت عن العالم مرة، وتكون القيامة من الأموات مرة.

لهذا السبب أعطانا الرب واهب حياتنا “عهد العماد”، حاملاً فيه طابع الحياة والموت:

فالماء يحقق صورة الموت، والروح القدس (في نفس الوقت) يهب جِدة الحياة[18].]

بهذا صارت الإجابة على السؤال: لماذا ارتبط الماء بالروح (يو ٣: ٥) واضحة. إذ السبب هو أننا في العماد نبغي هدفين:

  1. أحدهما: إهلاك جسد الخطية (رو ٦: ٦)، حتى لا يحمل بعد ثمارًا للموت (رو ٧: ٥).
  2. والثاني: حياتنا في الروح (غل ٥: ٢٥)، ويكون لنا ثمره في القداسة. الماء باستقباله الجسد كقبر يحمل موتًا، بينما يفيض الروح قوة الإحياء مجددًا أرواحنا من موت الخطية إلى حياتها الأولى.

هذا إذن ما يعنيه أننا نولد من الماء والروح.

فبالمعمودية اعتمدنا لموت المسيح وقيامته، فكيف لا نقبل الآلام حتى الموت بفرحٍ وسرورٍ، منتظرين كأبناء لله مرتبطين بالرب المتألم أن تكون لنا معه شركة في الأمجاد السماوية.

الذي هو في يمين الله،

إذ قد مضي إلى السماء وملائكة وسلاطين قوات مخضعه له” [22].

بعد ما اجتاز الرب الصليب عاد إلى يمين الآب. ونلاحظ أن كلمة “يمين” لا تعني اتجاهًا معينًا، لأن الآب ليس له شمال أو يمين لكنها تعبير بلغة بشرية لكي ندرك عظمة الابن.

مضى الرب إلى عرشه في السماوات، الذي لم يترك لاهوته قط حتى في أثناء وجوده بالجسد على الأرض…

عاد تمجده وتسجد له الملائكة والسلاطين وكل الطغمات السمائيّة. وفي عودته وهو حامل الجسد إنما يعلن نصرة البشرية في شخصه، وعودتهم إلى السماء، ليرثوا ما كانت الخطية قد حرمتهم منه. لهذا يقول: “من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيضًا وجلست مع أبي في عرشه” (رؤ 3: ٢١).

 

[1] الحب الأخوي، 1964، صفات الأزواج المحبين ص ٣٥٨، ٣٦٠.

[2] Stromata or Miscllanies 4 : 29.

[3] مختصر عن “الحب الأخوي” ، 1964، ص ٢٦٢.

[4] Instructor 3 : 11.

[5] رسالة القديس إكليمنضس الروماني ص ٦.

[6] الفيلوكاليا، 1993، ص ١٦٢ – ١٦٨.

[7] “العفة” للقديس أغسطينوس، 1967، ص ٣٨.

[8] ترجم هذا الكتيب وطبع تحت عنوان “من يقدر أن يؤذيك؟”

[9] كتاب “جيش الله” لمجلة مرقس.

[10] The Christian Faith 3 : 4 : 23.

[11] On Monogomay 4.

[12] A. N. Frs V. 5 P. 209.

[13] Adv. Haer 4 : 27 : 2.

[14] The Stromato 6 : 6.

[15] On forgiveness of sins and Baptism 1 : 34.

[16] The Pastor: Book 1, Vision 3.

[17] راجع أقوال القديس أغسطينوس في “رده على فستوس من أتباع ماني ١٩.

[18] On The Holy Spirit 35.

تفسير رسالة بطرس الأولى 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version