تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع: أبناء وورثة

 

إذ قارن القديس بولس بين نير الناموس وإدراك عمل الإيمان بالسيد المسيح يرفعنا إلى التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه.

  1. التمتع بنوال التبني 1-11.
  2. الحرية العملية للأبناء 12-20.
  3. ابن الحرة وابن الجارية 21-31.

1. التمتع بنوال التبني

اُستخدمت كلمة “وارث” في (غل 29:3؛ 7:4) حسب العادات الفلسطينية؛ حيث كان الوالد يعين في وصيته وصيًا لابنه؛ وعلى الوصي بعد وفاة الأب أن يدير شئون ميراث الإبن حتى يبلغ سن الرشد. لهذا يُعتبر الإبن أثناء مدة الوصاية في حكم العبد الذي ليس له حرية التصرف، ولو كان من أغنى الأغنياء. هكذا الإنسان البعيد عن السيد المسيح، الخاضع تحت الناموس يُحسب قاصرًا، ينال ميراثه في المستقبل. مثل هذا الإنسان لا يفضل عن عبد، ليس بمقدوره أن يرث ما وُعد به. هنا يتحاشى القديس بولس وصف الناس خارج المسيح كعبيد للناموس.

يوضح القديس بولس كيف صار ابن الله ابنًا للإنسان، إذ وُلد من امرأة، حتى نصير نحن – أبناء البشر – أبناء اللَّه.

  • يقول القديس بولس “أرسل الله ابنه لا مولودًا من رجل وامرأة بل “مولودًا من امرأة ” [4] وحدها، أي من عذراء… فإن ذاك الذي يجعل النفوس عذارى وُلد من عذراء[1].
القديس كيرلس الأورشليمي

ملء الزمان” [4] يقابل الزمن الذي حدده الآب، معبرًا به عن تحقيق غاية إرسال الله ابنه لإتمام الوعد الذي أعطاه لإبراهيم [3-14]. نجد هنا أقوى تعبير عن التجسد ورد في رسائل القديس بولس إذ يورد العبارتين “مولودًا من امرأة”، و”مولودًا تحت الناموس”، مؤكدًا غايتين لمجيء السيد المسيح: الأولى أنه يخلص أناسًا من العبودية؛ والثانية إنه يُمكنهم من التمتع بالتبني كأبناء لله.

هنا كما في الرسالة إلى أهل رومية (8: 14-17، 23) يربط الرسول بين التبني وعطية الروح الذي به يستطيع الإنسان أن يضع كمال ثقته في الله الآب ويتمتع بعربون كمال الوعد.

  • لسنا أبناء بالطبيعة، إنما الإبن هو فينا؛ أيضًا الله ليس أبانا بالطبيعة بل آب الكلمة الذي فينا وهو فيه وبسببه نصرخ: “يا أبَا الآب
  • الإبن الذي فينا يدعو أباه، ويجعله أبانا نحن أيضًا. فمن لا يكون الإبن في قلوبهم بالتأكيد لن يقدروا أن يدعو الله أبًا لهم.
  • إننا أبناء وآلهة لأن الكلمة فينا، هكذا سنكون في الابن وفي الآب، وسنحسب واحدًا في الابن وفي الآب…
  • روح الكلمة فينا يدعو أباه أبانا من خلالنا[2].
القديس أثناسيوس الرسولي
  • إننا نحن الذين نصرخ، لكنا نصرخ فيه (في روح الابن)، إذ يسكب الحب في قلوبنا، الذي بدونه تصير الصرخات باطلة[3].
القديس أغسطينوس

يُدعى اللَّه هكذا “أبَا! الآب!” [6]، أي بالآرامية واليونانية؛ وهو تعبير ليتورجى؛ ربما كلمات افتتاحية كان يصليها حديثو العماد لتعبر عن تقربهم الجديد للَّه في المسيح. يستخدم الرسول الآرامية واليونانية في وقتٍ واحدٍ ليُظهر أن اللَّه هو أب اليهود والأمم، وأن النعمة تعمل في حياة الأمم لنوال البنوة للَّه بواسطة المعمودية دون حاجة إلى الختان.

كأبناء للَّه وورثة يلزمهم ليس فقط أن يتركوا عبادة الأوثان [8]، وإنما بقبولهم الإيمان يلزمهم أن ينشغلوا بما يليق بهم، في الأمور الروحية لا الأمور الدنيا.

  1. 1. يذكرهم الرسول بمركزهم القديم كانوا عبيدًا، عبدوا الأوثان، وأما الآن فهم أبناء اللَّه. يليق بهم أن يتعرفوا على أبيهم ويتعرف هو عليهم. “وأما الآن إذ عرفتم اللَّه بل بالحري عُرفتم من اللَّه [9].

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص إن البشرية قبلت الآلهة الباطلة كآباء لها عِوض الآب [8]: [عصى البشر اللَّه وعبدوا من هم بالطبيعة ليسوا آلهة (انظر غل 8:4). ومع كونهم أبناء اللَّه ارتبطوا بمن يُدعى شريرًا باطلاً[4].]

القول عُرفتم من اللَّه هو وصف للحياة المسيحية؛ فإن معرفة اللَّه التي يتحدث عنها القديس بولس هنا تعني حبنا للَّه كاستجابة لمعرفتنا له، أي لحبه لنا (1 كو 8: 2-3). نحن نعرف اللَّه أبًا لنا خلال اتحادنا مع الابن في استحقاقات دمه المخلص، وثبوتنا في هذا الاتحاد. نحن نُعرف من اللَّه بكوننا أبناءه المبررين.

  • اللَّه يعرف الذين هم له، بمعنى يعرفهم خلال أعمالهم الصالحة (في المسيح). إنه يقبلهم في شركة عميقة معه[5].
القديس باسيليوس الكبير
  1. يسألهم القديس بولس أن ينشغلوا في حرية البنين، لا في أعمال الناموس كعبيد. “فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد؛ أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين؟“[9-10] هكذا يسحبهم اللَّه إلى نفسه، فكيف يعطونه ظهورهم منشغلين بالأمور الحرفية؟

نحن لا نحفظ العيد في حرفية كحافظين أيامًا، عالمين أن الرسول يوبخ من يفعل هذا، قائلاً: “أتحفظون أيامًا…؟” إنما نحسب اليوم مكرمًا بسبب العيد وبسبب الرب نفسه. فنجتمع معًا لكي نعبد اللَّه في كل مكان ونقدم صلوات ترضي اللَّه. فإن الطوباوي بولس يُعلن لا عن أيام، بل عن الرب الذي من أجله نحفظ العيد، قائلاً: “لأن فصحنا هو المسيح، قد ذُبح لأجلنا” (1 كو 5: 7)، حتى إذ نتأمل في أبدية “الكلمة” نقترب إليه ونخدمه.

  • لا يُحسب العيد هكذا من أجل (حفظ) الأيام بل من أجل الرب الذي تألم لأجلنا. نحن نحتفل به، “لأن فصحنا المسيح قد ذُبح”؛ فإنه حتى موسى علّم إسرائيل ألا يعتبروا العيد انشغالاً بالأيام بل بالرب، قائلاً: “إنه فصح للرب” (خر 12: 11)[6].
القديس أثناسيوس الرسولي
  1. 3. إذ ولّوا ظهورهم للَّه فقدوا خلاصهم، وقد حزن الرسول عليهم من أجل حبه لهم. أدرك أن تعبه الذي كلفه عرقًا وآلامًا صار باطلاً: “أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا[11].
  • لاحظوا حنو الرسول المترفق، فقد اهتزوا (إيمانا) وها هو يرتعب ويخاف… بقوله: “لئلا أكون قد تعبت فيكم عبثًا” يوحي إليهم بالإنذار مع التشجيع في رجاء صالح…

إنني أخاف لكنني لست يائسًا من جهتكم[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الحرية العملية للأيناء

بعد معالجته موضوع “التبرير بالإيمان العامل بالمحبة” من كل جوانبه، يقدم خبرة عملية في حياته كما في حياتهم، خاصة من جهة الحب المتبادل النابع عن إيمانهم الصادق.

  1. 1. لقد أراد من الغلاطيين أن يحذوا حذْوَه، وينسوا عبودية الناموس، من أجل الحرية الجديدة التي ينالونها في المسيح يسوع. فكما جحد القديس بولس مزايا التهود من أجل الكرازة بالإنجيل للأمم، هكذا يسألهم الآن أن يجحدوا المزايا المزعومة التي للتعاليم الباطلة ليصيروا كما هو في المسيح.
  • أتضرع إليكم أيها الإخوة كونوا كما أنا، لأني أنا أيضًا كما أنتم” [12].

هذا الحديث موجه إلى تلاميذه اليهود، مقدمًا نفسه مثالاً لهم لكي يحثهم على ترك عاداتهم القديمة… تأمّلوا فيَّ، فإنني كنت مرة في ذات وضعكم الفكري، خاصة من جهة غيرتي الملتهبة من جهة الناموس. لكنني بعد ذلك لم أخف من ترك الناموس لأنسحب من نظام هذه الحياة. هذا ما تعرفونه جيدًا كيف كنت في عنادٍ متعصبًا لليهودية، وكيف أنني بقوة أعظم تخلصت من هذا.

حسنًا قدم هذا الأمر في النهاية، فإن كثيرين متى قُدِمت لهم آلاف الأسباب والتبريرات يقتنعون بالأكثر بمن كان في نفس وضعهم ويتمسّكون بالأكثر بما يرونه قد تحقّق عمليًا في حياة الآخرين[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أظهر لهم أنهم خُدعوا بواسطة الإخوة الكذبة، لكنهم لا يحملون له بغضة شخصية، إذ يقول: “لم تظلموني شيئًا[12].

  • لاحظوا كيف يتحدث إليهم مرة أخرى ملقبًا إياهم بكرامة “أتضرع إليكم أيها الاخوة [12]، مذكرًا إياهم بتعليم النعمة… فبعدما قطع الأمر معهم يسكب كالزيت تشجيعه لهم، مظهرًا أن كلماته لم تصدر عن بغضة أو عداوة، مذكرًا إياهم بالحب الذي أظهروه له، مازجًا تبريره لموقفه بمديحهم له، لذا يقول ” لم تظلموني شيئًا[12].

ولكنكم تعلمون أنى بضعف الجسد بشرتكم في الأول؛

وتجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها،

بل كملاك من اللَّه قبلتموني، كالمسيح يسوع [13-14].

  • فبالنسبة لكم ليس فقط لم تظلموني، بل أظهرتم لي حنوًا عظيمًا لا يُعبر عنه؛ فمن يُعامل هكذا يستحيل عليه أن يتكلم بدافعٍ شريرٍ. لغتي إذن لا يمكن أن تصدر عن إرادة شريرة؛ إنما تصدر عن حب واهتمام مفرط.

ألم يكن ذلك سخيفًا منهم أن يقبلوه كملاك اللَّه عندما كان مُضطهدًا ومطرودًا، ويرفضوه عندما يلزمهم بما هو مناسب لهم (من تعليم)؟[9]

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • هنا (غل 15:4،16) يظهر حيرته وتعجبه طالبًا أن يعرف منهم السبب في هذا التغير، فيقول لهم: من هو هذا الذي خدعكم وغيَّر موقفكم من جهتي؟ ألستم أنتم الذين أصغيتم إلىّ وخدمتموني، حاسبين إياي أثمن من عيونكم؟ فماذا حدث؟… كان يجب عليكم بالحري أن تزيدوني تقديرًا وتعيروني اهتمامكم، عِوض أن تتخذوني عدوًا لكم، لأني أخبركم بالحق، فإني لا أجد علة أخرى لمقاومتكم لي غير هذه (توجيههم للحق وتحذيرهم من الكذبة)[10].
القديس يوحنا الذهبي الفم

شهادته بأن الغلاطيين أرادوا إن أمكن أن يعطوه عيونهم تشير إلى عمق العاطفة (الحب) السابقة نحوه واتساعهم بقبول إنجيله. يرى البعض أن العبارة [15] تلمح إلى أن المرض الذي أصاب القديس بولس كان يصيب عينيه، لذا أرادوا أن يهبوه أعينهم عِوض عينيه. أما الآن فقد تغيرت العلاقة بين الرسول والغلاطيين.

إشارة القديس بولس إلى تَمخُّضِه بهم [19] تقدمه كأم لهم “إلى أن يتصوّر المسيح فيهم“. هذا الفكر الخاص بالميلاد الجديد يقدم تغيرًا جذريًا للكيان نفسه فلا يعود يحيا الإنسان بل المسيح يحيا فيه (20:2).

بعد إظهار الحب المتبادل بينه وبينهم، بكونهم أبناء اللَّه الحقيقيين الذين نالوا حرية وحبًا، يتحدث معهم عن رغبته الداخلية أن يفتقدهم ليروا إلى أي مدى يحبهم كأبٍ لهم يتألم بملء إرادته ليس فقط لكي يلدهم أبناء للَّه بل ويعينهم في نموهم.

  • هنا (في العبارة 18) يلمح إلى أن غيابه هو السبب فيما حدث، مع أن البركة الحقيقية للتلاميذ هي تمسكهم بالآراء السليمة ليس فقط في حضرة معلمهم بل وفي غيابه أيضًا…

يُشبّه نفسه بأمٍ ترتعب من أجل أبنائها، “إلى أن يتصور المسيح فيكم” [19].

 انظروا محبته الأبوية! تطلعوا إلى حزنه عليهم التي تليق به كرسول!…

لاحظوا إلتهابه [20] وعجزه عن الإحجام عنهم وكبت مشاعره. هذه هي طبيعة الحب، فإن الكلمات لا تكفي إنما يريد أن يكون حاضرًا بينهم، وهكذا – كما يقول – يود أن يغَّير صوته، أي يغيره إلى مرثاة وسكب الدموع، محولاً كل شيء إلى حزن. فإنه لم يستطع أن يظهر دموعه أو صرخات حزنه بكتابته الرسالة، هذا ما ألهب فيه الحنين إلى حضوره في وسطهم[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • التملق دائمًا غادر ومخادع ولين. حسنًا يصف الفلاسفة المتملق بأنه “عدو مفرح”. أما الحق فمُر، له وجه كئيب وجبين مجعد، لا يستسيغه المُبكتون[12].
القديس جيروم

3. ابن الحرة وابن الجارية

  • يعود (القديس بولس) ثانية إلى إبراهيم، لا على سبيل التكرار، وإنما بسبب شهرة هذا الأب (البطريرك) العظيمة لدى اليهود… لقد سبق فأظهر أن الغلاطيين هم أبناء إبراهيم، الآن يظهر أن أبناء هذا الأب ليسوا على مستوى واحد من الكرامة، واحد ابن الجارية، والآخر ابن الحرة. لقد أظهر أنهم ليسوا مجرد أبناؤه وإنما أيضًا أبناء بمعنى أنهم مولودون أحرارًا وشرفاء. هكذا هي قوة الإيمان[13].
القديس يوحنا الذهبي الفم

إبراهيم ونسله

* نسل طبيعي – يكون كتراب الأرض (رمل البحار) – (تك 13: 16).

* نسل روحي – يكون كنجوم السماء – (تك 22: 17؛ غل 3: 26، 29).

على غرار النظام الحاخامي تطلع الرسول بولس إلى زوجتيّ إبراهيم بطريقة رمزية (تك 16: 15؛ 21: 1-21).

  1. كانت سارة حرة، وُلد ابنها اسحق خلال “وعد” – وقد اُستخدمت هذه الكلمة “وعد” منذ البداية كإشارة إلى الإنجيل (8:3،14 ، 16-18). أما هاجر فجارية، وُلد ابنها حسب الجسد (الطبيعة).
  • كن حرًا، وتحرر من كل عبودية مدمرة! إن لم تكن حرًا لا تستطيع أن تعمل لأجل المسيح؛ فإن هذا الملكوت الذي في أورشليم السماوية الحرة لا يتقبل أبناء العبودية. أبناء الأم الحرة هم أحرار (رو 8: 15)، لا يُستعبدون للعالم في شيء [23][14].
الأب يوحنا المتوحد
  1. 2. يمتد القديس بولس بالفكر الرمزي معرفًا الزوجتين بكونهما عهدين أو تدبيرين مختلفين، مفترضًا عهدًا قديمًا والآخر جديدًا. ترمز سارة إلى النعمة، بينما هاجر إلى الناموس.
  • للمسيحية ميلادها السامي، رُمز إليه سريًا بابن إبراهيم المولود من الحرة، بينما ابن الجارية يرمز لعبودية اليهوديّة الناموسية[15].
العلامة ترتليان
  1. 3. ترمز سارة إلى الكنيسة، بينما تمثل هاجر مجمع اليهود.
  2. 4. كانت سارة رمزًا للحياة بالروح، بينما هاجر للحياة حسب الجسد.
  3. 5. تشير سارة إلى أورشليم السماوية، بيت المسيحيين وأمهم، إذ يفرحون في حرية الإنجيل. وتشير هاجر إلى أورشليم الأرضية. تقدم أورشليم الجديدة أكثر جدًا مما تقدمه أورشليم القديمة. تقدم الحرية أمورًا أعظم مما تقدمه العبودية، وما يقدمه الإنجيل أعظم مما يقدمه الناموس[16].
  4. سارة لها أبناء أحرار وورثة، بينما لهاجر عبيد.
  5. لم ينعم إسماعيل ببركات الابن في بيت إبراهيم، بل تُرك خارجًا كما في البرد مع كونه البكر جسديًا؛ أما اسحق فدُعي لذا نحن ورثة الوعد الروحي.

[هنا يُنظر إلى اسحق كرمز للمسيحيين وإسماعيل كرمز للمتهودين].

  1. يقرر النص العبري لسفر التكوين (9:21)، أن إسمَعيل كان يمزح مع اسحق، وقد جاء في التفسير الحاخامي لسفر التكوين الذي لرابا Rabbah أن الكلمة العبرية التي ترجمت “يمزح، أو يداعب أو يضحك” تحمل معنى رديئًا. بحسب التقليد اليهودي “أمسك إسمَعيل قوسًا وأسهمًا وبدأ يضرب السهام نحو اسحق كمن يمزح”. وقد استخدم القديس بولس هذا التقليد لتطبيقه بخصوص خبرة الغلاطيين مع المتهودين.
  • وُلد اسحق ليس حسب نظام الطبيعة، ولا بحسب ناموس الزواج، ولا بقوة الجسد، ومع ذلك فهو بالحقيقة ابنه. لقد صدر عن جسدين ميتين، وعن رحم ميت؛ فلم يكن الحبل به بواسطة الجسد، ولا ميلاده حسب البذار، لأن الرحم كان ميتًا بحكم السن والعقر، إنما كلمة اللَّه (الوعد الإلهي) شكلته. لم يكن الأمر هكذا بخصوص الجارية، فقد جاء الابن بحكم ناموس الطبيعة. ومع هذا فإن الذي لم يُولد حسب الجسد كان أعظم كرامة من ذاك الذي وُلد حسب الجسد.
  • من هي هذه التي كانت قبلاً عاقرًا ومستوحشة؟ واضح أنها كنيسة الأمم، إذ كانت قبلاً محرومة من معرفة الله. من هي هذه التي لها زوج؟ واضح أنها مجمع اليهود. لكن أولاد العاقر صاروا أكثر من أولادها، لأن الأخيرة ضمت أمة واحدة أما أبناء الكنيسة فملأوا مدن اليونانيين والبرابرة، والأرض والبحر وكل المسكونة.

لاحظ كيف قدمت سارة بأعمالها (إنجاب اسحق) والأنبياء بنبواتهم ما قد تحقق معنا (تمتع الكثيرين بالبنوة للَّه). لاحظ كيف أن الذي دعاها إشعياء عاقرًا برهن بولس أن لها أولادًا كثيرين، الأمر الذي حدث رمزيًا مع سارة، فمع كونها عاقرًا صارت أمًا لأبناء كثيرين.

على أي الأحوال هذا لم يكفِ بولس، بل تتبع بدقة الطريقة التي بها صارت العاقر أمًا، إذ جاء الرمز مطابقًا للحق. لهذا أضاف “وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد” [28]… لقد قصد بذلك الكنيسة التي لم تعرف اللَّه، لكنها ما أن عرفته حتى فاقت المجمع الذي كان مثمرًا[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 

 

 

[1] Catech. Lect. 12:31.

[2] Four Discourses against the Arians, 2. 58, 59; 4:22;2:25; De Decretis, 31.

[3] Sermons on N.T. Lessons 21:29.

[4] Against Eunomius 2:8, 12:1.

[5] Ep. 235:3.

[6] Festival Letters, 3:1; 6:2.

[7] In Galat., Chapter 4.

[8] In Galat., Chapter 4.

[9] In Galat., Chapter 4.

[10] In Galat., Chapter 4.

[11] In Galat., Chapter 4.

[12] Against the Pelagians 1:26.

[13] In Galat., Chapter 4.

[14] Sebastian Brock: This Syriac Fathers on Prayer and Spritual Life, Michigan, 1987, p. 89.

[15] Against Marcion 5:4.

[16]Furnish, p. 295.

[17]. In Galat., Chapter 4.

 

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع

الإيمان والشهوات

بعدما تحدث الرسول عن الحكمة السماوية والحكمة الأرضيّة أراد أن يوجه أنظارنا إلى خطورة الشهوات الأرضيّة على حياة المؤمنين إذ:

١. تفقدنا سلامنا الداخلي        ١ – ٣.

٢. تفقدنا سلامنا مع الله         ٤ – ١٠.

٣. تفقدنا سلامنا مع الناس      ١١ – ١٣.

٤. لا تهبنا شيئًا                ١٤ – ١٧.

1. تفقدنا سلامنا الداخلي

من أين الحروبات والخصومات بينكم،

 أليست من هنا من لذاتكم المحاربة في أعضائكم؟” ]١[

تنبع المنازعات والخصومات لا عن مضايقات الغير، بل عن ضعف الإنسان الداخلي وهزيمته في الحرب الخفيّة التي ميدانها النفس. وقد أوضح الأب بيامون[1] أن البناء متى اهتز وسقط لا يكون العيب في الرياح التي هَبَّتْ، بل في عدم تأسيس البناء على أساس قوي، إذ يقول:

[إذا انهزم الإنسان أمام خطأ واشتعلت فيه نيران الغضب، وجب عليه ألاَّ يعتبر أن مرارة الإهانة الموجهة إليه هي سبب خطيّته بل بالحري ظهور ضعفه الخفي. إذًا لا نحتاج إلى البحث عن سلامنا في الخارج، ولا نظن أن صبر الآخرين يفيد عدم صبرنا. لأنه كما أن ملكوت الله داخلنا، كذلك أعداء الإنسان من أهل بيته” (مت ١٠: ٣٦)، لأنه ليس عدوًا أكثر من قلبي الذي هو بالحق ألْصَق أهل بيتي إليَّ.]

فأساس المنازعات هي حرمان القلب من السلام الداخلي، لهذا يقول القديس أغسطينوس: [في الحرب الروحيّة إذا انتصرنا على شهواتنا ننتصر على أعدائنا (الشياطين). لأنه متى قهرنا فينا الشهوات الأرضيّة، نقهر لا محالة العدو الذي يتسلط علينا بهذه الشهوات. فإذا قيل للشيطان (في شخص الحيّة) أن يأكل التراب، قيل للخاطيء (في شخص آدم) أنت تراب وإلى تراب تعود، وبهذا صار الإنسان طعامًا للشيطان. فإن أردنا ألاَّ نكون هكذا يلزمنا ألاَّ نكون ترابًا.]

سرّ الخصومات هو استسلام المرء للذات المحاربة في أعضائنا بغير مقاومة. أما إذا قاوم ولم يستسلم، فإنه وإن ضايقه الجميع، وساءت الظروف المحيطة به، وفَقَدَ كل شيء، لا يفقد سلامه الداخلي ولا يدخل الخوف إلى قلبه. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم [لا يضرك أحد إن لم تضر نفسك بنفسك. إن كنت لا تخطيء فإن عشرات الألوف من السيوف تهددك، ولكن الله ينتشلك حتى لا تقترب إليك[2].]

هذا ما تفعله اللذات في حياة الإنسان المستسلم لها… وماذا ينتفع منها؟

يقول الرسول: “تشتهون ولستم تمتلكون“. إنها كالسراب تجذب الإنسان ليجري وراءها فيضل الطريق ويزداد عطشًا دون أن ينال شيئًا لأنها لذَّات خادعة.

تقتلون وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا.

تخاصمون وتحاربون، ولستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون]٢[.

يحدِّث الرسول أناسًا قامت بينهم خصومات، في ظاهرها من أجل الحق، لكن حقيقة دافعها اللذات المحاربة في أعضائهم أي الكرامة الزمنيّة أو أي دوافع أرضيّة أخرى. هذه اللذات دفعتهم إلى روح الحسد والبغضة. لهذا يقول “تقتلون” أي تبغضون “وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا“. وقد دعاهم قتلة بسبب البغضة. وذلك كما في إنجيل متى (٥: ٢٢) ورسالة يوحنا الأولى (٣: ١٥)، حيث تُعْتَبَر الكراهية قتلاً، وفي سفر يشوع بن سيراخ (٣٤: ٢١) يُعتبر من يهضم حق الأجير سافك دم.

فكل بغضة هي قتل حتى وإن اختفت وراء الدفاع عن الحق، ولا ينال الإنسان من وراء ذلك شيئًا بل يفقد حتى حياته، كإيزابيل التي قتلت نابوت اليزرعيلي كرمه، فلحست الكلاب دمها ( ١ مل ٢١: ١-23).

تطلبون ولستم تأخذون

لأنكم تطلبون رديًا، لكي تنفقوا في لذاتكم” ]٣[.

لقد سبق الرسول فعلل سبب عدم نوال الشيء بعدم الطلب “لستم تمتلكون، لأنكم لا تطلبون“. وما أصعب على الأب أن يرى أولاده محتاجين ولا يطلبون من أبيهم. غير أنه توجد فئة تطلب لكنها لا تأخذ. وليس السبب في الواهب بل في الطالبين، فبينما يرفعون كلماتهم في الصلاة إلاَّ أن قلوبهم مرتبطة باللذات في الأرض، فتكون صلواتهم مَكْرَهَة أمام الرب. إذ نستخدمها وسائل لتحقيق مآرب أرضيّة، وكأننا نقول للآب السماوي: “هب لنا عطايا أرضيّة، لأننا مرتبطون بالأرض، ونريد أن نرتبط بها، ولا نشتاق أن نتهيأ للسماء حيث يكون لنا نصيب معك”.

ما أثقل على نفس الأب أن يطلب الابن منه عطايا لكي يهرب بها من وجه أبيه، والعروس التي تطلب من عريسها هدايا ولا تطيق أن ترى وجهه!

يقول القديس غريغوريوس: [“كل ما تسألون الآب باسمي يعطيكم“. أما اسم الابن فهو “يسوع” أي مخلص. فالذي يسأل باسم المخلص هو ذاك الذي يسأل فيما يختص بأمر خلاصه. إذن فلتراجعوا طلباتكم لتنظروا ما إذا كانت باسم “يسوع” أي خاصة بأمور الخلاص، أم يطلب أحدكم عُرسًا وآخر حقلاً وثالث ثوبًا ورابع رزقًا وقوتًا… وهذه يجب أن تُطْلَب من الخالق القدوس لكن الأولى أن نتبع قول الرب: “اطلبوا أولاً ملكوت الله“[.

٢. تفقدنا سلامنا مع الله

أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله؟

فمن أراد أن يكون محبًا للعالم، فقد صار عدوًا لله” ]٤[.

يترجمها البعض “أيتها الزانيات Ye Adulteress”، وليس غريبًا أن يستخدم الرسول هذه الصيغة، لأنه في العهد القديم[3] كان يُشبَّه خيانة عهد الله والانحراف عن العبادة بالخيانة الزوجيّة، كما استخدم العهد الجديد[4] نفس التشبيه مُسَمِّيًا هذا الأمر “فسقًا” أي زنا روحيًا، فيه ترفض النفس البشريّة الاتحاد بعريسها (2 كو 11: 2) لتتحد بإله آخر. هذا الإله قد يكون إنسانًا معينًا أو شهوة مادة.

لكن يتساءل البعض: لماذا نعتبر محبة العالم عداوة لله وزنا روحيًا، مع أن الله خلق كل شيء من أجل الإنسان؟ الله لا يريد مضايقتنا أو حرماننا، لكن كبعلٍ للعروس أو خَتْنِها السماوي لا يقبل أن تلتصق بآخر. يريدنا أن نستعمل العالم. لكي نَتلَمَّس محبة الواهب دون أن يرتبط قلبنا بحب العطيّة ذاتها متجاهلين صاحبها. فالعالم في خلقته حسن (تك ١: 10)، لكن إذا تمسك الإنسان به، وانشغل عن الله يُقال: العالم كله وُضِعَ في الشرير (١ يو ٥: ١٩)، إذ لم يعد قنطرة للعبور إلى الأبديّة، بل تَعَبَّد له الإنسان وارتبط بمغرياته، وهكذا سقط في فخاخه. لهذا يوبخنا الرسول قائلاً:

أم تظنون أن الكتاب يقول باطلاً

الروح الذي حلّ فينا يشتاق إلى الحسد]٥[.

وكما يقول الله عن نفسه “لأني أنا الرب إلهك إله غيور” (خر ٢٠: ٥). فالروح القدس الساكن فينا يشتاق إلى الحسد أو يغير علينا غيرة مقدسة[5].

وكما يقول القديس إيرونيموس [لو لم يكن الله محبًا للنفس لما غار عليها ولا تَعَقَّبها على حب غيره، كالرجل الذي يتعقَّب عروسه على حبها سواه.]

ولكنه يعطي نعمة أعظم.

لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين،

وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة” ]٦[.

إن كان الله يغير علينا فإنه لا يتركنا وحدنا حتى لا نخور في أنفسنا (عب ١٢: ٣) لكنه يَهَب نعمة أعظم للمتواضعين الخاضعين لعمله (أم ١٦: ١٨)، أما الذين يتكلون علي ذواتهم فيقاومهم لأنهم ارتبطوا بروح إبليس المعاند.

فاخضعوا لله.

قاوموا إبليس فيهرب منكم]٧[.

إن كنا نرفض ملكوت إبليس يَلْزَمنا أولاً أن نقبل ملكوت الله بالخضوع له، بعد هذا نقاوم، وعندئذ لا يكون لإبليس سلطان علينا بل يهرب منا.

ويُشَبِّه القديس ذهبي الفم الشيطان بكلبٍ لا يبرح ملتصقًا بمائدة صاحبه مادام يُلْقَى إليه بين حين وآخر شيئًا منها. لكن إن كفَّ عن ذلك، فسيبقى إلى حين ثم ينقطع رجاؤه ويهرب من المائدة ليبحث عن مائدة أخرى. هكذا يَلْزَمنا أن نقاوم إبليس على الدوام ولا نعطيه مكانًا فينا (أف ٦: ١١، ١٣؛ ٤: ٢٧).

كيف نخضع لله ونقاوم إبليس؟

  1. 1. بالاقتراب منه “اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم”

رأى الأب المحب ابنه الضال راجعًا فتحنن وركض ووقع على عنقه وقَبَّله” (لو ١٥: 20). فما أن نرجع إلى الله حتى يرجع هو إلينا (زك ١: ٣)، لأنه ليس ببعيدٍ عنا، بل كما يقول “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ ٣: ٢٠).

بالتوبة ندخل إلى الله، وبدونها لا ننتفع بالبركات الإلهيّة التي نلناها في العماد، ولا نستحق التناول من الأسرار المقدسة للاتحاد بالرب، ولا نعرف كيف نصلي أو كيف نستمع إلى صوت الله في كتابه، أو كيف ندخل بيته، أو نُرَنِّم له ونسبحه ونشكره، أو نخدمه ونخدم أولاده الخ.

٢. “نقوا أيديكم أيها الخطاة

يقول القديس إكليمنضس الروماني[6]: [ليتنا نقترب إليه في قداسة النفس، رافعين أيادي نقيّة غير دنسة.]

يَلْزم ألاَّ تكون التوبة كلامًا أو مجرد مشاعر وعواطف بل سلوكًا أيضًا وحياة. لذلك طالب الرسول بنقاوة اليدين، أو نقاوة الأعمال. ويريدنا الرسول بولس أن نصلي رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال (١ تي ٢: ٨)، لأنه “من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين والنقي القلب” (مز ٢٤: ٤). ويؤكد الله “إن كَثَّرتم الصلاة لا أسمع”. وما السبب؟ أيديكم ملآنة دمًا” (إش ١: ١٥).

٣. “وطهروا قلوبكم يا ذوي الرأيين]٨[.

وهنا لم يقل “أيها الخطاة” بل “يا ذوي الرأيين” موضحًا أن طهارة القلب تعني وحدة الهدف، فلا يكون منقسمًا بين محبة الله ومحبة شيء آخر. هكذا عرَّف الأب موسى[7] نقاوة القلب الذي هو ترمومتر العبادة.

اكتئبوا ونوحوا وابكوا ليتحول ضحككم إلى نوح وفرحكم إلى غم” ]٩[.

يقول الأب نيلس السينائى: [قبل كل شيء اطلب من الله أن يَهبَك دموعًا، فربما تُلَيِّن الدموع الصلابة الكامنة في نفسك، وتكشف لك خطاياك من نحو الله، وبهذا يَهَبك الله عنها غفرانًا. استخدم الدموع كسلاح للحصول على طلباتك من الله، لأن الله القدير يُسَرُّ عندما تصلي بدموع… احذر الوقوع في انفعال عاطفي… فكثير من الناس ينسون الغرض من الدموع[8].]

ليعطنا الرب أن نرفع أعيننا بالدموع نحوه كالطفل تجاه أمه، فيكون لنا هذا الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنْشيء توبة لخلاص بلا ندامة (٢ كو ٧: ١٠).

جاء في سيرة القديس باخوميوس [في أحد الليالي إذ عبر باخوميوس ومعه تادرس تلميذه على مقابر فوجدا نسوة يَنُحْنَ ويَبْكِين، فتأثر باخوميوس لهذا المنظر مشتاقًا لو بكى الكل على خطاياهم حتى يقومون… لذلك قال لتلميذه: أما ترى هؤلاء كيف يَسْكُبْنَ دموعهن على أموات ليس لهن قدرة على إقامتهم؟ فكم يَلزمنا نحن المدعوين رهبانًا أن نندب أنفسنا الميتة بزلاتها لكي يقيمها السيد المسيح ويحييها برحمته!

على كل حال البكاء ممدوح إن كان بقصد صالح، كما كان يفعل سائر الآباء القديسين. فداود النبي يقول: “أُعَوِّم كل ليلة سريري بدموعي أُذَوِّب فراشي” (مز ٦: ٥)، فعني بالمساء هذا العالم، والصباح العالم الآتي. ويوسف بكى على إخوته… وناح إرميا النبي نادبًا شعبه[9].]

  1. “اتضعوا قدام الرب فيرفعكم” ]١٠[.

خشي الرسول أنهم في بكائهم يحسبون أنفسهم أفضل من غيرهم فيفقدون كل جهادهم. لهذا يقول الأب نيلس السينائي [عندما تسكب فيضًا من الدموع أثناء الصلاة لا تفتخر بذلك، ظانًا في فكرك أنك أفضل من آخرين، بل إن اعترافك بخطاياك وهبك دموعًا استجلبت حنان الله[10].]

٣. تفقدنا سلامنا مع الناس

رأينا أن محبة الأرضيّات تفقدنا سلامنا الداخلي وسلامنا مع الله، وبالتالي تُفْسِد نظرتنا للآخرين، فندينهم ونرى كأنهم أشرار. لذلك ينصحنا الرسول: “لا يذم بعضكم بعضًا أيها الإخوة. الذي يذم أخاه ويدين أخاه يذم الناموس ويدين الناموس، وإن كنت تدين الناموس فلست عاملاً بالناموس، بل ديانًا له” ]١١[.

إنه يوجه الحديث قائلاً: “أيها الإخوة“. فإذ نحن إخوة يليق بنا أن نستر ضعفات بعضنا البعض، مترفقين بالكل. فمن يذم أخاه يذم الناموس الذي أوصانا بمحبة القريب كنفوسنا، ومن يدين الناموس ويرفضه إنما يرفض واضعه مع أنه “واحد هو واضع الناموس، القادر أن يخلص ويهلك، فمن أنت يا من تدين غيرك؟” ]١٢[

إنه الديان الوحيد واضع الناموس الحب والرحمة وقادر أن يخلص، وقادر أن يدين، فَمَنْ نحن حتى ندين الآخرين فنسلب الله حقه وعمله؟

ذكر بلاديوس [حدث أن دان إسحق القس التبايسي أخًا على فعل ما، وذلك بعد خروجه من الجماعة ليتوحد في البريّة، فجاءه ملاك يقول له: “الرب يقول لك: أين تشاء أن تطرح نفس ذلك الأخ المخطيء الذي تدينه؟” فلما أدرك خطأه قال “أخطأت، اغفر لي”.]

ويقول الشهيد كبريانوس [لا يجوز لنا أن نسبق بالحكم مادام الرب نفسه هو الديان، اللهم إلاَّ إذا كان سيصادق على ما نحكم به الآن على الخطاة، حتى إذا وجد فيما بعد توبة صادقة وكاملة منهم[11].]

٤. لا تهبنا شيئًا

سِرُّ انجذابنا للشهوات وانشغالنا بالأرضيّات هو عدم إدراكنا لحقيقة غربتنا على الأرض، أو تناسينا لها، لهذا يوبخ الرسول قائلاً:

هلم الآن أيها القائلون

نذهب اليوم أو غدًا إلى هذه المدينة أو تلك وهناك نصرف سنة واحدة

ونَتَّجِر ونربح .

أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد،

لأنه ما هي حياتكم،

إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل” ]13 ١٤[.

ليس العيب في الاتجار، لكن في التحديد بأمرٍ قاطعٍ دون تسليم المشيئة للرب. حَسَنٌ للإنسان أن يدبِّر الأمور، متكلاً على الله، وشَرّ أن يظن أنه قادر على تدبير أموره بحكمته الخاصة. فالرب لا يُعلِّمنا التواكل بل الاتكال، بل يطلب الأمانة في كل عمل، لكن بغير كبرياء، كالغني الغبي الذي جمع الكثير، وظن أنه قادر أن يُشْبِعَ نفسه لسنين كثيرة، فطُلِبَتْ نفسه في ذات الليلة (لو ١٢: ١٥-٢١).

“ما هي حياتكم؟” هكذا يستخف الرسول بالحياة الزمنيّة من أجل قصرها، وكما يقول القديس ذهبي الفم[12]: [إن الحياة هنا وأمورها هي مجرد طريق، أما مسكننا فهو أمور الدهر الآتي. أمور هذه الحياة تُشْبِه الربيع، أما الحياة الأخرى فهي كالصخور لا تنهدم.]

لم يقل الرسول “لماذا تذهبون وتتاجرون”، إنما كان لومه هكذا: “عِوَض أن تقولوا إن شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك. وأما الآن فإنكم تفتخرون في تعظمكم، كل افتخار مثل هذا رديء” ]15 16[.

لقد كانت عادتهم أن يذهبوا إلى المدن الجديدة ويقضون عامًا تقريبًا ليتاجروا ويربحوا ويعودوا إلى بلدهم. لم يَلُمْهُمْ على هذا، إنما لامهم لأنهم لم يسلموا المشيئة في يدي الله، بل اتكلوا على ذواتهم وتخطيطاتهم وحكمتهم وتكبروا.

فمن يعرف أن يعمل حسنًا، ولا يعمل، فذلك خطيّة له]١٧[. وكأنه يجيبهم على سؤال وجهوه إليه: وهل في هذا العمل خطيّة؟ نحن لم نُؤْذِ أحدًا ولا أسأنا إلى الناموس، فلماذا تلومنا؟

بلا شك عدم الاتكال على الله خطيّة، لكن الرسول أجابهم بصورة أروع. “من يعرف أن يعمل حسنًا “أي يتكل على الله”، “ولا يعمل، فذلك خطيّة”. فماذا يكون الأمر إن كنتم تعرفون ما هو شر وتفعلونه؟

[1] حرصٌا على عدم الإطالة راجع مناظرات يوحنا كاسيان ص 462-474.

[2] راجع للمؤلف: كتاب “الكنيسة تحبك” ص 36-38.

[3] مز 73: 27، أش 54: 5، إر 2: 2، 3: 1، حز 16، 23: 37-43، هو 2: 2.

[4] مت 12: 39، 16: 4، رؤ 2: 20-22.

[5] خر 34: 14، تث 4: 24، 5: 9، 6: 15، يش 24: 19، حز 39: 25، نا 1: 2، زك 8: 2.

[6] للمؤلف: رسالة القديس إكليمنضس أسقف رومية طبعة 1967.

[7] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان 1..

[8] الفيلوكاليا عن الصلاة ص 8-9.

[9] للمؤلف: باخوميوس أب الشركة وتلميذه تادرس طبعة 67 ص 46.

[10] الفيلوكاليا عن الصلاة.

[11] للمؤلف: الحب الأخوي، 1964، ص 445.

[12] العناية الإلهيّة للقديس يوحنا الذهبي الفم مترجم عن الفرنسيّة لمدام عايدة حنا ف 11.

تفسير رسالة يعقوب 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version