تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني: دفاع عن رسوليته

من بين البراهين التي قدمها الرسول بخصوص رسوليته لقاءاته مع الرسل. في الأصحاح الأول تحدث الرسول عن اللقاء الأول مع القديس بطرس، الآن يحدثنا عن اللقاءين الثاني والثالث.

  1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس 1-10.
  2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس 11-21.

1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس

حث اللَّه القديس بولس لزيارة قادة أورشليم مرة أخرى بعد مرور أربعة عشر عامًا على تحوله[1]، أو ربما بعد زيارته الأولى. يرى بعض الدارسين أن هذه الزيارة تطابق ما ورد في (أع11: 29-30) حيث قام الرسول بها ليسد احتياجتهم أثناء المجاعة.

تختلف هذه الزيارة عن السابقة من عدة أوجه:

  1. رافق القديس بولس برنابا (اليهودي) وتيطس (الأممي) [1]، ليُعلن حبه لكل المؤمنين، أيا كان أصلهم، ولكي يحملا شهادة جديرة بالثقة ضد متهميه، بأن الرسل لم يجدوا تعارضًا في كرازته بل أمَّنوا عليها.
  2. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن رحلته الأولى كانت بناء على رغبة الرسول لزيارة بطرس، أما هذه الرحلة فكانت بناء على إعلان الروح. فلماذا هذا الإعلان بعد أربع عشرة سنة ليصعد ويتشاور مع الرسل لئلا يكون على أي حال قد سعى أو يسعى باطلاً؟]
  • لو أنه صعد دون إعلان، لكان التصرف فيه جهالة… يقول: قد صعدت وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به، ليس لأتعلّم، وإنما لأقنِع المتشككين إنني لا أسعى باطلاً. إذ سبق فرأى الروح أن هذا الخلاف سيحدث، لهذا دبر أن يصعد الرسول ويتصل (بالرسل)[2].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. لم يكن هذا اللقاء مع صفا وحده، بل ومع المعتبرين أيضًا؛ تحقق هذا اللقاء لا بطريقة عامة بل انفراديًا [2]؛ لماذا؟
  • لو أنه أنتهك (طقس) الناموس أو مُنع الختان لاستاء كل من في أورشليم؛ كما يقول يعقوب: “أنت ترى أيها الأخ كم يوجد رَبوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعًا غيّورون للناموس، وقد أُخبروا عنك أنك تُعلّم… ألا يسلكوا حسب الناموس” (راجع أع 21: 20). إذ كانوا (اليهود المتعصّبون) يقاومونه، لهذا لم يطرح أمر تعليمه على الجماهير، لكنه تشاور بالإفراد مع المعتبرين[3]

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. يُشير إلى هدف زيارته ونتيجتها. هدفها هو عرض الإنجيل الذي يبشر به بين الأمم لمدة 17 (أو 14) عامًا على المعتبرين أعمدة، ليس لأنه كان متشككًا من جهة تعليمه، وإنما من أجل نفع قابلي الإيمان، فيجد سندًا له من القادة ولا يضايقهم المتهودون (الإخوة الكذبة) [4].
  • عظيمة هي رغبته أن يكون حاملاً تصديقًا ومساندة من أولئك الذين تحت كل الظروف ينظر إليهم كمتحالفين مع التهود[4].

العلامة ترتليان

  • هنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: من كان هؤلاء الإخوة الكذبة؟ إن كان الرسل قد سمحوا بالختان في أورشليم، فلماذا يدعى الذين يشتركون معهم ويتفقون معهم في الحكم الرسولي “إخوة كذبة”؟

أولاً، لأنه يوجد فارق، بين الأمر بشيء لكي يتم وبين السماح به بعدما تم… أظهر (الرسل) سماحًا به كنوعٍ من التنازل لليهود، أما الإخوة الكذبة فقد أرادوا أن يحرموهم من النعمة ويخضعوهم تحت نير العبودية من جديد.

ثانيًا، سلك الرسل هكذا في اليهودية حيث كان الناموس نافذًا، أما الإخوة الكذبة فسلكوا في كل مكان، وتأثر الغلاطيون بهم، بهذا بدت نواياهم لا للبناء بل لهدم الإنجيل تمامًا…

أشار إلى عدائهم بدعوتهم جواسيس [4]، لأن هدف الجاسوس الأوحد هو أن يهيئ لنفسه ما يدمر ويخرب بمعرفته مركز عدوه المضاد؛ هذا ما فعله الذين أرادوا العودة بالتلاميذ إلى العبودية. هكذا يظهر كيف كان غرضهم مضادًا تمامًا لهدف الرسل. قدم الأخيرون امتيازًا بأن يحرروهم من عبوديتهم بالتدريج، أما الأولون فقد خططوا أن يخضعوهم لعبودية أكثر حدة[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أصر القديس بولس ألا يخضع للإخوة الكذبة، بقوله: “الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة” [5].

  • لاحظ هنا قوة العبارة وتأكيدها. لا يقل “بالحوار”، وإنما “بالخضوع”، لأن هدفهم لم يكن تعليم العقائد الصالحة، وإنما إخضاعهم واستعبادهم، لذلك يقول إننا نذعن للرسل(6) وليس لهم…

وأما المعتبرون أنهم شيء مهما كانوا لا فرق عندي. الله لا يأخذ بوجه إنسان[6]. هنا ليس فقط لا يدافع عن الرسل؛ وإنما أيضا يهاجم هؤلاء القديسين من أجل نفع الضعفاء…

فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليّ بشيء[6]… لم يعارضني الرسل بل تآلفت آراؤنا وتوافقت. هذا يظهر من التعبير “أعطوني يمين الشركة” [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لم تنحصر هذه المقابلة في عدم إضافة شيء إلى إنجيله فحسب، وإنما أخذوا قرارات خاصة بتقسيم حقل الخدمة إلى كرازة لليهود وأخرى للأمم. فصارت كرازة القديس بولس الرئيسية وسط الشتات، أي للأمم (واليهود) الساكنين خارج فلسطين. أما القديس بطرس ورفقاؤه فيستمرون في مزاولة عملهم الكرازي في فلسطين (أورشليم) [7-9]. لاحظ مرة أخرى مدى حرص القديس بولس على تقديم نفسه كرسولٍ على نفس المستوى تمامًا مع الرسول بطرس, وإنه لا يوجد إنجيلان، إنما هما إرساليتان لإنجيلٍ واحدٍ حق، وذلك بمثابة إعلان عن وحدة الكنيسة والوحدانية في المسيح للاثنين معًا اليهود والأمم مبنيين على وحدة الإيمان.

يرى كثير من المفسرين أن (أع 15: 1-29) يقابل ما ورد هنا حيث يحسب ما جاء هنا تكملة لما حدث في مجمع أورشليم.

أشار القديس بولس إلى تيطس الأممي غير المختون ذاكرًا أن المعتبرين أعمدة لم يُلزموه بالختان [3-5]. يعتقد بعض المفسرين أن التشديد هنا على كلمة “يلزموه“، وأن تيطس حقًا قد وافق أن يختتن بناء على حوار مع بولس يخص علاقته بأورشليم[6]، فصار موقف تيطس شهادة على إقراره الأعمدة في الكنيسة على إنجيل بولس .

أما “يمين الشركة” التى أعطيت لبولس فيراها القديس أغسطينوس تعنى: [علامة التناغم والتوافق، أن ما أخبرهم به لا يختلف عن (منهجهم) بأي وجه من الوجوه[7] .]

يذكر القديس بولس اعتناءه بالفقراء من اليهود [10]. فإن كان من جهة الكرازة قسّم العالم بينهم، فصار هو كارزًا للأمم وهم لليهود، لكن بخصوص الاهتمام بالفقراء من اليهود ساهم بنصيبه (رو25:15).

2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس

تم هذا اللقاء بعد عام 50م, قبل كتابة هذه الرسالة. فقد جاء القديس بطرس إلى أنطاكية وهى مركز عمل كرازي مسيحي أممي واختلط في حرية مع جميع المؤمنين القادمين من الوثنية كما من اليهودية. ولكن عندما وصلت مجموعة من المتهودين قادمين من أورشليم بدء بطرس يتراجع عن الرفقاء وشركة الطعام. لاحظ القديس بولس إن كثيرين من اليهود المسيحيين بدأوا يحتذون به لذلك واجهه كرسول مثله ووبخه علانية.

هنا يستشهد القديس بولس بكلماته التي وجهها للقديس بطرس [15-16] عندما وبخه، ليؤكد حقيقة توافقهم المشترك، أن التبرير بالنعمة لا بطقوس ناموس موسى، وأيضا ليُظهر أن سلوك القديس بطرس لم يقم على تغير فكري جوهري بخصوص طبيعة الإنجيل ومضمونه، إنما بسبب انضمامه برياء ليمثل أناسًا معينين. هدف القديس بولس في رسالته إلى غلاطية ليس سردًا تاريخيًا وإنما الإرشاد[8].

يرى العلامة ترتليان والقديسون أغسطينوس وكبريانوس وأمبروسيوس وكيرلس الاسكندري أن القديس بطرس سلك هكذا عن ضعف؛ أما القديسان جيروم ويوحنا الذهبى الفم فلهما رأي مخالف، وهو أنه سلك هكذا ليعطي القديس بولس رسول الأمم الفرصة ليشرح أن التبرير بالإيمان لا بأعمال الناموس.

  • كثيرون عند قراءتهم السطحية لهذا الجزء من الرسالة يظنون أن بولس قد اتهم بطرس بالرياء. لكن الأمر غير هذا؛ حقًا لم يكن هكذا، بل كان مختلفًا تمامًا. فستكتشف حكمة عظيمة من جهة الاثنين: بولس وبطرس مختفية هنا لأجل منفعة السامعين…

صرح الرسل في أورشليم كما قلت سابقًا أن قطع أعمال الناموس بطريقه مفاجئة أمر غير عملي؛ لكنهم عندما جاءوا إلى أنطاكية لم يستمروا في حفظها، بل عاشوا دون تمييز بين المؤمنين القادمين من الأمم، هذا ما فعله بطرس أيضًا في ذلك الحين. ولكن عندما جاء البعض من أورشليم، وسمعوا عن التعليم الذي نُودي به هناك توقف (بطرس) خوفًا من أن يربكهم، مغيرًا تصرفاته، واضعًا سرًا أمام عينيه أمرين: هما تجنب الإساءة إلى اليهود وإعطاء الفرصة لبولس بحجه معقولة أن يوبخه.

لقد سمح بالختان عند تبشيره في أورشليم ثم غير مسلكه في أنطاكية، لأن مسلكه كان يبدو لدى هؤلاء المتهودين ناشئًا عن خوفه من بولس، وبهذا كان تلاميذه يدينونه على تهاونه الشديد. هذا (أي بقاؤه يأكل مع المؤمنين من الأمم غير المختونين) كان يخلق عثرة ليست بقليلة، أما بالنسبة لبولس الذي كان على علمٍ يقينٍ بكل الحقائق، فإن انسحاب بطرس ما كان يسبب تشككًا فيه، إذ هو عارف ما هيّة دوافعه في هذا التصرف. لهذا قام بولس بالتوبيخ وخضع بطرس حتى إذ يُلام السيد ويصمت تمكن للتلاميذ أن يتقبلوا الموقف…

كما خضع بولس للرسل في أورشليم، خضعوا هم له بالمثل في أنطاكية.

  • لم يكن هدف بولس إصلاح بطرس، لكنه قصد بالنقد القاسي الموجه إليه إصلاح التلاميذ، ليس فقط الذين في غلاطية بل وكل الذين يشتركون في ذات الخطأ[9].

القديس يوحنا الذهبى الفم

ذُكرت هنا كلمات التحذير والإرشاد الموجه إلى القديس بطرس بقصد نفع الغلاطيين. في هذه الكلمات يصف القديس بولس نفسه كيهودي بالميلاد أو بالطبيعة [15]، ثم يسترسل مؤكدًا أن هذا الميراث اليهودي في ذاته ليس طريقًا للتبرير (انظر في 2: 3 – 11)،  فالأمم في نظر اليهود خطاة [15]، لأنهم لم يشاركوا في الميراث اليهودي القومي ممثلاً في الناموس والعهد. أما بالنسبة لبولس فاليهود كما الأمم خطاة (رو 3: 2223). الجميع على حد سواء يحتاجون إلى نعمة الله التي يتقبلونها خلال الإيمان (رو 24:3 – 25)[10] .

في نظر القديس بولس، الأبعاد الجذرية للخطية هي الكبرياء والافتخار، الأمر الذي إستُعبِد له كل من اليهود (رو 17:2، 23) والأمم (1 كو 19:1-31).

عبرَّت الآيات (19-21) عن الأوجه الأساسية للحياة الجديدة:

  1. لأني مُت بالناموس للناموس لأحيا لله [19], يموت المسيحي للناموس إذ يشارك المسيح في صلبه وقيامته [20]، فيبلغ بهذا الحياة الجديدة، الحياة المقامة، وهكذا يتجرد حكم الناموس من قوته.
  • يمكن أن يُفهم بمعنى آخر: يطالب الناموس بتنفيذ كل وصاياه، معاقبًا من يعصيها، لهذا صرنا نحن جميعًا أمواتًا للناموس، إذ لا يوجد من يتمم كل الوصايا. لاحظ هنا قوله: “لأني مت“، إذ لم يقل: “مات الناموس لي”، إنما “مت أنا للناموس”، بمعنى أنه كما يستحيل على جسد ميت أن يطيع أوامر الناموس، هكذا بالنسبة لي أنا الذي هلكت بلعنته وقتلتني كلمته (حكمت علىٌ بالموت).
  • لئلا يعترض أحد قائلاً إنه يجب أن أكون موضوعيًا: كيف أنت حي مع إنك قد “مُت”؟ لذلك يضيف علة حياته، مظهرًا أنه حين كان حيًا قتله الناموس، وإذ صار ميتًا أحياه المسيح بالموت.
  • لأني مت بالناموس للناموس، لأحيا لله[19]، بمعنى أنه بالتفسير الروحي للناموس مات عن التفسير الحرفي (الجسدي) له. ونحن بناموس ربنا يسوع صرنا أمواتًا للناموس الذي يعاقب بهذه الأحكام المهلكة[11].

 القديس أمبروسيوس

  1. مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ؛ فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني، وأسلم نفسه لأجلى[20]. لقد صُلب ربنا لا لأنه خاطىء وإنما لكي يفدي بحبه الخطاة. ونحن، كأعضاء جسده يليق بنا أن نشاركه حبه العملي خلال:

* صلبنا معه               (20).

* صلب الجسد             (24:5).

* صلب العالم لنا           (6: 14).

* صلبنا نحن للعالم         (14:6).

بهذا الصلب أقبل (السيد المسيح) بكونه قيامتي وحياتي، قائلاً إنني مع المسيح صُلبت، لكنني أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ (كو 4:3).

مع المسيح صلبت [20]0 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الكلمات تشير إلى ألمعمودية. بالشركة مع المسيح في صلبه وموته يموت الشخص عن إنسانه القديم، ويتحرر من طاغية الماضي ومن (محبة) العالم ومن الأنا ego0 وبالشركة في قيامة المسيح يعيش الإنسان لله متحررًا من أجل ممارسة الحياة الملتزمة وقبول الطاعة بشكر.

مع المسيح صلبت؛ الصيغة اليونانية (فعل تام) تشير إلى أن الحالة التي اكتسبها الإنسان يوم تبريره بالمعمودية لا تزال قائمة[12].

  • مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيٌ، حياتنا يا إخوتي ما هي إلا جحد للجسديات، والاستمرار بثبات فيما يخص مخلصنا وحده.
  • لأن هذه هي الحياة الحقة التي يعيشها الإنسان في المسيح، فبالرغم من أن (المؤمنين) أموات عن العالم لكنهم يعيشون كمن هم في السماء، مهتمين بالأمور العلوية. من يحب مثل هذه السكنى يقول: “إن كنا نسير على الأرض لكننا نقطن في السماء”[13].

 البابا أثناسيوس الرسولى

  • التعبيرأحيا لا أنا” يصدر عن صوت من يجحد نفسه؛ يلبس المسيح ويلقى ذاته جانبًا، وذلك لكي يسكن المسيح فيه بكونه البرّ والحكمة والتقديس وسلامنا (1 كو 30:1؛ أف 14:2)، وقوة الله، الذي يعمل كل شيء فيه[14].

العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس: [أن السيد المسيح يحيا فينا [20]، لهذا عند صلبه قال لأمه بخصوص القديس يوحنا: “يا إمرأة هوذا ابنك ” (لأن السيد المسيح ساكن فيه)، وهكذا كل من يصير كاملاً لا يحيا لذاته بل يحيا المسيح فيه.]

  1. تُمارس الحياة الجديدة ونحن في الجسد [20]، أي ونحن بعد في العالم. لا يفترض القديس بولس مطلقًا أن الحياة المسيحية تستوجب الانسحاب من العالم، إنما بالإيمان يشترك المؤمن وهو في العالم في صلب السيد المسيح و قيامته، فيموت عن الإنسان العتيق و يحيا لله في المسيح.
  2. يُعرف القديس بولس مضمون هذا الإيمان ودافعه إنه إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. فالصلب هو عمل قراري فيه عطاء الذات (النفس) للغير من أجل الحب (4:1). أننا ننتفع بآلام السيد المسيح بالإيمان، حيث ننالها في طاعة شاكرة لوصية الحب (6:5؛ 13=25؛ يو 13:9). الحب هو تسليم كامل غير مشروط لإرادة الله وهو عطاء النفس للغير؛ هذا ما يعلنه حب الله الذبيحي على الصليب.

براهين القديس بولس في سطور

* يرى اليهود أنهم ليسوا خطاة كالأمم [15]. لهذا كانوا في حاجة إلى أعمال الناموس، ليكتشفوا إنهم خطاة، وفي حاجة إلى مخلص الخطاة. أما الأمم الذين لم ينكروا أنهم خطاة فليسوا في حاجة إلى الناموس.

* عندما آمن اليهود بالسيد المسيح مخلص الخطاة اعترفوا أنهم خطاة؛ وعودتهم إلى أعمال الناموس بعد قبولهم بالإيمان يعنى عجز المسيح عن أن يبررهم فيرجعون إلى الناموس كي يبررهم. وكأنهم يرجعون إلى الناموس كخطاة، فيُحسب المسيح خادم الخطية؛ حاشا![15] بمعنى آخر كأنهم يُعلنون أنهم بالمسيح اكتشفوا أنهم خطاة ويحتاجون إلى الناموس ليبررهم.

يجدر بنا ملاحظة أن القديس بولس لم يرفض التقليد اليهودي بكليته. فقد اقتبس في هذه الرسالة من التقليد اليهودي، بل واستخدم هذه الاقتباسات ليؤكد أنه ليس فقط الأمم وإنما اليهود أيضًا يجب أن يتبرروا بالإيمان. استخدم الاقتباسات ضد المتهودين أنفسهم[16]، كما سنرى في الأصحاحين الثالث والرابع.

القديس بولس والحياة الكنسية

كما سبق فرأينا، أكد القديس بولس أنه لم يكن تلميذًا لأي رسول، وإنما كان مساوٍ لهم، وذلك لأجل نفع سامعيه. هذا لا يعنى أنه حمل اتجاهًا فرديًا منعزلاً. فقد دعاه السيد المسيح نفسه ومع ذلك وجهه إلى حنانيا، لا ليعتمد فحسب وإنما لكي يتعلم (أع 6:9). وهبه الله استنارة الذهن والقلب، وأعلن له أسراره من أجل الطريق الجديد: التبشير بين الأمم. حتى في هذا كان على اتصال بالرسل أيضًا، لا عن تشكك، وإنما لإعطاء قوة لرسالته، وللدفاع عن نفسه أمام الإخوة الكذبة.

  • عندما دعا المسيح بشخصه بولس وتحدث معه، كان يمكنه أن يفتح أمامه طريق الكمال مباشرة، لكنه بالحرى اختار أن يوجهه إلى حنانيا، وأوصاه أن يتعلم منه طريق الحق (أع 6:9).

يقول “وإنما عرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالإنفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً[2]. ولكن إذن يعتمد على نفسه وحده ويكون أعمى إذ يتجاسر ويثق في حكمه الذاتي وتمييزه، بينما يعترف الإناء المختار أنه كان في حاجة إلى الاجتماع مع رفقائه الرسل! هكذا نرى بوضوح أن الرب نفسه لا يُظهر طريق الكمال لمن أُعطيت له فرصة التعلم، لكنه يحتقر تعاليم الشيوخ واختباراتهم، غير مبالٍ بالقول: اسأل أباك فيخبرك وشيوخك فيقولون لك (تث 7:32)[17].

الأب موسى

[1] A New Catholic Commentry, p. 1176.

[2] In Galat., Chapter 2.

[3] In Galat., Chapter 2.

[4] Against Marcion, 5:3.

[5] In Galat., Chapter 2.

[6] V. P. Furnish. P. 282.

[7] Sermons on New Testament Lessons, 51:1.

[8] V. P. Furnish, p. 285.

[9] In Galat., Chapter 2.

[10] V. P. Furnish, p. 286.

[11] Sermon against Auxentius, 24.

[12] A New Catholic Commentary, p. 1178.

[13] Festal Letters 5:4; 7:3.

[14] Comm. On Matt. Book 12:25.

[15] A New Catholic Commentary, p. 1178.

[16] Collegeville Bible Comm. P. 1075.

[17] Cassian, Conferences, 2:15.

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

الإيمان والأعمال

 

بعدما تحدث الرسول عن موقفنا كأبناء لله عابدين بالحق، بدأ يوجه النظر في هذا الأصحاح إلى أهمية الأعمال للإيمان:

١. الإيمان والمحاباة بين العابدين                      ١ – ٣.

 أولاً: تضاد الله المهتم بالفقراء                ٤ – ٥.

 ثانيًا: الأغنياء أكثرهم يثيرون مشاكل ٦ – ٧.

 ثالثًا: تملق الأغنياء يكسر الوصية            ٨ – ١١.

 رابعًا: احتقار الفقراء يفقدنا الرحمة            ١٢ – ١٣.

٢. الاتكال على الإيمان بدون الأعمال                  ١٤.

 أولاً: مثالان لإيمان ميت                      ١٥ – ١٨.

 ثانيًا: مثالان لإيمان حي بالأعمال            ٢٠ – ٢٤.

 ثالثًا: ضرورة تلازم الإيمان مع الأعمال        ٢٥.

1. الإيمان والمحاباة بين العابدين

يا اخوتي لا يكن[1] لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة” ]١[.

يلقب الرسول ربنا يسوع المسيح بـ “رب المجد” لكي يرفع أنظار المؤمنين إلى المجد السماوي الحقيقي، فلا يحابون الناس على أساس الغنى والكرامة والمجد زمني، بل يحبون الكل كإخوة لهم ميراث أبدي مرتبطون بإيمان الرب.

خلال هذه الإخوّة يوجه لهم الحديث قائلاً: “يا إخوتي“، مُظهِرًا أنه لا بوجد تحيز ولا محاباة بل الكل أعضاء لجسدٍ واحدٍ. هذا هو الإيمان الحي العامل.

وكما يقول القديس إكليمنضس أسقف روما:

[لا وجود للعظيم بغير الصغير، ولا للصغير بدون العظيم، بل يرتبط بعضنا البعض لأجل نفع الجميع. لنأخذ الجسد كمثال: فالرأس لا يقدر أن يوجد بغير الرجلين، ولا الرجلان بغير الرأس، “بل بالأولى أعضاء الجسد التي تظهر أضعف هي ضرورية” (١ كو ١٢: ٢١-٢٢)، ونافعة للجسد كله. نعم إن الأعضاء كلها تعمل في وفاق، وترتبط مع بعضها في طاعة كاملة لأجل سلامة الجسد كله.

بهذا نحفظ جسدنا المسيحي أيضًا في كماله، فيخضع كل منا لصاحبه حسب عطيّته الخاصة. فيلزم على القوي أن يهتم بالضعيف، والضعيف أن يحترم القوي. ويعول الغني الفقير، والفقير يشكر الله الذي وهبه من يعوله. والحكيم لا يُظهِر حكمته في كلام بل في أعمال صالحة. والمتواضع لا يتباهى بتواضعه بل يترك الشهادة له من الغير. والعفيف أيضًا لا يفتخر عالمًا أن ضَبْطَ نفسه هو عطيّة من آخر (الله). يلزمنا أن نحب الإخوة من القلب، هؤلاء الذين خلقوا من نفس المادة التي خلقنا نحن منها[2].]

الإيمان يلزم ترجمته عمليًا في عمل المحبة الذي يجعلنا نحب الجميع بلا تمييز أو محاباة. وقد كشف الرسول عن علامة المحاباة وخطورتها قائلاً:

فإنه إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهيّ،

ودخل أيضًا فقير بلباس وسخ .

فنظرتم إلى اللابس اللباس البهيّ،

وقلتم له اجلس أنت هنا حسنًا،

وقلتم للفقير قف أنت هناك أو اجلس تحت موطيء قدميَّ “] 23[.

كيف لا تكون هناك محاباة بين العابدين إن حدث هذا التمييز؟

١. تمييز الغني بالقول له “اجلس أنت هنا حسنًا”.

لم يقل الرسول “إن دخل إلى مجمعكم غني” بل “إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهيّ” أي إنسان عليه علامات الغنى والكبرياء. إذ كان بعض الرجال الأغنياء يلبسون خواتم ذهبيّة كثيرة ويهتمون باللباس البهيّ الفاخر لنوال الكرامة والمجد الزمني. ويكشف الرسول عن روح المحاباة ليس فقط في تقديم الأغنياء في أماكن خاصة في أماكن العبادة، بل يقول “ونظرتم إلى الملابس…” أي أعطيتم لهم أهميّة. ولم يقل “دخل إلى كنيستكم” بل “إلى مجمعكم“، وربما هذا للتوبيخ إذ لا يليق هذا التحيز بالكنيسة.

٢. احتقار الفقير بأمره بالوقوف أو الجلوس عند أقدام الغني

يقول القديس إأمبروسيوس: [ما هو النفع الذي يعود عليك بتكريمك (محاباتك) للغني؟ هل لأنه أكثر استعدادًا لإبقاء محبة الآخرين له؟ فنقدم المعروف لمن نتوقع منهم أنهم سيوافوننا عنه. إنه يلزمنا أن نفكر بالأكثر فيما يخص الضعفاء والمحتاجين لأننا بسبب هؤلاء نترجى الجزاء من الرب يسوع، الذي في مثال وليمة العرس (لو ١٤: ١٢-١٣) قدّم لنا صورة عامة للفضيلة. فقد طلب منا أن نقدم أعمالنا بالأكثر لمن ليس في قدرتهم ردها لنا[3].]

وخطورة التمييز بين الأغنياء والفقراء هي:

أولاً: تضاد الله المهتم بالفقراء

فهل لا ترتابون في الأمر وتصيرون قضاة أفكار شريرة.

اسمعوا يا إخوتي الأحباء،

أمَا اختار الله فقراء هذا العالم أغنياء في الإيمان

وورثة الملكوت الذي وعد به الذين يحبونه،

وأمَّا أنتم فأهنتم الفقير” ] 45 [.

وكأن الرسول يقول: هل يحتاج الأمر إلى تفسير أو توضيح؟ أمَا تحكم عليكم ضمائركم في داخلكم من جهة أفكاركم الشريرة هذه؟

وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إن كان ملكوت الله للمساكين فمن هو أغنى منهم؟]

وكما يقول القديس أغسطينوس: [الجميع عند الله متساوون، إنما تسمو منزلة كل واحد منهم حسب إيمانه وليس حسب أمواله.]

هكذا لا يميز الله بيننا حسب غنانا، بل أعطى اهتمامًا بالفقراء من أجل مذلتهم، واعتبر كل إهانة تلحق بهم مُوَجَّهَة ضده، لهذا ينصحنا الكتاب المقدس قائلاً: من قدم ذبيحة من مال المساكين فهو كمن يذبح الابن أمام أبيه” (سي ٣٤: ٢٤). من أجل هذا تقف الكنيسة نصيرة للمساكين، موبخة الأغنياء الظالمين، حتى قال القديس يوحنا ذهبي الفم:

[كثيرون ينتهرونني قائلين: أنت دائمًا تُضيِّق على الأغنياء، وهم بالتالي يُضيِّقون على الفقراء.

حسنًا إنني أُضيِّق على الأغنياء، أو بالحري ليس على الأغنياء بل على الذين يُسيئون استخدام الأموال. فأنا لا أهاجم أشخاصهم بل جشعهم. فالغِنَى شيء والجشع شيء آخر، وجود فائض شيء والطمع شيء آخر.

هل أنت غني؟ أنا لا أمنعك من هذا. كن هل أنا جشع؟ إنني أتوَعَّدك… إنني لن أسكت.

هل تهاجمني بسبب هذا؟ إنني مستعد أن يُسْفَك دمي، لكنني أريد أن أمنعك عن أن تخطيء. إنني لا أُكِنُّ لك بغضة، ولا أشنّ عليك حربًا، إنما أريد أمرًا واحدًا هو نَفْع المستمعين إليَ.

إن الأغنياء هم أولادي، والفقراء أيضًا أولادي. إن رَحمًا واحدًا (المعموديّة) تَمَخَّض بهم بشدة. فالكل هم نسل لمن تَمَخَّض بهم. فإن كنت تَكيل الإهانات للفقير، فإنني أَتَوَعَّدك لأن الفقير في هذه الحالة لا تحل به خسارة مثلك. لأنه لا يسقط في الخطأ بل ما يصيبه من خسارة هو مجرد فقدانه المال،أمَّا أنت فكغني تلحق بك الخسارة في روحك[4].]

ثانيًا: كثير من المشاكل يسببها الأغنياء

أليس الأغنياء يتسلطون عليكم؟ وهم يجرونكم إلى المحاكم!

أمَّا هم يُجَدِّفون على الاسم الحسن الذي دُعِيَ به عليكم!]6 ٧[.

كأن الرسول يقول: لماذا تحابون الأغنياء مع أن أغلب المشاكل تنبعث منهم؟

تطلَّعوا فإن الأمم الوثنيين قَبِلوا الكلمة بإيمانٍ وفرحٍ (أع ١٣: ٤٨)، بينما ثار اليهود الأغنياء ماديًا وأغنياء في الاعتداد بالذات وحب الكرامة الزمنيّة ضد الإيمان، إذ يقول سفر الأعمال “ولكن اليهود حركوا النساء الشريفات ووجوه المدينة وأثاروا اضطهادًا على بولس وبرنابا وأخرجوهما من تخومهم (13: 50).

وظاهر من قول الرسول “يتسلطون عليكم” إن احترامهم وتملقهم ومحاباتهم للأغنياء لا يقوم على أساس الحب والاحترام بل التملق والمداهنة.

ثالثًا: تملقهم ينافي الناموس

فإن كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب

تحب قريبك كنفسك فحسنًا تفعلون.

ولكن إن كنتم تُحابون تفعلون خطيّة،

مُوَبَّخين من الناموس كَمُتَعَدِّين” ]8 ٩[.

فلو أن تكريمهم نابع عن الحب لكان في ذلك تكميل للناموس الملوكي، وكان عملهم هذا حسنًا جدًا. لكن إذ الدافع هو المحاباة، لذلك فقد انحرفوا وتعدوا الناموس، وصار عملهم خطيّة.

وقد دعا القديس إكليمنضس السكندري[5] الذين لا يعملون بالحب ولا يخدمون إخوتهم أنهم غير سالكين في “الطريق الملوكي”. لقد دُعِيَت “المحبة” بالناموس الملوكي.

  1. لأنها شريعة ملكوت السماوات وقانونها الذي يسود السماء إلى الأبد.
  2. لأنها الطريق الذي يبلغ بنا إلى ملك الملوك ذاته، بل هو نفسه “المحبة”، أي هو “الطريق”.

وقد أوضح لنا الرب أنه بالمحبة يتعلق الناموس والأنبياء (مت ٢٢: ٤٠)لأن كل الناموس في كلمة واحدة يُكْمَل: تحب قريبك كنفسك(غل ٥: ١٤).

يقول القديس أغسطينوس: [يقول الرسول: المحبة هي تكميل الناموس. فإذا وجدنا المحبة ماذا نحتاج بعد! وإذا خسرنا المحبة أي ربح يمكننا أن نجنيه؟ لنتمسك بوصية الرب (يو ١٥: ١٢) بأن نحب بعضنا بعضًا وبهذا نُنَفِّذْ كل الوصايا.]

إذن فلنحرص على حفظ الوصيّة أي محبة القريب حتى لا نكسر الناموس.

لأن من حفظ الناموس،

وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل.

لأن الذي قال لا تزن،ِ قال أيضًا لا تقتل.

فإن لم تزنِ ولكن قتلت فقد صرت متعديًا الناموس” ]10 ١1[.

يثير هذا النص تساؤلاً: هل كل الخطايا متشابهة، فمن يقتل عمدًا كمن يكذب عن إكراه؟ لقد كتب القديس أغسطينوس[6] رسالة إلى القديس چيروم يشرح له فيها هذا النص وقد أوضح فيها:

  1. أن الخطايا بالعمد مثل القتل عمدًا ليس كالهفوات التي تصدر عن ضعفٍ بشريٍ أو بغير إرادةٍ أو عن جهلٍ. غير أن جميع الخطايا عقابها الموت الأبدي، وجميع الخطايا لا يمكن التطهير منها إلاَّ بدم السيد المسيح.
  2. يقصد الرسول بهذا النص أن خطيّة “عدم المحبة” والاستهانة بالفقير ومحاباتنا للأغنياء، تجعلنا نكسر الناموس كله.

ويجدر بنا أن نلاحظ:

  1. أن قول الرسول “وإنما عثر في واحدة” تعني هنا الاستهانة بها، وبالتالي الاستهانة بواضع الوصيّة.
  2. يريد الرسول منا أن نجاهد ضد الثعالب الصغيرة، لأن البشر غالبًا ما يهتمون بالخطايا التي بحسب نظرهم كبيرة لكنهم لا يهتمون بما يحسبونه خطيّة صغيرة. وبهذا يغلق الرسول باب الخداع الذي تفتحه لنا الخطيّة لنستهين بها.
  3. هذا لا يعني أن المؤمنين لا يخطئون قط، وإنهم إن أخطأوا ولو عن جهل أو بغير إرادة أو في ضعف يفقدوا كل شيء، إنما يوجه الرسول أنظارنا إلى الصليب، فمهما كانت الخطيّة يَلزَم التوبة عنها.

رابعًا: احتقار الفقراء يفقدنا الرحمة

هكذا تكلموا وهكذا افعلوا كعتيدين أن تُحاكَموا بناموس الحريّة.

لأن الحُكْم بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة.

والرحمة تفتخر على الحُكْم]12 ١٣[.

“هكذا تكلموا وهكذا افعلوا” أي ليكن هو موضوع كرازتكم وموضوع سلوككم أن تصنعوا الرحمة مع إخوتكم فتنالوا رحمة يوم الدين. فإذ نُحاكَم بناموس الحريّة هكذا لا نتمتع بالتحرر الأبدي من الكثير ما لم نعتق إخوتنا مما هو قليل وزمني، ولا ننتفع بمراحم الله غير المحدودة ما لم نترفق بإخوتنا فيما هو محدود. وقد ضرب لنا الرب مثلاً بالعبد الشرير الذي سامحه سيده بعشرة آلاف وزنة أمَّا هو فلم يسامح أخاه في مئة دينار، بل أمسك به وأخذ بعنقه وألقاه في السجن بوحشيَّة، فخسر الأول ما قد سامحه به سيده (مت 18: 23-34).

يقول القديس باسيليوس الكبير: [من أجل أنك لا ترحم الآخرين فلا يصنع بك رحمة. ولأنك أغلقت باب بيتك إزاء المساكين فلا يفتح لك الله باب ملكوته، وكما أمسكت بالخبز عن البائسين حينما كانوا يطلبونه منك هكذا يمسك الله عنك الحياة الأبديّة التي تطلبها. إنكم ستحصدون ما زرعتم. فإن كنتم قد زرعتم المرارة فستحصدون المرارة، وإن زرعتم القسوة فلا تحصدون سوى الأتعاب القاسية والعذابات الهائلة. وإن كنتم قد هربتم من الرحمة تهرب الرحمة منكم، وإن رذلتم الفقراء يرذلكم ذاك الذي صار فقيرًا حبًا فيكم[7].]

٢. الاتكال على الإيمان بدون الأعمال

يجدر بنا أن نراعي أن الرسول يعقوب كان يحث أناسًا مؤمنين انحرف بعضهم في سلوكهم تحت دَعْوَى أن دم المسيح يطهر وكافٍ لخلاصهم دون حاجة إلى الجهاد والمثابرة، لذلك وجه إليهم الحديث قائلاً:

ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد أن له إيمانًا ولكن ليس له أعمال؟

هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟” ]١٤[.

لقد سبق أن رأينا أن الأعمال التي يقصدها الرسول يعقوب غير ما قصده الرسول بولس. فالإيمان وحده لا يقدر أن يخلص، فحنانيا وسفيرة آمنا بالرب لكن بسبب انحرافهما عن السلوك في النور هلكا (أع ٥: ٩). ويذكر لنا الرب (مت ٧: 21-23) من بين الهالكين أناسًا مؤمنين بل وأصحاب مواهب ومعجزات لكن إذ ليس لهم أعمال يقول لهم “إني لا أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم“.

وإذ تحدث البابا أثناسيوس الرسولي عن أهمية الأعمال قال إن الرسول بولس دائمًا يبدأ بالحديث عن الإيمان، ولا نفع لإيماننا بغير أعمال. يقول البابا: [بحق يَلزمنا أن نبحث في الفكر الرسولي، لا في بداية الرسائل بل وفيما جاء بنهايتها وفي صُلْبِها حيث يورد المعتقدات (الإيمان) والنصائح (الأعمال)… وقد استخدم موسى المؤمن – خادم الله – نفس الطريقة لأنه عندما أذاع كلمات الشريعة الإلهيّة، تكلم أولاً عن الأمور الخاصة بمعرفة الله… (تث ٦: ٤) وبعدما أشار للشعب عن الله وعلمهم بمن يؤمنون به وأخبرهم عن الله الحقيقي، عندئذ بدأ يقدم الشريعة الخاصة بالأمور التي بها يكون الإنسان مرضيًا لله قائلاً: “لا تزنِ. لا تسرق” مع بقيَّة الوصايا. هكذا بحسب التعليم الرسولي: “يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه” (عب ١١: ٦). الآن فإنه يُبْحَث عن الله عن طريق الأعمال الصالحة كقول النبي: “اطلبوا الرب ما دام يُوجد. ادعوه وهو قريب. ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره” (إش ٥٥: 6-7) [8].]

أولاً: مثالان لإيمان ميت

  1. إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي.

فقال لهما أحدكم امضيا بسلام استدفئا واشبعا،

ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة؟

هكذا الإيمان أيضًا، إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته“] 15 ١٧[.

يشبه الإيمان بغير أعمال بالحنو الكلامي تجاه المتألمين دون محاولة التنفيذ.

ونلاحظ أن الرسول يقول: “إن كان أخ أو أخت” ليظهر مقدار المسئوليّة تجاههما، كما يتحدث عن مقدار الضنك الذي بلغاه، ثم يُحمِّل الكنيسة المسئوليّة إذ يقول: “لم تعطوهما” بصيغة الجمع مع أنه سبق فتحدث بصيغة المفرد “أحدكم“.

لكن يقول قائل أنت لك إيمان وأنا لي أعمال.

أرِني إيمانك بدون أعمالك،

وأنا أُريك بأعمالي إيماني” ]١٨[.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [هل تعليمنا ضعيف؟ إن كنت مسيحيًا آمن بالمسيح، وإن كنت تؤمن به أرني إيمانك بأعمالك[9]؟]

فالأعمال الحيّة برهان على وجود الإيمان وحيويته إذمن ثمارهم تعرفونهم (مت ٧: ١٦)، بل وبرهان على أننا سالكون حسب الولادة الجديدة إذبهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس (١ يو ٣: ١٠). وهي برهان ليس أمام الناس بل ويجازينا الله حسبها، إذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت ١٦: ٢٧).

لقد أعلن اللص عن إيمانه بأعماله، إذ شهد للرب واعترف له في أحلك اللحظات التي تركه فيها الجميع (لو 23: ٤١)… اعترف علنًا بلا خجل بصليب الرب، وأشكر واحتمل الألم بلا تذمر. اعترف، أليس هذا عملاً؟

٢. “أنت تؤمن أن الله واحد حسنًا تفعل.

والشياطين يؤمنون ويقشعرون” ]١٩[.

هذا هو المثال الثاني للإيمان الميت وهو التشبّه بالشياطين. يعلق القديس أغسطينوس قائلاً:

[إنك تمدح نفسك لأجل إيمانك هذا… حسنًا تفعل! والشياطين يؤمنون ويقشعرون فهل يعاينون الله؟

إن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يعاينونه (مت ٥: 8)، فمن يقدر أن يقول أن الشياطين نقيّة القلب؟ ومع هذا فإنهم يؤمنون ويقشعرون! لذلك ينبغي أن يوجد فارق بين إيماننا وإيمان الشياطين، فإيماننا ينقي القلب، وأما إيمانهم فيجعلهم مذنبين. هم يفعلون الشر، ومع ذلك يقولون: “نحن نعرفك، مَنْ أنت قدوس الله (لو ٤: ٣٤). وهو ما قاله أيضًا بطرس “أنت هو ابن الله” فمدحه الرب بينما وبخ الشياطين…

فأي إيمان هو هذا الذي ينقي القلب إلاَّ الذي عرّفه الرسول بأنه الإيمان العامل بالمحبة[10]“؟]

ويقول أيضًا: [هكذا أيضًا عندما تسمع من من آمن واعتمد وخلص” (مر ١٦: ١٦). فبالطبع لا نفهمها على أنه يقصد كل من آمن أيًا كان إيمانه “فالشياطين يؤمنون ويقشعرون”. وكما لا نفهمها على جميع من اعتمدوا، فسِيمُون (الساحر) رغم قبوله المعموديّة إلاَّ أنه لم يكن من السهل أن يخلص[11].]

ثانيًا: مثالان لإيمان حي بالأعمال

١. “ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل

أن الإيمان بدون أعمال ميت؟

ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال،

إذ قدم إسحق ابنه على المذبح؟

فترى أن الإيمان عَمِلَ من أعماله، وبالأعمال أُكْمِلَ الإيمان.

وتم الكتاب القائل: فآمن إبراهيم بالله فَحُسِبَ له برًا،

ودُعِيَ خليل الله.

ترون إذًا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان، لا بالإيمان وحده” ]20٢٤[.

إذ يوجه الرسول حديثه إلى إنسان إيمانه باطل بسبب عدم الأعمال لذلك يدعوه “أيها الإنسان الباطل“، وذلك مثل إيمانه الذي بلا عمل.

وقد ضرب لنا مثلاً بأب الآباء الذي حُسِبَ له إيمانه برًا، وقد دُعي صديق الله، ولكن كيف نال هذا؟ بالأعمال أكمل إيمانه. والعجيب أن المثال الذي استخدمه الرسول بولس (رو ٤: ٣؛ غل ٣: 6) لتأكيد أهمية الإيمان وحده دون أعمال الناموس هو نفسه المثال الذي استخدمه يعقوب الرسول لتأكيد الأعمال المكملة للإيمان. وقد أورد الرسول بولس نفس المثال في الرسالة إلى العبرانيين مُظهرًا الإيمان والأعمال معًا قائلاً: بالإيمان إبراهيم أطاع”. كما أكد يشوع بن سيراخ إيمان إبراهيم وأعماله (سي ٤٤: ٢٠-٢١).

٢. “كذلك راحاب الزانية أيضًا

أما تبررت بالأعمال،

إذ قبلت الرسل، وأخرجتهم في طريق آخر]٢٥[

لقد شهد شعب أريحا بقوة الله (يش ٢: ٩)، لكن لم ينتفع أحد بهذه الشهادة إلاَّ راحاب لأنها ربطت إيمانها بالعمل فصار حيًا[12].

ثالثًا: مثال لارتباط الإيمان بالأعمال

لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان بدون أعمال ميت]٢٦[.

إلى هذه الدرجة يوضح الرسول أهمية الأعمال حتى حسبها كالروح بالنسبة للجسد.

لقد دعاهما البابا أثناسيوس الرسولي بأختين قائلاً:

[الإيمان والأعمال أختان مرتبطتان ببعضهما البعض. فمن يؤمن بالرب يكون نقيًا، ومن يكون نقيًا فهو مؤمن بالأكثر.

لهذا فمن هو شرير يكون بلا شك ضالاً عن الإيمان، ومن يترك التقوى يتخلى عن الإيمان الحقيقي.

وكما أنه عندما يساعد الأخ أخاه يصيران حصنين لبعضهما البعض، هكذا أيضًا الإيمان والصلاح، إذ ينموان متشابهين مُمْسِكَيْن ببعضهما البعض، فمن يختبر أحدهما يتقوى بالآخر.

لذلك إذ يرغب الرسول في أن يتدرب التلميذ على الصلاح حتى النهاية وأن يجاهد من أجل الإيمان

نصحه قائلاً: “جَاهِدْ جهاد الإيمان وتمسك بالحياة الأبديّة” (١ تي ٦: ١٢)[13].]

هكذا فإن المسيحيّة ليست فلسفة فكريّة بل حياة في نور ربنا يسوع.

 

[1] ترجمها البعض في صيغة استفهام: “ألا يكون لكم إيمان…؟”

[2] للمؤلف: رسالة اكلمينضس أسقف روما، طبعة 1967، ص 33-34.

[3] للمؤلف: الحب الرعوي، الإسكندرية، 1965.

[4] عن مقالتين عن أتروبيوس، طبعتا تحت اسم “الكنيسة تحبك”، سنة 1968، ص 35، 36.

[5] Strom. 6: 164; 7: 73

[6] رسالة رقم 167.

[7] للمؤلف: الحب الأخوي، ص 153.

[8] رسائل القيامة للبابا أثناسيوس الرسولي، ص 132-136.

[9] Concerning the Statues 5: 6

[10] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد، 3.

[11] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد، 21.

[12] قيل إن يشوع تزوجها وجاء من نسلها ثمانية أنبياء.

[13] رسائل القيامة، 144-145.

 

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version