” 20 وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الأرض على وجه جَلَد السماء. 21 فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحيَّة الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. 22 وباركها الله قائلًا أثمري وأكثري واملأي المياه في البحر. وليكثر الطير على الأرض. 23 وكان مساء وكان صباح يومًا خامسًا” (تك 1: 20 – 23).
ج: المقصود بالتنانين العظام الديناصورات التي اختفت من على مسرح الحياة، وكانت هذه الديناصورات من حيوانات العصور القديمة، وكانت ضخمة للغاية، وعبارة ” التنانين العظام ” كانت مصدر شك في سفر التكوين لعصور طويلة لأن الإنسان لم يلتقِ بهذه التنانين العظام، ولا بالحفريات التي تدل على وجودها من قبل، حتى سنة 1677م عندما اكتشف الإنسان قطعة عظام ضخمة لأحد الديناصورات ” الميجالوسورس ” Megalosourus وهو من آكلة اللحوم، وتوالت الاكتشافات، حتى أنه تم اكتشاف بقايا كاملة لهذا الحيوان الضخم سنة 1818م بالقرب من ” وود سنوك أكسن ” ونُقل إلى متحف أكسفورد، ثم توالت اكتشافات الديناصورات من آكلة اللحوم أو آكلة النباتات، وتم الكشف عن حياتها وطريقة معيشتها في البحار وعلى اليابسة، وبعضها كان يطير في الهواء رغم ضخامته.
وقد تم تقسيم هذه الديناصورات إلى ديناصورات برية مثل نوع ” البراكيوسورس ” Brachiosaurus الذي كان يصل ارتفاعه من جهة الرأس إلى 27 مترًا، ويصل وزنه 12 طن، وكان يتنفس الهواء الجوي، ومنها ” الباروسورس ” Barosaurus ويصل ارتفاعه أيضًا إلى 27 مترًا ويأكل النباتات، ومنها الزواحف المائية مثلًا ” الأيلازموسورات ” Elasmasaurus التي لها زعانف، ومنها الزواحف الطائرة مثل ” الأركيوبتركس ” أو ” البتروسورات ” Pterasaurs، ومثل ” البتراندون ” Petrandon الذي تصل المسافة بين جناحيه ثمانية أمتار وكانت أجنحته من النوع الغشائي الجلدي مثل أجنحة الخفاش، ورغم ضخامة الجسم إلاَّ أنها تستطيع أن تحلق في الهواء، وعظامها المجوفة تساعدها على هذا، كما كانت أجنحة بعض الديناصورات يغطيها الريش مثل الطيور(1).
_____
(1) راجع الأنبا بولا – الكتاب المقدَّس والعلم – أيام الخلق ص 84.
وقال الله ليكن نور فكان نور – لمن وجه الله كلامه؟ (تك 1: 3)
وقال الله ليكن نور فكان نور – لمن وجه الله كلامه؟ (تك 1: 3)
172- ما معنى “وقال الله ليكن نور فكان نور” (تك 1: 3)؟ لمن وجه الله كلامه؟ وهل النور خُلق في اليوم الأول (تك 1: 3-5) أم في اليوم الرابع (تك 1: 14-19)؟
س172: ما معنى ” وقال الله ليكن نور فكان نور” (تك 1: 3)؟ لمن وجه الله كلامه؟ وهل النور خُلق في اليوم الأول (تك 1: 3-5) أم في اليوم الرابع (تك 1: 14-19)؟ ويقول د. موريس بوكاي ” أن الضوء الذي يقطع الكون هو نتيجة ردود أفعال مُعقَّدة تحدث في النجوم.. ولكن النجوم حسب قول التوراة، لم تكن قد شكلت بعد في هذه المرحلة، حيث أن ” أنوار ” السموات لا تُذكر في سفر التكوين إلاَّ في الآية 14، باعتبارها ما خلق الله في اليوم الرابع ” ليفصل بين النهار والليل ” ” ولينير الأرض ” وذلك صحيح تمامًا، ولكن من غير المنطقي أن تُذكر النتيجة أي النور في اليوم الأول على حين تُذكر وسيلة إنتاج هذا النور.. في اليوم الرابع”(1).
ج: 1- عندما قال الكتاب ” وقال الله ” لم يوجه الله كلامه لأحد، ولكن الوحي أراد أن يوضح أن الله هو صاحب الإرادة في الخلق، فمعنى ” قال الله ” أي أراد الله أن يكون نور فكان نور، فالخلقة تمت بكلمة من الله ” لأنه قال فكان. هو أمر فصار” (مز 33: 9) وكلمة الله تحمل قوة الله الجبارة الخالقة، ولذلك قال الله على لسان إشعياء النبي ” هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل على ما سُررتُ به وتنجح في ما أرسلتها له” (أش 55: 11) وقال معلمنا بولس الرسول ” لأن كلمة الله حية وفعَّالة” (عب 4: 12).
2- عندما قال الله ” ليكن نور ” أي لتنقشع الأبخرة التي تغطي الأرض وتسبب الظلمة.. لترتفع الستارة الكثيفة من بخار الماء التي تمنع وصول النور إلى الأرض.. كيف؟ بأن تبرد الأرض فتستقبل المطر المنهمر عليها، ولا يتصاعد منها بعد إلاَّ بقدر محدد على شكل سُحب، وفعلًا عندما انكشفت هذه الأبخرة استضاءت الأرض.
ويقول الأستاذ الدكتور يوسف رياض بكلية العلوم جامعة الإسكندرية وأستاذ مادة العهد القديم بإكليريكية الإسكندرية ” خلق الله النور في اليوم الأول، فالسموات تحتوي على مليارات ومليارات من الشموس مثل شمسنا وهي مضيئة. هذا هو النور الأول. كانت الأرض ملتهبة درجة حرارة سطحها حوالي 6000م ويغلفها بخار الماء بكثرة، وعندما ارتفع هذا البخار إلى الطبقات العليا برد، ثم نزل على الأرض التي مازالت ساخنة فتبخر الماء ثانية، وهكذا توالت عمليات التبخُّر ثم نزول الماء حتى بردت الأرض واستقرت المياه على الأرض، وسُميت غمرًا. في اليوم الأول لم يصل ضوء الشمس بكامل قوته إلى الأرض لأنها كانت مُغلَّفة ببخار الماء بكثافة شديدة، وفي اليوم الرابع استقرت المياه على الأرض، فوصل ضوء الشمس إلى الأرض بكامل قوته.. وليس صحيحًا أن الله خلق الشمس في اليوم الرابع، إنما خُلقت في اليوم الأول ضمن خلقة السموات”(2).
وتقول الدكتورة نبيلة توما، مُؤلّفة وخادمة بكنيسة مارمرقس مصر الجديدة ” خلق الله النور في اليوم الأول. لأنه لا بُد من وجود الضوء قبل الكائنات الحيَّة، فالطاقة الضوئية تعمل على استمرارية الحياة من خلال تأثيرها الفعال في عملية التمثيل الضوئي (الكلوروفيل) في النبات، والتي بها يتكوَّن الأكسجين الذي نستنشقه، وبتقدم العلم تأكد لنا صدق كلام موسى النبي، وقد أوضحت الكتب العلمية الحديثة أن الضوء في اليوم الأول كان نتيجة تكاثف الأبخرة التي كانت تحجبه، وذلك نتيجة انخفاض درجة حرارة الأرض وتوقف تبخيرها للماء وتساقط البخار كأمطار استقرت على سطح الأرض.
ولكن من أين جاء النور الذي كانت تحجبه الأبخرة؟
نور اليوم الأول يرجع إلى نور الشمس التي لم تكن قد اكتمل نموها ولم تكن قد وصلت إلى كمال قوتها الحالية حيث كانت سديمًا مبعثرًا ضعيف الضوء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. والنور في اليوم الأول مع أنه كان باهتًا ضعيفًا إلاَّ أنه كان كافيًا لحياة الكائنات الأولية التي خلقها الله، وكان كافيًا لتجديد القليل من الأكسجين الذي تستنزفه تلك الكائنات في التنفس. وفي قول موسى النبي ” وقال الله ليكن نور ” لم يقل أن الله خلق أو عمل النور، بل ” ليكن نور ” فلم يكن كلام الله متعلقًا بمصدر النور، بل بما يحجب النور للوصول إلى الأرض، وكأنه يصدر أمرًا بأن تبرد الأرض ليتكثف البخار فيصل النور إلى الأرض”(3).
ويقول الدكتور ملاك شوقي إسكاروس باحث وخادم بالإسكندرية ” نضع أمام أعيننا كلمات الوحي الإلهي التي تخص النور والتي ذُكِرت في الإصحاح الأول من سفر التكوين فنجد أن الوحي قد ذكرها في ثلاثة مواضع، وهي حسب التدرج الزمني:
1- ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1).
2- ” وقال الله ليكن نور” (تك 1: 3).
3- ” فعمل الله النورين العظيمين” (تك 1: 16).
وبالمقارنة بين العبارات الثلاث نصل إلى الفهم الصحيح، في العبارة الأولى نقرأ أن الله خلق، ومعنى خلق أي أوجد من العدم، فالله قد أوجد مادة النور من لا شيء، وفي العبارة الثانية ذُكرت عبارة ” ليكن نور ” ففي هذه المرحلة لم يغير الله شيئًا من طبيعة مصادر الضوء، وبصفة خاصة الشمس، ولكن كل ما تم تغيّيره يخص الأرض نفسها، فالأرض كما سبق أن عرفنا أنها كانت محاطة بكميات كبيرة من الأبخرة المتصاعدة، وكل ما حدث أنه بسبب برودة الأرض بالتدرج تكاثفت الأبخرة المحيطة بها وغمرت الأرض كمياه، وبالتالي تمكن الضوء سواء من السديم الذي أُخذت منه الشمس أو من غيره من الوصول للأرض.
أما العبارة الثالثة ففيها يكلمنا الوحي الإلهي على لسان موسى النبي قائلًا ” فعمل الله النورين العظيمين ” ولم يقل خلق، ومن هنا نرى أن ما حدث إنما هو تغييّر نسبي في طبيعة مصدر الضوء (الشمس) فعبارة عمل لا تعني خلق من العدم، لكن تعني أنه عمل شيئًا من شيء آخر، وهذا ما عمله الله في اليوم الرابع حيث وصلت الشمس إلى شكلها وقوتها وإمكانياتها الجديدة كما نراها الآن، والتي لم تكن متميزة بها قبل اليوم الرابع، ففي هذا اليوم وصلت إلى ذروة قوتها، وهذا ما يؤكده العلماء في أن النجوم تمر بمراحل نمو حتى تصل للذروة وبعدها تبدأ قوتها في التناقص التدريجي حتى تصل إلى نهاية العمر حيث الانفجار والفناء”(4)(5).
3- خلق الله مادة النور في اليوم الأول.. نور السُدم والنجوم والشمس قبل أن تكتمل، فقد كان الكون في البداية عبارة عن سديم أولي، أي كتلة غازية تتكوَّن أساسًا من غاز الهيدروجين مع قليل من غاز الهليوم، وقد انقسم هذا السديم الأول إلى كتل وهي المجرات، وهذه تجزأت إلى نجوم وكواكب تدور في فلكها، وتبقى من هذه الانفصالات المتعاقبة مادة كونية انتشرت بين النجوم، وُصفت أحيانًا بأنها سُدم براقة تنشر الضوء الذي تستقبله من النجوم الأخرى، أو أنها سُدم مظلمة، فمن المعروف علميًا أنه كانت هناك أنوارًا كونية قبل أن يعمل الله الشمس في اليوم الرابع، والضوء الصادر من الغيوم السديمية كان يضئ الكون.
ويشرح الدكتور ” فوزي الياس ” مصدر النور في اليوم الأول، فيقول ” هل يوضح العلم لنا مصدر النور الذي انطلق لأول مرة في الكون؟ الرأي العلمي السائد حاليًا أن مجموعتنا الشمسية نشأت عن سديم لولبي مظلم منتشر في الفضاء الكوني انتشارًا واسعًا (السديم سحابة من الغازات الموجودة بين النجوم، وفي السموات أعداد هائلة من هذه السُدم) ولذلك فمادة السديم خفيفة جدًا في حالة تخلخل كامل، ولكن ذرات السديم المتباعدة تتحرك باستمرار حول نقطة للجاذبية في مركز السديم، وباستمرار الحركة ينكمش السديم فتزداد كثافته تدريجيًا نحو المركز وبالتالي يزداد تصادم الذرات المكونة له بسرعات عظيمة مما يؤدي إلى رفع حرارة السديم، وباستمرار ارتفاع الحرارة يصبح الإشعاع الصادر من هذا السديم إشعاعًا مرئيًا، فتبدأ الأنوار في الظهور لأول مرة ولكنها أنوار ضئيلة خافتة. إذًا فأول مصدر للنور هو الشمس في حالتها السديمية الأولى، وهكذا استنارت الأرض بنور الشمس الأولي قبل أن تتكاثف وتنكمش وتصير جرمًا سماويًا له مكان ثابت، وتصبح شمسنا الحالية، وذلك في دور قادم عبَّر عنه الكتاب المقدَّس باليوم الرابع للخليقة.. علل توما الأكويني (1225 – 1274م) نور اليوم الأول بأنه {نور الشمس التي لم تكن قد اتخذت هيأتها قبل اليوم الرابع} وفسَّره ذهبي الفم (344 – 407م) بأن كان {نور الشمس التي كانت في اليوم الأول عارية من الصورة، وتصوَّرت في اليوم الرابع للخليقة} أليس من المدهش حقًا أن تتفق تفسيرات الآباء القديسين في القرون الأولى للمسيحية مع اكتشافات العلم في القرن العشرين!!
ما الدليل على أن نور اليوم الأول كان مصدره السديم؟
نور اليوم الأول مازال قائمًا لليوم، والدليل على ذلك، مئات السُدم التي تضئ بدون وجود شموس في مراكزها، فالناظر مثلًا إلى برج (أندروميدا) يرى سديماُ يشبه الضباب الأبيض باهت النور ولكن في مركزه نجد ضوءًا فسفوريًا دون أن يكون في مركزه شموس”(6).
ويشرح الأستاذ مجدي صادق كيف استقبلت الأرض النور الكوني فيقول ” في اللحظة التي قال فيها الله ليكن نور اصطدمت أشعة هذا النور الكوني غير المرئي والذي تتكوَّن جزئياته من بروتونات وإلكترونات ونيترونات بالمجال المغناطيسي للأرض، فعمدت بعض جزئياتها إلى مسايرة خطوط قوى المجال المغناطيسي فتجمعت في اتجاه قطبي مغناطيس الأرض، بينما اخترقت بعض الجزيئات الأخرى المجال الجوي للأرض عند القطبين، فاصطدمت بغازات الغلاف الجوي المتواجدة في طبقات الجو العليا فتأينت وتوهجت بشدة، فكان نور(7) هذا النور هو نور اليوم الأول الذي أُصطلح على تسميته باسم النور القطبي (الأورورا) أو ظاهرة الوهج القطبي.. فالنور القطبي إذًا هو نور اليوم الأول الذي كشف بولس الرسول عن ماهيته بقول ” لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمةٍ هو الذي أشرق في قلوبنا” (2 كو 4: 6)”(8).
4- النور الذي خلقه الله في اليوم الأول صار مصدرًا للحرارة والضوء، فالطاقة الحرارية هي التي تجعل المياه تتبخر من البحار، وتسقط أمطارًا من الماء العذب اللازم لنمو النباتات، والطاقة الضوئية هي التي تتيح للنباتات عملية التمثيل الضوئي (الكلوروفيللي) لبناء نفسه وإنتاج الأكسجين اللازم لحياة الإنسان والحيوان.
5- عندما كتب موسى النبي عن خلقة النور في اليوم الأول وعمل الشمس في اليوم الرابع، فهو بهذا خالف اعتقاد المصريين الذين عبدوا الإله ” رع ” إله الشمس، واعتقدوا أن الشمس هي المصدر الوحيد للضوء، فلو لم يكن موسى قد كتب بإلهام إلهي لجعل اليوم الرابع بدلًا من اليوم الأول، أي لتكلم أولًا عن الشمس ثم ثانيًا عن النور، ولكن موسى لم يفعل هكذا، وجاء معلمنا بولس الرسول في القرن الأول الميلادي ليؤكد نفس المعنى عندما قال ” الذي قال أن يشرق نور من ظلمة” (2 كو 4: 6) ولم يقل أن يشرق نور من الشمس.
_____
(1) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل ص 41.
(2) من إجابات أسئلة سفر التكوين.
(3) من إجابات أسئلة سفر التكوين.
(4) راجع نيافة الأنبا بولا – الكتاب المقدَّس والعلم – طبعة أولى ص 55 – 57.
(5) من إجابات أسئلة سفر التكوين.
(6) ستة أيام الخليقة ص 18 – 20.
(7) جون براندت – ستيفن ماران – آفاق جديدة في علم الفلك ص 339، 340، د. محمد جمال الدين الفندي – الغلاف الجوي ص 15.
(8) الكتاب المقدَّس مفتاح العلم وأسرار الكون ص 72.
وقال الله ليكن نور فكان نور – لمن وجه الله كلامه؟ (تك 1: 3)
هل تم خلق السموات والأرض في وقت واحد؟ .. “في البدء خلق الله السموات والأرض”
هل تم خلق السموات والأرض في وقت واحد؟ .. “في البدء خلق الله السموات والأرض”
166- “في البدء خلق الله السموات والأرض”.. هل تم خلق السموات والأرض في وقت واحد؟
والآن دعنا يا صديقي نعيش معًا في الحضرة الإلهية أيام الخلق الستة:
اليوم الأول
” 1 في البدء خلق الله السموات والأرض. 2 وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. 4 وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلا. 5 وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا” (تك 1: 1 – 5).
ج: التسلسل اللفظي في هذا الإصحاح يعني التسلسل الزمني، وحرف ” و” الذي يفصل بين خلق السموات وخلق الأرض قد يكون طويلًا جدًا، فخلق السموات يشمل خلق كل الطغمات السمائية، وكل الأجرام السمائية.. خلق الله السموات بما فيها الشمس التي خُلِقت في اليوم الأول، ثم اتخذت شكلها وقوتها وتركيزها وتأثيرها في اليوم الرابع، وهو ما عبر عنه الوحي بفعل ” عمل ” وأيضًا خلق الله الأرض وكانت عبارة عن كتلة منصهرة من الغازات والمعادن ثم اتخذت شكلها الحالي في اليوم الثالث، ولو تساءل أحد: هل الأرض خُلقت أم أنها عُملت..؟
نقول له الاثنان معًا، ففي اليوم الأول خُلقت الأرض لأنها أُخذت من أصل نجمي مخلوق كما تقول بعض النظريات فهي في بذرتها الأولى خُلقت من العدم، ثم عُملِت فاتخذت شكلها الحالي، وما أروع قول الكتاب المقدَّس ” لأنه هكذا قال الرب خالق السموات هو الله. مُصوّر الأرض وصانعها” (أش 45: 18) فيقول عن السموات أن الله خلقها، ويقول عن الأرض أنه صوَّرها وصنعها.
وقبل أن يخلق الله السموات والأرض لم يكن هناك كائن آخر غير الله وحده، وقد أخفى الله علينا خلق السموات وما فيها، لأن هدف الكتاب المقدَّس أن يتعرَّف الإنسان على أصله وقصة سقوطه وخلاصة.. في البدء خلق الله السموات والأرض.. “ما يرى وما لا يرى” (قانون الإيمان)..
هناك عالم سماوي لا نراه ولا يخضع للحواس البشرية ” الرب في السموات ثبَّت كرسيه ومملكته على الكل تسود. باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوَّة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته” (مز 103: 19 – 21).
و”السموات” في اللغة العبرية “شمايم” أي الأعالي أو القمم، فهي مشتقة من العلو والارتفاع والسمو، وتُرجمت لليونانية ” أورانوس ” وهي أيضًا مشتقة من ” أُور ” وتعني الارتفاع والسمو.. لقد ركز الوحي على الأرض محل الحديث وترك السموات جانبًا ” السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد” (تث 29: 29).
وقد استخدم الكاتب فعل ” بارا ” bara أي أوجد من العدم، كقول الكتاب المقدَّس ” بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله حتى لم يتكوَّن ما يُرى مما هو ظاهر” (عب 11: 3)
بل تكوَّن ما يُرى من العدم الذي لا يُرى، فالسموات والأرض لم يتكونا في الأصل من مادة، ولكنهما خُلقا من العدم، وخلق الله كل منهما بكل ما فيهما بكلمة ” ليكن” فكان كقول الكتاب المقدَّس “لأنه قال فكان. هو أمر فصار” (مز 33: 9) – ” سبحيه يا أيتها الشمس والقمر سبحيه يا جميع كواكب النور. سبحيه يا سماء السموات ويا أيتها المياه التي فوق السموات. لتسبح اسم الرب لأنه أمر فخُلقت” (مز 148: 3 – 5).
ويُعلق ” وينهام ” Wenham على فهل ” خلق”.. ” بارا ” قائلًا ” يوجد تأكيد قوي على حرية الفنان وقوته.. كما يقول (مقتبسًا قول و. هـ. شميدت W. H. Shmidt أن بارا bara تحتفظ بفكرة عدم بذل الله أي مجهود، فهو حر تمامًا، وغير مقيَّد في عملية خلقه، فهذا هو أساس سيادته المطلقة، وهنا نرى حرية الله السامية، في أن يُوجِد أي يخلق من العدم ما شاء”(1)(2).
لقد استخدم الوحي الإلهي فعل ” بارا ” أي خلق من العدم، ولم يستخدم فعل ” أسا ” asa أي ” صنع ” والفرق بينهما واضح، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالصانع يصنع أو يعمل مثلًا الحلي من مادة الذهب أو الفضة، بينما الذي خلق الذهب أو الفضة من العدم هو الله، ولأن اللغة العربية قريبة من اللغة العبرية لذلك نلتقي بكلمة ” الباري ” أي الخالق من العدم و” البارية ” أي الخليقة من العدم، وقد استخدم الوحي الإلهي فعل ” بارا ” في هذا الإصحاح عدة مرات:
* “في البدء خلق (بارا) الله السموات والأرض” (تك 1: 1).
* “فخلق (بارا) الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحيَّة الدبَّابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21).
* “فخلق (بارا) الله الإنسان على صورته” (تك 1: 27) لقد عمل الله جسد الإنسان من أديم الأرض، أما روحه فقد خلقها من العدم.
ثم أستخدم الوحي الإلهي نفس الفعل (بارا) فيما بعد ليشير إلى تجديد الخلقة:
* “ترسل روحك فتُخلَق. وتُجدّد وجه الأرض” (مز 104: 30) أي ترسل روحك فتُخلق الكائنات.
وأخيرًا نقول أن الوحي الإلهي عندما استخدم فعل “بارا” bara أي يخلق من العدم فإنه رد على الكثير من الأساطير والبدع والهرطقات، فقد ردَّ على الأساطير البابلية التي تظن أن المادة أزلية، وردَّ على الإلحاد الذي يظن أن العالم وُجِد بمجرد الصدفة، وردَّ على الذين يؤمنون بتعدد الآلهة لأن الفعل جاء في صيغة المفرد فالخالق واحد لا أكثر، وردَّ على الذين ينادون بوحدة الوجود، فيعتبرون أن الله والطبيعة شيء واحد، وأن الله كل شيء، وكل شيء هو الله، فشتان بين الله وبين كل شيء، فالله أوجد كل شيء من العدم…
ورد على اللاأدريين الذين لا يدرون أن الله هو خالق كل شيء وهو خالقهم من العدم، ورد على الذين يؤمنون بالقدرية والجبرية الذين يؤمنون بالقضاء والقدر، فالله هو خالق كل شيء بحكمة وفطنة، وهو ضابط ومدبر كل الخليقة.
_____
(1) Wenham P. 14.
(2) سلسلة تفسير الكتاب المقدَّس يتحدث اليوم – سفر التكوين ص 27.
هل تم خلق السموات والأرض في وقت واحد؟ .. “في البدء خلق الله السموات والأرض”
164- عندما ذكر الوحي قصة الخلق على لسان موسى النبي لماذا لم يخاطبنا بلغة العلم الحديث؟
ج: قد يظن البعض أن هناك خصومة بين العلم والدين، لأن العلم يخاطب العقل بينما الدين يخاطب العاطفة، ولكن الحقيقة أن العلم الصحيح يتناسق مع الدين الصحيح، لأن كليهما من الله، والإيمان يأخذ بيد العقل القاصر ويحلق به في سماء الروح، فالعلم هو نعمة إلهيَّة أنعم بها الله على الإنسان من أجل التيسيّر عليه وتسهيل أمور الحياة، فالعلم وليد العقل، والعقل عطية الله للإنسان، لأن الله خلق الإنسان عاقلًا على صورته.
وهناك مئات الآيات الكتابية تحدثنا عن تطويب المعرفة وتشجعنا على تحصيل العلم الصحيح – وليس العلم الكاذب الذي ينفخ – ولذلك وجد العلماء مددًا وتشجيعًا من مثل هذه الآيات ” السموات تُحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يذيع كلامًا وليل إلى ليل يبدي علمًا” (مز 19: 1، 2).
أما عن كون الكتاب المقدَّس لم يخاطبنا بلغة العلم الحديث، ولم يستعمل المصطلحات العلمية، فذلك للأسباب الآتية:
1- لم يُكتَب الكتاب المقدَّس للعلماء فقط، إنما كُتب لكل البشرية في كل زمان وكل مكان، ولذلك جاء بأسلوب بسيط يدركه كل إنسان، ويفرح به البسيط والعالِم، ويعيش به كل السائرين في دروب الملكوت.
2- العلم يتغيَّر ولغته تتبدل ومفرداته ومصطلحاته لا تثبت على حال، فما كنا نعتبره بالأمس من الثوابت العلمية، ربما يعتبر اليوم من الجهالات، وقال ” بيتر ” و. ستونر”.. ” وضع أي نظرية هو المساعدة على ترتيب الحقائق في ذهن الدارس، وتمكين العالِم أو المهندس من التنبؤ بالحوادث المرتبة على سلوك معين، وحين تُكتَشف حقائق جديدة فإنه يُعاد النظر في هذه النظرية، حتى تغطي هذه الحقائق الجديدة، أو تُستبدَل بنظرية جديدة، وهذه التغيُّرات المستمرة في النظريات لا تضايق العلماء لأنها دائمًا تقود في النهاية إلى النظرية الصحيحة”(1).
فلو صيغ الكتاب المقدَّس بأسلوب علمي لوجب إعادة صياغته مرة على الأقل في كل جيل، لأن العلم لا يثبت على حال، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ففي الماضي مثلًا كانوا يقولون أن المادة لا تُفنى ولا تستحدث ولا تُخلق من عدم، أما اليوم فالعلم يقول أن هناك إمكانية في تحوُّل المادة إلى نشاط إشعاعي أو إلى أي صورة من صور الطاقة مثل الضوء أو الحرارة..
في الماضي كان العلم يقول أن الذرة أصغر وحدة بنائية للمادة وأنها مصمتة، أما اليوم فالعلم يقول أن الذرات تشمل إلكترونيات وبروتونات ونيوترونات، كما أن معظم حجم الذرة فراغ، فهي ليست مصمتة كما كانوا يتصوَّرون..
في الماضي كان العلم يخبرنا باستحالة انقسام أو انشطار الذرة، أما اليوم فقد علمنا أن الذرة قابلة للانشطار في العناصر ذات النشاط الإشعاعي، وأيضًا يمكن شطر الذرة في المفاعل الذري لنستخدم الطاقة الهائلة الناتجة من الانشطار في الوسائل السلمية مثل توليد الكهرباء أو الوسائل الحربية مثل تصنيع القنابل الذرية، وبعد أن ظلت كلمات الكتاب المقدَّس عن انحلال العناصر موضع هجوم شديد ” وتنحل العناصر محترقة.. فبما أن هذه تنحل” (2 بط 3: 10، 11)
عرف الإنسان الحقيقة التي أخبر بها الكتاب المقدَّس منذ عشرين قرنًا خلت، وحقًا قال مستر “هاري ريمار” Harry Rimmer في كتابه “الانسجام بين العلم والكتاب” أن مكتبة اللوفر بباريس تحتوي على ثلاثة أميال ونصف من صفوف كتب العلم التي بطل استعمالها، وأي كتاب عن الفلك مضى عليه خمسون عامًا صار ضئيل الفائدة جدًا(2).
3- مع أن الكتاب المقدَّس ليس بكتاب علم، إلاَّ أنه خالٍ من أية أخطاء علمية، لأنه كُتب بإرشاد روح الله القدوس، ويقول نيافة المتنيح الأنبا غريغوريوس ” إن الكتاب المقدَّس ليس كتاب علمٍ إنما هو كتاب دين، هدفه توجيه الإنسان إلى خالقه، وتعريفه بالحق الإلهي، وبالغاية من وجوده، يُعرّفه بمصيره الأبدي، وبما يجب أن يصنعه من الخير حتى يحيا سعيدًا في الدارين ويحقق هدف الخالق من وجوده.
ومع ذلك تناول عَرَضًا معلومات فلكية عامة غاية في الأهمية، كلها حق، وكلها صدق، لا من أجل معرفتها في ذاتها بل من أجل بيان جلال الإله الذي خلق هذا الكون غاية في الكمال”(3).. الله يُعلن ذاته لكل البشرية من خلال كتابه المقدَّس.
4- تُرى لو كُتِب الكتاب المقدَّس بلغة القرن الواحد والعشرين العلمية.. من كان يفهمه في القرون الماضية..؟! يقول ” أ. ف. كيفين ” E. F. Kevan ” لو سُجل ما كُتِب عن الخليقة بالاصطلاحات العلمية للقرن العشرين لظل أمرًا غير مفهوم للجميع حتى وقتنا هذا، وحتى الآن ما كان في الإمكان أن يفهمه إلاَّ الذين درسوا العلوم. أضف إلى هذا إنه لو كُتب بحيث يتفق مع الآراء العلمية في عصرنا، فمن المؤكد أنه سيصبح باليًا وغير صحيح بعد قرن من الزمان.
إن ما ذكره سفر التكوين عن الخليقة لم يوضع في قالب علمي، وهذا أحد الأدلة الجوهرية على أنه مُوحى به من الله. وقد يتساءل البعض إن كانت الكتابة علمية في مادتها وإن لم تكن علمية في دقتها، فأجيب: كم من المرات تسرَّع البشر في الحكم على ما كُتِب في الكتاب المقدَّس بأنه خطأ من الناحية العلمية، وكم من صراع نشأ بين النتائج العلمية غير الكاملة وبين المعاني العلمية التي تصوُّروا أن الكتاب يتضمنها، لكن البحث أظهر غالبًا النتائج العلمية أو عدم فهم الاصطلاحات العلمية المذكورة في الكتاب المقدَّس على حقيقتها”(4).