أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

🔹المقدّمة

تُعد دراسة أصالة الكتاب المقدس وإثبات مصدره الإلهي من القضايا المحورية في الدفاعيات المسيحية. وفي هذا السياق، يسلّط كتاب “الكتاب المقدس من عند الله: نماذج من الأدلة”، في فصله الثاني المعنون “كتاب من الخرافات اليهودية؟ الأدلة الساحقة”، للمؤلف ديف ميلر (Dave Miller)، الضوء على مجموعة من الأدلة التي تهدف إلى تأكيد المصدر الإلهي للكتاب المقدس، حيث يقدم ردودًا تفصيلية ونماذج من الادلّة تدحض الادعاء بأنه مجرد كتاب خرافي، مستندًا إلى أدلة تاريخية وعلمية ولاهوتية.

في سعيه لإثبات هذا الطرح، يستعرض ميلر مجموعة من الأدلة التي يرى أنها تدعم أصالة النصوص المقدّسة. ومن بين هذه الأدلة، يركز على الدقة العلمية، التاريخية، الجغرافية، الطبوغرافية، الطبية، والنبوية التي يتميز بها الكتاب المقدس، فضلاً عن التماسك الداخلي للنصوص المقدسة، باعتبارها مؤشرات دالّة على الوحي الإلهي رغم تنوع الكُتّاب والفترات الزمنية التي كُتب خلالها. ويؤكد أن هذا التناسق غير الاعتيادي يشير إلى مصدرية تتجاوز القدرات البشرية، حيث يصعب تفسير هذا الانسجام المتكامل في ظل تنوع الخلفيات الثقافية والتاريخية لكتّاب الأسفار المقدّسة. ويرى أن هذه الخصائص تُبرز تفرُّد الكتاب المقدس وسموّه مقارنة مع اي نص آخر في العالم سواء في العالم القديم أو الحديث.

يعتمد الكاتب في حُججه على الحقائق التاريخية والأثرية، حيث يُبرز التوافق الدقيق بين السّرد الكتابي والاكتشافات الأثرية والتاريخية، مما يعزز موثوقية الروايات المقدسة. كما يناقش ميلر الدقة العلمية والطبية التي تميز بها الكتاب المقدس، مُشيرًا إلى أن هذه المعارف سبقت المعرفة السائدة في زمنها، مما يدل على أن الكتاب المقدس لا يمكن أن يكون نتاجًا بشريًا عاديًا، بل هو وحي إلهي يتجاوز حدود المعرفة البشرية في الزمن الذي دُوّن فيه. كما يسلّط الضوء على النبوءات التي تحققت عبر العصور، ويرى أن هذه العوامل مجتمعة تؤكد أن الكتاب المقدس هو كتاب يحمل بصمة إلهية واضحة تتجلى في انسجامه ودقته وتفرّده مما يعزز القناعة أن الكتاب المقدس يحمل رسالة إلهية واضحة للبشرية.

وبناء عليه يهدف ميلر من خلال الفصل الثاني من كتابه الى عرض نماذج من الأدلة وربطها بالسياق الدفاعي والعلمي، مما يرسّخ الحقيقة بأن الكتاب المقدس هو وحي إلهي وليس مجرد نص بشري، وذلك من خلال دراسة دقيقة للحقائق التاريخية والجغرافية والعلمية والنبوية التي أثبتها الكتاب المقدّس عبر العصور.

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

 

🔹ولتعزيز هذا الطرح، يستعرض ميلر دقة الكتاب المقدس من خلال مجموعة من الأدلّة التي يمكن تصنيفها على النحو التالي:

🔹الدقة التاريخية

في فترة من الفترات، لم يكن هناك أي دليل مادي مُتاح يثبت وجود الحثّيين، تلك الأمة التي ورد ذكرها في العهد القديم ما يقرب من 60 مرة، كما في (تكوين 23: 10) (تكوين 26: 34) (يشوع 1: 4). لم تكن هناك أي أدلّة أثرية تُؤكد تاريخيّة هذه الإشارات، مما دفع بعض المشككين إلى الطعن في مصداقية الكتاب المقدس، واعتباره مجرد “مجموعة من الأساطير اليهودية”.

غير أن عالم الآثار واللاهوتي إدوارد رايت (Edward Wright) في القرن التاسع عشر قد تصدّى لهذا الادّعاء في كتابه (The Empire of the Hittites) الذي نُشر عام 1884. هذا الكتاب يُعد من أوائل المحاولات الجادّة في علم الآثار الكتابي للدفاع عن صحّة السّرد التاريخي للكتاب المقدس، حيث بيّن أن غياب ذكر الحثّيين في المصادر التاريخية الكلاسيكية لا يُعد دليلًا على عدم وجودهم، بل ربما يعكس نقصًا في تلك السجلات التاريخية والاثرية، وليس خطأ في النصوص الكتابية. وأوضح رايت أن الاكتشافات الأثرية في مصر وآشور قد بدأت بالفعل في الكشف عن معلومات تتعلق بالحثّيين، تتوافق بشكل تام مع الروايات الكتابية، مما أضعف الحجج السابقة التي شككت في الدقة التاريخية للكتاب المقدس.

 

🔹يقول إدوارد رايت (Edward Wright) في هذا الصدد:

[على الرغم من أن الكتاب المقدس ليس مجرّد سجل شامل للتاريخ، فإن صدقه مرتبط ارتباطا وثيقا بالدقة التاريخية لبياناته. ولكن نظرًا لأن الحثّيين لم يكن لهم أي ذكر في التاريخ الكلاسيكي، فقد افترض البعض أن الإشارات إليهم في الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون صحيحة. كان هناك افتراض قوي بأن أمّة بهذه الأهمية لا يمكن أن تختفي تمامًا من السّجل التاريخي، لكن هذا الافتراض القوي لم يكن مبررًا للاستنتاج غير العلمي بأن الرواية الكتابية غير صحيحة.

فقد كان من المحتمل ببساطة أن يكون التاريخ الكلاسيكي ناقصًا فيما يتعلق بشعب تحدّثت عنه النصوص المقدسة بإسهاب. إن الحجج التي استندت إلى الإشارات إلى الحثّيين للطعن في الدقة التاريخيّة للكتاب المقدس، من غير المرجّح ان تظهر مجددا في الأدبيات الإنجليزية مرة أخرى. فمع تزايد الاكتشافات القادمة من مصر وآشور، تكشّفت أمامنا، سواء في الخطوط العريضة، او في التفاصيل العَرَضِيَّةُ، سلسلة من الحقائق المتعلقة بالحثّيين، والتي تتوافق تمامًا مع الروايات الواردة في الكتاب المقدس.]

ومع مرور الوقت، أصبحت الحجج التي اعتمدت على غياب الأدلة التاريخية حول الحثيين لتفنيد صحة الكتاب المقدس غير ذات جدوى، إذ أسهمت الاكتشافات المتزايدة في إلقاء الضوء على سلسلة من الحقائق التي كشفت تدريجيًا عن وجودهم، سواء من حيث الأحداث الكبرى أو التفاصيل الدقيقة، وهو ما عزز السّرد الكتابي وأضعف مزاعم المشككين.

“وجاءت اللحظة الحاسمة في عام 1906، عندما قام عالم الآثار الألماني هوجو وينكلر (Hugo Winckler) بالتنقيب في موقع بوغازكوي (Boğazköy)، الذي كان يُعرف في ذلك الوقت بهذا الاسم، ويُسمى اليوم بوغازكالي (Boğazkale)، حيث اكتشف أنقاض حاتوسا (Hattusa)، العاصمة القديمة للإمبراطورية الحثية.”

كشفت هذه الحفريات عن أدلّة دامغة تؤكد حضارة الحثّيين، اذ تم الكشف عن موقع أثري ضخم يمتد لأكثر من 400 فدان، يضم نقوشاً ووثائق بالغة الاهمية تؤكد وجودهم ككيان سياسي قوي وبارز في العصور القديمة. ومنذ ذلك الحين، شهدت الدراسات حول الحثيين تطورًا كبيرًا، مما ساهم في ترسيخ مكانتهم كحضارة موثقة تاريخيًا، وهو ما يتسق تمامًا مع السرد الكتابي.

ولم يكن هذا الاكتشاف سوى واحد من بين العديد من الاكتشافات الأثريّة التي أكدت صحة الإشارات الكتابية إلى شخصيات وأحداث تاريخية أخرى. فقد تم التحقق من وجود ما لا يقل عن 63 شخصية مذكورة في العهدين القديم والجديد، وذلك من خلال أدلة نقشيّة مباشرة.

كما أن كاتب العهد الجديد لوقا البشير قد أشار إلى 32 دولة، و54 مدينة، و9 جزر في البحر المتوسط، معظمها تم التحقق منه تاريخيًا، بل إنه ذكر 95 شخصية، 62 منها لم تُذكر في أي موضع آخر من الكتاب المقدس، و27 منها كانت لشخصيات بارزة في المجالين المدني والعسكري.

هذا يشير إلى أن لوقا كان يذكر شخصيات تاريخية أو معاصرة له في سياق الأحداث التي كان يرويها، وهذه الشخصيات قد تكون غير معروفة أو غير مذكورة في اماكن اخرى في الكتاب المقدس، مما يعزز دقة الرواية الكتابية ومصداقيتها من الناحية التاريخية في تلك الفترة الزمنية.

الفكرة الأساسية هنا هي أن لوقا لم يكن يؤلف سَرْدًا خياليًا، بل كان يُسجّل أحداثًا تاريخية متعلقة بالمسيحية المبكرة، مما يعزز مصداقية روايته.

علاوة على ذلك، الإشارة إلى الشخصيات التي لم ترد في أماكن أخرى من الكتاب المقدس تدعم فكرة أن لوقا كان يعتمد على مصادر مستقلة أو على معرفته الشخصية، وليس فقط على تقاليد مسيحية شائعة. وهذا يعكس دقته كمؤرخ، خاصة وأنه يُعرف باستخدامه لأسلوب بحثي يوحي بالتحقيق والتدقيق، كما يظهر في مقدمة إنجيله (لوقا 1:1-4).

“إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.”

بالتالي، دقّة لوقا في ذِكْر الأماكن والشخصيات تدعم المصداقية التاريخية للنصوص التي كتبها، ما يجعلها أكثر موثوقية عند دراستها من الناحية التاريخية.

إن الكتاب المقدس قد أثبت مرارًا وتكرارًا دقته التاريخية، حيث أظهرت الدراسات الأثرية أن العديد من الإشارات الكتابية تتوافق مع الأدلّة المادية التي تم اكتشافها. وهذا التوافق المستمر بين السرد الكتابي والاكتشافات العلمية والاثرية يُعزز مصداقية النص المقدس باعتباره سجلًا تاريخيًا جديرًا بالثقة، وليس مجرد تجميع لأساطير أو خرافات، كما يزعم البعض.

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

 

🔹الدقة الجغرافية

يُشار إلى إدوارد روبنسون (Edward Robinson) بلقب “أبو الجغرافيا الكتابية”، حيث يُعدّ الرائد الأول في إطلاق رحلات استكشافية منهجية وشاملة لفلسطين بغية التحقق من الدقة الجغرافية للكتاب المقدس. وتمكّن روبنسون من تحديد نحو مئتي موقع جغرافي ورد ذكره في النصوص المقدسة. ومنذ ذلك الحين، نجح الباحثون في التحقق من صحة آلاف المواقع الإضافية.

على سبيل المثال، كان يُعتقد لفترة طويلة أن رواية زيارة ملكة سبأ للملك سليمان مجرد سرد أسطوري خالٍ من الأساس الواقعي. غير أن الدراسات الحديثة حددت موقع سبأ في جنوب الجزيرة العربية، وأظهرت أن السبئيين كانوا معروفين بأنشطتهم التجارية الواسعة، وهو ما يتوافق مع وصف قافلة ملكة سبأ المحملة بالتوابل والذهب والأحجار الكريمة.

“فَأَتَتْ إِلَى أُورُشَلِيمَ بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ جِدًّا، بِجِمَال حَامِلَةٍ أَطْيَابًا وَذَهَبًا كَثِيرًا جِدًّا وَحِجَارَةً كَرِيمَةً. وَأَتَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ وَكَلَّمَتْهُ بِكُلِّ مَا كَانَ بِقَلْبِهَا.” (1 مل 10: 2).

وعليه، يتميّز الكتاب المقدس، كنصٍّ قديم، بفرادته من حيث توافق معلوماته الجغرافية مع الأدلة العلمية المتراكمة.

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

🔹الدقة الطبوغرافية

تشير الطبوغرافيا إلى تخطيط الأرض، أي التكوين السطحي ثلاثي الأبعاد لمعالمها الفيزيائية، مثل الجبال، والوديان، والسهول، والارتفاعات وغيرها. ومن المذهل أن الكتاب المقدس قد أثبت دقته الطبوغرافية.

-فعلى سبيل المثال، يذكر سفر التكوين (12: 8) أنه عندما انتقل إبراهيم من مورة إلى الجبل شرقي بيت إيل، “نصب خيمته، وكان بيت إيل من جهة الغرب وعاي من جهة الشرق.” ويمكن لأي خريطة للأراضي الكتابية أن تؤكد صحة هذا التوزيع الطبوغرافي.

-كذلك، في سفر يشوع (7: 2)، نقرأ: “وَأَرْسَلَ يَشُوعُ رِجَالًا مِنْ أَرِيحَا إِلَى عَايَ الَّتِي عِنْدَ بَيْتِ آوِنَ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيلَ،” ويمكن التحقق بسهولة من صحة هذا الترتيب الطبوغرافي.

-أما في سفر أعمال الرسل (8:26)، فقد أُمِر فيلبس “اذهبْ نحو الجنوب على الطريق المُنحدِرة من أورشليم إلى غزة.” ولا تقتصر الدقة هنا على الاتجاه الجنوبي الغربي لغزة من أورشليم، بل تمتد أيضًا إلى الاختلاف في الارتفاع، حيث تنخفض التضاريس من أورشليم إلى غزة من حوالي 700 متر (2300 قدم) إلى 35 مترًا (115 قدمًا).

هذه الأمثلة، التي يمكن الاستشهاد بمثلها مرارًا، تؤكد أن الكتاب المقدس يتمتع بدقة طبوغرافية موثوقة.

 

🔹الدقة العلمية

يمتاز الكتاب المقدس أيضًا بالدقة العلمية، رغم أنه لم يُكتب ليكون كتابًا علميًا بالمعنى الحديث، وعلى الرغم من عدم اعتماده على المصطلحات العلمية المعاصرة، إلا أن إشاراته العَرَضِيَّةُ تتوافق بدقة لافتة مع الحقائق العلمية. وفيما يلي بعض النماذج على هذه الحقائق العلمية:

  • قوانين الديناميكا الحرارية: (تكوين2:1) (تكوين 2: 2)؛ (إشعياء 51: 6)؛ (مزمور 102: 26)؛ (عبرانيين 1: 11)
  • دورة الماء (التكثيف-التساقط-التبخر): (جامعة 1: 7)؛ (جامعة 11: 3)؛ (عاموس 9: 6)
  • النجوم التي لا تُحصى:(تكوين 15: 5) (ارميا 33: 22)
  • انقسام الضوء: (ايوب 38: 24)
  • الأخاديد العميقة في قاع المحيطات: (ايوب 38: 16).

هذه مجرد نماذج محدودة من الدقة اللافتة التي يظهرها الكتاب المقدس في القضايا العلمية.

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

🔹الدقة الطبية في الكتاب المقدس

يكشف الكتاب المقدس عن معرفة دقيقة في المجال الطبي، تتجاوز بكثير المعارف السائدة في العصور القديمة. بينما اعتمدت الحضارات القديمة غالبًا على الخرافات والأساطير في تفسير الطب، قدّمت شريعة موسى توجيهات صحيّة دقيقة تعكس فهمًا متقدمًا يسبق عصرها. ومن أبرز هذه التوجيهات:

-تجنب انتقال الأمراض المعدية من الجثث: نصّت الشريعة على تطهير كل من يلامس جثة لضمان الوقاية من الأمراض (سفر العدد 19:12).

  • مبدأ العزل الصحي (الحجر الصحي): فرضت الشريعة عزل المصابين بالأمراض المعدية لمنع انتشار العدوى، كما هو مذكور في (اللاويين 13: 45 – 46)
  • التخلص من الفضلات البشرية بطريقة صحية: أكّدت الشريعة على ضرورة دفن الفضلات بعيدًا عن أماكن التجمعات لضمان الصحة العامة (تثنية 23:12).
  • اختيار التوقيت الأمثل لعملية لختان: حدّدت الشريعة اليوم الثامن لإجراء الختان، وهو توقيت يتوافق مع أعلى نسبة لتخثر الدم الطبيعي عند المواليد (لاويين 12: 3).
  • الدم كمصدر للحياة: أكّدت الشريعة أن الدم يحمل الحياة، وهو ما يتوافق مع المفهوم العلمي الحديث عن دور الدم الحيوي في الجسم (لاويين 17: 11- 14)

هذه الأمثلة تُبرز مدى الدقة الطبية التي يتسم بها الكتاب المقدس، مما يعكس طبيعة تفرده ومعرفته التي تسبق عصره.

 

🔹الدقة النبوية في الكتاب المقدس

تبرز الأصول الإلهية للكتاب المقدس بوضوح عند دراسة النبوات التي يحتويها، اذ تم تحديد الإطار الزمني لكتابة اسفاره المقدسة بدقة، مما يؤكد أن العديد من النبوات في العهد القديم قد أُعلنت قبل مئات السنين من تحققها. وفيما يلي بعض الأمثلة البارزة:

  • سقوط مدينة صور: كما تنبأ بذلك النبي حزقيال (حزقيال 26).
  • سقوط بابل: وردت النبوة في (إشعياء13 – 14) و(إرميا 50 -51).
  • فتح بابل على يد رجل يُدعى كورش: ورد ذكره بالاسم في (إشعياء 44: 28)؛ (اشعياء 45:1 – 7).
  • صعود ثلاث ممالك عالمية بعد بابل: تم التنبؤ بذلك في (دانيال2: 31 – 45).
  • صعود وسقوط الإسكندر الأكبر: كما تنبأ النبي دانيال في (دانيال8: 5 -8).
  • دمار أورشليم في عام 70 م: وردت هذه النبوة في (دانيال 9:26).

 

ومرة اخرى هذه مجرد نماذج من العدد الهائل من النبوات التي تملأ صفحات الكتاب المقدس، لا سيما في العهد القديم. في الواقع، يحتوي الكتاب المقدس على مئات النبوات، ومن بينها أكثر من 300 نبوة تتعلق بحياة المسيح على الأرض وجميعها تحققت.

 

🔹الاستنتاج

إن الادعاءات القائلة بأن الكتاب المقدس مجرد “كتاب أساطير يهودية” أو “حكايات خرافية” او “روايات شعبية” تتهاوى أمام الأدلة. مثل هذه المزاعم لا يمكنها الصمود أمام الحقائق—ولن تصمد مطلقًا.

فبينما لن تكشف الحفريات الاثرية عن منزل الأقزام السبعة أو قصر الملكة الشريرة في قصة بياض الثلج في الحكايات الاسطورية والشعبية، ولكن قصر العاج الخاص بالملك آخاب في السامرة قد تم اكتشافه والتنقيب عنه بالفعل (1 ملوك 22: 39).، وبالمثل نفق المياه الذي أنشأه حزقيا (2 ملوك 20:20) لا يزال موجودًا بالفعل حتى اليوم في القدس ويمكن زيارته،مما يشكّل دليلاً أثرياً يدعم صحّة ودقّة ما ورد في الكتاب المقدس.

وبنفس المنطق، فإن الشخصيات الخيالية مثل رومبلستيلتسكين (Rumpelstiltskin) وهانسل وغريتل (Hansel and Gretel) لم تكن يومًا شخصيات تاريخية حقيقية، ولكن الملك الآشوري سرجون الثاني، على الرغم من أن وجوده كان موضع شك لعدم ورود اسمه في أي مصدر أدبي قديم آخر سوى الكتاب المقدس، فقد ثبت لاحقًا أنه كان شخصية تاريخية حقيقية (إشعياء 20:1).

 

في الواقع، يتفوق الكتاب المقدس على جميع الكتب الأخرى في التاريخ البشري، وهو ما يتوقعه المرء تمامًا إذا كان مؤلفه هو الله كليّ العلم والمعرفة. إن المأساة الكبرى تكمن في أن الكثيرين قد رفضوا الكتاب المقدس استنادًا إلى أقاويل شائعة لا أساس لها، فحُرموا بذلك من الدليل القوي على صدقه الذي يكشفه بنفسه في صفحاته.

🔹الخاتمة:

بعد استعراض نماذج من الأدلة التي قدمها ديف ميلر في كتابه THE BIBLE IS FROM GOD: A SAMPLING OF PROOFS، يتضح أن الكتاب المقدس يمتلك مقومات فريدة تجعله نصّاً يتجاوز حدود الإنتاج البشري. فقد أظهر ميلر من خلال أدلته التاريخية والجغرافية والطبوغرافية والعلمية والطبية والنبوية أن الكتاب المقدس ليس مجرد نص قديم أو ثقافي محدود بزمنه، بل نص يحمل بصمة إلهيّة واضحة لكل العصور.

إن دقّة الكتاب المقدس في الإشارة إلى الحقائق العلمية والطبية التي سبقت اكتشافها بقرون، وتحقق نبواته عبر التاريخ، وانسجامه مع الاكتشافات الأثرية والجغرافية، كل ذلك يُشكّل دليلاً قوياً على مصدره الإلهي. كما أن هذا التميُّز يُبرز تفرّده مقارنةً بأي نصوص أخرى من العالم القديم، مما يدعم القول بأنه وحي إلهي.

وعليه، يُمكن القول إن الكتاب المقدس لا يزال يقدّم للعالم شهادة قوية على مصدره السماوي، حيث إن الأدلة التي تناقلتها الأجيال عبر الكتاب المقدس تُلهم الباحثين للإيمان بمصداقيته وموثوقيته.

وختامًا، ومن خلال هذا الفصل من كتاب ديف ميلر(Dave Miller) والذي قدّم فيه نماذج من الادلة يتوجب التأكيد على اهمية الاستمرار في دراسة الأدلّة وتعميق الفهم اللاهوتي والدفاعي، إذ انّ الأدلة لا تقف عند حدّ، بل تتجدّد وتتكشّف باستمرار، مما يُظهر عظمة الكتاب المقدس ودوره ككلمة الله الحيّة والفعّالة لكل العصور.

 

ليكون للبركة

Patricia Michael

 

THE BIBLE IS FROM GOD: A SAMPLING OF PROOFS

Chapter two

“A Book of Jewish Fables”?

Overwhelming evidence

أصالة الكتاب المقدس والأدلة التي تؤكد مصدره الإلهي – Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

مقدمة:

في حين أن السيد المسيح هو المعلم الأعظم الذي ليس له مثيل، فإن بولس الرسول يمثل نموذجًا استثنائيًا للمدافعين المسيحيين. إن طريقته في التفكير والشرح والإثبات والإقناع والدفاع عن الإيمان هي بمثابة مخطط يُحتذى به للدفاعيات الفعالة.

 يقف بولس الرسول مثال حاسم للمدافعين المسيحيين في كيفية التعامل مع الاعتراضات على الإنجيل والحق الكتابي. إن أسلوب بولس في التفكير والشرح والإثبات وإبطال الحجج الباطلة هو أساس الدفاعيات المسيحية اليوم. كان منهجه متجذرًا في الفهم العميق للكتاب المقدس والمنطق والبلاغة، بالإضافة إلى التعاطف والمحبة لأولئك الذين سعى للوصول إليهم.

 

 في هذا المقال سوف نتطرّق إلى النقاط التالية:

– كيف يستطيع المدافعين المسيحيين المعاصرين السير على خُطى بولس الرسول وأساليبه في الدفاعيات لتقديم اجابات فعالة على الاعتراضات؟

– ما هو المنهج الذي اتبعه بولس الرسول في التعامل مع الاعتراضات؟

 وأيضا سوف نتطرق الى تنوّع اساليبه وكيف كان يُكيَّفَ اساليبه مع السياق الذي وجد نفسه فيه دون التهاون في الحق الكتابي، وايضا كيف كان يعمل على تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة.

  1. اسلوب بولس الرسول مع المعترضين الوثنيين وكيفية رده على الاعتراضات ذات الطبيعة الفلسفية.
  2. اسلوب بولس الرسول في استدلاله من الكتب المقدسة مع اليهود.
  3. اسلوب بولس الرسول في الدفاع عن الإيمان ضد المتهودين المتمسكين بالشريعة الموسوية.
  4. كيف استخدم بولس تجربته وشهادته الشخصية في اساليبه الدفاعية؟
  5. 5اسلوب بولس الرسول في دحض التعاليم الكاذبة للمعلمين الكذبة.
  6. اسلوب بولس الرسول في الكرازة والتعامل مع الأمم.
  7. كيف يمكن للمدافعين أن يتعلموا منهج بولس الرسول في استخدامه للمنطق والعقل؟

 

منهج بولس الرسول في الدفاعيات

– كيف تعامل بولس الرسول مع الفلاسفة اليونانيين واسلوب رده على الاعتراضات ذات الطبيعة الفلسفية؟

بالرجوع الى الكتاب المقدس في سفر اعمال الرسل ١٧: ١٦-٣٤، نقرأ عن كيفية تفاعل بولس الرسول في مدينة أثينا مع الفلاسفة الوثنيين والذي يُعتبر بمثابة مثال حي يُحتذى به لطريقة تعليمه ومنهجه.

أمام مدينة مملوءة بالأصنام، تحركت روح بولس الرسول، وبدأ يحاور اليهود والمتعبدين في المجمع وكذلك في السوق مع الذين تصادف وجودهم هناك (أعمال الرسل ١٧: ١٧). يوضح هذا المقطع في الكتاب المقدس كيف أن بولس الرسول أشرك كل من الجماهير الدينية والعلمانية، وكيَّفَ طريقته مع السياق الذي وجد نفسه فيه.

 

 

أعمال الرسل ١٧: ١٦-٣٤

16 وَبَيْنَمَا بُولُسُ يَنْتَظِرُهُمَا فِي أَثِينَا احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إِذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُؤَةً أَصْنَامًا.

17 فَكَانَ يُكَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ الْيَهُودَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَالَّذِينَ يُصَادِفُونَهُ فِي السُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ.

18 فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ الأَبِيكُورِيِّينَ وَالرِّوَاقِيِّينَ، وَقَالَ بَعْضٌ: «تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟» وَبَعْضٌ: «إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِيًا بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ». لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَالْقِيَامَةِ.

19 فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ، قَائِلِينَ: «هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ بِهِ.

20 لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ، فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ».

21 أَمَّا الأَثِينِوِيُّونَ أَجْمَعُونَ وَالْغُرَبَاءُ الْمُسْتَوْطِنُونَ، فَلاَ يَتَفَرَّغُونَ لِشَيْءٍ آخَرَ، إِلاَّ لأَنْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَسْمَعُوا شَيْئًا حَديثًا.

22 فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا،

23 لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.

24 الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي،

25 وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ.

26 وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ،

27 لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا.

28 لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.

29 فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ، لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرِ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ.

30 فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ.

31 لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

32 وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ، وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هذَا أَيْضًا!»

33 وَهكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسْطِهِمْ.

34 وَلكِنَّ أُنَاسًا الْتَصَقُوا بِهِ وَآمَنُوا، مِنْهُمْ دِيُونِيسِيُوسُ الأَرِيُوبَاغِيُّ، وَامْرَأَةٌ اسْمُهَا دَامَرِسُ وَآخَرُونَ مَعَهُمَا.

 

 

– في تعامله مع الفلاسفة اليونانيين، لم يقم بولس بنقد مباشر لعبادة أصنامهم، وبدلاً من ذلك فقد امتدح جانب ايجابي وجده فيهم وهو إخلاصهم الديني لمعبودهم المجهول واستخدم ذلك نقطة انطلاق لتعريفهم بالإله الحقيقي الواحد (أعمال الرسل 22:17-23). وكانت إشارته إلى مذبحهم المنقوش عليه عبارة “إله مجهول” طريقة رائعة كمدخل للتواصل معهم، مع توجيههم بالتدريج نحو الإله الحقيقي. إن طريقة بولس تعلّم المدافعين المسيحيين المعاصرين قيمة إيجاد أرضية مشتركة والبناء عليها عند معالجة المشكلة والرد على الاعتراضات.

يكشف لقاء بولس الرسول مع الفلاسفة في أريوس باغوس في أثينا عن قدرته على التعامل مع الحجج الفلسفية المتطورة. كان الأثينيون فضوليين بشأن الأفكار الجديدة، واغتنم بولس الفرصة لتقديم الإنجيل بطريقة تخاطب فضولهم الفكري. افتتح كلمته بمدح تدينهم ثم قدم مفهوم الإله الحقيقي الذي خلق العالم ولا يعيش في هياكل صنعها الإنسان (أعمال الرسل 17: 24).

الأمر الملفت للنظر في أسلوب بولس الرسول هو أنه لم يبدأ بالكتاب المقدس عندما كان يتحدث إلى هذا الجمهور بالتحديد. لقد عرف أن الفلاسفة اليونانيين لن يقبلوا سلطة الكتب المقدسة العبرية، لذلك كَيَّفَ رسالته مع نظرتهم للعالم مع الحفاظ على الحق الكتابي. على سبيل المثال، اقتبس من شعراء يونانيين قولهم: “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.” (أع 17: 28). وباستخدام مراجعهم الثقافية الخاصة، أنشأ بولس جسرًا بحيث انه جعل رسالته في متناولهم بشكل أكبر. هذا النهج فعّال للمدافعين المعاصرين، خاصة عند التعامل مع الجماهير العلمانية أو المتشككة التي قد لا تعترف بسلطة الكتاب المقدس.

ومع ذلك، فإن بولس لم يساوم على رسالة الإنجيل. فهو بعد أن أسس أرضية مشتركة، سلّم الحقيقة الأساسية المتمثلة في التوبة وقيامة الرب يسوع، مما تسبّب في انقسام بين مستمعيه (أعمال الرسل 30:17-32). وهذا يوضح أنه على الرغم من أهمية وضع الرسالة في سياقها، إلا أنه لا ينبغي أبدًا التقليل من شأن الحقائق الأساسية للإنجيل أو المساس بها في محاولة لكسب التأييد. يمكن للمدافعين المسيحيين اليوم أن يحذوا حذو بولس الرسول من خلال التعامل مع وجهات نظر عالمية مختلفة، وذلك باستخدام عناصر الثقافة أو الفلسفة للفت الانتباه إلى الحقائق الكتابية، مع الالتزام الدائم بتقديم الرسالة الأساسية لصلب وموت المسيح وقيامته.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

الاستدلال المنطقي والمنهجي من الكتب المقدسة في خدمته مع اليهود

إحدى السمات المميزة لمنهج بولس الرسول الدفاعي كانت قدرته على الاستدلال مباشرة من الكتب المقدسة والاستناد اليها كما رأينا في خدمته لليهود.

جاء في أعمال الرسل: “فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، مُوَضِّحًا وَمُبَيِّنًا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَنَّ: هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.” (أع 17: 2-3).

لم تكن أفكار بولس عاطفية أو مبنية على خبرة شخصية فحسب؛ لقد أسس رسالته على سلطة الكتاب المقدس، وعلى هذا يجب أن تكون طريقة الاستدلال من الكتاب المقدس قضية اساسية ومحورية في أي جهد دفاعي اليوم.

يكشف نهج بولس أيضًا أن الدفاعيات يجب أن تركز على شرح وإثبات الحق الكتابي، وليس مجرد مشاركته. فهو لم يخبر اليهود عن يسوع فحسب، بل شرح لهم بعناية لماذا كان من الضروري أن يتألم المسيح ويقوم مرة أخرى.

يجب أن يكون المدافعون المسيحيون اليوم مستعدين لشرح الأسباب الكامنة وراء العقائد الكتابية. على سبيل المثال، عند معالجة الاعتراضات حول القيامة، يمكن للمدافع أن يستشهد برسالة كورنثوس الأولى 3:15-4، حيث يسلط بولس الرسول الضوء على موت يسوع وقيامته باعتبارهما جوهر رسالة الإنجيل.

كان بولس الرسول معروفاً بقدرته على الاستدلال المنطقي والمنهجي من الكتب المقدس. لم يعتمد بولس كما سبق وأشرنا على المناشدات العاطفية أو الآراء الشخصية؛ وبدلا من ذلك، استدل من كلمة الله، موضحا كيف اشارت الاسفار المقدسة الى يسوع بصفته المسيح الموعود به.

بالنسبة للمدافعين المعاصرين، يعتبر الاستدلال من الكتاب المقدس أمرًا بالغ الأهمية. الكتاب المقدس هو الأساس المرجعي لكل العقيدة المسيحية، وهو يوفر الإجابات على العديد من الأسئلة والاعتراضات التي يثيرها الناس. ومن خلال الاستدلال الدقيق والمنطقي من الكتاب المقدس، يستطيع المدافعون أن يبرهنوا على حقيقة الإيمان المسيحي.

لنعرض بأكثر تفصيلا طريقة الاستدلال المنطقي والمنهجي لدى بولس الرسول في النقاط التالية:

1- الشرح والتوضيح

كان بولس الرسول بارعاً في شرح المفاهيم اللاهوتية الصعبة بطريقة يمكن لمستمعيه أن يفهموها. في رسائله، غالبًا ما كان يأخذ أفكارًا معقدة – مثل التبرير بالإيمان، وطبيعة النعمة، والقيامة – ويقسمها او يفككها إلى مصطلحات واضحة ومفهومة. على سبيل المثال، في رومية 1:5-2، شرح بولس مفهوم التبرير:

 فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

 الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ.

وبالمثل، يجب أن يكون المدافعون قادرين على شرح الحقائق اللاهوتية بوضوح وإيجاز. قد يكون لدى الناس سوء فهم حول العقائد المسيحية الأساسية، ومن واجب المدافع أن يقدم تفسيرات تنير الحقيقة. سواء كان الأمر يتعلق بشرح مفهوم الثالوث، أو طبيعة الخطية، أو القيامة، فإن الوضوح أمر ضروري.

2- الاثبات

تميزت خدمة بولس بالتركيز القوي على إثبات حق الإنجيل. نقرأ في أعمال الرسل 22:9 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ».

استخدم بولس الأدلة من الكتاب المقدس، وشهادة شهود العيان، وحتى تجربته الشخصية لإثبات حقيقة رسالة الإنجيل.

يمكن للمدافعين المسيحيين أن يحذوا حذو بولس بتقديم الأدلة على حقيقة المسيحية. قد يتضمن ذلك استخدام الأدلة التاريخية للقيامة، أو الحجج الفلسفية لوجود الله، أو الشهادات الشخصية للتحول من خلال الإيمان بالمسيح. ومن خلال تقديم أدلة منطقية، يمكن للمدافعين أن يساعدوا في إزالة الحواجز الفكرية التي قد تقف عائقا المعترضين.

3- الاقناع

من أبرز سمات بولس الرسول قدرته على إقناع الآخرين. في أعمال الرسل 26: 28

 فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا».

 لم تأت قوة بولس في الإقناع من حججه المنطقية فحسب، بل من شغفه وقناعته أيضًا. كان يؤمن بشدة بحق الإنجيل، وقد ظهر هذا الإيمان في كلماته وعباراته.

ويجب على المدافعين أيضًا أن يسعوا إلى إقناع الآخرين بحق الإنجيل. وهذا لا يعني التلاعب بالناس والالفاظ أو الضغط عليهم لقبول هذا الاعتقاد، ولكنه يتضمن تقديم الحقيقة بطريقة مقنعة وفيها شغف. عندما يرى الناس أن المدافعون يؤمنون حقًا بما يقولونه وأنهم منغمسون بشدة في الحقيقة، فمن المرجّح أن يؤثر ذلك على المتشككين بحيث يكونوا منفتحين ومتجاوبين اكثر مع تلك قناعات المدافعين.

4- الدفاع

كان بولس أيضًا مدافعًا ماهرًا عن الإيمان، وكان يدحض باستمرار الاعتراضات والتعاليم الكاذبة. في رسائله، دافع بولس مراراً وتكراراً عن حق الإنجيل ضد البدع والهرطقات، مثل تعاليم اليهود الكاذبة (غلاطية 6:1-9) أو البدع الغنوصية التي هددت الكنيسة الأولى. ولم يخجل من المواجهة عندما كان ذلك ضروريًا لحماية نقاء الإنجيل.

 

(غلاطية 6:1-9)

إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!

لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ.

وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!

كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!

بالنسبة للمدافعين المسيحيين، يعتبر الدفاع عن الإيمان جزءًا أساسيًا من رسالتهم. يدعو الكتاب المقدس المؤمنين إلى “أن يجاهدوا لأجل الإيمان المُسلَّم مرة واحدة للقديسين” وهذه النقطة ايضا اشار اليها يهوذا الرسول في رسالته:

“أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” (يه 1: 3).

 وهذا لا يتضمن الرد على الاعتراضات فحسب، بل يشمل أيضًا دحض التعاليم الكاذبة وحماية سلامة رسالة الإنجيل.

من خلال دراسة طرق وأساليب بولس الرسول، يمكن للمدافعين المسيحيين المعاصرين أن يتعلموا كيفية توصيل حق الإنجيل بطريقة فعالة وأمينة للكتاب المقدس. من خلال الاصغاء التام، والتفسيرات الواضحة، والتفكير المنطقي، والمحبة العميقة للآخرين، يمكن للمدافعين أن يحققوا دعوتهم لمشاركة الأخبار السارة عن يسوع المسيح والإجابة على الاعتراضات التي تنشأ في عالم مليء بالأسئلة.

 

– كيف دافع بولس عن الإيمان ضد المتهودين المتمسكين بالشريعة الموسوية؟

أحد التحديات الأساسية التي واجهها بولس الرسول جاءت من المتهودين – المسيحيين، اليهود الذين أصروا على أن المتحولين من الأمم يجب أن يتبعوا الشريعة الموسوية، ولا سيما ممارسة الختان. إن دفاع بولس عن إنجيل النعمة بعيدًا عن أعمال الناموس يظهر بوضوح في رسائله إلى أهل غلاطية ورومية.

في رسالة غلاطية، يوبخ بولس الغلاطيين الذين قبلوا الإيمان على يديه ثم بدأوا يتحولون سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح وينقادوا إلى الضلال نتيجة انسياقهم وراء التعليم الناموسي للمتهودين. فهو يكتب لهم قائلا:

6 إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!

7 لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. (غلاطية 1: 6-7).

يوضح بولس هنا على أهمية الحفاظ على نقاوة رسالة الإنجيل.

عندما واجه بولس الناموسيين، جادل بقوة بأن التبرير يأتي من خلال الإيمان بالمسيح، وليس من خلال الالتزام بأعمال الناموس.

 

يقول في غلاطية 2: 16:

16 إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.

 

ويستمر في غلاطية 3: 11 قائلا: وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا».

يجب أن يكون المدافعون المسيحيون مستعدين للتعامل مع الناموسية الدينية بأنماطها المختلفة بأشكال مختلفة، سواء أتى ذلك من سوء فهم العلاقة بين الإيمان والأعمال كمثال أو من أخطاء عقائدية أخرى.

– كيف استخدم بولس تجربته وشهادته الشخصية في طريقته الدفاعية؟

غالبا ما استخدم بولس شهادته الشخصية كجزء من دفاعه عن الإيمان، خاصة عند مخاطبة الجماهير المعادية. إحدى أشهر الأمثلة على ذلك نجده في أعمال الرسل الاصحاح 22، عندما تم القبض على بولس في أورشليم وأعطي الفرصة لمخاطبة الجموع ولكنه بدلاً من الانطلاق في خطاب لاهوتي، بدأ بسرد تجربته الشخصية في لقائه مع المسيح القائم من الاموات على الطريق إلى دمشق (أعمال الرسل ٣:٢٢-١٦).

كانت شهادة بولس قوية لأنها أظهرت قوة الإنجيل الذي غيّر حياته. لقد كان في يوم من الأيام مضطهدًا للمسيحيين، ولكن بعد لقائه بالمسيح القائم من بين الأموات، تغيرت حياته جذريًا. لم تكن قصة التحول الشخصية هذه مفيدة للدفاع عن رسوليته فحسب، بل سلّطت الضوء أيضًا على نعمة يسوع وقوته لتقديم الخلاص حتى لأسوأ الخطأة.

في 1 تيموثاوس 1: 15-16، يتأمل بولس في قصة تحوّله من خلال النصوص التالية:

“صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا.” (1 تي 1: 15).

“لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.” (1 تي 1: 16).

يمكن للمدافعين المسيحيين أن يحذوا حذو بولس الرسول عن طريق دمج شهادتهم الشخصية في دفاعهم عن الإيمان. إن الاختبارات والتجارب الشخصية عن كيفية عمل الله في حياة الإنسان يمكن أن تكون بمثابة دليل قوي على حقيقة الإنجيل. في حين أن الاختبار الشخصي لا ينبغي أن يحل محل الكتاب المقدس كأساس للحجة، إلا أنه يمكن أن يكمّل المنطق الكتابي ويقدم مثالا ملموسًا لنعمة الله.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

– كيف دحض بولس التعاليم الكاذبة للمعلمين الكذبة؟

كثيرًا ما تتناول رسائل بولس الرسول التعاليم الكاذبة التي كانت تتسلل إلى الكنيسة الأولى. في رسائله الرعوية، ولا سيما في رسالتَيْ تيموثاوس الأولى والثانية ورسالته الى تيطس، يحث بولس أتباعه على الوقوف بحزم ضد العقيدة الباطلة ودحض أولئك الذين يناقضون الحق.

 

في 2 تيموثاوس 4: 2-5، كتب بولس:

2 اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ.

3 لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ،

4 فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ.

5 وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ.

 

في (تيطس 1: 9) حذر من المعلمين الكذبة وأكدّ على ملازمة الكلمة الصادقة والتعليم الصحيح.

9 مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ.

 

* كانت استراتيجية بولس لمحاربة التعليم الكاذب ذات شقين:

– دَحْض الخطأ

– والارشاد إلى التعليم الصحيح.

وهذا درس أساسي للمدافعين المسيحيين اليوم. لا يكفي مجرد الإشارة إلى أخطاء التعاليم الكاذبة؛ يجب على المدافعين أيضًا تقديم توجيهات وتعليمات ارشادية وإيجابية في العقيدة السليمة. يتضمن هذا فهمًا عميقًا للكتاب المقدس والقدرة على توصيله بشكل واضح ومقنع.

وهذا ايضا ما يحث عليه يهوذا الرسول المؤمنين في رسالته (يهوذا 1: 3) وذلك بواسطة تجهيز وتحصين أنفسهم بمعرفة الكتاب المقدس وفهم قوي للاهوت الكتابي.

“أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” (يه 1: 3).

– كيف تعامل بولس في الكرازة مع الأمم؟

إن دعوة بولس كرسول للأمم (رومية 11: 13) شكّل الكثير من أسلوبه الدفاعي والكرازي.

على عكس اليهود الذين كان لديهم الكتب ويعرفون أساس أسفار العهد القديم، الامر الذي لم يكن يتمتع به الأمم اذ لم يكن لدى الأمم سوى القليل من المعرفة عن إعلان الله. لذلك، كان على بولس أن يُكيّف رسالته لتتوافق مع احتياجات جمهوره من الأمم.

في 1 كورنثوس 19:9-23، يصف بولس أسلوبه في الكرازة:

“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ – مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ – لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ.” (1 كو 9: 19-23).

إن قدرة بولس على التكيُّف لا تعني التنازل عن رسالة الإنجيل؛ بل كان يعني تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة. هذا المبدأ مهم للمدافعين اليوم. يجب أن يكونوا على دراية بمعتقدات جمهورهم وقيمهم وخلفيتهم الثقافية وأن يقدموا الإنجيل بطريقة تخاطبهم ضمن اطارهم وسياقهم المحدد دون تمييع الحقيقة أو التنازل عن رسالة الانجيل.

– كيف يمكن للمدافعين أن يتعلموا منهج بولس الرسول في تقديم حجج منطقية تحاكي العقل والمنطق؟

إن استخدام بولس للمنطق والعقل واضح في كل كتاباته، فعلى سبيل المثال في رسالته إلى أهل رومية. غالبًا ما تُعدُّ رسالة رومية واحدة من أكثر الكتابات اللاهوتية منهجية في العهد الجديد، وهي تُظهر مهارة بولس في تقديم حجّة منطقية.

في رومية 1: 18-32، يوضح بولس بشكل منطقي عواقب رفض البشرية لله، موضحًا كيف تؤدي عبادتهم للأصنام إلى الانحلال الأخلاقي والدينونة.

في رومية (رو 3: 9)، يستخدم بولس سلسلة من الأسئلة البلاغية لإرشاد القارئ خلال حجته حول شمولية الخطية والحاجة إلى التبرير بالإيمان. ويتساءل: “ماذا إذن؟ هل نحن اليهود أفضل حالا؟ لا، على الاطلاق. “فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ،” (رو 3: 9).

إذا هنا نجد بولس الرسول ومن خلال طرح الاعتراضات المحتملة والمتوقعة والإجابة عليها مباشرة، يبني حجة مقنعة ومنطقية لضرورة ذبيحة المسيح الكفارية.

يمكن للمدافعين المسيحيين اليوم ان يحذوا حذو بولس الرسول من خلال بناء حجج منطقية بعناية حول الاعتراضات المختلفة والشائعة ويقومون على معالجتها. ولا يتضمن هذا فهمًا شاملاً للكتاب المقدس فحسب، بل يشمل أيضًا الوعي بالاعتراضات الفلسفية والثقافية الشائعة التي تحارب المسيحية. يجب على المدافعين أن يجتهدوا في تقديم الإنجيل بطريقة متماسكة فكريًا ومتّسقة منطقيًا.

ختاما نقول يمكن للمدافعين المسيحيين المعاصرين أن يحذوا حذو منهج بولس الرسول وأن يتعلموا كيفية توصيل حق الإنجيل بطريقة فعالة وأمينة للكتاب المقدس. من خلال الاصغاء الفعال، والتفسيرات الواضحة، والتفكير المنطقي، وتنوّع الاساليب والطرق الفعالة دون التهاون في الحق الكتابي، وايضا تقديم حقيقة المسيح غير المتغيرة بطرق من شأنها أن يتردد صداها لدى الثقافات والخلفيات المختلفة بالإضافة الى المحبة العميقة للآخرين، يمكن للمدافعين أن يحققوا دعوتهم لمشاركة الأخبار السارة عن يسوع المسيح والإجابة على الاعتراضات التي تنشأ في عالم مليء بالأسئلة.

الدفاعيات على طريقة بولس الرسول – طرق بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات – ترجمة: Patricia Michael

 

How Can Christian Apologists Follow the Teaching Methods of the Apostle Paul to Give Effective Answers to Objections?

The Apostle Paul: The Second-Greatest Teacher

 

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

 

كيف يستطيع المدافعون المسيحيون اتّباع طرق تعليم بولس الرسول لتقديم إجابات فعالة على الاعتراضات؟ ترجمة: Patricia Michael

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

لقد أثار موضوع نشأة الكون حيرة العلماء والفلاسفة واللاهوتيين على حد سواء لفترة طويلة. غالبًا ما يؤدي اتساع وتعقيد الكون إلى هذا السؤال: هل أوجد الكون نفسه ونشأ هكذا عن طريق أحداث كونيّة عشوائية بدون صانع ذكي (الاله)؟

يقدم الكتاب المقدس إجابة محددة في النص الاول من سفر التكوين ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. (تكوين 1: 1). تؤكد هذه العبارة الواضحة أن الله هو مصدر كل ما هو موجود، مما ينفي أي اعتقاد بأن الكون قد اوجد نفسه تلقائيًا أو بالصدفة عن طريق أحداث كونية عشوائية.

ومع ذلك، يقاوم العديد من علماء الفيزياء والطبيعة هذا التفسير، مفضلين النظرية القائلة بأن الكون نشأ من خلال عمليات طبيعية بحتة. إحدى أبرز النظريات هي نظرية الانفجار الكبير، التي تفترض أن الكون بدأ من حالة التفرد، وهي حالة من الكثافة ودرجة الحرارة اللانهائية، ثم توسّع وامتدّ منذ ذلك الحين. ومع ذلك، حتى أنصار هذه النظرية، مثل الدكتور أندريه ليندي Dr. Andrei Linde، يعترفون بأن هذه النظرية لا تفسر كيف نشأ الكون من العدم. في حين ان الكتاب المقدس أوضح لنا أن كل شيء جاء إلى الوجود بكلمة الله: “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا.” (مز 33: 6)

 

هل كان للكون بداية؟

لقد أثبتت الاكتشافات العلمية خلال القرن الماضي أن الكون يتمدد ويتوسع، مما دفع العديد من العلماء إلى استنتاج أن له بداية. وهذا يتوافق مع رواية الكتاب المقدس، التي تقول ان هناك نقطة بداية واضحة حددها الكتاب في اول نص من سفر التكوين “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.” (تك 1: 1).

 في عشرينيات القرن العشرين، اكتشف علماء الفلك أن المجرّات البعيدة كانت تبتعد عنا، وهي ظاهرة تعرف باسم “الانزياح نحو الأحمر”redshif”. تشير هذه الظاهرة إلى أن الكون يتمدد ويتوسع، وبذلك تضيف هذه الظاهرة الى الاستنتاج ان الكون له بداية، وهو الاستنتاج الذي أزعج العديد من العلماء لأنه يتناقض مع فكرة الكون الأبدي.

قال السير برنارد لوفيل، Sir Bernard Lovell وهو عالم فلك بارز، ذات مرة: “إذا كان الكون، في مرحلة ما في الماضي، قريبًا من حالة فريدة ذات حجم متناهٍ في الصغر وكثافة لا نهائية، فيجب علينا أن نتساءل عما كان موجودًا من قبل وكيف نشأ وما كان خارج الكون”. إن السؤال عما كان موجودًا قبل الكون وكيف نشأ يشير مباشرة إلى الحاجة إلى خالق.

يكشف الكتاب المقدس أن الله موجود خارج نطاق الزمان والمكان، وأنه خلق كل الأشياء بقدرته الإلهية وحكمته. يقول إشعياء النبي “ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ.” (إش 40: 26).

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

هل الكون مهيأ للحياة؟

يعد الضبط الدقيق للكون أحد أقوى الحجج ضد فكرة أنه جاء إلى الوجود من خلال عمليات طبيعية عشوائية. وقد حدد العلماء أربع قوى أساسية تحكم الكون: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة، وهذه القوى يجب أن يتم معايرتها بدقة وأدنى انحراف من شأنه ان يؤدي الى انهيار الكون وبالتالي يصبح غير صالح للحياة. وهذ ما يطلق عليه علميا (معايرة أو هندسة الثوابت الكونية) وهو وجود ثوابت طبيعية لها مقادير محدده ذات دقه متناهيه لا تخرج عنها. هذه الثوابت الكونية لو اختلفت بمقادير جدا صغيره سوف تتسبب ليس فقط في استحالة ظهور الحياة ولكنها تتسبب في استحالة تركيب الكون من العناصر الكونية وذلك لانهيار هذه العناصر.

وقد حدد العلماء كما أشرنا إلى أربع قوى أساسية تحكم الكون (The Four Fundamental Forces):

  • قوة الجاذبية – Gravitational Force
  • القوة الكهرومغناطيسية – Electromagnetic Force
  • القوة النووية القوية – Strong Nuclear Force
  • القوة النووية الضعيفة – Weak Nuclear Force

الجاذبية، على سبيل المثال، يجب أن تكون متوازنة تماما. ولو كانت أقوى قليلاً، لاحترقت النجوم بسرعة كبيرة وانهارت، مما يمنع تكوين الكواكب التي تحافظ على الحياة. فإذا كانت الجاذبية أضعف قليلاً، فلن تحترق النجوم بدرجة كافية من الحرارة للحفاظ على الاندماج النووي، وسيمتلئ الكون بمادة باردة خاملة. وبالمثل، فإن القوة الكهرومغناطيسية مسؤولة عن احتجاز الإلكترونات حول نواة الذرات، مما يتيح التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة. وأي تغيير طفيف في هذه القوة من شأنه أن يمنع تكوين الجزيئات، مما يجعل الحياة مستحيلة.

تشير هذه الشروط الدقيقة إلى مصمم خلق الكون عمدًا آخذا بعين الاعتبار وضع الاسس والقوانين لإمكانية الحياة في هذا الكون.

 يسأل الله ايوب في سفر ايوب “أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ. مَنْ وَضَعَ قِيَاسَهَا؟ لأَنَّكَ تَعْلَمُ! أو مَنْ مَدَّ عَلَيْهَا مِطْمَارًا؟ سفر أيوب 38: 4-5

إن دقة قوانين الكون وثوابته هي بمثابة دليل دامغ على خلق الله المتعمد.

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

ما هو الدور الذي تلعبه القوى النووية القوية والضعيفة؟

بالإضافة إلى الجاذبية والكهرومغناطيسية، تُظهر القوى النووية القوية والضعيفة أيضًا الضبط الدقيق الضروري للحياة. تربط القوة النووية القوية البروتونات والنيوترونات معًا في نواة الذرة، مما يسمح بتكوين العناصر. ولو كانت هذه القوة أضعف قليلاً، فلن يوجد سوى الهيدروجين، ولن تتشكل أي عناصر أخرى. ولو كان أقوى قليلًا، فلن توجد سوى العناصر الأثقل، ولكان الهيدروجين، وهو مكون أساسي في الماء والمركبات العضوية، غائبًا.

تتحكم القوة النووية الضعيفة في التحلل الإشعاعي وتلعب دورًا في عمليات الاندماج النووي التي تزود النجوم بالطاقة مثل الشمس. وبدون التوازن الدقيق لهذه القوة، ستحترق النجوم بسرعة كبيرة جدًا أو ببطء شديد، مما يؤدي إلى تعطيل إنتاج الطاقة الضروري لاستدامة الحياة على الأرض. يتأمل الكتاب المقدس في عظمة خليقة الله، مؤكداً على حكمته في دعم كل الأشياء: “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ” (كو 1: 16-17).

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

كيف يدعم موقع الأرض في النظام الشمسي الحياة؟

إن سمات الأرض الفريدة وموقعها داخل النظام الشمسي يوضحان بشكل أكبر الدقة الإلهية التي ينطوي عليها الخلق. تقع الأرض على مسافة مثالية من الشمس، وغالبًا ما يشار إليها باسم “Goldilocks zone” ويعنــي “المنطقة المعتدلة” أو ما يطلق عليه “النطاق الامثل والانسب الذي يصلح للحياة” حيث تكون درجات الحرارة مناسبة للمياه السائلة – وهو عنصر حاسم للحياة. إذا كانت الأرض أقرب إلى الشمس بنسبة 5% فقط، فسوف تتعرض لظاهرة الاحتباس الحراري الجامحة، وتصبح ساخنة بشكل لا يطاق. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت المسافة أبعد بنسبة 1% فقط، فسوف تصبح أرضًا قاحلة متجمدة.

بالإضافة إلى بعدها المثالي عن الشمس، يتم أيضًا ضبط دوران الأرض وخصائصها المدارية بدقة. ويضمن دوران الكوكب درجات حرارة معتدلة بين النهار والليل، في حين أن مداره شبه الدائري يمنع التغيرات الموسمية الشديدة. تتيح هذه الخصائص توفير البيئة المستقرة التي تدعم الحياة والتي غالبًا ما نعتبرها أمرًا مفروغًا منه. هذه الدقة ليست من قبيل الصدفة. فهذا يشير مباشرة إلى التصميم المتعمد للخالق. وكما أعلن النبي إشعياء، “لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللهُ. مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلًا. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ.” (إش 45: 18).

 

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

ماذا يخبرنا القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟ The second law of thermodynamics

يشير القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الأنظمة تميل نحو الفوضى مع مرور الوقت. يمكن ملاحظة هذا القانون في الحياة اليومية، حيث تتحلل المباني، وتتعطل الآلات، وتتقدم الكائنات الحية في العمر. ونظرًا لهذا الميل الطبيعي نحو الفوضى، يجب أن يكون الكون أيضًا في حالة من الفوضى المتزايدة. ولكن لا نرى اطلاقا هذه الفوضى في نظام الكون – بل على العكس – ان ما نلاحظه هو ان الكون منظم ومنظم للغاية. تتبع الكواكب مدارات يمكن التنبؤ بها، وتتألق النجوم بثبات لمليارات السنين، وتحافظ القوى الأساسية على التوازن الدقيق الضروري للحياة.

ويقدم الكتاب المقدس تفسيرا لهذا التناقض الواضح. فالله إله نظام وليس فوضى. وكما تقول رسالة كورنثوس الأولى 14: 33 لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.

 إن النظام والاستقرار الملحوظين في الكون هما انعكاس لقدرة الله الداعمة.

وهذا ما تؤكده رسالة العبرانيين أن المسيح الَّذِي، “وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ”. (رسالة العبرانيين 1: 3)

 إن وجود الكون ذاته، بقوانينه المضبوطة بدقة وتحدّيه للعشوائية والفوضى يشهد على تدخل الله المستمر في الحفاظ على الخليقة.

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

كيف تعلن السماوات مجد الله؟

يقول المزمور 19: 1 “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ.” (مز 19: 1).

 تلخص هذه الآية وجهة النظر الكتابية للكون. كل جانب من جوانب الكون — من المجرات الواسعة إلى أصغر الذرة — يكشف جلالة خالقه وحكمته. إن الاكتشافات الحديثة في علم الفلك والفيزياء لا تؤدي إلا إلى ان نتعمّق برهبة في دقة كيفية خلق الله لهذا الكون.

العدد الهائل من النجوم في الكون أمر محيّر للعقل. تحتوي مجرة ​​درب التبانة وحدها على أكثر من 100 مليار نجم، وهناك ما يقدر بنحو 50 مليار مجرة ​​في الكون المرئي. ومع ذلك، على الرغم من اتساع الكون، يذكرنا الكتاب المقدس أن الله يعرف خليقته عن كثب: ” يُحْصِي عَدَدَ الْكَوَاكِبِ. يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ “. (مزمور 147: 4). إن الله الذي خلق الكون الواسع يعرف أيضًا كل خليقة من مخلوقاته بالاسم، مما يدل على قدرته وعنايته الشخصية في كل ما صنعه.

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

كيف يفشل التطور الكوني في تفسير تصميم الكون؟

على الرغم من الأدلة الدامغة على التصميم في الكون، إلا أن العديد من العلماء ما زالوا معتقدين بنظرية التطور الكوني، التي تشير إلى أن الكون وكل ما فيه نشأ من خلال عمليات عشوائية وغير موجهة. غالبًا ما يكون هذا الرأي مصحوبًا بالاعتقاد بأن المادة والطاقة يمكن أن تخلق نفسها بنفسها، وهي فكرة تتناقض مع المبادئ العلمية وتعاليم الكتاب المقدس.

تقول رسالة العبرانيين “بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ”. (رسالة العبرانيين 11: 3)

 تدحض هذه الآية بشكل مباشر فكرة أن الكون يمكن أن يخلق نفسه من مادة أو طاقة موجودة مسبقًا. وبدلا من ذلك، يؤكد أن الله خلق الكون من العدم، وهو مفهوم يُعرف بالخلق من العدم. إن فعل الخلق هذا يتجاوز الإدراك البشري، ولكنه يتوافق مع شخصية الله القدير الذي تكلم عن نشأة هذا الكون.

كما فشل التطور الكوني في تفسير الضبط الدقيق الملحوظ في الكون. كما رأينا، فإن القوى الأساسية والثوابت الطبيعية يتم معايرتها بدقة للسماح بوجود الحياة. إن احتمال اصطفاف هذه القوى عن طريق الصدفة منخفض للغاية لدرجة أنه يتحدى التفسير العقلاني. تؤكد رسالة رومية أن “صفاته غير المنظورة، أي قدرته الأبدية وطبيعته الإلهية، تظهر بوضوح منذ خلق العالم في المصنوعات”. “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رو 1: 20).

إن دليل التصميم في الكون واضح ولا يمكن إنكاره، ويشير مباشرة إلى وجود الخالق.

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

هل يستطيع العلم تقديم تفسير كامل؟

العديد من العلماء، الرافضين لفكرة وجود الخالق، يواصلون البحث عن تفسيرات طبيعية لأصل الكون. يشير نموذج الكون التضخمي، الذي اقترحه الفيزيائي آلان جوث Alan Guth، إلى أن الكون شهد توسعًا سريعًا مباشرة بعد الانفجار الكبير. وبينما تحاول هذه النظرية تفسير تطور الكون، إلا أنها لا تأخذ في الاعتبار أصل نشأة الكون. وقد اعترف الدكتور جوث نفسه بأن نظريته «لا تفسر كيف نشأ الكون من العدم». يسلط هذا الاعتراف الضوء على محدودية التفسيرات الطبيعية.

كمسيحيين، نحن ندرك أن العلم له حدوده. في حين أن البحث العلمي يمكن أن يكشف الكثير عن طريقة عمل الكون، إلا أنه لا يستطيع الإجابة على الأسئلة النهائية حول المعنى والغرض والأصل والنشأة. لكن الكتاب المقدس يقدم هذه الإجابات. يقول لنا سفر الامثال ” الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَاوَاتِ بِالْفَهْمِ. بِعِلْمِهِ انْشَقَّتِ اللُّجَجُ، وَتَقْطُرُ السَّحَابُ نَدًى. (سفر الامثال 3: 19 – 20)

ختاما نقول إن تعقيد الكون ونظامه هما نتيجة حكمة الله وفهمه، وليس الصدفة العمياء أو العمليات الطبيعية العشوائية.

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

ليكون للبركة.

 

ترجمة: Patricia Michael

Can the Universe Create Itself, or Is There Evidence of a Creator?

هل يمكن للكون أن يخلق نفسه أم أن هناك دليل على وجود خالق؟ ترجمة: Patricia Michael

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس… 4

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة. 10

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 11

حواء هي سبب الموت لنفسها 11

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان. 11

الموت كان لصالح الإنسان. 12

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 12

الإنسان جنى الموت بالعصيان. 12

ظهور الموت بسبب حسد إبليس.. 13

ق. يوستينوس الشهيد 13

البشر جلبوا الموت على أنفسهم 13

ق. ميثوديوس الأوليمبي. 14

الله وضع نهاية للخطية بالموت.. 14

الإنسان هو علة موته وفنائه. 14

نوفاتيان الأفريقي. 15

عقوبات الله الشفائية. 15

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 15

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق. 15

ق. أثناسيوس الرسولي. 16

الموت هو نتيجة التعدي.. 16

البشر هم علة فساد الموت.. 16

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 17

جلب البشر الموت على أنفسهم 17

الموت لتلافي النتيجة المرعبة. 17

ق. هيلاري أسقف بواتييه. 18

لا يوجد موت في الله.. 18

ق. باسيليوس الكبير. 18

الله لا يميت أحد بل يحيي. 18

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 19

سقوط الإنسان في الموت بالخطية. 19

الإنسان جلب الموت بإرادته. 19

لايوجد الموت مع الحياة في الله.. 20

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي. 21

الموت في مصلحة الإنسان. 21

لا يريد الله موت الخاطئ. 21

ق. غريغوريوس النيسي. 22

الموت عقيم لم يغرسه الله.. 22

الشيطان هو مصدر الموت.. 22

الشر هو بداية الموت وليس الله.. 23

الله ليس خالق الموت.. 23

التعدي هو أم الموت.. 23

دخول الموت لمنع تأبيد الشر. 24

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 24

ق. يوحنا ذهبي الفم. 25

الخطية سبب الموت وليس الله.. 25

الموت في صالح الإنسان. 26

الموت فائدة للإنسان. 26

الموت ليس شرًا بل خيرًا 28

ق. كيرلس الإسكندري.. 28

الخطية هي علة الموت وليس الله.. 28

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات.. 29

الخطأة هم قتلة أنفسهم 29

الموت في مصلحة الإنسان. 30

دخول الموت بحسد إبليس.. 30

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية. 31

الشيطان مسلمنا إلى الموت.. 31

قطف آدم الموت لنفسه. 31

ق. ساويروس الأنطاكي. 31

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي.. 31

سيادة الموت والهموم بعد السقوط. 32

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 33

مار أغريس البنطي. 33

لا يشأ الله موت أحد 33

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت.. 34

موت النفس هو الشر. 34

مار إسحاق السرياني. 34

لا يوجد الموت في الله.. 34

ق. مكاريوس الكبير. 35

موت الإنسان عن الله.. 35

الإنسان هو علة هلاكه وموته. 35

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس.. 36

ق. يوحنا كاسيان. 36

الله ليس صانع الموت.. 36

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية. 38

دخول الموت بحسد إبليس.. 38

الإنسان أختطف الموت لنفسه. 38

تأديبات الله المؤدية للحياة 39

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته. 39

 

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.

سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.

أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.

 

 

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس

يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).

ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).

ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).

ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).

فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!

يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.

يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).

ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة

سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).

كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

حواء هي سبب الموت لنفسها

يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:

”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان

يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:

”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]

الموت كان لصالح الإنسان

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:

”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

الإنسان جنى الموت بالعصيان

ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:

”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]

ظهور الموت بسبب حسد إبليس

ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:

”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]

ق. يوستينوس الشهيد

البشر جلبوا الموت على أنفسهم

يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:

”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

الله وضع نهاية للخطية بالموت

يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:

”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]

الإنسان هو علة موته وفنائه

يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:

”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]

نوفاتيان الأفريقي

عقوبات الله الشفائية

يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:

”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق

يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:

”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]

ق. أثناسيوس الرسولي

الموت هو نتيجة التعدي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:

”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]

البشر هم علة فساد الموت

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:

”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:

”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]

جلب البشر الموت على أنفسهم

ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:

”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]

الموت لتلافي النتيجة المرعبة

يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:

”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

لا يوجد موت في الله

يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:

”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]

ق. باسيليوس الكبير

الله لا يميت أحد بل يحيي

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:

”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:

”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]

سقوط الإنسان في الموت بالخطية

يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]

الإنسان جلب الموت بإرادته

ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:

”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]

لايوجد الموت مع الحياة في الله

ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:

”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

الموت في مصلحة الإنسان

يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:

”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]

لا يريد الله موت الخاطئ

يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:

”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]

ق. غريغوريوس النيسي

الموت عقيم لم يغرسه الله

يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:

”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]

الشيطان هو مصدر الموت

وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]

الشر هو بداية الموت وليس الله

يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:

”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]

الله ليس خالق الموت

ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]

التعدي هو أم الموت

يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:

”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]

دخول الموت لمنع تأبيد الشر

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:

”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]

ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:

”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:

”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]

ق. يوحنا ذهبي الفم

الخطية سبب الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:

”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]

يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:

”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]

وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!

الموت في صالح الإنسان

ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:

”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]

الموت فائدة للإنسان

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:

”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]

الموت ليس شرًا بل خيرًا

يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:

”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]

ق. كيرلس الإسكندري

الخطية هي علة الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:

”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:

”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]

الخطأة هم قتلة أنفسهم

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:

”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]

الموت في مصلحة الإنسان

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:

”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]

دخول الموت بحسد إبليس

ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:

”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية

الشيطان مسلمنا إلى الموت

يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:

”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]

قطف آدم الموت لنفسه

يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:

”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]

ق. ساويروس الأنطاكي

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:

”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]

سيادة الموت والهموم بعد السقوط

يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:

”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:

”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]

مار أغريس البنطي

لا يشأ الله موت أحد

يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:

”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت

ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]

موت النفس هو الشر

ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]

مار إسحاق السرياني

لا يوجد الموت في الله

يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:

”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]

ق. مكاريوس الكبير

موت الإنسان عن الله

يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:

”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]

الإنسان هو علة هلاكه وموته

يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:

”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس

يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:

”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]

ق. يوحنا كاسيان

الله ليس صانع الموت

ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية

دخول الموت بحسد إبليس

تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:

”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]

الإنسان أختطف الموت لنفسه

وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:

”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]

تأديبات الله المؤدية للحياة

ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:

”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته

ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:

”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]

 

 

نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.

 

[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.

[2] المرجع السابق، 3: 23: 1، ص 112.

[3] المرجع السابق، 3: 23: 6، ص 115، 116.

[4] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، 2: 27، ص 82.

[5] المرجع السابق، 2: 29، ص 84.

[6] يوستينوس الشهيد (قديس)، الحوار مع تريفون اليهودي، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الفصل 124، ص 299.

[7] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، 2009)، حوار 9: 2، ص 201.

[8] المرجع السابق، حوار 3: 7، ص 118، 119.

[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.

[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.

[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.

[12] المرجع السابق، 5: 1، ص 13.

[13] المرجع السابق، 5: 2، ص 13.

[14] المرجع السابق، 5: 3، ص 13.

[15] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 6: 2، ص 15.

[16] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، 2: 7، ص 242، 243.

[17] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 26.

[18] المرجع السابق، ص 34.

[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.

[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.

[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.

[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.

[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.

[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.

[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.

[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.

[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.

[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.

[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.

[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.

[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.

[35] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، التفسير الكبير لسفر التكوين ج2، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، عظة 18: 8-9، ص 109، 110.

[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السادسة، ص 231.

[39] المرجع السابق، المقالة الثامنة، ص 339.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.

[42] بروكلس أسقف القسطنطينية (قديس)، بروكلس أسقف القسطنطينية (حياته – تعاليمه – عظاته)، ترجمة: مينا عياد فوزي يسى، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، عظة 1: 7، ص 99.

[43] المرجع السابق، عظة 2: 7، ص 116.

[44] ساويروس الأنطاكي (قديس)، كيرلس محب الحق، ترجمة: الراهب القس غريغوريوس آفا مينا، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 616.

[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.

[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.

[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.

[48] المرجع السابق، براكتيكوس، الفصل 18، ص 137.

[49] المرجع السابق، كيفالايا غنوستيكا 1: 41، ص 174.

[50] اسحاق السرياني (مار)، الميامر النسكية، ترجمة: أنبا سارافيم أسقف الإسماعيلية، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء البرموس، 2017)، ميمر 27، ص 297.

[51] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 12: 1، 2، ص 254.

[52] المرجع السابق، عظة 15: 23، ص 298.

[53] المرجع السابق، عظة 30: 3، ص 460.

[54] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته – كتاباته – أفكاره)، (القاهرة: مطبعة الأنبا رويس، 1997)، مناظرة 13، ص 255.

[55] إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة: نيافة الأنبا متاوؤس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994)، ص 142.

[56] المرجع السابق، ص 200.

[57] المرجع السابق، ص 201.

[58] المرجع السابق، ص 213.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

400 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد ج1 – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

400 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد ج1 – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 

400 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد ج1 – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 

ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

تعليق إيرمان بأن هناك 400 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد! 

 

في المقام الأوّل، إنّ كتاب: “سوء اقتباس يسوع”، بشكل عام يُغالي في موضوع التغييرات الملحوظة بين المخطوطات. إيرمان يقدِّرها بـ 400.000 تغيير في مخطوطات العهد الجديد، قد يكون صحيحًا في العدّد، لكن ما لا يوصله إيرمان بوضوح إلى قُرَّاءه هو عدم أهمّيّة الغالبيّة العُظمى من الاختلافات.

أغلب هذه الأربعمائة اختلاف نابعة من الاختلاف في التهجئة، أو ترتيب الكلمات، أو العلاقة بين الأسماء، أو “الـ” التعريف، اختلافات ممكن ملاحظتها بكلّ سهولة وفي معظم الحالات -عمليًّا- ليست ملحوظة في الترجمات! مثلًا في اليونانيّة كلمات “hemeis” التي تعني نحن، وكلمة الجماعة أنتم “hymeis” تظهران متماثلتان، والنُسَّاخ كثيرًا ما ارتبكوا بسببهم. ولكن هل في النهاية تؤثر فيما إذا: “أنتم… أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ”، أو: “نحن.. أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ”؟! (غلاطية 4: 28).

في حالات أُخرى، نصّ مترجم حرفيًّا من اليونانيّة قد يكون له “الـ” التعريف قبل الاسم. في بعض المخطوطات يظهر النصّ (يوحنّا 3: 3)، هكذا: “أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ”. بينما بترجمة حرفيّة، فإنّ هذا العدد يكون هكذا: “أجاب ’الـ‘ يسوع وقال له”.

في مخطوطات يونانيّة أُخرى لنفس العدّد “الـ” التعريف غير موجودة. ولكن بما أنّ الإنجليزيّة على كلّ حال لا تضع نهائيًّا “الـ” التعريف (the) في مقدّمة اسم العلم، هذا الاختلاف لا يُلاحظ في أي ترجمة إنكليزيّة: “أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ..”. أو بعض الكلمات المشابهة. في نهاية الأمر، فإنّ أكثر من 99% من الـ 400.000 اختلاف يقع في هذه الفئة من الاختلافات غير الملحوظة فعليًّا![1]

المتبقي من النسبة المئويّة هو واحد بالمائة من الاختلافات، فقط بعض منها ليس لها أي أهمّيّة في ترجمة النصوص الكتابيّة. الأهمّ من ذلك، ولا واحد من الاختلافات يؤثّر على العناصر المركزيّة للإيمان المسيحيّ. ولكن إيرمان يستمر في الإعلان في كتابه: “سوء اقتباس يسوع”، وفي المقابلات الإذاعيّة والتلفزيونيّة: “هُناك الكثير من التغييرات المهمّة”.[2] إنّه إدعاء بكلّ بساطة غير مسنود بدلائل من المخطوطات.

إنَّ علم النقد النصيّ -بالرغم من وَقْع الاسم على مسامعنا- لا يتعلّق بانتقاد النصوص الكتابيّة. في هذا السياق، النقد تعني “التحليل” أو “تحقيق عن قرب”.

مهمة الناقد النصيّ هيَ الاطلاع بكثب على نسخ من الوثائق القديمة وتحديد أي نسخة هيَ الأقرب إلى الوثيقة الأصليّة.

هنا نرى ما يفترضه النقد النصيّ: إنّه من المستحيل أن يكون كلّ النُسَّاخ قد عملوا نفس الخطأ وفي نفس الوقت. أي بكلمات اُخرى، بما أنّ التغيُّر زحف إلى المخطوطات واحد في كلّ مرة بأزمنة وأماكن مختلفة، فمن المُمكن مقارنة عدّة مخطوطات لاكتشاف متى وأين ظهر الخطأ. الناقد النصيّ حينئذ يستطيع في معظم الحالات معرفة الصيغة الأصليّة للكلمات.

لننظر إلى مثال بسيط لهذه العملية: في معظم المخطوطات اليونانيّة تُقرأ يوحنّا 1: 6 هكذا:

“كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ اسْمُهُ يوحنّا”. ولكن في مخطوطة تُسمى بيزا أو تُرقَم ببساطة د D، نجد النصّ يُقرأ هكذا: “كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ الرب اسْمُهُ يوحنّا”.

مثل معظم الاختلافات بين المخطوطات، هذا الاختلاف لا يؤثر على المعنى للنص. مع هذا، إنّه مهمّ بالنسبة للباحثين والمترجمين ليحدّدوا أي كلمات تبدو في النصّ الأصليّ لإنجيل يوحنّا. إذًا، كيف يعرفون أي قراءة هيَ الأقرب إلى الأصل؟

لننظر إلى بعض المخطوطات ونقرّر بأنفسنا! مخطوطة بيزا هيَ مخطوطة من رقوق جلديّة تتضمن ليس فقط نصًّا باليونانيّة بل أيضًا باللاتينيّة. أسلوب الكتابة، استعمال رق الجلد بدلًا من البردي، وجود اللغة اليونانيّة واللاتينيّة في النصّ، كلّ هذا يدعم بأنّ مخطوطة بيزا -المخطوطة التي تُقرأ: “مُرْسَلٌ مِنَ الربّ”- كانت مستنسخة بحدود خمسمائة ميلاديّة. مخطوطة بيزا أيضًا يبدو أنّها نشأت في منطقة بأوروبا تُسمى اليوم بفرنسا.

إنَّ المخطوطتين الأساسيّتين اللتين تتفقا على القراءة -” مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ”، بدلًا من: “مُرْسَلٌ مِنَ الرّبّ”- هما مخطوطة من الرقوق معروفة باسم المخطوطة السينائيّة ومخطوطة برديّة لقبها عالم بالحرف P 66. إنّ المخطوطة السينائيّة تمّ استنساخها حواليّ ثلاثمائة وثلاثين ميلاديًّا.

البرديّة P 66 يمكن تأريخها بأواخر القرن الثاني للميلاد. تقريبًا قرن أو أقل من الزمن الذي يُعطيه غالبيّة العُلماء لكتابة نصّ إنجيل يوحنّا! المخطوطة السينائيّة والبردية P 66 أيضًا يُظَن أنّه تمّ نسخهما في منطقتين مختلفتين بمصر.

إذًا، مِمَا قد تعلَّمت في المقاطع السابقة أي كلمات تظن أنّ يوحنّا كَتَب أصلًا؟ “مرسل من الله”، أم “مرسل من الربّ”؟ اختر قبل أن تُكمِل إلى الفقرة التالية!

من حيث إنّه هُناك اتفاق بين المخطوطة السينائيّة والبرديّة P 66، فإنّ المخطوطات قد نُسِخَت في مكانين مختلفين، وبينهما أكثر من قرن، وأنّ حقيقة هاتين المخطوطتين أقدم من مخطوطة بيزا، تقريبًا كلّ ناقد نصيّ توصَّل إلى أنّ يوحنّا 1: 6 أصلًا قُرِأت: “مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ”. في مكان ما في أوروبا، ربّما في القرن الخامس، كاتب أو ناسخ ضعيف أو مُهمِل كتب: “مرسل من الربّ” (باليونانيّ، كيريو kyriou) في الوقت الذي كان ينبغي أنّ ينسخ الكلمة “الله” (باليونانيّ ثيو theou).

الآن، يجب أن اعترف لك أنّ معظم الأمور المُختصّة بالنصوص أكثر تعقيدًا من المشهد أو السيناريو الذي قدّمته هُنا. مع هذا، فهُناك مباديء مُعيّنة والتي مع بعض الاستثناءات تسمح لناقدي النصّ بتحديد الأصل من خلال النصّ.

إيرمان يعرف جيّدًا هذه المباديء. (في الحقيقة، واحد من البروفيسورات السابقين لإيرمان -بروس ميتزجر- هو المسؤول عن تنقيح معظم هذه المباديء للنقد النصيّ). في نقطة ما في كتاب: “سوء اقتباس يسوع”، حتّى إيرمان يعترف: 

“استمريت بالظنّ بأنّه حتّى لو لم نقدر أن نكون مائة بالمائة متاْكدين عمّا سنصل إليه…. فإنّه مُحتمل على الأقل أن نستطيع الوصول إلى أقدم وأكثر مرحلة مُتقدّمة من تقاليد المخطوطات لكلّ كتاب من العهد الجديد”.[3]

في مكان آخر يعترف:

كلّما نكتشف مخطوطاتً أكثر كلّما ازدادت القراءات المختلفة، لكن أيضًا بالأكثر في مكان ما سنكتشف قراءات متشابهة من ضمن هذه القراءات المختلفة التي ستكشف النصّ الأصليّ. لهذا، إنّ الـ 30.000 اختلاف غير المُكتشف من قِبَل ميل (ميل هو الناقد النصيّ للقرن الثامن عشر)، لاينتقص من سلامة العهد الجديد، أنّها بكلّ بساطة توفِّر المعلومات أو البيانات للعلماء التي يحتاجونها لتكوين النصّ، الذي تمّ توثيقه بإسهاب أكثر من أي شيء آخر في العصور القديمة.[4]

ومع هذا، يبدو أنّ إيرمان يريد –وفقًا لكلمات أحد القُرَّاء- “أن يمتلك النصّ النقديّ مثل كعكة، بل ويأكلها أيضًا”.[5] وبعد بضع صحائف قليلة فقط يُعلن أنّه من المُمكن استرجاع أقرب نصّ للنصِّ القديم من خلال المخطوطات، إيرمان يُشير إلى المسيحيّة بأنّها: “ديانة قائمة على النصوص التي حدث لها تغيير”.[6] بالرغم من الاعتراف بأنّه يمكن استرجاع النصّ “الأقدم والأوّل”، إيرمان يجد لنفسه مكانًا قبل الفقرة الختاميّة لكتابه “سوء اقتباس يسوع” ليُكرّر اتهامه:

“نظرًا للظرف المُعطى أنّ (الله) لم يُحافظ على الكلمات، والنتيجة التي لا مفر منها بالنسبة لي هو أنّه لم يعمل على وحي هذه الكلمات”.[7]

علمًا بأنّ إيرمان يبقى على حذر بأن النقد النصيّ يقدر، بحسب كلماته:

“إعادة بناء الشكل الأقدم للكلمات في العهد الجديد، مع دقة معقولة (وإن لم تكن مائة بالمائة)”.[8]

النقد النصيّ ليس علمًا متكاملًا، لكن الله يعمل من خلال بعض الأشياء والأدوات غير الكاملة على مدى التاريخ –نوح وإبراهيم وموسى وإيليا وإستير ومريم المجدليّة وبطرس وبولس، ومؤلف الكتاب الذي تقرأهُ الآن. مع هذا، يبدو أنّ إيرمان يتوقّع أنّ الله يعمل حول الإنسانيّة ليُحافظ على كلماته، وعليه، فلا ضرورة لوجود علم النقد النصيّ. الأنماط المُستخدمة خلال الكتب المقدّسة العبريّة والمسيحيّة مختلفة جدًّا، إنّه اختلاف تعاملات الله مع البشريّة.

نظرًا لميل الله في الكشف عن مجده من خلال أدوات مُعرضة للضعف، أدوات من اللحم والدم في المقام الأوّل، مَن الذي يقول إنّ عمليّة مثل نقد النصّ قد لا تكون على وجه التحديد المسار الذي اختاره الله لحفظ واسترجاع الكلمات من الكتاب المقدّس؟

جاهل وأحمق! اترك القراءة القديمة!

من الأهمّيّة بمكان أن نذكر بأنّ النُسَّاخ كانوا أكثر المُهتمين بالحفاظ على كلمات الكتاب المقدّس عن الترويج لأجنداتهم اللاهوتيّة الخاصة. على الرغم من تحفظاته عن الكتبة المسيحيّين الأوائل، حتّى إيرمان يعترف بهذه الحقيقة في سوء اقتباس يسوع:

 ربّما بوسعنا أن نقول إنّ نسخ النصوص المسيحيّة الأولى كان إلى حد كبير عملية ’المحافظة‘.

الكتبة… كانوا عازمين على أن “يحافظوا” على التقاليد النصيّة بتمريرها على الدوام. وكان اهتمامهم الأسمى عدم تعديل هذا التقليد، لكن الحفاظ عليه لأنفسهم وبالنسبة لأولئك اللذين يتبعونهم. معظم الكتبة، بلا شك، أرادوا أن يؤدوا خدمة أمينة في الحرص على أنّ النصّ الذي أعادوا كتابته هو نفس النصّ الذي ورثوه.[9]

بكلمات أُخرى، إنّ المسيحيّين الأوائل أرادوا للأجيال القادمة أن يجدوا نفس الحقيقة في وثائق العهد الجديد التي اختبرها الجيل الأوّل من المؤمنين. لذا، كان قصدهم أن يُسلموا إلى أيدي وارثيهم نفس النصّ الذي استلموه.

 مع أنّه توجد اختلافات كثيرة بين مخطوطات تمثِّل لا أكثر من واحد بالمائة من المتغيِّرات، أوريجينوس السكندريّ اعتبر الاختلافات التي رآها في نسخته من الإنجيل بأنّها: “عظيمة”! لماذا؟ لإنّه كان جادًا في رغبته ليرى القراءات القديمة محفوظة. وكنتيجة، حتّى التغييرات الصغيرة أزعجته.

 يبدو أنّ اغلب النُسَّاخ كانوا يوقرون النصوص بنفس الوقار الذي أبداه أوريجينوس. عندما كان أحد الكتبة يُغيِّر كلمات النصّ على مخطوطة تدعى الفاتيكانيّة في القرن الرابع، نرى بعده ناسخ آخر يعود ويكتب النصّ الأصليّ ويضيف على الهامش ملاحظة: “غبي وجاهل! اترك القراءة القديمة، لاتغيِّرها”! بالتأكيد، إنّ الكتبة غيّروا النصّ من وقت لآخر، لكن الكميّة المتوفرة من مخطوطات العهد الجديد أظهرت بأنّ هذه التغييرات هيَ حالات استثنائيّة وليست قانونًا أو مسارًا يُبتّع.

عن كتاب: سوء اقتباس الحقيقة، لتيموثي بول جونز، ترجمة أمجد بشارة، طبعة 2018.

 

 

[1] wallace، “Gospel According to Bart،” p. 330.

[2] MJ، p. 69.

[3] Ibid.، p. 62.

[4] Ibid.، p. 87.

[5] Michael J. Kruger، Review of Misquoting ]esus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why، by Bart Ehrman، journal of the Evangelical Theological Societ y 49 Oune 2006) : 389.

[6] MJ، p. 69.

[7] Ibid.، pp. 208، 211.

[8] LC، p. 22 1.

[9] MJ، p. 177. 

 

400 ألف خطأ في مخطوطات العهد الجديد ج1 – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

كيف تمت تسمية الاناجيل الاربعة؟ – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

كيف تمت تسمية الاناجيل الاربعة؟ – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 

كيف تمت تسمية الاناجيل الاربعة؟ – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 

مبدئيًّا، فإنّ إيرمان ليس محقًّا تمامًا حين يدّعي أنّه إذا كان ”تلميذ يدعى متّى بالحقّ كتب كتابًا عن أقوال يسوع وأفعاله“،[1] لما كان الكاتب سيدرج اسمه في العنوان. في الواقع هناك نموذجًا واحدًا معتادًا عليه في إعطاء العناوين للكتب في العالم القديم، وهو بوضع اسم الكاتب أولًا ثمّ يتبعه وصف مختصر عن محتوى الكتاب.[2]

 مثلًا, عنوان كتاب فيلافيوس يوسيفوس: ”تاريخ الحروب اليهوديّة“, كان كالآتي: ”فلافيوس يوسيفوس, تحقيقات تاريخيّة للصراعات اليهوديّة“، ودفاعه عن التراث اليهوديّ يبدأ بوصفه: ”فلافيوس يوسيفوس وما يتعلّق بالعصور القديمة لليهود“. وعلى نفس الشاكلة نجد في كتابات مؤلفين قدماء آخرين بما فيهم هيرودتس, بولينوس, وبلوتارخ.

لهذا، فإنّه نوعًا من المبالغة في الادّعاء – كما يفعل إيرمان – بأنّه ”في الواقع نعلم أنّ النصوص الأصليّة للأناجيل لم تحمل أسماء مؤلفيها عليها“.[3]

الحقيقة هيَ أنّنا لا نعلم بالتاكيد إن كانت هذه الكتب أو لم تكن تحمل أسماء المؤلفين. فقديمًا عندما توضع العناوين على الكتب كانت بشكل علامات تُحاك على حافات الوثائق. وبعد قرون هذه العلامات قد تكون ضاعت أو تآكلت مع مرور الوقت.[4] مع هذا، فمن المحتمل أنّ الكتابات الأولى للأناجيل في العهد الجديد لم تكن تحمل أسماء مؤلفيها ضمنهم. ربما كان هُناك مختصر مفيد – كما يطلق إيرمان بدقة – على مخطوطات من العهد الجديد تنسب إلى أسماء مختلفة للأناجيل.

مثلًا في إحدى برديّات القرن الثاني المسماة ”64 P“ وفي اثنين من المخطوطات للقرن الخامس المسماة مخطوطة ”بيزا“ ومخطوطة ”واشنطون“, اسم العنوان للإنجيل الأوّل في العهد الجديد هو ”الانجيل بحسب متّى“. وفي وقت مبكر من القرون الوسطى تمادوا في وضع العنوان بالشكل الآتي:

”الإنجيل المقدّس بحسب متّى“، أو ”بداية إلهيّة للإنجيل حسب متّى“. بينما اثنين من المخطوطات للقرن الرابع الميلاديّ – المخطوطة ”السينائيّة“ والمخطوطة ”الفاتيكانيّة“ – تبدأ كلّ منهما بالعنوان البسيط ”حسب متّى“. لاتقتصر الاختلافات من هذا النوع على الإنجيل بحسب متّى حصريًّا![5] ونفس الصيغة أيضًا نجدها في المخطوطات للأناجيل الثلاثة الأُخرى في العهد الجديد أيضًا.

إذًا، لماذا توجد اختلافات كثيرة في أسماء الأناجيل؟ لكي نفهم لماذا, تخيل معي للحظات:[6] افترض أنّك مسيحيّ في روما في نهاية القرن الأوّل أثناء حكم الامبراطور دوميتيان. تخيل أنّه -ولمدة عدة سنوات- قرأ شعب كنيستك القصص عن يسوع من مخطوطات برديّة التي في يومنا هذا يعرفها الناس باسم الإنجيل بحسب مرقس.

الآن افترض بأنّ هُناك شخصًا موثوقًا به من شعب كنيستك عاد من سفره للعمل من أفسّس، وبحوزته قصة أُخرى مختلفة عن حياة يسوع, التي تبدأ بهذه الكلمات: ”في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله“ (يوحنّا 1: 1).

فجأة شعب كنيستك سيحتاج إلى طريقة ليميّز بين إنجيل مُعيّن وآخر. بعد كلّ هذا وفيما أنت تستمع إلى الراعي وهو يعلن بأنّ رسالة اليوم هيَ من: ”ذلك الإنجيل الأوحد الذي يبدأ بالكلمات: ’في البدء كان الكلمة‘، وينتهي بأنّ التلاميذ أمسكوا مائة وثلاثة وخمسون سمكة“. حقيقة سيكون أمر ممل بعد عدة أسابيع. ألا تكون مستعدًا لسماع عنوان أقصر أو اسم أسهل, مثل ”بحسب يوحنّا“؟

 

إلقاء نظرة ثانية إلى تسمية الأناجيل

 

ربّما بسبب سيناريو من هذا النوع انتهى الإنجيل بهذه العنواين أو الأسماء، ومنذ أن كانت هذه العناوين تنسب إلى الأناجيل في أوقات وأماكن مختلفة، ظهرت اختلافات وتطوُّرات في تسميات الأناجيل من مكان إلى آخر.

هل هذا يعني أنّ إيرمان محقّ حينما يدّعي أنّ الأسماء المنسوبة للأناجيل لا علاقة لها بالمؤلفين الأصليّين؟ هل هيَ حقيقة أنّ في القرن الثاني “حين لاحظ المسيحيّين أنّ هذه الأناجيل تحتاج إلى توثيق رسوليّ، فنسبوا هذه الكتب إلى الرسل… والمرافقين القريبيين من الرسل”؟[7]

إذا كان هذا هو ما يدور في خلدك في هذه اللحظات، الرجاء أن تعطي لنفسك نظرة ثانية على العناوين المختلفة التي أدرجتها سابقًا للإنجيل بحسب متّى. إنّه لأمر سهل أن نُلاحظ كيف أنّ كلّ واحد مختلف. مع هذا في هذه المرة انظر بتدقيق أو باهتمام ماذا يبقى على حاله في كلّ عنوان أو اسم.

ماذا لاحظت عندما نظرت إلى العناوين؟

رغمًا عن الاختلافات المتنوعة، كلّ عنوان ينسب إلى هذا الإنجيل يُعّرِفْ بأنّ متّى هو المصدر. وهذا يحصل ليس فقط مع إنجيل متّى بل مع باقي الأناجيل في العهد الجديد. مع أنّ العناوين تختلف من مكان إلى آخر، إلَّا إنّ عناوين المخطوطات للإنجيل بحسب مرقس تُعرِّفنا بأنّ مرقس هو كاتبه، وبنفس الطريقة مخطوطات الإنجيل بحسب لوقا والإنجيل بحسب يوحنّا.

ببساطة، إنّ الذي يتغيَّر في مخطوطة الإنجيل الواحدة عن الأُخرى هو الشكل الدقيق للعنوان أو اسم المؤلف. مع ذلك، فإنّ تحديد هوية المؤلف لم تختلف في أي جزء أو مخطوطة للعهد الجديد التي عنوانها أو اسم مؤلفها سليم. ولا تقتصر هذه الوحدة في أسماء المؤلفين لمنطقة واحدة من الامبراطورية الرومانيّة، مثال لهذه الوحدة نجده في أجزاء من مخطوطات الامبراطورية القديمة للغرب امتدادًا لشمال إفريقيّا ومصر وآسيا الصغرى.[8]

لماذا هذا الكم الهائل من التناسق يُعدُّ هامًّا جدًّا؟

فكر الآن للحظات بهذه الطريقة: ماذا لو أنّ مؤلف هذا الكتاب الذي هو في يديك الآن لم يضع الناشر اسمه كمؤلف له في أي مكان من الكتاب؟ تخيل ذلك، ولكي نميّز هذا الكتاب من الكتب المماثلة الأُخرى، فإنّ القاريء لهذا الكتاب يأتي باحتمالات للمؤلف. كم هيَ الفرص التي تظن أنّ كلّ مجموعة من القُرَّاء ستعزو أو تنسب هذا الكتاب لنفس المؤلف الواحد؟

بعض القُرَّاء يتوقعون أنّ الكاتب هو عالم أو لاهوتيّ الذي كتب عن الأخطاء التاريخيّة في شفرة دافينشي، لكن، تلك المجموعات ستغطي دزينات أو عشر أفراد من الناس، بما في ذلك ليس (تيموثي بول جونز) أنا المؤلف فقط، بل إيرمان نفسه!

إذا أراد أحد أن يُثبت مصداقية هذا الكتاب أو يجعله يبدو ذا ثقة وسلطة، فذلك الشخص قد يدّعي أنّ الكاتب هو بيلي جراهام أو البابا كمؤلف ليعطي أهمّيّة وسلطة موثوقة للكتاب، لكن من غير المستبعد أن تُنسب إليهم. ولكن على الأكثر فقط بعض الناس المقربين من عائلتي سيحذرون أنّني أنا تيموثي بول جونز كتبت هذا الكتاب. (بالمناسبة، كتابة هذه الفقرة ليست لتحسين سمعتي أو ايجاد احترام لنفسي).

اضف إلى ذلك حقيقة أُخرى وهي أنّه في وقت الامبراطوريّة الرومانيّة لم يكن تليفونات أو إيميلات للتواصل السريع، وأنّ خدمة البريد في ذلك الوقت كانت تأخذ أشهرًا لتعبر رسالة في امتداد الامبراطوريّة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه في القرون الأوّل والثاني، لم يكن هناك سلطة مركزيّة معترف بها في الأوساط المسيحيّة لتفرض على الشعب المسيحيّ لكي ينسب اسم معين على كلّ إنجيل، كما لم يوجد مدير تنفيذيّ، لم توجد هيئة طائفيّة، لم يوجد مؤتمر عالميّ مسيحيّ.[9]

ونظرًا لهذه العوامل، ماذا كان سيحدث إذا مجتمعات مسيحيّة أُخرى في القرن الثاني قامت وبكلّ بساطة بوضع أسماء الرسل على كلّ إنجيل لكي تعطي أهمّيّة موثقة لهذه الكتب المجهولة أسماء مؤلفيها كما يوحي إيرمان؟ (تذكَّر أنّ في القرن الثاني الميلاديّ كان الإنجيل منتشرًا في الامبراطوريّة الرومانيّة أبعد بكثير من اليهوديّة وروما).[10]

على الأرجح أنّ كلّ كنيسة قد ربطت أو نسبت اسم مؤلف مختلف لكلّ إنجيل. الكنائس في آسيا الصُغرى قد تكون نسبت الإنجيل إلى القديس أندراوس، مثلًا، بينما الكنائس في اليهوديّة قد نسبت نفس الإنجيل إلى تدّاوس أو يعقوب أو يهوذا.

ولكن ماذا سيكون الاحتمال لو أنّ كلّ مجموعة مسيحيّة في الإمبراطورية الرومانيّة توصلّت إلى أنّ مرقس هو مؤلف الإنجيل القصير أو كلّ واحد اسمه متّى مؤلف الإنجيل الذي يبدأ بالأنساب؟ وما هيَ الاحتمالات إذا كانت كلّ كنيسة في الامبراطورية الرومانيّة تختار لوقا كمؤلف أو كاتب الإنجيل الذي يحمل الآن اسمه أو يختاروا يوحنّا مؤلف للإنجيل الأخير في العهد الجديد؟ في المصطلحات الرياضيّة، الجواب سيكون قريب من الصفر. في النواحي العلميّة الجواب أنّ هذا لن يحدث يا بني.

 

ماذا أتى مع الأناجيل؟

 

كيف إذًا، هل من الممكن أنّ أسماء المؤلفين هكذا تتفق في المخطوطات القديمة من الأناجيل في العهد الجديد؟

ضع أمامك هذا السيناريو: لنفترض أنّه حين استلمت كلّ جماعة نسخة من الإنجيل، استلمت الجماعة أيضًا تقليدًا شفويًّا عن أصول ذلك الإنجيل. وماذا لو أنّ كلّ الكنائس استلمت -وبدورها أرسلت- التقليد الشفويّ أيضًا عن الأناجيل؟ نتيجة لهذا، حينما أصبحت ضرورة لتنسيب الأسماء أو المؤلفين على الأناجيل المحفوظة في مكان خاص بالأسفار المقدّسة في كلّ كنيسة يسمى صندوق الكتب أو الأسفار، كلّ جماعة نسبت اسم نفس المؤلف على كلّ إنجيل. حتمًا، اختلف الشكل الدقيق للعنوان، ولكن أسماء المؤلفين بقيّت معروفة.

لماذا؟

لإنّ كلّ جماعة قد سبق واستلمت التقليد الشفويّ الثابت عن مصدر كلّ إنجيل.

كما اتضح أنّ هُناك أدلة تاريخيّة على أنّ هذا ما حدث بالضبط. مثلًا، بابياس هيرابوليس -قائد كنيسة في المنطقة الجغرافيّة المعروفة اليوم بتركيا، مولود في نفس وقت الذي فيه كتبت الأناجيل وزميل للبنات الأربع لفيلبس-[11] حافظ على التقليد لإنجيل مرقس ومتّى:

لن أتردّد في وضع تفسيراتي جنبًا إلى جنب مع ما تعلّمته وتذكرته جيّدًا من الشيوخ، مؤكدًا الحقيقة نيابة عنهم… الشيخ قال هذا: مرقس الذي أصبح مرافقًا لبطرس كمترجم، كتب بكلّ دقة كلّ ما تذكَّره جيّدًا -وإن لم يكن في شكل مُنظّم- من أقوال وأعمال الرّب.

لإنّ مرقس لم يسمع الرّب ولم يتّبعه أيضًا، لكن (كما قلت سابقًا) لقد اتّبع بطرس، الذي كان يعطي تعاليمه بشكل قصص أو حكايات قصيرة، وبالتالي لم تأتي أقوال الرّب بالترتيب: إذًا مرقس لم يفقد معنى الكلام حينما كتب بهذا الشكل، كما جاء من ذاكرته. لإنّه كان عنده غرض واحد، وهو ألَّا يحذف شيئًا مما سمعه لكي لا يُقدّم شهادة مزيفة في هذه الأشياء… متّى، وضع الأقوال باللهجة العبريّة وبترتيب مُنظّم وفسّر كلّ قول لأنّه كان قادرًا على ذلك.[12]

فقط بضعة أجزاء باقية اليوم مما كتب بابياس. وبالتالي من المكن أنّ بابياس دوَّن أو كتب التقليد عن الأناجيل الأُخرى أيضًا، ولكن هذه الكتابات قد فُقِدَت. على أيّة حال، الذي بقيَّ محفوظ من كتابة بابياس يُظهِرَ أنّ الروايات الشفويّة من أصول الأناجيل كانت موجودة في السنوات الأخيرة من القرن الأوّل الميلاديّ، ويمكن قبل ذلك أيضًا.[13]

بعد عقدين من الزمن، أي تقريبًا عشرين سنة لموت بابياس في منتصف القرن الثاني، كان هُناك قائدًا لكنيسة اسمه إيرينيئوس قدّم تقريرًا مماثلًا للتقليد الذي تضمّن ليس فقط أناجيل متّى ومرقس، بل لوقا ويوحنّا أيضًا. كتب من منطقة جغرافيّة في الامبراطورية الرومانيّة التي تدعى اليوم فرنسا، هذا ماقاله إيرينيئوس عن الأناجيل:

متّى كتب إنجيله لليهود بلغتهم،[14] بينما بطرس وبولس كانا يبشران بالإنجيل في روما ويبنيان الكنائس هُناك.

بعد موتهم، مرقس -الذي هو تابع لبطرس والمترجم له- أوصل لنا ما نادى به بطرس بشكل مكتوب.

لوقا، مرافق بولس، كتب في إنجيله بتعاليم بولس. ختامًا، يوحنّا -من أتباع الرّب، الذي أتكأ على صدره- كتب الإنجيل بينما كان عائشًا في أفسّس في آسيا الصغرى.[15]

من أين استلم إيرينيئوس هذه المعلومات؟ من معلمه بوليكاربوس، الذي استلمها من شهود عيان للرّب يسوع.[16]

إذًا، بابياس وإيرينيئوس -اثنان من قادة الكنيسة الأولى، المسافة بينهما تُقدَّر بمئات الأميال وفارق زمني عشرات السنين بينهم- كتبوا تقريبًا بتطابق عن إنجيلين في العهد الجديد.[17]

وهناك كلّ مايدعو إلى الاعتقاد بأنّ التقاليد تتفق بشان الإنجيلين الآخرين التي كانت متداولة في نفس الوقت.

ماهو أكثر من ذلك، أنّ لاهوتي أو عالم في العهد الجديد اسمه “كلاوس يرغان ثورنتون” أظهر أنّ التقاليد الموجودة عند إيرينيئوس لا تدل فقط على صحتها أو أصالتها، بل أيضًا أنّها متشابهة جدًّا للملاحظات الموجودة عن الكُتَّاب أو المؤلفين التي تمّ الاحتفاظ بها في كاتالوجات المكتبات القديمة.[18]

هذا التشابه قد يوحي بأنّ حتّى بعض الجماعات المسيحيّة حافظت على معلومات أو ملاحظات مختصرة أو إشارات عن كلّ مخطوطة في الأماكن التي كانوا يحافظون على الأسفار والمخطوطات في كنائسهم (book – chests).

 

إذًا، هل إيرمان محقّ حين يدّعي بأنّ كنائس القرن الثاني، وبكلّ بساطة، تنسب مؤلفي الأناجيل الأربعة غير المعروفة أسمائهم إلى شخصيّات مسيحيّة ارتأت بأنّها موثوقة أو معتمدة؟ إذا كان هذا هو الأسلوب الذي به يتمّ تسمية مؤلفي الأناجيل في العهد الجديد، ربّما سنجد عشرات المؤلفين المختلفة أسمائهم لهذه الأناجيل. غير أنّ هذا الأسلوب لم نجده في أيٍّ من المخطوطات القديمة. المؤلفين المرتبطة أسمائهم بالأناجيل في العهد الجديد بقيّت بصورة ثابتة بنفس الشكل في نسخة بعد الأُخرى من المخطوطات.

لماذا؟ لإنّ، حينما استلمت الكنيسة الأناجيل المكتوبة، استلموا أيضًا أكثر من مجرد وثائق. لقد تلقوا أيضًا قصصًا -شفويّة تاريخيّة من أوّل قرن ميلاديّ- عن أصول الأناجيل. نبعت هذه التقاليد من القراءات الأولى للأناجيل وشقّت لنفسها الطريق إلى كلّ ركن من أركان الامبراطوريّة الرومانيّة. من وجهة نظري، لا يمكن تفسير أي شيء أقل لفتًا للنظر وبصورة معقولة عن أسماء المؤلفين في مخطوطات الإنجيل. 

عن كتاب: سوء اقتباس الحقيقة، لتيموثي بول جونز، ترجمة أمجد بشارة، 2018

[1] Ibid., p. 42.

[2] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (Eugene, Ore.: Wipf and Stock, 2003), p. 65.

[3] jApP, p. 42.

[4] A. R. Millard, Reading and Writing in the Time of Jesus (New York: New York University Press, 2000), p. 24; Mary Helene Pages, Ancient Greek and Roman Libraries, M.A. thesis, Catholic University of America, 1963, p. 135.

[5] See Hengel, Studies, 66, as well as the critical apparatus for the titles of the four Gospels in Novum Testamentum Graece.

[6] Hengel, Studies, pp. 81-82.

[7] LC, p. 235.

[8] Hengel, Studies, p. 66.

[9] إنّ الجدل حول عيد القيامة يُظهر بأجلى بيان أنّه لم يكن قط أي اتفاق أو وجود لسلطة عُليا في القرن الثاني. اثنان من أساقفة روما أنشيتوس وفيكتورتريد في أوقات مُختلفة من القرن الثاني كانت لهما محاولات لتوحيد عيد الفصح بين المسيحيّين, ومع ذلك ظلّ النصف الشرقيّ من الإمبراطوريّة الرومانيّة, ولا سيّما آسيا الصُغرى, يحتفل به في موعد مختلف عن الكنائس التي في روما. وظلّ الحال هكذا حتّى القرن الرابع, كما هو واضح من أعمال مجمع نيقية. للمزيد عن هذا الخلاف, انظر:

Raniero Cantalamessa et al., Easter in the Early Church: An Anthology of Jewish and Early Christian Texts (Collegeville, Minn.: liturgical Press, 1993), pp. 34-37; Eusebius Ecclesiastical History 5. 23-28; Francis A. Sullivan, From Apostles to Bishops: The Development of the Episcopacy in the Early Church (Mahwah, N.j.: Paulist Press, 2001), pp. 140-53.

[10] ثلاث برديّات من القرن الثاني، هم: P46، P52، P90 يبدو أنهم نُسِخوا في منطقتين أو ربما ثلاث مناطق داخل مصر: (الفيوم- Fayum، وبوسيرس- Busiris، وأوكسيرنشوس- Oxyrhynchus). إنّه إنجاز لمخطوطات العهد الجديد أن تنتشر إلى هذه الدرجة في وسط مصر على بعد ألف ميل من روما، وأكثر من خمسمئة ميل عن أورشليم، مع بدايات ووسط القرن الثاني، وقد كان الإنجيل قد وصل إلى مُعظم، إن لم يكن كلّ، المراكز السكانيّة في الإمبراطوريّة الرومانيّة مع حلول ذلك الوقت.

[11] انظر: أع21: 1- 9. حيث، وبحسب يوسابيوس، أنّ بابياس قد أورد بعد الروايات عن الرسل (Eusebius Ecclesiastical History 3.39).

[12] Quoted in Eusebius Ecclesiastical History 3.39.

[13]  كما يُشير ريتشارد باخوم، أنّ بابياس على الأرجح قد كتب حواليّ 110 م، بينما الوقت الذي يصفه لا يتعدّى الـ 80م

(Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony [Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2006]. p. 14).

[14] كلّ مخطوطة معروفة من الإنجيل بحسب متّى مكتوبة باللغة اليونانيّة. غير أنّ بابياس وإيرينيئوس قالوا إنّ متّى كتب إنجيله بالعبريّة. نتيجة لهذا، كثير من الباحثين أو علماء اللاهوت يظنون أنّ متّى كتب أساسًا عن تعاليم يسوع في الآراميّة، وهيَ لغة قريبة جدًّا من العبريّة. لاحقًا، واحد -محتمل أن يكون متّى أو واحد مشترك مع متّى- مزج هذه التعاليم مع إنجيل مرقس ليكون الإنجيل بحسب متّى كما نعرفه نحن، هذا المزج بين ذاكرة متّى وإنجيل مرقس حين تمّت ترجمة إنجيل متّى، ربّما لم يُنظر إليه على أنّه خلق لعمل جديد كلّيًّا. ربما نُظِر إليه كتوسُّع في الترجمة. للمزيد عن فهم المؤلفين القدماء للـ”ترجمة”، انظر:

George Kennedy, “Classical and Christian Source Criticism,” in The Relationships Among the Gospels, ed. W 0. Walker (San Antonio: Trinity University Press, 1978), p. 144.

ويُجادل جورج هاورد George Howard بأنّ النسخة العبرانيّة القديمة من إنجيل متّى ربّما نجدها في كتابات عالم عبرانيّ يُدعى شيم توف بن إسحق Shem Tov Ben Isaac, مؤلف كتاب:

“fourteenth-century refutation of the Christian Gospels”,

انظر:

George Howard, Hebrew Gospel of Matthew (Macon, Ga.: Mercer University Press, 1995), as well as R. F. Sheddinger, “The Textual Relationship Between p45 and Shem Tovs Hebrew Matthew,” New Testament Studies 43. (1997); 58- 71.

 في اللغة اليونانيّة. هذه الممارسات لم يكن قد سُمِع عنها في القرن الأوّل: فلافيوس يوسيفوس كتب تاريخًا عن الحرب بين الرومان واليهود، واحد باللغة الآراميّة والآخر باللغة اليونانيّة. كما أنّ إنجيل متّى باللغة الآراميّة لم يتداول به بشكل واسع، ولهذا لم يبقى محفوظًا.  كتاب طوبيا -وُجِد في الكتاب المقدّس لكنائس الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيّين- على الرغم من أنّه لسنوات عديدة تداول به في اللغة اليونانيّة فقط. لكن مؤخرًا، وُجِدَت مقاطع مختلفة بالعبريّة والآراميّة لهذا الكتاب ضمن مخطوطات الأسفارالمكتشفة في البحر الميت.

  1. Fitzmyer,“4Qpap Tobit’ ar,”in Qumran Cave 4: VIII Parabib1ical Texts 2 (Oxford: Clarendon Press, 1995), pp. 1-76.

[15] Eusebius Ecclesiastical History 5.8.

[16] Eusebius Ecclesiastical History 5.20.

من أجل دفاع عن سلطة إيرينيئوس المُستمدة من جلوسه عند أقدام بوليكاربوس، انظر:

Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses, pp. 95-296.

[17] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. john Bowden (Harrisburg, Penn.: Trinity Press, 2000), p. 36.

[18] Claus-jurgen Thornton, Der Zeuge des Zeugen: Lukas als Historiker der Paulusreisen [The Witness of the Witness: Luke as Historian of Paul’s Travels). ed. Martin Hengel, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 56 (Tubingen: Mohr [Siebeck), I991), pp. 10-82.

 

كيف تمت تسمية الاناجيل الاربعة؟ – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

اختيار ورفض بعض الكتب من قانون العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

اختيار ورفض بعض الكتب من قانون العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 
اختيار ورفض بعض الكتب من قانون العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟
 

 

 ليه تم اختيار بعض الكتب ورفض البعض الأخر من قانون العهد الجديد

لكن كانت هناك تساؤلات حول بعض النصوص.

التساؤلات بدأت عندما أحضر أحد المعلمين الزوار بعض المخطوطات الجديدة – إنجيل يدّعي إنّه لبطرس، كتاب عن ما بعد الحياة منسوب لبطرس أيضًا، رؤيا نقلها كائن إلهيّ في زي راعي ودليل مفيد يدّعي أنّه يحتوي على تعاليم الرسل الإثني عشر. إضافة إلى عدّة رسائل كان نُسَّاخ الرعايا المجاورة لطفاء كفاية لينسخوها لكنيستك. هناك رسالة ثانية من سمعان بطرس، ملاحظة من قائد في الكنيسة الرومانية يدعى اكليمنضس ورسالة تدّعي أنها لبرنابا. وليس هنالك أحد متأكد مما يفعل بتلك الكتابات. هل على قادة الكنيسة قراءتها بجانب الأناجيل ورسائل بولس والنصوص اليهوديّة؟ وإذا حصل ذلك، هل على كلّ من في الكنيسة اتباع ما تقترحه هذه الكتابات؟ من ثمّ هنالك إشاعات من مدينة روما. عامل جلود من اجتماعكم كان قد عاد توًّا من مدينة الشيوخ والقياصرة. بعد أن قضى أيامه في بيع جلود الماعز في السوق، وكان قد استمع إلى عدة محاضرات من واعظ متحمس اسمه مرقيون. وبحسب مرقيون الكتب الوحيدة التي تنتمي لخزانة الكتب المسيحيّة هي رسائل بولس والانجيل بحسب لوقا. ومن ثمّ جادل مرقيون أنّ بعض أجزاء إنجيل لوقا يجب أن تُحذَف.

الآن، عامل الجلود مقتنع بأنّ بعض المخطوطات –على الأقل- في خزانة كتب كنيستك غير جديرة بالثقة. وعلى الأقل يقول إنّ الكتب ليست كلّها متساوية. بالتأكيد كلمات المسيح وأتباعه الأوائل أهمّ من رسائل لاحقة من أساقفة آخرين. والآن مجموعة من الناس تتساءل إذا ما كان مرقيون محقّا: لربّما الكتب التي تنتمي لخزانة كتبك هي رسائل بولس والإنجيل بحسب لوقا.

كيف اتفقت الكنائس؟

هل شعرت بالمعضلة التي واجهت كنائس القرن الثاني عندما بدأت الكثير من الكتابات المسيحيّة بالتداول؟ وعندما بدأت كتابات جديدة تظهر على السطح، كان على المسيحيّين تقرير أي الوثائق تمثل الحقيقة حول المسيح وأي نوع من النفوذ يجب أن تحظى به هذه الوثائق في حياتهم اليوميّة. إذًا كيف قام المؤمنون الأوائل باتخاذ القرار؟

هاكم كيف قررت الكنائس الأولى أي الكتاب كانت قانونية حسب تفسير بارت إيرمان في “Misquoting Jesus”:

“نستطيع تحديد أوّل مرة قام فيها أي مسيحيّ بإدراج السبع وعشرين كتابًا من عهدنا الجديد كأسفار العهد الجديد، لا أكثر ولا أقل. وبقدر ما يبدو مفاجئًا، هذا المسيحيّ كان يكتب في النصف الثاني للقرن الرابع الميلاديّ، أي بعد حوالي 300 سنة من كتابة كتب العهد الجديد. المؤلف كان أسقف الإسكندريّة القوي أثناسيوس. في عام 367 ميلاديّ كتب أثناسيوس رسالته الأسقفيّة السنويّة للكنائس المصريّة تحت ولايته. وفي هذه الرسالة أرفق نصيحة بالكتب التي يجب أن تُقرأ كنصوص في الكنائس. ويدرج كتبنا السبع وعشرين ويستقصي غيرها. هذه هي الحادثة الأولى الباقية لأي أحد يؤكِّد مجموعة كتبنا للعهد الجديد. ولكن حتّى أثناسيوس لم يحسم المسألة. المناظرات استمرت عقودًا لا بل قرونًا بعد ذلك”.[1]

كلّ حقيقة أوردها إيرمان في هذا التلخيص صحيحة، لكنه أقصى بعض الحقائق المفتاحيّة. ولذلك، فإنّ تلخيص إيرمان يمكن أن يترك القُرَّاء مع بعض الانطباعات غير الصحيحة. انطباعات مثل: 1) حتّى قت متأخر من القرن الرابع لم يكن هناك إجماع حول أي الكتابات المسيحيّة قانونيّة وصحيحة. 2) إنّه حتّى في ذلك الوقت معيار الكنيسة كان كلمة أسقف قويّ.

إذًا، ما هي الحقيقة الكاملة؟ متى اتفق المسيحيّون على أي الكتابات قانونية في اجتماعاتهم؟ وماذا كانت المعايير لهذه القرارات؟

بداية، المعيار الأساسيّ لتحديد أي الكتب قانونية ظهر قبل القرن الرابع بوقت طويل— والمعيار لم يكن كلمة أسقف قويّ. في الحقيقة نستطيع إيجاد تلميحات عن هذا المعيار في الكتابات المسيحيّة للقرن الأوّل. بالرغم من أن لا أحد وضع هذا المعيار بشكل كتابيّ إلَّا إنَّ الفكرة الأساسيّة كانت شيئًا من هذا القبيل: الشهادة المرتبطة بشهود عيان حول الربّ المُقام كانت قانونيّة عند المسيحيّين الأوائل بشكل فريد.[2]

 

لماذا نهتم لشهود العيان؟

 

حتّى في فترة كتابة أسفار العهد الجديد كلمات الناس اللذين رأوا وتبعوا الربّ المُقَام – خاصة كلمات وكتابات الرسل – حملت سلطة خاصة في الكنائس (راجع أعمال 1: 21-26؛ 15: 6؛ 16: 5، كورنثوس الأولى 4-5، 9: 1-12، غلاطية 1: 1-12، تسالونيكي الأولى 5: 26-27). بعد موت الرسل استمر المسيحيّون بتقدير شهادة شهود العيان ومعاونيهم. وفي حوالي عام 110م وضعها بابياس أسقف هيرابوليس بهذه الطريقة:

لم تأخذني المتعة بأولئك اللذين تحدثوا كثيرًا بل بمن علَّموا الحقيقة – ولا بأولئك اللذين سردوا وصايا غريبة، بل بأولئك اللذين سردوا الوصايا المعطاة من قِبَل الربّ… لذلك إذا جاء أحد ممن خدم الشيوخ سألت عن أقوالهم بالتفصيل – الذي قاله أندراوس أو بطرس أو الذي قاله فيليبس أو توما او يهوذا أو يوحنّا أو متّى أو أي من أتباع الربّ.[3]

وفي ذلك الوقت قام قائد كنيسة باسم بوليكاربوس باقتباس كلمات الرسول بولس على أنّها “نصوص مقدسة”.[4]

و بعدها بجيل عندما أراد أحدهم في الكنيسة الرومانيّة أن يرى أي الكتابات المسيحيّة يجب أن تُعتبر قانونيّة بقيَّ هذا التشديد على شهادة العيان الرسوليَّة. بعدما أدرج الكتب التي وجدها قانونيّة، هاكم ما كتبه أحد المسيحيّين بخصوص كتاب مشهور اسمه “الراعي” الذي كان متداولًا بين الكنائس:

هرماس ألَّف “الراعي” حديثًا، في وقتنا وفي مدينة روما بينما كان أخوه بيوس المشرف يخدم كمشرف لمدينة روما. لذلك، مع أنّه يجب قراءته، إلَّا إنّه لا يمكن قراءته علنًا لشعب الكنيسة. لا يمكن عدّه ضمن الأنبياء (لإنّ عددهم اكتمل) ولا ضمن الرسل (لإنّه بعد وقتهم)”.[5]

لاحظ بعناية الأسباب التي جعلت كُتَّاب القرن الثاني يرفضون كتاب الراعي لهرماس من أن يكون مُرشِدًا للكنائس: هذه الكتابة لا يمكن إضافتها لأنبياء العهد القديم لأن وقت الأنبياء العبرانيين قد مضى (“لأن عددهم اكتمل”) كما أنّه مع موت الرسل انتهى وقت شهود العيان الرسوليّين (“لأنه بعد وقتهم”). هذا المُعلِّم لم يمنع المؤمنين من قراءة “الراعي”، لكنه ببساطة نوَّه إلى أنّ هذا الكتاب لا يجب أن يُخدَم به في اللِّتورجيَّا الكنسيّة كنص موثوق به أو قانونيّ (“إنّه لا يمكن قراءته علنًا لشعب الكنيسة”).

فيما بعد، ردّد قادة كنسيّين مثل ترتليان القرطاجيّ وسيرابيون الأنطاكيّ هذا النوع من المعايير، وقد قال سيرابيون بوضوح: “نحن أيها الإخوة والأخوات نستقبل بطرس كما نستقبل المسيح نفسه. لكن تلك الكتابات الموصوفة زورًا بأسمائهم، نرفضها بحذر، عارفين أنّ كتابات كتلك لم تُسلَّم لنا”.[6] مجدّدًا، رسّخ المسيحيّون معيارهم لتحديد أي الكتابات كانت قانونيّة بشهادة شهود العيان الرسوليّين.

 من القرن الأوّل فصاعدًا رأى المسيحيّون أنّ الشهادة التي يمكن أن تصل لشهود عيان الربّ المُقام كانت قانونيّة (موثوق بها) بشكل فريد. المنطق وراء هذا المعيار بسيط “الأشخاص اللذين على الأرجح يعرفون الأكثر حول المسيح كانوا إمَّا شهود عيان قابلوا المسيح شخصيًّا أو مساعدون أقرباء من شهود العيان”. لذلك، بالرغم من أن المسيحيّين تنازعوا لعدة قرون حول أي الكتابات قانونيّة (موثوق بها) كان هنالك شيء أعظم بكثير من مكيدة سياسيّة لقيادة قراراتهم. هدفهم كان تحديد أي الكتب يمكن وصلها بشهود عيان للرب المقام.

مع وضع هذا في الحسبان، دعونا ننظر إلى بعض الأمثلة من الحياة الواقعية عن كيف انتهى الحال ببعض الكتابات مقصاة من مجموعة الكتب الكنسية التي تعتبر قانونية (موثوق بها).

 

إنجيل بطرس: إنجيل الصليب المتحدث

 

في عام 199م صار أجد الأساقفة مشرفًا على الكنيسة الرئيسيّة في سوريا، وهو المدعو باسم سيرابيون، أسقف الكنيسة في أنطاكية، لم يكن سيرابيون مسؤولًا عن كنيسته فحسب بل كان مسؤولًا عن عدة رعايا أصغر حجمًا في المنطقة. إحدى هذه الرعايا اجتمعت في قرية روسوس Rhossus. خلال عدة شهور سمع سيرابيون إشاعات بأنّ الكنيسة في روسوس كانت على حافة صدع، لذلك وجد سيرابيون نفسه يجتاز الطريق الساحليّ الحجريّ الذي أخذه شمال أنطاكية نحو روسوس.

عندما وصل إلى روسوس، اكتشف أنّ بعض أعضاء الكنيسة كانت لديهم مشكلة مع إنجيل كان “منقوشًا عليه اسم بطرس”.[7] عندما سمع سيرابيون هذا أجاب: “إذا كان هذا هو جل ما يهدد إنتاج مشاعر بغضاء فيما بينكم، دعوا الإنجيل يُقرأ”. فبالنهاية إذا جاء هذا السرد عن خدمة يسوع من سمعان بطرس، فإنّه بالتأكيد يمثل شهادة شاهد عيان. وبما أنّه حسب التقليد الكنسيّ المتسق في الكنيسة الأولى أنّ إنجيل مرقس مثل رواية بطرس عن حياة المسيح، من الممكن أن يكون سيرابيون قد افترض أنّ الرفاق الطيبين في روسوس كانوا يصفون إنجيل مرقس.

على أي حال، لم يكن الجواب بالوضوح الذي توقعه سيرابيون. ففي وقت لاحق، أحدهم أحضر إلى الأسقف نسخة من إنجيل بطرس. وعندما قرأ سيرابيون المخطوطة بنفسه، أدرك أنّه ارتكب خطًا فادحًا. بالتأكيد، عكس معظم إنجيل بطرس، القصص نفسها الموجودة في الكتابات الكنسيّة التي تنتمي لخزانة كتب الكنيسة. القليل (أو لا شيء) من المخطوطات المتوفرة لدينا من إنجيل بطرس يتعارض بشكل مباشر مع ما جاء في أناجيل (بشارات) العهد الجديد.

مع ذلك رأى سيرابيون بوضوح أن هذا الكتاب ليس نتاج وعظ سمعان بطرس.[8] كانت هنالك دلائل على بداية إيمان خاطيء قد ظهر قرب نهاية القرن الأوّل، بعد بضع عقود من موت بطرس. هذه الهرطقة التي تدعى الدوسيتيّة من الكلمة اليونانية dokein التي تعني “يظهر” ادّعت أنّ المسيح لم يكن إنسانًا حقًّا، بل، وبحسب هؤلاء المعلمين، المسيح فقط بدا (ظهر) بشريًّا. على سبيل المثال عندما يصف إنجيل بطرس الصلب، يقترح أن المسيح “كان صامتًا، كأنّه لم يشعر بالألم”.[9] نية هذه العبارة على الأغلب أن تشير إلى هدوء المسيا (المُخلِّص) على الصليب مرددة صدى عبارة في إشعياء 53: 7: 

“ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ”. 

ولا يقول إنّ المسيح لم يشعر بأي ألم، بل يقول إنّ ردّ فعله كان “كأنّه لم يشعر بالألم”. مع ذلك يستطيع الدوسيتيّون أن يلووا هذه الفقرة لتعني أنّ المسيح لم يشعر بأي ألم جسدي، لذلك يتوجب ألَّا يكون قد ملك جسدًا فيزيائيَّا (حقيقيًّا).

هناك مجموعة أُخرى من الأشياء الغريبة في إنجيل بطرس. عندما مات يقول إنجيل بطرس ببساطة: “إنّه رُفِع إلى الأعلى”. لكن بما أنّ إنجيل بطرس يذكر قيامة جسديّة بعد بضعة أعداد، على الأغلب كانت هذه الجملة طريقة أخرى ليقول كما قالت أناجيل العهد الجديد: “أسلم (أو تخلى عن) روحه” (متّى 27: 50؛ يوحنّا 19: 30)

أغرب نص في إنجيل بطرس كان عندما قام يسوع من القبر. في عيون الجنود بدا المسيح طويلًا كالسماء وخلفه لمحوا ما يبدو كصليب هائل الحجم. وصوت أرعد من السماء: “هل أعلنت لمن هم نيام”؟ ويجيب الصليب على هذا: “نعم”.

بعد قراءة إنجيل بطرس، بعث سيرابيون برسالة إلى الكنيسة في روسوس مراجعًا فيها قراره السابق، معلنًا: “أنا على عجل لرؤيتكم، توقعوا أن تروني قريبًا… أغلب الأشياء (في هذا الإنجيل) من كلمة مخلصنا الصحيحة، لكن هنالك بعض الأشياء الخاطئة. وسأوضح لكم هذه الأمور”.

إذًا، لماذا رفض سيرابيون الأنطاكيّ إنجيل بطرس؟ يضع إيرمان الكثير من الانتباه على رفض سيرابيون، مدعيًّا أنّ مشرف أنطاكية رفض الكتاب لأنّه فشل في مطابقة أفكاره المسبقة عن هوية المسيح. وبحسب إيرمان:

“استنتج سيرابيون بما أنّ الكتاب من الممكن أن يكون هرطوقيًّا، إذًا يجب ألَّا يكون بطرس قد كتبه. مستندًا على الافتراض المشكوك فيه بأنّه إذا خالف نص الحقيقة كما يراها هو ورفقاؤه الأرثوذكسيّون الأوائل، إذًا لا يمكن أن يكون النصّ رسوليًّا”.[10]

بالرغم من اتهام إيرمان لمنطق سيرابيون بـ”المشكوك فيه”، إلَّا إنّ استنتاج سيرابيون منطقيّ للغاية. سيرابيون، وبحسب رسالته للكنيسة في روسوس، كان قد وصله شهادة شهود العيان الرسوليّين “في الكتابات التي تسلمناها”.[11] هذه الكتابات على الأغلب تضمّنت رسائل بولس وواحدة أو أكثر من واحدة من بشارات العهد الجديد بما فيها شهادة عيان بطرس في إنجيل مرقس. وهي وثائق ربطتها التقاليد الشفويّة منذ زمن طويل لشاهد رسوليّ.

عندما واجهته كتابة تدّعي أنّها جاءت من سمعان بطرس، قارنها سيرابيون بتلك “الكتابات التي تسلمناها” ووجد عدة تناقضات محتملة بين إنجيل بطرس وكتابات مثل إنجيل مرقس ورسالة بطرس الأولى، وهذه الكتب ربطتها التقاليد الشفوية منذ زمن طويل بسمعان بطرس. ولذلك، وصل سيرابيون إلى استنتاج منطقيّ وهو أنّ سمعان بطرس الذي كان شاهد عيان رسوليّ للمسيح بحسب رسائل بولس وأقدم الأناجيل لا يمكن أن يكون مصدر الإنجيل المسمى بإنجيل بطرس. كان هدف سيرابيون كهدف إخوته المؤمنين المتناثرين حول العالم: أراد أن يحفظ شهادة شهود العيان عن المسيح. وعندما فحص هذه الوثيقة كان استنتاجه أنّها ليست شهادة شاهد عيان بتاتًا.

كما اتضح، سيرابيون كان على حق. اللغة ونمط الأفكار في إنجيل بطرس أقنعا أغلب العلماء المعاصرين أنّ هذا الكتاب كُتِب في النصف الأوّل من القرن الثاني بعد جيل من موت بطرس في وقت كانت التعاليم الدوسيتيّة تنتشر.[12]

بالرغم من رفض سيرابيون للكتاب، ظلّ إنجيل بطرس مشهورًا بين المسيحيّين لعدة قرون. في واقع الأمر، بقايا إنجيل بطرس القديمة تفوق عددا بقايا إنجيل مرقس. قطعة من الفخار المكسور تعود للقرن السادس والسابع تعلن على أحد جهاتها “بطرس، قديس، بشير” وعلى الجهة الأخرى “دعونا نستقبل إنجيله”. بالرغم من ذلك، ليس واضحًا بشكل تام إذا ما كانت “إنجيله” تشير إلى الوثيقة المعروفة بإنجيل بطرس أو لتعاليم بطرس عن المسيح. كما وُجِدت نسخة من إنجيل بطرس مدفونة مع راهب مصريّ تعود للقرن السابع.[13] مع ذلك، لا توجد أي أدلة كافية تشير إلى أنّ إنجيل بطرس تمّ اعتماده كرواية قانونيّة لحياة المسيح.[14]

 

أعمال بولس: لماذا لا تعمد كنيستك الأسود

 

حواليّ عام 200 م اندلع جدال حول المعمودية في إحدى طوائف شمال إفريقيا. بضع أعضاء الكنيسة احتكم إلى كتابة معروفة بأعمال بولس (وثيقة اعتبرها بعض المسيحيّين كوثيقة قانونيّة). وعليَّ أن أعترف أنّ هُنالك أجزاء من أعمال بولس كانت لتثير بعض النقاشات المثيرة للاهتمام خلال مجموعات دراسة الكتاب المقدس في كنيستك.

بحسب هذه الوثيقة لكي تكون مسيحيّا لا يجب أن تؤمن بالمسيح فحسب بل يجب أن تمتنع عن العلاقات الجنسيّة تمامًا حتّى ضمن نطاق الزواج. كما نرى في منتصف أعمال بولس نجد الرسول بولس يعمد أسدًا طوله ثمانية عشر قدمًا. لذلك إذا انتهى المطاف بأعمال بولس في العهد الجديد قد تصح لك الفرصة لغمر القطط البريّة في حوض عماد كنيستك، لكن يجب أن تمتنع عن الجنس كذلك. (نعم، أعرف – هذا كثير لاتّباع المسيح). بشكل عام، أغلب الكتاب عبارة عن مجموعة من القصص الغريبة عن كيف تغلَّب بولس وامرأة اسمها تكلا على كلّ مكيدة ممكنة كانت تمنعهم من إعلان البشارة.

شيخ باسم ترتليان القرطاجي يعطي بعض الأسباب لعدم اعتبار أعمال بولس من الكتب القانونيّة للمسيحيّين.[15] عندما سمع ترتليان أنّ بعض أعضاء الكنيسة يحتكمون لأعمال بولس كتصوير قانونيّ لخدمة بولس، على ما يبدو أنّه قام ببعض البحث عن أصول هذا الكتاب. وفي خلال هذه العملية قام بإيجاد بعض الحقائق التي وضعت الشك حول مصداقيّة هذا الكتاب.

اكتشف ترتليان أنّ مؤلف أعمال بولس لم يكن رسولًا ولم يكن له علاقة بأي من الرسل. المؤلف خدم إحدى شيوخ أحد كنائس آسيا لأربعين سنة بعد استشهاد بولس.[16] وعندما سُئِل الشيخ أكّد أنّه ألَّف هذه القصص “لحبه لبولس”.[17] وعندما عرفت الكنائس في المنطقة أنّ هذه القصص هي أوهام تقية، أجبرت الشيخ للتنحي عن منصبه. وهذا بشكل صحيح جعل ترتليان يرفض أعمال بولس كـ”كتاب يتداول بشكل خاطيء تحت اسم بولس”.[18]

الذي يثير اهتمامي بشكل خاص في الأحداث التي تحيط بقصة أعمال بولس ليس أن أحدًا يريد أن يُصدّق أنّ بولس عمّد أسدًا -بالرغم من أنّ هذا السؤال يخطر في بالي- ما يثير اهتمامي هو مقدار رغبة المسيحيّين الأوائل بالتأكُّد من أنّ كتاباتهم القانونيّة تُمثِّل حقائقًا تاريخيّة. كان مهمًّا لهؤلاء الرجال والنساء أن تكون الحقائق التاريخيّة قد شكلت بالفعل أسس كتبهم المقدسة. إذا لم يكن مسيحيّو القرن الثاني مهتمين بحفظ حقائق شهود العيان لماذا إذًا مؤلف أعمال بولس (الذي على الأغلب لم يرد شيئًا سوى تكريم ذكرى بولس ببضعة قصص خياليّة) انتهى به الحال في خزي وعري من رسامته؟

 حتّى وسط مسيحيّي القرن الثاني أي شهادة يمكن ربطها لشهود عيان الرب القائم كانت تعتبر قانونيّة بشكل فريد. لذلك، فالنصوص المزعوم ضياعها ضاعت أو بشكل أدق لم تُحفظ بعناية ككتابات تظهر في العهد الجديد في يومنا هذا.

ليس فقط إنجيل بطرس، بل أناجيل رسوليّة أُخرى ظهرت في القرنين الثاني والثالث للميلاد بعد موت أخر رسول بوقت طويل (إنجيل يهوذا، إنجيل مريم، إنجيل فيلبس، إنجيل المصريّين، إنجيل المخلص، إنجيل الحقيقة، والكثير غيرها). صحيح أنّ بعض أجزاء إنجيل بطرس وإنجيل توما (إنجيل آخر ظهر في القرن الثاني منسوب خطأ لأحد التلاميذ) على الأغلب تنبثق من شهادة شهود عيان حول المسيح.[19] لكن هذه التقاليد القليلة من القرن الأوّل خلطت بشكل كبير مع تقاليد من القرنين الثاني والثالث.

في أغلب الحالات عرف المسيحيّون أنّ هذه الوثائق جاءت متأخرة جدًّا لتمثّل شهاة شهود عيان عن المسيح. لذلك رفضوا هذه النصوص كنصوص قانونيّة تمثِّل حياة المسيح. الحُفَّاظ الأساسيّون لهذه النصوص المتأخرة أصبحوا طوائف (كالغنوصيّة على سبيل المثال) مهتمّة بتفسيرات غامضة لتعاليم المسيح أكثر من اهتمامهم بالأحداث التاريخيّة لحياة المسيح. نصوص إحدى هذه الطوائف تمّ اكتشافها في الأربعينيات بقرب القرية المصريّة نجع حمادي.[20]

 

كيف تمّ جمع الأسفار القانونيّة

 

لا أريد أن أترككم مع الانطباع الخاطئ بان المسيحيّين حلوا المناظرات القائمة حول كتبهم المقدسة بسرعة وبسهولة. قبيل القرن الخامس عندما قامت الرعايا المختلفة بإدراج الكتابات التي يعتبرونها شهادات قانونية عن المسيح النتائج قلما كانت متطابقة تماما. حتى نرى كيف تختلف هذه الوائم من مكان لاخر أنظر إلى هذه القوائم الثلاثة من ثلاث أماكن وأوقات مختلفة في جدول رقم 1.[21]

 

مخطوطة موراتوري (منتصف القرن الثاني، روما)

مخطوطة كلارومونتانوس (منتصق القرن الثالث، مصر وشمال إفريقيا)

يوسابيوس القيصري تاريخ الكنيسة (بداية القرن الرابع، فللسطين واسيا لصغرى)

المقبولة:

متى

مرقس

لوقا

يوحنّا

أعمال الرسل

رومية

كورنثوس الأولى والثانية

غلاطية

أفسس

فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الاولى والثانية

تيموثاوس الأولى والثانية

تيطس

فليمون

يوحنّا الأولى

يوحنّا الثانية والثالثة (اعتبروها رسالة واحدة)

يهوذا

رؤيا

حكمة سليمان

المقبولة:

متى

مرقس

لوقا

يوحنّا

أعمال

رومية

كورنثوس الأولى والثانية

غلاطية

أفسس

فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الأولى والثانية

تيموثاوس الأولى والثانية

تيطس

فليمون

العبرانيين*

بطرس الأولى والثانية

يوحنّا الأولى والثانية والثالثة

يعقوب

يهوذا

رؤيا

المقبولة

متى

مرقس

لوقا

يوحنّا

أعمال الرسل

رومية

كورنثوس الأولى والثانية

غلاطية

أفسس

فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الأولى والثانية

تيموثاوس الأولى والثانية

تيطس

فيلمون

العبرانيين

يعقوب

بطرس الأولى

يوحنّا الأولى

رؤيا*

المتنازع عليها

 

رؤيا بطرس

المتنازع عليها

 

رؤيا بطرس

رسالة برنابا

الراعي لهرماس

أعمال بولس

المتنازع عليها

 

يعقوب

يهذا

بطرس الثانية

يوحنّا الثانية والثالثة

 

المرفوضة

 

اللاودكيين

الاسكندريين

الراعي لهرماس

 

 

 

 

المرفوضة

 

رؤيا بطرس

أعمال بولس

الراعي لهرماس

رسالة برنابا

تعاليم الرسل الاثني عشر

انجيل بطرس

انجيل توما

انجيل متياس

انجيل العبرانيين

اعمال اندراوس

اعمال يوحنّا

 

عندما ننظر إلى القوائم في جدول 1، بإمكاننا بسهولة أن نركز على الكتب القليلة التي يمكن أن تكون قد وَجَدَت طريقًا للعهد الجديد أو لا. قبل أن تهتم بما يمكن أن يكون قد حصل لو أنّ المسيحيّين استنتجوا أنّ سفرك المفضل في العهد الجديد لم يكن أهلًا، لاحظ درجة التطابق الساحقة بين هذه القوائم. على الأقل في وقت مبكر كالقرن الثاني الميلاديّ كان هنالك 20 كتابًا لم تدر حولها الشكوك أبدًا – وهذه هي الكتابات التي تعكس أكثر الحقائق الأساسيّة عن المسيح. منذ البدايات اعتنق المسيحيّون (قبلوا) الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، رسائل بولس وعلى الأقل رسالة واحدة من يوحنّا. وحتّى لو كانت مجموعة الكتب هذه هي الوثائق الوحيدة التي مثّلت شهادة عيان حول المسيح، كلّ حقيقة أساسيّة في الإيمان المسيحيّ ستبقى سليمة.

خلافات حول بضعة كتابات (رسائل بطرس، رسالتا يوحنّا الثانية والثالثة، ورسائل يعقوب ويهوذا) ظلّت قائمة بعد القرن الثاني. وبالرغم من ذلك ومع أخر سنوات القرن الرابع وصل المسيحيّون إلى اتفاق حول 27 كتابًا (كتابات آمنوا أنّها مرتكزة على أساس شهادة شهود عيان حول المسيح). رسالة أثناسيوس في عام 367 (الرسالة التي بحسب إيرمان أوّل من حرّض “على أنّ كتبنا الـ27 الحاليّة… تُقبَل كنصوص مقدّسة”) عكست هذا الإجماع.

بالنسبة للجزء الأكبر، فإيرمان كان على حق بخصوص كيف تمّ تجميع لائحة الكتب القانونيّة للعهد الجديد. العديد من السنين مضت قبل أن يتفق المسيحيّون حول أي الكتب يجب أن تكون جزءًا من نصوصهم المُقدّسة. بالرغم من ذلك كان هنالك معيارًا محدّدًا وجّه هذه العملية (قناعة تامة أنّ هذه الكتابة يجب أن تكون متجذرة في شهادة شهود عيان يمكن الاعتماد عليها حول يسوع المسيح).

و الأكثر من هذا، وبالرغم من الخلافات المستمرة حول بعض الكتابات كان هنالك إجماع حول حواليّ عشرين كتابًا في وقت مبكر جدًّا في القرن الثاني. الله لم يعد قط أنّ عملية تحديد أي الكتب تمثِّل شهادة شهود عيان ستكون بلا خطأ. بالرغم من ذلك هنالك كلّ سبب لنصدق أنّ الشهادة الموجودة في العهد الجديد تعكس بدقة تجارب رجال ونساء تبعوا المسيح شخصيًّا ومرّروا تجاربهم لأجيال قادمة.

عن كتاب: سوء اقتباس الحقيقة، لتيموثي بول جونز، ترجمة أمجد بشارة، 2018

 

[1] MJ, p. 36; cf. IS, pp. 1-3.

[2] يضع إيرمان هذا المبدأ لاحقًا من حيث الأهمّيّة، ويُلخِّصه كالآتي: النصوص الموثوقة كان يجب عليها أن تكون قديمة (من وقت المسيح)، ورسوليّة (عن أتباع المسيح المباشرين أو شركائهم) (LC، pp. 242- 43). كما يُلاحظ إيرمان عاملان آخران يظهران على الساحة فيما بعد، وهما الجامعيّة catholicity (انتشار استخدامهم بين المسيحيّين)، والأرثوذكسيّة (أن تتوافق مع بقيّة الأسفار). وأنا أوكد أنّه بالنسبة للمسيحيّين الأوائل فقد كانت هذه الوثائق أرثوذكسيّة ورسوليّة وأصيلة، بشكل لا مثيل له. الشروط الثلاثة جميعها كانت تنطبق بشكل جذريّ على شهود العيان.

[3] Quoted in Eusebius Ecclesiastical History 3.39.

[4] polycarp of Smyrna, To the Philippians, in The Apostolic Fathers, 1, 1 Qement. ll Qement. Ignatius. Polycarp. Didache, ed. Ban Ehrman, Loeb Classical library (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2003), 12. 1.

[5] Translated from “Muratorian Canon in Latin”: retrieved October 28, 2006, from <http:// www.earlychristianwritings.com/text/muratorian-latin.html/>

[6] Eusebius Ecclesiastical History 6. 12; cf. Tenullian of Canhage De Praescriptione Haereticorum 3. 20. 21; retrieved October 28, 2006, from <http:/ /www.tertullian.org >

[7] Eusebius Ecclesiastical History 6.12.

[8] For funher discussion, see Manin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. john Bowden (Harrisburg, Penn.: Trinity Press, 2000), pp. 12-15.

[9] Translated from text of P. Cair. 10759. For the text of this fragment as well as a more cautionary approach to its identification as the Gospel of Peter, see Paul Foster, “Are There Any Early Fragments of the So-Called Gospel of Peter?” New Testament Studies 52 (2006): 1-28.

[10] LC, p. 16.

[11] Eusebius Ecclesiastical History 6.12.

[12] See LC, p. 16.

بدايات لوم شعب اليهود كصالبي المسيح بدأ في مُحاكمة بيلاطس البنطيّ الواردة في إنجيل بطرس، لذا يُقترح أنّه كُتِبَ بعد طرد المسيحيّين من المعابد اليهوديّة بعد القرن الأوّل الميلاديّ.

[13] LC, pp. 22-28.

[14] يُمكن الادعاء بأنّ رفض يوسابيوس لإنجيل بطرس لا يُعتمد عليه، إذ أنّ بعض الكنائس قد قَبِلته، لكن هذا خداع محض. ففي بضع سنين بعد حاثة روسوس Rhossus، فإنّ الأناجيل الأربعة: متّى، مرقس، لوقا، ويوحنا، قد أصبحت وثائق لها السلطة الرسوليّة للتعرُّف على حياة يسوع. إيرينيئوس أسقف ليون وضع بالفعل موافقته حواليّ سنة 180م؛ بالتزامن مع إكليمندس السكندريّ في بدايات القرن الثالث، حيث أصبحت للأناجيل الأربعة ذات السلطان في الإسكندريّة أيضًا.

Hengel, Four Gospels, pp. 15-19.

[15] For examinations of the authenticity of Tenullians repon, see Jan N. Bremmer, “Magic, Martyrdom, and Womens liberation,” and, A. Hilhorst, “T enullian on The Acts of Paul,” in The Apocryphal Acts of Paul and Thecla, ed. jan N. Bremmer (Kampen: Kok Pharos, 1996), pp. 56-60, 157-6 1. Acts of Paul evidently included three documents that later became known as Acts of Paul and Thecla, Martyrdom of Paul and Ill Corinthians.

[16] التأريخ التقريبيّ لكتاب أعمال بولس هو 160م تقريبًا, أي بعد قرن من بولس الرسول. استشهد Hilhorst بكتابات جيروم ليثبت أنّه في تاريخ لاحق، ولكنّه بقيَّ بعد مائة عام تقريبًا من بولس ((“Tertullian,” pp. 158-6 1).

[17] “Sciant in Asia presbyterum, qui eram scripturam construxit quasi titulo Pauli suo cumulans convictum atque confessum id se amore Pauli fecisse et loco decessisse” (Tenullian of Canhage De Baptismo 17: retrieved October 28, 2006, from http://www.tertullian.org

[18] Tertullian De Baptismo 17.

[19] For example, in 2 Qement 5:2-4, the unknown proclaimer of this sermon appears to be working from a common-and most likely reliable-oral tradition thats also preserved in Gospel of Peter.

[20] مخطوطات نجع حمادي: مجموعة من أكثر من أربعين وثيقة غنوصيّة كُشِفَت في الأربعينيّات قرب قرية نجع حمادي، قرية في مصر العليا. من النصوص المهمة التي وُجِدَت في نجع حمادي: رؤيا بولس القبطيّة، رؤيا بطرس القبطيّة، إنجيل يوحنّا المنحول، خطاب المخلِّص، إنجيل القبطيّين المصريّ، إنجيل فيليبس، إنجيل توما وإنجيل الحقيقة.

[21] جدول 1: تفيد العلامة (*) أنّ هذا السفر ضمن الأسفار المُتنازع عليها، برغم وجوده في اللائحة القانونيّة النهائيّة.

 

 

اختيار ورفض بعض الكتب من قانون العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

ابوكريفا العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

ابوكريفا العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 

ابوكريفا العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

 

الأبوكريفا، كلمة يونانيّة معناها ”مخفي- مُخبّأ- سرّيّ“. في البداية كانت كلمة أبوكريفا تُشير إلى كتاب مُقدّس جدًّا، وسرّيّ جدًّا لا يُعلن لكل أحد، لابد أن يكون مخفيًا عن العامة ومحصورًا على قادة الجماعة أو الطائفة. كما كان سبب التسمية هو أنها مشحونة بأفكار كاتبيها، لكنّها مُتسترة بغطاء مسيحيّ خارجيّ، فهي مسيحيّة الشكل، شعبيّة اللاهوت، وفي بعض الأحيان هرطوقيّة.

قد استخدمها الغنوصيّون وغيرهم من أصحاب المذاهب الباطنية القديمة للدلالة على كتبهم الخاصة لِما كان لهذه الكتب من المكانة والقيمة في أعينهم بحيث لم يسمحوا إلَّا للأعضاء الكاملين منهم بالاطلاع عليها.

بغية أن تجد هذه الكتب قبولًا نُسبت إلى الرسل وتلاميذ الرّبّ الأتقياء. وبعد اكتشاف تزييف نسبة هذه الكتب إلى مؤلفين لم يكونوا هم كتّابها الأصليون، تغيَّر مدلول كلمة ”أبوكريفا“ فأصبحت تُشير إلى كتب مزيفة، مشكوك في صحتها ومرفوضة من الكنيسة قويمة المعتقد.

استخدم الآباء تعبير ”أبوكريفا“ للإشارة إلى:

–          كتابات مجهولة الأصل نُسبت خطأ لكاتب أو آخر.

–          كتابات تحوي حقائق نافعة جنبًا إلى جنب مع أخطاء عقائديّة.

–          كتابات لا يُسمح بقراءتها على الشعب في الكنيسة وبالتالي هيَ ليست قانونيّة.

–          كتابات هرطوقيّة أو استخدمها الهراطقة.

 

أبوكريفا العهد الجديد

لا تقع تحت فئة خاصة بل تتنوع تنوعًا كبيرًا. ويقول إيرينيئوس في كتابه ”الرد على الهرطقات“.[1] إنّ عدّد هذه الكتابات قد لا يُحصى. وغالبًا ما وقفت منها الكنيسة موقف العداء.

في الحقيقة لم يُقدّم لنا العهد الجديد إلَّا معلومات قليلة عن طفولة الرّبّ وحياة أمه وانتقالها ورحلات رسله التبشيرية، لذا لا عجب في أن خيال المسيحيّين الأتقياء قد تحرَّك ليكمل التفاصيل الناقصة.[2] وهكذا تمت عملية كتابة الأساطير على مجال واسع من الحرية بهدف التثقيف والتهذيب. ومن ناحية أُخرى، فقد شَعَرَ الهراطقة، خاصة الغنوصيّين، أنهم بحاجة إلى روايات إنجيليّة تؤيد تعاليمهم العقائديّة. هكذا، نمت حول الأسفار القانونيّة مجموعة من الأساطير تُشَكِل تلك الكتابات المعروفة بـ”أبوكريفا العهد الجديد“، وقد ظهرت الأناجيل غير القانونيّة، والأسفار الرؤيويّة المنحولة، والرسائل، وأسفار الأعمال المنحولة المنسوبة للرسل بوصفها متممة للأسفار القانونيّة. فقد خطَّ بعض الهراطقة والمبتدعين الكثير من الأناجيل المُزيفة والأعمال والرؤى لتأكيد آرائهم الفاسدة وتدعيم موقفهم.

يستطيع حتّى القارئ البسيط جدًّا أن يشعر بتدني هذه الكتابات مُقارنة بالأسفار القانونيّة، فهي تزخر بالمعجزات المزعومة التي أحيانًا ما تكون مبتذلة إلى حد السخف. لكنّ بالرغم من هذا، فللأبوكريفا أهمّيّة قصوى بالنسبة للمؤرخين الكنسيّين، لأنها تمدهم بمعلومات قيمة عن الاتجاهات والعادات التي اتصفت بها الكنيسة الأولى. علاوة على ذلك، تُمثل الأبوكريفا بدايات الأساطير المسيحيّة، والقصص الشعبية، والأدب الروائي المسيحيّ. ولا غنى عن الأبوكريفا لفهم الفن المسيحيّ، فهي التي أوحت بلوحات الموزاييك الموجودة في كثير من الكنائس القديمة، مثل بازيليكا ”سانتا ماريا ماجيوري“ (Santa Maria Maggiore) بمدينة روما، وأيضًا الحفر البارز الذي كان يُزيِّن النعوش المسيحيّة القديمة. كما أن الرسومات الصغيرة التي تزين الكتب اللِّيتورجيَّة والنوافذ الملونة الخاصة بكاتدرائيات العصور الوسطى كانت ستصبح غير مفهومة إن لم تكن تشير إلى القصص المذكورة في هذه الأبوكريفا. وللأبوكريفا أيضًا تأثير قوي على الأعمال المسرحية التي كانت تدور حول المعجزات أو الغوامض في العصور اللاحقة، فحتى ”دانتي“ قد استخدمها كمصدر للمشاهد الأخروية التي أوردها في عمله المعروف بـ ”الكوميديا الإلهيّة“، لذلك نحن نمتلك من خلالها صورة واضحة ومصدرًا مباشرًا للفكر المسيحيّ المبكر.

في الحقيقة، لا ينبغي أن يُنظر لهذه الكتب فقط من الزاوية التي تدّعيها لنفسها (من جهة قانونيّتها) فهي – من كلّ الجوانب الأُخرى – لها فوائد عظيمة في مجالات أُخرى غير عقيدية، وإذا كانت كتب الأبوكريفا ليست بمصادر تاريخيّة جيدة من وجهة ما، فهي كذلك من وجهة أُخرى، تُسجِل تخيُّلات وآمال ومخاوف من كتبوها؛ إنها تُظهِر الأمور التي كان يقبلها المسيحيّون غير المتعلمين في القرون الأولى، وتلك التي كانت تشغلهم، وتلك التي كانت تعجبهم؛ والأمثلة السلوكية التي كانوا متعلقين بها في هذه الحياة، والأمور التي كانوا يظنون أنهم يجدونها في النص. أمّا بالنسبة للقصص الشعبية والروايات، سنجد مرة أُخرى أن الأبوكريفا ثمينة جدًّا. كما أنها تكشف لمحبي ودارسي أدب العصور الوسطى وفنّها عن جزء ليس بصغير من أصولهما، هذا بالإضافة إلى أنها تعطيهم حلولًا لألغاز كثيرة تقابلهم. ولقد تركت الأبوكريفا بالفعل تأثيرًا عظيمًا جدًّا وواسعًا جدًّا – لا يتناسب إجمالًا مع قيمتها الداخليّة – حتّى إنه لا يمكن لشخص مهتم بتاريخ الفكر المسيحيّ والفن المسيحيّ أن يهملها.[3]

في عصر أدب الآباء اليونان المتأخر (في عصر إيرينيئوس، ومن بعده)، وفي الأعمال اللاتينية بدءًا من القديس جيروم، كانت كلمة ”أبوكريفا“ تعني ”غير قانونيّة“ وذلك يحمل ضمنًا معنى كونها أقل بكثير من حيث موضوعها ومحتواها من الأسفار القانونيّة، وما يرد فيها من الخوارق والغرائب والأمور غير المقبولة يترك لدى القاريء انطباعًا سيئًا.

ودون الدخول في تفاصيل كثيرة، فإنّ هذه الكتابات تُعد فنًا أدبيًا كان له بعض الأثر في الإيمان الشعبي في الكنيسة الأولى. فهي تراث لا يحسن إهماله. فهي شعور شعبي بالوحي، نقله من مكانته العلائقية مع الله، إلى المُخيلة البشريّة التي سبقت التوضيح العقائديّ الأصيل. فبعضها يُعد تعبيرًا عن الإيمان الشعبي الذي لا يُحسن اختيار ألفاظه المُعبّرة عنه، وقد استخدمت في العظات القديمة.[4] ونحن في عصر، يُمكننا فيه أن ندرس دور تلك النماذج من المعرفة الأولى عن المسيحيّة، وتمييز ما فيها من جانب تاريخيّ رُبّما يُساعدنا على فهم تقليد الكنيسة الأولى.

من هذه الكتابات المزيفة أو المنحولة نستطيع أن نستخلّص أربعة أنماط أدبية توازي أنماط العهد الجديد وهي:

 

أناجيل الأبوكريفا

 

Ÿ الإنجيل حسب العبرانيّين Ÿ إنجيل المصريين Ÿ إنجيل بطرس Ÿ إنجيل متياس Ÿ إنجيل توما (الطفولة) Ÿ إنجيل توما (الأقوال) Ÿ إنجيل أندراوس Ÿ إنجيل برنابا Ÿ إنجيل برثلماوس Ÿ إنجيل نيقوديموس (ويشمل أعمال بيلاطس) Ÿ إنجيل يهوذا الإسخريوطي Ÿ إنجيل كيرينثوس Ÿ إنجيل فالِنتينوس Ÿ إنجيل حواء Ÿ إنجيل ابلليس Ÿ إنجيل باسيليدس Ÿ إنجيل الإبيونيين Ÿ الإنجيل الأوّل ليعقوب (دُعي بالأوّل لأنّه يتكلم عن تاريخ ما قبل ولادة يسوع) Ÿ إنجيل يوحنا (غير إنجيل يوحنا القانونيّ) Ÿ إنجيل متّى (غير إنجيل متّى القانونيّ) Ÿ إنجيل فيلبس Ÿ إنجيل تداوس Ÿ الإنجيل العربي لطفولة يسوع Ÿ التاريخ العربي ليوسف النجار.

 

أعمال الرسل الأبوكريفا

 

 Ÿ أعمال يوحنا Ÿ أعمال تداوس Ÿ أعمال أندراوس Ÿ أعمال توما Ÿ أعمال بطرس Ÿ أعمال بولس (بولس وتكلا) Ÿ أعمال بطرس وبولس Ÿ أعمال كرازة بطرس وبولس Ÿ أعمال فيلبس Ÿ أعمال أندراوس ومتياس.

 

رسائل الرسل الأبوكريفا

 

Ÿ حوار بعد القيامة بين السيد المسيح وتلاميذه.

Ÿ رسائل القديس بولس إلى: اللاودكيين، الإسكندريّين، بولس وماركيون، الرسالة الثالثة إلى أهل كورنثوس، مراسلة بين القديس بولس والفيلسوف سينيكا، ثماني رسائل قصيرة لسينيكا، وست رسائل قصيرة تحوي ردود للقديس بولس عليه، وهيَ فقيرة من حيث الأسلوب. ويشهد جيروم أن كثيرين كانوا يقرأونها.[5]

Ÿ أسطورة تحوُّل سينيكا إلى الإيمان، والتي تُبنى عليها الخطابات السابق ذكرها، رُبّما يعود أصلها إلى صفة الأخلاق والتوحيد بالله التي تتميّز بها كتابات سينيكا Ÿ رسائل تلاميذ القديس بولس ومنها رسالة برنابا.[6]

الرؤى الأبوكريفا

 

 Ÿ رؤيا استفانوس Ÿ رؤيا توما Ÿ رؤيا يوحنا Ÿ رؤيا العذراء Ÿ رؤيا بطرس Ÿ رؤيا بولس.

عن كتاب: الثالوث القدوس قبل مجمع نيقية، أمجد بشارة ، 2018

[1] Haer.1.20.

[2] الكتاب المُقدّس –كما نعلم- ليس مجموعة من القصص، ولا يهدف في الأساس إلى تدوين سيّر حياة بعض الأشخاص، بل قد كُتِبَّ كما يقول يوحنا الرسول: ”وَأَمَّا هذِهِ فقد كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أنّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ“ (يو20: 31)، ويقول ق. كيرلس عمود الدين: ”أمور التاريخ العشوائية المذكورة عرضًا“ (P. G. 68, 585, D). فالكتاب المُقدّس لا يسرد لنا قصصًا عن التاريخ وحياة الأشخاص بهدف تدوين السيّر الذاتية، وتدوين تاريخ لشعوب بعينها. بل، قد كان هدف الروح القدس، مدوّن الكتاب، في الأساس هو إيصال رسالة شخصيّة تربط بين الإله والإنسان، عن طريق الأشخاص والأحداث والأنساب والأمثال، وكلّ ما استطاع الكاتب الموحى إليه أن يستخدمه ليوصل رسالة ذات جوهر إلهيّ، ترشد الإنسان إلى الله. وهذا ما يجعل من كتابات الأبوكريفا بعيدة تمامًا عن الوحي القانونيّ، إذ هدفها الأساسيّ هو الإبهار بالمعجزات التي هيَ غذاء اللاهوت الشعبي، كما أسهبت في تفاصيل إسطورية، لا طائل من ورائها سوى إشباع الرغبة الطفولية في معرفة تفاصيل هيَ خارج الهدف الرئيسي للكتاب المُقدّس.

[3] جوهانس كواستن، علم الآبائيّات ”الباترولوجي“، ترجمة أنبا مقار (القاهرة: بناريون، 2015)، ص 119- 122.

[4] أوغسطين دبورة (الأب)، خلاصة اللاهوت المريمي، ترجمة. الأب يوسف قوشاقجي (بيروت: دار المشرق، 2002)، ص 22.

[5] De vir. illus. 12.

[6] تادرس يعقوب (القمص)، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى (الإسكندريّة: كنيسة مارجرجس اسبورتينج، 2008).

 

ابوكريفا العهد الجديد – ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟

آيات مسيحية بحرف ي – آيات من الكتاب المقدس بحرف (الياء)

آيات مسيحية بحرف ي – آيات من الكتاب المقدس بحرف (الياء)

آيات مسيحية بحرف ي – آيات من الكتاب المقدس بحرف (الياء)

 

يا ابا الاب كل شيء مستطاع لك فاجز عني هذه الكاس ولكن ليكن لا ما اريد انا بل ما تريد انت. )مر36: 14)

يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون واذ اقتسموا ثيابه اقترعوا عليها. (لو34: 23)

يا ابتاه ان امكن فلتعبر عني هذه الكاس ولكن ليس كما اريد انا بل كما تريد انت. ) مت39: 26)

يا ابتاه في يديك استودع روحي ولما قال هذا اسلم الروح. (لو46: 23)

يا ابن ادم انظر بعينيك واسمع باذنيك واجعل قلبك الى كل ما اريكه لانه لاجل اراءتك اتي بك الى هنا اخبر بيت اسرائيل بكل ما ترى (حز4: 40)

يا ابن ادم كل الكلام الذي اكلمك به اوعه في قلبك واسمعه باذنيك (حز10: 3)

يا ابنة ايمانك قد شفاك اذهبي بسلام وكوني صحيحة من دائك. ) مر34: 5)

يا ابني احفظ وصايا ابيك ولا تترك شريعة امك.(ام20: 6)

يا ابني اخش الرب والملك لا تخالط المتقلبين. (ام21: 24)

يا ابني اصغ الى حكمتي امل اذنك الى فهمي.(ام1: 5)

يا ابني اعطني قلبك ولتلاحظ عيناك طرقي. (ام26: 23)

يا ابني ان كان قلبك حكيما يفرح قلبي انا ايضا. (ام15: 23)

يا ابني كن حكيما وفرح قلبي فاجيب من يعيرني كلمة. (ام11: 27)

يا ابني لا تحتقر تاديب الرب ولا تكره توبيخه. (ام11: 1) و(ام 11:  3)

يا ابني لا تنس شريعتي بل ليحفظ قلبك وصاياي (ام1: 3)

يا ابني ليكن الرب معك فتفلح وتبني بيت الرب الهك كما تكلم عنك. (1اى12: 22)

يا ابي اخطات الى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا. (لو21: 15)

يا ارض يا ارض يا ارض اسمعي كلمة الرب (ار29: 22)

يا اسرائيل اتكل على الرب هومعينهم ومجنهم (مز9: 115)

يا الله ارجعنا وانر بوجهك فنخلص (مز3: 80)

يا الله ارنم لك ترنيمة جديدة برباب ذات عشرة اوتار ارنم لك (مز9: 144)

يا الله افدي اسرائيل من كل ضيقاته (مز22: 25)

يا الله الهي انت اليك ابكر عطشت اليك نفسي يشتاق اليك جسدي في ارض ناشفة ويابسة بلا ماء (مز1:  63)

يا الله انت عرفت حماقتي وذنوبي عنك لم تخف (مز5: 69)

يا الله تسبيحك الى اقاصي الارض يمينك ملانة برا. (مز10: 48)

يا الله لا تبعد عني يا الهي الى معونتي اسرع (مز12: 71)

يا الله لا تتركني حتى اخبر بذراعك الجيل المقبل وبقوتك كل ات. (مز18: 71)

يا اله الجنود ارجعن اطلع من السماء وانظر وتعهد هذه الكرمة (مز14: 80)

يا اله الجنود ارجعنا وانر بوجهك فنخلص (م ز7: 80)

يا اله النقمات يا رب يا اله النقمات اشرق (مز94:  1)

يا اله تسبيحي لا تسكت. (مز1: 109)

يا الهي عليك توكلت فلا تدعني اخزى لا تشمت بي اعدائي (مز2: 25)

يا الهي نجني من يد الشرير من كف فاعل الشر والظالم. (مز4: 71)

يا امراة هوذا ابنك. (يو26: 19)

يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. (لو34: 13) و) مت37:  23)

يا اولاد الافاعي من اراكم ان تهربوا من الغضب الاتي. (لو7: 3) و) مت7:  3)

يا بنات اورشليم لا تبكين علي بل ابكين على انفسكن وعلى اولادكن. (لو28: 23)

يا بني اصغ الى كلامي امل اذنك الى اقوالي.(ام20: 4)

يا بني البشر حتى متى يكون مجدي عارا حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب سلاه. (مز2: 4)

يا بني لا تضلوا الان لان الرب اختاركم لكي تقفوا امامه وتخدموه وتكونوا خادمين وموقدين له.(2اى11: 29)

يا بني مغفورة لك خطاياك. )مر5:  2)

يا بيت اسرائيل باركوا الرب يا بيت هرون باركوا الرب (مز19: 135)

يا بيت لاوي باركوا الرب يا خائفي الرب باركوا الرب (مز20: 135)

يا بيت هرون اتكلوا على الرب هومعينهم ومجنهم (مز10: 115)

يا بيت يعقوب هلم فنسلك في نور الرب (اش5: 2)

يا جميع الامم صفقوا بالايادي اهتفوا لله بصوت الابتهاج (مز1: 47)

يا خائفي الرب سبحوه مجدوه يا معشر ذرية يعقوب واخشوه يا زرع اسرائيل جميعا (مز23: 22)

يا دانيال ايها الرجل المحبوب افهم الكلام الذي اكلمك به وقم على مقامك لاني الان ارسلت اليك ولما تكلم معي بهذا الكلام قمت مرتعدا (دا11: 10)

يا دانيال عبد الله الحي هل الهك الذي تعبده دائما قدر على ان ينجيك من الاسود. (دا20: 6)

يا ذاكري الرب لا تسكتوا. (اش6: 62)

يا راعي اسرائيل اصغ يا قائد يوسف كالضان يا جالسا على الكروبيم اشرق (مز1: 80)

يا رب احببت محل بيتك وموضع مسكن مجدك (مز8: 26)

يا رب ارتفعت يدك ولا يرون يرون ويخزون من الغيرة على الشعب وتاكلهم نار اعدائك. (اش11: 26) و(اش26:  30)

يا رب استمع صلاتي وليدخل اليك صراخي (مز102:  1)

يا رب اسمع صلاتي واصغ الى تضرعاتي بامانتك استجب لي بعدلك (مز1: 143)

يا رب اسمع صوتي لتكن اذناك مصغيتين الى صوت تضرعاتي (مز2: 130)

يا رب اسمك الى الدهر يا رب ذكرك الى دور فدور (مز13: 135)

يا رب اصعدت من الهاوية نفسي احييتني من بين الهابطين في الجب (مز3: 30)

يا رب افتح شفتي فيخبر فمي بتسبيحك (مز15: 51)

يا رب افتح عينيه فيبصر (2مل17: 6)

يا رب الجنود اله اسرائيل الجالس فوق الكروبيم انت هوالاله وحدك لكل ممالك الارض انت صنعت السماوات والارض (اش16: 37)

يا رب الجنود طوبى للانسان المتكل عليك (مز12: 84)

يا رب الجنود مختبر الصديق ناظر الكلى والقلب دعني ارى نقمتك منهم لاني لك كشفت دعواي (ار12:  20)

يا رب اله ابائنا اما انت هوالله في السماء وانت المتسلط على جميع ممالك الامم وبيدك قوة وجبروت وليس من يقف معك.(2اى6: 20)

يا رب اله الجنود ارجعنا انر بوجهك فنخلص (مز19: 80)

يا رب اله الجنود اسمع صلاتي واصغ يا اله يعقوب سلاه (مز8: 84)

يا رب اله الجنود الى متى تدخن على صلاة شعبك (مز4: 80)

يا رب اله الجنود من مثلك قوي رب وحقك من حولك (مز8: 89)

يا رب اله خلاصي بالنهار والليل صرخت امامك (مز1: 88)

يا رب الهي استغثت بك فشفيتني (مز2: 30)

يا رب الهي ان كنت قد فعلت هذا ان وجد ظلم في يدي (مز3: 7)

يا رب الهي عليك توكلت خلصني من كل الذين يطردونني ونجني (مز1: 7)

يا رب الى متى تنظر استرد نفسي من تهلكاتهم وحيدتي من الاشبال (مز17: 35)

يا رب الى من نذهب كلام الحياة الابدية عندك. (يو68: 6)

يا رب اليست عيناك على الحق ضربتهم فلم يتوجعوا افنيتهم وابوا قبول التاديب صلبوا وجوههم اكثر من الصخر ابوا الرجوع (ار3: 5)

يا رب اليك صرخت اسرع الي اصغ الى صوتي عندما اصرخ اليك (مز1: 141)

يا رب انت الهي اعظمك احمد اسمك لانك صنعت عجبا مقاصدك منذ القديم امانة وصدق (اش1: 25)

يا رب اهدني الى برك بسبب اعدائي سهل قدامي طريقك (مز8: 5)

يا رب اي شيء هوالانسان حتى تعرفه اوابن الانسان حتى تفتكر به (مز3: 144)

يا رب بالغداة تسمع صوتي بالغداة اوجه صلاتي نحوك وانتظر (مز3: 5)

يا رب بان تنجيني يا رب الى معونتي اسرع. (مز13: 40)

يا رب برضاك ثبت لجبلي عزا حجبت وجهك فصرت مرتاعا (مز7: 30)

يا رب بقوتك يفرح الملك وبخلاصك كيف لا يبتهج جدا (مز1: 21)

يا رب تجعل لنا سلاما لانك كل اعمالنا صنعتها لنا (اش12: 26)

يا رب تراءف علينا اياك انتظرنا كن عضدهم في الغدوات خلاصا ايضا في وقت الشدة (اش2: 33)

يا رب جيد ان نكون ههنا فان شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولايليا واحدة.(مت4: 17)

يا رب حسب احكامك احيني. (مز149: 119) و(مز159:  119)

يا رب خلص ليستجب لنا الملك في يوم دعائنا (مز9: 20)

يا رب رحمتك الى الابد عن اعمال يديك لا تتخل (مز8: 138)

يا رب طاطئ سماواتك وانزل المس الجبال فتدخن (مز5: 144)

يا رب عزي وحصني وملجاي في يوم الضيق اليك تاتي الامم من اطراف الارض ويقولون انما ورث اباؤنا كذبا واباطيل وما لا منفعة فيه (ار19: 16)

يا رب فلا تبعد يا قوتي اسرع الى نصرتي (مز19: 22)

يا رب في السماوات رحمتك امانتك الى الغمام (مز5: 36)

يا رب في الضيق طلبوك سكبوا مخافتة عند تاديبك اياهم (اش16: 26)

يا رب قد اختبرتني وعرفتني (مز1: 139)

يا رب قد تضايقت كن لي ضامن (اش14: 38)

يا رب قد سمعت خبرك فجزعت يا رب عملك في وسط السنين احيه في وسط السنين عرف في الغضب اذكر الرحمة. (حب2: 3)

يا رب لا تدعني اخزى لاني دعوتك ليخز الاشرار ليسكتوا في الهاوية (مز17: 31)

يا رب لا تقم لهم هذه الخطية واذ قال هذا رقد (اع60: 7)

يا رب لا توبخني بسخطك ولا تؤدبني بغيظك (مز1: 38)

يا رب لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بغيظك (مز1: 6)

يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعل عيناي ولم اسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي (مز1: 131)

يا رب لماذا تقف بعيدا لماذا تختفي في ازمنة الضيق (مز1: 10)

يا رب ليس مثلك ولا اله غيرك حسب كل ما سمعناه باذاننا. (1اى20: 17)

يا رب ما اكثر مضايقي كثيرون قائمون علي (مز1: 3)

يا رب ماذا تريد ان افعل فقال له الرب قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي ان تفعل (اع6: 9)

يا رب ملجا كنت لنا في دور فدور (مز1: 90)

يا رب من صدق خبرنا. (رو16: 10)

يا رب نج نفسي من شفاه الكذب من لسان غش (مز2: 120)

يا رب نجني. (مت30: 14)

يا رجاء اسرائيل مخلصه في زمان الضيق لماذا تكون كغريب في الارض وكمسافر يميل ليبيت (ار8:  14)

يا سامع الصلاة اليك ياتي كل بشر (مز2: 65)

يا سمعان بن يونا اتحبني اكثر من هؤلاء قال نعم يا رب انت تعلم اني احبك قال له ارع خرافي. (يو15:  21)

يا سيد اسمع يا سيد اغفر يا سيد اصغ واصنع لا تؤخر من اجل نفسك يا الهي لان اسمك دعي على مدينتك وعلى شعبك (دا19: 9)

يا سيد الرب لا تهلك شعبك وميراثك الذي فديته بعظمتك الذي اخرجته من مصر بيد شديدة. (تث26: 9)

يا سيد ان كنت انت قد حملته فقل لي اين وضعته وانا اخذه. (يو15: 20)

يا سيد حسب كل رحمتك اصرف سخطك وغضبك عن مدينتك اورشليم جبل قدسك اذ لخطايانا ولاثام ابائنا صارت اورشليم وشعبك عارا عند جميع الذين حولنا (دا16: 9)

يا سيد لتكن اذنك مصغية الى صلاة عبدك (نح11: 1)

يا سيد لنا خزي الوجوه لملوكنا لرؤسائنا ولابائنا لاننا اخطانا اليك (دا8: 9)

يا سيدي الرب اذكرني وشددني يا الله هذه المرة فقط فانتقم نقمة واحدة عن عيني من الفلسطينيين. (قض28:  16)

يا صاحب لماذا جئت حينئذ تقدموا والقوا الايادي على يسوع وامسكوه. ) مت50: 26)

يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي اعددتها لمن تكون. (لو20: 12)

يا قليل الايمان لماذا شككت. (مت31: 14)

يا قوتي لك ارنم لان الله ملجاي اله رحمتي(مز17: 59)

يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما ابعد احكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. (رو33: 11)

يا ليت راسي ماء وعيني ينبوع دموع فابكي نهارا وليلا قتلى بنت شعبي (ار1: 9)

يا ليت طلبتي تاتي ويعطيني الله رجائي (اى8: 6)

يا ليت كل شعب الرب كانوا انبياء اذا جعل الرب روحه عليهم.(عد11:  29).

يا مبشرة صهيون ارفعي صوتك بقوة يا مبشرة اورشليم ارفعي لا تخافي قولي لمدن يهوذا هوذا الهك. (اش9:  40)

يا متقي الرب اتكلوا على الرب هومعينهم ومجنهم (مز11: 115)

يا مجننا انظر يا الله والتفت الى وجه مسيحك (مز9: 84)

يا محبي الرب ابغضوا الشر هوحافظ نفوس اتقيائه من يد الاشرار ينقذهم (مز97:  10)

يا معلم اما يهمك اننا نهلك. )مر38:  4)

يا ممالك الارض غنوا لله رنموا للسيد سلاه. (مز32: 68)

يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة ايام خلص نفسك ان كنت ابن الله فانزل عن الصليب. (مت40:  27) و (مر29:  15)

يا يسوع ابن داود ارحمني. (لو38: 18)

يا يوسف ابن داود لا تخف ان تاخذ مريم امراتك لان الذي حبل به فيها هومن الروح القدس.(مت20: 1)

ياتون من مدن يهوذا ومن حوالي اورشليم ومن ارض بنيامين ومن السهل ومن الجبال ومن الجنوب ياتون بمحرقات وذبائح وتقدمات ولبان ويدخلون بذبائح شكر الى بيت الرب (ار26: 17)

ياتي بعدي من هواقوى مني الذي لست اهلا ان انحني واحل سيور حذائه. )مر7: 1)

يامر لك الرب بالبركة في خزائنك وفي كل ما تمتد اليه يدك ويباركك في الارض التي يعطيك الرب الهك

     (تث28:   8).

يبارك متقي الرب الصغار مع الكبار (مز13: 115)

يباركك الرب الهك في كل عمل يدك الذي تعمل (تث14:  29).

يباركك الرب من صهيون الصانع السماوات والارض (مز3: 134)

يباركك الرب من صهيون وتبصر خير اورشليم كل ايام حياتك (مز5: 128)

يباركك الرب ويحرسك (عد6:  24).

يباركنا الله وتخشاه كل اقاصي الارض (مز7: 67)

يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من اسرائيل فيحطم طرفي مواب ويهلك كل بني الوغى (عد24:   17).

يبس العشب ذبل الزهر واما كلمة الهنا فتثبت الى الابد. (اش8: 40)

يبصر كل بشر خلاص الله. (لو6: 3)

يبلع الموت الى الابد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه وينزع عار شعبه عن كل الارض لان الرب قد تكلم (اش8: 25)

يبنغي لي ان ابشر المدن الاخر ايضا بملكوت الله لاني لهذا قد ارسلت. (لو43: 4)

يترك الرجل اباه وامه ويلتصق بامراته ويكون الاثنان جسدا واحدا. )مت5:  19) و(اف31:  5)  و(تك2:   24).

يتعالى رب الجنود بالعدل ويتقدس الاله القدوس بالبر (اش16: 5)

يتكل عليك العارفون اسمك لانك لم تترك طالبيك يا رب (مز10: 9)

يثبت الكرسي بالرحمة ويجلس عليه بالامانة في خيمة داود قاض ويطلب الحق ويبادر بالعدل. (اش5: 16)

يجازي الانسان على فعله وينيل الرجل كطريقه (اى11: 34)

يجازي الرب فاعل الشر كشره(2 صم39: 3(

يجب ان لا تنظر الى يوم اخيك يوم مصيبته (عو12)

يجب ان يملك حتى يضع جميع الاعداء تحت قدميه. (1كو25: 15)

يجب علينا نحن الاقوياء ان نحتمل اضعاف الضعفاء ولا نرضي انفسنا (رو1: 15)

يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان (اى18:  5)

يجعل الرب اعداءك القائمين عليك منهزمين امامك في طريق واحدة يخرجون عليك وفي سبع طرق يهربون امامك (تث28:  7).

يجعل القفر غدير مياه وارضا يبسا ينابيع مياه. (مز35: 107)

يجعل رجلي كالايل وعلى مرتفعاتي يقيمني (مز33: 18)

يجمع كند امواه اليم يجعل اللجج في اهراء (مز7: 33)

يجمل الودعاء بالخلاص. (مز4: 149)

يحاربونك ولا يقدرون عليك لاني انا معك يقول الرب لانقذك (ار19: 1)

يحسب قوم التباطؤ لكنه يتانى علينا وهولا يشاء ان يهلك اناس بل ان يقبل الجميع الى التوبة. (2بط9: 2)

يحصي عدد الكواكب يدعوكلها باسماء. (مز4: 147)

يحفظ الرب كل محبيه ويهلك جميع الاشرار (مز20:  145)

يحفظني الكمال ولاستقامة لاني انتظرتك (مز21: 25)

يحمدك الشعوب يا الله يحمدك الشعوب كلهم (مز67:  3 و5)

يحمدك يا رب كل اعمالك ويباركك اتقياؤك. (مز10: 145)

يحمدك يا رب كل ملوك الارض اذا سمعوا كلمات فمك (مز4: 138)

يحمدون اسمك العظيم والمهوب قدوس هو(مز99:  3)

يحيي الموتى ويدعوالاشياء غير الموجودة كانها موجودة. (رو17: 4)

يخافون من المغرب اسم الرب ومن مشرق الشمس مجده عندما ياتي العدوكنهر فنفخة الرب تدفعه (اش19: 59)

يختن الرب الهك قلبك وقلب نسلك لكي تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك لتحيا (تث30:  6).

يخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من اصوله (اش1: 11)

يخرج مثل النور برك وحقك مثل الظهيرة (مز6: 37)

يخزى كل عابدي تمثال منحوت المفتخرين بالاصنام اسجدوا له يا جميع الالهة (مز97:  7)

يخفض سكان العلاء يضع القرية المرتفعة يضعها الى الارض يلصقها بالتراب. (اش5: 26)

يد المجتهدين تسود اما الرخوة فتكون تحت الجزية. (ام24: 12)

يد الهنا على كل طالبيه للخير وصولته وغضبه على كل من يتركه.(عز22: 8)

يد ليد لا يتبرر الشرير اما نسل الصديقين فينجو. (ام21: 11)

يداك صنعتاني وانشاتاني فهمني فاتعلم وصاياك (مز119:  73)

يدرب الودعاء في الحق ويعلم الودعاء طرقه (مز9: 25)

يدعوني فاستجيب له معه انا في الضيق انقذه وامجده (مز15: 91)

يدي اسست الارض ويميني نشرت السماوات انا ادعوهن فيقفن معا (اش13: 48)

يدين المسكونة بالعدل والشعوب (مز98:  9)

يرتعد جميع سكان الارض لان يوم الرب قادم لانه قريب. (يؤ1: 2)

يرجع الشر على اعدائي بحقك افنهم (مز5: 54)

يرد الرب لي كبري وكطهارة يدي امام عينيه (مز24: 18)

يرد نفسي يهديني الى سبل البر من اجل اسمه (مز3: 23)

يرضى الرب باتقيائه بالراجين رحمته. (مز11: 147)

يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاما (عد6:  26).

يروون من دسم بيتك ومن نهر نعمك تسقيهم (مز8: 36)

يزداد البائسون فرحا بالرب ويهتف مساكين الناس بقدوس اسرائيل (اش19: 29)

يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة زرع ليس له غلة لا يصنع دقيقا وان صنع فالغرباء تبتلعه (هو7: 8)

يزيدك الرب الهك خيرا في كل عمل يدك في ثمرة بطنك وثمرة بهائمك وثمرة ارضك لان الرب يرجع ليفرح لك بالخير كما فرح لابائك (تث30:  9).

يسقط عن جانبك الف وربوات عن يمينك اليك لا يقرب (مز7: 91)

يسمع الودعاء فيفرحون (مز2: 34)

يسوع المسيح هوهوامسا واليوم والى الابد. (عب8: 13)

يسوع ايضا لكي يقدس الشعب بدم نفسه تالم خارج الباب. (عب12: 13)

يسوع ذلك قال له يعوزك ايضا شيء بع كل ما لك ووزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. (لو22: 18)

يسوع هذا اقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك (اع32: 2)

يشرق في الظلمة نورك ويكون ظلامك الدامس مثل الظهر. (اش10: 58)

يشفي المنكسري القلوب ويجبر كسرهم. (مز3: 147)

يصمت العاقل في ذلك الزمان لانه زمان رديء (عا13: 5)

يضيء الابرار كالشمس في ملكوت ابيهم من له اذنان للسمع فليسمع. ) مت43: 13)

يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك (عد6:  25).

يطلع الشوك والحسك على مذابحهم ويقولون للجبال غطينا وللتلال اسقطي علينا. (هو8: 10)

يعرف جبلتنا يذكر اننا تراب نحن (مز103:  14)

يعطي الجميع حياة ونفسا وكل شيء. (اع25: 17)

يعطي حبيبه نوما. (مز2: 127)

يعطي رحمة ومجدا لا يمنع خيرا عن السالكين بالكمال (مز11: 84)

يعطي نعمة اعظم لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين واما المتواضعون فيعطيهم نعمة. (يع6: 4)

يعطيكم السيد خبزا في الضيق وماء في الشدة لا يختبئ معلموك بعد بل تكون عيناك تريان معلميك (اش20: 30)

يعلم يدي القتال فتحنى بذراعي قوس من نحاس (مز34: 18)

يعلي المسكين من الذل ويجعل القبائل مثل قطعان الغنم. (مز41: 107)

يعمل رضى خائفيه ويسمع تضرعهم فيخلصهم. (مز19: 145)

يعود يرحمنا يدوس اثامنا وتطرح في اعماق البحر جميع خطاياهم (مى19: 7)

يعوزك شيء واحد اذهب بع كل ما لك واعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني حاملا الصليب. ) مر21: 10)

يغني لساني باقوالك لان كل وصاياك عدل (مز119:  172)

يفتح ولا احد يغلق ويغلق ولا احد يفتح. (رؤ7: 3)

يفترى علينا فنعظ صرنا كاقذار العالم ووسخ كل شيء الى الان. (1كو13: 4)

يفرح الصديق بالرب ويحتمي به ويبتهج كل المستقيمي القلوب (مز10: 64)

يفرح جميع المتكلين عليك الى الابد يهتفون وتظللهم ويبتهج بك محبواسمك (مز11: 5)

يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون (مز18: 22)

يقطع الرب جميع الشفاه الملقة واللسان المتكلم بالعظائم (مز3: 12)

يقطع الرجلين يشرب ظلما من يرسل كلاما عن يد جاهل (ام6:  26)

يقودك الرب على الدوام ويشبع في الجدوب نفسك وينشط عظامك فتصير كجنة ريا وكنبع مياه لا تنقطع مياهه. (اش11: 58)

يقودك من وجه الضيق الى رحب لا حصر فيه ويملا مؤونة مائدتك دهنا (اى16: 36)

يقول الانسان ان للصديق ثمرا انه يوجد اله قاض في الارض (مز11: 58)

يقوم الله يتبدد اعداؤه ويهرب مبغضوه من امام وجهه (مز1: 68)

يقيم المسكين من التراب يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسي المجد (1صم2:   8).

يقيم لك الرب الهك نبيا من وسطك من اخوتك مثلي له تسمعون (تث18:  15).

يقيمك الرب لنفسه شعبا مقدسا كما حلف لك اذا حفظت وصايا الرب الهك وسلكت في طرقه (تث28:  9).

يكافئني الرب حسب بري حسب طهارة يدي يرد لي (مز20: 18)

يكفي التلميذ ان يكون كمعلمه والعبد كسيده ان كانوا قد لقبوا رب البيت بعلزبول فكم بالحري اهل بيته.(مت25: 10)

يكفيكم يا رؤساء اسرائيل ازيلوا الجور والاغتصاب واجروا الحق والعدل ارفعوا الظلم عن شعبي يقول السيد الرب. (حز9: 45)

يكون الرب ملكا على كل الارض في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده. (زك9:  14)

يكون في ذلك اليوم ان اصل يسى القائم راية للشعوب اياه تطلب الامم ويكون محله مجدا (اش10: 11)

يكون مجد الرب الى الدهر يفرح الرب باعماله (مز104:  31)

يمتلئ فمي من تسبيحك اليوم كله من مجدك (مز8: 71)

يمين الرب مرتفعة يمين الرب صانعة بباس (مز16: 118)

يمينك يا رب معتزة بالقدرة يمينك يا رب تحطم العدو(خر15:  6).

ينبغي ان اسير اليوم وغدا وما يليه لانه لا يمكن ان يهلك نبي خارجا عن اورشليم. (لو33: 13)

ينبغي ان اكون فيما لابي. (لو49: 2)

ينبغي ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. (لو42: 11) و.(مت23:  23)

ينبغي ان ذلك يزيد واني انا انقص. (يو30: 3)

ينبغي ان نفرح ونسر لان اخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد (لو32: 15)

ينبغي ان يصلى كل حين ولا يمل. (لو1: 18)

ينبغي ان يطاع الله اكثر من الناس. (اع29: 5)

ينبغي لنا ان نضع نفوسنا لاجل الاخوة. (1يو16: 3)

ينجيك من فخ الصياد ومن الوبا الخطر (مز3: 91)

ينخفض الانسان وينطرح الرجل فلا تغفر لهم. (اش9: 2)

ينطقني بالقوة ويصير طريقي كاملا (مز32: 18)

ينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني. (لو23: 9)

يهدئ العاصفة فتسكن وتسكت امواجها. (مز29: 107)

يوجد اله في السماوات كاشف الاسرار وقد عرف الملك نبوخذنصر ما يكون في الايام الاخيرة حلمك ورؤيا راسك على فراشك هوهذا (دا28: 2)

يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الانسان يسوع المسيح. (1تى5: 2)

يوجد ذهب وكثرة لالئ اما شفاه المعرفة فمتاع ثمين. (ام15: 20)

يوجد رجاء لاخرتك يقول الرب فيرجع الابناء الى تخمهم (ار17: 31)

يوجد من يتغانى ولا شيء عنده ومن يتفاقر وعنده غنى جزيل. (ام7: 13)

يوجد من يفرق فيزداد ايضا ومن يمسك اكثر من اللائق وانما الى الفقر.(ام24: 11)

يوجد من يهذر مثل طعن السيف اما لسان الحكماء فشفاء. (ام18: 12)

يوحنا شهد له ونادى قائلا هذا هوالذي قلت عنه ان الذي ياتي بعدي صار قدامي لانه كان قبلي. (يو15:  1)

يوسف غصن شجرة مثمرة غصن شجرة مثمرة على عين اغصان قد ارتفعت فوق حائط.(تك49: 22)

يوسف مفقود وشمعون مفقود وبنيامين تاخذونه صار كل هذا علي (تك42:  36).

يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك (مز11: 91)

يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام (اش6: 9)

يولولون على مضاجعهم يتجمعون لاجل القمح والخمر ويرتدون عني. (هو14: 7)

يوم الرب قريب لان الرب قد اعد ذبيحة قدس مدعويه. (صف7: 1)

يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء. (1تس2: 5)

يوم الممات خير من يوم الولادة (جا1: 7)

يوم الى يوم يذيع كلاما وليل الى ليل يبدي علما (مز2: 19)

يوم امسكتهم بيدهم لاخرجهم من ارض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب. (ار32: 31)

يوما واحدا عند الرب كالف سنة والف سنة كيوم واحد. (2بط8: 3)

يوما واحدا في ديارك خير من الف ) مز10: 84(

مع انه لم يترك نفسه بلا شاهد وهويفعل خيرا يعطينا من السماء امطارا وازمنة مثمرة ويملا قلوبنا طعاما وسرورا.(اع17: 14)

 

آيات مسيحية بحرف ي – آيات من الكتاب المقدس بحرف (الياء)

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل السادس عشر:  إني أحتج صارخاً

          ونحو الساعة التاسعة والنصف صباح يوم الجمعة ، عاد الموكب الحزين إلى بيلاطس ، وعندما سمع بيلاطس وهو بالداخل أصوات الغوغاء ، أدرك لوقته أن هيرودس قد أعاده إليه ، فبعد أن تنفس الصعداء ، وظن أنه قد إنتهى من تلك القضية بإرسال يسوع إلى هيرودس ، فإذ بعقارب الساعة تعود للخلف ، وعادت تظهر في الأفق الوجوه الكالحة لرؤساء الكهنة ومشايعيهم بسماجتهم ورزالاتهم 00

          عاد قائد المئة وجنوده بالأسير إلى داخل القلعة ، حيث أبلغ القائد الوالي بما كان ، بينما ظل الرؤساء والشعب خارج دار الولاية في قلق بالغ 00 ماذا سيفعل بيلاطس بعد كل هذا العناء ؟! 00 إنها الفرصة الأخيرة 00 وإذ بدأوا يشعرون أن قتل الأسير بات أمراً بعيداً إلى حد ما جن جنونهم ، وفقدوا وقارهم ، وأخذوا يُحرّضون الشعب علانية ، فلا بد من تكثيف الضغوط على بيلاطس بكل طريقة شرعية أو غير شرعية 00 لقد غدت مسألة حياة أو موت 00 وجود أو عدم 00 حتى صار المشهد مشهداً لم تشهده أورشليم من قبل0

          وخرج بيلاطس متوعك المزاج إلى جباثا ، وعاد للجلوس على كرسي الولاية ، وهو يُجهِد تفكيره كيف يُخلّص الأسير البرئ من أنياب الضباع ، ولاسيما أن هيرودس يتفق معه تماماً على براءة الرجل ، فتفتق ذهنه عن فكرة شيطانية أضرت يسوع كثيراً 00 أشار بيلاطس إلى الجموع فسكتت الجلبة والضوضاء ، وصار هدوء عظيم فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظمـاء والشعب وقال لهـم قد قدمتـم إليَّ هذا الإنسان كمن يفسد الشعب ، وها أنا قد فحصت قدَّامكم ولم أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه ، ولا هيرودس أيضاً لأني أرسلتكم إليه ، وها لا شئ يستحق الموت صُنِعَ منه 0 فأنا أؤدبه وأطلقه00

          هوذا الوالي الروماني يقول لليهود  ” فحصت قدامكم ” أي أنني أجريت التحقيق العادل معه أمامكم ، وها أنتم شاهدون على سلامة التحقيق ، وأنه جرى طبقاً للعدالة الرومانية بلا تحيز ولا محاباة 00 ثم يقول ” لأني أرسلتكم إلى هيرودس ” أي أنني لم آخذ رأي هيرودس سرَّاً ، إنما كان الأمر علانية أمامكم ، فأنتم الذين ذهبتم وسمعتم شهادة هيرودس عنه 00

وقال بيلاطس في نفسه لأحكم عليه بالجلد ، ولو أن هذا الحكم ضد الحق لكن علَّه يُرضي جميع الأطراف ، عندما يبصرون جسده مهلهلاً من أثر الجلدات الرومانية ، لابد أن هذا سيريحهم ويرضيهم ويُسكّن غضبهم ، وحينئذ تتحرك قلوبهم شفقة على إبن وطنهم ، ويعفون عنه ، فيفوز يسوع بالحياة00 وهكذا أصدر بيلاطس أمره : ليُجلَد يسوع0

وإنتظرت الجماهير كلمة من رؤساء الكهنة الذي وثقوا فيهم ، وإذ أظهر هؤلاء الرؤساء إستيائهم ومصمصوا شفاههم ، هـاج الشعب وماج 0 وبينما إنصرف بيلاطس إلى داخل دار الولاية ، لم يكف الشعب عن الصياح والهياج ، وجند الرومان مُقيَّدون بكلمة بيلاطس ، وهم يتمنون من عمق قلبهم أي إشارة بسيطة مـن بيلاطس ، ليؤدبوا هذا الشعب ويذبحوا رؤوس الأفاعي 00

عجباً 00 الوالي الأممي يحكم ببراءة يسوع ، ورؤساء وقضاة ورعاة إسرائيل يطلبون سفك الدم الذكي 00 أنظروا إلى أي درجة إنحط هؤلاء القوم بسب أحقادهم وضغائنهم على المُعلّم0

وأنت بابيلاطس مادمت تعترف ببراءة يسوع ، وتدرك تماماً أنهم أسلموه حسداً ، فلماذا تُسلّمه للجلدات القاتلة بحجة أنك تؤدبه ؟!00 هل يسوع يحتاج تأديبك أيها الوالي ؟! 00

أتريد أن تُؤدّب المُؤّدب الشافي طبيب الأجساد الأرواح الذي بلا خطية وحده ؟! 00

أتريد أن تُؤدّب من نسمة حياتك في يده ؟!

أتؤدبه من أجل حبه الفياض لك ولكل البشرية ؟!

أتؤدب الحب الذي أسكت ملاك الله لئلا يشقك بسيفه الناري ؟

يابيلاطس 00 كيف يرتضي قلبك وتوافق عدالتك على طرح إنسان برئ للجلدات التي قد تقضي عليه ؟!

أين هيبتك يارجل ؟! 00 وكيف يتأتى هذا ؟! 00 أتحكم ببراءته وتريد أن تؤدبه ؟!

أتلتمس من الغوغاء أن يسمحوا لك بأن تؤدبه وتطلقه ، وهم يرفضون هذا ؟! 00

أتتحول من حاكم إلى محكوم ؟! 00

وكيف تسير وراء هوى شعب فاسد عوضاً عن أن يخضع الشعب لسيف العدالة الذي تحمله ؟! 00

مالك تدخل السياسة في القضاء ؟! 00

ومالك تساوم على عدالة روما ؟! 00

ألم تسمع القول الروماني المأثور والذي يعتبر دستور القضاة ” أقم العدل ولو تسقط السماء ” ؟! 00

ألا ترى أن هذه هي الخطوة الأولى في طريق التنازلات ، ولكنها لن تكون الأخيرة ؟! 0

          وأخذ جند بيلاطس يسوع إلى القشلاق ، وربطوه إلى عامود الجَلد القصير ، فإتخذ جسده شكل القوس ووجهه متجه إلى أسفل 00 ووقف جلادان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره 00 أحدهما يظهر كالعملاق ، والآخر قصير القامة ولكن علامات التحدي تظهر عليه ، وجلس قائد المئة أمام منضدة صغيرة يرقب الموقف ، فهذه فرصة رائعة للرومان للإنتقام من اليهود الملاعين الذين لا يكفـون عن المشاغبات وأحياناً ينجحون في إغتيال بعضهم ، وقد سمعوا أن هذا الرجل يريد أن يكون ملكاً على اليهود ليطرد الرومان شر طردة 00 إذاً الويل كل الويل لهذا الرجل ، كان خير له لو لم يُولَد 0

          أما السوطان اللذان أُستخدما في الجلد فكل منهما له يد خشبية مخروطة بطريقة تمكن الجندي من القبض عليه جيداً ، وينبثق منه ثلاثة سيور ، كل منها ينتهي بقطعتين من العظم أو الرصاص تحفران جروحاً غائرة في الجسم ، وهذا النوع من السياط يعتبر أصعب أنواع الشيطان ويُدعى بـ ” العقارب ” وهو ما قصده الملك رحبعام بن سليمان في حديثه مع رؤساء بني إسرائيل عندما قال لهم ” أبي أدبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب ” ( 1مل 12 : 11 )0

          إرتفعت السياط لتهوي على ذاك الجسد الرقيق العاري ، وكل جلدة تئز ، وتُصفّر ، وترتطم بالجسد ، فتترك ثلاثة علامات دامية في الجسد المقدَّس بالإضافة إلى ستة جروح غائرة ، تدفع الذي يُجلد أن يتلوى محاولاً جذب يديه من القيود0 أما يسوع فلم يفعل هكذا 00 لقد تحمل ضربات السياط القوية من الجلادين اللذين دخلا في منافسة غير شريفة على تمزيق جسده الطاهر 00 نظر الجلاد الضخم إلى زميله قصير القامة نظرة إستهانة ، فأراد الأخير أن يثبت قدراته ،  وتحدى الإثنان بعضهما البعض أيهما تكون ضرباته أشد إيلاماً وأقدر على تمزيق الجسد المقدَّس 00 الدماء تسيل من الجسد الجريح المتهرئ تصرخ وتحتج على قسوة الإنسان الذي أسلم نفسه للشيطان 00 لقد نفث الشيطان سمومه في هذين الجنديين ، فتصوَّر كل منهما أنه في معركة حامية الوطيس ، فيشب ويهبط بسوطه على جسم الضحية ، وكأنه بطل مغوار غازي يعبر البحار ويفتح القلاع ، ولا يدرك أن ما يقوم به هو عمل وحشي يستهجنه العقل ويرفضه الوجدان0

          وكلما إنتفض ذاك الجسد الطاهر وآنَّ وتأوه ، كلما إرتفعت ضحكات وسخرية الجنود 00 آه 00 ياملك اليهود 00 رفقاً بمن سيحرر البلاد 00

وكلمـا أوشك يسوع أن يفقد قوته وينهار راكعاً على قدميه ، فإنه يجاهد ويتشدد 00

ولم يكن للضربات وجهة محدَّدة ، بل أباحوا الجسد كله للسياط ، وعندما تهبط إحدى الضربات بالقرب من الرأس تلف الرأس وتدور ، بالإضافة إلى الدم المندفع في الرأس يجعلها تكاد تنفجر 00

إنها آلام فوق الوصف 00 كل جرح ينبض بالألم 00

إن الجلد يتهرأ ، والشرايين تتعرى ، وطبقات داخلية من الجسد الطاهر تنكشف 00

إنها لسعات الحيَّة القديمة تنهش ذاك الجسد الطاهر 00 ألم يقل الكتاب أنها تسحق عقبه ؟!

وإن كان الإنسان عندما يتعرض لألم فوق الطاقة يدخل في مرحلة الغيبوبة واللاوعي ، ويفرز الجسم المواد المخدرة التي تسكن الألم ، فإنه في حالة الجَلد يظل الإنسان يقظاً مهما إشتعلت آلامه ، ولا يغيب الإنسان عن وعيه إلاَّ إذا إنطلقت روحه من جوفه0

          وأيضاً لم يلتزم هؤلاء الجنود بعدد معين من الضربات 00 إفترش جسد يسوع بالجروح التي تعدت السبعمائة جرحاً ” على ظهري حرث الحُرَّاث 0 طوَّلوا أتلامهم ” ( مز 129 : 3 ) وكأن هذا الجسد أرضاً يشقها المحراث بسلاحه القوي فيتركها أخاديد ، وهكذا خطت الجلدات على ظهر يسوع خطوطاً كالتي يخطها المحراث ” بذلت ظهري للضاربين ” ( أش 50 : 6 ) وصنعت الدماء مع الجسد الذي تهرأ ثياباً قرمزية ليسوع ، مما دعى أشعياء النبي للتساؤل ” من ذا الآتي من آدوم بثياب حُمر من بصره 00 مابال لباسك مُحمـرُ وثيابك كدائس المعصرة ” فأجابته أنَّات يسوع ” قد دستُ المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد 0 فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي فرُش عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي ” ( أش 63 : 1 – 3 ) 0

لمن هذه الجلدات يايسوع ؟!

إنها لكل إنسان قاتل سفاح 00 لكل زانٍ مستبيح 00 لكل لصٍ سالب 00 لكل مجدف جاحد 00 لكل ظالم مستبد 00 لكل خاطئ أثيم 00

إنها لا تخصك أيها الطاهر القدوس 00 فلِمَ تحتملها ؟!

إنني أصرخ بأعلـى صوتي 00 إنني أحتج أحتج 00 أحتج يايسوع 00

وأسمع همسات قلبك : علآم تحتج ياحبيبي 00 أتحتج على قسوة الإنسان ؟!

وأصرخ ويعلو صوتي : كلاَّ 00 إن إحتجاجي على هؤلاء الوحوش لا يفيد 00 فمن يسمع ومن يصغي ؟! لا أحد 00

لكنني أحتج وسأظل أحتج وأصرخ بأعلى صوتي 00

وأسمع همسات حبك : علآم تحتج يا إبني ؟!

إني أحتج وأصرخ وأملأ الدنيا صياحاً ودموعاً وضجيجاً : إنني أحتج عليك 00 أحتج عليك يا يسوع 00 يا إلهي 00

وإذ أصغى لنبضات حبك : علآم تحتج عليَّ ؟!

إنني أصيح بأعلى صوتي وأقول : لماذا يا ربي 00 لماذا يا إلهي تترك نفسك فريسة هكذا ؟! 00 من يتصوَّر هذا المنظر ولا يذوب قلبه ؟!00 من ينظر إليك ولا يحترق فؤاده ؟!

وأسمع صوتك الحاني المتهدج : كل هذا من أجلك يا إبني 00

وأكاد أصرخ : لا 00 لا 00 لا أستحق 00 لتكف هذه الجلدات اللعينة 00 وليكن ما يكون ، حتى لو ذهبتُ أنا للجحيم 0

وإذ بيدك الحانية تبكم فمي ، وإذ بنبضات قلبك تأسرني 00

فأصرخ : إن كنت يارب لا أقدر أن أرفع عنك هذه الجلدات ، فلتجعلني مستحقاً أن أُجلد معك ، وعندما تقع الجلدة على ظهري 00 هل سأكون راضياً شاكراً أم إنني سأطلق من جوفي حمماً من الأهات والأنات والنرفذة والزربنة والإنفعالات المرة ؟! 00 إذاً إن كنت تسمح لي يا سيدي بأن أُجلد معك ، فقط أعطيني القوة للإحتمال والرضى والشكر0

          ونهض قائد المئة من جلسته أكثر من مرة ، يقترب من يسوع ويرمقه بنظرات فاحصة ويتركه لجلاديه 0 وفي المرة الأخيرة لاحظ قائد المئة يسوع وهو يلهث ، وصدره يعلو ويهبط بسرعة ، وصارت أنفاسه متقطعة ، فعلم أن يسوع وصل إلى نهاية مداه ، وبضع جلدات أخرى ستقضي عليه حتماً ، فرفع يده ، ورفع الجلادان أيديهما عنه ، وإن كان الجلادان قد أُنهكا إلى هذه الدرجة فما بالك بيسوع نفسه ؟! 0 وما أن قطع أحدهم الحبل الذي يربط يسوع بعمود الجلد حتى سقط شبه مغشياً عليه مرتطماً بالأرض الحجرية ، وتقدم جنديان يقيمانه ويجلسانه ، وجسمه يلتهب ناراً ، إذ هو مسخَّن بمئات الجروح0

          وكل ما حدث لم يشبع نهم الشيطان ولم يقنع الجنود الرومان 00 لقد تناثرت الأقوال وإنتشرت الإشاعات في القشلاق : هل رأيتموه ؟ 00 أرأيتم ملك اليهود ؟! 00 هيا لنقدم له الإكرام والسجود ، وصدق الجنود الرومان الإشاعات اليهودية أكثر من سيدهم بيلاطس الذي حكم ببراءته أكثر من مرة ، فوجدوا فرصتهم لّلهو والتسلية ، فطرح عليه أحدهم رداءاً قرمزياً موشحاً إياه بوشاح الملوك : عش أيها الملك إلى الأبد 00 فهذا رداء الملوك0

وقال آخر : وأين تاج الملوك 00 يعوزه تاجاً أيها الأبطال 00

أسرع ثالث بقص بعض فروع من الأشواك الحادة ، وضفَّرها على شكل طاقية ووضعها على رأسه : مادمت أنت الملك فلابد لك من تاج الملوك00

          ووقف سليمـان الملك منذهلاً لمـا يجـري لملك السلام  ” إخرجن يابنات صهيون وإنظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه وفي يوم فرح قلبه ” ( نش 3 : 11 ) 00 إنه جاء ليقتلع من الأرض أشواك اللعنة ومن النفس أشواك الخطية 00 إن كبش إسحق الذي وُجِد مُمسكاً بقرنيه في الغابة (تك 22 : 13) كان رمزاً للمسيح المُكلَّل بالأشواك الآن 00 إنها الأمة اليهودية ، أمه بحسب الجسد ، هي التي أسلمته للرومان ، فكلَّلوه بالأشواك ، وصار يسوع هو الشخص الوحيد على مدار التاريخ كله الذي كُلل بالأشواك قبل صلبه 00

أحضر أحدهم قصبة ووضعها في يمينه قائلاً : هوذا صولجان المُلك أيها الملك السعيد 00

وأخذوا يسخرون منه ويجثون أمامه مقدمين له التحية : السلام ياملك اليهود 00

وهم يجهلون أنه هو الوحيد الذي تجثوا بإسمه كل ركبةٍ ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض0

          ولمعت فكرة جهنمية في ذهن أحد أبناء إبليس ، إذ أمسك بقصبة وضربه ضربات قوية ومتلاحقة على رأسه 00 إنغرست الأشواك في فروة الرأس والجبين فأحدثت إثنى عشر ثقباً سالت منها الدماء في خطوط متشابكة على الوجه المُتورّم والعينين الشبه مغلقتين وخصلات الشعر ، ونتج عن هذه الأشواك آلام نارية بالرأس جعلته يحرك رأسه يميناً ويساراً 00

وتركتُ دموعي تنساب تسأله : كيف وخز الأشواك يا يسوع 00 ؟!

أقطرَ جبينك دماً وعرقاً ؟!

أسالتْ دموعك من شدة الألم ؟!

هل إختلطت دموعك بدمائك بعرقك لتصنه دواءاً لكل من دوخته أفكار الشر ؟!

ووقف ميخا النبي مشدوهاً يشهد  ” يضربون قاضي إسرائيل بقضيب على خده ” ( مي 5 : 1 )

وصار يسوع كحمل قائم وكأنه مذبوح00

          ولم يكتفوا بهذا ، بل إذ تزاحمت عليه كل الكتيبة نحو ستمائة جندي ، ورقصت الشياطين رقصتها بقيادة لوسيفر حول إبن الإنسان الذي طالما قهرها وأذلها ، راح البعض يبصق عليه 00 والبعض يركله ، وهو لم يحاول أن يرد وجهه عن خزي البصاق 00 لم يحاول أن يدفع الأذى عنه 00

لقد إمتزجت الأخلاق الوضيعة مع الشراسة الشيطانية في تلك النفوس التي تَوحَّشت ، فوقف أرميا يرنم حزيناً باكياً  ” يعطي خده لضاربه 0 يُشبع عاراً ” ( مرا 3 : 30 ) 0

وإذ أحاطت به كل الكتيبة كأسود ضارية تنشب أظافرها في الفريسة وهي تلهو بها قبل أن تفترسها ، رنم داود بلسان يسوع ” أحاطت بي ثيران كثيرة أقوياء باشان إكتنفتني 0 فغروا عليَّ أفواهم كأسدٍ مفترس مزمجر ” ( مز 22 : 12 ، 13 )0

وتنهد أشعياء ناطقاً بلسان يسوع  ” بذلت ظهري للضاربيـن وخدَّيَّ للناتفين 0 وجهي لم أستر عن العار والبصق ” ( أش 50 : 6 ) 0

ووقف أيوب يصف وضع العبد المتألم  ” أما الآن فصرت أغنيتهم وأصبحت لهم مثلاً 0 يكرهونني 0 يبتعدون عني وأمام وجهي لم يمسكوا عن البسق ” ( أي 30 : 9 ، 10 )0

حقاً لقد نجح الشيطان في تمزيق جسد يسوع ، ولكنه لم يفلح قط في تمزيق حبه الخالد 00

نجح في كسر القارورة ، ولكنه فشل في منع أريج الحب من الإنتشار 00

نجح في تحطيم القشرة الخارجية ، فترأى للجميع بريق وروعة الحب الإلهي 00

وهمس يسوع :  الكأس التي أعطاني الآب ألاَّ أشربها00

عجيب أنت أيها الإبن في طاعتك لأبيك00

          ووقفت الملائكة في ذهول مما يجري لسيدها منذ دخوله للبستان وحتى هذه اللحظات الرهيبة ، التي سيقف التاريخ أمامها طويلاً طويلاً ، ولن يسبر أغوارها ولن يصل إلى أعماقها قط 00

كم كانت الملائكة تلتمس إشارة من سيدها لتدمر الأرض وكل ما عليها ، ولكن الله المتألم يضبطها بكلمته ، فالملاك خاضع ملتزم وليس كبطرس الذي لم يقدر أن يضبط نفسه ، فبمجرد أن رأى ملخس يقبض بقسوة على سيده قبض على سيفه وحدث ما حدث 00 من لي ببطرس الآن !!00 ليأتِ وينظر وينفطر قلبه وليس له إلاَّ أن يقول : لتكن مشيئتك يارب لا مشيئتي 00 لك القوة والمجد والبركة والعزة ياعمانوئيل إلهنا وملكنا 00

آه 00 لقد قاسيتَ يايسوع كل هذه الآلام القاسية والعذابات الوحشية التي تفوق الوصف والخيال 00 إنها تساوي كل الآلام والعذابات التي يستحقها الخطاة 00 كل الخطاة 0

          حدثت هذه المهزلة في دار الولاية التي هي ملجأ لكل إنسان مظلوم ، وكم قاسيت يا يسوع سواء من الجهات الدينية في بيت رئيس الكهنة ، أو من الجهات الدنيوية في دار الولاية ؟! 00 ورأيتُ الجور في مكان العدل ، والظلم في مكان الحق ، والعذابات الوحشية في مكان القضاء ، وتحوَّل مسرح العدالة إلى مسرح للشياطين 00 ولا أدري كيف صمتَّ أيها الوالي على هذه الممارسات غير الآدمية ؟! 00

وبعدما إستهزأوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه 00 لقد لصق الرداء بالجسد الذي تلطخ بالدماء ، فلم يخلعوا عنه الرداء بهدوء ، إنما نزعوه نزعاً فعادت الجروح تنزف من جديد ، وكأنها هي المراحم الإلهية ، فهي جديدة كل صباح 00

          وأخيراً أبلغ قائد المئة بيلاطس بإنتهاء المهمة ، فخرج إلى ” جبَّاثا ” وجلس على كرسي القضاء و ” جبَّاثا ” عبارة عن منصة مستديرة مرتفعة يصعد إليها القاضي بواسطة درجات رخامية تُدعى البلاط ، وتسمح للشعب أن يرى القاضي ويتابع الحوار0 وعندما رأى المتظاهرون بيلاطس إزدادوا صياحاً وصراخاً 00 لقد نجح رؤساء الكهنة ومشايعيهم في تضليل هذا الشعب الغفير ، وأصبح القلق والتوتر سيدا الموقف 00 الشمس تسـرع في طريقها ، والعيد يدق الأبواب ، ولو ظلت الأمور مُعلَّقة حتى مغيب الشمس فيسوع لن يُصلب إلاَّ بعد إنتهاء فترة الأعياد ، ومن يدري ما يمكن أن يحدث خلال هذه الفترة ( وكأنك يابو زيد ماغزيت )0

وأشار بيلاطس بيده فصمت الجميع وقال : ها أنا أخرجه إليكم لتعلموا إني لست أجد فيه علة واحدة0

وأشار بيلاطس البنطي إلى أحد ضباطه ، فأحضر يسوع أمام الشعب ، وأقبل يسوع 00 مُكلَّلاً بالأشواك ، وقد تسخَّن ظهره بالجراحات العديدة ، وتورم جلده المتهرئ ، وأثر الكدمات واللطمات على وجهه ، وقد نسجت الدماء حول جسده الممزق ثوباً قرمزياً ، ووقف يسوع تجتاحه آلام مرعبة بلا توقف ، فأخذ يترنح ويهتز إهتزازات خفيفة ، وهو يبذل قصاري جهده لكيما يحفظ توازنه بعد أن تهلهل جسده وجاز في عقوبة ” نصف الموت ” ومن جاز في هذه العقوبة كان ينبغي أن لا توقع عليه عقوبة أخرى 00 أنه منظر يفتت القلب ويذيب الفؤاد ، حتى لو كان هذا القلب قد كدَّ من صوان 0 أما قلب هذا الشعب فكان أقسى كثيراً من حجر الصوان0

          وأشار بيلاطس بيده فصار هدوء وكف الصياح ، وقال لهم بصوت جهوري :

هوذا الإنسان 00 إني لا أجد فيه علَّة 00

فصرخوا بصوت إرتجت له أورشليم : خذه 00 خذه إصلبه 00 وكأنهم يتبرأون منه إذ صار عار عليهم 00 الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلي0

ولو كان لدى بيلاطس دليلاً واحداً يدين يسوع لحكم عليه على الفور ، ولكن ما العمل وجميع الأدلة الدامغة تصرخ وتصيح وتُصرّح ببراءته ؟!!

 

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

Exit mobile version