الوسم: لمن كتب انجيل يوحنا
قانونية ومصداقية الكتاب المقدس – نور لسبيلي – أ. أمجد بشارة
قانونية ومصداقية الكتاب المقدس – نور لسبيلي – أ. أمجد بشارة
قانونية ومصداقية الكتاب المقدس – نور لسبيلي – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
وجود الله – الأدلة العلمية على وجود الله – أ. أمجد بشارة
وجود الله – الأدلة العلمية على وجود الله – أ. أمجد بشارة
وجود الله – الأدلة العلمية على وجود الله – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
مناقشة الاعتراضات حول لاهوت المسيح – لاهوت الإبن الوحيد – أ. أمجد بشارة
مناقشة الاعتراضات حول لاهوت المسيح – لاهوت الإبن الوحيد – أ. أمجد بشارة
مناقشة الاعتراضات حول لاهوت المسيح – لاهوت الإبن الوحيد – أ. أمجد بشارة
تحميل الكتاب PDF
رسالة 38 للقديس باسليوس – د. عادل زكري
رسالة 38 للقديس باسليوس – د. عادل زكري
رسالة 38 للقديس باسليوس – د. عادل زكري
تحميل الكتاب PDF
رسالة القديس باسليوس إلى الشباب عن كيفية الاستفادة من الأدب اليوناني – د. عادل زكري
رسالة القديس باسليوس إلى الشباب عن كيفية الاستفادة من الأدب اليوناني – د. عادل زكري
رسالة القديس باسليوس إلى الشباب عن كيفية الاستفادة من الأدب اليوناني – د. عادل زكري
تحميل الكتاب PDF
أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري
أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري
أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري
تحميل الكتاب PDF
الرسالة إلى ديوجينيتوس – بولين تدرى أسعد
الرسالة إلى ديوجينيتوس – بولين تدرى أسعد
الرسالة إلى ديوجينيتوس
فصل 1 : سبب كتابة الرسالة:
إنى أرى يا ديوجينيتوس أنك تبذل جهدًا عظيمًا لاستقصاء أخبار دين المسيحيين وأنك تستخبر عنهم بدقة وعناية. مَنْ هو الإله الذى يتكلمون عنه؟ وما هو نوع العبادة التى تجعلهم يحتقرون المادة ويهزءون بالموت ولا يعترفون بآلهة اليونانيين ولا يمارسون خرافات اليهود؟ وما سر المحبة المتبادلة بينهم؟ ولماذا انتشر هذا الدم الجديد أو الروح فى العالم اليوم لا قبل ذلك؟
أنا من صميم قلبى أرحب بذلك المطلب منك، وأتضرع إلى الله، الذى يمكِّننا نحن الاثنين من السمع والكلام، أن يهبنى أن أتكلم فى كل هذه الأمور، وفوق كل شئ أنك عندما تسمع سوف تنال بنيانًا، وأنت أيضًا تسمع منى أنا الذى أتكلم، أنه لا يوجد سبب يجعلنى أتأسف أننى تكلمت.
فصل 2: بطلان الأصنام:
تعال، إذن، بعد أن تنقى نفسك من كل تحيز يسيطر على فكرك، واترك جانبًا كل ما تعودت عليه، كشئ يمكن أن يخدعك، وإذ تصير إنسانًا جديدًا من البداية طبقًا لاعترافك بأنك ستكون مستمعًا لنظام العقيدة الجديدة (المسيحية).
تعال وتأمل، ليس بعينيك فقط بل بفهمك أيضًا، ما هو جوهر وما هو شكل أولئك الذين تعتبرونهم أنتم آلهة. أليس واحد منها حجرًا مشابهًا للحجر الذى ندوسه بالأقدام؟ أليس الثانى نحاس، ولا يزيد بأى حال عن الأوعية التى تُصَّنع للاستعمالات العادية الدارجة؟ أليس الثالث خشبة تتعفن بسهولة؟ أليس الرابع فضة، التى تحتاج حراسة من الإنسان لئلا تُسرق؟ أليس الخامس حديد، الذى يتآكل بالصدأ؟ أليس السادس فخار، ليس له قيمة أعلى مما يُصَّنع لأحقر الأغراض؟ أليست كل هذه الأشياء من مادة قابلة للفساد والتحلل؟ ألم يُصَّنعوا بالحديد والنار؟ ألم يشكِّل صانع التماثيل واحدًا منها، وصانع النحاس إلهًا آخر، وصائغ الفضة صنع ثالثهم، والخزاف رابعهم؟ أليس كل واحد من هذه التماثيل التى تم عملها عن طريق الصُنّاع المختلفين لتأخذ شكل الآلهة، كان من الممكن تغييره؟ ألم يكن من الممكن لهذه الأشياء التى هى الآن بشكل أوانى ومصنوعة من نفس المواد أن تتحول بيد صانع ماهر إلى تماثيل؟ أليست هذه التماثيل التى تُعبد منك الآن، يُعاد صنعها على أيدى صانعى الأوانى مثل الأخرى؟ أليسوا كلهم صُم؟ أليسوا كلهم عميان؟ أليسوا بلا حياة؟ أليسوا خاليين من الإحساس؟ أليسوا عاجزين عن الحركة؟ أليست معرضة أن يفسدها السوس؟ أليست كلها قابلة للفساد؟ هذه الأشياء التى تدعونها آلهة، وتخدمونها وتعبدونها، أنتم تصيرون مثلها. لذلك أنتم تكرهون المسيحيين، لأنهم لم يعتبروا هذه الأشياء آلهة. ولكن ألستم أنتم أنفسكم الذين تفكرون الآن وتفترضون أنها آلهة، تستخفون بها، أكثر مما يفعل المسيحيون؟ ألستم تهزؤون وتسخرون بها حينما تعبدون أشياء مصنوعة من الحجر والخزف، بدون تعيين أى شخص لحراستها، أما الأشياء المصنوعة من الذهب أو الفضة فتغلقون عليها ليلاً، وتعينون حراسًا بالنهار لحراستها، خشية أن تُسرق؟ وأيضًا ألستم بهذه الهدايا التى تقدمونها لها تعاقبونها بدلاً من أن تكرمونها ـ لو كان عندها أى إحساس؟ ولكن من ناحية أخرى لو أنها كانت خالية من أى تمييز فأنتم توبخونها على هذا الأمر بينما أنتم تعبدونها بالدم ودخان الذبائح؟ دع أى واحد منكم يعانى هذه الإهانات! دع أى واحد أن يحتمل أن تحدث له هذه الأشياء!، لا يوجد أى إنسان يحتمل هذه المعاملة إلاّ إذا أُجبر على ذلك، حيث إن عنده تمييز وعقل.
أما الحجر فهو يحتمل هذه المعاملة لأنه بلا إحساس. بالتأكيد أنت بتصرفك هذا (أى برش الدم عليه) تظهر أن إلهك لا يملك أى تمييز. والحقيقة إن المسيحيين لم يعتادوا أن يخدموا هذه الآلهة. ومن السهل علىَّ أن أجد أشياء كثيرة لأقولها بهذا الخصوص. ولكن إن كان ما قلته لا يبدو لأى أحد أنه كافٍ، فأظن أنه أمر عديم الجدوى أن أقول أى شئ آخر.
فصل 3: خرافات اليهود:
وبعد ذلك، أنا أتخيل أنك مشتاق جدًا أن تسمع عن هذه النقطة، وهى أن المسيحيين لا يلتزمون بنفس أشكال العبادة التى يمارسها اليهود. فإذا كان اليهود قد امتنعوا عن أنواع التقدمات الوثنية (التى شرحتها سابقًا)، واعتبروا أنه من الأفضل أن يعبدوا إلهًا واحدًا هو رب الكل، فهذا صواب. ولكن إذا عبدوا الإله الواحد بنفس الطريقة الوثنية فإنهم يخطئون خطأً عظيمًا. فعندما يقدم الوثنيون عطاياهم لهذه التماثيل الخالية من التمييز والسمع، فإنما يقدمون مثالاً للحماقة، ولكنهم من ناحية أخرى بتفكيرهم فى تقديم هذه العطايا لله كأنه محتاج إليها، فهذا يُعتبر حماقة وليس عبادة إلهية، لأن الذى خلق السماء والأرض وكل ما فيها، والذى يعطينا كل شئ نحتاج إليه، هو بالتأكيد لا يحتاج أى شئ من هذه الأشياء التى يمنحها للذين يظنون أنهم يوفرون له هذه الأشياء.
ولكن الذين يتخيلون أنه برش الدم ورفع بخور التضحيات والمحرقات يقدمون ذبائح مقبولة لدى الله، وأنهم بمثل هذا الإكرام يظهرون له الاحترام ـ هؤلاء بافتراضهم أنهم قادرون أن يعطوا أى شئ لمن هو غير محتاج لشئ، أرى أنهم لا يختلفون بأى حال عن الذين يمنحون الإكرام للأشياء التى لا تحس، ولذلك فهى غير قادرة أن تتمتع بهذه الكرامات.
فصل 4: الاحتراسات الأخرى عند اليهود
أما من جهة وسوستهم بخصوص اللحوم، وخرافاتهم من جهة السبوت، وتباهيهم بالختان، وخيالاتهم بخصوص الصوم وأوائل الشهور، والتى كلها مدعاة للسخرية وغير جديرة بالاهتمام، فأنا لا أظن أنك تحتاج أن تتعلم منى أى شئ عنها.
لأن قبول بعض الأشياء التى خلقها الله ليستخدمها الإنسان بحسب ما خُلقت له، ورفض البعض الآخر على أنه غير نافع وزائد عن الحاجة ـ كيف يمكن أن يكون هذا أمرًا مشروعًا؟ والإدعاء على الله كأنه هو الذى نهانا عن عمل الخير فى السبوت، كيف لا يكون هذا أمرًا ضد التقوى؟
وأن يتباهى الإنسان بختان الجسد على أنه برهان على الاختيار وأنهم بسببه يتمتعون بمحبة خاصة عند الله، كيف لا يكون هذا مادة للسخرية؟ وملاحظتهم للقمر والنجوم وتوزيعاتهم لحساب الأيام والشهور، وفهم مواعيد الله طبقًا لمداراتهم، واعتبارهم تغيير فصول السنة بعضها للأعياد أو للفرح وبعضها للحداد والحزن فكيف يُعتبر كل هذا جزءً من العبادة وليس بالأحرى مظهرًا من مظاهر الحماقة.
أظن الآن، أنك مقتنع تمامًا بأن المسيحية لها رأى سديد فى امتناعها عن خرافات اليهود والوثنيين وأخطائهم. فإذا ابتعدت عن روح الفضولية وغرور التباهى الذى لليهود فيجب أيضًا ألاّ تتوقع أن تتعلم عن سر عبادتهم الشكلية لله من أى إنسان.
فصل 5: سمو حياة المسيحيين
إن المسيحيين لا يختلفون عن سواهم من أبناء البشر في الوطن أو اللغة والعادات. والواقع هو أنهم لا يقطنون مدنًا خاصة بهم وحدهم، ولا يتكلمون لغة خاصة بهم، ولا يعيشون عيشة غريبة شاذة. وأن عقيدتهم ليست من مكتشفات أشخاص فضوليين خياليين متكبرين. ولا يؤيدون كغيرهم عقيدة من صنع البشر. ومع أنهم يسكنون في مدن يونانية وغير يونانية حسب نصيب كل منهم، ويسلكون بموجب عادات البلد الذي يحلون فيه من جهة الزى والطعام وأساليب المعيشة الأخرى، فإن أسلوب معيشتهم يستوجب الاعجاب والإقرار بأنه غير متوقع. تراهم يسكنون البلدان ولكنهم غرباء. هم يشتركون في كل شئ كمواطنين ولكنهم يحتملون كل ما يحتمله الغرباء. كل بلد أجنبى وطن لهم. وكل وطن لهم بلد غريب. يتزاوجون كغيرهم ويتوالدون. ولكنهم لا يهملون أولادهم ولا يعرضونهم للموت. يفرشون طعامهم للجميع ولكنهم لا يفرشون فراشهم. هم موجودون في الجسد ولكنهم لا يعيشون للجسد. يقضون أيامهم على الأرض ولكنهم مرتبطون بوطن سماوى. يطيعون القوانين المرعية لكنهم يتقيدون بأكثر منها في حياتهم الخصوصية. يحبون جميع الناس ولكن الجميع يضطهدونهم. تراهم مجهولين ولكنهم مُدانون. يُماتون ولكنهم يُعادون إلى الحياة. فقراء ولكنهم يغنون كثيرين. معتازين لكل شئ ولكنهم ينعمون بكل شئ. يُفترى عليهم ولكنهم يُبررون. يُشتمون ولكنهم يباركون. يُهانون ولكنهم يكرّمون الآخرين. يعملون الخير فيُجازون كأشرار، حينما يُعاقبون (بالموت) يفرحون كأنهم يُقامون إلى الحياة. يحاربهم اليهود كأنهم أجانب، ويضطهدهم اليونانيون. ومع ذلك فالذين يكرهونهم يعجزون عن ذكر سبب كراهيتهم لهم”.
فصل 6: المسيحيون هم روح العالم
وبالاختصار فإن المسيحيين للعالم كالروح للجسد. الروح تمتد إلى جميع أعضاء الجسد والمسيحيون ينتشرون في جميع مدن العالم. وكما أن الروح تسكن في الجسد وهى ليست منه، فهكذا المسيحيون فإنهم يسكنون في العالم ولكنهم ليسوا منه. وكما أن الروح غير المنظورة تُحبس في الجسد المنظور فهكذا المسيحيون فإنهم يعرفون مسيحيين في العالم ولكن تقواهم تظل غير منظورة. ومع أن النفس لا تسئ إلى الجسم فإن الجسم يكرهها ويحاربها لأنها تعيقه عن الانغماس في الملذات. والمسيحيون كذلك لا يسيئون إلى العالم ولكن العالم يكرههم لأنهم يقاومون ملذاته. والنفس تحب الجسد الذي يكرهها كما أن المسيحيين يحبون الذين يكرهونهم. وكما أن النفس تُحبس في الجسد ولكنها تحفظه، فإن المسيحيين أيضًا يحبسون في العالم ولكنهم هم الذين يحفظون العالم. وكما أن النفس الخالدة تسكن في خيمة فانية، فإن المسيحيين أيضًا يعيشون غرباء بين الأشياء الفانية منتظرين الخلود في السماء. وكما أن النفس تكون فى حال أفضل بتقنين المأكل والمشرب فإن المسيحيين يتزايدون رغم انهم يعاقبون. هذا هو الوضع الذى وكلهم الله به ولا يجوز لهم أن يتخلوا عنه.
فصل7 : ظهور المسيح:
المسيحية، كما قلت، ليست مجرد بدعة أرضية أتت إليهم، أو مجرد رأى إنسانى حافظوا عليه جيدًا، وليس مجرد ناموس ائتمنوا عليه، بل هو الله بذاته، القادر على كل شئ، وخالق جميع الأشياء، وغير المرئى، أُرسل من السماء، وعاش بين البشر، هو الحق، والقدوس كلمة الله غير المُدَّرك، والقائم بثبات فى قلوبهم. هو لم يرسل كما يتخيل أحد، أى خادم، أو ملاك، أو حاكم، أو أى شئ يدب على الأرض، ولا عَهِدَ بذلك لمن يحكمون الأشياء فى السماء، بل أرسل جابل وصانع كل الأشياء، الذى به صنع السماوات، وبه جعل حدًا للبحار، الذى تخضع له النجوم بحق، ومنه تستمد الشمس قوتها لتطيعه، وهو الذى يطيعه القمر ويضيء فى الليل، وتطيعه النجوم أيضًا فى مداراتها، بل زُينت كل الأشياء ووُضِعت فى حدودها، هو الذى تخضع له السموات وكل ما فيها، والأرض وكل ما عليها، والبحر وكل ما فيه؛ هو الذى يحكم النار والهواء والهاوية، وكل شئ فى الأعالى، وكل شئ تحت الأرض، وكل شئ بينهما. هذا (الكلمة) أرسله إليهم ليس لكى يتسلط عليهم ولا لكى يرعبهم، بل ليظهر رحمته ووداعته. فكما يرسل الملك ابنه، الذى هو ملك أيضًا، هكذا أرسل الله ابنه كإله، أرسله كمخلص للبشر ليفتش عنا لكى يقنعنا وليس ليقهرنا لأن العنف والإكراه ليسا من طبع الله. أرسله ليدعونا، وليس كمنتقم يتعقبنا، أرسله لمحبته لنا، وليس ليحاكمنا. ومع ذلك فهو سيأتى (فيما بعد) لكى يديننا، ومن يحتمل ظهوره؟.
ألاّ ترى كيف تعرض هؤلاء لهجوم الوحوش المفترسة لكى يجعلوهم ينكرون الرب، لكنهم لم ينهزموا؟ ألاّ ترى كيف أنهم كلما عُذب البعض منهم فإنهم يزدادون فى العدد؟ وهذا يبيّن أن هذا العمل ليس هو عمل إنسان بل هو قوة الله؛ هذه هى البراهين على ظهوره.
فصل 8: سوء حالة البشرية قبل مجيء الكلمة
مَنْ من الناس يملك القدرة على إدراك الله قبل مجيئه؟ هل سلّمت بغرور وسخافة أفكار الذين يثقون فى الفلاسفة؟ فمن هؤلاء من قال إن النار هى الله، الذى به خُلِقوا وأتوا إلى الوجود. والبعض الآخر يقول إن الماء هو الله. وآخرون منهم يعتبرون أشياء خلقها الله أنها هى الله. ولكن لو أن أى نظرية من هذه النظريات تستحق الاستحسان، فبالتبعية لابد أن نقر أن بقية الأشياء المخلوقة هى آلهة. ولكن هذا الإقرار مرعب وخاطئ وكلام غش.
وأيضًا إن الله لم يره أحد ولا عرفه، بل هو الذى أعلن ذاته. لقد أظهر ذاته بالإيمان للذين أُعطى لهم فقط. الله هو رب كل الأشياء وصانعها، وهو الذى وضعها فى أماكنها المختلفة. وهو أظهر ذاته ليس كمجرد صديق للبشرية فقط بل أظهر ذاته مشتركًا فى معاناتهم. الله كان دائمًا محبًا ويبقى محبًا، وسيقى كذلك على الدوام، وهو خالٍ من أى ميل للانتقام. هو إله حقيقى، وهو الوحيد الصالح. وله اتحاد عظيم يفوق الإدراك مع ابنه وحده. وكما حفظ سر حكمته مكتومًا لدرجة أنه يبدو كأنه يهملنا، وكأنه لا يعتنى بنا. ولكن بعد ذلك كشف عن الأشياء المُعدة لنا منذ البداية عن طريق ابنه الحبيب. فقد أنعم علينا بكل البركات مرة واحدة، ولذلك يجب علينا نحن أيضًا أن نشاركه فى العطاء ونكون جادين فى خدمته. مَنْ منا كان يتوقع هذه الأشياء؟ هو الذى كان يهتم بكل هذه الأمور فى عقله، ومن خلال ابنه على أساس العلاقة الأزلية بينهما.
فصل 9 : لماذا أُرسل الابن متأخرًا؟
فى سالف الزمان، ولدنا بدوافع عنيدة ولنا شهوات عديدة مُبتعدين عن كل الرغبات الصالحة. وليس معنى هذا أن الله كان مسرورًا بخطايانا، أو كان يسمح لنا بفرصة لعمل الشر، بل كان ـ ببساطة ـ يحتملنا. وكان يفتش عن عقل متيقظ وواعٍ لصلاحه وبره، حتى إذا اقتنعنا أثناء حياتنا بعدم استحقاقنا لنوال الحياة بأعمالنا الخاصة، عندئذٍ كان لابد أن يمنح الله لنا الحياة بسبب شفقته علينا. وإذ صار أمرًا واضحًا لنا أننا لا نستطيع أن ندخل إلى ملكوت الله بذواتنا فإننا نصير قادرين بقوة الله أن ندخل إلى ملكوته. ولكن حينما وصل شرنا إلى أقصاه وأصبح واضحًا أننا مستحقون للعقاب والموت، وحينما جاء الوقت المُعين من الله لإظهار قوته وصلاحه فإن حب الله الفائق جعله لا ينظر إلينا بكراهية، ولا أن يطردنا بعيدًا، كما أنه لم يذكر شرنا ويقيمه ضدنا، بل أظهر طول أناة عظيم جدًا واحتملنا حتى أنه حمل بنفسه ثقل خطايانا، إذ بذل ابنه الوحيد كفدية لأجلنا، القدوس من أجل العُصاة، والذى بلا لوم من أجل الأشرار، والبار من أجل الآثمة، وغير الفاسد من أجل الفاسدين، وغير المائت من أجل المائتين. فأى شئ آخر كان يمكن أن يستر خطايانا سوى بره؟ بأى شخص آخر كان يمكن تبريرنا نحن الأشرار وعديمى التقوى إلاّ بشخص ابن الله الوحيد؟ ما أجمل هذه المبادلة! ما هذا الفعل الذى يفوق الفحص، يا للبركات التى تفوق كل التوقعات! أن شر الكثيرين يُوضع على بار واحد، وبر واحد يبرّر عُصاة كثيرين!.
لذلك إذ قد اقتنعنا فى الزمان السابق على مجيء المخلص أن طبيعتنا كانت عاجزة عن البلوغ إلى الحياة، والآن إذ قد أُعلن المخلص القادر أن ينقذ أولئك الذين كان من غير الممكن إنقاذهم فيما سبق. بهاتين الحقيقتين أراد هو أن يقودنا لكى نثق فى لطفه وصلاحه ولكى نعتبره مصدر حياتنا، وأبانا، ومعلمنا، ومرشدنا، وشافينا، وحكمتنا، ونورنا، ومجدنا، وكرامتنا، وقوتنا، وحياتنا، حتى أننا لا نقلق أو نهتم من جهة الملبس والمأكل.
فصل 10 : بركات الإيمان:
إذا كنت ترغب أن تقتنى هذا الإيمان فيجب أن تحصل أولاً على معرفة الآب. لأن الله قد أحب البشر، الذين من أجلهم خلق العالم، واخضع كل شئ فيه لهم. وقد أعطاهم العقل والإدراك، وأعطى للإنسان وحده امتياز أن ينظر إلى الله. وهو الذى خلق الإنسان على صورته، ومن أجل الإنسان أرسل ابنه الوحيد، وأعطاه وعد ملكوت السموات التى سوف يعطيها للذين أحبوه. وعندما تدرك هذه المعرفة فإنك سوف تشعر بسعادة عظيمة جدًا، وتمتلئ بفرح فائق، وهكذا فإنك ستحب من أحبك أولاً. وإذا أحببته فإنك سوف تقتدى بصلاحه، ولا تدهش من كون أن الإنسان يمكن أن يتشبه بالله. هو يستطيع ذلك إذا أراد. ولذلك فهذا الإنسان لا يتسلط على جيرانه ولا يسعى للارتفاع فوق الضعفاء، ولا يسعى أن يكون غنيًا، وهو لا يكون عنيفًا تجاه من هم أقل منه. فمثل هذه الأمور لا توفر السعادة ولا يستطيع الإنسان بمثل هذه الأمور أن يكون متشبهًا بالله، فهذه الأمور لا تشكل عظمة الله. بل بالعكس فإن الإنسان الذى يحمل أثقال جيرانه ومهما كان أعلى من غيره يكون مستعدًا أن يتنازل للآخرين الذين هم أقل منه، وكل شئ يناله من الله يوزعه على المحتاجين. بهذه الأمور يصبح هذا الإنسان إلهًا بالنسبة للذين يساعدهم: وبذلك يكون متشبهًا بالله.
وعندئذٍ سترى وأنت لا تزال على الأرض أن الله الذى فى السماء يحكم الكون كله؛ وعندئذٍ سوف تبدأ بأن تتكلم عن أسرار الله، عندئذٍ ستجد نفسك تحب الذين يعانون الآلام والضيقات بسبب عدم إنكارهم لله وسوف تُعجب بهم؛ وسوف تستنكر الغش والضلال الذى فى العالم حينما تعرف ما معنى أن تعيش حقًا فى السماء. وسوف تحتقر ما يُعتبر هنا أنه موت، وذلك حينما تتعلم أن تخاف من الموت الحقيقى المحفوظ لأولئك الذين سوف يُحكم عليهم بالنار الأبدية، التى ستهلك أولئك الذين يُوضعون فيها إلى الأبد. وسوف تُعجب بأولئك الذين يحتملون النار للحظة من أجل البر، وسوف تحسبهم سعداء حينما تعرف طبيعة تلك النار.
فصل 11: هذه الأشياء جديرة بالمعرفة والتصديق:
أنا لا أتكلم عن أمور غريبة عنى، ولا أهدف لأى شئ يتعارض مع التفكير السليم. بل كتلميذ للرسل أصير معلمًا للوثنيين، أنا أنقل الأشياء التى استلمتها لكى أوصلها للتلاميذ الجديرين بالحق. لأن من يتعلم تعليمًا صحيحًا ويُولد من الكلمة المحب، فإنه لن يسعى أن يفحص بتدقيق فى الأمور التى أظهرها الكلمة لتلاميذه بوضوح، هؤلاء (التلاميذ) الذين إذ عرفوا الكلمة الذى ظهر لهم، فإنه كشف لهم بوضوح معرفة أسرار الآب، هذه التى لا يمكن أن يفهمها غير المؤمنين بل التلاميذ الذين حسبهم أمناء على أسراره. لذلك أرسل الله الكلمة لكى يظهر للعالم، هذا الذى احتقره اليهود، ولكن الوثنيين آمنوا به حينما بشرهم الرسل. هذا الذى كان من البدء، والذى ظهر الآن كأنه جديد، مع أنه موجود من القِدم، ولكنه مازال يولد من جديد فى قلوب القديسين. هذا الذى هو بلا بداية ولا نهاية، وهو الذى ندعوه اليوم الابن؛ الذى منه تغتنى الكنيسة وتمتلئ نعمة وتنتشر بكثرة وتزداد فى عدد القديسين. والنعمة تعطى الفهم، وتكشف الأسرار، وتُعلن الأزمنة، مبتهجة بالمؤمنين، معطية للذين يطلبون (الرب). فالرب يحفظ الإيمان بغير انكسار، كما أن الحدود التى وضعها الآباء الأولون لا يتجاوزها أحد. وعندئذٍ فإن مخافة الناموس يُرنم بها، ونعمة الأنبياء تُعرف، وإيمان الإنجيل يتأسس، وتقليد الرسل يُحفظ، ونعمة الكنيسة ترتفع.
أى نعمة تكون لك إذا كنت لا تتردد، بل إنك ستعرف تلك الأشياء التى بعلمنا إياها الكلمة بإرادته وفى الوقت الذى يستحسنه هو. فكل الأشياء التى ننطق بها بإرادة الكلمة الذى يوصينا، نحن ننقلها إليك بكل مشاعرنا، ومن محبتنا للأشياء التى قد كُشفت لنا.
فصل 12: أهمية المعرفة للحياة الروحية الحقيقية:
عندما تقرأ وتسمع بعناية هذه الأمور، سوف تعرف ما الذى أغدق الله به على الذين يحبونه بحق، إذ جعلهم فردوسًا للفرح (مثلكم)، إذ أنه أنشأ فى داخلكم شجرة تثمر كل أنواع الثمر الجيد ومزينة بالفواكه المتنوعة، وفى هذا الفردوس وضع شجرة المعرفة وشجرة الحياة، ولكن ليست شجرة المعرفة التى تهلك ـ فالعصيان هو الذى يؤدى إلى الهلاك. والكلمات المكتوبة ليست عديمة الأهمية، كيف أن الله منذ البداية وضع شجرة الحياة فى وسط الفردوس، كاشفًا لنا من خلال المعرفة، الطريق إلى الحياة. وحينما لم يستخدم أبوانا الأولان (آدم وحواء) هذه المعرفة بطريقة سليمة، فإنهما بغواية الحية تعريا. لأن الحياة لا يمكن أن توجد بدون معرفة، وكذلك المعرفة لا تكون فى آمان بدون حياة. ولذلك غُرس الاثنان (الشجرتان) بجوار بعضهما. وقد أدرك الرسول قوة هذا الارتباط بين المعرفة والحياة، ووجه اللوم على المعرفة التى بدون تعليم صحيح وكيف أنها تؤثر على الحياة وذلك بقوله: ” العلم ينفخ لكن المحبة تبنى” (1كو1:8). لهذا فالذى يظن أنه يعرف أى شئ بدون معرفة حقيقية أى بدون أن تشهد حياته لكلامه، فهو لا يعرف شيئًا، بل هو مخدوع من الحية وليس محبًا للحياة. ولكن الذى يجمع بين المعرفة والمخافة ويبحث عن الحياة فهو يزرع على الرجاء منتظرًا الثمر.
اجعل قلبك يحكّمك، واجعل حياتك تكون معرفة حقيقية تمتلئ بها فى داخلك. فإذ تحمل هذه الشجرة وتظهر ثمرها فإنك سوف تحصل على الأشياء التى يحبها الله، والتى لا تستطيع الحية أن تصل إليها، ولا الخداع أن يقترب منها؛ وعندئذٍ فإن حواء لن تفسد، بل ستكون موضع ثقة كعذراء؛ وعندئذٍ يظهر الخلاص، ويمتلئ الرسل بالمعرفة، وفصح الرب سيتقدم، وخوارس الخدام والشعب تجتمع معًا، بترتيب لائق، والكلمة يفرح بتعليم القديسين، الذى به يتمجد الآب: له المجد إلى الأبد. آمين.
الرسالة إلى ديوجينيتوس – بولين تدرى أسعد
رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى
رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى
العظة الثالثة
“ فإن كنت تحسبني شريكا فأقبله نظيري. ثم إن كان ظلمك بشئ أو لك عليه دين. فأحسب ذلك علّي. أنا بولس كتبت بيدي. أنا أوفي. حتى لا أقول لك إنك مديون لي بنفسك أيضًا” (عدد 17ـ19)
يا لهذه الكلمات الرائعة والملائمة جدًا التي من خلالها استطاع بولس أن يربح فليمون حينما وجه إليه مِثل هذه الكلمات. وكما سبق ورأينا نجد أن بولس لم يطلب ما يريده مباشرة ولكنه أظهر أولاً التكّريم والتبجيل الكثير نحو فليمون. وقد حرص بولس في رسالته إلى فليمون أن يهيئ نفسيته بكل الطرق, حتى يجعله يُظهر كل خُلق عظيم تجاه ما يطلبه منه فيما يخص أنسيمس. فبعدما قال عن أنسيمسس ” ابني“, ” الذي هو شريكي في الإنجيل“, “الذي هو أحشائى“, ” الذي أريدك أن تقبله كأخ“، أضاف: ” نظيري“. فبولس لا يخجل من أن يدعو أنسيمس بأنه أخ له, ولكن لعلنا نتساءل: ما مدي تأثير هذا القول علي فليمون؟ في الواقع إنى أري أن بولس من خلال كلمة ” نظيرى” يريد أن يقول: لو كنت يا فليمون لك نفس إيماني وتسير في نفس الطريق معي, وإذا اعتبرتني كصديق لك، فأقبل هذا الخادم كنظير لي, وأظهر له تمامًا ما تظهره لي أنا أيضًا.
“ ثم إن كان ظلمك بشئ“.
انظر أين ومتى يذكر ” سبب الضيق والغضب”, يذكره بعد أن ذكر كل شئ آخر, ولم يقل هذا إلاَ بعد أن عَدَدّ الصفات الصالحة لأنسيمس. فجميعنا يعرف أن فقدان المال يسبّب الضيق والغضب للناس. وكما أننا نجد أن بولس لم يتهم أحدًا ” لأنه من المحتمل أن تكون هذه الأموال قد صرفت ولم تسرق”, لأن توجيه تهمة إلي أحد لهو أمر مُحزِن، كما أننا نجده يذكر سبب الضيق بعد كل الأقوال السابقة، وحينما أوضح السبب لم يقل: “إن كان سرقك” ولكن قال ” إن كان ظلمك“، وفي هذا إقرار بذنب قد فعله هذا الخادم ولكن لم بدون جرح لمشاعر أنسيمس. فتعبير ” ظلم” يشير إلي أن ما حدث يمكن أن يحدث بين صديقين, ولهذا استخدم ” ظلمك” بدلا من ” سرقك”.
فاحسب ذلك علي……… أنا أوفي
يطلب بولس من فليمون ألاَ يتحمل أى أعباء ماليه ويعده بأنه سيسدد أى ديون. ولا يكتفي بهذا ولكن يتمم كلماته بما يعبّر عن فرحة روحانية فيقول: ” أنا بولس كتبت بيدي“. يا لهذا الأمر المؤثر والسار جدًا في نفس الوقت, ولكن هل لو لم ينفذ بولس وعده بأنه يوفي الدين هل يعني هذا تصريح لفليمون بأن يرفض أنسيمس؟! بالطبع لا, لأن هذا الأمر المؤكد من خلال الكلمات يجعل فليمون خَجِلاً ويدفعه إلي الطاعة وبهذا تُحَل المشكلة القائمة.
وما أريد أن أقوله هو أنه لا توجد كلمة أكثر رقة من كلمة ” أحشاء“، تلك التي استخدمها بولس هنا في رسالته, كذلك لا توجد كلمة تحمل كل معاني الجدّية مثل كلمة ” بيدى“. يا لهذا الاهتمام العظيم الذي يقدمه بولس حتى ولو من أجل نفس واحدة مثل نفس أنسيمس العبد الهارب.
وحتى لا أقول لك إنك مديون لي بنفسك أيضًا
هل من الممكن أن يكون بولس قد أراد إهانة فليمون بمثل هذا القول؟ ربما أن هذا سيكون صحيحًا في حالة لو أن الجملة كانت قد قيلت ليس علي سبيل الملاطفة. فبولس الرسول لديه ثقة كبيرة في فليمون, فهو يثق في أن طلبه مُجاب وسينال أنسيمس العفو عن السرقة وهو لديه ثقة أيضًا في أن فليمون سيفهم تلك الجملة بأنها قيلت علي سبيل الملاطفة وإعلان عن المحبة القائمة بينهما. ففليمون مَدين ليس فقط ببعض الأشياء ـ مثل أنسيمس المَدين ببعض الأشياء لفليمون ـ ولكنه مَدين بنفسه إلي بولس وهذا راجع لما بينهما من صداقة قوية. وهكذا نجد أن الرسول بولس يبرهن بكل الطرق علي ثقته في فليمون وعلي الدالة القوية التي يمتلكها تجاهه، وأن ما يطلبه سوف يتحقق بدون شك. ومن خلال تلك الجمل نجده في كل حين يحتاط لكليهما (أنسيمس وفليمون).
نعم أيها الأخ. ليكن لي فرح بك في الرب. ارح أحشائي في المسيح (عدد20)
ما هذه الجملة القصير والمركّزة جدًا والتي تحمل كل معاني الجدّية. ” نعم أيها الأخ” اقبله. في هذه الجملة يكرر الرسول بولس طلبه كما أنه يؤكد علي جدّية الأمر وخطورته. لأن تحقيق هذا الأمر هو رغبه نابعة من قلب القديسين أنفسهم, فالأمر لا يحمل في داخله أى مداعبه ” نعم أيها الأخ. ليكن لي فرح بك في الرب. ارح أحشائي في المسيح” فبولس يريد أن يقول: إنك تعطي هذا كله للرب وليس لي. وكلمة أحشائى تعني أن قلبي وكل مشاعري تتجه نحوك أنت وتنتظر رد فعلك.
إذ أنا واثق بإطاعتك. كتبت إليك (عدد21)
أى حجر لا يلين؟! أى حيوان مفترس لا يُستأنس بعد سماعه تلك الأقوال اللينة التي قيلت؟! فهذه الكلمات الرقيقة تجعل من فيلمون لا يلين قلبه فقط بل يصبح لديه الاستعداد التام لاستقبال أى شخص بكل ود ومحبة. وبعدما ذكر بولس كل الأشياء العظيمة التي فعلها من أجل فليمون, نجده يعضد موقفه أكثر لكن ليس بقوله: إني أطلب أو أوصي أو آمر بسلطان ولكن نجده يقول:” إني واثق من أنك ستطيعني ولهذا فإني كتبت إليك“. وكما وجدنا الرسول بولس قد بدأ رسالته مبيّنًا الدالة التي بينه وبين فليمون, نجده أيضًا يختم رسالته مشدِّدًا علي هذه الدالة وذلك بقوله: ” عالما أنك تفعل أكثر مما أقول” وبمثل هذه العبارة فإنه يحثه ـ في نفس الوقت ـ علي أن يفعل ما أراده منه.
ومع هذا, أعدِد لي منزلاً. لأني أرجو أنني بصلواتكم سأوهب لكم (عدد22).
إن هذا الطلب الذي يطلبه بولس من فليمون بأن يَعِد له منزلاً لهو دليل علي ثقته فيه ثقة مفرطة. كما إنه يحمل أيضًا داخله التأكيد علي الطلب الأول لبولس والذي هو طلب مصالحة أنسيمس وقبوله. ومن ناحية أخري فهذا القول لم يُقَل وحسب, ولكن قيل لأن بولس يعرف أن هناك أمورًا كثيرة تنتظر قدومه وتتطلب حضوره الشخصي. فمن خلال وجوده الشخصي تُحل كل الأمور المستعصية. فبولس كشيخ وقور خارج من سجنه ـ لأنه كان أسيرًا بسبب مسيحيته ـ هو مُشرِّف لأي شخص يحل ليسكن عنده. والأمر الآخر الذي نستنتجه من هذه الجملة هو محبة بولس لهؤلاء الذين يقول عنهم إنهم يصلون لأجله كثيرًا. فبالرغم من وجوده في الخطر حتى لحظة كتابة الرسالة فإنه يعلن رجاءه وثقته في صلواتهم التي بواسطتها سيُحل من قيوده.
يسلم عليكم ابفراس المأسور معي في المسيح يسوع (عدد23).
كان أبفراس قد أُرسِل إلي الكولوسيين, وهذا يدل أيضًا علي أن فليمون كان في كولوسي. ويدعو بولس أبفراس بـ” المأسور معي” مبيّنا بهذا أنه هو الآخر يمر بمحنة عظيمة. وبالتالي فإنه يلزم لفليمون أن يُنفذ ما طلبه بولس منه إن لم يكن من أجل خاطر بولس فلأجل أبفراس أيضًا. لأن من يوجد في محنة ويتغاضي عنها من أجل اهتمامه بمشاكل الآخرين لابد أن يُنفذ طلبه. وبطريقة أخرى أراد بولس أن يُخجِل فليمون طالما أن مواطنًا آخر مثله صار أسيرًا مع بولس ويعاني معه بينما هو لم يقدم معونة حتى بالنسبة لخادمه. ثم يوضح موقف إبفراس بقوله عنه أنه ” مأسور معي في المسيح يسوع“
ومرقس وأرسترخس وديماس ولوقا والعاملون معي (عدد24).
لعلك تسأل لماذا وضع اسم لوقا في آخر الأسماء؟ بينما في موضع آخر يقول ” لوقا وحده معى“[1]، وديماس أيضًا كيف يذكره بين العاملين معه وهو يقول عنه في رسالة أخرى ” قد تركني إذ أحب العالم الحاضر“[2] كل هذه الأمور قد شرحناها في مواضع أخري[3]. ولكن يجب ألاّ تمر هنا أيضا بدون تفسير ولا أن نسمعها كأشياء عادية ولكن لنا أن نتساءل, كيف يحسب بولس من بين العاملين معه ذلك الذي قال عنه إنه تركه؟ كما أنه يقول عن أرسترخس” أنه ” بقي في كورنثوس“[4] ثم يذكر أيضًا ” أبفراس” كأنهما معروفان لدي فليمون وعلي ما يبدو أنهم من نفس بلده, ومرقس نفسه ـ كإنسان جدير بالإعجاب ـ لماذا أتى وسط كل هؤلاء ويعد معهم ديماس؟.
ربما أن ديماس هذا قد أصبح أكثر كسلاً. وحينما رأى الخطر يتزايد ترك بولس ومضي. وعلي هذا الأساس حسبه من ضمن هؤلاء. أما لوقا فقد كان آخر وأصبح أولاً. وهنا يرسل بتحياته إلى فليمون وأيضا بالنيابة عن الجميع حاثًا إياه بالأكثر علي الطاعة, وحينما دعاهم بالعاملين معه فهو يريد بذلك أن يقنعه بالأكثر لكى يستجيب إلي طلبه
نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم امين (عدد25).
أنهى الرسول بولس رسالته بالصلاة التي يطلب فيها من أجل فليمون (ومن معه). وهذا لأن الصلاة هي فعل عظيم, إذ هي حافظة ومنقذة لأرواحنا. ولكن لكي تكون عظيمة يجب أن نكون مستحقين أن نقولها ولا تعود بدينونة علي أنفسنا. فأنت حينما تذهب للكاهن معترفًا بخطيئتك سوف يقول لك: ” ليرحمك الرب يا ابني” إن السر في هذا لا يكمن بما تعترف به بشفتيك فقط ولكن فيما تفعله أيضًا. فاعمل أعمالاً تجعلك مستحقًا للرحمة. إن الله سيباركك فعلاً لو صنعت أعمال الرحمة. وسيباركك لو أنك أظهرت أعمال الرحمة نحو رفيقك وجارك. إن الأمور التي نأمل في أن ننالها من قِبل الله هي نفس الأمور التي يتعّين علينا أن نظهرها نحن أولاً تجاه الآخرين. فلو منعناها عن رفقائنا كيف لنا أن نحصل عليها من الله؟ فالسيد يقول ” طوبي للرحماء لأنهم يرحمون“[5]، فلو أظهر الناس الرحمة تجاه الآخرين فكم وكم سيرحمنا الله. وبالتالي فلن تكون لعديمي الرحمة رحمة بأية طريقة ” لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل الرحمة“[6].
إن الرحمة هي فضيلة عظيمة فلماذا لا نمارسها مع الآخرين؟ هل تأمل في المغفرة، حينما تُخطئ؟، لماذا إذًا لا تعفو عن مَنْ أساء إليك. فأنت دائمًا تأتى إلى الله وتسأله أن يعطيك ملكوت السموات بينما لا تعطي صدقة لمن يسألك. ولهذا فإن الله لن يرحمنا طالما أننا لم نرحم الآخرين بعد. ولماذا؟ لأن الرحمة هي أن يرحم المرء غير الرحماء. لأن ذاك الذي يُظهر محبة لذلك الذي هو قاسي وشرس ويرتكب شرورًا غير متناهية في حق جاره, فكيف لا يكون هو نفسه غير محب للرحمة!!. لأنه سوف يقول ألم تخلصنا المعمودية مع أننا ارتكبنا شرورًا لا تُحصي. هل خلصتنا المعمودية من هذه الشرور لكي نعود إلي فعلها مرة أخرى أم لكي نتوب عنها؟. فبولس الرسول يقول ” الذين متنا عن الخطية. كيف نعيش بعد فيها“[7]. ” ماذا إذًا أنخطئ لأننا لسنا تحت الناموس حاشا“[8]. إن الله قد أعتقنا من الخطية حتى لا نرجع إلي خزي فعلها ثانية. فالأطباء دائمًا يريحون مرضاهم المحمومين من حرارتهم لا لكي يستخدموا صحتهم في فعل الشر والمخالفات (لأنه من الأفضل أن يكون الإنسان مريضًا ـ مع أنه سوف يُشفى ـ علي أن يُعافى كي يفعل الشر). لكنك تتعلّم من المرض أن تحاول ألاّ تعود إلي نفس المرض ثانية وذلك بأن تصون صحتك وتقي نفسك بأي وسيلة.
إنني غالبًا أسمع بعض منكم وهو يقول إن الله محب للبشر وسوف يخلّص ـ علي كل حال ـ نفوسنا, لكن لا تدعنا نخدع أنفسنا بمثل هذا الكلام وتعالوا نتكلم اليوم عن هذا الأمر.
في عظة سابقة قد كلّمتكم عن الجحيم غير أننى حينذاك قد أجلّت كلامي عن محبة الله , فمن المناسب جدًا أن نتكلم اليوم عن هذا الأمر. لأنه من المؤكد أنه سيكون هناك جحيم, ونحن لدينا ـ كما اعتقد ـ براهين كافيه كنت قد أشرت إلي بعضها حينما ذكرنا الطوفان وكل الأمور المماثلة وغير المحتملة. إن هذه الامور كانت كعقاب موجهه لهؤلاء الذين أخطأوا قبل الناموس. فهل نظن أن الذى صنع كل هذا من الممكن أن يترك أناس الزمن الحاضر ـ الذين يخطئون ـ بدون عقاب؟. أعتقد أنه سيعاقبهم لأنهم بعدما أخذوا النعمة صنعوا شرورًا أعظم. وبعد هذا الكلام يبقي السؤال كيف يكون الله الذي يعاقب البشر صالحًا, ومُحبًا لهم؟.
دعونا اليوم يا اخوة نبّين بالبرهان كيف أن الله صالح حتى وهو يعاقب البشر, لأن هذا الكلام أيضًا مناسب لنا في مقاومة الهراطقة. لننتبه لهذا. إن الله قد خلقنا بدون أن يكون محتاجًا لأي شئ منا. فهو خلقنا وهو المهتم باحتياجاتنا. فالله خلقنا من العدم بينما هو كائن بذاته قبل أن نوجد, ونحن خُلقنا في وقت لاحق. فهو قد صنعنا وهو لا يحتاج لنا, هو صنع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها لأجلنا. أخبرني إذًا، أليست هذه كلها علامات علي صلاح الله ومحبته ـ وهناك أشياء أخرى ربما يأتى ذكرها ـ وللاختصار أقول إنه يشرق شمسه علي الأشرار والأبرار, ويرسل مطره علي الصالح والطالح[9] ولكنك لو تكلّمت مع أحد أتباع ماركيون[10] وسألته (بعد أن وضحت كل هذه الأمور السابقة)، ألاَ تكون كل هذه علامات علي صلاح الله ومحبته. فتجد الجواب. إن علامة الصلاح والمحبة هو أن الله لا يحاسب الناس علي خطاياهم, فلو حاسبهم لا يكون صالحًا! ولكني أقول لك: لأن الله يحاسب الناس فهذا دليل علي صلاحه. ولتوضيح هذا الأمر نقول, لو أن الله لم يحاسب الناس هل ستبقي الحالة الإنسانية الراقيه قائمة بعد ذلك؟, ألن تسقط في حالة من الحيوانية, فلو لم نخش الحساب من قِبل الله ولو لم ندرك أننا سوف نعطى حسابًا ونخضع تحت حكم الله علينا, فإننا سنفوق الأسماك التي تلتهم بعضها البعض, وقد نُشابه الذئب والأسد في وحشيتهم وافتراسهم. لو أن الله لن يحاسبنا وأقنعنا أنفسنا بعدم وجود حساب, فيا لها من فوضي عظمي وارتباك متناهي هذا الذي كان سيعم العالم؟! وكنا سنري متاهة خرافية أسطورية تملأ العالم. كنا سنري عدد لا نهائي من الجرائم والشغب. من كان سيحترم والده ومن كان سيكرم أمه؟[11] من كان سيترك اللذة والشرور؟ وهكذا كانت ستصير الأمور.
سأشرح أكثر بأمثله. إن أي شخص لديه عبيد, وقام هؤلاء العبيد بتحطيم سمعة عائلة سادتهم. فاحتقروا أشخاصهم. وسرقوهم وتعاملوا معهم كما لو كانوا أعداء, والسادة لم ينذروهم ولم يقوّموهم ولم يعاقبوهم ولا حتى أنّبوهم بكلمة. فهل هذا دليل علي صلاح هؤلاء السادة؟ في الحقيقة, أنا أرى, أنه كان يجب أن يعاملوهم بقسوة شديدة. ليس فقط لأن الزوجة والأولاد قد غُدر بهم من قبل هؤلاء الأشرار. ولكن أيضًا بسبب إن هؤلاء العبيد أنفسهم سيحطمون ذواتهم بسبب أعمالهم. لأنهم سيدمنون السكر والخلاعة والفجور وستكون فيهم شهوة حيوانية أكثر من أى حيوان. هل البرهان على الصلاح أن يُداس علي الطبيعة الانسانية ذات الروح النبيلة. ويحطم الانسان نفسه ويحطم الآخرين بجانبه أيضًا. سنوضح أيضًا كيف أن العقاب دليل علي الصلاح. وإذا كنت تكلّمت عن العبيد فإننى أيضًا أتكلّم عن السادة, فهم أيضًا يسقطون في هذه الخطايا بسهولة, فإذا كان هناك إنسان لديه أبناء وسمح لهم بأن يفعلوا أى شئ يريدوه, ولم يعاقبهم. ألن يجعلهم هذا يزدادون في شرورهم. وأني أسألكم الآن ـ بعد كل هذه الأمثلة التي بيّناها ـ هل كانت علامة الصلاح في العقاب أم في الرحمة؟ بالتأكيد كانت في العقاب. وهل سيختلف الأمر بالنسبة لله الأكثر صلاحًا؟ لا, لن يختلف لأنه صالح جدًا فهو قد أعد الجحيم من قبل.
أتريدون أن أذكر لكم أمرًا آخر يوضح بالأكثر صلاح الله؟ سأُبيّن بمثال آخر. إن الله لا يترك الإنسان الصالح كي يصبح شريرًا. لأنه لو كان لكل الأشخاص نفس المصير, سيتحوّل الكل إلى أشرار. ولكن وجود العقاب واختلاف المصير يعطي الصالحين ـ هنا فى الحياة ـ بعض العزاء. لنسمع قول المزمور ” يفرح الصديق إذا رأى النقمة. يغسل خطواته بدم الشرير“[12]. وهذا ليس معناه أن الصديق يشمت في الشرير ـ حاشا ـ ولكن حينما يري مصير الأشرار فإن هذا يجعله أكثر نقاءً وطهرًا. إن ذلك دليل عظيم علي اهتمام الله بنا. ولكن يبقي التساؤل ألاَ يجب علي الله أن يُنذِر فقط ولا يُعاقِب أيضًا؟ والإجابة هي: لو أن الله ينذر فقط ولا يعاقب ستقول في نفسك إنه فقط إنذار وتهديد وفي هذه الحالة, ألن تصبح أكثر كسلاً؟! وإن لم يكن العقاب حقيقة ألن تكون أكثر استرخاءً؟!.
لو أن أهل نينوى كانوا قد قالوا إن إنذار الله هو فقط تهديد ولن يتم التنفيذ. فقد كان من المحتمل ألاَ يتوبوا, ولكن بسبب أنهم تابوا فإن الله اكتفي بإنذارهم فقط. هل تأمل في أن يكون الأمر إنذار فقط؟
أنت تملك أن تجعل الأمر هكذا. لتكن إنسانًا أفضل وسيتوقف الأمر حينذاك عند الإنذار فقط. ولكن لو أنك بعد هذا احتقرت الإنذار فأنت ستجلب التجربة علي نفسك. فلو خاف الناس قبل الطوفان وتابوا لما تعرضّت حياتهم للتجربة الحقيقية. فليمنع الله عنا كل هذه الأمور. ويهبنا من الآن فصاعدًا رحمته. لنكن حكماء في كل ما نفعل كي نكون جديرين بالبركة التي تفوق التعبير عنها. ويجعلنا مستحقين كلنا أن ننال منه النعمة والمحبة التي لربنا يسوع المسيح. الذي له مع الآب والروح القدس العظمة والقدرة والإكرام الآن وإلي الابد آمين.
[1] 2تي11:4
[2] 2تي10:4
[3] تم شرح هذه الآيات حينما فسر القديس ذهبي الفم رسالة القديس بولس إلي تلميذه تيموثاوس، انظر تفسير الرسالة الثانية إلي تيموثيؤس للقديس يوحنا ذهبي الفم ـ مركز دراسات الآباء 1998 ص 119 ـ ترجمة الأستاذة / سعاد سوريال.
[4] 2تي20:4.
[5] متي7:5
[6] يع13:2
[7] رو 2:6.
[8] رو15:6.
[9] مت 40:5
[10] ماركيون هو عنوسي ذو طابع خاص. ولد في البنطس, وكان يعمل في صناعة السفن. قطعه أبوه أسقف سينوب سنة 139م, فانتمي إلي كنيسة روما, التي ما لبثت أن قطعته عنها سنة 144م, وكان معاديًا لليهودية, ويرفض العهد القديم. ألّف كتاب عهد جديد خاص به, انتقاه من الأناجيل ومن رسائل بولس الرسول. وادّعي أن هناك الإله خالق العالم, البار والعادل والمنتقم, وهو إله العبرانيين الفاطر, وفوقه الإله المجهول إله المحبة, الذي كشف عن نفسه في المسيح, في جسد ظاهري فقط, وجلب للعالم هدية الفداء. وقال يجب ألا تُخلط عظمة الإنجيل مع مخطط يهوه.
تبني ماركيون تعليمًا عن المسيح مثؤسسًا على قاعدة فهمه للعهد الجديد: إن يسوع المسيح هو الله الآب, من حيث إنه روح خلاصية, وقد آتى بشبه جسد وليس حسب الجسد. وربما هو إنسان حقيقي, من أصل سماوي, قد ظهر تحت طبيعتين: إلهية لأنه مخلّص, وملائكية لأنه روح سماوي. والخلاص بالنسبة لماركيون, موجه للنفس, من أجل خلاص أبدي للإنسان الداخلي. أما الجسد واللحم فلهما خلاص مؤقت عابر, واستمر تأثير هذه البدعة حتى نهاية القرن العاشر (المجمع المسكوني الأول نيقيا), الأب ميشال أبرص والأب أنطوان أعرب ـ المكتبة البولسية, لبنان, 1997 ص60).
[11] يؤكد القديس ذهبي الفم علي وصية إكرام الأب والأم لأن العادة كانت أن يتم فحص المتقدمين للمعمودية في بدء الصوم الكبير, وفي وسط الكنيسة الرئيسية, كان يُعَد كرسي الأسقف وكان هؤلاء المرشحون يتقدمون الواحد تَلو الآخر, ومعهم أشابينهم. وحينئذ يسأل الأسقف, موجهًا السؤال إلي المرافقين ولكل شخص منهم قائلاً: ” هل هو يحيا حياة صالحة؟ هل يوقر أبويه؟ هل هو مستعبد لشرب الخمر أو الكذب؟ ” انظر الإنجيل والليتورجيا ـ الكتاب الأول (المعمودية) ـ ص3 ـ تأليف جان دانيلو, ترجمة القمص ميخائيل ميخائيل مليكة.
[12] مز10:58
رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى
رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى
رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى
العظة الثانية
“ أشكر إلهي كل حين ذاكرًا إياك في صلواتى: سامعًا بمحبتك والإيمان الذي لك نحو الرب يسوع. لجميع القديسين, لكي تكون شركة إيمانك فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع ” (4-6).
هنا نلاحظ إن الرسول بولس لا يستجدى عطف فليمون. بل هو يجلّه ويمدحه أولاً لأجل عمله الصالح, ذاكرًا إياه في صلاته ومبينًا محبة فليمون نحو المسيح والكنيسة؛ فيقول إن كثيرين من القديسين استراحوا به إذ هو رجل مطيع ويتمثل بالمسيح في كل شي. والرسول لا يطلب منه أى شئ خاص به فى أول الرسالة ولكنه يطلب ذلك فيما بعد, وبهذه الطريقة فإنه يُخجله. لأن بولس قد سمع عن محبته للآخرين الذين يحصلون منه علي كل ما يطلبون فكم بالأكثر بالنسبة لبولس وهو أيضًا سيحصل علي ما يطلبه, وبالأكثر جدًا سيجيب طلبه لأنه جاء بعد طلبات الآخرين, كما أن طلبه هذا لم يكن من أجل نفسه لكن لأجل آخر. كما أن بولس لا يريد أن يظهر أنه يكتب لفليمون بسبب مشكلة أنسيمس فقط, كما لو كان يريد أن يقول: حتى لو لم يكن أنسيمس لكنت قد كتبت لك أيضًا. فانظر كيف أنه يورد أسبابًا أخرى لكتابة رسالته. فهو يظهر أولاً مكانة فليمون لديه وحبه له ثم يطلب إليه في آخر الرسالة أن يجهز له مسكنًا.
سامعًا بمحبتك :
أن يتناقل الناس الأخبار عن أعمال محبه يفعلها شخص ما لهو دليل أعظم من أن تراه بنفسك وهو يقوم بهذه الأعمال. وهكذا نجد أن بولس قد سمع بأخبار عن محبه فليمون رغم بُعد المسافة بين روما وفريجية[1]. وعلي ما يبدو أن الرسول بولس كان في فريجية. ويتضح هذا من خلال ذكر “أرخبس” في رسالته إلي كولوسي حيث يقول ” ومتي قُرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تُقرأ أيضًا في كنيسة اللاودكين والتي للاودكية تقرأونها أنتم أيضًا“[2] وهو يقصد بهذا مدينة فريجية.
“ لكي تكون شركة إيمانك فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع “
هل ترون معي العطية الأولى وكم هي عظيمة تلك التي يعطيها الرسول بولس إلي فليمون قبل أن يسترسل وقبل أن يطلب منه شيئًا. ” لكي تكون شركة إيمانك“، ثم يكمل قائلاً إن هذه الشركة يجب أن تكون “ فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع“. إذ بهذا تقتني كل فضيلة ويكون لك الكفاف في كل شئ وهذا الايمان يصبح فعّالاً باقترانه بالعمل لأن ” الإيمان بدون أعمال إيمان ميت“[3]. وهو لم يقل مجرد ” إيمانك” ولكن ” شركة إيمانك“, وهذا لكي يجعله يشعر بالشركة معه. ويظهر شركة الجسد الواحد وبهذا سيكون رفض فليمون لما يطلبه بولس منه أمرًا مخجلاً وكأنه أراد أن يقول: ” وإن كان لك يا فليمون شركة معنا في الإيمان فيجب أن يكون لك شركة معنا أيضًا فيما يتعلق بما نطلبه منك”.
لأن لنا فرحًا كثيرًا وتعزية بسبب محبتك لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ (عدد7).
إن العطاء والخدمة ليس هما بالأمر المخزي. وخصوصًا إن قُدما لشخص له تقدير بين الناس مثل بولس. وكأن بولس يريد أن يقول لفليمون “لو كنت تفعل هذا مع الآخرين فبالأكثر يجب أن تفعله معي”، ومع أنه لم يقل هكذا إلاّ أنه قد حقق غرضه بشكل مباشر وبطريقة أكثر إجلالاً بقوله: ” لنا فرحًا“، لأنه بهذه الكلمة قد أوضّح لفليمون أن ما يفعله مع الآخرين قد نال ثقة بولس الرسول, لأنه أضاف قائلاً: ” إن لنا تعزية“، وهذا معناه أننا لسنا فقط مسرورين ولكننا نجد راحة و” تعزية” في شركتك معنا, وليس هذا فقط بل ستكون أيضًا موافقًا لنا فيما سوف نطلب منك لأن في موافقتك هذه تُربح الآخرين الذين هم في حزن (بسبب غضب فليمون علي أنسيميس) فبالرغم من أننا لن نحصل علي شئ يفيد أى منا ولكننا سنفرح كلنا معًا من أجل هذه المصالحة, لأنك ستفيد الجسد الواحد الذي هو الكنيسة. فالرسول بولس لم يقل ” لأنك خاضع, ومطيع” ولكن قالها بشكل أكثر تأكيدًا وأكثر جدّية “ لأن احشاء القديسين“، كما لو كان فليمون طفل عزيز لوالديه، ووالداه مغرمين حبًا به ومن خلال الحب والمودة يُظهر أنه محبوب جدًا منهم.
لذلك. وإن كان لي بالمسيح ثقة كثيرة أن آمرك بما يليق (عدد8)
ما هذا الحذر الذي يتكلّم به الرسول بولس؟ فهو يخشي من أن يؤذي سمع فليمون بأمر يقوله في محبة فياضة. ولهذا فإنه قبل أن يقول ” أن آمرك” يذكر ” المسيح“.
لنلاحظ أن الرسول منذ أن بدأ يتكلّم وكل كلامه يعبّر عن المحبة, لأن هذا مناسب جدًا لإرضاء فليمون, وبالرغم من هذه الرقة في الحديث فبولس يريد أن يؤكد كلامه بقوله: ” لي ثقة” فهذه العبارة تؤكد علي عظم العلاقة التي تجمع بين الرسول بولس وفليمون السيد، وأن مصدر هذه الثقة ليس هو فليمون فقط ولكنها تكمن أيضًا “في المسيح” الذي هو أعظم من الكل, فالثقة والقوة لا تنبع من شخص فليمون ولكن هي بسبب إيمانه في المسيح الرب. وبعد هذه العبارة القوية أضاف ” أن آمرك” ولم يكتف بأن يلقي هذه الكلمة ولكن قال “بما يليق“، فالرسول بولس يري أن ما سيفعله فليمون هو أمر طبيعي ويبرهن علي هذا بأن فيلمون يعمل أعمالاً حسنة للآخرين وهكذا فإنه سيفعل ما قد طُلب منه, وذلك لأجل المسيح ولأجل بولس. وهكذا فإن ما يطلبه بولس منه هو من الأمور الطبيعية. ويضيف بولس ” من أجل المحبة اطلب بالحري“[4]، وكأن الرسول بولس يريد بهذه العبارة أن يقول كلامًا مستترًا ألاَ وهو: ” أنا أعرف كيف أُنجز هذا الأمر بوصية من قِبل سلطاني والأشياء التي تكلمت بها قبلاً. ولكن لأنى قلق جدًا بسبب هذه المسألة فأنا ” أطلب بالحرى”، فهنا الرسول بولس يُظهر الأمرين معًا, فهو يثق في فليمون كما أنه يوصيه أيضًا. ولأن بولس قلق جدًا بسبب هذا الأمر فهو يطلب منه ويقول: ” إذ أنا إنسان هكذا نظير بولس الشيخ والآن أسير يسوع المسيح أيضا” (عدد9).
يا لهذا الأمر العجيب! وما كل هذه الأمور التي تجعل فليمون يشعر بالخجل حينما لا يطيع ما يقوله بولس له. وإذا أردنا توضيحًا أكثر سنجد أن هذه الآية تعبر عما يلى:
أولاً : منزلة بولس الشخصية
ثانيًا : أن بولس شيخ كبير السن والأكثر من هذا أنه أسير يسوع المسيح, من لا يفتح ذراعيه ليستقبل مثل هذا المقاتل المنتصر, ألاَ يُمنح مثل هذا الانسان الذي هو أسير ليسوع المسيح عشرات الآلاف من الوزنات والنعم, ألاَ تُقدم إليه المكافآت الكثيرة لأجل إرضائه؟!
أطلب إليك لأجل ابني أنسيمس الذي ولدته في قيودي (عدد10)
قبل الآن لم نرَ أن بولس الرسول قد أعلن عن اسم ” أنسيمس” في الرسالة, فهو قد أجّل هذا الأمر لأجل غرض عظيم في نفسه, وأنتم كسادة تعرفون كيف يكون موقف أحدكم تجاه عبد هارب منه. وليس هو بهارب فقط ولكنه سارق أيضًا. وحتى لو كان هؤلاء السادة يحملون في داخلهم تقوى عظيمة, فغضبهم يظهر بشكل زائد إذا ذُكر اسم هؤلاء العبيد الهاربين أمامهم.
ولكن انظر هنا كيف أن الرسول بولس يسترتضي فليمون أولاً ثم يحفزه لتنفيذ أى طلب يطلبه منه حاثًا إياه علي الطاعة. وبعد كل هذا يوضّح طلبه الذي يريد تحقيقه فيقول بإلحاح ” اسالك بالحري” ثم يستطرد في الحديث عن أنسيمس قائلاً بفخر إنه: ” الذي ولدته في قيودي“. ها مرة أخرى تجد أن القيود لها قوة فعّالة إذ أنه أضاف الاسم (أنسيمس) الذي يكتب لأجله هذه الرسالة إلى آلام القيود.
إن الرسول بولس قد استخدم أسلوب أدبي استطاع من خلاله ليس فقط أن يُطفئ نار غضب فليمون ولكن أيضًا أن يبهجه. وكأن بولس يريد أن يقول: إني الآن أدعو هذا ابنى وإنى ما كنت سأدعوه بهذا اللقب إلاّ إذا: ” كان نافعًا لي بكل إخلاص“. فاللقب الذي دعوت به تيموثاوس[5] هو نفسه الذي أدعو به “أنسيمس”. والرسول بولس لا يعلن مظاهر حبه لهذا العبد ” الهارب” من خلال هذا اللقب فقط, ولكنه يعلن عهد ميلاده الجديد بقوله: ” ولدته في قيودي” حيث إنه علي هذا الحساب – حساب القيود – فإن أنسيمس سيكون جدير بأن ينال شرف كبير لأنه وُلِد في أثناء جهاد بولس، وُلِد في ألمه الشديد الذي عاناه لأجل السيد المسيح.
أنسيمس الذي كان قبلا غير نافع (عدد 11).
ما أعظم فطنة الرسول بولس! كيف يعترف بخطأ (أنسيمس), لأنه باعترافه هذا فهو يخمد نار غضب فليمون, وكأن بولس يقول: ” أنا اعرف أنه كان غير نافع ولكن الآن ” أصبح نافعًا لك ولي” ولم يقل أصبح نافعًا ” لك” فقط, خشية أن يُصبح كلامه غير مقبول لدى فليمون ولهذا فقد قال ” اصبح نافعًا لك ولي“, كما أنه قد قدّم شخص فليمون علي نفسه ويأمل أن يكون “أنسيمس” أهلاً لهذه الثقة, حيث يعلن الرسول بولس أنه شخص نافع جدًا وهو علي ثقة بأنه سيكون كذلك أيضًا بالنسبة لسيده فليمون.
الذي رددته (عدد 12)
بكل الطرق يريد الرسول بولس أن يخمد نار الغضب المتأججة في قلب فليمون بسبب ما فعله “أنسيمس” وتركه له. وبقوله هذا ـ الذي يتضح فيه أن بولس قد رد أنسيمس إلي سيده ـ فهو يهدئ من ثورة غضبه، لأننا نعلم أن السادة يغضبون حينما نستعطفهم في مسامحة أحد عبيدهم بينما هو غائب أو مازال هاربًا.
فأقبله الذي هو أحشائي.
يا لهذا التعبير الرائع! إن كلمة ” أحشائي” لها القدرة علي تحريك المشاعر الجامدة. فالرسول بولس لم يذكر اسم أنسيمس هكذا بدون لقب, ولكن ذكره بعد أن قال عنه “ابني”, وقد “ولدته” وأنه مولود أثناء الآلام في السجن, حيث إننا نعرف أن الأولاد المولودون في الشدة نحبهم أكثر, كما يقول الكتاب عن راحيل حينما دعت بنيامين الذي تحبه جدًا ” بن أوني“[6].
لنرجع الآن ونذكر ماذا تعني كلمة ” أحشائي” وكلمة ” اقبله“. إن هذه الكلمات تعلن عن الحب العظيم الذي يكنه بولس له ويريد أن يُظهره. فهو لم يقل : أرجوك أن تأخذه ثانية, ولم يقل: لا تغضب مثلاً أو أى شئ من هذا القبيل ولكنه قال: ” اقبله لأنه هو احشائي” فأنسيمس بعد أن تجدّد لا يستحق فقط العفو ولكن التكريم أيضًا. ولماذا يستحق كل هذا؟ لأنه ابن بولس ومولود في قيوده.
الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل (عدد13).
بعد أن تحدث عن السيد (فليمون) مرات كثيرة وأظهر فضله بعبارات عديدة. نراه الآن يتكلّم عن العبد أيضًا. ولا نراه يكرّمه وحسب ولكن نجده يقدّمه علي سيده أيضًا. ومن الأفضل الآن أن نري كيف أن الرسول بولس قال ما يريد ولكن بحكمة عظيمة, وكأن بولس يريد أن يقول بهذه الآية: ” الآن قد وجدت طريقًا يا فليمون لترد لي كل ما فعلته معك وهذا الطريق هو ما سوف تقدمه لأنسيمس”, ونرى بولس وهو يعدد صفات أنسيمس الكثيرة ويمنحه أيضًا التكريم العظيم إذ يساويه بسيده (فليمون).
ولكن بدون رأيك لم أرد أن أفعل شيئًا لكي لا يكون خيرك كأنه علي سبيل الاضطرار بل علي سبيل الاختيار (عدد14).
هذه الكلمات فيها ملاطفة كثيرة. لأن الملاطفة مفيدة هنا. كما أنه من خلال هذا الكلام قد عمل بولس عملين عظيمين في نفس الوقت لكل من فليمون وأنسيمس. فقد ربح الأول لأنه عمل حسنًا وأُعتق الآخر من العبودية وأُطلق حرًا. فهو لم يقل: ” يجب عليك أن لا تضطر”، بل قال ” علي سبيل الاضطرار” فكأن بولس يقول: ” أنا عرفت أنك لم تتعلّم بعد كيف تصنع أمرًا حسنًا ولكن الآن تعرف أن تصنع هذا. ولهذا أريدك أن تكون راضيًا وأنت تزيد في العطاء, ولهذا يجب عليك أن يكون ما ستفعله ليس عن اضطرار بل عن طريق اختيارك الحر”.
لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلي ساعة. لكي يكون لك إلى الأبد لا كعبد (عدد15, 16)
حسن أنه قال “ربما” لأنه هكذا يمكن أن يهدأ فليمون ويخضع لطلبه. وليس عبثًا قال الرسول بولس ” ربما افترق” بدلا من “ربما هرب”, فمن خلال تعبيرات لغوية رقيقة استطاع بولس أن يجعل فليمون أكثر لينًا , فلم يقل له إن: ” أنسيمس فصل نفسه عنك” ولكن “افترق”، حيث إن هذا يعني أن ما حدث لم يكن له ترتيب خاص في تركه له, لأن الافتراق قد يكون لأسباب متعددة. إن هذا يذكرنا بما فعله يوسف لأخوته عندما اعتذروا له عما فعلوه له بعد أن أصبح هو متسلطًا علي كل أرض مصر فقال لهم ” ارسلني الله قدامكم“[7]. فهنا قد أظهر يوسف كيف أن الله قد استعمل شر إخوته ليكون في النهاية خيرًا لا شرًا. فبولس أيضًا فعل نفس الأمر حينما قال ” افترق عنك إلي ساعة“، وهكذا جعل زمن غياب أنسيمس عن سيده هو لمدة ساعة واعترف بخطأ أنسيمس ولكن أرجع الأمر كله في النهاية إلي العناية الإلهية.
لكي يكون لك إلي الأبد
لن يكون أنسيمس معك يا فليمون في هذه الحياة فقط ولكن في الدهر الآتي. ولن يكون لك كعبد ولكن ما هو أعظم. سيكون لك أخًا محبوبًا لأنك سترفع عنه نير العبودية والرق. ستربح أكثر لأنه لن يهرب من عبوديتك فيما بعد. ” لأنه سيكون لك إلي الابد لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد, أخًا محبوبًا، ولاسيما إليّ فكم بالحري إليك في الجسد والرب جميعًا“. فأنت يا فليمون قد فقدت عبدًا لوقت قصير, ولكنك قد ربحت أخًا إلي الأبد. فهو ليس أخوك أنت فقط بل أخي أنا أيضًا. وهنا تظهر الفضيلة العظمي. فلو أن أنسيمس أصبح أخًا لبولس فلن يخجل فليمون منه, وكان بولس قد سبق ودعا أنسيمس قائلاً عنه إنه ” ابني”، وأظهر عاطفة قوية نحوه, وهنا بدعوته إياه “أخًا” فإن بولس يظهر محبته التي تتسم بالمساواة نحو الكل.
هذه الكلمات لم تُكتب يا إخوة بلا هدف. ولكن كُتبت حتى يستطيع كل سيد أن يعفو وأن يصفح عن عبيده عندما يخطئوا. فيجب دائمًا ألاّ نفقد الأمل في أن يتحسن سلوك العبيد. وإن تحسن سلوكهم فيجب علينا أن نقبلهم ولا نخجل منهم, ولكن الأمر الهام الذي يجب أن نتعلّمه هو ألاّ يجب أن نحسبه عارًا أن ندعو هؤلاء العبيد شركاء معنا في كل عمل صالح. فإن كان بولس لم يخجل من أن يدعو “أنسيمس” الذي هو عبد بقوله: ” ابني” , “ أحشائي“, ” أخًا” , “محبوب” فكيف نخجل نحن منهم؟! ولماذا أقول إن بولس وحده قد فعل هذا؟! فإن رب بولس نفسه لم يستحِ من أن يدعو عبيدنا إخوته. أما نحن فنحسب هذا عارًا !.
انظر وتأمل أى شرف وكرامة قد أعُطيت لعبيدنا حينما يدعوهم الله نفسه ” إخوته, وأصدقائه, وشركائه في الميراث”. إلي هذه الدرجة قد تنازل الله؟. ويجب أن نسأل أنفسنا هل صنعنا ما يجب علينا فعله؟! وإن كنا لم نقتنِ بعد أى حكمة لكن يجب علينا أن نسأل عن مقدار تواضعنا. فإننا لم نتواضع إلي الآن بالدرجة الكافية.
أى شئ عظيم قد فعلناه وقدمّناه للعبيد رفقائنا[8]. ولكن سيد الكل قد صنع كل الأمور العظيمة لأجل عبيدك أنت. انتبه فكل ما ستفعله أنت سوف تفعله لعبد مثلك. اسمع وارتعد مما أقوله فلن تفرح في اتضاعك! من الممكن أن تضحك أيضًا من العبارة الآتية: ” إن الاتضاع ربما ينفخ وحينما تنتفخ لا تندهش فهو ليس باتضاع حقيقي”. هنا نري كيف يكون هذا أو في أى تصرف استطيع أن أعرفه؟ سـأقول لك: حينما نُقَدّم عمل محبة لإنسان ولا يكون مُقَدمًا لله فإننا من الممكن أن نُطَالِب بالمديح, ونشعر بسمو فينا ـ إن هذا يا إخوة لهو أمر شيطاني ـ فالكبرياء تظهره لنا الشياطين علي أنه ليس بكبرياء. فمثل هؤلاء الناس الذين يقدمون عمل محبة لإنسان ينتشون فرحًا، وذلك بسبب ظنهم بأنهم متضعون، وبسبب ظنهم أيضًا بأن لديهم كثير من المشاعر النبيلة. علي سبيل المثال؛ إذا أتى أخ أو حتى خادم واستقبلته وغسلت له قدميه, في الحال ستشعر بالفخر في داخلك. وتقول في قلبك: أنا قد عملت ما لم يعمله الآخرين, أنا حقًا إنسان متضع. آه, كيف يكون الإنسان متضع بالحقيقة وهو يقول في داخله مثل هذا القول؟ فلو تذكرون وصية المسيح له المجد حينما قال ” متي فعلتم كل ما آمرتم به فقولوا : إننا عبيد بطالون“[9] وأيضًا تذكرون بولس معلّم المسكونة عندما قال: ” أنا لست أحسب نفسي أنى قد ادركت“[10]. وبولس يقنع نفسه أنه لم يعمل أى شئ عظيم مهما صنع من أشياء. وهكذا استطاع أن يتضع حينما ظن في نفسه أنه لم يصل بعد إلي الكمال. فكثير من الناس يبتهجون بسبب ما يظنوا أنه اتضاع, ولكن ليتنا نحن أيضا لا نمارس مثل هذا الاتضاع الزائف بل نسأل أنفسنا باستمرار, هل حقا نحن متضعون؟ وإن كانت الإجابة بنعم وجب علينا أن لا نفتخر بهذا. فلو تفاخرنا به سنفقد المجازاة من الله. فالفريسي قد تكبر لأنه كان يساعد المساكين بعشوره, ولأنه تكبر وتفاخر فإنه فقد المجازاة التي كان من الممكن أن ينالها من الله[11]. أما العشار فإنه تبرر أمام الله. لنسمع بولس يقول ثانيةً: ” فإني لست أشعر بشئ في ذاتي. لكنني لست بذلك مبررا“[12] ، فبولس لم يمجّد نفسه بل حاول أن يتضع ويتنازل بكل الطرق. وهو يتضع أكثر كلما ازداد أكثر في عمل المحبة. مثال آخر نقوله: الثلاثة فتية لما كانوا في النار في وسط الأتون, ماذا قالوا ؟ قالوا: ” إذ قد خطئنا وأثمنا مع أبائنا“[13]. يا لهذا القلب النادم والمنسحق، وكما أنهم استطاعوا أن يقولوا: ” جئناك بقلب منسحق وروح متواضعة فأقبلنا..“[14]، وحتى بعدما خرج الفتية من الأتون ظنوا أنهم غير مستحقين لهذه النجاة المعجزية. وظلوا أكثر اتضاعًا. ونحن أيضًا حينما نقتنع بأننا غير مستحقين لرحمته, نجد أننا ننال الخيرات العتيدة العظيمة عوض القفر الذي نحن فيه مقيمين. إن الفائدة التي قد حصل عليها الفتية نتيجة اتضاعهم كانت أنهم “مُنحوا أنفسهم” ثانية، وذلك بخروجهم من الأتون. إن هؤلاء الفتية قد أُخذوا آسرى وهم بعد صغار بسبب خطية الآخرين من شعب إسرائيل. وكانوا يسبحون الله بغير دمدمة وبغير سخط ولم نجدهم يقولوا في أنفسهم: ” ما فائدة خدمة الله, وما هي الميزة في أن نعبده؟ ولم يقولوا أيضًا إن الانسان الذي أصبح سيدنا هو شخص غير نقي, ونحن سنعاقب من قِبل الوثنين ونُساق إلي العبودية بواسطة ملك وثني. ونحن محرومون من بلدنا ومن حريتنا ومن كل ميراث آبائنا وقد أصبحنا سجناء مستعبدين لملك بربري”. لم نجدهم يقولوا أى شي من هذا ولكن ما قالوه هو :” إننا قد خطئنا وإثمنا“، ورفعوا صلوات لا من أجل أنفسهم فقط ولكن لأجل الآخرين[15] أيضًا لأنهم كانوا يقولون ” قد سلمتنا إلي ملك ظالم“[16].
كذلك دانيال حينما أحضروه ورموه في الجب قال: ” لأن الله قد ذكرني“[17] وعندما أعطاه الله كرامة قدام الملك قال (حينما فسر الأحلام): ” أما أنا فلم يكشف لي هذا السر لحكمة في“[18]. وحينما أُلقِىَ في جب الأُسود لأنه لم يطع حكم الشر, لم يقل, ما كل هذا يا دانيال, هل الله قد نسيك؟ إنك قد أُلقيت في الجب بسببه, أليس هذا سببًا قويًا حتى ينجيك؟ إن هذا صحيح ولكن دانيال يذكر أنه أخطأ في أشياء كثيرة. وظل يقول هذا حتى بعدما ظهرت عظمة فضيلته.
ماذا أقول أيضًا. لنسمع قول داود: ” وإن قال هكذا إني لم أسر بك فهاأنذا فليفعل بي حسبما يحسن في عينيه“[19], مع أن داود لديه ما يقوله حسنًا في حق نفسه. وعالي الكاهن قال: “ هو الرب ما يحسن في عينية يعمل“[20] .
كل ما سبق ذِكره هو نماذج لأفعال عبيد أتقياء, كانوا ينسبون كل شئ لله, ليس فقط الخيرات ولكن ما كان يبدو لهم أنه عقاب. فمن غير المعقول أن نقول إن للسادة الحق فى أن يعاقبوا عبيدهم بدعوة الشفقة عليهم إذ هم يملكونهم, بينما عندما يعاقبهم الله نظن أنه لن يشفق عليهم؟! مع أن الرسول بولس يؤكد إننا في كل الحالات لله حيث إنه “ إن عشنا أو متنا فللرب نحن“[21].
إن أى إنسان لديه ثروة يعرف كيف يحافظ عليها ويأمل دائمًا في أن ينمّيها, لهذا هو يضع ضوابط لكل العاملين لديه لكى يعاقب كل من يخطئ. وفي بعض الأحيان يصفح عن الذين أخطأوا لسبب أو لآخر. ولكن بكل تأكيد لا يستطيع أحد أن يمنح الصفح والغفران أكثر من الذي جبلنا من العدم إلي الوجود. فالله هو الذي يجعل الشمس تشرق, وهو المعطى المطر, وهو الذي وضع نسمة الحياة فينا, والذي أعطانا ابنه. فهو قد صنع معنا كل هذا ولكن كما قلت سابقًا علينا أن نتضع أكثر, وأن تكون تصرفاتنا باعتدال كما يجب ولا يكون ما نفعله هو سبب تفاخر لنا. وأنا أسأل هل أنت متضع بالحقيقة بل وأكثر من الجميع؟ أقول لك: لا تفتخر بل اتضع بالحقيقة ولا تدين غيرك لكي تُعتق من خيلاء النفس, ولأنه كان من الأفضل لك ألاَ تُظهر أنك متضع. وفي هذا يقول الرسول بولس ” فهل صار لي الصالح موتا. حاشا. بل الخطية. لكي تظهر خطيئة منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية“[22]. فعندما يدخل فكر ” العُجب باتضاعك” إلي نفسك فلتتأمل في نفس الوقت, سيدك, وكيف أنه تنازل إلينا, فحينئذ لن تُعجب بنفسك كثيرًا ولا حتى ستمجدها بل ستسخر منها إذ هي لم تفعل شيئًا. وتذكر هذا المثل: “مَنْ منكم له عبد يحرث أو يرعي يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعًا وأتكي. بل ألاَ يقول له أعدد ما أتعشي به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمر به. لا أظن“[23] هل نُقدِّر نحن ما يفعله عبيدنا في خدمتهم لنا؟! لم نفعل هذا علي الإطلاق, غير أن الله يُقدِّر ما نفعله ليس في خدمتنا له فقط بل عندما نعمل ما سوف يعود علينا بالفائدة. ولكن لا تدعنا نتصرف مثل مَنْ يستفيد مِن هذا التقدير كي يحقق مِن خلاله فوائد أكثر لنفسه. ولكن نكون مثل من يدفع دين عليه. فواقع الأمر أنه دين علينا ويجب أن ندفعه. بمعني أنه عندما نشتري عبيدًا بأموالنا فنحن نرغب في أن يعيشوا لنا بالكلية وكل ما سوف يملكونه يجب أن يكون ملكًا لنا أيضًا, فكم وكم بالأكثر يجب أن نكون نحن بالنسبة لله, الذي جبلنا من العدم إلي الوجود, الذي بعد هذا اشترانا بدمه الثمين, الذي دفع ثمنًا هذا مقداره لأجلنا, هذا الثمن الذي لا يستطيع أحد أن يدفعه لأجل أحد أبنائه, حقًا من غيره سفك دمه لأجلنا؟!.
بعد هذا كله ألاَ يجب علينا أن نطرح أنفسنا تحت قدميه. وأن نبذل ذواتنا لأجله كما بذل هو ذاته لأجلنا. ولكن يبقي السؤال: هل يتساوى ما يفعله الله تجاهنا مع ما فعلناه نحن لأجل الله؟ والإجابة بالطبع ستكون بالنفي. لماذا؟ لأن الله فعل هذا معنا ونحن غير مستحقين. بل أن كل ما فعله يرجع لنعمته. وهكذا صرنا مدينين لله لِمَا فعله لأجلنا. ومع أنه هو الله ومع أنه لم يكن تحت حكم الموت فقد صار ـ بالجسد ـ تحت حكم الموت ومع هذا فنحن حتى الآن لم نقدم نفوسنا ذبيحةً له وقد فاتنا أننا سننفصل عنها ـ علي أى حال ـ حسب الناموس الطبيعي, إذ أنه بدون إرادتنا، بعد قليل، سننفصل عنها, وهكذا الثروة إن لم نقدمها لله الآن فإننا سوف نفقدها مضطرين عند الموت. وينطبق نفس الكلام علي الاتضاع , فلو لم نتضع تحت يد الله, سوف نتضع من خلال محنة أو بلية.
هنا يظهر مقدار النعمة التي يعطيها لنا الله. فالله لم يقل، ما هو الشيء العظيم الذي فعله هؤلاء الذين قدمّوا نفوسهم ذبيحة لله, لأنهم إن لم يموتوا لأجلى لكانوا سيموتون علي أى حال. ولكنه قدّر ما فعلوه!! لماذا؟ لأنهم وهم مدركين أنهم سوف يفقدون حياتهم، علي أى حال بدون إرادتهم، فإنهم فضَّلوا أن يقّدموا حياتهم لله بإرادتهم. كما أن الله لم يقل أيضًا: أى فعل عظيم صنعه أولئك الذين قّدموا عطاياهم لي؟ فهؤلاء سيتركون أموالهم بدون إرادتهم علي أى حال. ولكن نري أن الله يُقدِّر ما قد فعلوه بل لا يخجل أيضًا من أن يعترف بأن العبيد كانوا يطعموه!!. إن عظمة مجد الرب في أن يكون له عبيد يخدموه, إن عظمة مجد الرب في أنه هكذا يحب عبيده. وهذه هى عظمة مجد الرب في أنه يجعل خيرات عبيده ملكًا له. وهذه هى عظمة مجد الرب في أنه لا يخجل من أن يعترف بهم أمام الكل.
دعنا إذًا نمتلئ خشية وخجلاً أمام حب المسيح العظيم لنا. ولتشتعل قلوبنا بهذه المحبة, لأننا لو سمعنا أن إنسان ـ مجرد إنسان ـ يحبنا أكثر من الجميع فإننا نظهر محبة دافئة نحوه. ونكرمه بإفراط.
لنسأل أنفسنا هل نحن نحب الرب فعلاً ؟ الواقع أن الرب يحبنا بالأكثر وهل لا تتأثر قلوبنا بهذه المحبة؟ أرجوكم ألاَ نكون غير عابئين بخلاص نفوسنا؟. نعم, فلنحب الرب يسوع بكل طاقتنا. مقّدمين لمحبته كل ما نملك, ليس فقط نفوسنا بل أموالنا, وكرامتنا, وكل شئ آخر وكل هذا في فرح وشكر وليتنا لا نفعل هذا للمسيح فقط بل لبعضنا البعض أيضًا. لأن هذا هو قانون من يعيشون في المحبة, لأنهم يؤمنون أنهم يفعلون حسنًا عندما يُضحّون من أجل من يحبون.
وهكذا يجب علينا أن نفعل نفس الشئ بالنسبة لربنا يسوع المسيح. لكي نربح الخيرات العتيدة بنعمة المسيح يسوع الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة الآن وكل أوان, إلي دهر الدهور. آمين.
[1] مقاطعة فريجية هي قطاع كبير مهم من آسيا الصغري. وقد اختلفت تخومها باختلاف العصر والأوضاع. وبعد أن اقتطعت منها غلاطية أصبحت حدودها الشمالية بيثينية وشرقًا ليكأونية وغلاطية وجنوبًا ليكية وبيسيدية وإيسورية, وغربًا كاريا وليديا وميسيا. والمنطقة عبارة عن سهل مرتفع بين سلسلة جبال طوروس جنوبًا وأولمبوس شمالاً وتموس غربا. ذُكر من مدنها في العهد الجديد أربع هي لاودكية وكولوسي وهيرابوليس وانطاكية وبيسدية. وفي هذه الفترة لم تبق فريجية مقاطعة كما كانت بل أصبحت مجرد اسم محلى. وقد أسكن أنطيوخوس الكبير في ليديا وفريجية نحو 2.000 عائلة يهودية من بابل وما بين النهرين. وكان بعض هؤلاء اليهود الفريجيين في أورشليم يوم الخمسين (أع2: 10) وقد اجتاز بولس في فريجية في رحلتيه الثانية والثالثة (أع16: 6, 18: 23). انظر قاموس الكتاب المقدس ص 677 , دار الثقافة (القاهرة سنة ***).
[2] كولوسي16:4.
[3] يع2:26
[4] عدد 9
[5] 1كو17:4.
[6] تك18:35 22, بن اوني: كلمة عبرية تعني ابن تعبي, حزني وكان بنيامين محبوب جدًا من أبيه يعقوب وغّير ابيه اسم ابنه إلي بنيامين الذي يعني ابن البركة أو ابن اليمين ليحمل البركة (الكتاب المقدس الترجمة المشتركة, إصدار دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط .
[7] تك 15:45.
[8] مرة أخري يرجع القديس يوحنا ويذكر مثل العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه (مت23:18).
[9] لو10:17
[10] فيلبي 13:3
[11] لو12:18
[12] كو14:4
[13] تتمة دانيال 29:3
[14] دانيال 3:39
[15] نجد هذه القصة كاملة وكل احداثها موجودة في تتمة سفر دانيال الاصحاح الثالث وكيف أن الفتية الثلاثة جعلوا كل كلامهم وصلاتهم لأجل الشعب كله, وليس لأجل أنفسهم فقالوا ” فإنا خَطئنا وأثمنا حتى ابتعدنا عنك. أذنبنا في كل شئ وما سمعنا وصاياك ولم نحفظها” .
[16] دا 32:3
[17] دا 6
[18] دا 3:2
[19] 2صم 26:15
[20] 1صم 18:3
[21] رو18:14
[22] رو13:7
[23] لو17: 7ـ9.
