تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – مايو 2024م

 

 

الفهرست

المقدمة. 1

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس… 4

العهد القديم. 4

العهد الجديد 4

رواية إنجيل لوقا 4

رواية إنجيل يوحنا 5

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري.. 8

العلامة أوريجينوس 185-253م 8

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م 9

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م 13

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي. 16

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م 16

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي. 19

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م 19

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي. 26

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م 26

ق. باسيليوس الكبير 330-379م 27

ديونيسيوس الأريوباغي 485م 27

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني. 30

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م 30

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م 31

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م 32

ق. جيروم 342-420م 34

توما الأكويني 1225-1274م 34

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني. 39

مار أفرام السرياني 306-373م 39

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م 40

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م 41

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م 42

الخلاصة. 44

 

 

المقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، الذي أقامه الربُّ يسوع مع تلاميذه الأثنى عشر ليله آلامه وصلبه. وسوف نستعرض الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العهدين القديم والجديد، ثم سوف نستعرض الإشارات إلى هذا الحدث في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا في مختلف الكنائس ومن مختلف التقاليد الكنسية، سواء إسكندريّ، أنطاكيّ، أورشليميّ، سريانيّ، كبادوكيّ، لاتينيّ، وذلك لتقديم صورة كاملة وشاملة عن تأكيدات آباء الكنيسة الجامعة من مختلف الكنائس والتقاليد المختلفة عبر العصور والأزمنة على حدث تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا.

حيث كان يستخدم آباء الكنيسة شرقًا وغربًا هذه الحادثة للتأكيد على ضرورة تناول الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا، مهما كانت حالته، وذلك كفرصة للتوبة والرجوع عن خطاياه، ولذا كان آباء الكنيسة يستشهدون عادةً بحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ، تلميذ المسيح الخائن، الذي خانه وسلَّمه إلى اليهود والرومان بقبلةٍ في بستان جثسيماني ليلة خميس العهد، وذلك في مقابل ثلاثين من الفضة كثمن الخيانة.

حيث يرى آباء الكنيسة الجامعة أن السيد المسيح كان طويل الأناة ورحوم على يهوذا الإسخريوطيّ إلى أخر فرصة، ولم ييأس أبدًا في رجوعه حتى وهو عازم على تسليمه إلى قادة اليهود والرومان، حى وهو عازم على خيانته وقد قبض ثمن خيانته، بل قام الرب بمنحه سر الإفخارستيا في العشاء الأخير لعله يتراجع عن خيانته، وهكذا منحه فرصة للتوبة والرجوع عن خطيته لأخر وقت ولأخر فرصة، لكي يؤكد على أنه يستمر إلى أخر وقت يطلب خلاص الخاطئ ولا يسرُّ أبدًا بهلاكه وفنائه حتى لو أراد هو نفسه ذلك.

ولكن للأسف لم يستفد يهوذا الإسخريوطيّ من هذه المحاولة وغيرها من المحاولات السابقة من قِبَل الرب يسوع لكي يتوب ويرجع عن خطيتئه، وأسلَّم عقله وقلبه وفكره وإرادته للشيطان وصمَّم على خيانة سيده وتسليمه إلى اليهود والرومان مقابل ثلاثين من الفضة.

 

الفصل الأول: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في الكتاب المقدس

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ، أحد تلاميذ السيد المسيح الأثنى عشر، من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، وذلك في العهدين القديم والجديد، وذلك للتأكيد على أن هذه الحادثة لها جذور في نبوات العهد القديم تحقَّقت في العهد الجديد كما سنرى.

العهد القديم

هناك إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من خبز الإفخارستيا وذلك في نبوة (مز 41: 9)، حيث استخدم آباء الكنيسة هذا الشاهد في التأكيد على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا ”رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!“ (مز 41: 9 فاندايك).

العهد الجديد

رواية إنجيل لوقا

نجد إشارة واضحة إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير بعد أن أسَّس السيد المسيح سر الإفخارستيا حين ”وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: ’هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي‘“ (لو 22: 19 فاندايك). ”وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: ’هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ‘“ (لو 22: 20 فاندايك).

يشير لوقا البشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا حيث يقول المسيح نفسه إن يد مُسلِّمه هي معه على المائدة كالتالي: ”وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ“ (لو 22: 21 فاندايك)، ويستطرد السيد المسيح مؤكدًا على حضور يهوذا لسر الإفخارستيا وتحدَّث عن يهوذا الإنسان الذي سوف يُسلِّمه قائلاً: ”وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“. (لو 22: 22 فاندايك). وهنا يروي البشير لوقا حيرة التلاميذ وتساؤلهم فيما بينهم حول مَن هو هذا الإنسان الذي أخبر السيد المسيح أنه سوف يُسلِّمه، مما يؤكد أن يهوذا كان لا يزال موجودًا وحضر تأسيس سر الإفخارستيا وتناول من السرِّ كالتالي: ”فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ’مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟‘“ (لو 22: 23 فاندايك).

رواية إنجيل يوحنا

ويستخدم البشير يوحنا نبوة (مز 41: 9) في التأكيد على أن يهوذا قد حضر تأسيس سر الإفخارستيا، وهي النبوة التي أعتمد عليها آباء الكنيسة فيما بعد للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، حيث يقول المسيح نفسه التالي: ”’لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ‘“ (يو 13: 18 فاندايك). ثم أعلن السيد المسيح أن هناك واحد من التلاميذ سوف يقوم بتسليمه كالتالي: ”لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!‘“ (يو 13: 21 فاندايك).

وهنا تساءل التلاميذ فيمت بينهم وهم متحيرون عن هوية الخائن مُسلِّم المسيح كالتالي: ”فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 22 فاندايك). وكان البشير يوحنا صاحب الرواية الإنجيلية شاهد عيان على الحدث ”وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ“ (يو 13: 23 فاندايك). وهنا أشار ق. بطرس إليه أن يسأل المسيح عن هوية الخائن كالتالي: ”فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ“ (يو 13: 24 فاندايك).

وهنا سأل ق. يوحنا الحبيب المسيح عن هوية الخائن قائلاً: ”فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: ’يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟‘“ (يو 13: 25 فاندايك)، فكانت إجابة المسيح وإشارته إلى الشخص الذي سوف يغمس اللقمة ويعطيه إياها كالتالي: ”أَجَابَ يَسُوعُ: ’هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!‘. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ“ (يو 13: 26 فاندايك)، وهنا يشير البشير يوحنا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهكذا بعدما تناول يهوذا من السر دخله الشيطان وذهب ليسلِّم المخلص كالتالي: ”فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ‘“ (يو 13: 27 فاندايك).

ويُقرِّر البشير يوحنا أن التلاميذ لم يفهموا ما حدث بين المسيح ويهوذا في وقتها، وأعتقدوا أن المسيح أرسله إلى يشتري حاجة العيد ويعطيها للفقراء، لأن يهوذا كان معه صندوق المال المدخَر لمثل هذه الأمور كالتالي: ”وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه، لأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ“ (يو 13: 28، 29 فاندايك).

 

 

الفصل الثاني: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل إشارات آباء كنيسة الإسكندرية عبر العصور المختلفة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير، للتأكيد على وجود اتفاق في التقليد الإسكندريّ على هذه الحادثة، وكيف استخدم آباء كنيسة الإسكندرية هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية تختص بالموقف من مُناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا.

العلامة أوريجينوس 185-253م

يُؤكِّد العلامة الإسكندريّ أوريجينوس، الذي كان على دراية بالتقاليد والطقوس اليهودية في عيد الفصح، على تناول يهوذا من الإفخارستيا، ويُعتبر التقليد الذي ينقله العلامة أوريجينوس هو من أقدم التقاليد التي تؤكِّد على تناول من سر الإفخارستيا في العالم المسيحيّ عامةً وفي التقليد الإسكندريّ خاصةً كالتالي:

”لأن مَن يأكل بدون استحقاق خبز الربِّ أو يشرب كأسه، يأكل ويشرب دينونة، لأن القوة العظيمة الموجودة في الخبز والكأس، تثمر صلاحًا في النفوس الصالحة، وينتج عنها أمور شريرة في النفوس الرديئة! اللقمة التي أخذها يهوذا من يسوع كانت هي نفس اللقمة، التي أعطاها لباقي الرسل الآخرين قائلاً: خذوا كلوا، كانت خلاصًا لهم ودينونةً ليهوذا، لذلك بعد اللقمة، دخله الشيطان“.[1]

ق. كيرلس الإسكندري 376-444م

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في تفسيره لإنجيل لوقا، حيث تلطف الرب وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، ولكنه صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح بخيانته كالتالي:

”كما أنه يضيف إلى ذلك أنه أحد الأثنى عشر، وهذا أيضًا أمرٌ له أهمية عظيمة ليُظهِر بوضوحٍ تامٍ شناعة جريمة الخائن. لقد كان معادلاً في الكرامة للباقين، وكان مُزيَّنًا بكل الكرامات الرسولية، ولكن هذا المختار والمحبوب، والذي تلطَّف الربُّ وأدخله إلى المائدة المقدَّسة، وإلى أعلى الكرامات، صار الواسطة والوسيلة لقتل المسيح، […] لأن واحدًا من البشيرين القديسين يقول بخصوصه إنه بينما كان المخلِّص متكئًا على المائدة مع باقي التلاميذ، فإنه أعطاه لقمةً بعد أن غمسها في الصفحة: ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27)“.[2]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا أن الربَّ سمح ليهوذا، وتنازل، ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِبَ أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً قائلاً:

”أمَّا يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه فقد توبخ بتلك الكلمات التى قالها المسيح: ’ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة‘. ﻷنه ربما تخيل في حماقته العظيمة، أو ربما باﻷحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس أنه يمكنه أن يخدع المسيح مع أنه اﻹله، لكن كما قلتُ، إنه أُدين لكونه باﻹجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا. ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِب أهلاً للطف اﻹلهي حتى النهاية، لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدةً“.[3]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى اشتراك يهوذا في المائدة المقدَّسة مع المسيح مثله مثل باقي التلاميذ، وهكذا يؤكِّد ق. كيرلس على تناول يهوذا من عشاء الفصح واشتراكه أيضًا في التناول من المائدة المقدَّسة، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”لأن ذاك الذي كان يتعشى مع المسيح منذ قليل، وأكل معه، واشترك في المائدة المقدَّسة، ومثل بقية التلاميذ كانت له فرصة الانتفاع بكلماته التي تحث على البرِّ، وقد سمعه وهو يعلن بوضوحٍ إن ’واحدًا منكم يُسلِّمني‘، وكأنه إذ سمع هذا القول، قفز من مكانه على نفس المائدة، وبعد أن كان متكئًا معه، أسرع في الحال إلى اليهود ليأخذ أجرة خيانته منهم، فهو لم يهتم بكلمات المسيح الملهمة، ولم يُفكِّر في المجد الآتيّ، ولم يُبالِ بالكرامة المعطَاة له، وباختصارٍ، فإنه فضَّل مبلغًا ضئيلاً وخسيسًا من المال على السعادة الكاملة التي لا نهاية لها، وبرهَّن أنه هو الشبكة أو الفخ الذي اصطاد به الشيطان المسيح، هذا الشيطان الذي هو المحرِّك والعامل مع اليهود في شرهم ضد الله“.[4]

ويستخدم ق. كيرلس الإسكندريّ نبوة (مز 41: 9) ”الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه“، وما خبز الربِّ الذي أكله يهوذا سوى جسده المقدَّس، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا قائلاً:

”ولكن المخلِّص لم يُعطِه أي توضيح أكثر عن الأمر سوى ما سبق أن أنبأ به الأنبياء قديمًا بالقول: ’الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه‘ (مز 41: 9). فحينما غمس اللقمة، أعطاها ليهوذا، مبينًا أنه هو الذي كان يأكل خبزه. وهكذا أزال الخوف الذي شعر به التلاميذ القديسون، كما يبدو أيضًا إنه يُذكِّرهم بنبوةٍ أخرى، وهي التي تقول: ’بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي. الذي معه كانت تحلو لنا العشرة: إلى بيت الله كُنَّا نذهب في الجمهور‘ (مز 55: 13-14). ففي وقت ما كان الخائن نفسه رفيقًا وصديقًا للمخلِّص، يأكل معه على نفس المائدة، ويشترك في كل شيء مما يُحسَب علامة مُميَّزة للتلمذة؛ إذ إنه كان له نصيب بين التلاميذ الآخرين، الذين كرَّسوا كل حياتهم للمخلِّص“.[5]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مُطبِّقًا نبوة (مز 41: 9) على تناول يهوذا من الإفخارستيا، حيث يؤكِّد على أن اللقمة التي أخذها يهوذا لم تكن هي سبب امتلاك الشيطان عليه، ويستنكر أن تكون لقمة البركة التي أخذها يهوذا، أي الإفخارستيا، هي التي أعطت فرصة للشرير أن يدخل فيه كالتالي:

”لأنه حينما غمس اللقمة أعطاها له، مبينًا بذلك مَن هو الذي أكل خبزه، وكان على وشك أن يرفع عليه عقبه. ولكن الإنجيليّ الحكيم جدًا يخبرنا أن الذي قاده وغرس فيه عدم تقواه والقسوة الملعونة ضد المسيح، والمخترع لكل الخطة، قد دخل قلب الخائن، أي الشيطان بكل قوته الشريرة قد سكن في داخله بعد أن أخذ اللقمة. ولا ينبغي أن يظن أحدٌ أن اللقمة التي أخذها الخائن كانت هي سبب امتلاك الشيطان له، فنحن لم نصل إلى حدّ الجنون، ولن نكون فاقدين لكل ذكاء حتى نظن أن مثل هذه البركة هي التي أعطت الفرصة للشرير أن يدخل فيه، بل بالحري نقول – بحسب ما يتفق مع الحق من جهة الخائن – رغم المحبة الكاملة التي عُومِلَ بها، ورغم الكرامة التي أُعطِيَت له، فإنه ظلَّ متعلقًا بشدةٍ بنفس الأفكار الشريرة، ولم يحاول أن يصلح أفكاره بالتوبة، ولم يحول قلبه بعيدًا عن خططه المضادة التقوى“.[6]

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم يُقدِّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح، بل أسرع للخيانة دون تريث أو تفكير أو مراجعة نفسه للحظةٍ واحدةٍ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”لذلك، فما حدث هو أن الخائن لم يفزع من التوبيخات التي قيلت سرًا وبهدوء، ولم يقدِّر قوة المحبة غير المغلوبة، ولا الكرامة والمجد والنعمة، ولا قدَّر موهبة الإفخارستيا التي نالها من المسيح. بل أسرع دون تريث ليفكِّر أو يراجع نفسه لحظة واحدة، بل إذ كانت عيناه مثبتةً على ذلك وحده، الذي ثبُت أن له تأثير قوي عليه، وأعني بذلك لعنة الطمع، فإنه وقع في الشرك في نهاية الأمر، وهوى إلى الدمار التام“.[7]

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن يهوذا لم ينتفع بهبة البركة التي أخذها من المسيح، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”هو [يهوذا] يمضي مسرعًا طاعةً لإرادة الشيطان، ومثل إنسان أصابه جنون يخرج من المنزل. وهو لا يرى أي شيء يمكن أن يتغلب على حبه للربح، وكم هو أمرٌ غريبٌ إننا سنلاحظ إنه لم ينتفع بالمرة من هبة البركة [الإفخارستيا] التي نالها من المسيح، وهذا بسبب ميله الشديد للحصول على المال“.[8]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى مقاومة الشيطان لاحتمالية توبة يهوذا بسبب القوة الفعَّالة للقمة البركة التي تناولها يهوذا من المسيح، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمثلاً هو [الشيطان] يجبر يهوذا، بعد أن أخذ اللقمة مباشرةً، إذ أصبح الآن تحت سلطانه، أن يُسرِع في الحال إلى إتمام الفعل الشرير؛ إذ ربما كان خائفًا – بالإضافة إلى احتمال توبة يهوذا، من القوة الفعَّالة التي لهبة بركة المسيح [أي الإفخارستيا]، لئلا تضيء هذه النعمة كنورٍ في قلب يهوذا، وتحثه بالحري أن يفكر بتروٍ ويختار العمل الصالح، أو على الأقل تولد طبعًا مخلصًا أصيلاً في شخص كان قد دُفِعَ ضد مشاعره الطيبة، أن يفكِّر في الخيانة“.[9]

ق. إيسيذوروس الفرمي 450م

يُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ، أحد آباء كنيسة الإسكندرية، مثله مثل الآباء السابقين عليه، على أن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، حيث يقارن بين مَن يتهاون بالسر ويمد يده باستمرارٍ على الأسرار الإلهية، ويتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح له بالاقتراب منها ولمسها، وبين طلب يهوذا الإسخريوطيّ للتناول من سر الإفخارستيا، وهو يُخطِّط للخيانة في داخله قائلاً:

”أشخاصٌ يقولون عنك إنك تفعل ما هو ممنوع وغير مسموح أن تفعله، ومراتٍ كثيرةٍ ترتكب أفعالاً مخالفةً، وأنت تستمر في مد يدك على الأسرار الإلهية، وتتناول بوقاحةٍ من الأسرار التي لا يُسمَح لك أن تقترب منها وتلمسها. وأنا أندهش من غرورك، بينما تجلس وتشبع على مائدة الشياطين، لا تخاف من المشاركة في مائدة الربِّ (1كو 10: 21). إذًا، توقَّف حتى لا يضيق عليك الخناق (أع 1: 18) مثل يهوذا الذي سقط في اليأس بسبب وقاحته، الذي طلب التناول، بينما كان يُخطِّط للخيانة في داخله (يو 13: 27)“.[10]

وهنا يُشدِّد ق. إيسيذوروس ويُحذِّر الخطأة المستشرين في خطيئتهم من التهاون بالأسرار الإلهية، فهم يتناولون بكل سهولة ويسر وعدم توبة حقيقية من الأسرار الإلهية دون التوقف عن ارتكاب المخالفات والمحرَّمات.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليمي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الأورشليميّ، وذلك في إطار تأكيد التقليد الأورشليميّ على هذه الحادثة من أجل أمور رعوية وكنسية آنذاك تتعلق بتقدُّم الخاطئ إلى سر الإفخارستيا وقبول مناولته من عدمه.

ق. كيرلس الأورشليمي 314-387م

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن يهوذا قد خان السيد المسيح إذ قد كفر بنعمة رب البيت، لأنه بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، فأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ وبينما لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، ويستخدم ق. كيرلس أيضًا، مثل ق. كيرلس الإسكندريّ، نبوة (مز 40: 10) كنبوة مُسبَقة عن تناول يهوذا من سر الافخارستيا كالتالي:

”هل تريد أن تعرف بوضوحٍ أن مجد يسوع هو الصليب؟ فاسمع إذًا ما يقوله يسوع نفسه وليس أنا: كان يهوذا قد خانه إذ كفر بنعمة رب البيت، بعد أن جلس إلى مائدته وشرب كأس البركة، وأراد مقابل كأس الخلاص أن يسفك دمًا ذكيًا: ’الآكل خبزه قد داسه بالأقدام‘ (مز 40: 10)؛ لم تتلق بعد يداه خبز البركة حتى أسرع ليسلِّمه إلى الموت، حبًا بمال الخيانة. لقد أضطر أن يؤمن إذ هو سمع: ’أنت قلت‘ (مت 26: 25)، ومع ذلك خرج ليسلِّمه“.[11]

 

 

الفصل الرابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الأفخارستيا في التقليد الأنطاكي

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات إلى تناول التقليد الأنطاكيّ لحادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أقامه الرب يسوع ليلة آلامه وصلبه، وذلك في إطار التأكيد على أهمية هذه الحادثة من الناحية الرعوية والكنسية آنذاك.

ق. يوحنا ذهبي الفم 347-407م

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن المسيح له المجد لم يطرد يهوذا الخائن من المائدة المقدَّسة، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار، أي الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”إذًا، فالمكان الواحد يسعكم جميعًا، وتتحدوا معًا في شركة واحدة، لكن المائدة ليست واحدة في هذا الاجتماع. ولم يقل، فحين تجتمعون ولا تأكلون معًا، أو لا تأكلون في شركةٍ واحدةٍ، لكنه تكلَّم بأسلوبٍ آخر، وأدانهم بصورةٍ مخيفةٍ، بأن قال: ’ليس هو لأكل عشاء الرب‘. وأحالهم – إنطلاقًا من هذا الكلام – إلى تلك الليلة التي فيها سلَّم المسيح الأسرار المهيبة. لذلك فقد دعا إلى العشاء الأفضل، لأن العشاء الأخير يشترك فيه الجميع على نفس المائدة كل يوم. وإنْ كان الفارق بين الأغنياء والفقراء ليس بالقدر الذي عليه الفارق بين المعلِّم والتلاميذ، لأن ذلك الفارق كان بلا حدود. ولماذا أتحدَّث عمَّا كان من فارق بين المعلِّم والتلاميذ؟ فكَّر في المسافة التي تفصل بين المعلِّم والخائن [يهوذا]، ومع هذا فإن هذا الخائن جلس مع التلاميذ، ولم يطرده المسيح له المجد، بل باشتراكه مع بقية التلاميذ، جعله شريكًا في الأسرار“.[12]

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن يهوذا بعدما تناول الإفخارستيا في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، فإنه ذهب مسرعًا بينما بقى الآخرون على مائدة الإفخارستيا كالتالي:

يهوذا بعدما تناول في العشاء الأخير في تلك الليلة الأخيرة، ذهب مسرعًا بينما بقا الآخرون على المائدة“.[13]

ويُحذِّرنا ق. يوحنا ذهبيّ الفم من التقدُّم إلى مائدة الإفخارستيا الرهيبة مثل يهوذا الشرير الذي بعدما تناول خبز الإفخارستيا، دخله الشيطان فسلَّم الربَّ، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”هذا هو يوم التقدُّم إلى المائدة الرهيبة. فلنتقدَّم كلنا إليها بطهارةٍ، ولا يكُن أحدُنا شريرًا مثل يهوذا، لأنه مكتوبٌ: لما تناول الخبز دخله الشيطان فسلَّم ربَّ المجد. وليفحص كلٍّ واحد منا ذاته قبل أن يتقدَّم إلى جسد ودم المسيح لكيلا يكون له دينونة، لأنه ليس إنسان الذي يُناوِل الخبز والدم، ولكن هو المسيح الذي صُلِبَ عنا، وهو القائم على هذه المائدة بسرٍّ، هذا الذي له القوة والنعمة يقول: ’هذا هو جسدي‘“.[14]

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على حضور يهوذا أثناء تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا عندما قال: ”هذا هو جسدي“ و ”هذا هو دمي“، وإنه اشترك في المائدة المقدَّسة، مثله مثل باقي الرسل، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”وبينما هم يأكلون ويشربون أخذ يسوع الخبز وكسر، وقال: ’هذا هو جسدي الذي يُكسَر لأجلكم لمغفرة الخطايا‘. والذين انضموا إلي الكنيسة يعرفون هذه الكلمات. وأيضًا قائلاً عن الكأس: ’هذا هو دمي الذي يُسفَك عن كثيرين لمغفرة الخطايا‘. وكان يهوذا حاضرًا عندما قال المسيح هذه الكلمات. هذا هو الجسد الذي بعته أنت بثلاثين قطعة من الفضة […] يا لمحبة المسيح الفائقة للجنس البشري، ويا لعظم جنون وانعدام العقل ليهوذا، لأنه باع المسيح بثلاثين دينارًا، ولكن المسيح رغم هذا لم يرفض أن يعطي له غفران الخطايا، أي الدم نفسه الذي باعه يهوذا، لأن يهوذا كان هناك حقًا واشترك في المائدة المقدَّسة. وكما أن يسوع غسل قدمي يهوذا مع باقي الرسل، هكذا أيضًا مع باقي الرسل، كان مشتركاً في المائدة المقدَّسة، لكيلا يكون له عذرًا في الدفاع عن خيانته“.[15]

يتحدَّث ق. يوحنا ذهبيّ الفم عن الذين يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء علي وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا عندما تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لتكونوا غير مخادعين، غير ممتلئين بالشر، غير حاملين للحقد في عقولكم، لئلا تناولكم يؤدي إلي دينونة. لأنه بعد أن تناول يهوذا مما قُدِّمَ، دخل الشرير فيه، ليس لأن الشرير يزدري بجسد الربِّ، ولكن يزدري بيهوذا وخزيه. ولهذا فيمكنكم أن تتعلَّموا أنه فيما يتعلق بمَّن يتناولون بغير استحقاق من الأسرار الإلهية، أن هؤلاء على وجه الخصوص هم الذين يغزوهم الشرير، ويدخل فيهم أيضًا، مثلما فعل الشيطان مع يهوذا قديمًا“.[16]

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على دينونة يهوذا الخائن بسبب مشاركته في مائدة المسيح وفي الأسرار وفي الطعام، وذلك لكي يؤكد على حادثة تناول يهوذا من سر الإفخارستيا قائلاً:

”’وعند حلول المساء اتكأ [المسيح] مع الاثنى عشر‘ (مت 26: 20). يا لخزي يهوذا! لأنه هو أيضًا كان حاضرًا أيضًا هناك، وأتى ليشارك في الأسرار والطعام معًا، وقد أُدِينَ عند نفس المائدة، حيث كان سيُروَّض لو كن وحشًا ضاريًا. لهذا السبب يشير الإنجيليّ أيضًا إلى أن المسيح تحدَّث عن خيانته بينما كانوا يأكلون، لكي يُظهِر شرَّ الخائن بواسطة وقت الحديث وبالمائدة معًا“.[17]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أيضًا أن يهوذا الخائن ظلَّ على حاله بالرغم من مشاركته في الأسرار، ورغم أن المسيح سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً، إلا أنه لم يتغيَّر، وذلك في سياق تأكيده على على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”آهٍ! ما أعظم عمى الخائن [يهوذا]! حتى بعد المشاركة في الأسرار، بقي على حاله؛ وبعد أن سمح له بالمجيء إلى المائدة الأكثر رهبةً لم يتغيَّر!“.[18]

ويستطرد ق. يوحنا ذهبيّ الفم في نفس السياق، مؤكدًا على أن خطية يهوذا صارت أبشع حقًا لسببين، لأنه أتى إلى الأسرار في موقف الخيانة، ولأنه لم يصر أفضل بعد الاقتراب من الأسرار كالتالي:

”ويُظهِر لوقا هذا بالقول إنه [يهوذا] بعد هذا دخل إبليس فيه (لو 22: 3؛ يو 13: 27)، ولا يقصد لوقا أن يحتقر جسد الربِّ، بل ضحك ازدراءً منه على خزي الخائن من الآن فصاعدًا. لأن خطيئته صارت أبشع حقًا لسببين: لأنه أتى إلى الأسرار بموقف كهذا، ولأنه لم يصر أفضل بعد أن اقترب منها، لا من الخوف، ولا من الفائدة، ولا من الكرامة. لكن المسيح لم يمنعه رغم أنه كان يعرف كل شيء، لكي تتعلَّموا أنه لا يُغفِل أيّ شيء من الأشياء التي تخص الإصلاح“.[19]

ويُوضِّح ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن المسيح أراد تخجيل الخائن، ولكنه بعد المشاركة في الخبز، أهان المائدة، وبالرغم من مشاركته في كرم المسيح، لم يُردِعه هذا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا كالتالي:

”وحتى الطريقة التي استخدمها المسيح كان مُقدَّرًا لها أن تُخجِّل الخائن. لأن بعد المشاركة في نفس الخبز، أهان المائدة. وبفرض أن مشاركته في كَرَم المسيح لم يُردِعه، فمَّن هو الشخص الذي لا تستميله المحبة نحو المسيح لنوال اللقمة منه؟ لكنها لم تستمل يهوذا. لذلك، ’فبعد اللقمة دخله الشيطان‘ (يو 13: 27) مستهزئًا به لوقاحته“.[20]

 

 

الفصل الخامس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكي

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في التقليد الكبادوكيّ، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائي من مختلف التقاليد الكنسية على هذه الحادثة وأبعادها الرعوية والكنسية.

ق. غريغوريوس اللاهوتي 329-390م

يشير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتي“ إلى أن المسيح لم يمانع في مناولة يهوذا جزءًا من الإفخارستيا، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من  سر الإفخارستيا قائلاً:

”أصغ، يا يهوذا، إلى كل الخير الذي صنعه إليك. أخرجك من ظلمات الجهل، خلَّصك، أراك نور الخلاص؛ أنعم عليك برؤية معجزات كثيرة، وقال إنك ستجلس مع رسله لتدينوا جميع أسباط إسرائيل. وبجعله المال كله بين يديك جنّبك عذر الفقر. لقد كنت سارقًا، ولا تظن أنه كان على غفلةٍ من ذلك. ولكنه هو، في رحمته العظمى، لم يوجِّه إليك أي تأنيب؛ لم يكن ليتأثر بموقفك. وإنه، وإنْ كان على علم تام بحالك، قبل جريمتك، لم يتردَّد في غسل رجليك المجرمتين، ومناولتك جزءًا من خبز الإفخارستيا. وبعدما نلت منه هذه الحسنات، يا أقبح البشر، خُنته، وقبلت ثمن الدم حين لم تكن بحاجةٍ إلى مال“.[21]

ق. باسيليوس الكبير 330-379م

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير في الليتورچية بحسب تسليم كنيسة الروم الأرثوذكس في يوم خميس العهد (التريودي باللحن السادس) على أن يهوذا سلَّم المخلِّص على الرغم من وجود الخبز السماويّ، أي الإفخارستيا في فمه، مشيرًا إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”إنَّ يهوذا، بالحقيقة، هو ابن الأفاعي الآكلين المنَّ في القفر والمتذمرين على المغذِّي، لأن غير الشكورين، إذ كان الطعام في أفواههم، كانوا يتذمرون على الله. وكذلك هذا الرديء العبادة، إذ كان الخبز السماويّ في فمه، صنع التسليم على المخلِّص. فيا له من عزم فاقد الشبع، ويا لها من جسارة وحشية، لأنه باع المغذِّي، وأسلَّم إلى الموت، السيد الذي كان يحبه“.[22]

ديونيسيوس الأريوباغي 485م

يشير ديونيسيوس الأريوباغيّ أو المنحول في كتابه الطغمات الكنسية إلى أن مُؤسِّس الأسرار الإلهية، أي المسيح، يستبعد مَن يتناول العشاء الإفخارستيّ معه، مثل يهوذا بطريقةٍ غير تقوية وغير مناسبة لشخصه قائلاً:

”هنا أيضًا، يا بُنيَّ الرائع، بحسب الصور، آتي بالترتيب والإجلال الواجبين إلى الواقع الإلهيّ للنماذج الأصلية، قائلاً هنا لأولئك الذين صاروا أهلاً، من أجل التوجيه المتناغم لأرواحهم، أن التكوين المتنوع والمقدَّس للرموز لا يخلو من التأمل الروحيّ لهم، كما يُقدَّمون بشكلٍ ظاهريّ. لأن أقدس الترانيم والقراءات النبوية تعلِّمهم نظام الحياة الفضلى، ويسبق ذلك، التطهير الكامل من الشر المدمِّر؛ والتوزيع الأكثر ألوهةً والأعم والأسلم لنفس الشيء، أي الخبز والكأس، الذي يربطهم بشركةٍ تقويةٍ في الشخص، مثل الشركة في الطعام، ويُذكِّرهم بالعشاء الإلهيّ الكامل، وممارسة الرموز الأصلية للطقوس، والتي بموجبها يستبعد مُؤسِّس الرموز نفسه [أي المسيح]، بكل عدل، مَن تناول [أي يهوذا] في العشاء معه من القُدسات بطريقةٍ غير تقويةٍ (يو 13: 11) وغير لائقةٍ بشخصه؛ ويُعلِّم في الحال، بطريقةٍ واضحةٍ وإلهيةٍ، أن الاقتراب من الأسرار الإلهية بعقلٍ صادقٍ يمنح أولئك الذين يقتربون الشركة في العطية بحسب شخصيتهم“.[23]

 

 

الفصل السادس: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد اللاتيني

سوف نستعرض في هذا الفصل الإشارات المتنوعة في كتابات آباء الكنيسة اللاتينية الغربية عبر العصور إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير وتداعيات ذلك الحدث من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول الخاطئ المتقدِّم إلى التناول من سر الإفخارستيا من عدمه.

العلامة ترتليان الأفريقي 160-240م

نجد عند العلامة ترتليان الأفريقيّ أقدم تقليد كنسيّ في الغرب اللاتينيّ يتحدَّث عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الشكر، أي الإفخارستيا، حيث يستخدم نبوة (مز 41: 9) للإشارة إلى تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الإفخارستيا تحقيقًا لهذه النبوة كالتالي:

”حتى أنه أراد بشدةٍ أن يُتمِّم رمز دمه الفادي، ربما يكون قد خانه أي غريب، ألا أجد أنه تمَّم حتى هذا المزمور: ’أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي. رفع عليَّ عقبه!‘ (مز 41: 9)، وتعرض للخيانة بلا ثمن، لأنه لا يوجد حاجة إلى خائن في حالة شخص قد قدَّم نفسه علانيةً للشعب، وكان من الممكن أن يُؤخَذ بالقوة وبنفس السهولة التي أُؤخِذَ بها عن طريق الخيانة؟ ربما كان هذا بلا شك جيدًا وكافيًا لمسيحٍ آخر، لكنه لم يكن مناسبًا لمَّن كان يُحقِّق النبوات. لأنه مكتوب: ’باعوا البار بالفضة‘ (عا 2: 6)، المبلغ نفسه والجهة التي خُصِّصَ لها المال الذي تمَّ استرداده بسبب ندم يهوذا عن الغرض الأول من المال، والمخصَّص لشراء حقل الفخاريّ، كما ورد في إنجيل متى، حيث تنبأ إرميا عنها بوضوحٍ: ’ثلاثين من الفضة. ألقها إلى الفخاريّ الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به‘ (زك 11: 12-13)، عندما أعرب بكل جدية عن رغبته في أكل الفصح، أَعتبره عيدًا خاصًا به؛ لأنه كان من غير المستحق أن يرغب الله في أن يشترك فيما ليس له. ثم أخذ الخبز وأعطى تلاميذه، وجعله جسدًا خاصًا به، قائلاً: ’هذا هو جسدي‘ (لو 22: 19)“.[24]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان 339- 397م

يتحدَّث ق. أمبروسيوس أسقف عن تناول يهوذا خبز الإفخارستيا من المسيح، وكان يتغذَّى مع المسيح ويشرب معه، ولكن دخل الشيطان في قلبه، وخان المسيح، ففارقه المسيح، لأن يهوذا تركه وأتبَّع الشيطان، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”ولنا مثال على ذلك، لأنه عندما أخذ يهوذا الخبز من المسيح، دخل الشيطان في قلبه كأنه يطالب بما له، كأنه يحتفظ بحقه في نصيبه، كأنه يقول: ليس لك بل ليَّ. من الواضح أنه خادمي، خائنك، ومن الواضح أنه ليَّ. يجلس معك ويخدمني. يتغذَّى معك ولكنني أُغذِّيه. يتناول منك الخبز ومني المال. يشرب معك، ويبيع ليَّ دمك. وأثبت مدى صدق كلامه. ومن ثمَّ، فارقه المسيح، ويهوذا نفسه أيضًا ترك يسوع وتَبِعَ الشيطان“.[25]

أوغسطينوس أسقف هيبو 354-430م

يُؤكِّد أوغسطينوس أسقف هيبو على أن تناول بطرس من الإفخارستيا كان للحياة، أمَّا تناول يهوذا من الافخارستيا فكان للموت، في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا قائلاً:

”اشترك بطرس ويهوذا في خبزٍ واحدٍ، ولكن أية شركة للمؤمن مع غير المؤمن؟ كانت شركة بطرس للحياة، أمَّا شركة يهوذا فكانت للموت. لأن الخبز الجيد كان كالمذاق الشهي. لأنه كالمذاق الشهي، كذلك أيضًا الخبز الجيد يحيي الأبرار ويميت الأشرار. ’لأنه مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[26]

ويشير أوغسطينوس إلى اشتراك يهوذا مع باقي التلاميذ في العشاء المقدَّس، مؤكدًا على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

”لأن بولس نفسه لم يشترك في خطايا الآخرين، لأنه احتمل الأخوة الكذبة الذين يئن لأجلهم في وحدة الجسد. كما أن الرسل الذين سبقوه لم يشتركوا في سرقة يهوذا وجريمته، لأنهم اشتركوا معه في العشاء المقدَّس، عندما قد باع ربه بالفعل، وأشار إليه الربُّ على أنه خائنٌ“.[27]

يرى أوغسطينوس أن يهوذا، الذي أعطاه الرب لقمة الإفخارستيا، هو الذي أعطي مكانًا للشرير في داخله، لأنه لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ، كذلك كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون التناول سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، فإنه لم يأخذ شيئًا، لأنه لم يأخذ المناولة لخلاصه، وذلك في سياق تأكيده على تناول يهوذا من الإفخارستيا كالتالي:

كما أن يهوذا، الذي أعطاه الرب ’لقمةً‘، أعطي مكانًا للشيطان في نفسه، لم يتناول ما هو سيء، بل تناوله بطريقةٍ سيئةٍ (يو13: 27)، لذلك، كل مَن يتناول سرّ الربّ، لا يتسبَّب في أن يكون [التناول] سيئًا، بل لأنه هو نفسه سيء، أو أنه لم يتناول شيئًا، لأنه لم يتناول للخلاص. فهو ليس إلا جسد الرب ودم الرب، حتي فيمَّن قال لهم الرسول: ’مَن يأكل بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونةً لنفسه‘ (1كو 11: 29)“.[28]

يتحدَّث أوغسطينوس عن تناول بطرس من الأسرار المقدَّسة للخلاص، وتناول يهوذا من نفس الأسرار المقدَّسة للدينونة، وذلك في إطار تأكيده على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

”فمَّن منَّا يقول إنه ثمة شركة بين البر والإثم، حتى إنْ كان البار والأثيم، كما في حالة يهوذا وبطرس، يشتركون في الأسرار على حد سواء؟ لأنهما من نفس الشئ المقدَّس [أي الإفخارستيا]، تناول يهوذا دينونةً لنفسه، وتناول بطرس الخلاص، كما تتناول أنت القربان مع أوبتاتوس Optatus فإنْ كُنت لا تشبهه، فلِمَ تشترك إذًا في سرقاته“.[29]

ق. جيروم 342-420م

يناقش ق. چيروم قضية الاستحقاق للتناول من جسد الرب ودمه، ويرى ق. چيروم اختلاف الاستحقاق حسب استحقاق المتناولين، فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه. يتساءل ق. چيروم هل لأنَّ يهوذا شرب من نفس الكأس مثل بقية الرسل، يكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟ تناول يهوذا من الافخارستيا قائلاً:

”في الأسرار المسيحية، هناك وسيلة واحدة لتقديس السيد والعبد، النبيل والوضيع، الملك وجنوده، ولكن كُلٍّ يختلف حسب استحقاق المتناولين منه. فمَّن يتناول ويشرب بدون استحقاق، يكون مذنبًا في جسد الربِّ ودمه (1كو 11: 27). هل لأنَّ يهوذا شرب نفس الكأس مثل بقية الرسل، فيكون هو وهم بنفس الاستحقاق؟! لكن لنفترض أننا لم نختر تناول السرِّ، ففي جميع الأحوال، لدينا جميعًا نفس الحياة، ونتنفس نفس الهواء، ولدينا نفس الدم في عروقنا، ونتغذَّى على نفس الطعام“.[30]

توما الأكويني 1225-1274م

يناقش الأب توما الأكوينيّ، أحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في العصر الوسيط، قضية تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، وذلك في سياق إجابته على سؤال: هل أعطى المسيح جسده ليهوذا؟ ويخلص الأكوينيّ، بعد مناقشة طويلة لكافة الاعتراضات على عدم تناول يهوذا، إلى أن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس أسقف هيبو في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). ويؤكد الأكوينيّ على أن المسيح لم يطرد يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين، وهكذا يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كالتالي:

”الاعتراض الأول، يبدو أن المسيح لم يعطِ جسده ليهوذا. لأنه كما نقرأ في (مت 26: 29)، قال ربنا لهم، بعد أن أعطى جسده ودمه للتلاميذ: ’لا أشرب من الآن من ثمر الكرمة هذا إلى ذلك اليوم عندما أشربه معكم من جديد في ملكوت أبي‘. ويتَّضح من هنا أن الذين أعطاهم جسده ودمه كان عليهم أن يشربوا منه أيضًا. ولكن يهوذا لم يشرب منه بعد ذلك معه. لذلك، لم يتناول [يهوذا] جسد المسيح ودمه مع التلاميذ الآخرين. الاعتراض الثاني، علاوة على ذلك، فإن ما أوصى به الرب قد أتمَّه بنفسه، كما جاء في (أع 1: 1): ’وابتدأ يسوع يعمل ويُعلِّم‘. ولكنه أعطى وصية في (مت 7: 6): ’لا تعطوا القدس للكلاب‘. لذلك، بسبب معرفته بأن يهوذا خاطئ، يبدو أنه لم يعطه جسده ودمه. الاعتراض الثالث، علاوة على ذلك، إن هذا يتعلق بآية (يو 13: 26) حيث أعطى المسيح يهوذا خبزًا مغموسًا. وبالتالي، إنْ كان قد أعطاه جسده، فواضح أنه أعطاه إياه في اللقمة، خاصةً أننا نقرأ في (يو 13: 26): ’بعد اللقمة دخله الشيطان‘. ويقول أوغسطينوس في هذا المقطع (مقالة 112 على إنجيل يوحنا): ’نتعلَّم من هذا كيف يجب علينا توخي الحذر من تلقي الخير بطريقةٍ شريرةٍ […] لأنه إذَا ’توبَّخ‘ مَن ’لا يُميِّز‘، أي يُميِّز جسد الرب عن اللحوم الأخرى، فكيف ينبغي أن ’يدين‘ مَن يتظاهر بأنه صديق، ويأتي إلى مائدته عدوًا‘؟ لكن [يهوذا] لم يتناول جسد ربنا باللقمة المغموسة؛ وهكذا علَّق أوغسطينوس على (يو 13: 26)، ’فلما غمس وأعطى ليهوذا سمعان الإسخريوطيّ‘، [نسخة الفولوجاتا: ليهوذا بن سمعان الإسخريوطيّ] (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’لم يتناول يهوذا جسد المسيح وقتها، كما يظن البعض الذين يقرأون بدون اهتمام‘. لذلك، يبدو أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح. ولكن على العكس من ذلك، يقول فم الذهب في (عظة 82 على إنجيل متى): ’لم يتغيَّر يهوذا عند تناوله من الأسرار المقدَّسة: لذلك أصبحت جريمته أشنع من كلا الجانبين، لأنه مُشبَّع بهذه الغاية واقترب من الأسرار، ولأنه لم يصبح أفضل بالاقتراب، ولا من الخوف، ولا من المنفعة التي تلقاها، ولا من الشرف الممنوح له‘. فأجيبُ على ذلك، إن هيلاري، في تعليقه على (مت 26: 17)، رأى أن المسيح لم يعطِ جسده ودمه ليهوذا. وكان من الممكن أن يكون هذا صحيح تمامًا، إذَا أخذنا في الاعتبار خبث يهوذا. ولكن بما أن المسيح ينبغي أن يخدمنا كنموذج للعدل، فلا يتفق مع سلطانه للتعليم أن يقطع يهوذا، الخاطئ المستتر، عن الشركة مع الآخرين بدون تهمة ودليل واضح لئلا يكون قدوةً لأساقفة الكنيسة في فعل ذلك، ولئلا يغتاظ يهوذا نفسه وينتهز الفرصة لارتكاب الخطيئة. لذلك، يبقى أن نقول إن يهوذا قد تناول جسد الرب ودمه مع التلاميذ الآخرين، كما يقول ديونيسيوس [المنحول] في كتابه (الطغمات الكنسية : 3)، وأوغسطينوس في (مقالة 73 على إنجيل يوحنا). الرد على الاعتراض الأول، هذه حجة هيلاري لإثبات أن يهوذا لم يتناول جسد المسيح، ولكنها حجة غير مقنعة، لأن المسيح يتكلَّم مع التلاميذ الذين انفصل يهوذا عن شركتهم، ولم يكن المسيح هو الذي استبعده. لذلك، فالمسيح من جانبه يشرب الخمر حتى مع يهوذا في ملكوت الله، ولكن يهوذا نفسه رفض هذه المائدة. الرد على الاعتراض الثاني، كان المسيح يعرف شر يهوذا لأنه الله؛ ولكنه لم يعرفه بالطريقة التي يعرفه بها البشر. وبالتالي، لم يطرد المسيح يهوذا من المناولة؛ وذلك لتقديم مثال على أنه لا ينبغي أن يصد الكهنة الآخرون هؤلاء الخطأة المتخفين. الرد على الاعتراض الثالث، بدون أدنى شك، لم يتناول يهوذا جسد المسيح في الخبز المغموس؛ لقد تناول خبزًا فقط. ومع ذلك، كما يلاحظ أوغسطينوس (مقالة 62 على إنجيل يوحنا): ’ربما تظاهر يهوذا بغمس الخبز؛ تمامًا كما يتمُّ غمس بعض الأشياء من أجل صباغتها‘. ولكن إذَا كان الغمس يعني هنا أي شيء جيد (على سبيل المثال، حلاوة الصلاح الإلهيّ، حيث أن الخبز يصبح أشهى عن طريق غمسه)، ’فهل تبعت الدينونة جحوده للخير نفسه بدون استحقاق‘. وبسبب هذا الجحود ’صار الخير بالنسبة له شرًا، كما يحدث للذين يتناولون جسد المسيح بدون استحقاق‘. وكما يقول أوغسطينوس في (مقالة 12 على إنجيل يوحنا): ’يجب أن نفهم أن ربنا قد وزَّع بالفعل سر جسده ودمه على جميع تلاميذه، بما فيهم يهوذا أيضًا، كما يروي لوقا: وبعد ذلك، نصل إلى هذا، حيث يعلن ربنا بوضوحٍ أنه خائنه من خلال غمس اللقمة وتسليمها إليه، وفقًا لرواية يوحنا“.[31]

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل السابع: الإشارات إلى تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا في التقليد السرياني

سوف نتتبع في هذا الفصل الإشارات إلى حادثة تناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا في كتابات آباء الكنيسة السريانية، وذلك في إطار التأكيد على الإجماع الآبائيّ على هذه الحادثة المهمة وتداعيات ذلك الأمر من الناحية الرعوية والكنسية في مسألة قبول مناولة الخاطئ المتقدِّم إلى سر الإفخارستيا من عدمه.

مار أفرام السرياني 306-373م

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ في شذرات تفسيره على الدياطسرون [الإنجيل الرباعيّ لتاتيان السوريّ] عن تناول يهوذا الإسخريوطيّ من الخبز المقدَّس، وإنه ورث الحياة الأبدية به، لذا يبتكر نظرية نزع القداسة من العناصر عن طريق غمس الخبز في الماء،[32] وهذا ما سوف يُؤكِّده مار ساويروس موسى بن كيفا في شهادته عن مار أفرام السريانيّ فيما يلي، حيث يقول مار أفرام التالي:

”وكذلك فصل الربُّ بالماء يهوذا عن تلاميذه عندما أعطاه خبزًا مغموسًا في الماء، لأنه لم يكن مستحقًا لذلك الخبز الذي وزَّع مع الخمر على الرسل الأثنى عشر. لأنه لا يجوز أن الذي أسلَّمه إلى الموت [يهوذا]، أن يأخذ في شكل خبز، ذاك الذي يُخلِّص من الموت [المسيح]“.[33]

مار ساويروس موسى بن كيفا 813- 903م

يشير مار ساويرس موسى بن كيفا إلى شهادة كُلٍّ من مار ايوانيس ومار سويريوس الأنطاكيّ ومار أفرام السريانيّ ومار يعقوب السروجيّ ومار يعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون عن مشاركة يهوذا الإسخريوطيّ فى الأسرار، ويستعرض شواهد كل أب من هؤلاء الآباء الذين أكَّدوا على تناول يهوذا في كتاباتهم. حيث قال مار ايوانيس ذلك فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وقال مار سويريوس ذلك فى المعنيث الثانى، وقال مار أفرام السريانيّ ذلك فى تفسير الإنجيل، وقال يعقوب السروجيّ أيضًا ذلك فى الميمر على الآلام وقال مار يعقوب الرهاويّ ذلك الأمر فى قوانينه كالتالي:

”إذَا ما شارك يهوذا فى الأسرار أم لا؟ نقول: يقول مار ايوانيس ومار سويريوس ومار أفرام ويعقوب السروجيّ ويعقوب الرهاويّ وآخرون كثيرون أنه شاركه فى الأسرار، كذلك قال ايوانيس فى ميمره على خيانة يهوذا، وفى الميمر الحادى والثمانين من تفسير إنجيل متى، وسويريوس فى المعنيث الثانى، ومار أفرام فى تفسير الإنجيل ويعقوب السروجيّ فى الميمر على الآلام ويعقوب الرهاويّ فى قوانينه. أمَّا القديس مار فيلكسينوس فى تفسير إنجيل متى فقد قال إنه لم يشاركه فى الأسرار وذلك لأن الشيطان قد دخله منذ زمن بعيد، ومن تسليم مار فيلكسينوس جرت الكنيسة ألا يُعطَى القربان للذين يتخبطون من الشياطين. قال مار افرام ويعقوب السروجيّ إنه شاركه فى الأسرار، ولكن يضيفون أنه بغمسة الخبز بالماء نزع عنه طُهره (أي قُدسه) وأنه أعطاه خبزًا بسيطًا“.[34]

مار ديونيسيوس بن الصليبي 1166- 1171م

يشهد مار ديونيسيوس بن الصليبيّ بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، ويستعرض أسماء الآباء الذين قالوا بتناول يهوذا من سر الإفخارستيا، ويحدِّد المواضع التي قالوا فيها بتناول يهوذا الإسخريوطيّ في كتاباتهم كالتالي:

”وقد اختلف المعلِّمون في هل أشرك السيد يهوذا بالأسرار أم لا؟ فالذهبيّ الفم في مقالته عن خيانة يهوذا وفي مقالته الحادية والثمانين من تفسير انجيل متى، وساويرس في المغيث الثاني، والقديس أفرام في تفسير الانجيل، ويعقوب السروجيّ في ميمر الآلام، ويعقوب الرهاويّ في كتاب القوانين، وغيرهم، يقولون إن المسيح أشرك يهوذا في الاسرار. أمَّا القديس فيلوكسينوس في تفسيره بشارة متى فيقول إنه لم يُشرِكه لأن الشيطان كان قد سبق واستولى على يهوذا ومن فيلكسينوس هذا قد جرت العادة في الكنيسة ألا يُعطَى القربان للممسوسين من الشياطين. أمَّا القديس أفرام ويعقوب السروجيّ فقالا بأن السيد أشرك يهوذا في الأسرار ولكنه بلَّ الجسد بالماء فزالت منه القداسة غير أن مُعلِّمين آخرين يقولون إن الجسد المبلول بالماء لا تزول منه القداسة، وإن الماء لا يقدر أن يزيل القداسة والروح الذي فيه، قال داود الراهب ابن بولص الموصليّ محب موسى ابن الحجر إن سيدنا وإنْ لم يبل جسده الذي ناوله ليهوذا بالماء، لكنه أزال قداسته خفيةً لعدم استحقاق يهوذا الخائن له، ولا يخفى إن الحنفي إذَا أكل القداس يأكله خبزًا بسيطًا لأنه يأكله بدون ايمان، ويعقوب الرهاويّ يقول إن السيد ناول يهوذا خبزًا يابسًا كانوا يغمسونه في الأطعمة ويأكلونه، فمن هذا الخبز غمس غمس سيدنا وناوله لا من خبز الأسرار الذي قدَّس جسده منه“.[35]

مار غريغوريوس بن العبري 1226-1286م

يُؤكِّد مار غريغوريوس بن العبريّ، مثله مثل الآباء السريان السابقين عليه، على أن مار يعقوب السروجيّ، ومار أفرام السريانيّ، وق. يوحنا ذهبيّ الفم، وق. ساويروس الأنطاكيّ، وداود الراهب بن بولس، قالوا بتناول يهوذا من الأسرار المقدَّسة في كتابه ”التعليقات على الأناجيل“ كالتالي:

”يقول مار أفرام [السريانيّ] ومار يعقوب [السروجيّ] أن ربنا اشترك مع يهوذا في الأسرار، ولكن بعدما قد نزع القداسة من الخبز بغمسه في الماء. ويقول الآخرون إن الأسرار لا تُنزَع من القداسة حتى لو غُمِسَت في الماء. ويقول ق. يوحنا [ذهبيّ الفم] وساويروس [الأنطاكيّ] أنه اشترك في الخبز، بالرغم من أنه لم يكن مُجرَّدًا من القداسة […] ويقول داود الراهب، ابن بولس، إنه [أي يهوذا] اشترك فيه، أي في العناصر غير منزوعة القداسة، ولكن يهوذا أكل منه كخبزٍ عاديّ بدون إيمان“.[36]

 

 

الخلاصة

نستخلص مما سبق أن هناك نبوة (مز 41: 9) تشير نبويًا وسريًا إلى الرجل الذي أكل من الخبز وسلَّم المخلص، أي تناول يهوذا من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه السيد المسيح ليلة آلامه وصلبه، ولقد استخدم ق. يوحنا في إنجيله هذه النبوة وكذلك استخدمها أغلب آباء الكنيسة للتأكيد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا. وهناك رواية إنجيلي لوقا ويوحنا تشير إلى حضور يهوذا الإسخريوطيّ لتأسيس سر الإفخارستيا وتناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك شهادات عديدة من تقاليد كنسية مبكرة مختلفة عن تقليد يقول بتناول يهوذا الإسخريوطيّ من سر الإفخارستيا، فنجد العلامة أوريجينوس الإسكندريّ، وق. كيرلس الإسكندريّ، وق. إيسيذوروس الفرميّ، يشيرون إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا تقليد كنيسة الإسكندرية.

هناك تقليد مبكر في كنيسة أورشليم بفلسطين يشير فيه ق. كيرلس الأورشليميّ إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد ق. يوحنا ذهبي الفم يشير بوضوحٍ في مواضع عدة من كتاباته إلى تقليد كنيسة أنطاكية الذي يؤكد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وكان يستخدم هذا الأمر في أمور رعوية، حيث كان يدعوة الخطأة إلى التناول من سر الإفخارستيا لكي يكون ذلك سببًا في بداية توبتهم واستمرارهم في حياة البر.

نجد ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ، وق. باسيليوس الكبير، وديونيسيوس الأريوباغيّ، يؤكدون على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا، وهذا يُعبِّر عن تقليد كنيسة كبادوكية بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا) الذي يؤكد على تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

هناك تقليد غربيّ لاتينيّ مبكر عند العلامة ترتليان الأفريقيّ، وق. أمبروسيوس أسقف ميلان، وأوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، وق. چيروم، وحتى عصر الأب توما الأكوينيّ في العصر الوسيط يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نجد أيضًا تقليد سريانيّ مبكر عند مار أفرام السريانيّ، ومار ساويروس موسى بن كيفا، ومار ديونيسيوس الصليبيّ، ومار غريغوريوس بن العبريّ، يشير إلى تناول يهوذا من سر الإفخارستيا.

نستخلص مما سبق أن هناك إجماع كبير من تقاليد كنسية مختلفة على مر العصور أن يهوذا الإسخريوطيّ قد تناول من سر الإفخارستيا في العشاء الأخير الذي أسَّسه الرب يسوع ليلة آلامه وموته.

سوف أقوم بعرض قائمة آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا الذين يؤكدون على تقليد تناول يهوذا من سر الإفخارستيا كالتالي:

  • العلامة أوريجينوس الإسكندريّ
  • ق. كيرلس الإسكندريّ
  • ق. إيسيذوروس الفرميّ
  • ق. كيرلس الأورشليميّ
  • ق. يوحنا ذهبي الفم
  • ق. غريغوريوس اللاهوتيّ
  • ق. باسيليوس الكبير
  • ديونيسيوس الأريوباغيّ
  • العلامة ترتليان الأفريقيّ
  • ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
  • أوغسطينوس أسقف هيبو
  • ق. چيروم
  • الأب توما الأكوينيّ
  • مار أفرام السريانيّ
  • مار ساويروس موسى بن كيفا
  • مار ديونيسيوس الصليبيّ
  • مار غريغوريوس بن العبريّ

[1] Origen of Alexandria, In Johannem, 32, 24 GCS, 4, 468.

[2] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 148، ص 720.

[3] المرجع السابق، عظة 142، ص 694.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 18: 3)، ص 422.

[5] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 23-26)، ص 111.

[6] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 26-27)، ص 112.

[7] المرجع السابق، ص 113.

[8] المرجع السابق، تعليق على (يو 13: 30)، ص 118.

[9] المرجع السابق، ص 119.

[10] إيسيذوروس الفرمي (قديس)، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي مج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة 170 إلى شيريموناس، ص 186.

[11] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشر الأوسط – جامعة الكسليك، 1982)، عظة 13: 6، ص 214.

[12] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٢٧: ٣، ص ١٥٠، ١٥١.

[13] John Chrysostom (St.), On the Feast of the Epiphany, Reflection 26-2, Synaxarion Orthodoxia.

[14] النص اليوناني للعظة: PG XLIX, 389-390؛ والنص القبطي للعظة: MS Copto Vat. XCVIII fol. 232v-233.

[15] Daniel J. Sheerin, The Eucharist (Message of the Fathers of the Church Series, Vol. 7), (M. Glazier, 1986), pp. 144-145.

[16] John Chrysostom (St.), On the Betrayal by Judas 1.6, ACC IV b, CIII.

[17] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة 81: 1، ص 125.

[18] المرجع السابق، عظة 82: 1، ص 131.

[19] المرجع السابق، ص 131.

[20] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 72، ص 32.

[21] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، ص ٥٨.

[22] قداس ق. باسيليوس الكبير بحسب تسليم كنيسة الروم الارثوذوكس، يوم الخميس العظيم.

[23] Dionysius the Areopagite, the Works of Dionysius the Areopagite, Trans. by John Parker, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1897), Ecclesiastical Hierarchy, 3: 3: 1, pp. 192-93.

[24] ترتليان (علامة)، ضد ماركيون، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2023)، 4: 40، ص 341، 342.

[25] Ambrose of Milan (St.), Selected Works & Letters, NPNF, Ser. II, Vol. 10, Trans. by H. De Romestin, E. De Romestin & H. T. F. Duckworth, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Letter to the Church at Vercellae LXIII: 95, p. 990.

[26] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 7, Tractates on John, Trans. by John Gibb & James Innes, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1818-1893), Tract. L., Ch. 11: 10, p. 467.

[27] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Book II, Ch. 107-243, p. 1177.

[28] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, On Baptism, Against the Donatists, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. V, Ch. 8-9, p. 832.

[29] Augustine of Hippo, NPNF Ser. I, Vol. 4, Answer to the Letters of Petilian, the Donatist, Trans. by J. R. King, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II, Ch. 40-96, p. 1076.

[30] Jerome (St.), NPNF Ser. II, Vol. 6, Against Jovinianus, Trans. by W. H. Fremantle, G. Lewis & W. G. Martley, Edit. by Philip Schaff, (Grand Rapids MI: Christian Classics Ethereal Library, 1819-1893), Bk. II: 25, p. 890.

[31] Thomas Aquinas, Summa Theologiae, III, Q 81, Art. 2.

[32] J. Rendel Harris, Fragments of The Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, (London: C. J. Clay & Sons, Cambridge University Press, 1895), pp. 84-85.

[33] The Venerable Ephraim the Syrian, Works (Russian Version, 1995), p. 279.

[34] ساويرس موسى بن كيفا (مار)، المواعظ، نقله إلى العربية: الشماس الإنجيلى بهنام دانيال البرطلى، (العراق: دار المشرق الثقافية، ٢٠١٣)، عظة في خميس الأسرار، فصل ١٤، ص. ٢٢٨.

[35] ديونيسيوس يعقوب بن الصليبى السريانى (مار)، الدرّ الفريد فى تفسير العهد الجديد ج1، أعاد طبعه وكتب مقدمته مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان، (لبنان: جبل لبنان، ٢٠١٧)، تفسير إنجيل متى، الاصحاح ٢٦، ص ٥٢٠-٥٢١.

[36] BAR-HEBRAEUS, Commentary on the Gospels, Trans. & Edit. By Wilmot Eardley, (London: Society for promoting Christian knowledge, 1925), p. 63.

 

تناول يهوذا الإسخريوطي من سر الإفخارستيا – د. أنطون جرجس عبد المسيح

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

الأحد الأول (أحد الكنوز)

من تفسير للقديس يوحنا ذهبي الفم

(على إنجيل متى19:6ـ33)

 

 

”  لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ ” (مت19:6)

وبعد أن أخرج السيد المسيح من نفوسنا مرض التفاخر والعُجب، نراه يبدأ في الوقت المناسب حديثه عن الفقر الاختياري. إذ أنه لا يوجد شئ يشجّع المرء على محبة المال أكثر من حب المجد الباطل.

          وفيما سبق اكتفى الربُّ بأن يوصينا أن نصنع الرحمة. أما هنا فبيّن لنا كيف تكون هذه الرحمة، بقوله: ” لا تكنزوا لكم كنوزًا“، وذلك لأنه لم يكن ممكنًا في بداية حديثه أن يُركَز الكلام كله دفعة واحدة حول ازدراء الثروات وذلك بسبب طغيان حب المال. لذا نراه يُجزّئ الحديث إلى مقاطع صغيرة، ويقدّمه قطرة قطرة للنفوس كي يصبح كلامه مقبولاً، لهذا فقد قال في البداية ” طوبى للرحماء” (مت7:5). وبعد هذا ” كن مراضيًا لخصمك” (مت25:5)، ثم أضاف: ” من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك اترك له الرداء أيضًا” (مت40:5).

          وهنا ما هو أعظم بكثير، إذ لا يُفترض وجود خصم أو طرف آخر، بل إنه يريد أن يعلّمنا ازدراء الثروات نفسها ويوضّح لنا أنه يَسِنّ هذه الشرائع لا من أجل الذين ينالون الصدقة بل من أجل الذين يعطون الصدقة. وفي هذا الموقف أيضًا لم يَقُل السيّد كل ما أراد، بل تكلّم بلطف لأن الوقت لم يكن قد حان، وهو هنا يفحص الأفكار فقط، متخذًا موقف الناصح أكثر منه موقف المُشرّع من جهة أقواله حول هذا الموضوع.

          وبعد أن قال ” لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض” أضاف:

 

حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ ” (19:6).

          حيث إنه يلمّح إلى الأمور التي يخافون منها بالأكثر، إذ يقول:   ” مما تخاف؟ هل تخاف أن تنفد أموالك إن أنت تصدّقت بها؟ لا، إعط صدقة وتأكد أن أموالك لن تنفد، بل ستزداد بشكل عظيم حقًا، لأن الخيرات السماوية ستُضاف إليها. لقد شدَّ انتباههم بقوله لهم إن كنزهم لن يُنفق بل سيبقى هكذا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جَذَبَ انتباههم إلى أمر آخر، إذ أنه لم يقل فقط:       ” سيحفظ كنزكم إن تصدقتم”، بل هدّد بالشيء المعاكس أيضًا، وهو أنه سيَفَنى إن لم تتصدقوا… وكيف؟ أسيَفنَى السوسُ الذهَب؟ بالطبع لا، لكنهم اللصوص. وهل صار الجميع ضحايا للسرقة؟ إن لم يكن الجميع فعلى الأقل الأكثرّية منهم. ولهذا فإننا نجد الربّ، وكما قلت سابقًا قد طرح أمرًا آخرً بقوله: ” لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا” (مت21:6)[1]. حتى ولو لم يحدث أي من هذه الأشياء، فإنك ستتعّرض لأذى ليس بالقليل لأنك قد وضَعَتَ كل اهتمامك في الأشياء السفلّية، وصرت عبدًا بعد أن كنت حُرًا، ولأنك نحيّت جانبًا الأمور السماوية، وأصبحت غير قادر على أن تدرك أي شئ منها، وصار كل تفكيرك يدور حول المال والربا والقروض والأرباح والأمور التجارية الخسيسة، فهل هناك ضياع أكثر من هذا؟

          إن شخصًا كهذا يكون أسوأ من أي عبد ـ إذ أنه تخلّى عن أهم شئ، أي عن سمو الإنسان وحريته.

          فمهما تحدّث معك أي شخص فأنت عاجز عن سماع الأمور التي تهم خلاصك، إذ أن ذهنك كله منحصر في التفكير في المال، ومُقيد بواسطة طغيان الثروة، مثل كلب مربوط بسلسلة قوية إلى قبر، تنبح على كل من يقترب منك، وبغير توقف تحرس ثروات غيرك. أيوجد حماقة أكبر من هذه؟

          ولأن حديثه هذا كان أعلى من مستوى سامعيه، ولم يكن من السهل لكثيرين أن يروا من أول نظرة أين تكمن العلّة، وبالتالي لم تكن الفائدة واضحة، لكن كانت الحاجة إلى مستوى روحي يَقدْر على التمييّز، ومع أن هذا كان واضحًا من حديثه عندما قال: ” حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك“، إلاّ أنه أوضحه أكثر عندما وجّه الحديث لا عن الأشياء المعقولة، بل عن الأشياء المحسوسة بقوله إن: ” سراج الجسد هو العين” (22:6)، ومعنى قوله هذا هو ما يلي:

          لا تدفن الذهب أو أي شئ من هذا القبيل في الأرض، لأنك ستكنز هذا كله، ثم يمتد إليه العث والصدأ وأيادي اللصوص، وحتى إن لم تتعّرض كنوزك لمثل هذه الأضرار، فإنك لن تنجو من استعباد قلبك واستمالته إلى كل ما هو أرضّي، إذ ” حيث يكون كنزك يكون قلبك أيضًا“. أما إن وضعت كنزك في السماء، فإنك لن تجنى هذا الثمر فقط الذي هو الحصول على المكافآت عن هذه الأمور، بل ستكون قد نُلت مجازاتك هنا على الأرض وستأخذ أجرك معك إلى هناك لأنك وضعت اهتماماتك فيما هو في السماء، لأنه من الواضح إنه حيث يكون كنزك سيكون هناك اهتمامك أيضًا.

          لكن إن كان هذا الكلام غامضًا بالنسبة لك فاسمع ما يلي:

 

سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ ” (22:6ـ23).

          إن السيد يوّجه الحديث نحو الأمور التي هي في متناول حواسنا بصورة أكبر فيقول: إن كنت لا تعلم مقدار الضرر الذي يصيب (الذهن) فتعلّم من أمور الجسد، إذ مثلما العين بالنسبة للجسد هكذا الذهن بالنسبة للنفس تمامًا، فبالتأكيد إنك لن تفضّل التحلّي بالذهب وارتداء الملابس الحريرّية عن أن تكون عيناك سليمّتين، إذ تحسب أن سلامة عينيك هو أمر أكبر أهمية من كل أمر آخر. إذ عندما تكون العينان ضريرتين تضعف معظم طاقة الأعضاء الأخرى. هكذا أيضًا عندما يُفسَد الذهن ستمتلئ حياتك بشرور لا تحصى. وكما أنه في اهتمامنا بالجسم نهدف إلى جعل عيوننا صحيحة، هكذا أيضًا في نفوسنا، يجب أن يكون اهتمامنا بأن يكون الذهن صحيحًا. فإن شوّهنا الذهن[2]، الذي ينير على بقية الأعضاء، فكيف سنرى بشكل أوضح؟ فكما أن الذي يدّمر النبع يجفّف النهر أيضًا، هكذا الذي يُطفئ الذهن (الفهم)، فإنه يُخزِى كل أعماله في هذه الحياة، لهذا يقول السيد: ” إن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون“.

          إن الله قد أعطانا الفهم كيّ نطرد كل جهل ولنحكم بالصواب على الأمور، وعندما نعمل بهذا الفهم كنوع من السلاح والنور ضد كل ما هو خطر أو ضار، يمكننا أن نبقى سالمين، لكننا نبذّر هذه النعمة في أمور عديمة النفع ونافلة.

          إن من يوجد في مكان مظلم، لا يستطيع أن يتحرك منه إلاّ إن سطعت الشمس. أما من لديه مشكلة في نظره فإنه لن ينظر حتى وإن أشرقت الشمس. هذا ما يحدث بالضبط لِمْنَ نتكلّم عنهم هنا. فإنهم لا يدركون ولا حتى شمس البّر الذي أشرق عليهم ويدعوهم، إذ أن الغِنَى قد أعمى أبصارهم، ولأجل هذا فهم يكونون في ظلام مضاعف: الأول ظلام في داخلهم، والثاني ظلام بسبب عدم اتباع وصيّة المعلّم.

          فلنتبع نحن المعلّم بكل حرص، حتى نستطيع أن نجد النور الحقيقي مرّة أخرى.

 

سبب العَمَى:

          وكيف يمكن أن نبصر مرّة أخرى؟، هذا ممكن عندما تعرف كيف صرت أعمى. وكيف صرت أعمى؟ بالتأكيد بسبب شهواتك الباطلة. لأنه كما أن هناك سوائل تؤذى العين، هكذا شهوة المال فإنها تؤذى النظر مسببة عتامة كثيفة له. غير أن هذه العتامة يمكن أن تنقشع إن نحن قَبلنا شعاع تعاليم المسيح، إن نحن سمعنا وصاياه وكلماته القائلة: ” لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض“. وربما يتساءل شخص قائلاً: وأي شئ سأربح من السماع في الوقت الذي تتملكّني فيه الشهوة؟

 

تأثير كلام الله:

          إن سماع كلمة الله باستمرار قادر على إزالة الشهوة. أما إن كنت تُصّر على أن تسيطر عليك هذه الشهوة، فإعرف إن الأمر ليس هو مجرّد شهوة. فما هي هذه الشهوة التي تجعلك في عبودية ثقيلة، تئن تحت نير ثقيل ومحاصر كما في سجن، تعيش في ظلام مملوء بالاضطراب، تحتفظ بالأموال للآخرين وباستمرار، من أجل أعدائك؟ مع أي شهوة تتفق كل هذه الأمور؟ ألاّ يناسب هذه الأمور أن نبتعد عنها ونهرب منها؟ أي شهوة هذه التي تجعلك أن تترك كنوزك بين اللصوص؟ إن كنت ترغب في أموالك بالحقيقة فيجب أن تحفظها في مكان آمن. لأن ما تفعله الآن لا يدّل على إنسان يرغب في حفظ المال، لكن يدّل على حالة الاستعباد والضياع والقلق المستمر التي تسيطر عليه.

          فإن دلّك شخص على مكان غير مطروق هنا على الأرض وآمن، وإن ذهب بك إلى الصحراء وأعطى لك وعودًا بحماية أموالك، فإنك لا تترّدد ولا تتحفظ، بل تُظهر ثقة في كلامه وتنقل  أموالك حيث يرشدك. أما إن وعدك الله وليس إنسان بنفس هذه الوعود واقترح عليك لا الصحراء بل السماء مكانًا لحفظ كنوزك، فإنك لا تفعل الشيء نفسه ولا تُظهر ثقة بوعوده أو تَتَبع كلامه. وحتى وإن كانت كنوزك محفوظة تمامًا هنا على الأرض، فإنك لن تقدر أن تتحرّر من حمل الهموم بسببها، وحتى وإن كنت لن تفقدها فإنك لن تُعتَق من القلق خوفًا من فقدها. أما إن كان كنزك في السماء فإنك لن تعاني شيئًا من هذا بالمرّة، بل وأكثر من هذا فإنك ستربح لأنك لن تخفي ذهبك بل إنك تزرعه. حيث إنه لن يصير كنزًا فقط بل بذرة أيضًا وأكثر من الاثنين معًا.

          لأن البذرة لن تبقى دائمًا، أما إن كان كنزك في السماء فإنه سيبقى دائمًا، وبينما الذهب لا يثمر، فإن كنزك هذا الذي في السماء سيعطيك ثمرًا لا يفنى. وإن حاولت أن تتعلّل بطول الزمن الذي ستحصل بعده على المكافأة، فإني أستطيع أن أبيّن لك أنك تربح الكثير هنا في حياتك على الأرض وخلاف ذلك فإني سأحاول أن أبيّن لك أن كثير مما تفعله في حياتك هنا على الأرض يكون بدون فائدة على الإطلاق.

          إنك تتعب كثيرًا وتعمل أشياء عديدة في هذه الحياة، غير أنك لن تتمتع أنت نفسك بها. وإن وجّه إليك أحد اللوم على هذا، فإنك تجيب بأنك تفعل هذا لأولادك ولأحفادك ظانًا أنك بهذا قد أُعِّطَيَت تبريرات لعمل المزيد من هذه الأفعال. فعندما تبني القصور وأنت في شيخوخة عارمة وغالبًا ما تنتهي أعوامك قبل أن تسكن فيها. وعندما تزرع أشجارًا تعطى ثمارًا بعد سنوات عديدة، وعندما تشتري أراضي وعقارات بالتقسيط وتحوز ملكيتها بعد مدد طويلة، وعندما تفعل أشياء أخرى مماثلة ولا تتمتع بها، فهل تفعل ذلك لنفسك أم للآخرين؟

          أفليس إذن من الحماقة أن لا تتضايق بالمرّة هنا بسبب تأخر نهاية الأزمنة في الوقت الذي ستخسر فيه مكافآت بسبب هذا التأخير؟

 

الوقت قريب:

          وغير هذا فإن نهاية الأزمنة ليست ببعيدة أطلاقًا، والوقت قريب جدًا ولا نعرف، فربما في جيلنا هذا تكون نهاية الأزمنة ويأتي ذلك اليوم المخوف حيث الدينونة الرهيبة. إن علامات كثيرة قد تحققّت، والإنجيل بُشر به في كل المسكونة، والحروب والزلازل والمجاعات قد وقعت، والمسافات لم تعد بعد بعيدة. ألاّ تشاهد العلامات؟ هذه هي العلامة الكبرى أن الناس في زمن نوح لم يأخذوا بالتحذيرات بالفناء وبينما هم يمزحون ويأكلون ويفعلون كل ما اعتادوا عليه، فعندئذٍ فاجأهم العقاب الرهيب. وحدث نفس هذا الأمر مع أهل سدوم. فبينما كانوا يعيشون في حياة اللهو غير متوقعين شيئًا بالمرّة، أصابتهم الصواعق التي وقعت عليهم. فلنضع هذه الأمور إذن أمام أعيننا ونوجّه نفوسنا للاستعداد للرحيل من هنا. لأنه وحتى إن لم يكن قد جاء موعد رحيلنا جميعًا معًا، فإن نهاية كل واحد فينا هي قريبة، شيخًا كان أم شابًا. وعندما نرحل لن نستطيع أن نشترى لا زيتًا أو حتى نطلب سماحًا من الآخرين. ولن يستطيع إبراهيم أو نوح أو أيوب أو دانيال أن يشفع فينا.

          وفي الوقت المُتاح لنا فلنعد أنفسنا لتلك المدينة السمائية، ولنجمع لأنفسنا زيتًا وفيرًا ولنكنز كل ما نملك في السماء، حتى نتمتع بها في الوقت المناسب وعندما نحتاج إليها، بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين[3].

 

لا تقدرون أن تخدموا الله والمال:

لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ ” (24:6)[4].

          ألاّ ترون أن السيّد يبعدنا قليلاً قليلاً عن الأمور المادية، وبالتفصيل يحدّثنا عن وصيّة الفقر الاختياري والنصرة على طغيان شهوة المال؟ لأنه لم يكتفِ بما سبق أن قاله، رغم أنه هام وليس بالقليل، بل أضاف أمورًا أخرى. لأنه أي شئ أفظع من الأمور التي ذُكرت الآن..

          انتبهوا إذن بأي طريقة يوضّح السيّد ما سوف نربحه وكيف يبيّن الخسارة التي تعود علينا لو لم نفعل ما يوصينا به. لأنه يقول لنا إن الثروة لن تؤذيكم في هذا فقط، بل إنها سوف تكون  سبب مهاجمة اللصوص لكم، وإنها سوف تجعل ذهنكم معتمًا إلى أقصى درجة، وتبعدكم عن خدمة الله، جاعلة إياكم أسرى الثروات. وفي الحالتين هي تؤذيكم، بدفعكم لتكونوا عبيدًا للأشياء التي يُفترض أن يكون لكم أنتم سلطانًا عليها، ومن ناحية أخرى، بإقصائكم عن خدمة الله الذي يجب أن تخدموه أكثر من أي أحد آخر. لأنه كما كان قد أوضح هناك[5] أن الضرر هو مُضاعف وذلك عندما يضع إنسان كنزه هنا على الأرض حيث يفسده السوس ولا يضعه في السماء حيث يضمن حفظه. هكذا هنا يذكر أن الخسارة هي مزدوجة حيث إنه يتحدث عن الأشياء التي تجعلنا عبيدًا للشياطين. ولكن السيد لا يتحدّث عن هذه الأمور مباشرة بل بطريقة بسيطة عندما يقول: ” لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” ويقصد أن السيدّين الاثنين يفرضان أمورًا كلُّ عكس الآخر، إذا لو لم يكن الحال هكذا لما كانا اثنين بل سيدًا واحدًا. كما كان ” لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة” (أع32:4)، وبالرغم من أنهم كانوا أشخاصًا عديدين إلاّ أن اتفاقهم في الرأي جعلهم وكأنهم شخص واحد. وبعد ذلك شرح هذا قائلاً إنه لن يخدمه بل إنه سيبغضه ويحتقره. وذلك ” لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر“. ويبدو أن في هذا القول تكرار، لكن الواقع هو أنه قصد أن يقول إن التغييّر إلى الأفضل هو ممكن، وذلك لئلا تقول: لقد صرت عبدًا وانتهى الأمر، لقد وقعت تحت طغيان الثروة. هو يريد إذن أن يقول إن تغييّر الحال ممكن ومن المستطاع أن يغيّر المرء ذاته من الحالة الأولى إلى الثانية والعكس.

          وبعد أن تكلّم بصورة عامة على هذا النحو كي يقنع السامع وليقيّم ما قد سمعه، وكي يحكم وفقًا لطبيعة الأمور، يكشف السيّد أمرًا جديدًا بقوله: ” لا تقدروا أن تخدموا الله والمال“. لنرتعد عندما ندرك ماذا فعلنا حتى يقول السيّد المسيح هذا ويضع ما هو من ذهب في نفس مقام الله. ولكن إن كان هذا يصدمنا، فإن حدوثه في أفعالنا وفي تفضيلنا لطغيان الذهب على خوف الله هو أمر يصدم أكثر بكثير.

          ماذا إذن؟ ألم يكن هذا الأمر ممكنًا بين الأقدّمين؟ على الإطلاق. قد يقول المرء ” كيف إذن تقدّم إبراهيم وأيوب في هذه الفضيلة؟ لا تقل لي عن الذين هم أغنياء، وإنما عن الذين كانوا مستعبدين للثروات. لأن أيوب كان غنيًا ومع ذلك لم يكن يخدم المال، وإنما كان يملكه ويتحكم فيه، لقد كان أيوب سيّدًا لا عبدًا. وكأنه كان وكيلاً على أموال شخص آخر. وهكذا كان يملك كل تلك الأشياء ولم يكن يشتهي أموال الآخرين، بل حتى أمواله كان يهبها لمن كانوا في احتياج وعوز. والأمر الأهم بالطبع، أنه لم يكن يفرح بما يملك كما عبّر هو عن ذلك بقوله: “… إن كنت قد فرحت إذ كثرت ثروتي” (أي25:31). لهذا لم يحزن عندما ضاعت. لكن الذين هم أغنياء الآن ليسوا كما كان أيوب. بل بالحرى هم في حالة أسوأ من أي عبد يدفع الجزية لمستبد قاسٍ. لأن ذهنهم مثل قلعة على حافة المدينة قد احتلها حب المال وشهوته. ومن هناك يرسل لهم كل يوم بأوامر تخالف القوانين ولا يوجد مَنْ يَعصى هذه الأوامر.

          لا تكونوا مفرطى الحذق، لا، لأن الله صرّح مرّة واحدة وإلى الأبد وأعلن أنه أمر مستحيل أن تخدم الواحد وتوافق الآخر. فالواحد يأمرك بأن تأخذ ما ليس لك، والآخر يدعوك بأن تعطى حتى الذي تملكه. فالواحد يأمرك أن تكون عفيفًا، والآخر أن ترتكب الزنى. الواحد يوصيك أن تضبط معدتك، والآخر أن تكون ثملاً مترفًا. الواحد أن تكون مهتمًا بالأمور الحاضرة والآخر ينصحك باحتقارها. الواحد يجعلك تُعجب بالرخام والجدران والمباني الفخمة والآخر يعطيك ألاّ تهتم بهذه الأمور، بل بحياة التقوى. فكيف يتفق السيّدان؟ وفي هذه الحالة فإنه يدعو الشيطان “ربًا”، ليس بسبب أنه ربّ بالطبيعة، لكن بسبب تعاسة الذين يحنون أنفسهم لنيره. وبنفس هذه الطريقة فإنه يدعو البطن “إلهًا” (في19:3)، لا بسبب سلطته، بل بسبب حماقة الذين يُستعبدون له. وهذا الأمر هو أشر من أي عقاب وقادر على معاقبة كل من يقع في شراكة حتى قبل الجحيم.

          وبعد أن يبيّن السيّد للكل الفائدة التي يحصل عليها المرء من احتقار الثروات، تحدّث عن الطريقة التي يستطيع بها الإنسان أن يحفظ ثروته وأن يكتسب إمكانية العمل بهذه الوصية، لأن أفضل التشريع لا يتعلّق بفرض ما هو مناسب، بل يجعله ممكنًا على حد سواء، لهذا أضاف قائلاً:

لا تهتموا:

لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ [6] بِمَا تَأْكُلُونَ ” (25:6).

          ولكي لا يتعجّبوا ويتساءلوا قائلين: ” كيف نستطيع أن نحيا إن طرحنا عنا كل شئ؟”. وأمام هذا التناقض الظاهري فإن السيّد أعطى إجابة مناسبة، فلو قال في البداية ” لا تهتموا “، لبدا الكلام بالتأكيد صعبًا، لكن بعد أن أظهر الضرر الناتج عن اشتهاء المال، فإن نصيحته صارت سهلة القبول.

          ويقول السيد: ” لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون“، فما معنى قوله ” لذلك “، يعنى الخسارة غير الموصوفة التى تصيب منْ يكون له هذا الاهتمام الزائد، لأن الخسارة التي تلحق به ليست هي فقط في ثرواته، بل بالأكثر في أهم شئ في حياة الإنسان وهو خلاصه، حيث إن هذه الأمور تبعده عن الله الذي خلقه والذي يهتم به والذي يحبه وهذا هو معنى قوله ” لذلك أقول لكم لا تهتموا “.

          وهو لا يأمرنا فقط بأن ننبذ كل ما لنا، بل أيضًا ألاّ نهتم حتى بطعامنا الضروري قائلاً: ” لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون“، لا لأن النفس تحتاج إلى طعام لكونها غير جسدانية، إذ أنها رغم احتياجها للطعام فمع ذلك لا يمكنها أن تبقى في الجسد ما لم يُقات الجسد. وبعدما قال هذا، أوضحه بما يجري في حياتنا وأيضًا بأمثال قائلاً:

أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ (النفس) أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ ”        (25:6).

          فالذي يمنح ما هو أعظم كيف لا يمنح ما هو أقل؟ فالذي خلق الجسد الذي يُقات كيف لا يمنح الطعام؟ ولهذا لم يتحدّث السيّد بصورة مجرّدة قائلاً: ” لا تهتموا … بما تأكلون وبما تشربون“، إنما تحدّث عن “الجسد” و”النفس”، لأنه بصدد أن يدلّك على ما يقوله بالإشارة إليهما على سبيل المقارنة. فالنفس هي عطيّة وهبة من الله، مرةً، وهي تبقى كما هي، أما الجسد فإنه ينمو كل يوم. لهذا فهو يشير إلى هذين الأمرين، خلود النفس وضعف الجسد، عندما يضيف قائلاً: ” من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا” (27:6)، وبما أن النفس لا تنال زيادة فإنه يتحدّث عن الجسد فقط، وأن الطعام ليس هو الذي ينمي الجسد بل عناية الله.

          وهذا الأمر يُظهره بولس الرسول بقوله: ” إذن ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي يُنمّي” (1كو7:3). وبهذه الطريقة وبأمثلة أخرى مما يدور حولنا، يحثنا السيّد المسيح وينصحنا بقوله:

 

انظروا إلى طيور السماء:

اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا ” (26:6).

          وحتى لا يقول أحدهم: ” نحن نفعل حسنًا بالاهتمام”، فإنه يوضّح لهم خطأهم سواء بالحديث عن النفس والجسد، أو بالإشارة إلى طيور السماء، لأنه يقول إن كان الله يهتّم كل هذا الاهتمام بالطيور الصغيرة، فكيف لا يُظهر اهتمامًا بالإنسان نفسه؟. ورغم أن مَثَلْ طيور السماء الذي أشار إليه السيّد له أهمية في إيضاح محبة الربَ وعنايته بالبشر، إلاّ أن بعض عديَمّي التقوى يمكن أن يصل عدم فهمهم إلى درجة كبيرة، فيهاجمون هذا المثل ويقولون: إنه ليس من اللائق الإشارة إلى الأمور التي تحدث في الطبيعة للحض على السلوك المستقيم أو على حياة التقوى، ولأن المَثَلّ يشير إلى أعمال تعملها الطيور بطبيعتها.

          وللرّد على هؤلاء نقول: إنه وحتى إن كانت هذه الأمور هي في عالم الطبيعة فإنه يمكننا نحن أيضًا أن نفعل مِثلها باختيارنا، إذ لم يقل السيد المسيح: انظروا كيف تطير الطيور فهذا أمر مستحيل على الإنسان، بل إنه قال: انظروا كيف تقتات بدون اهتمام وهو نوع من الأمور التي يسهل علينا تحقيقها إن شئنا. فلو أشار السيّد المسيح إلى موسى وإيليا ويوحنا وآخرين مثلهم ممن لم يهتموا كيف يقتاتوا، لكان ممكنًا القول: ” لم نعد بعد مثلهم”، لكنه يتجاوزهم صامتًا الآن ويورد مثلاً بطيور السماء ليقطع كل عذر محاكيًا في هذا الموضوع العهد القديم أيضًا، حيث يورد أمثلة من حياة النحلة والنملة (انظر أم6:6)، والسلحفاة والسنونة (انظر إر7:8)، وعندما نستطيع نحن أن نفعل أمورنا باختيارنا، وهي في نفس الوقت أمور تفعلها الطيور بطبيعتها، فإن هذا لا يكون دليلاً عظيمًا على كرامتنا. فإن كان هو يعتني بالكائنات التي يسود عليها، فكيف لا يعتني بالإنسان نفسه وهو سيدها. ولهذا قال:      ” انظروا طيور السماء” لأن هذا القول هو غير مقبول، ولكنه قال إن الطيور: ” لا تزرع ولا تحصد“. قد يُقال: ماذا إذن؟ هل يجب ألاّ نزرع؟ لم يقل السيد إنه يجب ألاّ نزرع، بل ” يجب ألاّ نهتم “، ولم يقل إنه يجب ألاّ نعمل، بل ألاّ ننشغل كلّية بالاهتمامات، لأنه أوصانا أيضًا أن نقتات وأن لا نهتم.

          هذا ما قاله داود أيضًا من قَبِل ” تفتح يدك فيمتلئ كل حي سرورًا ” (مز16:145) وفي موضع آخر يقول: ” المعطى للبهائم طعامها ولفراخ الغربان التي تصرخ” (مز9:147).

          وقد يتساءل أحد: من هم الذين لم يهتموا؟ ألم تسمع كم من الأبرار قد أوردت أسمائهم؟ ألاّ ترى معهم يعقوب راحلاً من بيت أبيه مُعدمًا من كل الأشياء؟ ألاّ تسمعه يصلي قائلاً: ” إن كان الله معي … وأعطاني خبزًا لآكل وثيابًا لألبس” (تك20:28)؟ وصلاته هذه تعكس لا اهتمامه، بل إيمانه بالله، الأمر الذي نراه واضحًا أيضًا في حياة الرسل الذين تركوا كل شئ ولم يهتموا، وفي ” الثلاثة آلاف” و”الخمسة الآلاف” (انظر أع4:4، 41:2).

          ولكن إن كنتم لا تحتملون أن تسمعوا أقوالاً أكثر كي تحرروا أنفسكم من هذه القيود الثقيلة، فاطرحوا عنكم الاهتمام إذ أن الاهتمام هو في الواقع حماقة كبيرة. فالسيّد يقول: ” من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا؟” (27:6).

          من الواضح إنه لا اجتهادنا وإنما عناية الله هي التي تفعل كل شئ حتى عندما نبدو أننا نحن الفاعلون. فلو تخلّى الله عنا، فلا عناية ولا اهتمام ولا تعب ولا أي شئ آخر سينفع، لأن كل الأشياء سوف تزول.

          فلا تفترض إذًا أن وصاياه مستحيلة التنفيذ، لأنه يوجد العديدون ممن ينفذون وصاياه بشكل صحيح. وليس من المُستغرب ألاّ تعرفوا عنهم شيئًا. فإن إيليا أيضًا قد افترض أنه كان وحيدًا. لكنه سمع ” أبَقْيَتَ … سبعة آلاف” (1مل18:19). وبالتالي فإنه واضح أنه يوجد الآن الكثيرون الذين يعيشون كما كان الرسل يعيشون وكما كان الثلاثة آلاف والخمسة آلاف يتصرّفون. وإن كنا لا نصدق، فهذا ليس معناه أنه لا يوجد مَنْ يفعل الصلاح، بل لأننا نخاف أن نفعل هذا. تمامًا مثل الذي يسكر فإنه لا يقدر أن يصدّق بسهولة إنه يوجد مَنْ لا يشرب حتى الماء قط، الأمر الذي يمارسه الكثيرون من الرهبان عندنا. ومثل الذي له علاقات جنسّية عديدة لا يستطيع أن يصدّق أنه يمكن أن يكون للمرء حياة عذراوية. والذي ينهب أموال الآخرين يتوقع دائمًا أن يسرق آخر أمواله بسهولة.

          هكذا من يسرفون في الاهتمام بدقائق الأمور لا يصدقون أنه من الممكن للمرء أن لا يهتم وبالتالي فهم لن يقبلوا نصيحة السيّد الرب بألاّ يهتموا. أما إنه يوجد كثيرون قد نجحوا في هذا، فهذا يمكن إدراكه من خلال النظر لسلوك مَنْ يعيشون حياة التقوى في وسطنا.

          أما أنتم فيكفي أن تتعَلّموا أن لا تكونوا محبّي المال، وأن الصدقة هي أمر حسن وأنه يجب أن تعطوا الآخرين مما لكم. لأنكم يا أحبائي، إن نجحتم في هذا فإنكم سريعًا ستتقدّمون في فضيلة عدم الاهتمام. وبداية كل شئ أن نترك عنا الترف الزائد ونتمسّك بالاعتدال ولنتعلّم بصفة عامة كيف نعتني فقط بما هو ضروري لنا. لأن الطوباوي يوحنا عندما كان يتكلّم مع العشارين والجنود أوصاهم بأن يكتفوا بعلائفهم (انظر لو12:3ـ14). وذلك لأنه أراد أن يقودهم إلى الحكمة العالية. ولأنهم لم يكونوا مستعدين لهذا، فإنه أوصاهم بأمور أصعب من هذه لما انتبهوا إلى فعل هذه ولم يقدروا أن يطبقوا الوصية تمامًا. ولهذا عينه لن أطلب منكم ما هو أرفع من هذا لأني في الواقع أعرف جيدًا أن أمر الفقر الاختياري هو حمل لن تنؤوا بحمله الآن.

          وبالتالي فلننشغل الآن بهذه الأمور البسيطة وهي ستُعطِى لنا تعزية ليست بقليلة. وعلى الرغم من أن الفقر الاختياري هو أمر يمارسه بعض الوثنيين وإن كان ليس من أجل هدف مناسب. غير أني سأكون سعيدًا إن أنتم قدّمتم صدقتكم بوفرة إذ أننا هكذا سنصل إلى تنفيذ وصية الرب بعدم الاهتمام سريعًا. وإن لم نفعل هذا فأي رحمة ومغفرة سنكون مستحقين نحن الذين أخذنا وصيّة بأن نكون أفضل من الناموسيين ونسبق فلاسفة اليونانيين؟ لأنه ماذا نستطيع أن نقول عندما يجب أن نكون كالملائكة وأبناء الله ونحن لا نتصرف حتى كبشر؟ لأنه عندما ينهب المرء ويصير نهمًا فإنه يعكس لا خصائص البشر، بل خصائص الحيوانات المفترسة. غير أن ما تفعله الوحوش هو من طبيعتها، أما نحن فرغم أننا قد كُرّمنا بموهبة العقل، فإننا نفعل ما لا يناسب طبيعتنا، وعلى هذا فأي مغفرة نستحق؟

          فطالما فهمنا تلك الحكمة العالية التي أمامنا فلنجاهد لنَصلْ إلى قمة الصالحات التي أتمنى أن نصل إليها جميعًا بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي له المجد والإكرام والعزة إلى الأبد . آمين[7].

 

وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا[8] (28:6ـ29)

          وبعد أن تكلّم السيّد عن الطعام الضروري وعن وجوب حتى عدم الاهتمام من أجله، ينتقل إلى ما هو أسهل، لأن اللباس أقل أهمية من الطعام. ولأي سبب لم يتخذ هنا مثلاً من حياة الطيور ولا أشار إلى الطاووس والأوز والخراف؟ لأنه أراد الإشارة إلى أن هناك أشياء بالرغم من تفاهتها إلاّ أنها تتميّز بنوع من الجمال، ولهذا فإنه بعد أن ذَكَرَ الزنابق، لم يسمها زنابق بل ” عشب الحقل” (31:6)، ولم يكن راضيًا حتى بهذا الاسم، بل أضاف وصفًا لحالتها يدّل بالأكثر على ضعفها وتفاهتها بقوله:  ” الذي يوجد اليوم” (30:6)، ولم يقل “الذي يوجد غدًا” بل ذكر كلامًا يبرز تفاهة هذا الشيء بالأكثر بقوله إنه ” يُطرح في التنور” ولم يقل مجرّد تعبير ” يُلبسه “، بل ” يُلبسه .. هكذا” (30:6)، أي على أحسن وجه.

          أرأيتم كيف يُكثر السيّد من إعطاء التشبيهات الضخمة دائمًا ويعضّد كلامة بالتأكيدات. إنه يفعل ذلك كي يردهم إلى صوابهم؛ لهذا أضاف قائلاً: ” أفليس بالحرى يلبسكم أنتم” (30:6). وفي هذا القول تأكيد قوي، لأن كلمة “أنتم” لا تليق إلاّ بالقيمة الكبيرة لجنسنا، وعلى الاهتمام به، كما لو كان قد قال لهم:     ” أنتم، الذين منحكم الله نَفْسًا، الذين خلق الله لكم جسدًا، الذين من أجلكم خلق كل الأشياء المنظورة، الذين من أجلكم أرسل الأنبياء وأعطى الناموس، وصنع تلك الخيرات التي لا تُحصى، الذين من أجلكم أعطى ابنه الوحيد ومن خلاله نُلْتُم الهبات غير المُحصاة. وبعدما أعطى لهم البراهين الكافية على عناية الله وبخّهم قائلاً: ” يا قليلي الإيمان” لأن ذلك الذي ينصح الآخرين، لا يقدم النصيحة فقط بل يوبخ أيضًا، كي ينبه الناس بالأكثر حتى يؤمنوا بقّوة كلامه.

          بكلام الرب هذا نتعلّمه، ليس فقط ألاّ نهتم، بل ألاّ ننبهر بفخامة الملابس، لأن زنابق الحقل تتمتّع بألوان أفخم منها ومع ذلك فهي تتساوى مع عُشب الحقل. ولماذا تفتخر أنت بأشياء يفوقها في الجمال عشب الحقل الذي لا قيمة له، والذي يُحرق بالنار؟

          وانظروا كيف يوضّح منذ البداية على أن الأمر سهل، ويرشدهم إلى عدم الاهتمام باستخدام الأضداد أيضًا وبواسطة الأمور التي كانوا خائفين منها، لأنه بعدما قال ” تأملوا زنابق الحقل” أضاف إنها ” إنها لا تتعب“، وذلك رغبه منه في عتقنا من التعب. فالتعب لا يكمن في عدم الاهتمام بل في الاهتمام بهذه الأشياء.

          وكما في قوله ” لا تزرع“، فليس الزرع هو ما أراد أن نتخلّص منه، بل الاهتمام المُقلق. هكذا أيضًا في القول ” لا تتعب ولا تغزل” فإنه لا يُنهي عن العمل بل عن الاهتمام (أي عن حمل الهموم).

          جمال زنابق الحقل لا يفوق مَلِبسَ سليمان مرّة واحدة ولا مرتين، بل ” طوال فترة حكمه”. ولم يقل إن سليمان كان يلبس أفضل من أحدها أو شابهت ملابسه زنبقًا آخر بل قال إنه لم يكن يلبس       ” كواحدة منها ” لأنه كما أنه هناك اختلاف كبير بين الحقيقة والزّيف، هكذا أيضًا هناك اختلاف كبير بين جمال زنابق الحقل وملابس سليمان.

          إذن، إن كان مَلِبس سليمان أقل منها، مع أنه كان أكثر مجدًا من كل ملوك عصره، فمتى ستقدر أن تتفوّق، أو بالحرى أن تقترب ولو لدرجة صغيرة من جمال مثل هذا؟

          بعد هذا يعلّمنا السيد ألاّ نسعى على الإطلاق إلى مثل هذا النوع من الجمال، لأنه يجدر بنا أن نلاحظ نهاية هذه الزنابق، فبعد نضارتها وجمالها ” تُطرح … في التنور“. فإن كان الله قد أظهر عناية عظيمة جدًا بتلك الأشياء التافهة، وذات الاستعمال البسيط، فكيف سيتخلّى عنكم، أنتم الأهم من كل المخلوقات الحيّة؟

          ولماذا إذًا خلقها هكذا جميلة جدًا؟ لكي يُظهر حكمته وعظمة قوّته، وحتى يُعرف مجده عن طريق كل الأشياء. فليس فقط ” السموات تحدث بمجد الله“(مز1:19)، بل الأرض أيضًا، وهذا ما أعلنه داود قائلاً: سبحي الرب.. الشجر المثمر وكل الأرز” (مز7:148). فالبعض منها بثمارها والبعض بضخامتها والبعض بجمالها يرسلون إليه التسبيح، أي إلي الذي خلقها. وهناك أيضًا علامة على عظمة حكمته الفائقة، عندما يغدق الله جمالاً عظيمًا كهذا على الأشياء التافهة جدًا، إذ أنه لا يوجد أتفه من الشيء الذي يوجد يومًا واحدًا وغدًا لا يكون.

          فإن كان الله قد أعطى للعشب هذا الجمال الذي لا يحتاج إليه (لأنه ما فائدة الجمال طالما ستأكله النيران؟) فكيف لا يعطيكم ما تحتاجون إليه؟. إن كان قد زيّن بسخاء ما هو أتفه من كل الأشياء وإن كان قد فعل هذا لا للضرورة بل من أجل جُودِهِ، فكم بالحرى  جدًا أن يكرّمكم وأنتم أفضل كل المخلوقات، بأمور هي ضرورية لكم؟

          وبعد أن بيّن السيد كيف أن عناية الله  عظيمة جدًا، وكان يَلَزمْ بعد ذلك أن يوبخهم، إلاّ أنه كان رحيمًا معهم بقوله إنهم قليلي الإيمان ولم يقل عديمي الإيمان.

 

فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ ” (مت30:6)

بالتأكيد إن الرّب (يسوع) نفسه يصنع كل هذه الأشياء إذ أن      ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان” (يو3:1). غير أنه في البداية لا يذكر شيئًا عن نفسه، لأنه كان كافيًا في البداية أن يبيّن سلطانه الكامل بقوله في كل وصية من وصاياه: ” سمعتم أنه قيل للقدماء.. وأما أنا فأقول لكم” (مت21:5). فلا تتعجبوا إذن عندما يحجب المسيح ذكر نفسه في الأمثلة التالية، أو عندما يذكر شيئًا قليلاً عن نفسه، إذ أن في البداية كان هدفه أن يجعل كلامه مقبولاً من الجميع، وبكل ما يقوله يُظهِر أن له فكر واحد مع الآب وأنه يعمل باتفاق مع مشيئته، وهذا ما نراه في حديثه هنا أيضًا.

          فمن خلال كلمات كثيرة جدًا قالها السيّد لم يكف عن إظهار الآب لنا مشيرًا إلى حكمته وعنايته الإلهية واهتمامه الحنون بكل الأشياء الصغيرة والعظيمة معًا. لأنه حينما تكلّم عن أورشليم مانحًا إياها اسم ” مدينة الملك العظيم” (مت35:5)، وعندما ذكر السماء لَقبّهَا بـ ” كرسي الله ” (مت34:5). وعندما كان يتحدّث عن تدبير الآب في العالم، عزا إليه كل الأشياء قائلاً: ” إنه يُشرق شمسه.. ويُمطر..” (مت45:5). وفي الصلاة (الربانية) علّمنا أن نقول إن له ” المُلك والقوة والمجد” (مت13:6)، وهنا عن عناية الآب يقول إنه:    ” يكسو عُشب الحقل“، وفي الصلاة (الربانية) أيضًا لا يدعو المسيح، الآب بأنه أباه هو بل أباهم، حتى أنه عندما يخبرهم بما نالوه من كرامة فإنهم يخجلون من أنفسهم، وعندما يناديه أباه هو، لا يتضايقون منه.

          فإن كان من واجب المرء ألاّ يهتم بالأشياء البسيطة أو حتى الضرورية. فأي عذر يكون للذين يهتمون بالأشياء الفاخرة؟ وكيف يكون هناك عذر للذين يسهرون لكي ينهبوا أموال غيرهم؟.

 

فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. ” (31:6ـ32)

          أرأيتم كيف أخجلهم أكثر وأظهر لهم أنه لم يأمر بعمل مرهق أو ثقيل الحمل؟ تمامًا فإنه عندما سبق أن قال لهم ” إن أحببتم الذين يحبونكم” (مت46:5ـ47)، فإنه كان يحثّهم ويشجّعهم على فعل ما هو أفضل وأعظم ممّا تفعله الأمم. هكذا هنا أيضًا في هذه الآية يورد ذكر “الأمم” ليوبخنا وليدّل على أن ما يطلبه منا هو واجب ضروري علينا. والسيّد لم يكتفِ بتوبيخهم فقط، بل إنه بعدما جعلهم يشعرون بالخجل الشديد فإنه أخذ يشجعهم بكلمات أخرى قائلاً: ” لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها” (مت32:6). ولم يقل ” الله يعلم ” بل ” أباكم .. يعلم“، كي ينشئ فيهم رجاءً أكبر. فإن كان هو أبًا، وأبًا كهذا، فلن يقدر أن يتغاضى عن احتياجات أولاده وهم في مِحَنْ الشرور وهو يري أنه حتى البشر العاديون لكونهم آباء، لا يحتملون أن يفعلوا هكذا.

          وبعد ذلك أضاف حجة أخرى قائلاً: ” إنكم تحتاجون إلى هذه” (32:6). ومعنى قوله الآتي: إن كنت تهتم بهذه الأشياء بحجة أنها ضرورية، فأنا أقول لك عكس ذلك، بمعنى أنه لهذا السبب نفسه يجب ألاّ تهتم، لأنها ضرورية. إذ أنه أي نوع من الآباء هو ذلك الأب الذي يمكنه أن يتغافل عن تلبية حاجات أولاده الضرورية؟ أقول إنه لهذا السبب عينه فإن الله سيمنحكم بلا ريب أكثر من هذا بكثير، حيث إنه هو خالق طبيعتنا البشرّية ويعلم بالضبط احتياجاتها أكثر منكم، ولأجل هدف معين وضع أن تكون لها مثل هذه الاحتياجات. لهذا لن يمنع الله نفسه عن أن يعطيها فيما أراد لها، أولاً هو لن يخضعهم لعَوَزْ عظيم هكذا، وثانيًا فهو يسد أي احتياج ضروري لها.

          فلا نهتم إذن، لأننا لن نربح شيئًا بالاهتمام سوى أننا سوف نعذب أنفسنا بالأكثر. لأن الله سوف يعطينا ما نحتاج عندما نهتم وعندما لا نهتم على حد سواء، وسوف تكون عطيّته أكثر عندما لا نهتم.

          لأنه ماذا ستربح من اهتمامك سوى العقاب الشديد لنفسك؟ إذ أنك  عندما تُدعى إلى مائدة غنيّة فإنك لا تهتم بتوفر الطعام للمائدة، ولا عندما تذهب إلى النبع لتستقى تهتم بوجود المياه في النبع.

          فلَندَع نحن أيضًا عنّا هذه الهموم، فإن عطايا الربّ لنا هي أغنى من هذه الموائد وأوفر من كل الينابيع.

 

اطلبوا أولاً ملكوت الله:

لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ ” (33:6)

          هكذا عندما اعَتَقَ النفس من الاهتمام، ذكر عندئذٍ السماء أيضًا، حقًا قد أتي السيّد ليحررّنا من الأمور العتيقة وليدعونا إلى موطن أعظم.

          إنه يفعل كل الأشياء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن انجذابنا نحو الأمور الأرضيّة، لهذا السبب ذكر الأمميّن قائلاً: ” إن هذه كلها تطلبها الأمم” (32:6)، الذين يتعبون من أجل الحياة الحاضرة فقط، والذين لا يبالون بالنعم العتيدة وليس لديهم فكرة عن الأمور السماوية. أما بالنسبة لكم، فليست هذه الأمور الحاضرة هي الأشياء  الرئيسية لكن أشياء أخرى، لأننا لم نُخلق لنأكل ونشرب ونلبس، بل لكي نرضي الله ونبلغ الخيرات العتيدة، لهذا فكما أن الأشياء التي هنا على الأرض هي ثانوية بالنسبة لنا، هكذا أيضًا اجعلوها ثانوية في صلواتنا، لهذا قال السيد: ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وهذه كلها تُزاد لكم“.

          ولم يقل ” تُعطى ” بل ” تُزاد” كي تتعلّموا أنه مهما عَظُمَت العطايا التي نأخذها هنا الآن فإنها لا تُقارن بما سوف نأخذ من خيرات عتيدة. لهذا فهو ينصحنا بألاّ نطلب هذه الأمور الحاضرة بل العتيدة، وليكن لنا الإيمان بأن هذه ستُزاد إلى تلك. وبالتالي أطُلبْ الأمور العتيدة وستحصلون أيضًا على الأمور الحاضرة.. لا تطلبوا الأشياء المنظورة، إذ إنه حتمًا ستحصلوا عليها أيضًا.

          قد يُقال: ” ألم يأمرنا بأن نسأل من أجل الخبز “، لا ، فقد أضاف “اليومي”[9]، وإلى هذا أضاف “اليوم”، هذا الأمر يستخدمه هنا في هذه الآية إذ أنه لم يقل ” لا تهتموا ” بل ” لا تهتموا للغد” (34:6)، وهو بهذا يعتق نفوسنا من الاهتمام بالأمور غير الضرورية ووجّه أنظارنا إلى أن نطلب الأمور العتيدة، لا كأن الله محتاج أن نذكّره بل لكي نتعلّم أنه بمعونة الربّ نَصِلْ إلى ما تصبوا إليه نفوسنا من صالحات وأن نعتاد على الصلاة من أجل الحصول عليها دائمًا.

+++++++

 

 

 

 

 

 

 

1  ورد نص الآية في عظة ذهبي الفم على هذا النحو: ” حيث يكون كنز الإنسان يكون قلبه أيضًا“.

[2]  يستخدم ذهبي الفم كلمة الذهن أيضًا بمعنى القلب، كما في شرحه لـ (مت21:5ـ22).

[3] انتهت هنا عظة رقم 20 (التي تشمل تفسير مت16:6ـ23)

[4] من هذه الآية تبدأ العظة 21 (التي تشمل تفسير مت24:6ـ27).

[5] انظر مت19:6ـ20.

[6] الكلمة اليونانية لـ ” حياة ” هنا هي Yuc» والتي تعنى نفسًا أيضًا، ويميل ذهبي الفم إلى استعمالها بمعنى نفس أكثر من معنى حياة.

[7] انتهت هنا عظة رقم 21 (التي تشمل تفسير مت24:6ـ27)

[8] من هنا تبدأ العظة 22(التي تشمل تفسير مت28:6ـ34).

[9] وفي ترجمة أخرى: خبزنا كفافنا أو خبزنا الجوهري.

 

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

أحد الرفاع

من تفسير للقديس يوحنا ذهبي الفم

(على إنجيل متى)

الصدقة:

” احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات ” (مت1:6)

 

1ـ أن المسيح الآن يطرد الشهوة الأكثر سيطرة من بين كل الشهوات: جنون محبة المجد الباطل، التي استولت على هؤلاء الذين يتممون الوصايا الإلهية شكليًا. هذه الشهوة لا توجد من ذاتها، بل تظهر دائمًا أثناء تتميم الوصايا التي أوصانا بها المسيح. كان ينبغي أولاً أن يزرع الفضيلة، ثم بعد ذلك يجتث المرض الذي يؤثر على ثمارها. لاحظ من أين يبدأ؛ من الصدقة، والصوم، والصلاة. فإن محبة المجد الباطل قد تأتي أثناء ممارسة هذه الفضائل. لقد انتفخ الفريسي قائلاً: ” أصوم مرتين في الأسبوع واعشّر كل ما أقتنيه” (مت12:18). وفي صلاته هذه كان يُظهر افتخاره، ولأنه لم يكن حاضرًا إلاّ العشار، عقد مقارنة بينه وبين العشار قائلاً: ” إني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار” (مت11:18).

          لاحظ أيضًا كيف بدأ؟، إنه يتحدث كما لو عن وحش مفترس، من الصعب أن يُمسك، وأيضًا ، من السهل أن يخدع الإنسان غير المتيقظ، لذلك يقول: ” احترزوا من جهة صدقتكم“، وهكذا أيضًا يقول بولس لأهل فيلبي ” انظروا (احترزوا) الكلاب” (2:3). لقد قدّم لنا، الله الآب الذي يشرق شمسه على الأشرار والأبرار، وبكافة الطرق يحثنا على فعل الوصية، ويقنعنا بأن نفرح بوفرة العطية، نازعًا كل الزوان الذي يعطل الزيتونة. لذلك يقول: ” احترزوا أن لا تصنعوا صدقتكم قدام الناس” ثم يضيف ” لكي ينظروكم“. فالمهم ليس هو العطاء ذاته لكن الدافع أو الغرض من العطاء. إن لم يوجد هذا التمييز الدقيق، فإن كثيرين سيترددون في تتميم فضيلة الصدقة، طالما أنه ليست هناك طريقة لكي يمارسونها في الخفاء. لذلك فهو يحررك من هذا الخوف، ويحدد العقوبة والمكافأة، ليس بنتيجة العمل، لكن من خلال الغرض منه. وحتى لا يتساءل أحد قائلاً: ما الذي سوف يصيبني إذا رآني أحد أمارس الفضيلة؟. الرب يطلب منك فكرك وطريقتك في العطاء، لأنه يريد أن يجدّد نفسك ويحررها من أي مرض. وطالما أوضح لهم الضرر الذي يسببه هذا المرض، فإنه يقوّي إرادتهم ثانيةً ويذكّرهم بالآب والسماء حتى لا يزعزعهم بمجرد ذكر الضرر فقط، بل يستحثهم بقوله: ” فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات“. ولم يتوقف هنا، بل استمر أبعد من ذلك، محاولاً أن يحرضهم بأمور أخرى كثيرة. كما قدم لهم ـ من قبل ـ عادات الفريسيين والأمم التي تجلب عارًا على الذين يتشبهون بهم، هكذا هنا يقدم المرائين ويقول: ” فمتى صنعت صدقة فلا تصوّت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون” (2:6).

          بالتأكيد لم يمسكوا بوقًا، لكنه أراد أن يشير إلى هوسهم الزائد بالمجد الباطل معبّرًا بذلك عن سخريته واستهزائه بهم. لقد دعاهم “مرائين”، أي “ممثلين”، فالصدقة بالنسبة لهم كانت مجرد قناع، أما قلوبهم فمليئة بالقسوة وعدم الشفقة. فهم يفعلون الصدقة، لا لأنهم يرحمون قريبهم، بل لكي يكسبوا المجد الباطل. وهذه هي قمة القسوة، فالآخر يهلك جوعًا وأنت تطلب المجد الباطل. ليس المهم أن نعطي صدقة، ولكن ما هو غرضنا من  إعطاء هذه الصدقة؟

 

” وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك ” (مت3:6).

2 ـ وحيث إنه استهزأ بهم بما فيه الكفاية، وأدانهم، حتى يُخجل المستمع، قوّم أيضًا الفكر الذي يعاني من هذا المرض، وقال: ” فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك“. هنا بالتأكيد لا يقصد الأيدي، بل استخدم الأيدي للتعبير، أراد أن يقول: اعتني بأنك تخفي صدقتك بكافة الطرق، وإن أمكن أن تخفى الأمر عن اليد الأخرى.

          ثم تأمل كم يكون الأجر؟. لقد تحدث عن الجحيم الذي يأتي من علانية الصدقة، والآن يتحدث عن الكرامة التي تأتي من العطاء في الخفاء. إذ يريدنا أن نعرف أن الله يوجد في كل مكان. وأن مسيرتنا لا تنتهي في الحياة الحاضرة، بل من الآن تنتظرنا محاكمة رهيبة، عن كل أعمالنا، ومكافآت وعقوبات. وكل ما فعله المرء سواء صغيرًا أو كبيرًا فلن يُخفى حتى لو ظن أنه مخفي عن كل البشر. كل هذا يشير إليه بقوله: ” فأبوك الذي في الخفاء يجازيك علانية” (4:6)، معطيًا إياه بوفرة ما يرغبه بالضبط. يقول: ماذا ترغب؟ هل تريد أن يكون لديك بعض الناس لينظروا أعمالك؟ الآن لديك، ليس الملائكة ولا رؤساء الملائكة، لكن إله الجميع نفسه. إذا أردت أن يكون لديك مشاهدين من البشر، لن يتأخر في تحقيق رغبتك، وبكل كرم وسخاء. إذا أردت الآن سيكون لك عشرة أو عشرين أو مائة إنسان يشاهدك. لكن إذا أخفيت الآن صدقتك عن أعين الناس، سوف يجازيك الله حينئذٍ علانية، في حضور كل المسكونة. إذا أردت أن يري الناس فضائلك، عليك أن تخفيها الآن حتى يراها وقتئذٍ الكل وتحصل على مجد عظيم، فسوف يظهرها الله ويرفعها ويعلنها للجميع. الذين يشاهدونك الآن سوف يدينوك كمحب للمجد الباطل، أما عندما يشاهدونك متوجًا، ليس فقط لا يدينونك بل سوف يمدحونك.

          ياللحماقة، أتخسر أجرك بينما في إمكانك أن تطلب الأجر من الله ويكون لك مُشَاهِد إلهي، فأنت حين تفتخر الآن بأعمالك فأنت تطلب الأجر من البشر. فإن كان لابد أن تتباهى، فيجب أن تتباهى أمام الآب، الذي في سلطانه التتويج والعقاب معًا. من هو أكثر تعاسة من ذلك الذي يترك الملك الذي جاء خصيصًا ليرى أعماله، ويتوسل للبشر حتى ينظروا إليه؟! لذلك يأمر، ليس فقط بعدم التظاهر، ولكن يأمر أيضًا أن نجاهد لكي نتمم الفضيلة في الخفاء:

 

الصلاة:

” ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس، الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك وصَلِ إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية” (5:6 ـ 6).

          للمرة الثانية يدعو هؤلاء “مرائين”، وحسنًا فعل، إذ يدّعون أنهم يصلون إلى الله لكن يظهروا للناس من حولهم، ولا يقفون كما يليق بالمتضرعين، لكن مثل أناس مستهترين. فالذي يتضرع عليه أن يترك الكل، وينظر فقط إلى ذاك الذي عنده المقدرة على تحقيق طلبه. إنما لو تركت الله وأخذت تراقب وتحوم بعينيك في كل مكان حولك، سوف تعود بعد ذلك خالي الوفاض. هل تريد أجرًا؟ إنه لم يقل إن هؤلاء الناس سوف لا يأخذون أجرًا، لكنهم سينالون من الذين يريدون منهم أجرًا أي البشر. الله أراد أن يعطى مكافأة، لكن أولئك طالما يطلبون مكافأة البشر فليس لهم الحق في أن يأخذوا مكافأة الله، خاصة أنهم لم يفعلوا شيئًا لأجلها. أما أنت فانتبه لمحبة الله للبشر، لقد وعَّد أن يمنحنا مكافأة على كل صلاح نطلبه منه.

          وحيث إنه قد أدان هؤلاء الذين لم يمارسوا الصلاة كما يليق، وذلك بالنسبة لمكان الصلاة وبالنسبة للدافع الداخلي، وأظهر خزيهم، فقد قدم في النهاية الطريقة الحسنة للصلاة، مانحًا أيضًا المكافأة، إذ قال: ” فادخل إلى مخدعك“.

 

3 ـ لكن سوف يتساءل شخص: هل يجب أن أذهب للصلاة في الكنيسة؟ نعم ينبغي أن نصلي بكل الطرق، ولكن المهم في الدافع. لأن الله دائمًا يطلب الهدف أو القصد من أعمالنا. لأنه حتى إن دخلت إلى مخدعك وأغلقت بابك وأنت تصلي من أجل التباهي أو الظهور، فسوف لا يفيدك غلق الأبواب بشيء. إذن، لاحظ هنا مدى الدقة التي حدد بها الأمور: ” لكي يظهروا للناس“. إنه يطالبك بتأمين أبواب ذهنك قبل أن تغلق جيدًا أبواب المخدع. إنه من الجيد أن تتخلص من المجد الباطل بالحرى في ساعة الصلاة. كيف نسمع أقوال صلاتنا، عندما ندخل إلى المخدع ومعنا هذا المرض اللعين (المجد الباطل)؟ وإن لم نسمع الكلام الذي نتضرع به إلى الله، كيف نستحق أن يسمعنا الله؟

          للأسف البعض يتصرف ـ بعد كل هذا الكلام الكثير الذي قلناه ـ بشكل غير لائق تمامًا أثناء الصلاة. فبالرغم أنهم لا يظهرون بأجسادهم، إلاّ أنهم يُظهرون ذواتهم للكل بأصواتهم، صارخين بصوت عالٍ كأنهم في سوق خادعين ذواتهم بالتمايل والصوت العالي.

          ألا ترى أنه حتى في السوق، فإن مَنْ يقترب بمثل هذه الطريقة ويستعطى بأصوات عالية سوف يجعل الشخص الموجه له هذا التوسل يبتعد بعيدًا؟! بينما لو اقترب بهدوء وبطريقة لائقة عندئذ يتأثر بالحرى هذا الشخص ويعطيه للفور إحسانًا. إذن، ليس بتمايل الجسد ولا بحدة الصوت، لكن بالدافع الحسن علينا أن نصلى. ولا أيضًا بضجة ولا بضوضاء بغرض الظهور، حتى يرانا الذين حولنا، ولكن بطريقة لائقة، بانسحاق النفس وبالدموع من الأعماق. هل أنت متألم في داخلك وتضطر أن تصرخ؟ عليك كما قلت بهدوء أن تصلى وتتضرع يا من تتألم ألمًا كثيرًا. تألم موسى النبي وصلى هكذا وسُمع، لذلك قال له الله: ” ما لك تصرخ إلىّ” (خر15:14). وحنة النبية أيضًا لم يسمع أحد صوتها أثناء الصلاة ونالت كل ما تريد لأنها صرخت بقلبها (انظر اصم3:1). وهابيل أيضًا بموته لم يصمت، لكن صلى ودمه صرخ بصوت أقوى من البوق (أنظر تك1:4). إذن، احزن وأنا لا أمنعك؛ مزق قلبك وليس ثيابك، كما ينصح النبي (انظر يؤ13:2)، اطلب الله من أعماق قلبك ” من الأعماق صرخت إليك يارب” (مز1:130). أطلق صرخة من قلبك، واجعل صلاتك سر. ألاّ ترى أن داخل القصور لا يسمع أحد ضجة إذ يسود الهدوء والصمت المكان كله؟ وأنت أيضًا عندما تدخل القصور، ليست الأرضية، بل الأعظم والأرهب من كل القصور الأرضية، أي السماوية، اظهر وقارًا لائقًا جدًا. لأن جوقة الملائكة لها مكان هناك. فأنت بصحبة رؤساء الملائكة ترنم مع السيرافيم. تصطف كل هذه الطغمات بترتيب وتناسق جميل وبخشوع عظيم ترنم تلك التسابيح السرية المقدسة إلى الله ملك الملوك. ليتك تصير أنت واحدًا من هؤلاء عندما تصلى وتتشبه بنظامهم السري. لأنك بالتأكيد لا تصلى إلى البشر بل إلى الله الموجود في كل مكان، الذي يسمع ونحن نتحدث إليه ويعرف مكنونات نفوسنا. إذا صليت هكذا، سوف تنال أجرًا عظيمًا. يقول: “ أبوك الذي يراك في الخفاء يجازيك علانية“.

          لم يقل سوف يمنحك، لكن سوف يجازيك، وبذلك جعلك مكرّمًا بشرف عظيم. إن الله الذي هو غير منظور، يرغب في أن تكون صلاتك أيضا غير منظورة. يقول لنا بعد ذلك:

 

 ” عندما تصلون لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم” (7:6).

          عندما تحدث عن الصلاة لم يحذر فقط من مرض محبة المجد الباطل، بل أضاف أيضًا شيئًا آخر؛ هو تجنب الثرثرة. ومثلما تهكم هناك على المرائين، يتهكم هنا على الوثنيين محذرًا السامع في كل حالة من تفاهة الأشخاص. إنه يسمّى الهذيان ثرثرة، أي عندما نطلب من الله كل ما هو غير لائق، مثل السلطة والمجد والفوز على الأعداء، أو نطلب نقودًا كثيرة، وعمومًا كل الأشياء التي لا تفيدنا بتاتًا. لأن الله يعرف كل شئ نحتاجه، إذ قال:

” لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه ” (8:6).

 

4ـ بالإضافة إلى كل هذا، يجب أن أنصحكم الآن ألاّ تجعلوا صلواتكم طويلة، لا أقصد بالنسبة للزمن، لكن من جهة كثرة الأقوال. يجب أن نطلب في صلاتنا، نفس الأمور دائمًا بصبر ولجاجة. يقول لنا: ” مواظبين على الصلاة” (رو12:12). والمسيح نفسه قال لنا مثل الأرملة التي استمالت بطلبها القاضي القاسي وغير الرؤوف بلجاجة صلاتها(انظر لو1:18ـ8)، وأيضًا مثل الصديق الذي أتي ليلاً بدون مراعاة وقت النوم، وأنهض صديقه النائم من سريره (انظر لو5:11)، ليس لأنهما كانا صديقان، لكن بإصراره على طلبه. لقد أوصى بأن نصلي إليه بلجاجة، لكن لم ينصح بأن نأتي إليه ونعلن له فقط صلاة تتكون من أعداد لا حصر لها من السطور، هذا ما أشار إليه بقوله ” إنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم” (7:6).

          وإذا تساءل شخص: إن كان الله يعرف احتياجاتنا، فلأي سبب ينبغي أن نصلى؟ ليس من أجل أن تخبره بهذه الاحتياجات، لكن لأجل أن تدنو نحوه، لتثمر باستمرارك في الصلاة وأيضًا لكى تتواضع وأنت تتذكر خطاياك. هكذا يقول لنا:

 

الصلاة الربانية:

” فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات” (9:6).

لاحظ كيف أنه يُنهض السامع ويذكّره في مقدمة الكلام بكل سخاء الله. لأن من يقول إلى الله ” يا أبانا “، بهذا اللقب يقرّ بغفران الخطايا والبر والقداسة والفداء والتبني والميراث والعلاقة الحميمة بالابن الوحيد الجنس، وعطية الروح القدس. لأنه لا يمكن أن تدعو الله أبًا، إن لم يكن قد حصلت على هذه الخيرات. لقد شدّد إرادتهم بالاثنين؛ بالاستحقاق الذي يعطيه من خلال مناداته بلقب “أب”، وبعظم الخيرات التي يتمتعون بها. وعندما يقول   ” في السموات ” لا لكي يحصر الله هناك، بل لكي يرفع المصلى عن الأرضيات وليجعل عينيه محدقةً في الأماكن السامية والمساكن السماوية. يعلمنا أيضًا أن نصلى صلاتنا من أجل اخوتنا، فلا يقول: ” أبي الذي في السموات”، لكن “أبانا”، معلنًا هكذا أن نوجّه تضرعاتنا لأجل الجسد الواحد. وفي أية حالة، لا يهدف المصلي إلى مصلحته الشخصية بل لمصلحة قريبة. بهذه الصياغة قد محا العداوة وأزاح اليأس بعيدًا ونزع الحسد، وأتي بدلاً من كل هذا بأم الصالحات: المحبة. وهكذا أقصى الفروق من بين البشر، وأظهر التساوي في الكرامة بين الملك والفقير، طالما أن الكل مشترك بالتساوي في الأمور العظيمة والجوهرية. هل هناك ضرر يأتي علينا، عندما يربطنا بالانتماء السماوي، حيث لا أحد لديه أكثر من الآخر: الغني من الفقير، السيد من العبد، الرئيس من المرؤوس، الملك من الجندي، الفيلسوف من البربري، والحكيم من الجاهل؟. لقد منح الجميع أصلاً كريم، وجعلنا مستحقين لأن ندعوه ” أبانا “. بعدما ذكّرنا بهذا الكرم وهذه العطية السماوية، والكرامة المتساوية مع اخوتنا و، والمحبة، وذلك بابتعادنا عن الأرض وارتباطنا بالسموات، ليتنا نرى الآن ما الذي ينصحنا به لنطلبه.

 

” ليتقدس اسمك ”:

تعنى ليتمجد. الله طبعًا مجده كامل وهو دائمًا مملوء مجدًا، لكنه يوصي المصلي أن يسعي لكي يمجد الله في حياته الخاصة. لقد قال من قبل نفس الأمر: ” فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السموات” (16:5). والسيرافيم الذين يمجدونه قالوا: ” قدوس، قدوس، قدوس” (إش3:6). هكذا “ليتقدس” يعني يتمجد. اجعلنا مستحقين لكي نحيا بأكثر نقاء، حتى يمجدك الجميع بواسطتنا.

 

” ليأتِ ملكوتك ” (10:6):

وهذه أيضًا طلبة الابن المعترف بالجميل، لكي لا ينخدع بالأمور المنظورة، ولا يعتبر الأمور الحاضرة ذات شأن هام، لكن عليه أن يسير نحو الآب، وألاّ يشتهي الأمور العتيدة. هذا هو الضمير الصالح والنفس المتحررة من الأمور الأرضية.

 

5 ـ هذا ما كان يتوق إليه بولس في كل يوم من حياته. لأجل هذا كان يقول: ” نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضا نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا” (رو23:8). مَنْ لديه هذا الشوق، فلا أمور الحياة الصالحة يفتخر بها، ولا المؤسفة تقلل من قيمته، لكن كأنه يوجد في السموات وقد تخلص من كليهما.

 

” لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض ” (10:6).

          أرأيت هذه الصلاة المتعقلة والهامة؟ لقد أرشدنا أن نشتاق للأمور العتيدة، ونسرع للذهاب إليها. لكن إلى أن يتم هذا، علينا أن نظهر هنا بما سنكون عليه في السماء. ينبغي علينا أن نشتهي السماء والأمور السماوية الأخرى، فينصحنا بأن نجعل الأرض سماءً ونحيا فيها ونسلك كمواطنين سمائيين، هكذا فلنعمل ولنتكلم: لا شئ يعيق وصولنا إلى عظمة القوات السماوية، بسبب أننا نسكن في الأرض، لكن من الممكن أن تحيا هنا وتفعل كل شئ كما لو أنك قد وصلت إلى السماء. وكما أن الكل في السماء خاضع لله تمامًا؛ فالملائكة لا تخضع في أمور وتعصى في أمور أخرى، لكنها مطيعة وخاضعة في كل الأمور، إذ مكتوب:        ” باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه” (مز20:103). هكذا جعلنا نحن البشر مستحقين أن نتمم كل شئ كما يشاء وليس جزء من إرادته.

         

هل رأيت كيف يعلمنا أن نكون فضلاء، إذ يعلن أن الفضيلة ليست مجرد إنجاز خاص بنا، لكن للنعمة الإلهية؟ وأيضًا حدد لكل واحد منا أن نصلي آخذًا على عاتقه مسئولية الاعتناء بكل المسكونة. لأنه لم يقل ” لتكن مشيئتك فيّ أو فينا”، لكن لكل مكان على سطح الأرض، حتى يبيد الضلال ويزرع الحق ويقتلع كل الشر وتأتي الفضيلة ولا تختلف السماء إطلاقًا عن الأرض. لو صار هذا، فسوف لا يختلف ما هو أسفل عن ما هو فوق، بالرغم من أن الاختلاف هو بحسب الطبيعة.

 

”خبزنا اليومي أعطنا اليوم ” (11:6).

          ما معنى ” الخبز اليومي “؟ خبزنا اليوم. ولأنه قال ” لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض“، ثم يتوجه إلى البشر الذين لهم أجساد خاضعة لنواميس طبيعتهم، إذ لا يمكن أن يكون لديهم عدم الهوى (عدم الانفعال) الذي لطبيعة الملائكة، يقول لنا، علينا أن نفعل وصاياه كما يفعل الملائكة، لكنه تنازل من أجل ضعف طبيعتنا، واكتفى بأن نسلك بتدقيق في حياتنا ولم يطالبنا بعدم الهوى. لأن قدرة طبيعتكم لا تسمح بهذا، إنها تحتاج إلى غذاء ضروري. لاحظ كيف ينظر إلى الأمور الجسدية نظرة روحية. لم يقل لأجل الأموال، ولا لأجل الحياة المترفة، ولا لأجل الثياب الفاخرة، ولا لأي شئ مثل هذا، لكن فقط من أجل خبزنا، وحسنًا من أجل خبزنا اليومي، حتى لا ننشغل بخبزنا الذي للغد. لأجل هذا أضاف: ” اعطنا اليوم“، حتى لا نقلق ذواتنا بالانشغال باليوم التالي. لماذا تصرّ على الاهتمام باليوم الذي لا تعرفه؟ وقد تحدث فيما بعد عن ذلك: ” لا تهتموا بالغد” (34:6). إنه يريد دائمًا أن نكون متأهبين ولنا أجنحة مثل الملائكة، معطين للطبيعة البشرية بقدر ما تطلبه الضرورات.

 

وبسبب أننا نخطئ بعد حميم ميلادنا الثاني، قد عيّن لأجل غفران خطايانا أن نصلى إلى الله محب البشر، ونتوجه إليه هكذا:

 

” واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا ” (12:6) .

          هل رأيت المحبة الفائقة؟! بعد أن محا شرورًا كثيرة وبعد عطيته الكثيرة التي لا تُوصف في المعمودية، جعلنا مستحقين للغفران إذا أخطأنا من جديد. إن هذه الطلبة تناسب المؤمنين، وقوانين الكنيسة تعلم بهذا، وكذلك مقدمة هذه الصلاة (أبانا). مَنْ هو خارج الكنيسة لا يستطيع أن يدعو الله أبًا. وبما أن الصلاة تناسب المؤمنين الذين يصلون ويتضرعون ليغفر الله لهم خطاياهم، فإن التوبة لها فاعلية حتى بعد المعمودية. والدليل على ذلك أن المسيح أمرنا أن نصلى هكذا. إنه يذكّرنا بخطايانا، وينصحنا بأن نطلب الغفران وهو على يقين في الوقت نفسه بأن نوال هذا الغفران هو متيسر. من الواضح أنه يريد أن يعلمنا بأنه يمكننا أن نتطهر من خطايانا بعد المعمودية، ولأجل هذا وضع لنا هذه الطلبة. فمن جهة، أراد أن يذكّرنا بخطايانا حتى نسعى نحو الفضيلة. ومن جهة أخرى، بالغفران للآخرين نتخلص من أي ذِكر للشر. وبوعده لنا بأنه سوف يغفر خطايانا، يخلق فينا آمال صالحة ويعلمنا بأن نصير حكماء بمحبة الله للبشر التي لا تُوصف.

 

6ـ ” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي“(14:6)، هكذا الأمر ينطلق منا، والدينونة العتيدة تتوقف علينا. اجعل القرار يتوقف عليك، حتى لا يمكن أيضًا لأحد من الناس، عديمي الإحساس، أن يدينك في المحكمة لأجل أي أمر صغيرًا كان أم كبيرًا. فإن غفرت لخادمك سوف تنال أنت هذه النعمة. بالرغم من أنها لا تكون بالتأكيد مساوية لغفرانك؛ لأنك في احتياج لأن تغفر، أما الله فليس في احتياج لشيء. أنت تغفر لخادمك (الذي هو إنسان مثلك)، أما الله فيغفر لعبده. أنت مُعرض لأخطاء لا حصر لها، أما الله فهو بلا خطية.

          هكذا يعلن الله محبته للبشر. كان يمكن أن يغفر لك كل خطاياك بدون أن تغفر لأخيك، لكن يريد أن يكرّمك ويمنح لك حشد من الفرص لأنه يحبك. يريد أن يقتلع الرغبات المتوحشة بداخلك ويطفئ شعلة الغضب التي فيك، ويربطك بأخيك من كل جانب.

          هل هناك شيئًا تريد أن تقوله؟ هل تألمت ظلمًا من جارك؟ تذكّر أنك تأتي لكي تنال غفرانًا لأجل مثل هذه المظالم. وهذا الغفران الذي تناله ربما لأمور أعظم من الألم الذي سببه لك جارك. ومع كل هذا ينتظرك هناك أجر عظيم، وسوف لا يطلب منك الله جوابًا على إي من أخطاءك. إذن أي عقاب نكون جديرين به، إذ بينما لدينا إمكانية أن يُغفر لنا، ونحن نخون خلاصنا (في حالة عدم غفراننا لأخينا)؟ كيف نكون مستحقين لأن يسمع لنا الله طلباتنا، بينما نحن لا نريد أن نعتني بأنفسنا، لأجل أمور في متناول أيدينا (يقصد أن نسامح الآخرين)؟

 

” ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين ” (13:6).

          هنا يظهر بوضوح مدى ضعفنا محجمًا كبرياءنا، معلمًا إيانا أن نتجنب الخوض في التجارب، وعلينا ألاّ نندفع نحوها. هكذا فإن انتصارنا بعد ذلك سيكون أكثر بهاءً، أما هزيمة الشيطان فستكون أكثر فظاعة. فعندما نظل هادئين منتظرين وقت الحروب سوف نبرهن على أننا لا نحب المجد الباطل، بل نحب سمو الروح.

هنا يدعو الشيطان ” الشرير” حتى نتأهب دائمًا لحرب مستمرة ضده، وأيضًا لكي يُظهر لنا أن هذا اللقب “الشرير” ليس صفة لطبيعتنا. فالشر ليس من تكوين طبيعتنا لكن نتيجة اختيارنا. بينما الشيطان دُعي شريرًا بسبب شره الزائد، وبسبب أنه يشن علينا حربًا بلا هوادة، بدون أن نرتكب شرًا. لذلك لم يقل ” نجنا من الشرور”، بل ” من الشرير“. يعلمنا أن لا نسئ إطلاقًا لاخوتنا في الإنسانية لأجل شر فعلوه لنا، لكن فلننقل عداوتنا لهم، نحو الشيطان، لأنه هو علة كل الشرور.

          وطالما حدثنا عن الحروب والتجارب، يشجعنا ثانية ويسمو بنا مذكرًا إيانا بالملك الذي نخضع له، مؤكدًا لنا أنه أعظم قوة من الكل، فيقول لنا:   ” لأن لك الملك والقوة والمجد“. بالتالي فإن كان المُلك له، فلا أحد ينبغي عليه أن يخاف، لأن لا أحد يستطيع أن يقف ضده أو يشاركه في سلطته. عندما يقول: ” لأن لك الملك“، يُظهر أن الشيطان الذي يحاربنا هو أيضًا تحت سلطانه. وعندما يحاربنا الشيطان، فإنه يفعل ذلك بسماح من الله. لأن الشيطان أيضًا من عبيد الله، بالرغم من أنه من المتمردين عليه. وما كان يتجرأ على مهاجمة أحد من عبيد الله، إن لم يكن قد أخذ تصريحًا من فوق. ولماذا أقول مهاجمة أحد من عبيد الله؟! فإنه لا يتجرأ على مهاجمة الخنازير، إلاّ إذا أخذ تصريحًا من السماء.

          و” القوة “: إذن، إن كنت ضعيفًا للغاية فلك الحق أن تحصل على شجاعة وثقة لأن لك مثل هذا الملك الذي يحقق لك كل شئ بسهولة.

” والمجد إلى الأبد آمين ” .

7 ـ ولا يخلصك فقط من المصاعب التي تأتي عليك، لكن يستطيع أن يجعلك مُمجدًا ومتألقًا. فكما أن قوته عظيمة، هكذا مجده لا يُوصف، وكلاهما أزليان وليس لهما نهاية. أرأيت كيف أعَّد كل شئ ليجعلك مثل الرياضي، جسورًا وشجاعًا؟

          لقد أراد أن يُظهر أنه يمقت ويكره تذكار الشر، ويستحسن ـ أكثر من أي شئ ـ الفضيلة المُضادة للشر، ويقود المستمع إلى طاعة الوصية.

 

” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم ” (15،14:6).

          وقد ذكر أيضًا السموات والآب، حتى يشجع المستمع القاسي القلب، إذ له مثل هذا الآب السماوي، وعليه أن لا يسلك سلوكًا أرضيًا لأن دعوته هي من السماء. لأننا لا ينبغي أن نكون أولاده بالنعمة فقط، لكن بأعمالنا أيضًا. ولا يوجد شئ يجعلنا متشبهين بالله بقدر أن نمنح غفرانًا للأشرار ولكل الذين يسيئون إلينا. كما علمنا منذ قليل: أن الشمس تُشرق على الأشرار والأبرار. لذلك أمرنا بأن نصلى جميعنا صلاة مشتركة: ” أبانا”  و” ليتقدس اسمك، كما في السماء كذلك على الأرض“، و” خبزنا كفافنا أعطنا“، و” واغفر لنا ذنوبنا“، و” لا تدخلنا في تجربة“، و” نجنا“. هكذا أراد أن نستخدم صيغة الجمع حتى لا يكون لدينا ضد أخينا أي أثر للغضب. فكم يستحقون العقاب الذين ـ بعد كل هذا ـ ليس فقط لا يغفرون، بل يدعون الله لكي ينتقم من أعدائهم، بينا الله يفعل كل شئ حتى لا يكون هناك خصام فيما بيننا؟

          ولأن المحبة هي أصل كل الصلاح، فإن الرب يزيل كل ما يفسدها من أي جهة، ويلصقنا الواحد بالآخرين. لا يوجد أحد: لا أب، ولا أم، ولا صديق، قد أحبنا بالقدر الذي أحبنا به الله الذي خلقنا. وهذا واضح جدًا من إحساناته وأعماله. فلو حسبنا بالتفصيل مخالفتنا وخطايانا ليوم واحد، سوف ندرك مقدار المصاعب التي نستحق أن نعاني منها. سوف أترك المخالفات الخاصة التي يفعلها كل واحد، ودعوني أذكر المخالفات المشتركة والتي تحدث الآن؛

مَنْ منكم لم يصلي برخاوة؟!

مَنْ منكم لم ينتابه اليأس؟!

مَنْ منكم لم يحب المجد الباطل؟!

مَنْ منكم لم يتكلم بسوء على أخيه؟!

مَنْ منكم لم يسبب لأخيه شهوة ردية؟!

مَنْ منكم لم يضمر في نفسه شرًا تجاه عدوه؟!

مَنْ منكم لم ينتفخ بقلبه؟!

          إن كنا ونحن موجودين في الكنيسة ولفترة زمنية قصيرة نرتكب أخطاء كثيرة، فماذا يحدث بعدما نخرج من هنا؟!

          فإذا هبت علينا أمواج كثيرة ونحن داخل الميناء، وعندما نبحر في بحر المتاعب، أقصد السوق والأشغال العامة والاهتمامات العالمية، هل سوف نستطيع التعرف على ذواتنا؟!

          لكن لكي نتخلص من خطايا كثيرة، أعطانا الله طريقًا سريعًا وسهلاً، لا يجلب علينا أي متاعب. هل يصعب عليك أن تغفر للذي أخطأ إليك؟!

 

8 ـ لا تحتاج أن تجوب البحار، ولا أن تسافر أسفارًا طويلة، ولا أن تتسلق قمم الجبال، ولا أن تقترض نقودًا، أو أن تعذب جسدك، بل يكفي أن تريد وسوف تُمحى كل خطاياك.

          أي رجاء لك لتخلص، إن كنت لا تغفر لعدوك، بل بالإضافة إلى ذلك تصلى إلى الله ضده، وأنت تظهر كأنك تصلي، بينما تصرخ صراخًا وحشيًا، وتحوّل سهام الشرير ضدك؟ لذلك فإن بولس عندما يتحدث عن الصلاة، لا يطلب شيئًا، بقدر حفظ هذه الوصية: ” رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تي7:2). فإذا كنت في حاجة إلى رحمة الله، وتتمسك بغضبك بالرغم من أنك تعرف جيدًا أنك بموقفك هذا تطلق سهام الشرير على ذاتك، متى تصير محبًا وتطرد هذا السم الشرير؟! إن لم تدرك حجم هذا الخطأ، افحصه في علاقات البشر بعضهم لبعض، وعندئذٍ سوف تتحقق من مدى الحالة المهينة التي وصل إليها البشر. على سبيل المثال: عندما يأتي إليك شخص يطلب رحمتك جاثيًا على الأرض، وعندما انتهى من توسله هذا، رأي عدوه قادم، فنهض للتو وأخذ يضربه ويتوعده، ألاّ سوف تغضب بالأكثر ضده؟

          تأمل؛ إن نفس الأمر يحدث مع الله. وبينما أنت تتضرع إلى الله، تترك تضرعك وتضرب بكلامك عدوك وتحرض المُشرّع (الله) بأن يصب جام غضبه على الذين يسيئون إليك، وكأنك لا تكتفي بمخالفة ناموس الله، بل تريد أن يفعل الله نفس الأمر!! هل نسيت كل ما أعلنه لنا؟ أتظن أن الله مثل الإنسان؟ إن الله الذي يعرف كل شئ ويريدنا أن نحفظ وصاياه بكل دقة، وأنت تبتعد كثيرًا عن فعل الأمور الجديرة بأن تفعلها، فتجعله يتحول عنك ويمقتك، لأن ما تقوله يتطلب أقصى العقوبات.

          يوجد كثيرون يهذون إلى هذه الدرجة، حتى أنهم يلعنون ليس فقط أعداءهم بل أولادهم، ويتمنون ـ لو كان في الإمكان ـ أن يأكلوا أجسادهم. لا تقل لي؛ إنك لم تغرس أسنانك  في جسد الذي أساء إليك. لقد فعلت شيئًا سيئ جدًا، وذلك عندما أعلنت رغبتك في أن يسقط فوقه غضب السماء، لكي تسلمه للعقاب الأبدي وتدمره مع كل عائلته.

أليس هذا الأمر هو أسوأ من كل اللدغات؟ أليس هو أكثر ألمًا من كل النبال؟ ألم يعلمك المسيح بأن مثل هذه الأمور هي أسوأ من أفواه ملطخة بالدماء؟ كيف بعد ذلك تقترب من الذبيحة؟ كيف تتذوق دم الرب؟ فعندما تصلي وتقول: اسحقه ودمر بيته ودمره من كل جهة، فأنت لم تختلف في شئ عن قاتل أو بالحرى عن وحش مفترس.

 

9 ـ ليتنا نُوقف هذا المرض، وهذا الهَوَس، ودعونا نقدم محبة للذين أساءوا إلينا، لكي نصير متشبهين بإلهنا السماوي، وسوف نتوقف لو أحضرنا في ذهننا خطايانا الخاصة. ولو فحصنا بدقة كل الأخطاء التي فعلناها في البيت، وفي السوق وفي الكنيسة. على الأقل فنحن نستحق لأجل عدم مبالاتنا هنا في الكنيسة؛ إذ بينما يرنم الأنبياء، ويسبح الرسل، ويكلمنا، نتوه نحن خارجًا ونفكر في أمور الحياة المعيشية. للأسف لا ننصت بهدوء لتعاليم الله، بقدر الهدوء الذي يحتفظ به المشاهدون في المسرح لسماع الأخبار الملوكية. لأن هناك عندما تُقرأ هذه الأخبار يقف الكل: شهود العيان والمديرون والبرلمان والمجلس المحلي، ليسمعوا في صمت كل ما يُقال. وإذا حدث أن تكلم أحد بصوت عالٍ يجلب على نفسه مشاكل مع الملك، ويُحكم عليه بعقاب قاسي. أما هنا فحين نقرأ الأقوال السماوية، تحدث ضجة كبيرة من كل جهة. بالرغم من أن رسائل الرسل هي أعظم من أوامر الملك. والمشهد أكثر وقارًا، لأنه لا يتكون فقط من البشر، لكن أيضًا من الملائكة. لذا الذين يباركون الله ليس البشر فقط، لكن الملائكة ورؤساء الملائكة وكل الطغمات السمائية، وكل ساكني الأرض ” باركوا الرب يا جميع أعماله” (مز22:103).

          وعندما تُقال هذه الأقوال يجب أن نسمعها بتقوى ورهبة، ولا نظن أننا نُوجد على الأرض، لكن للأسف نحن نتصرف بضوضاء كما لو كنا في السوق، ونصرف وقت الاجتماع في الحديث. إننا ننصت خارج الكنيسة للأحاديث الصغير والكبيرة، أما في الكنيسة فإننا نظل غير مبالين، وبالإضافة إلى ذلك نلعن أعداءنا في صلواتنا، فمن أين ننال رجاء الخلاص، هل من خطايانا التي نفعلها، بالإضافة إلى الهذيان الذي نقوله في الصلاة؟!

          ليتنا نطرد السموم من داخلنا، ليتنا نحل عداوتنا ونصلي كما يليق بنا. دعونا ننال هدوء الملائكة بدلاً من ضوضاء الشياطين. ليتنا نلجم غضبنا أمام كل المظالم التي أصابتنا، طالما نحتفظ في ذهننا بالأجر الذي سوف ينتظرنا بعد تنفيذ الوصية، ليتنا نكبح الأمواج لكي نقضي الحياة الحاضرة بلا اضطراب حتى نصل إلى الرب. لو كان هذا الأمر ثقيل ومخيف، دعونا نجعله خفيفًا ومحبوبًا، وليتنا نفتح الأبواب البهية نحوه. وهذا الذي لم نحققه بالكف عن الخطايا، سوف نحققه بأن نصير مسالمين تجاه هؤلاء الذين أذنبوا إلينا (وهذا ليس ثقيلاً ولا صعبًا). إذ بإحساننا إلى الأعداء نكون جديرين برحمته الجزيلة علينا. لأنه هكذا في هذه الحياة سوف يحبنا الجميع والأكثر من الجميع الله. وسوف يحبنا ويكلّلنا ويجعلنا مستحقين للخيرات العتيدة والتي جميعنا ننالها بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين[1].

 

الصوم:

    ” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيّرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لكي لا تظهر للناس صائمًا بل لأبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية”[2] (16:6).

          يليق بنا أن نئن هنا كثيرًا وننتحب بمرارة، لأننا لا نشبه المرائين فقط، بل تفوقنا عليهم. لأني أعرف كثيرين آخرين لا يصومون ويلبسون قناع أُناس يصومون، والأكثر من ذلك إنهم يتسلحون بعذر أقبح من خطيتهم، قائلين إننا نفعل هذا لكي لا نعثر الآخرين. ما هذا الذي تقوله؟ إن ناموس الله هو الذي حدَّد كل هذا، وأنت تتذكر العثرة؟ وتعتقد أنك تعثر عندما تحفظ الناموس، وتجنب الناس العثرة عندما تخالف الناموس؟ هل يمكن أن تكون هناك حماقة أسوأ من هذه؟ ألا تكفّ عن أن تكون أسوأ من المرائين؟ وعندما تتأمل في فداحة هذا الشر العظيم، ألم تخجل من قوة التعبير في هذه الآية؟ لأن المسيح لم يقل فقط إنهم “كالمرائين”، بل أراد أن يفضحهم أكثر، فقال إنهم ” يغيرون وجوههم“، أي إنهم يفسدون وجوههم ويشوهونها. وإذا قيل إنهم يغيرون وجوههم بسبب التفاخر ومحبة المجد الباطل، فما الذي نستطيع أن نقوله عن النسوة اللاتي يفسدن وجوههن بالألوان والأصباغ من أجل الإيقاع بالشباب؟ وإن كان المراؤون يؤذون أنفسهم فقط، فإن هؤلاء النسوة يؤذون أنفسهن والذين ينظرون إليهن. ولهذا يجب أن نهرب بكل قوتنا من كليهما.

          والرب لم يوصينا فقط بألاّ نتباهي بما نفعل، لكن أيضًا أن نحاول جاهدين بألاّ يلاحظ أحد ما نفعل، الأمر الذي شدّد عليه سابقًا. وفي حالة الصدقة لم يشرّع الوصية بطريقة مجردة، لكن قال: ” احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس“، ثم أضاف قائلاً: ” لكي ينظروكم” (1:6). أما في حالة الصوم والصلاة لم يحدد مثل هذا الأمر. لأن الصدقة من المستحيل أن تُخفى بالكامل (على الأقل الذي تُعطى له الصدقة يعرف من هو الذي أعطاه)، لكن من الممكن أن تُخفى الصلاة وكذلك الصوم. وعندما قال: ” لا تعرّف شمالك ما تفعله يمينك“، لا يقصد الأيدي، لكن علينا أن نحترس من أن يلاحظنا أحد. وعندما نصحنا بأن ندخل مخدعنا، لم يحدد المكان الوحيد الذي ينبغي أن نصلي فيه، لكن أراد أن يشير إلى نفس المعنى السابق، أي لا يلاحظنا أحد. هكذا بالنسبة لوصيته بأن ندهن رؤوسنا، لا تعنى ـ على أية حال ـ مجرد الدهان، لأننا بذلك سنكون كلنا مخالفين، خاصة الرهبان الذين يسكنون الجبال ولا يستخدمون الزيت لدهان رؤوسهم. إذن لم يحدد هكذا الوصية. لكن بسبب أن القدماء اعتادوا أن يدهنوا رؤوسهم في كل مناسبة سعيدة ـ وهذا ممكن أن يتحقق منه المرء في زمن داود ودانيال ـ قال “ندهن نحن رؤوسنا” ليس لكي نفعل هذا على الدوام، لكن لنعتني بكافة الطرق وباحتراس شديد أن نخفي أمر صيامنا. ولكي تعلم أن الذي أوصي هكذا بالصوم، قد سبق له أن صام أربعين يومًا وظل مختفيًا عن أنظار الجميع ولا دهن رأسه ولا اغتسل. لقد مارس هذه الوصية بدون أن يطلب المجد الباطل أكثر من أي أحد آخر. هذا ما حدده لنا وما عبّر عنه عندما أشار إلى ” المرائين “. وبهذه الوصية قد رد المستمعين عن فعل هذه الأمور الشكلية التي تنشد المجد الباطل. وشئ آخر أراد أن نفهمه بكلمة ” المرائين “، و”المرائي” هو كالممثل، يؤثر على المشاهدين لفترة، فهو يبدو متألقًا يتابعه المشاهدون، ولكن هم يعرفون حقيقته عندما ينتهي هذا العرض المسرحي، وبذلك يكون قد أعاقنا ـ بهذه الإشارة إلى “الممثل” ـ عن محبة هذه الشهوة الشريرة، أي المجد الباطل. فالأغلبية تدرك أن المرائيين يلبسون قناعًا وإنهم سينكشفون حينما يظهر كل شئ مكشوفًا وعريانًا.

          أيضًا بطريقة أخرى يُبعد المستمعين عن المرائين، إذ يقدم وصيته على أنها هينة. فلم يجعل الصيام صارمًا، ولا طلب منا المبالغة في الصوم، لكن شدّد على أن لا يُفقد إكليل هذا الصوم. لأن ما يبدو ثقيلاً في الصوم، هو مشترك للكل حتى للمرائين (يقصد العطش والجوع..)، لأنهم يصومون أيضًا. لكن المسيح ينصحنا بألاّ نفقد أجرة تعبنا من هذا الصوم، فهو لا يضيف شيئًا على أتعابنا، لكن لا يريد أن نرحل بلا أكاليل مثل المرائين.

          فلا تمارس الفضيلة من أجل اكتساب المجد من الآخرين، ولا تطيع الله من أجل البشر، بل بالحرى البشر من أجل الله.

1  انتهت هنا عظة رقم 19 (التي تشمل تفسير مت1:6ـ15).

2 من هذه الآيات تبدأ العظة 20 (التي تشمل تفسير مت16:6ـ23).

أحد الرفاع – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

 

 

العظة الثالثة

 

فإن كنت تحسبني شريكا فأقبله نظيري. ثم إن كان ظلمك بشئ أو لك عليه دين. فأحسب ذلك علّي. أنا بولس كتبت بيدي. أنا أوفي. حتى لا أقول لك إنك مديون لي بنفسك أيضًا” (عدد 17ـ19)

 

         يا لهذه الكلمات الرائعة والملائمة جدًا التي من خلالها استطاع بولس أن يربح فليمون حينما وجه إليه مِثل هذه الكلمات. وكما سبق ورأينا نجد أن بولس لم يطلب ما يريده مباشرة ولكنه أظهر أولاً التكّريم والتبجيل الكثير نحو فليمون. وقد حرص بولس في رسالته إلى فليمون أن يهيئ نفسيته بكل الطرق, حتى يجعله يُظهر كل خُلق عظيم تجاه ما يطلبه منه فيما يخص أنسيمس. فبعدما قال عن أنسيمسس ” ابني“, ” الذي هو شريكي في الإنجيل“,  “الذي هو أحشائى“, ” الذي أريدك أن تقبله كأخ“، أضاف: ” نظيري“. فبولس لا يخجل من أن يدعو أنسيمس بأنه أخ له, ولكن لعلنا نتساءل: ما مدي تأثير هذا القول علي فليمون؟ في الواقع إنى أري أن بولس من خلال كلمة ” نظيرى” يريد أن يقول: لو كنت يا فليمون لك نفس إيماني وتسير في نفس الطريق معي, وإذا اعتبرتني كصديق لك، فأقبل هذا الخادم كنظير لي, وأظهر له تمامًا ما تظهره لي أنا أيضًا.

 

ثم إن كان ظلمك بشئ.

         انظر أين ومتى يذكر ” سبب الضيق والغضب”, يذكره بعد أن ذكر كل شئ آخر, ولم يقل هذا إلاَ بعد أن عَدَدّ الصفات الصالحة لأنسيمس. فجميعنا يعرف أن فقدان المال يسبّب الضيق والغضب للناس. وكما أننا نجد أن بولس لم يتهم أحدًا ” لأنه من المحتمل أن تكون هذه الأموال قد صرفت ولم تسرق”, لأن توجيه تهمة إلي أحد لهو أمر مُحزِن، كما أننا نجده يذكر سبب الضيق بعد كل الأقوال السابقة، وحينما أوضح السبب لم يقل: “إن كان سرقك” ولكن قال ” إن كان ظلمك“، وفي هذا إقرار بذنب قد فعله هذا الخادم ولكن لم بدون جرح لمشاعر أنسيمس. فتعبير ” ظلم” يشير إلي أن ما حدث يمكن أن يحدث بين صديقين, ولهذا استخدم ” ظلمك” بدلا من ” سرقك”.

 

فاحسب ذلك علي……… أنا أوفي

         يطلب بولس من فليمون ألاَ يتحمل أى أعباء ماليه ويعده بأنه سيسدد أى ديون. ولا يكتفي بهذا ولكن يتمم كلماته بما يعبّر عن فرحة روحانية فيقول: ” أنا بولس كتبت بيدي“. يا لهذا الأمر المؤثر والسار جدًا في نفس الوقت, ولكن هل لو لم ينفذ بولس وعده بأنه يوفي الدين هل يعني هذا تصريح لفليمون بأن يرفض أنسيمس؟! بالطبع لا, لأن هذا الأمر المؤكد من خلال الكلمات يجعل فليمون خَجِلاً ويدفعه إلي الطاعة وبهذا تُحَل المشكلة القائمة.

         وما أريد أن أقوله هو أنه لا توجد كلمة أكثر رقة من كلمة       ” أحشاء“، تلك التي استخدمها بولس هنا في رسالته, كذلك لا توجد كلمة تحمل كل معاني الجدّية مثل كلمة ” بيدى“. يا لهذا الاهتمام العظيم الذي يقدمه بولس حتى ولو من أجل نفس واحدة مثل نفس أنسيمس العبد الهارب.

 

وحتى لا أقول لك إنك مديون لي بنفسك أيضًا

         هل من الممكن أن يكون بولس قد أراد إهانة فليمون بمثل هذا القول؟ ربما أن هذا سيكون صحيحًا في حالة لو أن الجملة كانت قد قيلت ليس علي سبيل الملاطفة. فبولس الرسول لديه ثقة كبيرة في فليمون, فهو يثق في أن طلبه مُجاب وسينال أنسيمس العفو عن السرقة وهو لديه ثقة أيضًا في أن فليمون سيفهم تلك الجملة بأنها قيلت علي سبيل الملاطفة وإعلان عن المحبة القائمة بينهما. ففليمون مَدين ليس فقط ببعض الأشياء ـ مثل أنسيمس المَدين ببعض الأشياء لفليمون ـ ولكنه مَدين بنفسه إلي بولس وهذا راجع لما بينهما من صداقة قوية. وهكذا نجد أن الرسول بولس يبرهن بكل الطرق علي ثقته في فليمون وعلي الدالة القوية التي يمتلكها تجاهه، وأن ما يطلبه سوف يتحقق بدون شك. ومن خلال تلك الجمل نجده في كل حين يحتاط لكليهما (أنسيمس وفليمون).

 

 نعم أيها الأخ. ليكن لي فرح بك في الرب. ارح أحشائي في المسيح (عدد20)

         ما هذه الجملة القصير والمركّزة جدًا والتي تحمل كل معاني الجدّية. ” نعم أيها الأخ” اقبله. في هذه الجملة يكرر الرسول بولس طلبه كما أنه يؤكد علي جدّية الأمر وخطورته. لأن تحقيق هذا الأمر هو رغبه نابعة من قلب القديسين أنفسهم, فالأمر لا يحمل في داخله أى مداعبه ” نعم أيها الأخ. ليكن لي فرح بك في الرب. ارح أحشائي في المسيح” فبولس يريد أن يقول: إنك تعطي هذا كله للرب وليس لي. وكلمة أحشائى تعني أن قلبي وكل مشاعري تتجه نحوك أنت وتنتظر رد فعلك.

 

إذ أنا واثق بإطاعتك. كتبت إليك (عدد21)

         أى حجر لا يلين؟! أى حيوان مفترس لا يُستأنس بعد سماعه تلك الأقوال اللينة التي قيلت؟! فهذه الكلمات الرقيقة تجعل من فيلمون لا يلين قلبه فقط بل يصبح لديه الاستعداد التام لاستقبال أى شخص بكل ود ومحبة. وبعدما ذكر بولس كل الأشياء العظيمة التي فعلها من أجل فليمون, نجده يعضد موقفه أكثر لكن ليس بقوله: إني أطلب أو أوصي أو آمر بسلطان ولكن نجده يقول:” إني واثق من أنك ستطيعني ولهذا فإني كتبت إليك“. وكما وجدنا الرسول بولس قد بدأ رسالته مبيّنًا الدالة التي بينه وبين فليمون, نجده أيضًا يختم رسالته مشدِّدًا علي هذه الدالة وذلك بقوله: ” عالما أنك تفعل أكثر مما أقول” وبمثل هذه العبارة فإنه يحثه ـ في نفس الوقت ـ علي أن يفعل ما أراده منه.

 

ومع هذا, أعدِد لي منزلاً. لأني أرجو أنني بصلواتكم سأوهب لكم (عدد22).

 إن هذا الطلب الذي يطلبه بولس من فليمون بأن يَعِد له منزلاً لهو دليل علي ثقته فيه ثقة مفرطة. كما إنه يحمل أيضًا داخله التأكيد علي الطلب الأول لبولس والذي هو طلب مصالحة أنسيمس وقبوله. ومن ناحية أخري فهذا القول لم يُقَل وحسب, ولكن قيل لأن بولس يعرف أن هناك أمورًا كثيرة تنتظر قدومه وتتطلب حضوره الشخصي. فمن خلال وجوده الشخصي تُحل كل الأمور المستعصية. فبولس كشيخ وقور خارج من سجنه ـ لأنه كان أسيرًا بسبب مسيحيته ـ هو مُشرِّف لأي شخص يحل ليسكن عنده. والأمر الآخر الذي نستنتجه من هذه الجملة هو محبة بولس لهؤلاء الذين يقول عنهم إنهم يصلون لأجله كثيرًا. فبالرغم من وجوده في الخطر حتى لحظة كتابة الرسالة فإنه يعلن رجاءه وثقته في صلواتهم التي بواسطتها سيُحل من قيوده.

 

يسلم عليكم ابفراس المأسور معي في المسيح يسوع (عدد23).

         كان أبفراس قد أُرسِل إلي الكولوسيين, وهذا يدل أيضًا علي أن فليمون كان في كولوسي. ويدعو بولس أبفراس بـ” المأسور معي” مبيّنا بهذا أنه هو الآخر يمر بمحنة عظيمة. وبالتالي فإنه يلزم لفليمون أن يُنفذ ما طلبه بولس منه إن لم يكن من أجل خاطر بولس فلأجل أبفراس أيضًا. لأن من يوجد في محنة ويتغاضي عنها من أجل اهتمامه بمشاكل الآخرين لابد أن يُنفذ طلبه. وبطريقة أخرى أراد بولس أن يُخجِل فليمون طالما أن مواطنًا آخر مثله صار أسيرًا مع بولس ويعاني معه بينما هو لم يقدم معونة حتى بالنسبة لخادمه. ثم يوضح موقف إبفراس بقوله عنه أنه ” مأسور معي في المسيح يسوع

 

 ومرقس وأرسترخس وديماس ولوقا والعاملون معي (عدد24).

لعلك تسأل لماذا وضع اسم لوقا في آخر الأسماء؟ بينما في موضع آخر يقول ” لوقا وحده معى[1]، وديماس أيضًا كيف يذكره بين العاملين معه وهو يقول عنه في رسالة أخرى ” قد تركني إذ أحب العالم الحاضر[2] كل هذه الأمور قد شرحناها في مواضع أخري[3]. ولكن يجب ألاّ تمر هنا أيضا بدون تفسير ولا أن نسمعها كأشياء عادية ولكن لنا أن نتساءل, كيف يحسب بولس من بين العاملين معه ذلك الذي قال عنه إنه تركه؟ كما أنه يقول عن أرسترخس” أنه ” بقي في كورنثوس[4] ثم يذكر أيضًا ” أبفراس” كأنهما معروفان لدي فليمون وعلي ما يبدو أنهم من نفس بلده, ومرقس نفسه ـ كإنسان جدير بالإعجاب ـ لماذا أتى وسط كل هؤلاء ويعد معهم ديماس؟.

         ربما أن ديماس هذا قد أصبح أكثر كسلاً. وحينما رأى الخطر يتزايد ترك بولس ومضي. وعلي هذا الأساس حسبه من ضمن هؤلاء. أما لوقا فقد كان آخر وأصبح أولاً. وهنا يرسل بتحياته إلى فليمون وأيضا بالنيابة عن الجميع حاثًا إياه بالأكثر علي الطاعة, وحينما دعاهم بالعاملين معه فهو يريد بذلك أن يقنعه بالأكثر لكى يستجيب إلي طلبه

 

 نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم امين (عدد25).

         أنهى الرسول بولس رسالته بالصلاة التي يطلب فيها من أجل فليمون (ومن معه). وهذا لأن الصلاة هي فعل عظيم, إذ هي حافظة ومنقذة لأرواحنا. ولكن لكي تكون عظيمة يجب أن نكون مستحقين أن نقولها ولا تعود بدينونة علي أنفسنا. فأنت حينما تذهب للكاهن معترفًا بخطيئتك سوف يقول لك:  ” ليرحمك الرب يا ابني”  إن السر في هذا لا يكمن بما تعترف به بشفتيك فقط ولكن فيما تفعله أيضًا. فاعمل أعمالاً تجعلك مستحقًا للرحمة. إن الله سيباركك فعلاً لو صنعت أعمال الرحمة. وسيباركك لو أنك أظهرت أعمال الرحمة نحو رفيقك وجارك. إن الأمور التي نأمل في أن ننالها من قِبل الله هي نفس الأمور التي يتعّين علينا أن نظهرها نحن أولاً تجاه الآخرين. فلو منعناها عن رفقائنا كيف لنا أن نحصل عليها من الله؟ فالسيد يقول ” طوبي للرحماء لأنهم يرحمون[5]، فلو أظهر الناس الرحمة تجاه الآخرين فكم وكم سيرحمنا الله. وبالتالي فلن تكون لعديمي الرحمة رحمة بأية طريقة ” لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل الرحمة[6].

         إن الرحمة هي فضيلة عظيمة فلماذا لا نمارسها مع الآخرين؟ هل تأمل في المغفرة، حينما تُخطئ؟، لماذا إذًا لا تعفو عن مَنْ أساء إليك. فأنت دائمًا تأتى إلى الله وتسأله أن يعطيك ملكوت السموات بينما لا تعطي صدقة لمن يسألك. ولهذا فإن الله لن يرحمنا طالما أننا لم نرحم الآخرين بعد. ولماذا؟ لأن الرحمة هي أن يرحم المرء غير الرحماء. لأن ذاك الذي يُظهر محبة لذلك الذي هو قاسي وشرس ويرتكب شرورًا غير متناهية في حق جاره, فكيف لا يكون هو نفسه غير محب للرحمة!!. لأنه سوف يقول ألم تخلصنا المعمودية مع أننا ارتكبنا شرورًا لا تُحصي. هل خلصتنا المعمودية من هذه الشرور لكي نعود إلي فعلها مرة أخرى أم لكي نتوب عنها؟. فبولس الرسول يقول ” الذين متنا عن الخطية. كيف نعيش بعد فيها[7]. ” ماذا إذًا أنخطئ لأننا لسنا تحت الناموس حاشا[8]. إن الله قد أعتقنا من الخطية حتى لا نرجع إلي خزي فعلها ثانية. فالأطباء دائمًا يريحون مرضاهم المحمومين من حرارتهم لا لكي يستخدموا صحتهم في فعل الشر والمخالفات (لأنه من الأفضل أن يكون الإنسان مريضًا ـ مع أنه سوف يُشفى ـ علي أن يُعافى كي يفعل الشر). لكنك تتعلّم من المرض أن تحاول ألاّ تعود إلي نفس المرض ثانية وذلك بأن تصون صحتك وتقي نفسك بأي وسيلة.

         إنني غالبًا أسمع بعض منكم وهو يقول إن الله محب للبشر وسوف يخلّص ـ علي كل حال ـ نفوسنا, لكن لا تدعنا نخدع أنفسنا بمثل هذا الكلام وتعالوا نتكلم اليوم عن هذا الأمر.

         في عظة سابقة قد كلّمتكم عن الجحيم غير أننى حينذاك قد أجلّت كلامي عن محبة الله , فمن المناسب جدًا أن نتكلم اليوم عن هذا الأمر. لأنه من المؤكد أنه سيكون هناك جحيم, ونحن لدينا ـ كما اعتقد ـ براهين كافيه كنت قد أشرت إلي بعضها حينما ذكرنا الطوفان وكل الأمور المماثلة وغير المحتملة. إن هذه الامور كانت كعقاب موجهه لهؤلاء الذين أخطأوا قبل الناموس. فهل نظن أن الذى صنع كل هذا من الممكن أن يترك أناس الزمن الحاضر ـ الذين يخطئون ـ بدون عقاب؟. أعتقد أنه سيعاقبهم لأنهم بعدما أخذوا النعمة صنعوا شرورًا أعظم. وبعد هذا الكلام يبقي السؤال كيف يكون الله الذي يعاقب البشر صالحًا, ومُحبًا لهم؟.

دعونا اليوم يا اخوة نبّين بالبرهان كيف أن الله صالح حتى وهو يعاقب البشر, لأن هذا الكلام أيضًا مناسب لنا في مقاومة الهراطقة. لننتبه لهذا. إن الله قد خلقنا بدون أن يكون محتاجًا لأي شئ منا. فهو خلقنا وهو المهتم باحتياجاتنا. فالله خلقنا من العدم بينما هو كائن بذاته قبل أن نوجد, ونحن خُلقنا في وقت لاحق. فهو قد صنعنا وهو لا يحتاج لنا, هو صنع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها لأجلنا. أخبرني إذًا، أليست هذه كلها علامات علي صلاح الله ومحبته ـ وهناك أشياء أخرى ربما يأتى ذكرها ـ  وللاختصار أقول إنه يشرق شمسه علي الأشرار والأبرار, ويرسل مطره علي الصالح والطالح[9] ولكنك لو تكلّمت مع أحد أتباع ماركيون[10] وسألته (بعد أن وضحت كل هذه الأمور السابقة)، ألاَ تكون كل هذه علامات علي صلاح الله ومحبته. فتجد الجواب. إن علامة الصلاح  والمحبة هو أن الله لا يحاسب الناس علي خطاياهم, فلو حاسبهم لا يكون صالحًا! ولكني أقول لك: لأن الله يحاسب الناس فهذا دليل علي صلاحه. ولتوضيح هذا الأمر نقول, لو أن الله لم يحاسب الناس هل ستبقي الحالة الإنسانية الراقيه قائمة بعد ذلك؟, ألن تسقط في حالة من الحيوانية, فلو لم نخش الحساب من قِبل الله ولو لم ندرك أننا سوف نعطى حسابًا ونخضع تحت حكم الله علينا, فإننا سنفوق الأسماك التي تلتهم بعضها البعض, وقد نُشابه الذئب والأسد في وحشيتهم وافتراسهم. لو أن الله لن يحاسبنا وأقنعنا أنفسنا بعدم وجود حساب, فيا لها من فوضي عظمي وارتباك متناهي هذا الذي كان سيعم العالم؟! وكنا سنري متاهة خرافية أسطورية تملأ العالم. كنا سنري عدد لا نهائي من الجرائم والشغب. من كان سيحترم والده ومن كان سيكرم أمه؟[11] من كان سيترك اللذة والشرور؟ وهكذا كانت ستصير الأمور.

         سأشرح أكثر بأمثله. إن أي شخص لديه عبيد, وقام هؤلاء العبيد بتحطيم سمعة عائلة سادتهم. فاحتقروا أشخاصهم. وسرقوهم وتعاملوا معهم كما لو كانوا أعداء, والسادة لم ينذروهم ولم يقوّموهم ولم يعاقبوهم ولا حتى أنّبوهم بكلمة. فهل هذا دليل علي صلاح هؤلاء السادة؟ في الحقيقة, أنا أرى, أنه كان يجب أن يعاملوهم بقسوة شديدة. ليس فقط لأن الزوجة والأولاد قد غُدر بهم من قبل هؤلاء الأشرار. ولكن أيضًا بسبب إن هؤلاء العبيد أنفسهم سيحطمون ذواتهم بسبب أعمالهم. لأنهم سيدمنون السكر والخلاعة والفجور وستكون فيهم شهوة حيوانية أكثر من أى حيوان. هل البرهان على الصلاح أن يُداس علي الطبيعة الانسانية ذات الروح النبيلة. ويحطم الانسان نفسه ويحطم الآخرين بجانبه أيضًا. سنوضح أيضًا كيف أن العقاب دليل علي الصلاح. وإذا كنت تكلّمت عن العبيد فإننى أيضًا أتكلّم عن السادة, فهم أيضًا يسقطون في هذه الخطايا بسهولة, فإذا كان هناك إنسان لديه أبناء وسمح لهم بأن يفعلوا أى شئ يريدوه, ولم يعاقبهم. ألن يجعلهم هذا يزدادون في شرورهم. وأني أسألكم الآن ـ بعد كل هذه الأمثلة التي بيّناها ـ هل كانت علامة الصلاح في العقاب أم في الرحمة؟ بالتأكيد كانت في العقاب. وهل سيختلف الأمر بالنسبة لله الأكثر صلاحًا؟ لا, لن يختلف لأنه صالح جدًا فهو قد أعد الجحيم من قبل.

أتريدون أن أذكر لكم أمرًا آخر يوضح بالأكثر صلاح الله؟ سأُبيّن بمثال آخر. إن الله لا يترك الإنسان الصالح كي يصبح شريرًا. لأنه لو كان لكل الأشخاص نفس المصير, سيتحوّل الكل إلى أشرار. ولكن وجود العقاب واختلاف المصير يعطي الصالحين ـ هنا فى الحياة ـ بعض العزاء. لنسمع قول المزمور ” يفرح الصديق إذا رأى النقمة. يغسل خطواته بدم الشرير[12]. وهذا ليس معناه أن الصديق يشمت في الشرير ـ حاشا ـ ولكن حينما يري مصير الأشرار فإن هذا يجعله أكثر نقاءً وطهرًا. إن ذلك دليل عظيم علي اهتمام الله بنا. ولكن يبقي التساؤل ألاَ يجب علي الله أن يُنذِر فقط ولا يُعاقِب أيضًا؟ والإجابة هي: لو أن الله ينذر فقط ولا يعاقب ستقول في نفسك إنه فقط إنذار وتهديد وفي هذه الحالة, ألن تصبح أكثر كسلاً؟! وإن لم يكن العقاب حقيقة ألن تكون أكثر استرخاءً؟!.

         لو أن أهل نينوى كانوا قد قالوا إن إنذار الله هو فقط تهديد ولن يتم التنفيذ. فقد كان من المحتمل ألاَ يتوبوا, ولكن بسبب أنهم تابوا فإن الله اكتفي بإنذارهم فقط. هل تأمل في أن يكون الأمر إنذار فقط؟    

        أنت تملك أن تجعل الأمر هكذا. لتكن إنسانًا أفضل وسيتوقف الأمر حينذاك عند الإنذار فقط. ولكن لو أنك بعد هذا احتقرت الإنذار فأنت ستجلب التجربة علي نفسك. فلو خاف الناس قبل الطوفان وتابوا لما تعرضّت حياتهم للتجربة الحقيقية. فليمنع الله عنا كل هذه الأمور. ويهبنا من الآن فصاعدًا رحمته. لنكن حكماء في كل ما نفعل كي نكون جديرين بالبركة التي تفوق التعبير عنها. ويجعلنا مستحقين كلنا أن ننال منه النعمة والمحبة التي لربنا يسوع المسيح. الذي له مع الآب والروح القدس العظمة والقدرة والإكرام الآن وإلي الابد آمين.

[1] 2تي11:4

[2] 2تي10:4

[3] تم شرح هذه الآيات حينما فسر القديس ذهبي الفم رسالة القديس بولس إلي تلميذه تيموثاوس، انظر تفسير الرسالة الثانية إلي تيموثيؤس للقديس يوحنا ذهبي الفم ـ مركز دراسات الآباء 1998 ص 119 ـ ترجمة الأستاذة / سعاد سوريال.

[4] 2تي20:4.

[5] متي7:5

[6] يع13:2

[7] رو 2:6.

[8] رو15:6.

[9] مت 40:5

[10] ماركيون هو عنوسي ذو طابع خاص. ولد في البنطس, وكان يعمل في صناعة السفن. قطعه أبوه أسقف سينوب سنة 139م, فانتمي إلي كنيسة روما, التي ما لبثت أن قطعته عنها سنة 144م, وكان معاديًا لليهودية, ويرفض العهد القديم. ألّف كتاب عهد جديد خاص به, انتقاه من الأناجيل ومن رسائل بولس الرسول. وادّعي أن هناك الإله خالق العالم, البار والعادل والمنتقم, وهو إله العبرانيين الفاطر, وفوقه الإله المجهول إله المحبة, الذي كشف عن نفسه في المسيح, في جسد ظاهري فقط, وجلب للعالم هدية الفداء. وقال يجب ألا تُخلط عظمة الإنجيل مع مخطط يهوه.

تبني ماركيون تعليمًا عن المسيح مثؤسسًا على قاعدة فهمه للعهد الجديد: إن يسوع المسيح هو الله الآب, من حيث إنه روح خلاصية, وقد آتى بشبه جسد وليس حسب الجسد. وربما هو إنسان حقيقي, من أصل سماوي, قد ظهر تحت طبيعتين: إلهية لأنه مخلّص, وملائكية لأنه روح سماوي. والخلاص بالنسبة لماركيون, موجه للنفس, من أجل خلاص أبدي للإنسان الداخلي. أما الجسد واللحم فلهما خلاص مؤقت عابر, واستمر تأثير هذه البدعة حتى نهاية القرن العاشر (المجمع المسكوني الأول نيقيا), الأب ميشال أبرص والأب أنطوان أعرب ـ المكتبة البولسية, لبنان, 1997 ص60).

[11] يؤكد القديس ذهبي الفم علي وصية إكرام الأب والأم لأن العادة كانت أن يتم فحص المتقدمين للمعمودية في بدء الصوم الكبير, وفي وسط الكنيسة الرئيسية, كان يُعَد كرسي الأسقف وكان هؤلاء المرشحون يتقدمون الواحد تَلو الآخر, ومعهم أشابينهم. وحينئذ يسأل الأسقف, موجهًا السؤال إلي المرافقين ولكل شخص منهم قائلاً: ” هل هو يحيا حياة صالحة؟ هل يوقر أبويه؟ هل هو مستعبد لشرب الخمر أو الكذب؟ ” انظر الإنجيل والليتورجيا ـ الكتاب الأول (المعمودية) ـ ص3 ـ  تأليف جان دانيلو, ترجمة القمص ميخائيل ميخائيل مليكة.

[12] مز10:58

رسالة فليمون ع3 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

 

 

العظة الثانية

 

أشكر إلهي كل حين ذاكرًا إياك في صلواتى: سامعًا بمحبتك والإيمان الذي لك نحو الرب يسوع. لجميع القديسين, لكي تكون شركة إيمانك فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع ” (4-6).

 

         هنا نلاحظ إن الرسول بولس لا يستجدى عطف فليمون. بل هو يجلّه ويمدحه أولاً لأجل عمله الصالح, ذاكرًا إياه في صلاته ومبينًا محبة فليمون نحو المسيح والكنيسة؛ فيقول إن كثيرين من القديسين استراحوا به إذ هو رجل مطيع ويتمثل بالمسيح في كل شي. والرسول لا يطلب منه أى شئ خاص به فى أول الرسالة ولكنه يطلب ذلك فيما بعد, وبهذه الطريقة فإنه يُخجله. لأن بولس قد سمع عن محبته للآخرين الذين يحصلون منه علي كل ما يطلبون فكم بالأكثر بالنسبة لبولس وهو أيضًا سيحصل علي ما يطلبه, وبالأكثر جدًا سيجيب طلبه لأنه جاء بعد طلبات الآخرين, كما أن طلبه هذا لم يكن من أجل نفسه لكن لأجل آخر. كما أن بولس لا يريد أن يظهر أنه يكتب لفليمون بسبب مشكلة أنسيمس فقط, كما لو كان يريد أن يقول: حتى لو لم يكن أنسيمس لكنت قد كتبت لك أيضًا. فانظر كيف أنه يورد أسبابًا أخرى لكتابة رسالته. فهو يظهر أولاً مكانة فليمون لديه وحبه له ثم يطلب إليه في آخر الرسالة أن يجهز له مسكنًا.

 

سامعًا بمحبتك :

         أن يتناقل الناس الأخبار عن أعمال محبه يفعلها شخص ما لهو دليل أعظم من أن تراه بنفسك وهو يقوم بهذه الأعمال. وهكذا نجد أن بولس قد سمع بأخبار عن محبه فليمون رغم بُعد المسافة بين روما وفريجية[1]. وعلي ما يبدو أن الرسول بولس كان في فريجية. ويتضح هذا من خلال ذكر “أرخبس” في رسالته إلي كولوسي حيث يقول ” ومتي قُرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تُقرأ أيضًا في كنيسة اللاودكين والتي للاودكية تقرأونها أنتم أيضًا[2] وهو يقصد بهذا مدينة فريجية.

 

لكي تكون شركة إيمانك فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع

هل ترون معي العطية الأولى وكم هي عظيمة تلك التي يعطيها الرسول بولس إلي فليمون قبل أن يسترسل وقبل أن يطلب منه شيئًا. ” لكي تكون شركة إيمانك“، ثم يكمل قائلاً إن هذه الشركة يجب أن تكون “ فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع“. إذ بهذا تقتني كل فضيلة ويكون لك الكفاف في كل شئ وهذا الايمان يصبح فعّالاً باقترانه بالعمل لأن ” الإيمان بدون أعمال إيمان ميت[3]. وهو لم يقل مجرد ” إيمانك” ولكن ” شركة إيمانك“, وهذا لكي يجعله يشعر بالشركة معه. ويظهر شركة الجسد الواحد وبهذا سيكون رفض فليمون لما يطلبه بولس منه أمرًا مخجلاً وكأنه أراد أن يقول: ” وإن كان لك يا فليمون شركة معنا في الإيمان فيجب أن يكون لك شركة معنا أيضًا فيما يتعلق بما نطلبه منك”.

 

 لأن لنا فرحًا كثيرًا وتعزية بسبب محبتك لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ (عدد7).

  إن العطاء والخدمة ليس هما بالأمر المخزي. وخصوصًا إن قُدما لشخص له تقدير بين الناس مثل بولس. وكأن بولس يريد أن يقول لفليمون “لو كنت تفعل هذا مع الآخرين فبالأكثر يجب أن تفعله معي”، ومع أنه لم يقل هكذا إلاّ أنه قد حقق غرضه بشكل مباشر وبطريقة أكثر إجلالاً بقوله: ” لنا فرحًا“، لأنه بهذه الكلمة قد أوضّح لفليمون أن ما يفعله مع الآخرين قد نال ثقة بولس الرسول, لأنه أضاف قائلاً:   ” إن لنا تعزية“، وهذا معناه أننا لسنا فقط مسرورين ولكننا نجد راحة و” تعزية” في شركتك معنا, وليس هذا فقط بل ستكون أيضًا موافقًا لنا فيما سوف نطلب منك لأن في موافقتك هذه تُربح الآخرين الذين هم في حزن (بسبب غضب فليمون علي أنسيميس) فبالرغم من أننا لن نحصل علي شئ يفيد أى منا ولكننا سنفرح كلنا معًا من أجل هذه المصالحة, لأنك ستفيد الجسد الواحد الذي هو الكنيسة. فالرسول بولس لم يقل ” لأنك خاضع, ومطيع” ولكن قالها بشكل أكثر تأكيدًا وأكثر جدّية “ لأن احشاء القديسين“، كما لو كان فليمون طفل عزيز لوالديه، ووالداه مغرمين حبًا به ومن خلال الحب والمودة يُظهر أنه محبوب جدًا منهم.

 

 لذلك. وإن كان لي بالمسيح ثقة كثيرة أن آمرك بما يليق (عدد8)

         ما هذا الحذر الذي يتكلّم به الرسول بولس؟ فهو يخشي من أن يؤذي سمع فليمون بأمر يقوله في محبة فياضة. ولهذا فإنه قبل أن يقول ” أن آمرك” يذكر ” المسيح“.

         لنلاحظ أن الرسول منذ أن بدأ يتكلّم وكل كلامه يعبّر عن المحبة, لأن هذا مناسب جدًا لإرضاء فليمون, وبالرغم من هذه الرقة في الحديث فبولس يريد أن يؤكد كلامه بقوله: ” لي ثقة” فهذه العبارة تؤكد علي عظم العلاقة التي تجمع بين الرسول بولس وفليمون السيد، وأن مصدر هذه الثقة ليس هو فليمون فقط ولكنها تكمن أيضًا “في المسيح” الذي هو أعظم من الكل, فالثقة والقوة لا تنبع من شخص فليمون ولكن هي بسبب إيمانه في المسيح الرب. وبعد هذه العبارة القوية أضاف ” أن آمرك” ولم يكتف بأن يلقي هذه الكلمة ولكن قال “بما يليق“، فالرسول بولس يري أن ما سيفعله فليمون هو أمر طبيعي ويبرهن علي هذا بأن فيلمون يعمل أعمالاً حسنة للآخرين وهكذا فإنه سيفعل ما قد طُلب منه, وذلك لأجل المسيح ولأجل بولس. وهكذا فإن ما يطلبه بولس منه هو من الأمور الطبيعية. ويضيف بولس ” من أجل المحبة اطلب بالحري[4]، وكأن الرسول بولس يريد بهذه العبارة أن يقول كلامًا مستترًا ألاَ وهو: ” أنا أعرف كيف أُنجز هذا الأمر بوصية من قِبل سلطاني والأشياء التي تكلمت بها قبلاً. ولكن لأنى قلق جدًا بسبب هذه المسألة فأنا ” أطلب بالحرى”، فهنا الرسول بولس يُظهر الأمرين معًا, فهو يثق في فليمون كما أنه يوصيه أيضًا. ولأن بولس قلق جدًا بسبب هذا الأمر فهو يطلب منه ويقول: إذ أنا إنسان هكذا نظير بولس الشيخ والآن أسير يسوع المسيح أيضا” (عدد9).

         يا لهذا الأمر العجيب! وما كل هذه الأمور التي تجعل فليمون يشعر بالخجل حينما لا يطيع ما يقوله بولس له. وإذا أردنا توضيحًا أكثر سنجد أن هذه الآية تعبر عما يلى:

أولاً : منزلة بولس الشخصية

ثانيًا : أن بولس شيخ كبير السن والأكثر من هذا أنه أسير يسوع المسيح, من لا يفتح ذراعيه ليستقبل مثل هذا المقاتل المنتصر, ألاَ يُمنح مثل هذا الانسان الذي هو أسير ليسوع المسيح عشرات الآلاف من الوزنات والنعم, ألاَ تُقدم إليه المكافآت الكثيرة لأجل إرضائه؟!

أطلب إليك لأجل ابني أنسيمس الذي ولدته في قيودي (عدد10)

         قبل الآن لم نرَ أن بولس الرسول قد أعلن عن اسم ” أنسيمس” في الرسالة, فهو قد أجّل هذا الأمر لأجل غرض عظيم في نفسه, وأنتم كسادة تعرفون كيف يكون موقف أحدكم تجاه عبد هارب منه. وليس هو بهارب فقط ولكنه سارق أيضًا. وحتى لو كان هؤلاء السادة يحملون في داخلهم تقوى عظيمة, فغضبهم يظهر بشكل زائد إذا ذُكر اسم هؤلاء العبيد الهاربين أمامهم.

         ولكن انظر هنا كيف أن الرسول بولس يسترتضي فليمون أولاً ثم يحفزه لتنفيذ أى طلب يطلبه منه حاثًا إياه علي الطاعة. وبعد كل هذا يوضّح طلبه الذي يريد تحقيقه فيقول بإلحاح ” اسالك بالحري” ثم يستطرد في الحديث عن أنسيمس قائلاً بفخر إنه: ” الذي ولدته في قيودي“. ها مرة أخرى تجد أن القيود لها قوة فعّالة إذ أنه أضاف الاسم (أنسيمس) الذي يكتب لأجله هذه الرسالة إلى آلام القيود.

         إن الرسول بولس قد استخدم أسلوب أدبي استطاع من خلاله ليس فقط أن يُطفئ نار غضب فليمون ولكن أيضًا أن يبهجه. وكأن بولس يريد أن يقول: إني الآن أدعو هذا ابنى وإنى ما كنت سأدعوه بهذا اللقب إلاّ إذا: ” كان نافعًا لي بكل إخلاص“. فاللقب الذي دعوت به تيموثاوس[5] هو نفسه الذي أدعو به “أنسيمس”. والرسول بولس لا يعلن مظاهر حبه لهذا العبد ” الهارب” من خلال هذا اللقب فقط, ولكنه يعلن عهد ميلاده الجديد بقوله: ” ولدته في قيودي” حيث إنه علي هذا الحساب – حساب القيود – فإن أنسيمس سيكون جدير بأن ينال شرف كبير لأنه وُلِد في أثناء جهاد بولس، وُلِد في ألمه الشديد الذي عاناه لأجل السيد المسيح.

 

 أنسيمس الذي كان قبلا غير نافع (عدد 11).

         ما أعظم فطنة الرسول بولس! كيف يعترف بخطأ (أنسيمس), لأنه باعترافه هذا فهو يخمد نار غضب فليمون, وكأن بولس  يقول: ” أنا اعرف أنه كان غير نافع ولكن الآن ” أصبح نافعًا لك ولي” ولم يقل أصبح نافعًا ” لك” فقط, خشية أن يُصبح كلامه غير مقبول لدى فليمون ولهذا فقد قال ” اصبح نافعًا لك ولي“, كما أنه قد قدّم شخص فليمون علي نفسه ويأمل أن يكون “أنسيمس” أهلاً لهذه الثقة, حيث يعلن الرسول بولس أنه شخص نافع جدًا وهو علي ثقة بأنه سيكون كذلك أيضًا بالنسبة لسيده فليمون.

 

 الذي رددته (عدد 12)

         بكل الطرق يريد الرسول بولس أن يخمد نار الغضب المتأججة في قلب فليمون بسبب ما فعله “أنسيمس” وتركه له. وبقوله هذا ـ الذي يتضح فيه أن بولس قد رد أنسيمس إلي سيده ـ  فهو يهدئ من ثورة غضبه، لأننا نعلم أن السادة يغضبون حينما نستعطفهم في مسامحة أحد عبيدهم بينما هو غائب أو مازال هاربًا.

 

فأقبله الذي هو أحشائي.

 يا لهذا التعبير الرائع! إن كلمة ” أحشائي” لها القدرة علي تحريك المشاعر الجامدة. فالرسول بولس لم يذكر اسم أنسيمس هكذا بدون لقب, ولكن ذكره بعد أن قال عنه “ابني”, وقد “ولدته” وأنه مولود أثناء الآلام في السجن, حيث إننا نعرف أن الأولاد المولودون في الشدة نحبهم أكثر, كما يقول الكتاب عن راحيل حينما دعت بنيامين الذي تحبه جدًا ” بن أوني[6].

         لنرجع الآن ونذكر ماذا تعني كلمة ” أحشائي” وكلمة ” اقبله“. إن هذه الكلمات تعلن عن الحب العظيم الذي يكنه بولس له ويريد أن يُظهره. فهو لم يقل : أرجوك أن تأخذه ثانية, ولم يقل: لا تغضب مثلاً أو أى شئ من هذا القبيل ولكنه قال: ” اقبله لأنه هو احشائي” فأنسيمس بعد أن تجدّد لا يستحق فقط العفو ولكن التكريم أيضًا. ولماذا يستحق كل هذا؟ لأنه ابن بولس ومولود في قيوده.

 

الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل (عدد13).

         بعد أن تحدث عن السيد (فليمون) مرات كثيرة وأظهر فضله بعبارات عديدة. نراه الآن يتكلّم عن العبد أيضًا. ولا نراه يكرّمه وحسب ولكن نجده يقدّمه علي سيده أيضًا. ومن الأفضل الآن أن نري كيف أن الرسول بولس قال ما يريد ولكن بحكمة عظيمة, وكأن بولس يريد أن يقول بهذه الآية: ” الآن قد وجدت طريقًا يا فليمون لترد لي كل ما فعلته معك وهذا الطريق هو ما سوف تقدمه لأنسيمس”, ونرى بولس وهو يعدد صفات أنسيمس الكثيرة ويمنحه أيضًا التكريم العظيم إذ يساويه بسيده (فليمون).

 

ولكن بدون رأيك لم أرد أن أفعل شيئًا لكي لا يكون خيرك كأنه علي سبيل الاضطرار بل علي سبيل الاختيار (عدد14).

         هذه الكلمات فيها ملاطفة كثيرة. لأن الملاطفة مفيدة هنا. كما أنه من خلال هذا الكلام قد عمل بولس عملين عظيمين في نفس الوقت لكل من فليمون وأنسيمس. فقد ربح الأول لأنه عمل حسنًا وأُعتق الآخر من العبودية وأُطلق حرًا. فهو لم يقل: ” يجب عليك أن لا تضطر”، بل قال ” علي سبيل الاضطرار” فكأن بولس يقول: ” أنا عرفت أنك لم تتعلّم بعد كيف تصنع أمرًا حسنًا ولكن الآن تعرف أن تصنع هذا. ولهذا أريدك أن تكون راضيًا وأنت تزيد في العطاء, ولهذا يجب عليك أن يكون ما ستفعله ليس عن اضطرار بل عن طريق اختيارك الحر”.

 

 لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلي ساعة. لكي يكون لك إلى الأبد لا كعبد (عدد15, 16)

         حسن أنه قال “ربما” لأنه هكذا يمكن أن يهدأ فليمون ويخضع لطلبه. وليس عبثًا قال الرسول بولس ” ربما افترق” بدلا من “ربما هرب”, فمن خلال تعبيرات لغوية رقيقة استطاع بولس أن يجعل فليمون أكثر لينًا , فلم يقل له إن: ” أنسيمس فصل نفسه عنك” ولكن “افترق”، حيث إن هذا يعني أن ما حدث لم يكن له ترتيب خاص في تركه له, لأن الافتراق قد يكون لأسباب متعددة. إن هذا يذكرنا بما فعله يوسف لأخوته عندما اعتذروا له عما فعلوه له بعد أن أصبح هو متسلطًا علي كل أرض مصر فقال لهم ” ارسلني الله قدامكم[7]. فهنا قد أظهر يوسف كيف أن الله قد استعمل شر إخوته ليكون في النهاية خيرًا لا شرًا. فبولس أيضًا فعل نفس الأمر حينما قال ” افترق عنك إلي ساعة“، وهكذا جعل زمن غياب أنسيمس عن سيده هو لمدة ساعة واعترف بخطأ أنسيمس ولكن أرجع الأمر كله في النهاية إلي العناية الإلهية.

 

لكي يكون لك إلي الأبد

         لن يكون أنسيمس معك يا فليمون في هذه الحياة فقط ولكن في الدهر الآتي. ولن يكون لك كعبد ولكن ما هو أعظم. سيكون لك أخًا محبوبًا لأنك سترفع عنه نير العبودية والرق. ستربح أكثر لأنه لن يهرب من عبوديتك فيما بعد. ” لأنه سيكون لك إلي الابد لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد, أخًا محبوبًا، ولاسيما إليّ فكم بالحري إليك في الجسد والرب جميعًا“.  فأنت يا فليمون قد فقدت عبدًا لوقت قصير, ولكنك قد ربحت أخًا إلي الأبد. فهو ليس أخوك أنت فقط بل أخي أنا أيضًا. وهنا تظهر الفضيلة العظمي. فلو أن أنسيمس أصبح أخًا لبولس فلن يخجل فليمون منه, وكان بولس قد سبق ودعا أنسيمس قائلاً عنه إنه ” ابني”، وأظهر عاطفة قوية نحوه, وهنا بدعوته إياه “أخًا” فإن بولس يظهر محبته التي تتسم بالمساواة نحو الكل.

         هذه الكلمات لم تُكتب يا إخوة بلا هدف. ولكن كُتبت حتى يستطيع كل سيد أن يعفو وأن يصفح عن عبيده عندما يخطئوا. فيجب دائمًا ألاّ نفقد الأمل في أن يتحسن سلوك العبيد. وإن تحسن سلوكهم فيجب علينا أن نقبلهم ولا نخجل منهم, ولكن الأمر الهام الذي يجب أن نتعلّمه هو ألاّ يجب أن نحسبه عارًا أن ندعو هؤلاء العبيد شركاء معنا في كل عمل صالح. فإن كان بولس لم يخجل من أن يدعو “أنسيمس” الذي هو عبد بقوله: ” ابني” , “ أحشائي“, ” أخًا” , “محبوب” فكيف نخجل نحن منهم؟! ولماذا أقول إن بولس وحده قد فعل هذا؟! فإن رب بولس نفسه لم يستحِ من أن يدعو عبيدنا إخوته. أما نحن فنحسب هذا عارًا !.

         انظر وتأمل أى شرف وكرامة قد أعُطيت لعبيدنا حينما يدعوهم الله نفسه ” إخوته, وأصدقائه, وشركائه في الميراث”. إلي هذه الدرجة قد تنازل الله؟. ويجب أن نسأل أنفسنا هل صنعنا ما يجب علينا فعله؟! وإن كنا لم نقتنِ بعد أى حكمة لكن يجب علينا أن نسأل عن مقدار تواضعنا. فإننا لم نتواضع إلي الآن بالدرجة الكافية.

         أى شئ عظيم قد فعلناه وقدمّناه للعبيد رفقائنا[8]. ولكن سيد الكل قد صنع كل الأمور العظيمة لأجل عبيدك أنت. انتبه فكل ما ستفعله أنت سوف تفعله لعبد مثلك. اسمع وارتعد مما أقوله فلن تفرح في اتضاعك! من الممكن أن تضحك أيضًا من العبارة الآتية: ” إن الاتضاع ربما ينفخ وحينما تنتفخ لا تندهش فهو ليس باتضاع حقيقي”. هنا نري كيف يكون هذا أو في أى تصرف استطيع أن أعرفه؟ سـأقول لك: حينما نُقَدّم عمل محبة لإنسان ولا يكون مُقَدمًا لله فإننا من الممكن أن نُطَالِب بالمديح, ونشعر بسمو فينا ـ إن هذا يا إخوة لهو أمر شيطاني ـ فالكبرياء تظهره لنا الشياطين علي أنه ليس بكبرياء. فمثل هؤلاء الناس الذين يقدمون عمل محبة لإنسان ينتشون فرحًا، وذلك بسبب ظنهم بأنهم متضعون، وبسبب ظنهم أيضًا بأن لديهم كثير من المشاعر النبيلة. علي سبيل المثال؛ إذا أتى أخ أو حتى خادم واستقبلته وغسلت له قدميه, في الحال ستشعر بالفخر في داخلك. وتقول في قلبك: أنا قد عملت ما لم يعمله الآخرين, أنا حقًا إنسان متضع. آه, كيف يكون الإنسان متضع بالحقيقة وهو يقول في داخله مثل هذا القول؟ فلو تذكرون وصية المسيح له المجد حينما قال ” متي فعلتم كل ما آمرتم به فقولوا : إننا عبيد بطالون[9] وأيضًا تذكرون بولس معلّم المسكونة عندما قال: ” أنا لست أحسب نفسي أنى قد ادركت[10]. وبولس يقنع نفسه أنه لم يعمل أى شئ عظيم مهما صنع من أشياء. وهكذا استطاع أن يتضع حينما ظن في نفسه أنه لم يصل بعد إلي الكمال. فكثير من الناس يبتهجون بسبب ما يظنوا أنه اتضاع, ولكن ليتنا نحن أيضا لا نمارس مثل هذا الاتضاع الزائف بل نسأل أنفسنا باستمرار, هل حقا نحن متضعون؟ وإن كانت الإجابة بنعم وجب علينا أن لا نفتخر بهذا. فلو تفاخرنا به سنفقد المجازاة من الله. فالفريسي قد تكبر لأنه كان يساعد المساكين بعشوره, ولأنه تكبر وتفاخر فإنه فقد المجازاة التي كان من الممكن أن ينالها من الله[11]. أما العشار فإنه تبرر أمام الله. لنسمع بولس يقول ثانيةً: ” فإني لست أشعر بشئ في ذاتي. لكنني لست بذلك مبررا[12] ، فبولس لم يمجّد نفسه بل حاول أن يتضع ويتنازل بكل الطرق. وهو يتضع أكثر كلما ازداد أكثر في عمل المحبة. مثال آخر نقوله: الثلاثة فتية لما كانوا في النار في وسط الأتون, ماذا قالوا ؟ قالوا: ” إذ قد خطئنا وأثمنا مع أبائنا[13]. يا لهذا القلب النادم والمنسحق، وكما أنهم استطاعوا أن يقولوا: ” جئناك بقلب منسحق وروح متواضعة فأقبلنا..[14]، وحتى بعدما خرج الفتية من الأتون ظنوا أنهم غير مستحقين لهذه النجاة المعجزية. وظلوا أكثر اتضاعًا. ونحن أيضًا حينما نقتنع بأننا غير مستحقين لرحمته, نجد أننا ننال الخيرات العتيدة العظيمة عوض القفر الذي نحن فيه مقيمين. إن الفائدة التي قد حصل عليها الفتية نتيجة اتضاعهم كانت أنهم “مُنحوا أنفسهم” ثانية، وذلك بخروجهم من الأتون. إن هؤلاء الفتية قد أُخذوا آسرى وهم بعد صغار بسبب خطية الآخرين من شعب إسرائيل. وكانوا يسبحون الله بغير دمدمة وبغير سخط ولم نجدهم يقولوا في أنفسهم: ” ما فائدة خدمة الله, وما هي الميزة في أن نعبده؟ ولم يقولوا أيضًا إن الانسان الذي أصبح سيدنا هو شخص غير نقي, ونحن سنعاقب من قِبل الوثنين ونُساق إلي العبودية بواسطة ملك وثني. ونحن محرومون من بلدنا ومن حريتنا ومن كل ميراث آبائنا وقد أصبحنا سجناء مستعبدين لملك بربري”. لم نجدهم يقولوا أى شي من هذا ولكن ما قالوه هو :” إننا قد خطئنا وإثمنا“، ورفعوا صلوات لا من أجل أنفسهم فقط ولكن لأجل الآخرين[15] أيضًا لأنهم كانوا يقولون ” قد سلمتنا إلي ملك ظالم[16].

 

         كذلك دانيال حينما أحضروه ورموه في الجب قال: ” لأن الله قد ذكرني[17] وعندما أعطاه الله كرامة قدام الملك قال (حينما فسر الأحلام): ” أما أنا فلم يكشف لي هذا السر لحكمة في[18]. وحينما أُلقِىَ في جب الأُسود لأنه لم يطع حكم الشر, لم يقل, ما كل هذا يا دانيال, هل الله قد نسيك؟ إنك قد أُلقيت في الجب بسببه, أليس هذا سببًا قويًا حتى ينجيك؟ إن هذا صحيح ولكن دانيال يذكر أنه أخطأ في أشياء كثيرة. وظل يقول هذا حتى بعدما ظهرت عظمة فضيلته.

         ماذا أقول أيضًا. لنسمع قول داود: ” وإن قال هكذا إني لم أسر بك فهاأنذا فليفعل بي حسبما يحسن في عينيه[19], مع أن داود لديه ما يقوله حسنًا في حق نفسه. وعالي الكاهن قال: “ هو الرب ما يحسن في عينية يعمل[20] .

 

         كل ما سبق ذِكره هو نماذج لأفعال عبيد أتقياء, كانوا ينسبون كل شئ لله, ليس فقط الخيرات ولكن ما كان يبدو لهم أنه عقاب. فمن غير المعقول أن نقول إن للسادة الحق فى أن يعاقبوا عبيدهم بدعوة الشفقة عليهم إذ هم يملكونهم, بينما عندما يعاقبهم الله نظن أنه لن يشفق عليهم؟! مع أن الرسول بولس يؤكد إننا في كل الحالات لله حيث إنه “ إن عشنا أو متنا فللرب نحن[21].

         إن أى إنسان لديه ثروة يعرف كيف يحافظ عليها ويأمل دائمًا في أن ينمّيها, لهذا هو يضع ضوابط لكل العاملين لديه لكى يعاقب كل من يخطئ. وفي بعض الأحيان يصفح عن الذين أخطأوا لسبب أو لآخر. ولكن بكل تأكيد لا يستطيع أحد أن يمنح الصفح والغفران أكثر من الذي جبلنا من العدم إلي الوجود. فالله هو الذي يجعل الشمس تشرق, وهو المعطى المطر, وهو الذي وضع نسمة الحياة فينا, والذي أعطانا ابنه. فهو قد صنع معنا كل هذا ولكن كما قلت سابقًا علينا أن نتضع أكثر, وأن تكون تصرفاتنا باعتدال كما يجب ولا يكون ما نفعله هو سبب تفاخر لنا. وأنا أسأل هل أنت متضع بالحقيقة بل وأكثر من الجميع؟  أقول لك: لا تفتخر بل اتضع بالحقيقة ولا تدين غيرك لكي تُعتق من خيلاء النفس, ولأنه كان من الأفضل لك ألاَ تُظهر أنك متضع. وفي هذا يقول الرسول بولس ” فهل صار لي الصالح موتا. حاشا. بل الخطية. لكي تظهر خطيئة منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية[22]. فعندما يدخل فكر ” العُجب باتضاعك” إلي نفسك فلتتأمل في نفس الوقت, سيدك, وكيف أنه تنازل إلينا, فحينئذ لن تُعجب بنفسك كثيرًا ولا حتى ستمجدها بل ستسخر منها إذ هي لم تفعل شيئًا. وتذكر هذا المثل: “مَنْ منكم له عبد يحرث أو يرعي يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعًا وأتكي. بل ألاَ يقول له أعدد ما أتعشي به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمر به. لا أظن[23] هل نُقدِّر نحن ما يفعله عبيدنا في خدمتهم لنا؟! لم نفعل هذا علي الإطلاق, غير أن الله يُقدِّر ما نفعله ليس في خدمتنا له فقط بل عندما نعمل ما سوف يعود علينا بالفائدة. ولكن لا تدعنا نتصرف مثل مَنْ يستفيد مِن هذا التقدير كي يحقق مِن خلاله فوائد أكثر لنفسه. ولكن نكون مثل من يدفع دين عليه. فواقع الأمر أنه دين علينا ويجب أن ندفعه. بمعني أنه عندما نشتري عبيدًا بأموالنا فنحن نرغب في أن يعيشوا لنا بالكلية وكل ما سوف يملكونه يجب أن يكون ملكًا لنا أيضًا, فكم وكم بالأكثر يجب أن نكون نحن بالنسبة لله, الذي جبلنا من العدم إلي الوجود, الذي بعد هذا اشترانا بدمه الثمين, الذي دفع ثمنًا هذا مقداره لأجلنا, هذا الثمن الذي لا يستطيع أحد أن يدفعه لأجل أحد أبنائه, حقًا من غيره سفك دمه لأجلنا؟!.

 

         بعد هذا كله ألاَ يجب علينا أن نطرح أنفسنا تحت قدميه. وأن نبذل ذواتنا لأجله كما بذل هو ذاته لأجلنا. ولكن يبقي السؤال: هل يتساوى ما يفعله الله تجاهنا مع ما فعلناه نحن لأجل الله؟ والإجابة بالطبع ستكون بالنفي. لماذا؟ لأن الله فعل هذا معنا ونحن غير مستحقين. بل أن كل ما فعله يرجع لنعمته. وهكذا صرنا مدينين لله لِمَا فعله لأجلنا. ومع أنه هو الله ومع أنه لم يكن تحت حكم الموت فقد صار ـ بالجسد ـ تحت حكم الموت ومع هذا فنحن حتى الآن لم نقدم نفوسنا ذبيحةً له وقد فاتنا أننا سننفصل عنها ـ علي أى حال ـ حسب الناموس الطبيعي, إذ أنه بدون إرادتنا، بعد قليل، سننفصل عنها, وهكذا الثروة إن لم نقدمها لله الآن فإننا سوف نفقدها مضطرين عند الموت. وينطبق نفس الكلام علي الاتضاع , فلو لم نتضع تحت يد الله, سوف نتضع من خلال محنة أو بلية.

 

هنا يظهر مقدار النعمة التي يعطيها لنا الله. فالله لم يقل، ما هو الشيء العظيم الذي فعله هؤلاء الذين قدمّوا نفوسهم ذبيحة لله, لأنهم إن لم يموتوا لأجلى لكانوا سيموتون علي أى حال. ولكنه قدّر ما فعلوه!! لماذا؟ لأنهم وهم مدركين أنهم سوف يفقدون حياتهم، علي أى حال بدون إرادتهم، فإنهم فضَّلوا أن يقّدموا حياتهم لله بإرادتهم. كما أن الله لم يقل أيضًا: أى فعل عظيم صنعه أولئك الذين قّدموا عطاياهم لي؟ فهؤلاء سيتركون أموالهم بدون إرادتهم علي أى حال. ولكن نري أن الله يُقدِّر ما قد فعلوه بل لا يخجل أيضًا من أن يعترف بأن العبيد كانوا يطعموه!!. إن عظمة مجد الرب في أن يكون له عبيد يخدموه, إن عظمة مجد الرب في أنه هكذا يحب عبيده. وهذه هى عظمة مجد الرب في أنه يجعل خيرات عبيده ملكًا له. وهذه هى عظمة مجد الرب في أنه لا يخجل من أن يعترف بهم أمام الكل.

        

دعنا إذًا نمتلئ خشية وخجلاً أمام حب المسيح العظيم لنا. ولتشتعل قلوبنا بهذه المحبة, لأننا لو سمعنا أن إنسان ـ مجرد إنسان ـ يحبنا أكثر من الجميع فإننا نظهر محبة دافئة نحوه. ونكرمه بإفراط.

         لنسأل أنفسنا هل نحن نحب الرب فعلاً ؟ الواقع أن الرب يحبنا بالأكثر وهل لا تتأثر قلوبنا بهذه المحبة؟ أرجوكم ألاَ نكون غير عابئين بخلاص نفوسنا؟. نعم,  فلنحب الرب يسوع بكل طاقتنا. مقّدمين لمحبته كل ما نملك, ليس فقط نفوسنا بل أموالنا, وكرامتنا, وكل شئ آخر وكل هذا في فرح وشكر وليتنا لا نفعل هذا للمسيح فقط بل لبعضنا البعض أيضًا. لأن هذا هو قانون من يعيشون في المحبة, لأنهم يؤمنون أنهم يفعلون حسنًا عندما يُضحّون من أجل من يحبون.

        

وهكذا يجب علينا أن نفعل نفس الشئ بالنسبة لربنا يسوع المسيح. لكي نربح الخيرات العتيدة بنعمة المسيح يسوع الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة الآن وكل أوان, إلي دهر الدهور. آمين.

[1] مقاطعة فريجية هي قطاع كبير مهم من آسيا الصغري. وقد اختلفت تخومها باختلاف العصر والأوضاع. وبعد أن اقتطعت منها غلاطية أصبحت حدودها الشمالية بيثينية وشرقًا ليكأونية وغلاطية وجنوبًا ليكية وبيسيدية وإيسورية, وغربًا كاريا وليديا وميسيا. والمنطقة عبارة عن سهل مرتفع بين سلسلة جبال طوروس جنوبًا وأولمبوس شمالاً وتموس غربا. ذُكر من مدنها في العهد الجديد أربع هي لاودكية وكولوسي وهيرابوليس وانطاكية وبيسدية. وفي هذه الفترة لم تبق فريجية مقاطعة كما كانت بل أصبحت مجرد اسم محلى. وقد أسكن أنطيوخوس الكبير في ليديا وفريجية نحو 2.000 عائلة يهودية من بابل وما بين النهرين. وكان بعض هؤلاء اليهود الفريجيين في أورشليم يوم الخمسين (أع2: 10) وقد اجتاز بولس في فريجية في رحلتيه الثانية والثالثة (أع16: 6, 18: 23). انظر قاموس الكتاب المقدس ص 677 , دار الثقافة (القاهرة سنة ***).

[2] كولوسي16:4.

[3] يع2:26

[4] عدد 9

[5] 1كو17:4.

[6] تك18:35 22, بن اوني: كلمة عبرية تعني ابن تعبي, حزني وكان بنيامين محبوب جدًا من أبيه يعقوب وغّير ابيه اسم ابنه إلي بنيامين الذي يعني ابن البركة أو ابن اليمين ليحمل  البركة (الكتاب المقدس الترجمة المشتركة, إصدار دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط .

[7] تك 15:45.

[8] مرة أخري يرجع القديس يوحنا ويذكر مثل العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه (مت23:18).

[9] لو10:17

[10] فيلبي 13:3

[11] لو12:18

[12] كو14:4

[13] تتمة دانيال 29:3

[14] دانيال 3:39

[15] نجد هذه القصة كاملة وكل احداثها موجودة في تتمة سفر دانيال الاصحاح الثالث وكيف أن الفتية الثلاثة جعلوا كل كلامهم وصلاتهم لأجل الشعب كله, وليس لأجل أنفسهم فقالوا ” فإنا خَطئنا وأثمنا حتى ابتعدنا عنك. أذنبنا في كل شئ وما سمعنا وصاياك ولم نحفظها” .

[16] دا 32:3

[17] دا 6

[18] دا 3:2

[19] 2صم 26:15

[20] 1صم 18:3

[21] رو18:14

[22] رو13:7

[23] لو17: 7ـ9.

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

 

 

تفسير رسالة القديس بولس الرسول إلي فليمون

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

أسباب كتابة الرسالة

         من المهم أولاً أن ندرس ونعرف أسباب كتابة الرسالة. ثم ندرس الأحداث المتعلقة بها والأسئلة المثارة حولها.

 

         إن فليمون ـ كما تتضح صفاته من الرسالة ـ رجل نبيل, شريف, ورائع. فقد آمن هو وجميع بيته ولما آمنوا دعوا “كنيسة” لأن بولس يقول في الرسالة “ إلي الكنيسة التي في بيتك[1] وقد شهد بولس علي نبل أخلاقه وطاعته العظيمة حينما قال ” لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ[2] كما أن الرسول بولس ـ في نفس الرسالة ـ يوصيه أن يُعِد له منزلاً[3] وعلي ما يبدو لي أن منزل فليمون كان “لمأوى القديسين”. فيا له من رجل ممتاز. وكان لفليمون عبد يدعي “أنسيمس”، وهذا الأخير كان قد سرق بعض الأشياء من سيده وهرب, وهذا يتضح مما قاله بولس في الرسالة ” ثم إن كان ظلمك بشئ ولك عليه دين فاحسب ذلك علي[4]  كان أنسيمس قد جاء إلي بولس في روما ووجده في السجن. وقد استمتع بتعاليمه المفيدة. وقبل منه نعمة المعمودية. الأمر الذي جعل بولس يقول عنه ” الذي ولدته في قيودي[5]. لذا فإن بولس يكتب إلي فليمون سيد أنسيمس موصيا إياه به. ويطلب إليه أن يصفح عنه ويقبله كشخص تجّدد بالمعمودية ولكن قد يقول البعض: إن هذه الرسالة زائدة عن الحد أو غير ضرورية. ويجب أن يُضم مضمونها إلي رسالة أخرى. فبولس ينشغل فيها بحدث صغير, مجرد طلب مصالحة نيابة عن شخص ما. لكن دعنا ندرس الآن اعتراض هؤلاء, فهؤلاء أنفسهم يستحقون لومًا كثيرًا, حيث إن هذه الرسالة الصغيرة فيها أشياء كثيرة هامة جدًا يجب أن تدرس, فهي تعكس جانبًا من حياة رسول. وكم أشتاق دائمًا أن أقابل شخصًا يمكنه أن يخبرنا عن تاريخ الرسل, لأن معظم الرسل لم يتركوا لنا رسائل. ومع ذلك فإن الأحاديث المتبقية منهم وكل الأمور المتعلّقة بهم؛ أى ماذا أكلوا؟, ومتى مشوا؟, وأين جلسوا؟, وماذا كانوا يعملون كل يوم؟ و في أى مكان عاشوا؟, وأى البيوت دخلوا؟, وأين سكنوا؟. فان كل شئ قد تم بواسطتهم هو مفعم بالمميزات. ولكن لأن الكثير من الناس لا يعرف فائدة هذه الرسالة وما فيها, لهذا هم ينتقدونها. فلو إننا رأينا فقط أماكن الرسل التي جلسوا فيها أو سجنوا فيها ـ حتى لو كانت أماكن مهجورة كبقعة بلا حياة ـ فغالبًا ما ننقل عقولنا إلي هناك, ونتخّيل فضائلهم. ونتشجع ونكون أكثر حماسة. وبالأكثر سيحدث هذا إن سمعنا نحن عن كلماتهم وأفعالهم المختلفة. فلو إن احد اهتم بصديقه فإنه يسأل: أين يعيش؟ ماذا يعمل؟ إلي أين يذهب؟. فكم بالحري أن نسأل نحن عن شخص قد قاد الحياة الروحية, فكل ما يتعلق به من سلوك, وطريقة الكلام, والأفعال التي عملها, كل هذا له فائدة. وكذلك من المفيد للجميع أن يتعلموا أن هذه الرسالة أُرسلت لأجل حدث هام. انظر إذن, ها هي الأمور التي عالجها الرسول في هذه الرسالة:

 

أولاً: يجب أن نكون جادين في كل شي, فبولس يهتم اهتمامًا عظيمًا بعبدٍ هارب, سارق ولص, ولا يخجل من أن يرسله راجعًا وحاملاً رسالة يكتبها هو نفسه إلي سيده فليمون وهكذا يجب أن نعطي اهتمامًا اكثر لمثل هذه الأمور التي تبدو للبعض أنها صغيرة.

ثانيًا: يجب علينا أيضا ألا نُهمل العبيد, حتى لو صدر منهم بغض شديد, فلو كان من بينهم لص قد هرب ثم تاب مثل أنسيمس فإن بولس مستعد أن يجعله رفيقًا له وهذا يتضح مما كتبه في هذه الرسالة ” الذي كنت أريد أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضا عنك في قيود الانجيل[6]. فإن كان بولس الرسول قد فعل هذا مع عبد تائب ألاَ نفعل نحن هذا بالأكثر مع الأحرار؟.

ثالثًا: لا يجب علي المرء أن يفرّق العبيد عن سادتهم. فمع أن بولس الذي كان لديه دالة كبيرة لدي فليمون, لم يشأ أن يُبقى أنسيمس بجانبه ـ مع أنه كان نافعًا جدًا له ـ بدون موافقة سيده, فكم بالحري علينا أن نفعل نحن أيضا مثل هذا الأمر ؟! لأنه إن كان هذا العبد أو الخادم ناجحًا في خدمته, فلأجل هذا الأمر عينه يجب أن يبقي في عمله في منزل سيده ويجب أن نعترف بسلطانه عليه حتى يصبح ذلك الخادم سبب منفعة لأهل هذا البيت. وإلاّ فما فائدة أن “ يوضع سراج تحت المكيال“؟[7].

   آه لو تمكنا من أن نحضر إلي داخل المدينة هؤلاء “العبيد” الذين هم مِن الخارج. ولكنك تسأل: ماذا لو أنهم أصبحوا فاسدين؟ ولكن لماذا أصبحوا هكذا. أنا أسألكم؟ هل لأنهم أتوا إلي المدينة؟ ولكن انظر, إن من تفسد أخلاقه بتواجده داخل المدينة, ستكون أخلاقه أكثر فسادًا وهو خارجها. فالفساد يعمل داخل الإنسان. فهنا (في المدينة) سوف يتم الاعتناء به من جهة الأمور الضرورية (الاحتياجات المادية والجسدية), وسيأخذ سيده علي عاتقه كيفيه الاعتناء به. ولكن هناك (خارج المدينة) سيهتم العبد بكل هذه الامور المادية وربما يترك الأمور الأكثر أهمية والأكثر روحانية. ولهذا نجد أن المغبوط بولس يُسدي لهم النصيحة الأفضل فيقول ” دعيت وأنت عبد فلا يهمك بل وإن استطعت أن تصير حرا فأستعملها بالحري[8]. فإذا كان أنسيمس مازال مقيدًا في رقه, فهناك ما هو أهم من هذا. ألاَ وهو أن كلمة الله لا يُجدف عليها. كما أن بولس نفسه يقول في إحدى رسائله “جميع الذين هم عبيد تحت نير فليحسبوا سادتهم مستحقين كل إكرام لئلا يُفتري علي اسم الله وتعليمه[9].

         إن الوثنيين سيقولون: إن العبد أيضا يمكن أن يَسُرّ قلب الله, ولكن كثيرين يجدفون بقولهم إن المسيحية قد جاءت لتنشر الفتنة وتدمر كل الأعراف الاجتماعية, فطالما أن السادة لن يجدوا عبيدًا يرغبون في خدمتهم بإرادتهم, فإن السادة سوف يجبرون العبيد بالقوة علي أن يبقوا في خدمتهم.

 

         هناك أمر آخر ضروري وهو ألا نخجل من ذكر فضائل عبيدنا إن كانوا يعيشون في حياة الفضيلة. فلو أن بولس الذي هو جدير بالاحترام أكثر من الجميع يتكلّم بالصالح في حق هذا العبد “أنسيمس”, فكم بالحري جدير بنا أن نتكلّم بالعطف علي عبيدنا نحن, وسوف يكون لهذا نتيجة طيبة.

  ورغم كل هذه التعاليم المفيدة ـ مع اننا لم نذكر كل شئ بعد في هذه الرسالة ـ هل مازال أحد يعتقد ان هذه الرسالة لا لزوم لها ويجب ألاّ توضع ضمن أسفار الكتاب المقدس؟ وألاَ تكون مثل هذه الأقوال هي دليل علي حماقة مفرطة؟.

         أرجوكم دعونا من هذا اللغو. فنحن قد قدّمنا للرسالة التي كتبها الرسول بولس وكسبنا منها فوائد كثيرة, وسوف نستفيد أكثر من خلال شرح الرسالة.

 

 

العظة الأولى

 

بولس أسير يسوع المسيح وتيموثاوس الأخ إلي فليمون المحبوب والعامل معنا. وإلي أبفيه المحبوبة وأرخبس المتجند معنا وإلي الكنيسة التي في بيتك. نعمة لكم وسلام من الله ابينا والرب يسوع المسيح(فل1ـ3).

 

         هذا الكلام موجه إلي سيد لأجل أحد عبيده, لقد أراد الرسول بولس في أول الأمر ـ وبشكل مباشر ـ أن يهدئ من نار غضب  فليمون, بل وأن يؤنب ضميره أيضًا, كما جعله يرجع إلى نفسه. كما أنه بيَّن أن كل هذه الأمور الظاهرية ـ أى كون أنسيمس هو عبد لدي فليمون ـ كأنها لا شئ حيث إنه لا يوجد عبد أو حر في المسيح يسوع, فالأسر والقيود لأجل إكرام المسيح ليست خزي ولكنها مباهاة. فالعبودية أفضل بكثير من الحرية التي تصاحبها أفعال ملومة.

 وعندما يقول بولس هذا القول فهو لا يرفع من شأن نفسه بل لأجل غرض جيد. فهو يريد أن يُظهر مَنْ هو المستحق أن نكون مدينين له. وهو لا يقول هذا لأجل أن ينال تكريم خاص من أحد, ولكن لأجل إكرام ذاك الذي يستطيع أن يمنح العطف الكثير عن طيب نفس. وكأن بولس يقول: إن قيودي هذه كانت من أجلك (لحساب المسيح) كما أنه يقول في موضع آخر موضحًا أنه لا يوجد أعظم من أن يحمل الإنسان سمات المسيح في جسده ” لأني حامل في جسدي سمات الرب يسوع[10] ويدعو هذا الفخر بـ”عار المسيح”

أسير يسوع المسيح

  أى أنه سُجِنَ لأجل المسيح. فمَنْ لا يرتعب ومَنْ لا تتحرك مشاعره حينما يسمع حديثًا عن ” قيود المسيح”, مَنْ ذا الذي لا يكون مستعدًا لأن يقدم حياته وليس فقط أحد عبيده!!.

وتيموثاوس الأخ

   هنا بولس الرسول لا يطلب شيئًا من فليمون بشخصه فقط ولكن يضم معه شخص آخر هو “تيموثاوس” مُريدًا بهذا أن يستميله حتى يعفو عن عبده “أنسيمس” بسهولة أكثر.

 

إلي فليمون المحبوب والعامل معنا

    إن تعبير “المحبوب ” يدل علي أن ثقة بولس في فليمون ليست من قِبل الجرأة في الحديث ـ حتى يخاطبه هكذا بدون القاب ـ ولكن هذا دليل علي وجود علاقة صداقة ومحبة بينهم.

العامل معنا  

   إن هذه الكلمة لا تعنى فقط أن بولس يريد أن يعلّم أمرًا أو يلقى بوصية واجبة الطاعة, ولكنها تعبّر عن إرادته في أن يجعل فليمون يعترف بأن هناك إحسانات قد حصل عليها حيث إنه يعمل, ويبني مع بولس في نفس العمل الكرازي ـ لذلك بصرف النظر عن أي طلب ـ هو يريد أن يقول : أنت يا فليمون لست فقط محبوبًا لدينا بل وعاملاً معنا أيضًا وهذا نافع للعمل الكرازى, وبما أنك شريك معنا في هذه الخدمة يتعيّن عليك ألاَ تكون أنت هو من نتوسل إليه بل أن تتوسل معنا في نفس الطلب الذي نطلبه.

وإلي أبفيه المحبوبة

    يبدو لي أن أبفيه هي زوجة فليمون. ومن الملاحظ رقة بولس في الحديث, فهو أولاً يوجه خطابًا لفليمون ليس باسمه فقط ولكنه يضم معه شخص تيموثاوس وثانيا نجده يوجه الحديث ليس فقط لفليمون ولكن لزوجته أيضًا. وهناك شخص آخر ربما يكون صديق هو “أرخبس” ويقول عنه ” المتجند معنا” فليس الهدف أن ينهي الموضوع بتوجيه أوامر لهم بدون أن يتحمل مشقة إقناعهم. فبولس لا يعرض طلبه مباشرة ولكنه يستجديهم لعمل أمر غريب وهو أن يساعدوه في طلبه. فهو لم يبدأ بطلبات عديدة ولكن بدء طلبه بأن يحث الكثيرين لكي يساهموا في هذه العطية. ولأجل هذا يقول: وأرخبس المتجند معنا, وكأنه يريد أن يقول: فلو كنت يا أرخبس متجند معنا يتعيّن عليك أيضًا أن يكون لديك الاهتمام بنفس هذا الأمر.

   وأيضًا يذكر الرسول بولس أرخبس في رسالته إلي كولوسي فيقول: ” و قولوا لأرخبس انظر إلى الخدمة التي قبلتها في الرب لكي تتممها[11]. وكما يبدو لي أن أرخبس هذا كان أحد الكهنة، ولهذا يدعوه بالمتجّند معنا. وهو بالتأكيد كان يتعاون معه بكل الوسائل.

 

والكنيسة التي في بيتك  

هنا بولس لم يستثنِ أحد ولا حتى العبيد.لأنه يعرف أن كلام العبيد ـ أحيانًا ـ لديه القدرة علي تحريض السادة نحو أحدهم. وخاصة بالأكثر حينما يطلب بولس نيابة عن عبد ـ حيث إنه من المحتمل أن هؤلاء العبيد هم الذين كانوا قد أثاروا فليمون ضد عبده ـ ولما كان لا يريدهم أن يحسدوا ” أنسيمس”، فقد شرفهم بضم أسمائهم في التحية مع سادتهم كما أنه بهذا لا يسمح للسادة أن يعتبروا أن أشارته للعبيد بالاسم, هو إهانة لهم, فربما يغضبهم ذلك. ومن ناحية أخرى لو أن بولس لم يذكر العبيد بالمرة, فربما يستاءون من هذا. لاحظ  كيف أنه من أجل هذا فطن لإيجاد طريقة أدبية يذكرهم بها. فشرّف الجميع بهذه الإشارة دون أن يغضب أحدًا وهذا من خلال استخدام كلمة “كنيسة” فهو لم يُغضب السادة بالرغم من أنه يحسبهم مع العبيد لأن الكنيسة لا تعترف بالتمييز بين السيد والعبد. فهي تنظر إلي الواحد والآخر بمقدار عمله الصالح أو بحسب خطيئته. إذ أنه في الكنيسة لن يغضب السادة إذ أتى العبيد معهم لأن في المسيح يسوع ليس عبد ولا حر[12].

نعمة لكم وسلام

         حينما يذكر الرسول بولس “النعمة” فهو بهذا يجعل “فليمون” يتذكر خطاياه الخاصة. وكأنه بهذا أراد أن يقول له: انظر كيف أن الله العظيم قد سامحك في أشياء كثيرة وبواسطة النعمة قد حُفظت. فتمثل بالرب يسوع في فعله.

         كما نجد أن الرسول بولس يتمني له السلام وهذا أمر عظيم. وبالطبع سيكون له هذا السلام حينما يُقدم فليمون علي محاكاة الرب فتسكن النعمة فيه أيضا. وهذا حتى لا يكون مثل ذلك العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه حين طالبه بالمائة فِلس. بالرغم من أن نعمة سيده ثابتة عليه, ولكن عندما طالب رفيقه, أُخذت منه تلك النعمة وأُرسل إلي العذاب الأبدي[13].

         ويجب علينا عندما نضع ما حدث في هذا المثل أمام أعينا أن نكون بدورنا رحماء ونغفر لأولئك الذين أساءوا إلينا. إن المائة فِلس في هذا المثل هي بمثابة الإساءة الموجهه إلينا, بينما الآلاف من الوزنات تمثل الإساءة التي نفعلها نحن في حق الله. والأهم هو أنه بينما تعرف أن هذه الطريقة خاطئة فمع ذلك تحكم بنفس الطريقة علي الآخرين. فعلي سبيل المثال: الذي يهين شخصًا عاديًا فإنه يعمل عملاً خطأً, ولكن ليس كالذي يهين شخصًا رفيع المستوي. والذي يهين شخصًا أعظم فخطأه أعظم. والذي يهين الأدنى فإن خطأه أقل ولكن الذي يهين الملك فإهانته بالغة. فالجرح والإهانة هما حقًا في نفس مستوي الشخص الموجهة إليه الإهانة[14] فالذي يهين ملكًا له عذاب لا يطاق وهذا فقط بسبب مقام الشخص المُهان. ولكن كم عدد الوزنات التي سيسأل عنها ذاك الذي يهين الله؟!.فإن كنا نرتكب الإساءة ضد الله مثل تلك التي نعملها ضد الآخرين ـ فبسبب عدم التساوي بين الله والآخرين ـ فلا يمكن أن تتساوي الخطيئة التي نرتكبها ضد الله بالخطيئة الموجهة ضد الآخرين. إن القول الذى أحاول النطق به لهو قول رهيب. حقًا هو مرهوب. ولكن من الضروري أن اقوله فربما من خلاله ترتعد عقولنا ونفكر بطريقة صحيحة ونفهم من خلال تلك العلاقة بين الخطية والشخص الذي نخطئ في حقه. اسمعوا قولي: نحن نخاف الناس أكثر من الله ونكرّم الناس أكثر من الله!!. أترون كيف يكون هذا؟ إن الذي يُقدم علي الزنا يعرف أن الله يراه وبالرغم من هذا فإنه يتجاهله. ولكن لو رآه إنسان فإنه يقيد شهوته. فليس فقط أن الشخص يحترم الناس أكثر من الله بل أنه أيضًا يهين الله. وليس هذا فقط ولكن يحدث ما هو أسوأ. فبينما هو يخاف الناس فإنهم هم  يحتقرونه. لهذا إذا رأى هذا الشخص أناسًا آخرين فإنه يكبح نار شهوته, ولكن بالحري أي نار؟! ليست نار الشهوة إنما نار الفضيحة في أنه يتصل بامرأة بشكل غير قانوني فالأمر يبدأ برغبة ولكن حينما يراه الناس وهو يحقق رغبته هذه, فإن ما يفعله يصبح مهانة ودعارة, فيكف عن ولعة الجنوني إذا رأهم. ولكن لأن الله طويل الأناة فإنه ينال منه احترامًا أقل. وهناك من يسرق ويكون واعيًا حينما يسرق ويسعي لخداع الناس ويدافع عن نفسه ضد أولئك الذين يتهمونه, ويحاول أن يُبرر نفسه. مع ذلك فهو لا يستطيع أن يغلب الله بحجته. فهذا الإنسان لا يحترم الله ولا يخافه ولا يكرمه. فلو إن الملك الأرضى أوصانا أن نمتنع عن سرقة الآخرين أو حتى نقدم أموالنا, نكون علي استعداد أن نتعاون معه ولكن عندما يوصينا الله ألاّ نسرق  وألاّ نطمع فيما للآخرين, فنحن لا نطيعه.

         هل رأيتم الآن كيف أننا نكرّم الناس أكثر من الله ؟! إن هذا قول محزن ومؤلم وتهمة ثقيلة. وهل لأنه مؤلم نهرب من بشاعة تلك الأفعال؟ وبما أنكم لا تخافون من فعل مثل هذه الأمور كيف لي أن أصدقّكم إذ قلتم: إننا نخاف من كلماتك, وهل تطرح العبء علىَّ إذن؟ لا. إنكم بهذا القول تلقون بالمسئولية على أنفسكم فما أقوله ليس كلماتى. فلو كنت أنا صاحب تلك الوصايا التي يجب أن تعملوها فأنتم مهانون. لأن هذا أمر هزلي لأن الأشياء التي قيلت بواسطتي قد يثبت خطأها! وفي هذه الحالة سوف أرجع الأمر كله لضعف اللغة ولا أقول إني قد أخطأت. كمن يخطئ ثم يعاتبك علي أنك أنت السبب ويثبت لك بالبرهان كيف أنك أنت السبب.

         نحن لا نوقر الناس أكثر من الله فقط, ولكن من بيننا مَنْ يُجبر الآخرين أن يسلكوا نفس السلوك. فكثيرون قد أرغموا عبيدهم وإماءهم علي الزواج ضد إرادتهم وآخرون أجبروهم وأرسلوهم في خدمات معيبة ـ إلي الدعارة ـ وإلي أفعال السلب والاحتيال والعنف. لذلك فالتهمة مضاعفة علي هؤلاء. ولا أحد يستطيع أن ينال المغفرة بحجة العوز. فأنت تعمل أمور ترفضها وترجع ما تفعله إلى العادات. ومع هذا كله فليس لك ـ بأي حال ـ عذر مقبول[15] والأكثر من هذا حينما تجبر الآخرين أن يعملوا نفس الأمر الذي ترفضه!. أية مغفرة تكون لمثل هذا الشخص؟ فما قلته أيها الأخوة لم أقله رغبة في إدانتكم ولكن لأظهر لكم الأشياء التي نحن مدينين بها لله. فحتى لو تساوى احترام الناس مع احترامنا لله فنحن نهين الله أيضًا. فكم وكم حينما نقّدرهم أكثر منه!!. حتى ولو أن الإساءة نفسها التي تُرتكب ضد الناس نري أنها تصير أعظم جدًا لو ارتكبت ضد الله. والأكثر حينما تكون الإساءة الفعلية ضد الله وبشكل مباشر.

         لندع كل واحد يمتحن نفسه وسوف يرى أنه يعمل كل شي لحساب الناس, بينما سنكون مباركين جدًا, لو صنعنا كل شي إكرامًا لله. مثلما نصنع الأمور لإكرام الناس. عندما نقبل هذا سنجد إجابات عديدة للسؤال التالى: لماذا يتعيّن علينا أن نغفر بكل نشاط لمَنْ جرحنا, ولمَنْ سلب منا أموالنا ؟! وألاّ نحمل ضغينة لأحد, لأن هذا هو الطريق لمغفرة خطايانا, فهو طريق لا يحتاج إلي تعب أو إنفاق ثروة أو أي شي آخر ولكن هو مجرد رغبة داخلية ولن نحتاج أن نذهب بعيدًا ولا أن نرتحل فيما هو أبعد من حدود بلادنا ولا أن نُقدِم علي الأخطار والشراك. ولكن ما نحتاجه بالفعل هو فقط الرغبة في  أن تغفر لمَنْ أساء إليك.

         أخبروني, إن كنا لا نريد أن نعمل تلك الأشياء السهلة مع أنها تجلب علينا مكاسب كثيرة وفوائد كبيرة بدون أى تعب, فأي عذر لنا, وماذا سيكون موقفنا تجاه ما هو أصعب؟ هل تستطيع أن تحتقر الثروة؟ هل تستطيع أن تصرف أموالك علي المحتاجين؟ هل تستطيع فعل أي شئ جيد؟ هل تستطيع أن تغفر لمن جرحك؟ إن كنت لا تستطيع أن تفعل أى من هذه الأمور فعلي الأقل نفذ ما أمرك الله به وهو أن تغفر. لأنه يتعيّن عليك أن تغفر للآخرين. إن الأكثر من هذا أنكم تطلبون بلجاجة أن يُغفر لكم فهل تطلبون هذا بسبب ما أظهره الله نحونا؟ فلو ذهبنا إلي الله الذي يدين الكل, فإنه يعرفنا ويستقبلنا بالحب ويكرِّمنا, ويدفعنا بكل اهتمام إلي طريق الحرية. ومع ذلك فقد رأيناه في مَثل ” العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه ” أنه لم يدفع الدين عنا ولكن هو يريد أن يجعلنا ونحن نطالب الآخرين بالسداد أن نكون رحماء معهم.

         انظر, أنت مدين بالكثير لله ومع أنه أوصاك أن تغفر حتى يُغفر لك. إلاَ أنك لا تغفر للآخرين. واني أسألكم لماذا لا تغفروا؟, وإني لمتعجب من هذا الفتور!. فلماذا كل هذا الكسل في اقتناء الفضيلة؟!. فبرغم من أنه لدينا مميزات كثيرة إلاَ أننا نجهد أنفسنا فيما هو رذيل, ونحن نعرض عن ما هو سهل ونطلب ما هو ثقيل. ففي المغفرة للآخرين ليست هناك حاجة إلي قوة جسمانية, ولا ثروة, ولا سلطة, ولا قوة, ولا صداقة, ولا أى شئ آخر. فقط يكفي أن تريد وسيتم كل شئ. هل يضايقك شخص ما, ويحتقرك ويسخر منك؟ نعم. ولكن غالبا ما تفعل أنت أيضًا هكذا في الآخرين وحتى ضد الله نفسه, ولكنه يصبر ويغفر. وهذا هو ما قاله :” اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا لمن أساء إلينا[16]. وهكذا فإن لم تغفر فإنك لا تستطيع أن تطلب هذا بدالة. وحتى إذا غفرت فلا تطلب المغفرة كأن الله مدين لك بالغفران. ولا بسبب أنه هكذا يجب أن يفعل الله، ولكن بحسب رحمة الله يمنح المغفرة[17]. وهل يتساوي الغفران الممنوح لذلك الشخص الذي يُخطئ فى حق رفيقه مع ذاك الغفران الذي يُمنح للشخص الذي يُخطئ في حق الله!. غير أن الحقيقة هي أننا نتمتع بمحبة الله العظيمة الفيّاضة للبشر إذ هو غنىٌ في رحمته وشفقته.

         إذا كان هناك شخص يعرفه الجميع ويمدحوه قائلين: إن هذا إنسان تقيٌ, إنه يصفح بسهولة، وهو يعرف كيف لا يحمل ضغينة ضد أحد. حينما يتعرض هذا الشخص لمحنة, مَنْ لا يتعاطف معه وإن طلب العفو عن خطأ قد فعله مَنْ لا يمنحه إياه؟ ألاَ تريد أن تكون مثل هذا الإنسان الورع؟ بلي, إنك بالطبع تريد.

         وأخيرًا أطلب إليكم. أن نعمل كل شئ لأجل الله ونغفر ليس فقط لأصدقائنا، وليس فقط للذين لهم علاقة بنا، ولكن نغفر حتى لعبيدنا, فالرسول بولس يقول: ” تاركين التهديد عالمين أن سيدكم أنتم إذًا فى السموات[18].

         فلو غفرنا للآخرين خطاياهم فإنهم سيغفرون لنا خطايانا, ولو قمنا بأعمال رحمة سنُرحم، ولو كنا متضعين ستغُفر خطايانا إذ أنه بالاتضاع تُغفر الخطايا, فقد قال العشار: ” ارحمني يا الله أنا الخاطئ[19] فذهب مبررًا ـ وبالأكثر نحن أيضًا لو تبنا وتواضعنا سننال مراحم كثيرة. ولو اعترفنا بخطايانا وحكمنا على أنفسنا سنتطهر بالأكثر من أدناسنا.

         اذن، فهناك العديد من الطرق التي تؤدى للنقاوة وفي أي من هذه الطرق سيكون لنا حرب ضد الشيطان. ومع ذلك ما سوف أقوله ليس صعبًا ولا ثقيلاً. فقط اغفر للذي جرحك, اعطف علي المحتاجين, تواضع,  وحتى لو كنت خاطئًا جدًا ربما تستطيع أن تحصل على ملكوت الله حيث إنك بهذه الطرق تطهر نفسك من الخطية.

         فلنسلك جميعًا هكذا والله يمنحنا النعمة ويطهّر نفوسنا, وباعترافنا هنا بكل قذارة خطايانا ربما نحصل هناك علي بركة الوعد الذى في المسيح يسوع ربنا الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة والإكرام الآن وكل أوان وإلي دهر الدهور آمين.

[1] فليمون 2.

[2] فليمون 7.

[3] فليمون22.

 [4] فليمون 18.

[5] فليمون 11

[6] فليمون 13

[7] مت 5: 15.

[8] 1كو21:7.

[9] اتي1:6

[10] غل17:6

[11] كولوسي17:4

[12] غل 28:28

[13] انظر المثل في انجيل القديس متي إصحاح 18

[14] يبين القديس ذهبي الفم هنا أن الخطأ واحد في كل الحالات ولكن يتعاظم مقداره أو يقل على حسب نظرتنا نحن للشخص المهان.

[15] يبين ذهبي الفم أننا من الممكن ان نعمل أشياء غير مقتنعين بها وهي أشياء خاطئة ونعلل هذا بالعادات والتقاليد.

[16] مت13:6

[17] يقصد هنا أن الغفران الممنوح لنا من الله ليس لأجل بّرنا أو حتى لأننا فعلا نصفح عن الآخرين وكأن الله يغفر لنا لأننا مستحقين هذا ولكنه يمنحنا الغفران من قبل نعمته ورحمته العظيمة.

[18] أف9:6

[19] لو13:8

 

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة الثامنة

 

«فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أيْضا: الَّذِي إذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أنْ يَكُونَ مُعَادِلا لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أخْلَى نَفْسَهُ، أخِذا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَانْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أيْضا، وَأعْطَاهُ اسْما فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ»[1].

 

   لقد تكلمت عن الهراطقة[2]، والآن أجد أن الفرصة مواتية لأن نتكلم عن الأمور المختصة بنا. فأولئك يقولون إن عبارة «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله» تعني أنه إختطف! لقد بيّنا أن في ذلك القول يكمن فساد وحماقة، لأنه لا يوجد إنسان ينصح آخر بالتواضع على هذا النحو، ولا بهذه الطريقة يتمجد الله ولا حتى الإنسان (يُكرّم بهذه الطريقة). فماذا يحدث إذاً أيها الأحباء؟ انتبهوا الآن لما نقوله. لأن الكثيرين يعتقدون أنهم سيُحْرَمون من مناصبهم، حينما يكونون متواضعين، وأنهم سينحدرون ويخضعون، لذا فلكي يزيل القديس بولس هذا الخوف ولكي يوضح أننا يجب ألاّ نتأثر هكذا، يقول إن الإبن الوحيد الجنس، الذي هو في صورة الله، وليس أقل من الآب في أي شيء، بل مساوٍ له، ولم يحسب مساواته لله (الآب) أنها مُختلسة. والآن اعلموا ماذا يعنى ذلك. أن ما يسلبه أحد ويأخذه له دون أن يكون مِلْكَه، لا يجرؤ على تركه، بسبب تخوفه لربما يفقده، فلذلك دائماً ما نجده ممسكاً به. وأما ذاك الذي يحتل منصباً ما بصورة طبيعية، لا يخشي نزوله من هذه المكانة، وذلك لأنه يعرف أنه لن يتعرض لهذا الأمر. وسأسرد لكم بعض الأمثلة، وإن كانت الأمثلة لا تستطيع أن توضح الأمر بصورة جلية. فلا تقلقوا، فهكذا تكون الأمثلة، أي أنها تترك للعقل مساحة لكي يستنتج هذا الأمر. فقد سلب ابشالوم السلطة ولم يرد أن يتركها. مثال آخر، إذا قام شخص ما بثورة ضد المَلِك وسلب منه ملكه، فإنه لا يريد ترك هذا الأمر أو إخفائه، لأنه إذا أخفاه مرة واحدة فقط، سيفقده على الفور. نأتي إلى مثال آخر، فمثلاً إذا سلب شخص شيئاً ما، فهو يحوزه باستمرار، ذلك لأنه لو تركه، فسيفقده في الحال. وبشكل عام فإن من يمتلكون شيئاً عن طريق السلب، فإنهم يخشون تركه أو إخفائه، ويظل فكرهم مشغولاً دائمًا به. لكن هذا لا يحدث لهؤلاء الذين لا يحوزون أشياء مُختلسة. إننا لا نملك سلطة بالطبيعة، فليست الخيرات هي أشياء طبيعية فينا (أي أنها نعمة من الله). أما فيما يتعلق بالله فكل الخيرات مرتبطة بطبيعته.

   فماذا يقول إذاً؟ يقول إن إبن الله لا يخشي أن يتنازل عن مكانته، لأنه هو الله بالطبيعة، ولا يخشي أن ينزع أحد منه طبيعته أو سلطانه، لأجل هذا وضع ذاته، واثقاً أن هذه المكانة ثابتة. لقد أخفى ذلك لأنه يعرف أنه لن ينزل عن هذه المكانة مطلقًا. لذا فهو لم يقل لم يسلب وإنما «لم يحسب خلسة». فهو لم يختلس هذه المساواة، وإنما هي من طبيعته، وهي لم تُمنح له ولكنها دائمة وثابتة. لهذا فهو لم يتجنَّب أن يأخذ شكل التابع أو المرؤوس. إن مغتصب العرش يخشي أن يترك ثوبه الأرجواني في خلال فترة الحرب، أما الملك فإنه يفعل ذلك بكل أمان، لماذا؟ لأن سلطته هذه لم تأت إليه عن طريق الاستيلاء.

   ولأنه لم يسلب هذه المساواة، فقد وضع ذاته، إذ هو يملكها بالطبيعة، ولهذا أخفاها. بمعنى أن الإبن لم يختلس مساواته للآب؛ لأنه مساوٍ له ، لأجل هذا أخلى نفسه. أين هم الذين يقولون أنه إجتاز الموت مجبرًا وخاضعاً؟! إنه يقول «أخلى نفسه، وضع نفسه وأطاع حتى الموت» كيف أخلى نفسه؟ «آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان». إلى هذا الحد تمم هذا الإخلاء، لكي نقتفي نحن أيضًا آثار هذا النموذج، إذ يقول: «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم»، فلهذا قال: «أخلى نفسه»، لأنه إن كان الإخلاء قد تم دون إرادته، وإن لم يكن هذا بمحض رغبته وإرادته الحرة، لما كان هذا الأمر إذًا تعبيرًا عن الإتضاع. فإن كان غير مُدرِك أن ذلك لابد أن يحدث لكان هذا عملاً ناقصًا. ولو لم يكن عالمًا بذلك، لكان قد انتظر زمن الحدوث، وحينئذٍ ما كان له أن يعرف متى سيحدث. فإن كان يعرف أن ذلك سيحدث قطعًا، ويعرف أيضًا زمن حدوثه، فلأي سبب يقبل أن يخضع؟ هل كي يبين سمو الآب؟ فإن ذلك لا يُبين سمو الآب وإنما يُبين بساطته هو، ألم يكن اسم الآب في حد ذاته كافيًا، لكي يُبين تمايزه؟ وبالطبع فإنه فيما عدا ذلك فإن كل الأمور الأخرى هي مشتركة (بينهما) وهي للإبن أيضًا. فإن هذه الخاصية (أي أبوة الآب) لا يمكن أن تنتقل من الآب للإبن.

   فماذا يزعم الهراطقة؟ انظروا فإن أتباع ماركيون يقولون إنه لم يصر إنسانًا، لكن ماذا صار؟ صار مشابهًا للإنسان. لكن كيف يكون ممكنًا أن  يصير مشابهًا للإنسان؟ هل هو محاطٌ بظلال؟ من المؤكد أن ذلك يكون صنمًا، وليس مشابهًا للإنسان، لأن من يشبه الإنسان، هو إنسان آخر. لكن بماذا ستجيب على يوحنا حينما يقول: «الكلمة صار جسدًا»[3]؟ والمطوب بولس نفسه يقول في موضع آخر: «في شبه جسد الخطية»[4].

   “وُجد في الهيئة كإنسان“. أرأيتم أنه يقول في الهيئة كإنسان. لكن ذلك (كما يدَّعون) لا يعنى إنه إنسان حقيقي، أن يكون كإنسان، ويكون في الهيئة إنسان، لأن كونه في الهيئة إنسان لا يعني أنه من طبيعة إنسانية! ألا ترون كيف أنني أكشف بوضوح أفكار الأعداء؟ لأن الانتصار الباهر والمكسب الكبير يكون حينما لا نخفي ما يبدو أنها أفكار قوية لهؤلاء. لأن إخفاء ذلك هو خداع وليس انتصار.

   إذًا ماذا يزعمون؟ سنكرر ذلك مرة أخرى، فإن عبارة في الهيئة، لا تعنى إنه إنسان بالطبيعة (هكذا يقولون)، وأيضًا يقولون: إن يكون كإنسان أو في شبه الناس، لا يعنى أنه إنسان. وبالتالي فإن «أخذ صورة عبد» لا تعنى أنه حقًا قد أخذ صورة عبد. لذا فإن الرد على هذه الصيغ السلبية يتمثَّل في إنه من المؤكد هنا أن مقاومة ما لهذه الأقوال ستحدث. فإن كنت تعتقد أن عبارة “أخذ صورة عبد” هي حجة ضدنا، هكذا نحن أيضاً نرى أن هذه الحجة هي ضدك، فهل لك أن تشرح ما تقوله أولاً؟ لأن الرسول لم يقل كعبد، ولا مشابهًا صورة العبد، ولكنه قال: «أخذ صورة عبد». إذًا ماذا يحدث؟ هذا الكلام من الممكن أن يثير حروب، لكن لن تحدث أي حرب. ولكن ما هو هذا الكلام السخيف والمثير للسخرية الذي يقوله هؤلاء؟ يقولون إنه أخذ صورة عبد حينما أتزر بمنشفة وغسل أرجل التلاميذ. هذه هي صورة العبد؟ ليست هذه هي صورة العبد، بل هو عمل العبد. إن هناك اختلافًا بين أن يعمل عمل عبد وأن يأخذ صورة عبد. فلماذا لم يقل أنه أتم عمل العبد وستكون العبارة هكذا أكثر وضوحًا؟ لكن لا يَرد في الكتاب المقدس على الإطلاق أن كلمة صورة تأتي بدلاً من كلمة عمل، وذلك لأن الفارق بينهما كبير، فالصورة تُقال على الطبيعة، أما العمل فيقال على النشاط. وحينما نتكلم لا نقصد أبدًا الصورة بدلاً من العمل. من ناحية أخرى وكما يرى هؤلاء أن الجسد كان خياليًا، فإن كان هكذا، فلا يكون قد صنع هذا العمل، ولا أتزَّر بمنشفة، ولما كان هذا العمل عملاً حقيقيًا، فإن لم يكن له أيدي، فكيف غسل؟ وإن لم يكن له وسط فكيف أتزر بمنشفة؟

   أي ثياب قد أخذها؟ لأنه يقول وأخذ ثيابه[5]. لذا فإن العمل هنا لا يُمثِّل حدثًا قد تم، وإنما مجرد خداع، ولا أيضًا غَسْل أرجل التلاميذ يكون قد حدث. فإن كانت الطبيعة الجسدية لا تظهر، فهذا يعنى أنه لم يكن له جسد، فمن يكون إذًا ذاك الذي غسل أرجل التلاميذ؟

أيضًا ماذا نقول في مواجهة بولس الساموساطي؟ وماذا يقول ذاك؟ هو أيضًا يقول نفس الشيء. يقول إن هذا لم يكن إخلاء، فحين يكون لأحد طبيعة إنسانية، فهو مجرد إنسان رفيع المقام، وما قام به أنه غسل أرجل العبيد رفاقه. ما قلناه ضد الآريوسيين ينبغي أن نقوله ضد هؤلاء أيضًا. فلا يوجد بينهم أي اختلاف سوى زمن ضئيل يفصل بينهم. لأن هؤلاء وأولئك يقولون إن ابن الله مخلوق. فماذا سنقول إذًا لهؤلاء؟ فإن كان هناك إنسان عادي قد غسل أرجل آخرين، فهو بهذا العمل لم يُخلِ ذاته ولم يضع نفسه، كما إنه لا يستحق أي مديح ذاك الذي لم يدّعِ مساواته لله. فهل يمكننا أن ندعو العمل الإنساني، المنسوب لإنسان ما، إتضاعًا؟ لكن حين يصير الله إنسانًا، فهذا هو الإتضاع الفائق الذي لا يمكن التعبير عنه أو وصفه.

   أين يُقال عن صورة الله أنه عمل الله؟ فإن كان هناك إنسان رفيع المقام يُقال عنه صورة الله بسبب أعماله، فلماذا لا نقول هذا عن بطرس؟ فلقد عمل أعمالاً عظيمة[6]، ولماذا لم نقل هذا عن بولس أيضًا؛ إنه كان صورة الله؟ ولماذا لم يشّر ق. بولس إلى نفسه كنموذج للإتضاع، وهو الذي سلك بإتضاع بالغ ولم يتوقف أيضاً عن أن يقول «فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربنا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع»[7]. إن ما يقوله هؤلاء الهراطقة يدعو للسخرية. أخبرنا إذا كيف أخلى نفسه، وما هو معنى الإخلاء؟ وما هو الإتضاع؟ هل لأنه صنع عجائب؟ لقد صنع بطرس وبولس أيضًا عجائب، حتى لا يكون هذا الامتياز خاص بالإبن فقط.

   إذًا فماذا تعنى عبارة «صائرًا في شبه الناس»؟ فكثير من السمات التي لدينا هي لديه، وهنالك من الخصائص الإنسانية، لا تنطبق عليه، مثل أنه لم يولد من زواج، ولم يفعل خطية، وهذه السمات لا توجد في إنسان. فالذي ظهر ليس فقط هو إنسان، بل هو الله المتأنس، صائرًا في شبه الناس. «في شبه الناس»، فقد شابه البشر في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، إذًا فما يقوله ق. بولس، لا يعني أبدًا إنه كان  إنسانًا رفيع المقام (كما يقولون). لأجل هذا يقول «في شبه الناس» فطبيعتنا مكونة من نفس وجسد، أما ذاك فهو الله المتجسد، الذي أخذ جسدًا ذو نفس إنسانية، لأجل هذا يقول «في شبه الناس». حتى لا تعتقد، حينما تسمع أنه أخلى نفسه، أن هناك تغييرًا أو تحولاً أو اختفاء قد حدث، فهو يقول بينما ظل كما هو الله بالطبيعة، فقد أخذ ما لم يكن له، وبينما صار جسدًا إلاّ أنه باقٍ إلى الأبد الله الكلمة. هكذا صار في شبه الناس، ولأجل هذا يقول: «في الهيئة». الطبيعة لم تتحول، ولم يحدث لها أي اختلاط، ولكن «وُجِدَ في الهيئة».

   إذًا، فبعدما قال إنه أخذ صورة عبد، نجده يستكمل كلامه بجرأة، حتى يُسكِت الجميع، فحينما يقول «في شبه جسد الخطية»[8]، فإنه لا يعنى بذلك أنه لم يكن له جسد، وإنما يعني أن هذا الجسد بلا خطية، لكنه كان يشبه جسد الإنسان الخاطئ. لكن في أي شيء كان يُشبهه؟ في طبيعته، وليس في الشر، ونفس الكلام نقوله عن النفس أيضًا. فاستخدام كلمة شبه هنا يعود إلى أن كل الأمور ليست متساوية، فهو لم يولد من زواج، ولم يعرف خطية، ولم يكن إنسانًا رفيع المقام. وحسنًا قال «كإنسان»، فهو لم يكن مجرد واحد من بين الكثيرين، فالله الكلمة لم يتغير جوهره، وإنما ظهر في الهيئة كإنسان، ليس بهدف أن يخدعنا عن طريق الأعمال الخيالية، وإنما كي يعلمنا الإتضاع. إذًا فحينما يقول «كإنسان» فهذا ما يعنيه، لأنه يدعوه إنسانًا أيضًا في موضع آخر، حينما يقول «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح»[9].

   لقد تكلمنا بهذا ضد هؤلاء الهراطقة، والآن هناك حاجة لكي نتكلم ضد الذين ينكرون بأنه أخذ نفسًا[10]. فإن كان “صورة الله” يعنى إله كامل، هكذا فإن صورة العبد تعنى عبد كامل. مرة آخري نعود للحديث الموجه ضد الآريوسيين. يقول الكتاب «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله».هنا الكلام ينصرف إلى الإلوهية، فلم يقل مطلقًا أنه أخذ صورة الله أو صار صورة الله، ثم يقول: «لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس». نجد هنا أن كلمتا آخذًا، وصائرًا، تقالا منسوبتين للطبيعة الإنسانية. فهذه هي التي أخذها، أما إلوهيته فهي بالطبيعة. فلا نخلط بينهما إذاً، ولا نفصل أيضًا. فالله هو واحد، المسيح واحد، ابن الله. فحينما أقول واحد أعنى اتحاد، وليس اختلاط، فلا تتبدل طبيعة إلى أخرى، وإنما هما في وحدة واحدة[11].

   «وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب». انظروا، كيف يقول: إنه أطاع بإرادته، ولم يقل إنه لم يكن مساويًا لمن يطيعه. أيها الجهلاء والمعاندون إن الطاعة لم تجعله في وضع أقل مطلقاً، فنحن أيضًا نطيع الأصدقاء، ولا يقلل ذلك منا إطلاقًا. فهو يطيع كابن نحو أبيه، دون أن يتدنى لمقام العبودية، ولهذا تحديدًا تظهر هذه الأعجوبة الحقيقية، وفي الكرامة الفائقة التي يُعطيها لأبيه. فلقد كرَّم الآب، وهذا بحد ذاته كان يجب أن يدعوك أن تتعجب وتُدهش له بالأكثر، لا أن تقلّل من شأنه، بل أن تتأكد أنت أيضًا بسبب هذه الطاعة أنه الإبن الحقيقي، وأنه قد كرَّم أبيه أكثر من الجميع. فلا يوجد أحد قد أعطى للآب كرامة مثل هذه. فإتضاعه كان بمقدار ما يعادله من سمو. أنه لأمر عظيم حقًا فكما أنه يفوق الجميع، ولا يساويه أحدٌ، هكذا نجده أيضًا من نحو الكرامة التي يعطيها لأبيه أنه قد فاق الجميع، بدون اضطرار، وبإرادته الكاملة، وهذا هو برهان سموه. إنه لأمر عظيم حقًا ولا يمكن التعبير عنه، وأنا أيضًا لا أستطيع الحديث عنه. كيف يصير العظيم عبدًا، لكن هناك أمر آخر أكثر سموًا، هو اجتيازه الموت بإرادته، بل إن الأكثر عظمة من هذا والمثير للدهشة أيضًا، هو طريقة الموت ذاتها. لماذا؟ لأن الميتات المختلفة ليست مثل بعضها البعض، فالموت الذي جازه هو الأكثر قبحًا، وخزيًا، كما إنه ملعون جدًا لأنه مكتوب «ملعون كل من عُلِقَ على خشبة»[12]. ولأجل هذا فإن اليهود حاولوا أن يقتلوه بهذه الطريقة، حتى يجعلوه مثارًا للخزي، حتى يكون الابتعاد عنه لا بسبب موته بل بسبب طريقة هذا الموت. ولأجل هذا صلبوا معه لصين، حتى يشركونه في خزيهما، وحتى يتم قول الكتاب «وأُحصى مع آثمََة»[13]. ولكن الحق أشرق بصورة عظيمة جدًا، وصار أكثر بهاء. لأنه إذا كانت حيَِل الأعداء ضد مجده كثيرة جدًا، إلاّ أن هذا المجد قد أشرق بالأكثر، وكان برهان هذا الأمر عظيمًا. فلم يكن هدفهم أن يقتلوه فقط، بل اعتقدوا أنه حينما يتم الموت بهذه الطريقة (الصلب)، فإنهم سيجعلونه مثارًا للعنة، وسيبرهنون على أنه قد أُبغِضَ من الجميع. ولكنهم لم ينجحوا في شيء من هذا. لقد كان اللصان دنسين، ولكن تغير أحدهما بعد ذلك، فحينما كانا فوق الصليب عيّراه، ولم يكبح جنونهما هذا إحساسهما بخطيئتهما، ولا كونهما في هذا الجحيم (العقوبة)، ولا أنهما يجتازان هما أيضًا نفس الأمر. هكذا نجد أن أحدهما قد أسكت الآخر قائلا: «أو لا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟»[14]. بهذا القدر كانت شرورهما عظيمة.

   «لذلك رفعّه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم». وعندما يتحدث المطوب بولس عن الجسد، نجده يتكلم بدون خوف عن الأشياء الخاصة بالجسد. لأنه عندما تكلم عن الإلوهية، لم يكن قد قال بعد أنه أخذ صورة عبد، فلاحظوا كيف كان يتكلم بسمو. وأقصد بسمو هنا، حسب قدرته في التعبير، لأنه لا يستطيع أن يتكلم عن سمو الإبن كما يحق له. فهو يقول «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله». ولكن لأنه قد تكلم عن تجسده، فلذا نجده بعد ذلك يتكلم دون خوف عن الأمور المتواضعة (الخاصة بالجسد)، واثقًا بأن كلامه عن هذه الأشياء، بعدما اقتبلها جسده، لا يسيء إلى إلوهيته مطلقًا.

   ” لذلك رفعّه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب».

   ولهؤلاء الهراطقة نقول، إن كانت هذه الكلمات هي لمن لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، فكيف رفعّه الله؟ هل أعطاه شيئًا إضافيًا؟ فهو إذًا على هذا النحو لم يكن كاملاً وأصبح كاملاً لأجلنا. فلو لم يكن قد صنع بنا حسنًا، ما كان له أن ينال هذا الإكرام! «وأعطاه اسمًا» وكيف لا يكون له إسم بحسب تصوراتكم؟ فإن كان قد نال شيئًَا، فإنه يبدو هنا كهبة وعطية نالها، هكذا أيضًا الاسم الذي هو فوق كل اسم؟ لننظر ماذا كان الاسم، يقول: «لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة». هم يقولون على الاسم أنه مجد، فهل هذا المجد إذًا هو فوق كل مجد؟ إن المجد عند البعض هو أن نسجد له. والحقيقة أنتم تبتعدون كثيرًا عن سمو الله، حينما تعتقدون أنكم تعرفون الله، كما يعرف هو ذاته. ومن ثم يتضح كيف أنكم تبتعدون عن قصد الله. فهل هذا هو المجد؟ أخبرني. إذًا ألم يكن في مجده قبل خلقة البشر، والملائكة، ورؤساء الملائكة؟! فإن كان حقًا هذا هو المجد، والذي يفوق كل مجد، لأن هذا هو معنى قوله «فوق كل اسم»، وإن كان قائمًا في المجد، ولكن بدرجة أقل مما أُعطي له. فمن أجل هذا يكون قد خلق المخلوقات، أي لكي يُمجَّد، وليس بسبب صلاحه، بل لأنه يحتاج أن نمجده! أرأيتم مقدار هذه الحماقة؟ أرأيتم الجحود؟ وقد يكون هناك مبرر لما قيل إذا كان الأمر يتعلق بتجسده فقط، لأن كلمة الله يقبل هذا عن جسده. لأن ألوهيته لا يمكن المساس بها، إذ هو قد صنع كل هذا من أجل خلاصنا.

   ماذا يعنى إذًا ” ممن في السماء ومن على الأرض»؟ يعنى العالم كله، والملائكة والبشر، والشياطين، أو يعني الأبرار والخطاة والأحياء. “ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب“، أي أن مجد الله الآب يستعلن بواسطة إعتراف الجميع بذلك. أرأيتم أنه دائمًا حينما يُمجَد الابن، فإن الآب أيضًا يتمجد؟ هكذا أيضًا حينما يُزدرى الإبن يُزدري الآب. فإن كان هذا يسري علينا نحن أيضًا، مع أنه يوجد فارق كبير بين الآباء والأبناء، فبالأحرى يكون هذا في الله، حيث لا يوجد فيه أي اختلاف أو تناقض، فإليه ينتقل المجد أو التجديف. فهو يقول إن كان العالم كله يخضع للإبن، فذلك هو مجد الآب أيضًا.

   وبالتالي فحينما نقول، إن الإبن كامل، ولا يحتاج لأي شيء، وليس أقل من الآب، فهذا مجد للآب، والمولود منه. هذا الأمر هو برهان عظيم على قوته، وصلاحه، وحكمته، فهو لا ينقص مطلقًا لا من جهة الحكمة ولا من جهة الصلاح. فحينما أقول إنه حكيم كالآب وليس أقل منه فذلك يُعد برهان على حكمة الآب الفائقة، وحينما أقول أنه قوي كالآب، فذلك برهان على قوة الآب، وحينما أقول إنه صالح كالآب، فذلك برهان واضح جدًا على صلاحه، لأنه مساوٍ له، إذ هو مولود من الآب ولا يقِّل عنه في شيء، وحينما أقول إنه ليس أدني في الجوهر بل هو مساوٍ وليس من جوهر آخر، فهذا أيضاً يدعوني أن أراه عجيبًا. وأتعجب لقوته وصلاحه وحكمته، لأنه قد أعلن لنا (الآب) المساوي له، غير أن أقنوم الإبن ليس هو أقنوم الآب. هكذا فإن كل الأمور العظيمة التي نتحدث بها عن الإبن هي للآب. فإن كان سجود العالم كله لله هو أمر يسير، إذا ما قورن بمجد الله، فكم تكون بالأحرى الأمور الأخرى المختصة بمجده؟.

   فليكن لدينا إذاً إيمان نستطيع أن نُعلن به مجد الله، ولنحيا لإعلان هذا المجد، فلا توجد أية منفعة من واحدة دون الأخرى. هكذا حينما نمجِّده، دون أن نحيا في تقوى ونقاوة، فهذا يعني إننا نزدرى به إلى أقصى حد، فحينما ندعوه السيد والمعلم (دون أن نحوّل هذا الإيمان إلى سلوك) فنحن نزدرى به ولا نخشى دينونته المخوفة. بالطبع ليس غريبا أن يعيش الوثنيون بدون نقاوة، فهذا الأمر لا يدعو للاستغراب. أما المسيحيون الذين يشتركون في كل هذه الأسرار، ويتمتعون بهذا المجد العظيم، حينما يعيشون بدون نقاوة، فهذا يُعد شرًا كبيرًا وأمرًا لا يمكن إحتماله. إن الإبن قد أطاع طاعة مطلقة، لأجل هذا نال المجد الأسمى، لقد صار عبدًا، لأجل ذلك فهو سيد الكل وسيد الملائكة أيضًا. بالتالي فنحن أيضًا ينبغي ألاّ نعتقد أننا حين نضع أنفسنا ينحط قدرنا، بل أننا نرتفع بالأكثر وحينئذٍ سننال بالحقيقة أسمى تكريم. فكون أن الأعظم سيصير أصغرًا والأصغر سيصير أعظمًا (في ملكوت الله)، فيكفي أن تعود إلى تعليم المسيح له المجد الذي يؤكد على هذه الحقيقة، فضلاً عن كل هذا لنفحص الأمر بالتدقيق.

   ماذا يعنى أن نتَّضع؟ ألا يعنى ذلك أن نصير موضع تأنيب الآخرين وإتهامهم ووشايتهم. وماذا يعنى أن نرتفع؟ يعنى أن نصير موضع تكريمهم ومدحهم. حسنًا فلنرَ إذًا كيف يصير هذا. إن الشيطان كان ملاكًا، رفَّع نفسه. فماذا حدث إذًا؟ ألم ينحدر أكثر من الجميع؟ أليس مكان وجوده الأرض؟ ألم يُدنْ ويُتهم من الجميع؟ أما بولس فهو إنسان قد وضع نفسه. ماذا إذًا؟ ألم يصر موضع إعجاب الجميع، ألم يُمتدح منهم؟ ألم يُكرَّم من الكل؟ أليس حبيبًًا للمسيح؟ ألم يعمل أعمالاً عظيمة؟[15] ألم يأمر الشيطان مرات عديدة (أن يمتثل) كعبد؟ ألم يقوده كجلاد؟ ألم يزدري به ؟ ألم يكن يسحق رأسه تحت أقدامه؟ ألم يطلب أيضًا نفس الأمر للآخرين؟ ولماذا أتكلم عن بولس فقط؟ لقد رفَّع أبشالوم نفسه، ووضع داود نفسه. فمن منهم إرتفع؟ ومن صار في مجد؟ وهل هناك ما هو أكثر إتضاعًا من الأقوال التي قالها ذلك النبي المطوّب عن شمعي، يقول: «دعوه يَسُب لأن الرب قال له»[16] .

   إن أردتم لنختبر ما سبق وتحدثنا عنه. لقد وضع العشار نفسه، وإن كان ما فعله، لا يعد بالطبع تواضعًا، لكن ماذا؟ لقد قال ما قاله معترفًا بالجميل، أما الفريسي فقد رفَّع نفسه. إذًا ماذا يحدث؟ فلنختبر الأمور، فإذا إفترضنا أن هناك شخصين، من الأغنياء، ويتمتعان بتكريم جزيل، كما أن لهما ثقة كبيرة في حكمتهما وسلطتهما، وفي كل المميزات العالمية الأخرى، ثم طلب أحدهما بعد كل هذا التكريم، تكريمًا آخر مضاعفًا، إلا إنه يغضب بسبب عدم نواله هذا التكريم، فيطلب ذلك بصورة أكثر جداً مما ينبغي، رغبة منه في أن يرفّع ذاته. أما الآخر فإنه يحتقر هذا الأمر، ولا يغضب لأجل هذا، وحينما يُعطى له المجد يهرب منه. وبالتأكيد ليست هناك أية طريقة لنوال المجد سوى تجنّبه. لأنه كلما نسعى إليه، كلما هرب منا، ولكن حينما نهرب منه يلاحقنا. فإن كنت تريد أن تكون عظيمًا، فتجنّب المجد، ولا تكن مرتفعًا. علاوة على ذلك فإن الجميع يكرِّمون ذاك الذي لا يرغب في الإكرام، ولكنهم يزدرون بذاك الذي يطلبه. فلنزدرِ إذًا بالمجد وبذلك نستطيع أن نكون متواضعين، أو بالأحرى نكون مرتفعين حقًا. ينبغي إذًا ألاّ ترفع نفسك، حتى يرفعك الآخر. فذاك الذي يرفع نفسه، يضعه الآخرون. وذاك الذي يضع نفسه، يرفعه الآخرون. فالكبرياء شر عظيم، فالأفضل أن يكون المرء أحمقًا على أن يكون متكبرًا، فالحماقة هي ملمح خاص بالجنون فقط، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا تعلق الأمر بالكبرياء فالوضع هنا أسوأ، إذ تجتمع الحماقة والجنون معاً. فالأحمق هو شر لنفسه، أما المتكبر فهو مدمِّر للآخرين أيضًا. ومن الممكن أن تلد الحماقة أيضًا كبرياءً، فمن غير الممكن أن يكون هناك متكبرًا غير أحمق فذاك الذي لديه درجة كبيرة من الحماقة هو بلا رجاء. فاسمع الحكيم حينما يقول: «أرأيت رجلاًَ حكيمًا في عيني نفسه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به»[17]. لأجل هذا نجد ق. بولس يقول «لا تكونوا حكماء عند أنفسكم»[18]. وأيضًا فيما يتعلق بالأجساد، أيًّا من هؤلاء نقول عنه أنه صحيح البنية، هل هو من له جسم ضخم، المملوء ماء وغازات؟ أم من هو قليل الحجم في مظهره، ولكنه يتسم بالرشاقة. من الواضح أن من ينتمي للشريحة الثانية هو الأكثر صحة. هكذا أيضًا بالنسبة للنَفْس، فإن النَفْس التي توجد في إضطراب هي أشد مرضًا من أي مرض جسدي، أما النفس الهادئة فهي متحررة من كل ألم.

   إذًا فكم من الخيرات يجلبها لنا التواضع. هل تبتغي اللطف وعدم الغضب، والمحبة، والاتزان، واليقظة؟ كل هذه الخيرات تأتي من التواضع، وعكس هذه يأتي من الغطرسة. بالضرورة من يسلك بكبرياء سيكون شتَّامًا ومحبًا للنزاع، غضوبًا، وقاسيًا ومتجهمًا، وحشًا وليس إنسانًا. هل أنت قويّ ومتكبر لأجل ذلك؟ ينبغي إذًا أن تكون بالأحرى متواضعًا. لماذا أنت فخور بأشياء دنيئة؟ لأنه في الحقيقة ستجد أن الأسد أكثر شجاعة منك، والخنزير كذلك أكثر قوة ، فأنت لا تتعدى مجرد بعوضة بالمقارنة بهما، كذلك فإن اللصوص ونابشي القبور والمصارعين وحتى خدّامك، وربما أولئك الذين هم أكثر حماقة، هم أقوى منك. فهل هذا الأمر يستحق المديح؟ ألا تتوارى بسبب افتخارك بهذا الأمر؟ فإذا كنت تعتقد إنك حسنً المنظر وجميل، فإن هذا ما يتباهى به الغربان. فأنت لست أجمل من الطاووس ، ولستَ في بهائه ولا تملك أجنحته، فإن الغلبة هنا لأجنحة الطائر، وهو يتفوق عليك بالريش، وبالرونق. كذلك البجع أيضًا يتسم بالجمال الشديد، وهكذا طيور أخرى كثيرة، عند مقارنتك بها ستجد أنك لا تساوي شيئاً. من ناحية أخرى مرات كثيرة نجد أن هناك غلمانًا تافهين، وعاهرات، ورجال مُخنثين يشعرون بهذا التباهي. فهل هذا يستحق التكّبر؟

   لكن هل أنت غني؟ ومن أين لك هذا؟ ماذا تملك؟ أَذَهَب أم فضة أم أحجار كريمة؟ إن هذه الأشياء أيضًا هي في حوزة اللصوص والقتلة وأولئك الذين يشتغلون في المعادن. فهل عمل المجرمين بالنسبة لك موضع تباهى؟ هل تتجمّل وتتزّين؟ من الممكن أيضاً أن ترى الأحصنة مزّينة. وفي بلاد فارس من الممكن أن يرى المرء أن الجمال أيضًا مزّينة، وبالنسبة للإنسان ستجد أن كل الممثلّين يتزينّون. هل لا تخجل أن تتباهي بهذه الأمور، والتي يشاركك فيها حتى الحيوانات، والعبيد، والقتلة، والمتخنثين، واللصوص ونابشي القبور. هل تشَّيد مبنىً عظيمًا، وهل ترى في هذا إنجازًا؟ فإن غربان كثيرة يقطنون في أماكن تُعد فخمة ولديهم مأوي أعظم. ألم ترَ هؤلاء الذين يرغبون في جمع المال بجنون، وقد أقاموا منازلهم في المزارع، وفي الأماكن الصحراوية، حيث مأوي الغربان؟ أتفتخر بصوتك؟ أنك لا تستطيع إطلاقًا أن تغني أعذب من البجع أو البلبل. وهل تفتخر بسبب تنوع الفنون؟ وهل في هذا العمل ما هو أكثر عظمة من عمل النحلة؟ فأي مطرِّز، و أي رسام، وأي مهندس يستطيع أن يقلد أعمالها؟ فهل تفتخر لأجل نعومة الملبس؟ لكن العناكب تتفوق عليك في هذه الحالة. وهل تفتخر بسرعة رجليك؟ مرة أخرى نجد أن التفوق يكون للحيوانات، مثل الأرنب والتيس وكل الحيوانات سريعة العَدْو. هل تملك إمكانية التنقل من مكان لآخر، الطيور أفضل منك في هذا، فهي تهاجر بسهولة، وليس لها حاجة لمؤونة، ولا لوسائل انتقال فأجنحتها كافية لكل شيء فهيَ مركبة، وهي دابة، وهي عربة، ورياح وأي شيء يمكن للمرء أن يتحدث عنه. هل تتمتع بنظر حاد؟ إن نظر التيس أكثر حدة، وأيضًا نظر النسر. هل تتمتع بسمع حاد؟ الحمار سَمْعَه أكثر حدة. ألديك حاسة الشم قوية؟ فالكلب يتفوق عليك في هذه. هل أنت قادر على أن تمد نفسك بالخيرات؟ أنك في هذا أقل من النملة؟ فهل تستطيع أن تجمع ذهبًا؟ لكنك ليس مثل النمل الهندي.

   فالمخلوقات غير العاقلة أفضل كثيرًا منا في الصحة والسعة ووفرة الخيرات، فتلك لا تخشى الفقر. هكذا يقول الرب «انظروا إلي طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن»[19].

إذًا، ربما يقول أحد إن الله خلق الكائنات غير العاقلة أعلى منا. أرأيت مقدار انعدام البصيرة؟ أرأيت عدم اختبار الأمر، ومقدار ما يمنحه لنا اختبار وملاحظة هذه الأشياء (التي سبق الإشارة إليها)؟ فإن الأكثر تميزًا بين الناس في فكره (حسبما يظن) هو أدنى من الحيوانات غير العاقلة!. سنرثي لحاله ولكننا لن نحاكيه، ولا ندنيِّه إلى مرتبة الحيوانات، بسبب تكبّره، سنتركه، ولكننا سُنقيمه، لا لأجله لأنه يستحق أن يجوز هذه المعاناة بل لأجل أن تُستَعلن محبة الله وتكريمه لنا. فهناك أشياء كثيرة، لا تشاركنا فيها الحيوانات مطلقًا. ما هي إذًا هذه الأشياء؟ إنها التقوى وحياة الفضيلة. هنا لا يمكن أن تتكلم عن زناة أو مخنثون، ولا قتله، لأننا ننعزل عن هؤلاء. إذًا ماذا يعنى ذلك؟ إننا نعرف الله، ونعرف جيدًا عنايته بنا، ونتكلم بحكمة عميقة عن الخلود. هنا نحن نتجاوز الحيوانات غير العاقلة، فلسنا بصدد التشكك فيها، فلنتعقل، إذ حين يتعلق الأمر بمعرفة الله، لا يوجد أي شيء مشترك مع الحيوانات. لأننا نسود عليها، فهي أدنى منا بلا شك، وسلطاننا عليها كبير، فكون أنها أقل وأننا نسود عليها، فهذا لكي تعلم أنك لست أنت علّتها، وإنما الله الذي خلقك ومنحك العقل هو علّتها. فنحن نضع لها الشباك والفخاخ، ونمسك بها ونروِّضها. لدينا العقل والرحمة واللطف واحتقار المال. ولكن لأنك من غير المتعقلين، فليس لديك أي من هذه الفضائل، فإما أنك تسمو في فكرك عن بقية البشر، أو أنك أدنى حتى من الحيوانات غير العاقلة! فهكذا تكون الحماقة والوقاحة فإما أن ترتفع أكثر مما ينبغي أو تتدنى بنفس القدر دون أن تحفظ التوازن مطلقًا!

فنحن مساوون للملائكة في هذا؛ فلقد وَعدنا الرب بملكوت السموات، وبالوجود في حضرة المسيح. فالإنسان يعانى الآلام ولكنه يحتمل، فهو يحتقر الموت، لا يرتجف ولا يخاف منه، يتوجه نحو الأفضل. وبالتالي فمن لا يسلك هكذا فهو أسوأ من الحيوانات. فكيف لا تكون أسوأ من الحيوانات حينما تهتم بالجسديات، أما فيما يختص بالروحيات فلا تهتم بأي شيء؟ لأن ذلك المسلك يحمل لنا نموذجًا لأكثر الناس غباء؛ أي أولئك الذين يعيشون في الشر والشهوة والطمع. فالحصان أكثر قدرة منه على القتال، والخنزير أكثر قوة، والأرنب الوحشي أكثر سرعة، والطاووس أجمل والبجعة أعذب صوتًا، والفيل أكبر حجمًا، والنسر أكثر حدة في بصره، فكل الطيور هي أغنى. فكيف تكون مستحقًا أن تتسلط على الحيوانات؟ هل بسبب العقل؟ وهذا أيضًا قد جَعلت إستخدامه غير ممكن. لأن ذلك الذي لم يستخدم عقله في الخير، هو أسوأ من الحيوانات أيضًا، وكان من الأفضل ألا يكون عاقلاً، عن أن يكون أكثر غباءًا من تلك الحيوانات، بالرغم من أن له عقل.

   لأنه أن يحوز أحد سلطة ما ثم يسيء استخدامها، فهو ليس مساويًا لآخر لم ينل هذه السلطة. وكان من الأفضل لذلك الملك الذي هو أسوأ من حراسة، ألا يرتدي ثوبه الأرجواني. هذا ما يحدث أيضًا في هذه الحالة.

   إذًا ليكن معلوماً، أننا بدون الفضيلة نكون أردأ من الحيوانات، فلنسلك بالفضيلة حتى نكون بشرًا، أو بالأحرى ملائكة، ونتمتع بالخيرات السمائية، والتي ليتنا نفوز بها جميعًا، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس، المجد والقوة والإكرام، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1]  في 2 : 5-11

[2]  راجع عظة 3.

[3]  يو14:1.

[4]  رو3:8.

[5]  يو12:13.

[6] راجع يو2:14.

[7] 2كو5:4.

[8] رو3:8.

[9] 1تي5:2.

[10] هرطقة أبولليناريوس.

[11]  إن كان ق. يوحنا ذهبي الفم لا يستعمل تعبير طبيعة واحدة من طبيعتين، فإنه يحمل جوهر تعليم كنيستنا بقوله عن الإتحاد التام وعدم الاختلاط أو التغيير، أو الانفصال، وأن المسيح واحد .

[12] غلا13:3.

[13] إش12:53.

[14] لو40:23.

[15] حسب وعد الرب في يو12:14.

[16] 2صم11:16، حيث سب شمعي داود الملك .

[17] أم12:26.

[18] رو16:12.

[19] مت26:6.

 

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة السابعة

 

   ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ[1].

 

   يوّجه ربنا يسوع المسيح نظر تلاميذه نحو الأمور العظيمة، واضعًا نفسه وأبيه والأنبياء أيضًا مثالاً، حين يقول: ” فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين كانوا قبلكم[2]، و” إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم[3]، وأيضًا: ” تعلموا مني لأني وديع ومتواضع[4].  و” كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم[5]. وهكذا أيضًا فعل المطوب بولس، فنجده يقود أهل فيلبي إلى ممارسة هذا التواضع، مشيرًا إلى المسيح له المجد، كنموذج يُحتَذَى به. نفس الشئ يقوله حينما يتكلم عن محبة الفقراء، قائلاً: ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهو غني “[6]. لأنه لا يوجد ما يحرك النفس الحكيمة والعظيمة تجاه عمل الصلاح أكثر من معرفتها بأنها بهذا السلوك تتمَّثل بالله. إذًا هل هناك شيئًا يعادل قيمة التواضع؟ لا شئ. والقديس بولس إذ يعرف ذلك، نجده يحثَّهم على التواضع مبتدئًا بالترجي والتوسل، ثم بعد ذلك يستخدم أسلوب التبكيت فيقول:        ” تثبتون في روح واحد “، و” هو لهم بيّنة للهلاك وأما لكم فللخلاص” وفي النهاية يقول لهم: ” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد “.

   انتبهوا من فضلكم واستيقظوا، فكما يحدث حينما يكون هناك سيف ماض ذو حدين، فأينما وقع، حتى ولو على آلاف، فانه يقضي عليها بسهولة، لأنه قاطع من الجهتين ولا يوجد ما يعوق حده، هكذا أيضا كلمات الروح. وبهذه الكلمات سقطت هرطقات مثل تلك التي لآريوس الإسكندري وبولس الساموساطي وماركلوس الغلاطي، وسابيليوس الليبي وماركيون البنطي وماني وابوليناريوس من لاودكيا وفوتينوس وصوفرونيوس، وبقية الهرطقات الأخرى. فبمجرد أن تشاهدوا ذلك المشهد، حين تسقط كل هذه الفيالق بضربة واحدة، فيجب أن تستيقظوا كي لا تفوتكم فرحة ذلك المشهد. لأنه إذا كانت المتعة التي يحصل عليها المتسابق في حلبة السباق لا حد لها، وذلك حينما يفوز ويُسقط كل العربات التي تجرها أربعة أحصنة والذين يقودونها أيضًا وتنقلب على ظهورها، بعد ذلك يسير وحده في الطريق متجهًا نحو الهدف ونهاية السباق. وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التصفيق والهتاف من كل جهة إلى عنان السماء ينطلق هكذا ويطوف بالأحصنة كل الحلبة وهو كمن يطير بسبب هذه السعادة والنشوة. فكم بالأحرى تكون هذه السعادة أعظم حينما ننتصر بنعمة الله على كل الهراطقة والأعمال الشيطانية والذين يمارسونها في نفس الوقت؟

   وإن كنتم تريدون معرفة هذه الهرطقات فيمكن لنا أن نستعرضها بالترتيب، أتريدون ترتيبًا لهذا الجحود بحسب النوع أم بحسب الترتيب الزمني لظهور هذه الهرطقات ؟ ولأنه من الصعب أن نعرف جيدًا ترتيب هذا الجحود ( من حيث نوع الهرطقة ) فسنعرض للترتيب الزمني، فأول من يقدم نفسه هو سابيليوس الليبي. فماذا يقول إذًا؟ يقول إن الآب والابن والروح القدس، هم مجرد أسماء لشخص واحد. أما ماركيون البنطي فيُعلِّم أن الله الذي خلق كل الأشياء، ليس هو الإله الصالح ولا هو أب للإبن، وإنما هو إله آخر عادل وقاس، كما أن الله الكلمة لم يأخذ جسدًا لأجلنا. بالنسبة لماركلوس وفوتينوس وصوفرنيوس فإنهم يقولون إن الكلمة هو مجرد طاقة، وهذه الطاقة سكنت في نسل داود (المسيح)، فهو ليس أقنومًا في الله. أما آريوس فبينما يقبل بوجود الابن، لكنه يقول إن الإبن مخلوق وأدني كثيرا من الآب. كما يزعم آخرون أن المسيح ليس له نفس إنسانية.

   أرأيت المركبات وهي مُجهَّزة؟ انظر إذًا لسقوطها، كيف يطرحها معًا في الحال بقوة وبضربة واحدة. كيف؟ يقول ” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا. الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله “. لقد سقط أيضا بولس الساموساطي وماركلوس وسابيليوس. فالكتاب يقول: «الذي إذ كان في صورة الله» فكيف تقول أيها الدنس انه اخذ وجوده من مريم وقبل ذلك لم يكن موجود؟ كيف تقول انه كان مجرد طاقة؟ فالرسول بولس يقول إن صورة الله، اخذ صورة عبد. فهل صورة العبد تُعد طاقة أم هي طبيعة العبد؟ بالتأكيد هي طبيعة العبد. هكذا أيضا فان صورة الله تعني طبيعة الله؛ وبالتالي فهي ليست طاقة[7]. انظروا أيضًا لقد سقط ماركلوس الغلاطي، وصوفرونيوس وفوتينوس.

   أرأيت ما قاله سابيليوس. فالرسول يقول: «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله». فالمساواة هنا أو المعادلة لا تقال عن شخص لذاته، لان المساواة والمعادلة تكون مع آخر. أرأيت أقنوم واحد لشخصين، ليس هناك أسماء علوية بدون وجود حقيقي لها. هل سمعت عن الوجود الأزلي للإبن وحيد الجنس؟

   فماذا نقول لآريوس، الذي يزعم أن الإبن هو من جوهر آخر؟ اخبرني الآن ماذا يعني قوله: ”اخذ صورة عبد “؟ يعني انه صار إنسانًا، وبناء عليه هو صورة الله، وهو الله، لان الصورة لازالت كما هي. فلو أن هذا حقيقي فهذا يعني أن ”صورة الله“ قد اخذ طبيعة الإنسان، هكذا أيضا صورة الله تعني انه من طبيعة الله. وليس ذلك فقط، بل أن المساواة مع الآب تؤكِّد، كما جاء بيوحنا أيضًا، انه ليس اقل من الآب على الإطلاق (يو1:1). لأنه يقول: «لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله». ولكن ماذا تعني أقوال الحكمة هذه؟ يقول: “إذ كان في صورة الله”، هذا يعني انه لم يختلس مساواته بالله. فكيف يكون له وهو الإله أن يختلس هذه المساواة؟

   وكيف يكون هذا الأمر غير مفهوم؟ كيف يستطيع أحد أن يقول إن فلان، وهو إنسان، قد إختلس طبيعته كإنسان؟ كيف سيقدر احد أن يختلس ما هو فيه؟ يقول هؤلاء الهراطقة إن الأمر ليس كذلك، ولكن المقصود انه إله أقل من الآب، وهو بهذه الصفة لم يختلس مساواته نحو الإله الأعظم منه. هل يوجد اله أعظم واله أقل؟! هل تدخل هذه العقائد الوثنية اليونانية إلى الكنيسة؟ فهؤلاء لديهم إله عظيم وإله أقل، ولست اعرف هل هذا لديكم أيضا، لأنه لا يوجد شيء من هذا على الإطلاق في الكتب المقدسة، وإنما نجد دائمًا الإله العظيم، وأما هذا الإله الأقل فلا وجود له على الإطلاق. فكيف يكون هناك إله يوصف بأنه أقل؟ فان كان بالنسبة للإنسان لا يوجد أقل وأكبر، بل طبيعة إنسانية واحدة، وإذا كان لا ينتمي إلي هذه الطبيعة الواحدة، فلن يكون إنسان، فكيف يوجد إله أقل وآخر أعظم؟ فمن ليس له الطبيعة الإلهية لا يكون الله، فدائمًا ما نجده يُلقّب في الكتاب المقدس ”بأنه عظيم“ «عظيم هو الرب وحميد جدًا»[8]. وهذا أيضًا ينسحب على الإبن، فدائمًا ما يُدعى بالرب: «لأنك عظيم أنت وصانع عجائب. أنت الله وحدك»، وأيضًا «عظيم هو الرب وحميد جدًا وليس لعظمته استقصاء»[9].

   فآريوس يتحدث عن: “إن الابن اقل من الآب ” أما الكتاب المقدس فيقول العكس، فكما أنه يتكلم عن الآب، هكذا أيضًا يتكلم عن الإبن. فاسمع إذًا إلى ما يقوله القديس بولس: «منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم»[10]. لكنه ربما يقول إن هذه الآية تتحدث عن ظهور الآب؟ لذلك أضاف إلى كلمة ”ظهور“ عبارة ”مجد الله العظيم“ لكي يقنعكم بالأكثر بمجده. إذًا هل ذكر الآب؟ مطلقًا، فتكملة الآية لا تشير إلى ذلك، إذ يقول «وظهور مجد الله العظيم، ومخلصنا يسوع المسيح». أرأيت أن الإبن أيضًا عظيمًا. فكيف تتكلم عن أقل وأعظم؟ اسمع أيضًا النبي حينما يدعوه «عجيبًا مشيرًا قديرًا»[11]. فهل هذا الإله المشير القدير ليس عظيمًا؟ هل الإله القدير هو إله اقل؟! إذًا فماذا  يعنى هؤلاء السفهاء بزعمهم انه برغم كونه أقل فهو إله؟ إنني أكرر ما يقولونه مرات عديدة، لكي تتجنّبوهم أكثر فأكثر. إذا كان إله أقل فإنه لا يمكنه أن يساوي نفسه بالإله الأعظم. ماذا إذًا، اخبرني فإن كان بحسب هؤلاء هو أقل، واقل جدًا في القوة بالنسبة للآب، فكيف يقدر أن يحسب نفسه مساويًا لله؟ فالطبيعة الأقل لا تستطيع أن تختلس ما هو أعلي منها. فالإنسان لا يستطيع أن يختلس مساواته للملاك في الطبيعة، ولا الحصان يقدر أن يختلس مساواته للإنسان في الطبيعة. ولكن بدون هذا الكلام سيقول ذاك المعترض، ما هو غرض بولس من طرح موضوع إتضاع الإبن؟ بالقطع هدفه أن يدفع أهل فيلبي نحو الإتضاع. ماذا يهدف إذًا من وراء عرضه لنموذج الإتضاع هذا؟ لأنه لا يوجد احد وهو يرغب في النصح بالإتضاع يقول: ليكن لك فكرًا أكثر تواضعًا من نظرائك، لان فلان العبد لا يقوم ضد سيده، فأفعل أنت هكذا على مثاله. ومع ذلك ربما يقول احد إن هذا ليس تعبيرًا عن الإتضاع وإنما عن الكبرياء. ينبغي إذًا أن تعرفوا ماذا يعني الإتضاع، أنتم يا من لديكم كبرياء الشياطين. إذًا ما هو الإتضاع؟ هو أن يحمل المرء فكرًا متضعًا، والذي يُمارس الإتضاع ليس مَن هو في وضع أدنى؛ أو هو مَن يمارسه عن إضطرار، بل من يضع نفسه بإرادته. سأشرح ما أقوله، ولكن انتبهوا، فحينما يكون لدى الشخص القدرة على أن يكون صاحب فكر متميز، ويتواضع، فهذا يُعد شخص متضع، ولكن حينما يتضع وهو لا يحمل  فكرًا متميزًا، فهذا لا يُعد متواضعًا. فالملك الذي يخضع لمرؤوسيه، يُعد متواضعًا، لأنه ينزل عن مكانته العالية بإرادته، ولكن إن حدث العكس وفعل المروؤس ذلك فإنه لا يُعد متواضعًا، لأنه لم ينزل من مكانة عالية. ولا يمكنه أن يتواضع، إلا إذا وصل إلى مكانة عالية وتنازل بإرادته عن هذه المكانة. فإن كان متضعًا عن إضطرار وبدون إرادته، فلن يكون هذا الإتضاع نابعًا من رغبته الخاصة، وإنما عن إضطرار. لأجل هذا كله فهو يُسمى تواضع، لأنه إتضاع للفكر.

   اخبرني إذا كان هناك شخص ما يريد إن يكون سيدًا على خاصته، ولم يكن له الحق في أن يطلب أكثر مما له، فهل نمتدح مثل هذا الشخص لأجل عدله؟ أبدًا، لماذا؟ لأن ما هو فيه بحسب وضعه قد حرمه من المديح الذي (كان يمكن أن) ينتج عن إختياره الحرّ. أيضًا إذا كان هناك شخص لا يستطيع أن يصير ملكًا متسلطًا، ولكنه ظل كما هو مواطن بسيط، فهل مثل هذا سنمتدحه بوصفه لا يتدخل في شئون الآخرين؟! بالطبع لا. فيجب أن نعي أن الإطراء لا يُعطي بسبب عدم ممارسة هذه الأعمال، بل بسبب القيام بالأعمال الصالحة. لان ذاك الذي لا يقوم بعمل إيجابي لا يُلام وإنما لا يُمتدح أيضًا فالمديح مستحق للآخر الذي يعمل الصلاح. لاحظوا إذًا أن المسيح له المجد يمدح بالأسلوب ذاته قائلا: «تعالوا يا مُبارَكي أبي، رثوا الملكوت المّعَّد لكُم منذ تأسيس العالم. لأني جُعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني»[12]. فهو لم يقل: لأنكم لستم طمَّاعين، ولستم خاطفين، فهذه أمور يسيرة، وإنما لأنكم رأيتموني جوعانًا فأطعمتموني. هل يا ترى هناك من سيمدح الأصدقاء أو حتى الأعداء بهذا الأسلوب؟ فلم يُمدح أحد هكذا، ولا حتى بولس نفسه، ولماذا أتكلم عن بولس؟ فانه ولا حتى الشخص العادي يُمدح هكذا، كما تمدح أنت المسيح[13]. لان الإنسان لا ينال المديح حين يكون غير مستحق له. فان أُعجبت بمثل هذه الأمور، فهذا برهان على شر كبير. لان الناس الأشرار لا يمدحون أي شخص، إلاّ إذا تحول مثلاً ذاك الذي كان يسرق قبلاً وصار لا يسرق، ولكن بين الصالحين فان الأمر ليس كذلك[14] فهل أي إنسان يأخذ شيئا لا يحق له، أو ينال كرامة، هي ليست له،  يُعد مستحقًا للمديح؟ هل هناك حماقة أكثر من ذلك؟

   أرجو أن تنتبهوا، فان الكلام كثير. مرة أخرى مَن يحث على التواضع في مثل هذه الأمور؟ يجب أن تكون الأمثلة اكبر بكثير من الحالة التي ننصح بها. مثلما فعل السيد المسيح الذي يطلب منا أن نفعل الخير نحو أعدائنا، وأعطى مثالاً عظيمًا على ذلك، بـأن الآب يشرق بشمسه على الأبرار والأشرار بدون تفرقة، ويُمطر على كل العادلين والظالمين. ولكي يحض على الوداعة أعطى نفسه مثالاً قائلاً: «تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب»[15]. كذلك أيضًا: «فان كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فماذا يجب عليكم انتم بالأحرى أن تفعلوا»[16]. أرأيت كيف انه يأتي بأمثلة ليست بعيدة عن موضوع تعليمه، هكذا نفعل نحن أيضًا.ومن ناحية أخرى فإن ما طرحه (الهراطقة)، يعتبره ق.بولس في هذه الحالة أمرًا غير مناسبًا، إذ أنه لو كان الإبن عبدًا فهو بالفعل أقل، وينبغي عليه أن يطيع الأعظم، إلا أنه في الحقيقة لا يُعد هذا تواضعًا، لأنه كان يجب عليه (أي بولس) في هذه الحالة أن يفعل العكس، أي أن يأتي بمثال الأعظم الذي يتضِّع ويطيع من هو أقل. إلا أن ق. بولس لأنه يرى الأمر مختلفًا في الحالة الإلهية، وليس هناك أعظم وأقل، فمن المؤكد أن ما قدمه يتعلق بالمساواة بين الآب والإبن في الجوهر.. فلو كان الإبن أقل من الآب، لما كان في مقدوره أن يحض على التواضع، لأنه ليس من التواضع عدم قيام الأقل ضد الأكبر، وعدم سلبه للسلطة، وإطاعته حتى الموت. 

   من جهة أخرى، لاحظوا ماذا يقول (ق. بولس) بعد المثال: «بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم» (في3:2). فهو يقول حاسبين، لأنه بالتأكيد وحسب الواقع فأنتم واحد، هكذا أنتم أيضًا بحسب الكرامة التي تنالونها من الله، فسلوككم تجاه بعضكم البعض ينبغي أن يقوم على الاحترام فيما بينكم، أما من جهة مَن هم أعلى ومن هم أقل فلن أقول “حاسبين”، بل أن تقِّدروا من هم أعلى منكم، هكذا نجده يقول في موضع آخر: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا»[17]. ففي هذه الحالة فإن الخضوع يأتي كنتيجة طبيعية، أما هنا (بين المتساوين) فينبغي أن يعتمد ذلك على اختيارنا نحن. هكذا يقول عن التواضع: «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم»[18]. تمامًا مثلما فعل المسيح له المجد. وفيما يتعلق بأقوال هؤلاء الهراطقة، فتكون قد قُوِّضَت، أما فيما يتعلق بما يخصنا نحن فيجب  علينا بعدما تناولت هؤلاء أولاً وبإختصار، أن نقول الآتي: فحينما يحض الرسول بولس على الإتضاع فهو لم يعط كمثال إطاعة الأدنى للأعلى. لأنه إن حث العبيد على طاعة أسيادهم فهذا له ما يبرره منطقيًا، ولكن إن كان يحث الأحرار على إطاعة من هم أحرارًا مثلهم، فلماذا يقدم خضوع العبد لسيده كمثال؟ وكذلك الصغير للكبير؟ فهو لم يقل ليخضع الأصغر للأكبر، ولكن أنتم الذين لكم كرامة متساوية مع الآخرين، اخضعوا، «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم». لماذا لم يُشر حتى إلى طاعة الزوجة لزوجها ويأخذها كمثال، قائلاً كما أن الزوجة تطيع زوجها، لذا يجب أن تطيعوا انتم أيضًا؟ فإن كان لم يقدم الشريك المساوي والحر، والذي فيه الخضوع شيء طفيف كمثال، فكيف له بالحري أن يقدم المثال الخاص بطاعة العبيد؟ لقد قلت قبل ذلك أن لا احد يُمتدح لأجل الامتناع عن الشر، ولا يُذكر هذا مطلقًا، ولا يمكن لأحد أن يقول إني أرغب في مدح شخص عفيف لأنه لم يزن، وإنما يُمتدح لتعففه حتى في حياته الزوجية. إذًا لم نُوصَ مطلقًا بمجرد البعد عن الشرور لان ذلك يثير السخرية[19].

   لقد قلت إن صورة العبد هي صورة حقيقية وليست ادني من الإنسان على الإطلاق، هكذا فإن صورة الله هي صورة كاملة وليست أدنى من الله. لماذا لم يقل: ”الذي صار في صورة الله“، وإنما قال: «الذي إذ كان»؟ هنا يعادل قوله «أهيه الذي أهيه»[20] أي (أنا هو الكائن). فإن “الصورة” تُظهر الأصل الذي يماثله، لأنها صورة له. فلا توجد كائنات ذات جوهر وتحمل صورة جوهر أخر مختلف عنها، فلا يوجد إنسان له صورة الملاك، كما انه لا يوجد حيوان له صورة الإنسان، إذًا كيف يكون هذا بالنسبة للابن؟ بعد ذلك فإنه بالنسبة لنا فلأننا من طبيعة مركبة فإن الصورة تلائم الجسد، أما بالنسبة للطبيعة البسيطة تمامًا وغير المركبة فإنها تلائم الجوهر. إن «الآب» يُذكر أحيانًا بدون أداة تعريف، وهذا ما نجده في مواضع كثيرة. ولماذا أقول في مواضع كثيرة؟ ففي نفس الآية مباشرة يقول: «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله» ولم يستخدم أداة التعريف في كلامه عن الآب، أي لم يقل “الله”. إنني أريد هنا أن أضيف أيضًا أشياء أخرى، ولكن أخشي أن أشوش أذهانكم. فلتتذكروا أولاً ما قيل لكم بخصوص دحض أفكار أولئك الهراطقة، فلنقتلع أولاً الأشواك، ثم بعد ذلك نبذر البذار الصالحة، بعدما نكون قد اقتلعنا الأشواك حتى تهدأ الأرض قليلاً، بعد نزع كل الشرور التي تأتي منها، لكي تقبلوا بعد ذلك البذار الإلهية وأنتم متمتعين بفضيلة كاملة.

   ولنقدم الشكر لله على كل هذه الكلمات، ولنعمل على حفظها لكي نفرح جميعًا، انتم ونحن أيضًا أما الهراطقة فيخزوا. لنتوسل إليه كي يعيننا لنكرز بالكلمة في المستقبل أيضًا، ولنضع أمامه كل أمورنا وغيرتنا في الحق حتى يباركها ويحفظها. لنتوسل إليه كي يعطينا حياة الإيمان، كي نحيا لنسبحه، وحتى لا يُجدّف على اسمه بسببنا. إذ يقول «لأنه يُجدف على اسمي دائمًا بسببكم بين الأمم».[21] هل هناك مَن هو أكثر محبة لدينا من إبننا؟ فان كان يُجدَّف علينا بسبب هذا الابن، فنحن نتبرأ منه، ونطرده، ولا نقبله، فكيف بالأحرى يفعل الله حينما يكون لديه عبيد جاحدين، يجدِّفون عليه ويجحدونه، ألا يتخلى عنهم ويبغضهم؟ وذاك الذي يبغضه الله ويتخلى عنه من سيقبله؟ لا أحد، فقط الشيطان أو الأرواح الشريرة. وهل هناك رجاء لخلاص ذاك الذي تتسلمه الأرواح الشريرة؟ وأي عزاء له في هذه الحياة؟ فعندما يشملنا الله بعنايته، لا يستطيع احد أن يخطفنا، فعنايته لنا هي عناية قوية، ولكننا نهلك حينما نفقد هذه العناية وهذه المعونة، ونكون عُرضه كي يخطفنا الجميع، «كحائط مُنقض، كجدار واقع»[22]. وحينما يكون الحائط ضعيف، فسيكون من السهل على الجميع تسلّقه.

   لا تظنوا إذًا أن ما هو مزمع أن أقوله قد قيل عن أورشليم فقط، وإنما ينسحب على كل إنسان. ماذا قيل عن أورشليم؟ «لأنْشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أكَمَةٍ خَصِبَةٍ فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَق،َ وَبَنَى بُرْجا فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أنْ يَصْنَعَ عِنَبا فَصَنَعَ عِنَبا رَدِيئا. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أيْضًا لِكَرْمِي وَأنَا لَمْ اصْنَعْهُ لَهُ؟. لِمَاذَا إذِ انْتَظَرْتُ أنْ يَصْنَعَ عِنَبا، صَنَعَ عِنَبا رَدِيئا؟ فَالآنَ أعَرِّفُكُمْ مَاذَا اصْنَعُ بِكَرْمِي. انْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. اهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. وَاجْعَلُهُ خَرَابا لا يُقْضَبُ وَلا يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأوصِي الْغَيْمَ أنْ لا يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرا. أنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إسْرَائِيلَ، وَغَرْسَ لَذَّتِهِ رِجَالُ يَهُوذَا. فَانْتَظَرَ حَقّا فَإذَا سَفْكُ دَمٍ وَعَدْلا فَإذَا صُرَاخٌ. »[23].

   هذا ما يقال عن الإنسان أيضًا. فالله محب البشر بعدما فعل كل شيء استوجب عمله، لم يجد ثمرا من الإنسان ، إذ أنه بعد كل ذلك قد أثمر أشواكا بدلا من الكروم، ومن اجل هذا سينزع السياج ويهدم الجدران وحينها سنكون غنيمة للجميع. اسمع ما يقوله نبي آخر  منتحبًا «فلماذا هدمت جدرانها فيقطفها كل عابري الطريق؟ يفسدها الخنزير من الوعر، ويرعاها وحش البرية»[24]. فمن ناحية نجده أولاً يتكلم عن الفارسيين والبابليين، أما هنا فلا يتكلم عن هؤلاء بشيء، وإنما عن الخنزير ووحش البرية أي الشيطان وقواته، لان سمته انه وحش ونجسً. فحينما يريد أن يظهر قدرته على الخطف يقول عنه: «كـاسد زائر، يجول ملتمسًا من يبتلعه»[25]. وحينما يُظهر سمومه وقتله ودماره، يدعوه حيّة وعقرب، فيقول: «لتدوسوا الحيّات والعقارب وكل قوة العدو»[26]. وحينما يبين قوته وسمومه، يدعوه تنينًا، فيقول «لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه»[27]. والكتاب يدعوه دائما تنين وحيَّة (لوياثان) وأفعى ملتوية. فالوحش إذًا له أشكال عديدة، ولديه قوة شديدة، فيحرك كل الأشياء، ويُثير فيها أضطراب، ويحولها في طريق معاكس.

   لكن لا تخافوا، ولا يسيطر عليكم الفزع، فقط اسهروا، وسيكون هذا الوحش كعصفور بالنسبة لكم، فقد قال «تدوسوا الحيات والعقارب»[28]. فأعطانا أن ندوسه بأقدامنا إذا أردنا. أرأيت إذًا مقدار السخرية وكم التعاسة، فالشيطان نراه يقف أعلى من رؤوسنا رغم إنه في مقدورنا أن ندوسه. فكيف نعطيه حجمًا أكبر من حجمه؟ إن ذلك يرجع إلى موقفنا نحن منه، فان شئنا نجعله عظيمًا، وان شئنا نجعله حقيرًا. فإن انتبهنا لأنفسنا وكنا مع ملكنا، فذاك يتلاشي وهو يسلك في حربه الموجهة إلينا، بطريقة لا تتجاوز سلوك طفل صغير. أما حينما نبتعد عن ملكنا، حينئذٍ يتمدد كثيرا ويزأر، ويصرّ بأسنانه، لأنه يجدنا بدون معيننا الأعظم، فضلاً عن انه لا يقترب إلينا بدون سماح من الله. فان كان لم يجرؤ أن يدخل في قطيع الخنازير، بدون سماح من الله، فكم بالأحرى يكون الأمر اضعف بالنسبة لدخوله في النفس البشرية. فالله قد يسمح بذلك حينما يؤدبنا أو يعاقبنا أو يجربنا أكثر، كما حدث مع أيوب. أرأيت أن ذاك لم يقترب إليه (أي لأيوب) ولا يجرؤ أن يقترب، إنما فقط يخيف ويرعب؟ ولماذا أتكلم عن أيوب؟ فحينما انقضّ الشيطان على يهوذا، لم يستطع أن يخطفه كليةً أو أن يدخل فيه؛ إلى أن عزله السيد المسيح من جماعة التلاميذ المقدسة. حينئذٍ تلقاه من الخارج، ولكنه لم يجرؤ أن يدخله. ولكن حينما رآه مقطوعًا من الجماعة المقدسة، هجم وانقضّ عليه بصورة أشر من انقضاض أي ذئب، ولم يتركه إلا بعدما أهلكه.

   هذه الأمور قد كُتبت لإرشادنا، فما هي الفائدة من أن نعرف أن واحدًا من الأثنى عشر تلميذا كان خائنًا؟ ما هو العائد وما هي المنفعة من وراء ذلك؟ أنها منفعة عظيمة، لأنه حينما نعلم لأي سبب يفكر ذاك (أي يهوذا) هذا الفكر المُهلك، نحترس نحن أيضًا فربما نرتكب نفس الأخطاء. إذا فلأي سبب اتخذ يهوذا هذا القرار؟ بسبب محبة الفضة، لقد كان سارقًا، سلّم الرب لأجل ثلاثين من الفضة. هكذا كان ثملاً من شهوته، فسلّم خالق الكون لأجل ثلاثين من الفضة، فهل هناك ما هو أسوأ من هذا الجنون؟ فذاك الذي لا يعادله شيء، والذي أمامه تُعد كل الأمم لا شيء، يسلّمه بثلاثين من الفضة. فطغيان محبة المال ثقيل ومفزع، ويغيّر النفس، فما تحدثه محبة المال من هذيان هو أكثر بكثير من السُكر، بل ومن الجنون.

   إذًا لماذا يحدث ذلك ؟أخبرني. فإن كان قد دعاك وأنت بلا قيمة وغير معروف، وقَبِلَك كواحد من تلاميذه الاثني عشر، وسلّمك تعاليمه، ووعدك بخيرات لا تُحصى، وجعلك تصنع آيات، وأخذت مكانًا كالباقين في نفس المائدة، وفي نفس المسيرة، وفي أحاديثه، وتجمعاته وفي كل شيء. ألم تكن كل هذه الأمور كافية أن تمنعك؟ فلأي سبب سلّمته؟ أيها الشرير بأي شيء تستطيع أن تتهمه ؟ وما هو الخير الذي منعه عنك؟ لقد كان يعرف فكرك ومع هذا لم يتوقف عن تقديم ما لديه. لقد كرر قائلا: «إن واحدًا منكم يسلّمني»[29]. لقد كان كثيرًا ما يميزك، وكان يصفح عنك، وبينما كان يعرف انك هكذا، إلا انه لم يبعدك عن جماعة التلاميذ، لقد أبقاك معه، وكان يحبك كتلميذ حقيقي من الاثني عشر. وفي نهاية الأمر، اخذ منشفة بيديه الطاهرتين وغسل رجليك الدنستين، ولم يمنعك هذا أيضًا عن تسليمه. لقد سرقت تقدمات الفقراء، وقد احتمل هذه أيضًا، حتى لا تصل إلى شرٍ أعظم. ولكن لا شيء قد أقنعك، فإنك حتى وإن كنت بالحقيقة وَحْش، أو حَجَر، كان يجب أن يتغير سلوكك نحوه بسبب حسن الصنيع معك، أو بسبب ما صنعه من الآيات والتعاليم؟ وبالرغم من قسوتك فقد ظل يدعوك، وبآياته العجيبة كان يهدي من هو اقل إحساسًا من الأحجار. أما أنت فلم تغيِّرك أي من تلك الأمور، إلي ما هو أفضل.

   ربما تتعجبون لتلك الحماقة التي للخائن. فخافوا إذًا من أن يصيبكم ذلك الجرح. لقد صار هكذا بسبب محبته للفضة، وبسبب عشقه للمال. فلنقطع هذه الشهوة تمامًا، لأنها تلد تلك الأمراض، وتنزع عنا الوقار، وتبعدنا عن معرفة الله، بالرغم من انه يقدم لنا خيرات لا تحصى. أترجاكم أن تقطعوا هذه الشهوة تماما، فهي ليست من الشهوات البسيطة، فلها من القوة أن تلد ميتات كثيرة. لقد شاهدنا ذلك الألم، فلنخف ربما نقع نحن أيضًا في نفس الشهوات. والتحذير من تلك الشهوة قد ذكره كل الإنجيليين لأجل إرشادنا، حتى لا نتأذى بسبب هذه الشهوة. لنهرب بعيدًا عنها فليست محبة المال هي فقط الرغبة في اقتناء المزيد منه، وإنما هي في مجرد الأسر لشهوة المال. إنه الحب الردئ للمال أن نطلب أكثر من احتياجنا. فلربما يكون بريق الفضة حينئذٍ هو الذي أقنع الخائن أن يُقْدِم على ما أقدم عليه، لقد سلّم الرب مقابل ثلاثين من الفضة. فلتتذكروا إذًا حينما كنت أقول لكم قبل هذا، أن البرهان على الطمع لا يكون حين ينال احد الكثير، بل حتى حين ينال القليل. انظروا كم الشر العظيم الذي سببته هذه الشهوة لأجل قطع قليلة من الفضة.

   من غير الممكن على الإطلاق أن يرى وجه المسيح، من هو مأسور بشهوة المال، انه شر بالنسبة للضعفاء من البشر، انه أصل كل الشرور. فان كان من يحوز أي نوع من الشرور، يسقط من مجده، فأين سيقف ذاك المسبي من أصل كل الشرور؟ لن يستطيع مَن هو عبد للمال، أن يكون عبدًا حقيقيًا للمسيح. فالسيد المسيح نفسه أوضح استحالة حدوث هذا الأمر. فهو يقول: «لا تقدرون أن تخدموا الله والمال»[30]. وأيضًا «لا يقدر أحد أن يخدم سيدين». لان كلٍ منهما يأمر بخلاف الآخر. فالرب يسوع يطلب أن نهتم بالفقراء، بينما محبة المال تجعلنا نسلب حتى ما يخص هؤلاء الفقراء! السيد المسيح يطلب أن تترك مالك، أما محبة المال فتدفعك أن تأخذ ما ليس لك.

   أرأيت كيف أنهما متضادين (الله والمال)، أرأيت أين هي الحرب؟ كيف انه لا يستطيع أحد أن يطيع الاثنين معا، وإنما لابد أن يحتقر أحدهما؟ أم أنه ليس هناك حاجة للكلام؟ ألا نري هذا في الواقع، فالمسيح يُهان، والمال يُقدّر؟ أرأيتم كيف أن وقع حديثي عليكم ثقيل؟، فكم بالأحرى يكون سلوكنا نحن الذين أبدلنا محبتنا لله بمحبة المال؟ إلا أننا لا نشعر بهذا في الواقع، لأن الشهوة قد تملكتنا. فإن كانت النفس لديها الآن قليل من النقاوة ومُتحررة من هذه الشهوة، فيمكنها أن تحكم على الأشياء بصورة صحيحة، ولكن حينما تكون تحت سيطرة هذا المرض وهذه الشهوة، فلا تستطيع أن تقيِّم الأمور بمعيار نقي، ولا يكون حكمها صائبًا. هكذا يقول رب المجد: «كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله، لا يقدر أن يكون لي تلميذًا»[31]. أما محبة المال فتطلب أن تخطف الخبز من الجائع. المسيح يطلب أن تكسو العريان، أما شهوة المال فتدفعك لأن تجرِّد العريان. المسيح يقول لا تحتقر أقرباءك، بينما محبة المال تُلزمك بألا ترحم أقرباءك، بل وأن تحتقر أمك وأبيك كلما رأيتهما، ولماذا أتحدث عن الأب والأم، فهذه المحبة التي للمال تدمر حتى نفسك أيضًا، ومع ذلك فهي تُطاع!! يا للأسف فان تلك التي تأمر بالقساوة والغضب والأشياء الوحشية يُسمع لها أكثر من ذاك الذي ينصح بالأمور المختصة بالرحمة والخلاص! لأجل هذا وُجدَتْ جهنم والنار، والدود الذي لا يموت في الجحيم.

 

   إنني اعرف أن الكثيرين لا يسمعون لهذه الأمور التي أتكلم عنها، وهم راضون. وأنا أيضًا لا أقولها راضيا. ولكن ما هي الضرورة لكي أقول هذا؟ أردت أن أكلمكم بصورة دائمة عن ملكوت السموات، وعن مياه الراحة، وعن مكان الخضرة. كما يقول المرنم: «في مراعٍ خضر يربضني إلى مياه الراحة يوردني»[32]. أردت أن أتكلم عن الموضع، الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد[33]. أردت أن أتحدث عن الفرح الذي يأتي من الوجود مع المسيح، وان كان هذا الوجود بالطبع يتجاوز كل كلام وكل فكر. حقا لقد أردتْ أن أتكلم عن هذا بقدر ما استطيع. ولكن ماذا أستطيع أن افعل؟ لا يمكن للمصاب بحمي، ويوجد في حالة مرضية سيئة أن يتكلم عن المُلك، إذ يحتاج أولاً أن يتكلم عن الصحة. ولا يمكن لمن ينتظر المحاكمة أن يتكلم عن التكريم، لأن ما يرغب فيه هو أن يتخلص أولاً من الحكم والقصاص والعقوبة، لأجل هذا أتكلم عن هذه الأمور باستمرار، كي نأتي إلى الملكوت. ولذلك ينذرنا الله بالجحيم، كي لا يقع احد منا فيه ولكي نفوز جميعنا بملكوت الله. ونحن أيضًا لأجل هذا نذَّكر دائمًا بالجحيم، فحينما نليِّن عقولكم بالخوف، ندفعكم نحو ملكوت الله، ونُعدَّكم أن تعملوا لكي تستحقوا الدخول إلى ملكوت الله.

 

   لا تغضبوا إذًا بسبب هذه الكلمات الثقيلة، لأن هذه الكلمات الثقيلة هي اخف علينا من خطايا النفس. كذلك فان الحديد ثقيل والمطرقة ثقيلة، ولكنهما يصنعان آنية من الذهب والفضة سهلة الاستخدام، وهي أيضًا تُصلح الأشياء التي فسدت، فان لم تكن ثقيلة لما كان بمقدورها أن تُصلح المادة المحتاجة لإصلاح. هكذا أيضًا فإن كلامنا الثقيل يمكن أن يهذِّب النفس. فلا نتهرب إذًا من الكلمات الثقيلة، ولا مما تسببه من ألم، فهذا الألم يحقق إصلاح النفس ولا يؤدي إلى هلاكها. إننا بنعمة الله نعرف كيف نطرق، كيف نُؤلم، حتى لا نحطم الإناء، بل نُعّده ونُصلحه كي نجعله طيِّع لسيده، لنقدمه أكثر إشراقًا، صحيحًا وحسنًا من جهة كماله في ذلك اليوم الذي فيه سيجري نهر النار. لنقدمه بدون حاجة إلى النار الموجودة هناك. لأننا إن لم نختبركم هنا بالنار، فمن المؤكد إنها ستمتحنكم هناك، ولا يمكن أن يحدث شيء آخر مختلف عن ذلك، «لان اليوم (يوم الرب) سيبيّنه. لأنه بنار يُستعلن»[34]. فانه من الأفضل لكم أن تلتهبوا قليلاً بكلماتنا، على أن يتم ذلك بصورة مستمرة في لهيب جهنم. لأنه من الواضح أن هذا سيحدث، وقد قلت لكم ذلك في مرات عديدة بتقديرات ليست محل شك. إن اقتناعنا ينبغي أن يكون مبنيًا على الكتب المقدسة، ولكن لأن البعض يثيرون الشغب فقد أتينا بحجج عقلانية كثيرة. ولا يوجد ما يمنعني الآن من تكرار ذلك لهم.

 

   الله عادل والكل يعترف بذلك، اليونانيون، واليهود، والهراطقة، والمسيحيون. ولكن هناك كثيرون ممن أخطأوا ورحلوا دون عقاب، وآخرون من عاشوا بإستقامة قد رحلوا بعدما قاسوا الكثير من الآلام. إذًا فإن كان الله عادلاً، ولم يكن هناك جحيم ولا  قيامة، فهؤلاء أين سيدانوا بالعقاب، وأولئك الذين عملوا الصلاح أين سيكافأون، فليتذكّر هؤلاء على الدوام وتتذكروا أنتم أيضًا، وهذا الأمر بحد ذاته لن يترككم أبدًا أن تتشككوا في القيامة. فإن من يؤمن بالقيامة، سيجتهد أن يعيش بكل حرص، حتى يفوز بالخيرات الأبدية، ويا ليتنا جميعا ننالها، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح والذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والقوة والعزة، الآن وكل أوان والي دهر الدهور أمين.

 

+ + + + + + +

   

[1]  في5:2ـ8.

[2]  مت12:5.

[3]  يو20:15.

[4]  مت29:11.

[5]  لو36:6.

[6]  2كو9:8.

[7] كلمة “الصورة” Μορφ» / Morphé دائمًا ما تدلل بصورة حقيقية وكاملة عن الكينونة أو الجوهر. ولذلك فإن “الصورة” لا تأتي كمقابل (تضاد) “للجوهر” بل هي تخرج من هذا الجوهر. و”صورة الله” والتي فيها المسيح كائن، كما كان أيضًا، لا تعني فقط صورة بل طريقة أو إسلوب الوجود الإلهي. تمامًا مثلما نقول “صورة عبد” فهو شكل أو طريقة كينونة أو وجود هذا العبد. وهكذا أيضًا كلمة “الهيئة” Schéma / Σχ»μα حينما يقول الكتاب: “وُجد في الهيئة كإنسان” (في8:2) فهي لا تعني فقط إنه يأخذ هيئة أو شكل الإنسان ولكنه بالحقيقة صار إنسانًا، “الكلمة صار جسدًا” (يو14:1) و “أطاع حتى الموت” (في8:2). فصورة العبد تدلل ليس فقط على إنه شكل أو مظهر خارجي يخالف طبيعته، بل إنه هذه الطبيعة ذاتها.

[8]  مز 48 : 1

[9]  مز10:86 ،3:145

[10] تي13:2

[11] اش6:9

[12] مت 34:25ـ35 .

[13] الكلام هنا موجه للهراطقة الذين ظنوا أن الابن أدنى من الآب.

[14] أنظر أف28:4.

[15] مت29:11.

[16] يو14:13.

[17]عب 13 :17.

[18] أي ليعتبر كل واحد منكم أن الآخر يفوقه.

[19] أي أن المدح هنا ينصَّب على العمل الإيجابي، وليس مجرد البعد عن الشرور.

[20] خر14:3.

[21] إش5:52 س.

[22] مز3:62.

[23]  إش1:5ـ7.

[24]  مز12:80، 13.

[25] 1بط8:5 .

[26]  لو19:10 .

[27]  مز26:104.

[28] لو19:10.

[29] مت21:26.

[30] مت24:6.

[31]  لو33:14 انظر أيضًا أش 58 : 7 .

[32]  مز2:23.

[33] أنظر أوشية الراقدين.

[34] 1كو13:3.

 

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة السادسة

 

فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا[1].

 

لا يوجد شئ أفضل، ولا أكثر حنوًا من معلّم روحي يفوق عطفه على حنو الأب الطبيعي. لاحظوا إذًا التضّرع الذي يتوّجه به المطّوب بولس للفيلبيين لأجل فائدتهم. فماذا يقول إذًا، وهو يحثهم على الوئام فيما بينهم؛ والذي هو علّة كل الأمور الصالحة؟ انظروا كيف يتحدّث بإصرار وقوة وأيضًا بكثير من العطف. ” إن كان وعظ ما في المسيح “، أى أنه يقول إن كانت تعزية ما فهى في المسيح. وكأنه يقول، إن كان لديكم ما تقولونه عني، وإن كنتم تهتمون بي، وإن كنتم قد نلتم إحسانات مني، إذًا فافعلوا هذا (في المسيح). بهذه الطريقة نحن نُعبّر عن رغبتنا حين نطلب شيئًا أن نفضلّه عن باقي الأشياء الأخرى، لأننا إن لم نفضلّه عن كل الأشياء، فلن ننال المجازاة في هذا الشئ عوضًا عن باقي الأشياء، كما أننا لن نستطيع أن نقول أن كل الأشياء الأخرى تتحقق في هذا الشيء.

إذًا فنحن نذّكر بالحقوق المرتبطة بالجسد. فعلى سبيل المثال لو قال أب (لإبنه) إن كنت ما زلت تحتفظ بأي تقدير لأبيك، وإن كنت مازلت تذكر تربيتي الحسنة لك، إن كنت ترى أنه ينبغي عليك أن تُظهر بعض المحبة نحوي، إن كنت تتذّكر الحنو والعطف الذي نلته على يدي، فلا تصنع عداوة مع أخيك، هذا ما أطلبه كمقابل لكل ما قدّمته لك. ولكن القديس بولس لا يسلك بهذه الطريقة، فلا يذّكر بأية حقوق جسدّية، وإنما بالمطالب الروحية. فما يقوله هو إن أردتم أن تعزّوني في الأوقات الصعبة التي أجتازها وأن أتشجّع في المسيح، إن كنتم تريدون أن تمنحونني عزاءًا بسبب حبكم ليَّ، وأن تظهروا شركة في الروح القدس، وإن كانت لديكم مشاعر رأفة وحنو، فتتمموا فرحي. ” إن كانت أحشاء ورأفة “. مشاعر المحبة هذه كما يقول تأتي من خلال وحدة الفكر بين التلاميذ. فالقديس بولس يبيّن أن هناك خطر عظيم، في فقدان التوافق فيما بينهم. فيقول إن كان من الممكن أن أنال راحة بواسطتكم، أو أحصل على عزاء بسبب محبتكم، وأكون معكم في شركة الرب والروح القدس، وإن كان ممكنًا أن تقدّموا لي عاطفة ورأفة، فإن تعويض كل هذه الأمور يأتي من خلال محبتكم، كل هذه الأشياء يمكن أن أنالها إن كان لديكم محبة لبعضكم البعض. ” تمموا فرحي ” لاحظوا كيف أنه لكي لا يبيّن أن وصيته تتجه إلى الضعفاء من المؤمنين، يقول ” تمموا  فرحي” وليس اجعلوني أفرح، أي أنكم بدأتم هذا الغرس في داخلي، وبالتالي أشعرتموني بالسلام، ولكنني أرغب في البلوغ إلى كماله. أخبرني ماذا تريد؟ هل تريد أن نحررك من المخاطر؟ أو أن نمنحك شيئًا ما؟ يجيب لا شئ من هذه الأمور، وإنما ” حتى تفتكروا فكرًا واحدًا، ولكم محبة واحدة ” وهى التي بدأتموها، ” بنفس واحدة مفتكرين شيئًا واحدًا “. يا للعجب كم مرة يعلن ق. بولس عن رغبته في هذا الأمر أي الفكر الواحد، ذلك لأن عبارة “فكرًا واحدًا” تفوق عبارة ” نفس الفكر”.

ولكم محبة واحدة ” أي أن المطلوب ليس هو فقط الأمور التي تختص بالإيمان، وإنما أيضًا الأمور الأخرى. لأنه من الممكن أن يكون لدينا نفس الفكر ولا يكون بيننا محبة. ” ولكم محبة واحدة “، أى بهذه الطريقة: أن تُحِبوا وأن تُحَبوا. فلا ينبغي أن تتمتّع بمحبة كبيرة من قِبل الآخرين، وتُظهر أنت محبة أقل، فتكون طماعًا أيضًا من جهة المحبة، فلا تُحمّل نفسك هذا الألم.

بنفس واحدة” لا يمكن أن يكون الجميع معًا بحسب الجوهر بنفس واحدة لأن ذلك مستحيل، لكن ما يمكن تحقيقه في الواقع هو أن يكون الجميع “بنفس واحدة” في الرغبة والرأي. لقد شرح معنى “بنفس واحدة” فقال “مفتكرين شيئًا واحدًا “، ليكن الفكر واحدًا كما أن النفس واحدة. ” لا شيئًا بتحزب “. فهو يقدّر ذلك الأمر ويُحدّد الطريقة التي بواسطتها يتم تحقيق هذا الأمر. ” لا شيئًا بتحزّب أو بعُجب ” وهو ما أتكلّم عنه دائمًا إذ أن التحزّب هو سبب كل الشرور. ومنه تأتي المصادمات والنزاعات، وأيضًا الحسد والخصام، وبرودة المحبة. أعني أن ذلك يحدث حينما تكون لدينا رغبة شديدة في المجد الذي يأتي من الناس، حينما نكون عبيدًا للكرامة التي ننالها من الآخرين. لأنه لا يمكن لأحد أن يكون عبدًا حقيقيًا لله وهو في نفس الوقت عبد للكرامة. قد يقول أحد إذًا كيف سنتجنب الزهو؟ لأنك حتى الآن لم تقل لنا الطريقة. فلنسمع المطوب بولس حينما يقول: ” بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم ” يا للعجب! فبأية طريقة قد أظهر رأيه المملوء من الحكمة والذي يقودنا إلى التحرّر التام؟ فهو يقول إن كنت تعتبر أن الآخر أعظم منك وتقبل هذا، ليس بالقول فقط وإنما بالفعل، فستمنحه كرامة تليق به. فإن كنت تعطي كرامة للآخر، فلن تغتاظ حينما تراه يُكرّم من الآخرين. فلا تعتقد إذًا أنه مجرد شخص أعظم منك، وإنما هو يفوقك، وهو ما يعني السمو الفائق، وحينما تراه يُكرّم لا تندهش ولا تحزن، وإن كان سلوكه نحوك فيه احتقار فاصبر بشجاعة، لأنك قد اعتبرته أفضل منك، فإن أهانك فلتتسامح معه وإن أساء إليك فاصبر بدون احتجاج. فإن النفس حينما تتيّقن مرة واحدة أن الآخر هو أعظم شأنًا، لا تغضب إذا لقيت منه معاملة سيئة، وأيضًا لا تلجأ إلى الحسد. فلا أحد يستطيع أن يحسد هؤلاء المتميّزون بدرجة كبيرة عن الآخرين، لأن كل الأمور لديهم هى مثال للتفوق. هكذا يتعلّم الآخر أن يسلك بنفس الأسلوب. فحينما ينال ذاك تلك الكرامة العظيمة فسوف يسلك هو أيضًا نحوك بطريقة مماثلة لسلوكك نحوه، وهذا يعني أن هناك سياجان من التسامح. فأنت تعتبر ذاك أنه مستحق للكرامة، وهو يعتبرك كذلك أيضًا. وبهذا تصير كل الأمور في سلام. لأنه إن كان ما يحدث بواسطة الواحد يستطيع أن يحّل كل النزاعات، فمن سيقدر أن ينزع هذا الأمان حين يصير من الاثنين، بل إن الشيطان ذاته لا يستطيع أن يصنع هذا لأن الحصن سيكون قوي ومتين، ثلاث وأربع مرات أكثر قوة، بل وأكثر بكثير من ذلك.

إذًا فالتواضع هو سبب كل الخيرات. ولكي تدرك ما أقوله، أصغ لقول النبي: ” لأنك لا تُسر بذبيحة وإلاّ فكنت أقدمها. بمحرقة لا ترضي. ذبائح الله هى روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره”[2]. ليس المطلوب إذًا مجرد الاتضاع، وإنما المطلوب هو الاتضاع الشديد. فكما يحدث في حالة الأبدان فإن الجسد الواهن لا يقاوم نظيره القوي، وإنما سيقاوم آلامه أولاً، مفضلاً ذلك على مهاجمة الآخر، هكذا أيضًا فإن النفس ستختار أن تعاني الآلام والموت وتكون في أمان مفضلّة ذلك على أن تقاوم غيرها. فإلى أي مدى سنرتفع بزهو مزّيف؟ مثلما نضحك حينما نرى الأطفال يجمعون كل قواهم كي يثبوا إلى أعلى أو حينما يرفعون حجرًا ويقذفونه، هكذا أيضًا فإن الكبرياء يُعد تفكير طفولي وغير منطقي.    ” لماذا يتكبّر التراب والرماد[3]. لما تتكبّر أيها الإنسان؟ وما هى الفائدة من ذلك؟ أخبرني لأي سبب تتكبّر على نظرائك؟ ألا تشترك في نفس الطبيعة؟ ألا تمتلك نفس الروح؟ ألم يعطك الله نفس الكرامة؟ إن كنت حكيمًا فيجب عليك أن تشكر الله على ذلك لا أن تتكّبر. إن الزهو هو بداية الجحود، لأنه يمحو عطية الإحسان. لأن مَن يزهو بنفسه، يفتخر كمَن حقق شيئًا وحده، ولكن مَن يعتقد أنه حقق شيئًا، هو جاحد أمام من منحه هذه القدرة. هل لديك شئ صالح؟! فلتعترف بالفضل لِمْن وهبك هذا الصلاح. استمع لما يقوله يوسف ودانيال. فحينما دُعي يوسف من قِبَل فرعون مصر، سأله أمام كل الشعب كيّ يَعْلَم عن الأمر (حلم فرعون) الذي لأجله اجتمع كل المصريين، والذين كانوا أقدر منه بالنسبة لهذه الأمور، وكان بإمكانه أن يتباهى أمام هذا الجمع، وأن يظهر أنه أكثر حكمة من المنجمّين والعرّافين والمشّعوذين والسَّحرة وكل فلاسفة ذلك العصر، وأكثر حكمة من الأسرى والعبيد، وبالرغم من كونه صغيرًا، إلاّ أن المجد كان أعظم، لأنه لم يكن هناك ما يساوي هذا الأمر في بهائه، وبالرغم من فقدان الرجاء بسبب طول الانتظار، إلاّ أن هذا جعل الأمر أكثر إبهارًا، فماذا قال حينما حضر أمام فرعون؟ هل قال نعم أعرف؟ لنرى ماذا قال؟ فعلى الرغم من أن أحدًا لم يراجع ما يقول، إلاّ أنه يتكلَّم بمشاعر إعطاء الفضل لذويه قائلاً: ” أليست لله التعابير “؟[4]. انظر كيف أنه أعطى المجد لله، لذلك مجده الله. وهذا ليس أمرًا يسيرًا، فإعلان يوسف أن الله (هو مُتمم العمل) هو أعظم من نجاح يوسف ذاته في العمل. وهو بهذا المسلك أضفى الثقة على ما يقوله، وهذا برهان عظيم على مدى عشرته مع الله. فلا يوجد شئ أفضل من عشرة الإنسان مع الله. اسمع ما يقوله الكتاب ” لأنه إن كان (ابرآم) قد تبّرر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدى الله [5]. فالذي تُغفر خطاياه بسبب محبة الله له ونعمته عليه يحق له أن يفتخر بالرب، كما أن من يعمل يمكنه أن يفتخر بأعماله، لكن هذا الفخر ينصرف إلى فعله هو وليس إلى عمل الله. وهذا هو برهان ضعفنا أننا لا ننسب العمل لله أما يوسف ذاك الذي نال حكمة إلهية، ألا يكون بالأحرى مثار إعجاب؟ فهو يمجّد الله، وينال مجدًا من الله أيضًا. حسبما يقول الكتاب ” فإني أُكرم الذين يكرمونني [6].

هكذا أيضًا الذي أنحدر من نسل يوسف، أي دانيال، والذي لا يوجد أحكم منه، حيث يقول النبي “ها أنت أحكم من دانيال! “[7]. لقد كان دانيال أحكم الحكماء الموجودون في بابل، وأيضًا من العرّافين والمنجمّين والسَّحرة وكل الفلاسفة، والذين لم يدانوا فقط، وإنما أبيدوا أيضًا، حيث كانت إبادتهم دليل على أنهم خدعوا الملك سابقًا، وحينما حضر دانيال وشرع في حل تساؤل الملك، لا نجده قد افتخر، وإنما نسب كل شئ أولاً إلى الله فيقول ” أما أنا فلم يُكشف لي هذا السر لحكمة فيّ أكثر من كل الأحياء [8]. حينئذٍ خرَّ الملك على وجهه وسجد لدانيال، وأمر بأن يقدّموا له تقدّمة. أرأيت هذا الاتضاع؟ أرأيت ذلك الاعتراف بالفضل وهذا الوقار؟ أيضًا لنسمع الرسل حينما يقولون ذات مرة ” لماذا تشخصون إلينا، كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي ؟”[9] ومرة أخرى يقولون ” نحن أيضًا بشر تحت آلام مثلكم “[10]. فإن كان هؤلاء الرجال هم هكذا وقد رفضوا أية كرامة تُنسب إليهم، وهم الذين بسبب اتضاع وقّوة الرّب يسوع قد عملوا أعمالاً جاء وصفها بحسب قوله ” من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا ويعمل أعظم منها[11]، فكيف لا نرفض نحن التعساء والضعفاء تلك الكرامة، نحن الذين لا نستطيع أن نطرد حتى البعوض، وبالأكثر لا نستطيع طرد الشياطين؟ نحن الذين لسنا في موضع أن نفيد إنسانًا واحدًا، فنحن أقل من جميع الناس، ومع ذلك نفتخر جدًا وبصورة لا يُقِدم عليها الشيطان ذاته؟

فليس هناك ما هو غريب عن الروح المسيحية أكثر من الكبرياء، إنني أتكلّم عن الكبرياء، وليس عن الشجاعة أو الشهامة، إذ أنهما يتوافقان مع الروح المسيحية. فهذا شئ وذاك شئ آخر. فالتواضع شئ والدناءة شئ آخر، والنفاق شئ واللطف شئ آخر. فإن شئتم فسأعطيكم أمثلة لكل هذا. يتضّح لي أن هذه التباينات تجاور الواحدة منها الأخرى، كما في حالة الزوان والحنطة والأشواك والورود. إن الأطفال هم الذين يمكن خداعهم بسهولة، أما الرجال ذو الخبرة في الفلاحة الروحية، فيعرفون أن يميّزوا بين ما هو جيد حقًا وبين ما هو سيئ. إذًا لنتقّدم ونعطي أمثلة من الكتاب المقدس لبعض أشخاص اتصفت تصرفاتهم ـ بالتملّق أو الخسّة، أو اللطف. فإن صبيًا قد تملَّق داود وأساء إلي سمعة سيده[12]، وبالأكثر قد فعل أخيتوفل مع أبشالوم[13]. أما داود فلم يكن كذلك، وإنما كان متضعًا. والباقين كانوا منافقين، فعلى سبيل المثال نجدهم يقولون: ” عش أيها الملك إلى الأبد[14].

السحرة هم أيضًا بطريقة ما متملقين. كذلك سنجد في سفر أعمال الرسل كثيرًا من المواقف المشابهة، حينما تَحَاوَر بولس الرسول مع اليهود، ولكنه لم يتحاور بتملّق وإنما بتواضع، وهو يعرف أيضًا أن يتكلّم بشجاعة، ويتضّح هذا من قوله: ” أيها الرجال الأخوة، مع أنى لم أفعل شيئًا ضد الشعب، أو عوائد الآباء، أُسلمت مقيدًا من أورشليم[15]. فهذه الكلمات تعبّر عن إتضاعه، واسمع كيف يوبخّهم بالكلمات التالية ” أنه حسنًا كلّم الروح القدس آباءنا، ستسمعون سمعًا ولا تفهمون، وستنظرون نظرًا ولا تبصرون “[16]. أرأيت هذه الشجاعة؟ لننظر أيضًا لشجاعة يوحنا المعمدان والتي أظهرها أمام هيرودس قائلاً له: ” لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك (فيلبس) [17]. فهذه شجاعة ورجولة. وهي ليست كتلك التي كانت في حالة شمعي حينما قال:     ” اخرج يا رجل الدماء[18]، حتى وإن كان قد تكلّم هو أيضًا بشجاعة. إنما هذه ليست شجاعة، وإنما وقاحة وإهانة ولسان بذئ. هكذا سبّت إيزابل ياهو قائلة: ” قاتل سيده[19]. فهذه كانت وقاحة وليست شجاعة. لقد وبخّ إيليا أيضًا (أخاب) ولكن هذه كانت شجاعة وإقدام: ” لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك[20]. مرة أخرى فإن إيليا قد تكلّم بشجاعة إلى جميع الشعب قائلاً: ” حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟[21]. هكذا فإن التوبيخ هنا كان شجاعة وإقدام، وهذا ما فعله الأنبياء، أما الحالات الأخرى فكانت وقاحة.

أتريد أن ترى كلمات الاتضاع وليس النفاق؟ اسمع ما يقوله ق. بولس ” وأما أنا فأقل شئ عندي أن يُحكم فيّ منكم، أو من يوم بشرٍ. بل لست أحكم في نفسي أيضًا. فإني لست أشعر بشئ في ذاتي. لكنني لست بذلك مُبررًا[22]. هذه هى الروح التي تناسب الإنسان المسيحي. مرة أخرى يقول: ” أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يُحاكَمَ عند الظالمين، وليس عند القديسين؟ “[23]. أتريد أن ترى تملّق اليهود قليلي العقل؟ اسمع ما يقولونه: ” ليس لنا ملك إلاّ قيصر[24]. أتريد أن ترى الاتضاع؟ اسمع مرة أخرى ق. بولس حينما يقول: ” فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع[25]. أتريد أن ترى وقاحة وتملّق؟ فانظر وقاحة نابال وتملّق الزّيفيّون[26]. فقد أخبروا عن داود. أتريد أن ترى حكمةً، وليس تملقًا، فأنظر إلى تلك التي لداود، كيف أن شاول كان في متناول يده ولكنه لم يضّره؟ أتريد أن ترى تملّقًا؟ أنظر إلى هؤلاء الذين قتلوا مفيبوشث، والذين قد أماتهم داود.[27]

خلاصة القول نقول بصفة عامة إن الوقاحة تحدث، حينما ينفعل أحد غاضبًا ويسُّب لأجل موقف لا يتناسب وفعله هذا، أو حينما ينتقم لنفسه أو حينما يكون متهورًا بلا سبب. أما الشجاعة والإقدام تكون حينما يتعرَّض أحد لمخاطر عظيمة ويقدم حياته شهادة للحق، بلا محاباة ودون النظر إلى الآخر، سواء كان صديقًا أم عدوًا، لأجل أن يكون مرضيًا أمام الله. من ناحية أخرى فإن التملّق والخسّة يكونان حينما يُقْدِم شخص على خدمة الناس لا لأجل شئ من الأمور الهامة المختصة بالحياة الأبدية، وإنما بهدف اكتساب أشياء خاصة بهذه الحياة الحاضرة، أما التواضع فيكون حينما يعمل المرء هذا لأجل إرضاء الله، لذلك فإنه يتواضع ويتنازل عن مكانته الخاصة لأجل ربح ما هو أعظم وأعجب. فإن عرفنا هذه الأمور سنكون سعداء، لكن بشرط أن نمارس الأعمال الحسنة. فليس كافيًا أن نعرف فقط، لأن الكتاب يقول: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون [28]. وبالأكثر فإن المعرفة فقط هى إدانة لنا إن لم يَتْبَع ذلك أعمال وفضائل. إذًا فلكي نهرب من الدينونة، لنسلك باستقامة ونمارس الأعمال الحسنة، لكي نربح الخيرات التي وعدنا الله بها، في المسيح يسوع ربنا، الذي يليق به المجد إلى الأبد آمين.

 

+ + + + + + +

[1]  في1:2ـ4.

[2]  مز16:51ـ17.

[3]  يشوع بن سيراخ 9:10

[4]  تك8:40 هذا القول قد قاله يوسف لساقي ملك مصر وخبازه في السجن، ولكنه أيضًا قد قال لفرعون: ” ليس لي. الله يجيب بسلامة فرعون ” (تك16:41)

[5]  رو2:4.

[6]  1صم30:2.

[7]  حز3:28.

[8]  دا30:2.

[9]  أع12:3.

[10]  أع15:14.

[11]  يو12:14.

[12]  2صم1:16ـ3.

[13]  2صم1:17ـ4.

[14]  دا4:2.

[15]  أع17:28.

[16]  أع25:28ـ26.

[17]  مر18:6.

[18]  2صم7:16.

[19]  2مل31:9.

[20]  1مل18:18.

[21]  1مل21:18.

[22]  1كو3:4ـ4.

[23]  1كو1:6.

[24]  يو15:19.

[25]  2كو5:4.

[26]  انظر 1صم1:25ـ44، 1:26ـ25.

[27]  2صم8:4.

[28]  رو13:2.

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة الخامسة

 

   فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضًا عِنْدَكُمْ.[1].

 

   لا شئ أكثر غبطة ولا أكثر نبلاً من روح القديس بولس. فنحن جميعًا نرتجف من الموت، البعض وأنا منهم نخشى الموت، بسبب الخطايا، والبعض الآخر بسبب محبة الحياة وبسبب الجُبن، وياليتني ألا أكون من بين هؤلاء أبدًا، لأن هؤلاء الذين يخافون مثل هذا الخوف هم نفسانيون. إذًا فهذا الذي يرتجف منه الجميع أي الموت قد طلبه ق. بولس، وكان يشتهي الإنطلاق ليكون مع المسيح موضّحًا أن إنطلاقه من هذا العالم أفضل جدًا. إذًا ماذا تقول؟ فأنت بصدد أن تنتقل من الأرض إلى السماء، وأن تكون مع المسيح، ولا تعرف ماذا تختار. لكن هذه الخبرة هى غريبة بالنسبة لروح القديس بولس. لأن مَنْ من البشر إن أعطاه أحد هذا الوعد مع تأكيدات لذلك، ألا يتمسك به على الفور؟! نعم لأنه كما أنه ليس في أيدينا أن ننطلق من هذا العالم ونكون مع المسيح، فإنه ليس في أيدينا أيضًا أن نبقى في هذه الحياة الحاضرة، لكن الاثنين كانا في متناول ق. بولس. وفي أي أمر كان واثقًا؟ فأنت (أيها الرسول) بصدد أن تكون مع المسيح، وتقول لا أعرف ماذا أختار؟ وليس هذا فقط بل وتختار هذه الحياة؟ أتبقى في الجسد في هذا العالم؟ ألم تحيا حياة مُرّة؟ في سهر، في غرق، في جوع وعطش وعُري، في اهتمام ورعاية؟ مع الضعفاء كنت تضعف، ولأجل مَنْ يعثر كنت تلتهب. إذ يقول: ” في صبر كثير في شدائد في ضرورات في ضيقات. في ضربات في سجون في اضطرابات في أصوام في طهارة “. ” خمس مرات قَبلْتَ أربعين جلدة إلاّ واحدة، ثلاث مرات ضُرِبتَ بالعصى، مرة رُجمت. ليلاً ونهارًا قضَّيت في العُمق. بأخطار سيول. بأخطار لصوص بأخطار في المدينة. بأخطار في البرّية. بأخطار من أخوة كذبة[2].

   وحينما رجع الغلاطيون لحفظ وصايا الناموس ألم تصرخ قائلاً:  ” أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة[3]؟ فلماذا إذًا لا تشعر بالأسى، ولازلت ترغب في أن تبقى في هذه الحياة الحاضرة؟ لأنه إن لم يحدث لك أي شئ من هذا، ولكن كل ما أنجزته، قد أتممته بأمان، وهدوء، ألم يكن من الأجدر أن تسرع إلى الميناء خشية المستقبل غير المؤكد؟ أخبرني أي تاجر هذا الذي يرغب في أن يستمر في الإبحار بينما سفينة شحنه المملوءة بالأشياء الثمينة قد وصلت إلى برّ الأمان. وأي رياضي هذا الذي يُفضّل أن يستمر في المباراة بينما هو بصدد أن يُكلّل؟ وأي ملاكم هذا الذي يُفضّل أن يأتي مرّة أخرى إلى الصراع ويُضرب رأسه بشدة بينما هو مهيئ لكي ينال إكليل الفوز؟ أي قائد هذا، الذي في مقدوره أن يُعفَى من الحرب وينال صيتًا حسنًا وتذكارات وأن يستريح بأن يجلس في القصور إلى جوار الملك، يختار أن يشقى وأن يستمر في القتال؟ فكيف إذًا ترغب أن تبقى في الجسد وتعيش هذه الحياة المُرّة؟ ألم تقل: أخاف أنه بعدما كرزت للآخرين أصير أنا نفسي مرفوضًا؟[4] فإن لم يكن هناك أى شئ آخر، فعلى الأقل لأجل هذا كان يجب أن يرغب في الإنطلاق، حتى وإن كانت الحياة الحاضرة مليئة بالخيرات الكثيرة، فعلى الأقل لأجل المسيح المشتاق إليه كان ينبغي أن يفضِّل هذا الإنطلاق.

   يا لهذه الروح التي للقديس بولس! لا يوجد لها مثيل، ولن يكون. أتخاف المستقبل، وتعاني آلامًا كثيرة، ولا تريد أن تكون بجانب المسيح؟ يجيب بلا، فإن أبقى في الجسد فهو لأجل المسيح، كي أجعل هؤلاء الذين صيّرتهم عبيدًا له، أكثر حبًا له، وحتى أجعل الحقل الذي زرعته يأتي بالثمر. ألم تسمع إني لم أطلب ما لنفسي، وإنما ما هو لمنفعة الآخرين؟ ألم تسمع، أني كنت أود لو أكون محرومًا (من المسيح)، من أجل أن يأتي الكثيرون للمسيح؟ فمن اختار هذه (المتاعب)، ألا يختار بالأحرى أن يبذل نفسه فرحًا بهذا التأخير والتأجيل، حتى يخّلص الآخرين؟

   من يتّكلم بأعمالك العظيمة أيها الرب[5]، لأنك لم تترك بولس دون أن تُظهره، لأنك قدَّمت للعالم مثل ذلك الرجل؟ لقد سبَحتَّك كل الملائكة معًا، حينما خَلَقْتَ النجوم[6]، وحينما خَلَقْتَ الشمس، ولكن حينما أظْهَرْتَ بولس للعالم أجمع كان تسبيحهم أعظم. بواسطته صارت الأرض أكثر ضياءًا من السماء، لأنه أبهى من ضوء الشمس، وأبهى من إشراقها، وأكثر لمعانًا من أشعتها. فكم يكون مقدار الثمر الروحي الذي قدمه لأجلنا، فالأمر لا يتعلق بزيادة في سنابل القمح ولا بزراعة الرمان، وإنما بإنتاج وإنضاج ثمر البر، وحينما نسقط في أخطاء فدائمًا ما يسترّدنا. بينما لا تقدر الشمس أن تفيد الجزء الذي فسد من الثمر مرة واحدة، إلاّ أن بولس دَعا هؤلاء الذين كانوا في فساد مضاعف أن يتركوا خطاياهم. ورغم أن الشمس تفسح مجالاً لظلام الليل، إلاّ أن بولس كان له سلطان ألا يفسح مجالاً لظلمة أعمال الشيطان.

   لا شئ كان يمكن أن يقهر ذلك القديس، أو أن يسود عليه. فبينما كانت (الشمس) تُرسل من العلو أشعتها إلى الأرض، كان هذا الطوباوي يشرق من أسفل، ويملأ بالنور ليس فقط ما بين السماء والأرض، بل أنه كان بمجرد أن يفتح فاه، يغمر الملائكة بالفرح العظيم. لأنه إن كان هناك فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، فكيف لا يملأ ق. بولس القوات السمائية بالفرح وهو الذي جذب الكثيرين بعد سماعهم له لأول مرة؟ ماذا أقول؟ فإنه يكفي فقط أن يتكلم بولس، والسموات تثب وتفرح. فإن كانت الجبال قد قفزت مثل الكباش حينما خرج الإسرائيليون من مصر[7]، فكم تظن حجم الفرح حينما انتقل البشر من الأرض إلى السماء؟ لأجل هذا يقول إن بقائي بالجسد في هذه الحياة الحاضرة، لهو أكثر إحتياجًا لأجلكم.

أي عذرٍ لنا؟ قد يحدث أن يرغب الإنسان في مرّات عديدة أن يعيش في مدينة صغيرة وفقيرة، ولا يرغب في أن ينتقل لمكان آخر، وإنما يفضّل هدوءه الخاص. إن ق. بولس كان يشتهي أن ينطلق ويكون مع المسيح، الذي كان يشتاق إليه كثيرًا، لكنه لم يفعل ذلك، حتى يتمم عمله مع أخوته. لذلك كان يمكن أن يقبل حتى الجحيم (أي الحرمان من المسيح)[8] لذا بقى في الجسد، كي يجاهد من أجل كل الناس. فأي عذر لنا؟ فهل يجب إذًا أن نذكر ق. بولس هكذا ببساطة؟ فلاحظ ماذا فعل. بيَّن أنه من الأفضل أن ينطلق، وحتى لا يشعر بالأسى، أشار إلى أنه وحتى إن بقى في هذه الحياة فذلك لأجل منفعة إخوته. ولكي يقنع هؤلاء بما يفعل، فإنه أورد السبب وكأنه يقول : إنني بالتأكيد سأبقى في الحياة، إن كان هذا ضروريًا، لا مجرد أن أبقى، وإنما سأبقى معكم. لأن ذلك هو ما يعنيه بقوله ” أبقى مع جميعكم “، بمعنى أنني سأراكم. ولأي سبب؟ ” لأجل تقدّمكم وفرحكم في الإيمان “. هنا أيضًا هو ينهضهم حتى يلاحظوا أنفسهم. فيقول إنه إن بقيت فهذا لأجلكم، فانتبهوا لا تخزوا بقائي بينكم. فبينما كنت بصدد الإنطلاق لرؤية المسيح، إلاّ أنني اخترت أن أبقى في الحياة الحاضرة، ولأن حضوري سيساعدكم في الإيمان وفي الفرح، فقد اخترت أن أبقى لأجل تقدّمكم. ماذا إذًا؟ هل بقى (ق. بولس) فقط لأجل الفيلبيين؟ لم يبق لأجلهم، وإنما يقول هذا كي يظهر الإهتمام بهم. فكيف كان ممكنًا أن يتقدّموا نحو الإيمان؟ فبقائه كان لأجل أن يثبتوا أكثر، مثل صغار الطير التي لها حاجة للأم، حتى تقوى أجنحتها. هذا برهان على محبته الكبيرة. هكذا نحن أيضًا نُنهض البعض، حينما نقول لشخص إنني بقيت لأجلك، كي أجعلك إنسانًا صالحًا.

لكي يزداد افتخاركم في المسيح يسوع فيّ بواسطة حضوري أيضًا عندكم “. أرأيت كيف أن عبارة ” أبقى مع جميعكم ” تعني هذا المعنى؟ لاحظ تواضعه. فبقوله “لأجل تقدّمكم ” يبيّن أنه يهدف إلى فائدته هو أيضًا. هذا ما يفعله أيضًا حينما يكتب لأهل رومية قائلاً: ” أى لنتعزى بينكم ” بعد أن سبقها بالقول ” لكي أمنحكم هبة روحية[9]. وماذا يعني ” لكي يزداد افتخاركم “؟ فإن ذاك الإفتخار، هو أن يكونوا ثابتين في الإيمان، لأن ذلك هو الافتخار في المسيح؛ أن يعيش أحد بإيمان ثابت.

افتخاركم فيَّ بواسطة حضوري أيضًا عندكم “. يقول ” لأن من هو رجاؤنا واكليل افتخارنا أم لستم أنتم أيضًا [10]. ” إننا فخركم كما أنكم أيضًا فخرنا[11] بمعنى أنني أستطيع أن أفتخر بكم أكثر. كيف؟   ” لكي يزداد افتخاركم “. أستطيع أن أفتخر كثيرًا جدًا، حينما تتقدّمون. ” بواسطة حضوري أيضًا عندكم ” ماذا إذًا؟ هل أتى لهؤلاء؟ ابحثوا أحقًا هكذا؟

يقول ” فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح [12]. أترى كيف أنه قال كل شئ لأجل هذا؛ لكي يحضّهم على اقتناء الفضيلة؟ ” فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح “. ماذا يعني بكلمة “فقط”؟ أي أن هذا هو الذي تطلبونه فقط، ولا شئ آخر، إن وُجد، فلن يحدث لنا أي شئ مؤلم.

حتى إذا جئت ورأيتكم، أو كنت غائبًا أسمع أموركم ” يقول هذا لا كمن غّير هدفه، ولا كان قصده أنه سيزورهم، وإنما يقول إذا حدث هذا، وحتى وإن كنت غائبًا أستطيع أن أبتهج. حين ” أسمع أنكم تثبتون في روح واحد. بنفس واحدة “. فإن هذا، قبل كل شئ آخر، هو ما يوّحد المؤمنين ويحفظ المحبة كاملة، ليكونوا واحدًا.      ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب[13]. لأجل هذا فإنه في كل موضع يعطي نصائح كثيرة لأجل الوحدة. كما يقول المسيح له المجد: ” بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حب بعضًا لبعض[14]. وهذا يعني ألاّ تبقوا ساكنين منتظرين حضوري آملين مجيئي، لأنه حينما تفكرون في عدم مجيئي، تتفككون. فإنني أستطيع أن أفرح بطريقة مماثلة عن طريق سماع أخباركم أيضًا.

ماذا يعني “بروح واحد”؟ أي بهذه النعمة؛ نعمة التوافق، وموهبة حسن الإستعداد. لأن الروح واحد، وهو يبيّن أنه بالتأكيد يمكن أن نقف بنفسٍ واحدةٍ؛ حينما يكون لنا جميعًا روح واحد. انظر إلى كلمة “واحد” لقد قيلت لكي توضح معنى التوافق. انظر فإن الأنفس الكثيرة تُدعى واحدًا. هكذا كان العصر الرسولي الأول، كما هو مكتوب     ” وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة[15].

مجاهدين معًا لإيمان الإنجيل[16]. فهل يقصد إذًا بقوله مجاهدين للإيمان أنهم يتصارعون فيما بينهم؟ هل كانوا حقًا يتصارعون فيما بينهم؟ ما يقوله هو أن يسند كل واحد الآخر في جهادهم لإيمان الإنجيل.

غير مخوفين بشئ من المقاومين الأمر الذي هو لهم بيّنة للهلاك وأما لكم فللخلاص[17]. حسنًا استخدم كلمة مخوفين، لأن هذا هو ما يأتي من الأعداء، فهم فقط يُخيفون الآخرين. لذا يقول إن ما يفعله هؤلاء هو “لا شيء”، وحتى لو حدث أي شيء أو أية مخاطر، أو أية مكائد فإن كل هذا يحدث للذين يسلكون بإستقامة. أما المقاومون فإنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا عدا أنهم يسببون فقط الخوف لغيرهم. ولأنه كان من الطبيعي أن يضطَّرب هؤلاء لأن ق. بولس عانى آلامًا كثيرة، لذلك يكتب: لا أقول فقط لا تتزعزعوا، ولكن أيضًا ألا ترتعبوا، بل أن لا تهتموا بهؤلاء (الأعداء) إطلاقًا. لأنكم إن سلكتم هكذا سيكون هذا، ليس فقط سببًا في خلاصكم بل أيضًا برهانًا على هلاكهم. فحينما يَرون أنهم بحيلهم التي لا تحصى عاجزون أن يخيفونكم، يحسبون هذا برهان هلاكهم. لأنه حينما لا يتغلب المضطهدون على من يضطهدونهم، ولا الذين يدبِّرون المكائد ضد من يكيدون لهم، ولا أصحاب السلطان على من هم تحت سلطانهم، فإن هذا سيُظهر لهم أنهم سيهلكون، وأنهم لا يقدرون على شئ، وأن كل ما لديهم باطل، وكل ما لأولئك هو حق.

لأنه وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضًا أن تتألموا لأجله[18]. مرّة أخرى يعلّمهم أن يكونوا متواضعين، بأن ينسبوا كل شئ إلى الله قائلاً: إذا تألم أحد لأجل المسيح فهذا معناه أنه ينال نعمة وهبة وعطية. فلا تخجلوا إذًا، لأن هبة التألم لأجل المسيح هي حقًا هبة أكثر إعجازًا من إقامة الموتى، وأن يصنع العجائب. لأن في حالة من يُقيم الموتى سيكون هو المَدين[19]، أما في حالة الألم لأجل المسيح، فالمسيح نفسه هو المَدين. ولذلك يجب علينا ليس فقط ألا نخجل، وإنما أن نبتهج أيضًا لنوال هذه العطية.

إنه يدعو الفضائل هبات، ولكنها ليست كتلك الهبات الأخرى، لأن تلك تأتي بالكامل من الله، أما هذه فتتوقف علينا أيضًا. ولكن لأنه في هذه الحالة أيضًا يتوقف الجزء الأهم على الله، لذا يقول إن الله هو الذي يمنح كل شئ، دون أن يمحو بذلك دور الإرادة الشخصية، وإنما قال هذا كي يدّرب هؤلاء أن يكونوا متواضعين وحكماء.

إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيَّ[20] أي عندكم المثال. وهنا ينهضهم مرة أخرى، لأنه يُظهر لهم في كل موضع أن جهادهم، مثل جهاده. وكفاحهم نفس كفاحه، حتى إذا لم يكونوا معه، وبهذا اتحدوا معه محتملين كل التجارب. لم يقل سمعتم وإنما “رأيتم”، بسبب كونه جاهد هناك في فيلبي[21].

بالتالي فإن هذه (احتمال الآلام) هى فضيلة عظمى. لذلك يكتب لأهل غلاطية قائلاً ” أهذا المقدار احتملتم عبثًا؟ إن كان عبثًا! “[22]. وبالمثل يكتب إلى العبرانيين فيقول: ” تذكروا الأيام السالفة التي فيها بعد ما أنرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة من جهة مشهورين بتعييرات وضيقات ومن جهة صائرين شركاء الذين تُصرَّف فيهم هكذا[23]. ومن ناحية أخرى يكتب إلى المكدونيين، أي إلى التسالونيكيين قائلاً: ” لأنهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم“، وأيضًا ” لأنكم أنتم أيها الأخوة تعلمون دخولنا إليكم أنه لم يكن باطلاً[24]. وبنفس الطريقة يشهد أمام الجميع بنفس الشئ أي الكفاح والجهاد. غير أن هذا الجهاد والكفاح يتخذ صورة أخرى، فكثيرون يفضلون التعب من أجل الحصول على الأموال أما من يكتب إليهم الرسول فلهم موقف آخر تجاه المال لهذا يكتب للبعض: ”  وقبلتم سلب أموالكم بفرح[25]، ولآخرين يقول إن ” أهل مكدونية وأخائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعًا للفقراء [26]، وأيضًا “وغيرتكم قد حرّضت الأكثرين[27].

أرأيت المديح الذي يوجهه لرجال ذاك العصر؟ أما نحن الآن فلا نتحمل ولا حتى أي لطمات، أو جراح، أو تعيير، أو خسارة أموال. لقد كان أولئك غيورين مستجيبين لاحتياجات الآخرين بسرعة، ومجاهدين كشهداء، أما نحن فننموا في محبتنا للمسيح بفتور. مرة أخرى أضطَّر أن أوبخ أمورًا حاضرة. ولِمَ أقول هذا؟ لم أُرِد ذلك، وإنما اضطَّر لهذا. لأنه إن كان ممكنًا أن أمحو ما حدث بالصمت، لكان من الواجب أن أصمت، ولكن إن كانت (تلك الشرور) لا تُمحى بصمتي، وإنما تصبح بالحري أسوأ، فمن الضروري أن أتكلّم. لأن الذي يوبخ الخطاة، حتى وإن لم ينجح في أي شئ آخر، فإنه يعوقهم عن أن تسوء حالتهم أكثر. لا يوجد أحد بالطبع يصل إلى هذه الدرجة من السفه أو الطيش حين يسمع باستمرار نقد الآخرين له ولا يخجل، أو لا يهجر شروره الكثيرة. في الواقع يوجد لدى هؤلاء أيضًا مقدار ضئيل من الخجل، لأن الله قد زرع الخجل في طبيعتنا. لأنه بالتأكيد لم يكن كافيًا أن يوجِّهنا الله بالخوف، فأعد طرقًا أخرى كي نتجنّب الخطية، مثل التأنيب، والخشيّة من النواميس الموضوعة، والرغبة القوّية في نوالنا الصيت الحسن، والحاجة إلى تكوين صداقات. كل هذه وُجدت حتى لا نخطئ. ولهذا فإنه في كثير من الأحيان هناك أشياء لا نفعلها بسبب مخافة الله، بل بسبب الخجل أو بسبب الخوف من البشر. مع إنه من الواجب هو أن نحرص على ألاّ نخطيء، وأن نفعل ذلك لأجل مخافة الله لا بسبب الخوف أو الخجل من البشر.

إذًا لماذا ينصح القديس بولس هؤلاء الذين كانوا بصدد النيل من الأعداء، بانتظار المجازاة (الإلهية) لهم، وليس مجرد الخوف من الله، عندما كتب قائلاً “ لا تنتقموا لأنفسكم“؟ الرد يأتي في قوله: “لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه [28]. فهذا ما يريده ق. بولس في المرتبة الأولى، أي بلوغ الفضيلة. ما أقوله إذًا هو أنه يوجد شئ من الخجل بداخلنا، ولدينا الكثير من الميزات الطبيعية كي نربح الفضيلة، فنحن ننقاد بطبيعتنا مثل كل البشر لفعل الرحمة، وليس هناك شئ آخر يتصف بالصلاح، يلازم هكذا طبيعتنا أكثر من الرحمة. لأجل هذا فإنه من المناسب أن يتساءل المرء لماذا زُرعت هذه الفضيلة على الأخص في طبيعتنا، والتي بها نرِّق ذارفين الدموع ونتأثر ونكون مستعدين للشفقة. فمع إنه لا يوجد أحد متوانٍ بحسب الطبيعة ولا يوجد أحد بطبيعته لا يزهو، كما إنه لا يستطيع أحد بالطبيعة أن يهزم الغيرة، لكن الرحمة موجودة في طبيعة كل واحد، وسواء كان الشخص عنيفًا أو قاسيًا. فما العجيب في ذلك؟ فنحن نترأف على الوحوش، هكذا هي غنية الرأفة الموجودة بداخلنا، حتى لو إننا رأينا شبل أسد، فنحن نتأثر بقدر ما، ولكننا نتأثر ونشفق بالأكثر لأجل بني جنسنا.

انظر إلى عدد المُقعدين، وهذا كافٍ في حد ذاته أن يقودنا للشفقة. فلا يوجد ما يفَّرح الله أكثر من الرحمة. لذلك فإن الكهنة يُمسحوا بالزيت، كذلك أيضًا الملوك والأنبياء، لأنه رمز لمحبة الله للبشر. بالإضافة لذلك ليكن معلومًا أن الحاكم يجب أن يتمتع بأكبر قدر من الرحمة على المحكومين، ومن هنا يتضح أنه بسبب رحمة الله يسكن الروح القدس في الإنسان، لأن الله يرحم البشر ويحبهم. فيقول ” لكنك ترحم الجميع لأنك قادر على كل شئ[29]. لأجل هذا فهم يُدهنوا بالزيت. كما أنه من مراحم الله علينا أنه دبر لنا سر الكهنوت. وإذا أراد أحد أن يمدح حاكمًا فلن يقول شيئًا يناسبه أكثر من وصفه بالرحمة، لأن الرحمة هى من الصفات التي يجب أن يتمتع بها مَن يكون في السلطة. لنتذّكر أن العالم قد خُلق بسبب رحمة الله ولنتمثل بالمكتوب ” رحمة الإنسان لقريبه، أما رحمة الرب فلكل ذي جسد[30]. كيف تكون الرحمة لكل ذي جسد؟ هل ستكون للخطاة والأبرار؟ نعم، فنحن جميعًا نحتاج لرحمة الله، وكلنا نتمتّع بها، سواء كان هذا الإنسان هو بولس، أو بطرس، أو يوحنا. فاسمع ما يقوله أحدهم، ولا حاجة لكلامي. ماذا يقول إذًا المطوب بولس؟ ” ولكنني رُحمت لأني فعلت بجهل[31].وعندما يصف حاله بقوله ” أنا تعبت أكثر منهم جميعهم. ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي[32] فهل يمكن أن تكون هناك رحمة أكثر من هذا؟ وعن أبفرودتس يقول: ” فإنه مرض قريبًا من الموت لكن الله رحمه وليس إياه وحده بل إياي أيضًا لئلا يكون لي حزن على حزن[33]. وأيضًا: ” أننا تثقلنا جدًا فوق الطاقة حتى أيسنا من الحياة أيضًا. لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متَّكلِـين على أنفسنا بل على الله. الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي[34]. وأيضًا: ” فأُنقذت من فم الأسد. وسينقذني الرب[35]. وهكذا في كل موضع نجد بولس يفتخر بأنه خَلُصَ بمراحم الرب.

كما أن هذه الرحمة تظهر في حديث الرب مع بطرس عندما قال له: ” هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك[36]. وأيضًا مع يوحنا، وكل الرسل يُظهر المسيح له المجد هذه الرحمة. فاسمعه وهو يقول: ” ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم[37].

إذًا فالجميع بحاجة لرحمة الله كما هو مكتوب ” أما رحمة الرب فلكل ذي جسد “. فإن كان هؤلاء الذين أشرنا إليهم بحاجة لرحمة الله، فماذا سيقول المرء عن بقية البشر؟ فقل لي لماذا تشرق الشمس بلا تفرقة على الأشرار والأبرار؟ وماذا كان سيحدث، لو أن المطر قد أُمسك لمدة عام فقط؟ ألا يصيب الجميع الدمار، وماذا لو أمطرت مطرًا غزيرًا؟ وماذا لو أمطرت نارًا، وماذا لو ألقى ذبابًا؟ لماذا أقول هذا الكلام؟ إذا حل الظلام، كما حدث في وقت ما، أفلا يهلك الجميع؟ إذا أفنى الأرض، أفلا يفنى الكل؟ ” فمن هو الإنسان حتى تذكره[38]. إن الفرصة الآن مناسبة كى نقول إنه إن أهلك الله الأرض فقط، فسيصير كل شئ قبرًا. كما يقول: ” هوذا الأمم كنقطة من دلو كغبار الميزان تُحسب[39]. فكما أنه سهل علينا أن نحرك فوهة الميزان، هكذا فإنه في متناول الله أن يُهلك كل الأشياء، وأن يخلقها مرة أخرى. إذًا فذاك الذي يسود علينا بكل هذا السلطان العظيم، ويرانا كل يوم نخطئ دون أن يعاقبنا، أليست هذه رحمة أنه يُبْقِى علينا؟ فالحيوانات هى الأخرى موجودة بسبب رحمته، ” الناس والبهائم تُخلِّص يا رب[40].

فلأي سبب نظر إلى الأرض وملأها بالكائنات الحيّة؟ لقد فعل هذا لأجلك. فلماذا إذًا جبلك أيها الإنسان؟ ذلك بسبب صلاحه. لا شئ يفوق الرحمة، إنها سبب النور هنا وفي الحياة الأخرى. هكذا يقول النبي، إن صنعت رحمة لقريبك، ” حينئذٍ ينفجر مثل الصبح نورك[41]. وكما أن الزيت يمنح الضوء، هكذا فإن الرحمة تمنحنا نورًا عظيمًا مبهرًا، في الحياة الأبدية.

لقد تكلّم ق. بولس كثيرًا عن الرحمة. فاسمعه حينما يقول: ” غير أن نذكر الفقراء[42]، ومرة أخرى يقول: ” وإن كان يستحق أن أذهب أنا أيضًا [43]. وفي كل مكان، في كل المواضع ترى اهتمامه بنفس الشئ. وأيضًا ” وليتعلّم من لنا أيضًا أن يمارسوا أعمالاً حسنة [44]. ويقول أيضًا: ” فإن هذه الأمور هى الحسنة والنافعة للناس[45]. واسمع في موضع آخر القول: ” الصدقة تنجي من الموت[46]. إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيد فمن يقف ” وأيضًا ” لا تدخل في المحاكمة مع عبدك[47]. ” عظيم هو الإنسان “، لماذا؟ ” وأمين الإنسان الرحيم[48]. فذلك هو الإنسان، رحيم. وبالحري الله، هو الرحمة ذاتها. أرأيت مقدار قوة الرحمة التي لله؟ فهذه صنعت كل الأشياء، خلقت العالم، الملائكة، هذا من أجل الصلاح وحده. لأجل هذا توعّدنا بالجحيم حتى نفوز بملكوت السموات، فبسبب رحمة الله نفوز بهذا الملكوت. أخبرني لماذا فضّل الله أن يخلق كل هذا العدد من البشر؟ أليس بسبب صلاحه؟ أليس بسبب محبته للبشر؟ فإذا سألت لماذا يحدث هذا وذاك، فدائمًا ستجد الإجابة إنه بسبب صلاح الله.

لنرحم الأقرباء كي ما نُرحم نحن أيضًا. فنحفظ هذه الرحمة لنا في يوم الدينونة أكثر مما قدمناه لهؤلاء (الأقرباء)، حينما يكون لهيب النار عظيمًا، فإن هذا الزيت (الرحمة) سيخمد النار، ويكون نورًا لنا. هكذا نُنقذ من نار جهنم، لأنه من أين سيحنو علينا ويرحمنا؟ الرحمة نتاج المحبة. فلا شئ يُغضب الله أكثر من أن يكون المرء غير رحيم. فالذي قدّموا إليه مديون بعشرة آلاف وزنة، تحنّن عليه وترك له الدين، ولذاك المديون كان هناك من العبيد رفقائه مديونًا بمئة دينار، فأمسكه وأخذ بعنقه، لأجل هذا سلّمه السيد لأولئك المعذبين كي يعاقبوه، حتى يوفي كل ما كان له عليه من دين[49]. فلنكن رحماء عند سماع هذا الكلام نحو المديونين لنا بالمال أو بالإساءة إلينا. ولا يكن أحد حافظًا للإساءة، إن كان حقًا لا يرغب في أن يسيء إلى نفسه، ويسبب بأفعاله حزنًا شديدًا لذاك (المديون). لأن ذاك إما أن يُعاقَب أو لا يُعاقَب، أما أنت فدون أن تغفر خطايا قريبك تطلب ملكوت السموات؟ لذا فلئلا نتألم، فلنغفر للجميع، وبذلك نغفر لأنفسنا. وأيضًا فلنغفر حتى يغفر الله لنا خطايانا، وبذلك نفوز بخيرات الحياة الأبدية، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس، المجد والعزة والكرامة الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين.

 

+ + + + + + +

[1]  في22:1ـ26.

[2]  2كو4:6ـ6، 24:11ـ26.

[3]  غلا4:5.

[4]  1كو27:9.

[5]  مز2:106 ” من يتكلم بجبروت الرب “.

[6]  عندما ترنمت كواكب الصبح معًا وهتف جميع بني الله ” (أى7:38).

[7] مز4:114.

 [8] من الواضح أن مرجع القديس يوحنا ذهبي الفم في هذا الكلام ما جاء أيضًا على لسان ق. بولس: ” فإني كنت أود أن أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد ” رو3:9.

[9]  رو12:1، 11.

[10]  1تس19:2.

[11]  2كو14:1.

[12]  في27:1.

[13]  مت25:12.

[14]  يو35:13.

[15]  أع32:4.

[16]  في27:1.

[17]  في28:1.

[18]  في29:1.

  [19] كلمة مَدين هنا تعني إنه مديون لله الذي منحه هذه الموهبة.

[20]  في30:1.

[21]  راجع أع16:16ـ40.

[22]  غلا4:3.

[23]  عب32:10ـ33.

[24]  1تس9:1، 1:2.

[25]  عب34:10.

[26]  رو26:15.

[27]  2كو2:9.

[28]  رو20:12.

[29]  الحكمة 24:11.

[30]  يشوع بن سيراخ 12:18.

[31]  1تي13:1.

[32]  1كو10:15.

[33]  في27:2.

[34]  2كو8:1ـ10.

[35]  2تي17:4ـ18.

[36]  لو31:22ـ32.

[37]  يو16:15.

[38]  مز4:8.

[39]  إش15:40.

[40]  مز6:36.

[41]  إش8:58.

[42]  غلا10:2.

[43]  1كو4:16 يتكلم هنا على مقدار ما سيحملونه من احسانات، فسيرسل أشخاصًا لحمل هذه الاحسانات لأورشليم، وإن كان يتطلب فسيذهب هو أيضًا.

[44]  تي14:3.

[45]  تي8:3.

[46]  طوبيا 9:12.

[47]  مز3:130.، 2:143.

[48]  أم6:20س.

[49]  انظر مت23:18ـ25.

 

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس 

Exit mobile version