الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

الفهرست

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس الكبير وأوغسطينوس… 1

عدمية الشر والخطية. 1

الخطية الجدية هي جرح الطبيعة البشرية. 4

الخطية هي مرض الروح. 5

الخطية الجدية هي اختطاف الموت بالخطية. 5

دحض تعليم القدرية والجبرية. 6

الخطية فعل إرادي وليس فعل موروث.. 7

الخطية الجدية هي الابتعاد الإرادي عن الله.. 8

الخطية والشر هما اغتراب عن الله.. 9

الخطية الجدية هي فقدان أغطية النعمة. 9

دحض تعليم الإرادة المستعبَدة للشر. 11

انتقال الموت من آدم إلى الجنس البشري.. 12

الخطية الجدية هي اغتراب عن الله.. 12

لا توجد خطية أصلية ضمن مفاعيل المعمودية. 13

الخطية الجدية هي فقدان الروح القدس.. 14

مرض الشهوة والخطية في النفس الإنسانية. 14

الخطية فعل إرادي.. 15

الخطية الجدية هي تشوه صورة الله في الإنسان. 16

استيطان مرض الخطية في النفوس الشريرة 18

براءة الأطفال من أي شر. 19

تصحيح مفهوم خاطئ عن الخطية الجدية. 19

النفس مخلوقة وليست مولودة 20

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو. 21

وراثة وزر عقاب خطية آدم 21

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية. 21

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني. 22

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط. 26

نحن بشر مجبولون بالشر. 30

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. 30

الشهوة الجنسية شرّ. 31

هلاك الأطفال غير المعمدين. 33

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم 34

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني. 36

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية. 37

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة 38

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر. 39

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط. 40

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج. 41

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية. 42

ماهية الخطية الأصلية. 43

الشرور الموروثة من آدم 44

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان. 46

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي. 47

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) 48

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك. 50

الخلاصة. 53

 

 

 

 

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس الكبير وأوغسطينوس

سوف نبحث في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند ق. باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك بآسيا الصغرى، وواضع الليتورچية المسمَّى باسمه، والتي نصلي بها في كنيستنا إلى اليوم. وذلك لنرى هل يتفق تعليم ق. باسيليوس الكبير مع تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب اللاتينيّ عن الخطية الأصلية الموروثة من آدم إلى نسله من بعده.

عدمية الشر والخطية

يدحض ق. باسيليوس الكبير تعاليم الغنوسيين والمانويين القائلين بالوجود الحقيقيّ للشر والخطية في العالم، وأنهما يستمدان أصلهما من الله، حيث يرى ق. باسيليوس أن الشر لا يمكن أن يُقَال أنه يستمد وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج ما هو ضده، فالحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، وهذا مانقوله بأن الله لا يمكن أن يُعاقِب بالموت، أو يميت أحد، فالله الحياة لا يلد موتًا البتة. ويشير ق. باسيليوس إلى أن الشر ليس كائنًا عاقلاً حيًا، بل هو حالة تكون فيها الروح مُخالِفةً للفضيلة، وهذا الحالة تنمو وتتطوَّر عند البعدين عن الخير كالتالي:

”كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرّ استمد وجوده من الله لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. فالحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج عن المرض، إنما هذا يُعتبر تغيير من حالة إلى عكسها. أمَّا في التكوين فكل كائن يخرج من مثيله. وإذَا كان الشر لم يستمد أصله من الله، ولم يخلقه الله، إذًا، فمن أين استمد طبيعته؟ بالطبع كلنا نتفق على أن الشر موجود، فكيف نُفسِّر هذا الأمر؟ الواقع أن الشر ليس كائنًا عاقلاً حيًا، وإنما هو حالة تكون فيها الروح مُخالِفةً للفضيلة، هذه الحالة تنمو وتتطوَّر لدى البعدين عن الخير“.[1]

ويستطرد ق. باسيليوس الكبير شارحًا أصل الشر والخطية، حيث يستنكر أن يتصوّر المرء وجود الطبيعة الشريرة من الأصل، بل يطالب كل شخص أن يعترف أنه هو نفسه صانع شروره. ويطلب ق. باسيليوس من الإنسان أن يعرف أن الشرّ مصدره هو سقطات الإنسان الإرادية، وهكذا لو لم تكن سقطات الإنسان إرادية، لمَّا كان تطبيق القانون مرعبًا للخطاة المدانون. وهنا يدحض ق. باسيليوس أي تعليم عن شر موروث، أو خطية أصلية موروثة تجعل الإنسان يخطئ دون إرادته، بل يؤكد ق. باسيليوس على أن الشر مصدره سقطات الإنسان الإرادية كالتالي:

”لا يجب، إذًا، أن يسعى الإنسان إلى خراب نفسه ويتصوّر وجود الطبيعة الشريرة من الأصل. بل يجب أن يعترف كل شخص منَّا أنه هو نفسه صانع شروره. […] الإنسان هو المتحكم في تصرفاته، ولذلك يجب ألا يبحث الإنسان عمَّا يبرِّر تصرفاته من أسباب خارجية، بل عليه أن يعرف أن الشرّ مصدره سقطات الإنسان الإرادية، ذلك أنه لو لم تكن سقطات الإنسان إرادية لمَّا كان تطبيق القانون مرعبًا للخطأة المدانون“.[2]

يُناقِش ق. باسيليوس ماهية الشرّ والخطية، فيُشبِّه خطية الإلحاد مثلاً إنها مرض نسيان الله، ويُشبِّه مَنْ يدَّعي أنَّ الله هو علة الشرور، بأنه لا يملك عقل ولا حكمة. الإنسان هو المتسبِّب في فعل الخطية أو رفضها، كما يشير إلى انخداع الخطاة بطعم لذة الخطية، الخطايا هي تلويث للنفس المخلوقة على صورة الله خالقنا، هناك شرور تتوقف علينا نحن مثل: القتل، والحسد، والانحلال الخلقيّ، والظلم… إلخ. الشر هو كل أمر مُتعِب كالمرض الجسديّ، والجروح، والعار، والفضيحة. الشرّ الحقيقيّ هو الخطية، وارتكابها يتوقف على إرادتنا، والخطية هي بالحق شرًا، ونستطيع بإرادتنا الابتعاد عن الشرّ أو فعل الشر كالتالي:

الشرّ الحقيقيّ فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا، وهي تُدعَى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشرّ أو نفعل الشرّ“.[3]

ويؤكد ق. باسيليوس على أن الشر ليس له وجود خاص به؛ لأنَّ الشر ليس شيئًا موجودًا مثل أيّ كائن حي. الشر ليس له جوهر، الشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى هو غياب الإبصار نتيجة تلف العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص به، لكنه يأتي بعد مرض النفس. لم يكن الشر غير مولود كما يُنادِي الغنوسيون جاعلين طبيعة الشر وطبيعة الصلاح على نفس المستوى. لا يأتي السوء من الصلاح، ولا الشر من الفضيلة، الشر غير مخلوق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ، ولم تكن الأرواح المخلوقة مُمتزجةً بالشرور، عندما خلقها الله وآتى بها إلى الوجود، لأنه إنْ كانت الأجساد المادية ليس لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة ليس لها وجود مُشترك مع الشر كالتالي:

”كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما [كائن ما]. الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص، لكنه يأتي عندما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس بغير مولودٍ كما ينادي الفجَّار [الغنوسيون وغيرهم] جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. […] إذًا، الشر لم يُخلَق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجةً بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها إلى الوجود. لأنه إذَا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة، لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟“.[4]

الخطية الجدية هي جرح الطبيعة البشرية

يُشبِّه ق. باسيليوس الكبير الخطية الجدية بأنها مثل جرح أصاب الطبيعة البشرية حينما خالف آدم أمر الربّ في مبادئ الخليقة، ويؤكد على أنه لا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة سوى التوبة والعودة إلى الله. ويتفق تعليم ق. باسيليوس الكبير في هذا الصدد مع تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، الذي أكَّد في كتابه ”تجسُّد الكلمة“[5] على أنه لو كانت مشكلة الإنسان الوحيدة هي الخطية، فالتوبة كانت كافية لمحو هذه الخطية، ولكن المشكلة الكبيرة هي توغل وتغلغُّل الفساد والموت في طبيعة الإنسان داخليًا، وصار بحاجة إلى تجديد طبيعته الفاسدة والمائتة من جديد عن طريق الكلمة خالقه، لكي تتَّحد به النعمة داخليًا، ولا ينال النعمة خارجيًا فقط. حيث يقول ق. باسيليوس الكبير التالي:

”فالصوم هو دواء النفس للتخلص من الخطيئة. إن الخطيئة هي الجرح الذي أصاب الطبيعة البشرية حين خالف آدم أمر الربّ في مبادئ الخليقة. ولا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة إلا التوبة والعودة إلى الله. لكن يا ترى ما معنى التوبة دون صوم؟“.[6]

الخطية هي مرض الروح

يرى ق. باسيليوس أن الفضائل موجودة فينا بالطبيعة، والروح عنده مصاهرة للفضائل، ويشير ق. باسيليوس إلى أن كل رذيلة هي مرض للروح كما الفضيلة هي صحة. ويدحض بذلك ق. باسيليوس التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر، والتعليم عن الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية، فكل رذيلة هي مرض دخيل على الروح، وليس ذنب أو فعل موروث في الطبيعة البشرية، بل الأصل في الطبيعة البشرية هو الفضائل كالتالي:

الفضائل موجودة فينا أيضًا بالطبيعة، والروح عنده مصاهرة للفضائل ليس بالتعليم، بل بالطبيعة نفسها. لا نحتاج دروس لنكره المرض، لكن بأنفسنا نطرد ما ينتابنا، والروح لا يحتاج إلى مُعلِّم ليُعلِّمنا أن نتفادى الرذيلة. الآن، كل رذيلة هي مرض للروح كما الفضيلة فهي صحة. الذين قالوا أن الصحة هي نظام في إظهار الوظائف الطبيعية، قالوا حسن هذا التعريف، يمكن أن يُقَال بدون خوف لصحة الروح. إذًا، بدون درس، الروح تستطيع أن تعرف بنفسها ما يليق أو ما يطابق الطبيعة. إذًا، نرى أن الاعتدال في كل مكان يُمجَّد، والعدل مُكرَّم والشجاعة يُعجَب بها، والتعقُّل هو هدف الكل. الفضيلة هي الروح أكثر ما الصحة هي للجسد“.[7]

الخطية الجدية هي اختطاف الموت بالخطية

يرى ق. باسيليوس أن وطننا الأول كان السماء، ولكن عندما قاتل الشيطان الإنسان وأغراه بالعبودية التي تسبَّبت في طردنا من هذه المدينة، أختطف الإنسان الأول الموت الفوريّ له بالخطيئة، وهكذا بدأت الولادة الأولى لروح الشرّ كالتالي:

”وطننا الأول كان في هذه المدينة العظيمة، عندما قاتل الشيطان الإنسان وأغراه بالعبودية التي تسبَّبت في طردنا. في هذه المدينة سترى الأصل الأول للإنسان واختطافه الفوريّ بالموت عن طريق الخطيئة، سترى الولادة الأولى لروح الشرّ“.[8]

دحض تعليم القدرية والجبرية

يدحض ق. باسيليوس مذهب القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، الذي تبناه أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب اللاتينيّ، حيث يرى ق. باسيليوس أن أصل فضائلنا وشرورنا يكمن في داخلنا، وإنه ليس قدرنا الناتج عن ميلادنا، وهكذا يرفض الإرادة المقيَّدة بالشر بضرورة حتمية. لأنه لو صحَّ ذلك، فلا ذنب على السارق أو القاتل، إنما كُتِبَ هذا عليه ويستحيل عليه التراجع، لأنه مدفوع إلى الشر بضرورة حتمية كالتالي:

لو أن أصل فضائلنا وشرورنا لا يكمن في داخلنا، وإنما هو قدرنا الناتج عن ميلادنا، لماذا، إذًا، حدَّد لنا المشرِّعون ما يجب علينا أن نقوم به وما يجب تجنبه؟ وما الفائدة أن يُكرِّم القضاة الفضيلة ويعاقبون الرذيلة. الذنب ليس في السارق أو القاتل، إنما كُتِبَ عليه واستحال عليه أن يتراجع فقد دُفِعَ للشر بضرورة حتمية. […] ونحن المسيحيون، لن يكون لنا أمل، فالإنسان مُسيَّر ولا يتصرف بحرية، فهو لا يُكافأ لعدله أو يُعاقب على شره. فبالضرورة وتبعًا للقدر ليس هناك مكانًا للدينونة العادلة“.[9]

يدحض ق. باسيليوس تعاليم أوغسطينوس عن القدرية وسبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، بالتأكيد على أنه لا يجب تنفيذ أمر الله بالإجبار، بل بالحرية التوَّاقة إلى فعل الخير واكتساب الفضائل. تتحقَّق الفضيلة بالإرادة الحرة لا بالإجبار، بينما تتوقف الإرادة الحرة على مدى استعدادنا الداخليّ، وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. ثم يرد ق. باسيليوس على سؤال: لماذا لم يخلق طبيعتنا مُسيَّرة نحو الخير؟ فيقول إنَّ مَنْ يُفضِّل الطبيعة غير العاقلة (المسيَّرة) مُحتقرًا الطبيعة العاقلة (المخيَّرة) هو مَنْ يريد طبيعة غير ميَّالة للخطية.[10]

الخطية فعل إرادي وليس فعل موروث

يرد ق. باسيليوس على اعتراض رؤية وجود الشر وفعله الظاهر وانتشاره في العالم، بأنَّ المرض هو انحراف الأعضاء عن أداء وظيفتها الطبيعية، الله خلق الجسد وليس المرض، لقد خلق الله النفس، ولم يخلق الخطية، وبالتالي، وجود الشر بسبب قبول النفس للشر وابتعادها عن حالتها الطبيعية. لقد كان مكان النفس بجوار الله، وكان الخير بالنسبة لها هو الاتحاد بالله بالمحبة، ثم سقطت من هذا المكان، وعانت أمراض كثيرة. نفس الإنسان لها حرية إرادة لقبول أو رفض الشر بحسب خلقتها على صورة الله. نالت النفس الصلاح، وتعرف جيدًا الاستمتاع به، ولديها القدرة على الحفاظ على حياتها الطبيعية، طالما تظل في الاستمتاع بالروحيات، ولديها القدرة على رفض الصلاح. بينما تنحاز النفس إلى الجسد بسبب حب الملذات والشهوات، حيث تنفصل عن السماويات للالتصاق بمباهج العالم.[11]

يشير ق. باسيليوس إلى أن الخطية فعل إراديّ وليس فعل موروث، حيث تمتلك النفس بجملتها الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر، وذلك بانفصال النفس عن الروح القدس كالتالي:

”وكذلك النفس لا تُشطَر إلى شطرين، بل النفس بجملتها هي التي تملك الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر. ولكن الشَّطر إلى قسمين – كما ذكرت – هو الانفصال التام للنفس عن الروح القدس“.[12]

الخطية الجدية هي الابتعاد الإرادي عن الله

لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، شعر بشبعٍ زائفٍ من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل مباهج العيون الجسدية عن الجمال الروحيّ، بدَّل الاستمتاع بالروحيات، فَضَّلَ ملء بطنه، فطُرِدَ خارج الفردوس، وخارج ذلك المحيط الطوباويّ، وصار شريرًا لا عن إجبار، بل عن عدم استنارة، ووقع في الخطية باختياره السيء، ومات بسبب الخطية. كل مَنْ يبتعد عن الله الذي هو الحياة، يقترب من الموت، وغياب الحياة هو الموت. هكذا صنع الإنسان الموت بابتعاده عن الله، الله ليس خالق الموت، بل نحن جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة، ولم يُوقِف الله الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض (الخطية) بلا نهاية كالتالي:

”لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، وفور أن دبَّت فيه الحياة، ونظر نحو السماء امتلأ فرحًا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. […] لكن بينما كان في حماية الله متمتعًا بخيراته، شعر بشبعٍ زائفٍ من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحيّ، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضَّل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرًا ليس عن إجبار، ولكن عن عدم استنارة. إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطيئة هي موت‘ (رو 6: 23)، أي كل مَن يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البُعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا، ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[13]

الخطية والشر هما اغتراب عن الله

يُفسِّر ق. باسيليوس علة وجود الشيطان بأنَّ استعداده الشخصيّ هو الذي جعله شريرًا، كان لديه حرية بمقدرته أنَّ يظل بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح، اختيار الشيطان الحر هو الذي جعله يُلقِي بنفسه لأسفل؛ لأنَّ الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله الذي جعله مطرودًا. الشيطان شرير بإرادته، ولم يصر ضد الصلاح بطبيعته كالتالي:

”أيضًا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لديه حرية، كان بمقدرته أن يظلَّ بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح. غبريال كان ملاكًا يقف دائمًا بالقرب من الله، والشيطان أيضًا كان ملاكًا، ولكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أمَّا بالنسبة للشيطان، فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به إلى أسفل. […] إذًا، الشرّ هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاتة صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب مَن نظر إلى فوق، أمَّا الظلام فهو مصير ذاك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا، فإن الشيطان صار شريرًا بإرادته، ولم يصر مُضادًا للصلاح بطبيعته“.[14]

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية هي فقدان أغطية النعمة

يشير ق. باسيليوس إلى أن أسباب سقوط الإنسان هي حسد إبليس الذي أوقعنا، وجعل عداوة الله داخلنا، وكانت النتائج هي: اعتياد فعل الشرور الذي ينشئ في النفس شرورًا أعظم حتى لو كان الضرر غير مُباشر، بالإضافة إلى التلذُّذ بمنظر العري والاهتمامات الجسدية الضارة. وفقدان أغطية النعمة بممارسة الرذيلة تحت تأثير إبليس، أي نعمة الله التي يلتحف بها الملائكة كالتالي:

”فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأنه يتشبه بالله، فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة، ووعده بأنه إذَا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله […] لم يُخلَق هذا الملاك [الشيطان] لكي يكون عدوًا لنا، ولكنه جراء الحسد انتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوًا لنا. وإذ رأى نفسه سقط من مكانة الملائكة، فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضيّ يرتفع مرتقيًا نحو رتبة الملائكة […] هكذا اعتياد فعل الشرور يُنشِئ في النفس شرورًا عظيمةً حتى لو كان الضرر لا يحدث بطريقةٍ مُباشرةٍ. […] لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرَّمة عصيان الوصية فقط، بل أيضًا معرفة العُري الجسديّ، لأنه مكتوب: ’فانفتحت أعينهما وعلِما أنهما عريانان‘ (تك 3: 7). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُري الجسديّ حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صُنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذّذ الإنسان بمنظر العُري، وعلى أية حال، فإن الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائمًا نحوه. […] إذًا، لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان مُعدًّا له نوعًا آخر من الأغطية إذَا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لا بد أن تغطي الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تُعطَ له الملابس مُباشرةً بعد خلقته، إذ كانت مُعدَّةً له كمكافأة له إذَا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها“.[15]

دحض تعليم الإرادة المستعبَدة للشر

يُؤكِّد ق. باسيليوس أنَّ الآب صالح والابن صالح، أمَّا الظلام، والموت، والضعف، تُنسَب إلى الشيطان رئيس هذا العالم والأرواح الشريرة وكل مَنْ يُعادِي قوة الطبيعة الإلهية، فالله ليس علة الموت ولا يعاقب بالموت كما يدَّعي البعض خطاءً. فلا تحمل هذه الأمور في جوهرها التضاد مع الصلاح؛ لأنه هكذا ترتد الإدانة إلى الله، بل هم وحدهم في حرية إرادتهم انجذبوا إلى الشر، لأنهم فقدوا الصلاح. وهكذا يدحض ق. باسيليوس تعليم أوغسطينوس عن الإرادة المقيَّدة بالشر بسب الخطية الأصلية الموروثة والمتأصلة في الطبيعة البشرية التي تجعل الإرادة البشرية مُجبَرة ومُستعبَدة لفعل الخطية كالتالي:

”نقول إنه نظرًا لأن الآب صالح، فإن الابن أيضًا صالح، ومن النور غير المولود، قد أشرق النور الأزليّ، ومن الحياة الحقة، قد أتى النبع المحيي، ومن القوة الذاتية ظهرت قوة الله، أمَّا الظلام، والموت، والضعف، فهي تُنسَب إلى رئيس هذا العالم، وإلى الأرواح الشريرة، وإلى كل ما يُعادِي قوة الطبيعة الإلهية. وهذا الأمور لا تحمل في جوهرها التضاد مع الصلاح، لأنه هكذا ترتد الإدانة على الخالق، بل هم وحدهم في حرية إرادتهم، لأنهم فقدوا الصلاح، وانجذبوا إلى الشر“.[16]

يدحض ق. باسيليوس التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر، مؤكدًا على أن المخلوقات تتمتع بحرية إرادة الاتجاه نحو الخير أو الشر، وهكذا تنال القداسة كمكافأة للنمو الروحيّ كالتالي:

”لأن المخلوقات تنال القداسة كمجازاة للنمو الروحيّ، وتتميم كل ما هو مرضي وحسن أمام الله، وهي تتمتع بحرية الإرادة، فيمكنها أن تتحول تجاه هذا الأمر، أو تجاه غيره، نحو الخير، أو نحو الشر“.[17]

انتقال الموت من آدم إلى الجنس البشري

يشير ق. باسيليوس إلى انتقال الموت إلينا من آدم الأول الساقط لأنه فينا، ولأننا تناسلنا منه، وسوف تظل الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم، لذلك قيل في آدم يموت الجميع، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا حتى مجيء المسيح آدم الثاني قائلاً:

فآدم الأول الذي سقط هو فينا؛ لأننا تناسلنا منه، وسوف تظلّ الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم؛ ولذلك قيل في آدم يموت الجميع (1كو 15: 22). وفيه أيضًا مَلَكَ الموت (رو 5: 17)، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا إلى أن جاء المسيح. ولقد حفظ الله الأبكار من المهلِك، لكي يعلن ما سيأتي، وهو أننا نحن الذين وُهِبنا الحياة في المسيح، سوف نحيا ولن نموت في آدم“.[18]

الخطية الجدية هي اغتراب عن الله

ويُوضِّح ق. باسيليوس تدبير المخلِّص باسترجاع الإنسان من السقوط والعودة من الاغتراب بسبب المعصية إلى شركة مباشرة مع الله كالتالي:

تدبير إلهنا ومخلصنا الخاص بالإنسان هو استرجاع الإنسان من السقوط، والعودة من الاغتراب الذي حدث له بسبب المعصية إلى شركة مباشرة مع الله؛ لذلك السبب جاء المسيح، وحلَّ في الجسد، وعاش حسب المثال الذي نراه في الأناجيل، وتألم على الصليب، وقُبِرَ وقام؛ لكي يُخلِّص الإنسان عندما يتمثَّل بالمسيح، ويعود إلى رتبة البنوة القديمة“.[19]

لا توجد خطية أصلية ضمن مفاعيل المعمودية

يشير ق. باسيليوس إلى نهاية الحياة الأولى الساقطة بالمعمودية، وولادة الإنسان من جديد بدفن أجساد المعمَّدين في الماء، ودفن أعمال الإنسان العتيق، وتطهير النفس من دنس الخطايا التي تنمو داخل النفس بسبب انغماس العقل في اللذات الجسدية. المعمودية لها فاعلية مزدوجة وهي: القضاء على جسد الخطية والموت، والحياة بالروح التي تُثمِر القداسة كالتالي:

”ولذلك، نحن لا نتشبه باليهود الذين يغتسلون إذَا تدنسوا؛ لأننا نعترف بمعمودية واحدة للخلاص (1بط 3: 21؛ أف 4: 5). والمعمودية واحدة؛ لأن الموت عن العالم واحد، وأيضًا القيامة من الموت واحدة، وهو ما ترمز له المعمودية الواحدة. ولذلك السبب أعطانا الرب مُدبِّر حياتنا عهد المعمودية وجعله رمزًا للحياة والموت. فالمياه تُكمِّل صورة الموت، أمَّا الروح فهو يعطينا عربون الحياة. ومن هنا يمكننا أن نجيب بوضوحٍ على السؤال عن علاقة الماء بالروح (يو 3: 5)، فغاية المعمودية مزدوجة: أولاً، القضاء على جسد الخطية لكي لا يثمر للموت (رو 6: 6؛ 7: 5). ثانيًا، الحياة بالروح التي تثمر القداسة (رو 6: 22)“.[20]

وهذا ما يؤكد عليه ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر، حيث يرى أن العماد هو فدية الأسرى، وتسديد الديون، وموت الخطيئة، وتجديد ولادة النفس، والرداء المتألق، والمركبة إلى السماء، وضمانة الملكوت، ونعمة التبني. ولم يذكر ضمن مفاعيل المعمودية أية إشارة إلى أن المعمودية هي لمغفرة خطية آدم الأصلية الموروثة كالتالي:

”العماد هو فدية الأسرى، وتسديد الديون، وموت الخطيئة، وتجديد ولادة النفس، والرداء المتألق، والمركبة إلى السماء، وضمانة الملكوت، ونعمة التبني“.[21]

الخطية الجدية هي فقدان الروح القدس

يشير ق. باسيليوس إلى إرادة الله في إعادة تجديد الإنسان ورد نعمة الروح القدس إليه التي حصل عليها بنفخة الله؛ ثم فقدها، ولذلك نفخ المسيح في وجوه تلاميذه ”اقبلوا الروح القدس […]“ (يو20: 22، 23). وهنا يؤكِّد ق. باسيليوس على سُكنى الروح القدس في الإنسان قبل السقوط وانفصاله عن الإنسان بعد السقوط، وإعادة المسيح له بعد ذلك بنفخته في التلاميذ كباكورة البشرية المخلَّصة، وهذا ما ذكره ق. كيرلس الإسكندريّ وأكَّد عليه كثيرًا كالتالي:

”لأنه لما أراد أن يُجدِّد الإنسان ويرد إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله، والتي فقدها الإنسان، قال وهو ينفخ على وجه التلاميذ: ’اِقبلوا الروح القدس، مَن غفرتم له خطاياه تُغفَر له، ومَن أمسكتم عليه الغفران أُمسِكَ عنه‘ (يو 20: 22، 23)“.[22]

مرض الشهوة والخطية في النفس الإنسانية

يؤكِّد ق. باسيليوس أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة، لذا ينبغي الصلاة لعدم التلامس مع الخطية في المرحلة الثانية، وتجنب ارتكاب الخطايا مُباشرةً كالتالي:

”يجب أن نحترص من هذا، لأنه أن يضيع أحدٌ وقته من خلال الرغبة في ارتكاب الخطايا، فإنه ينشئ داخل النفس عادةً ما راسخةً. إن شهوة النفس القديمة، وممارسة الخطية التي تجذَّرت وتأصلت فيها، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأن العادة في الغالب تتحوّل إلى طبيعة. إذًا، فجديرٌ بنا أن نصلي لأجل ألا نتلامس مع الخطية في المحاولة الثانية، وأن نتجنب بشكلٍ مباشرٍ ارتكاب الخطية كجوعٍ ناتجٍ عن هجوم حية سامة“.[23]

الخطية فعل إرادي

يشرح ق. باسيليوس حالة الإنسان قبل وبعد السقوط، حيث كان الإنسان حسنًا وصالحًا بالطبيعة، ولكنه ضعيف؛ لأنه سقط في الموت بالخطية بخداع الحية رأس الخطية ورئيس الخطية كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[24]

يُؤكِّد ق. باسيليوس على أنَّ الاضطراب النفسيّ هو تشوُّه وضعف نفسيّ ناتج عن الابتعاد عن الله كالتالي:

”وعندئذٍ يمكنها أن تتجاوز الاضطراب، والتخبط، والارتباك، تلك الأمور التي تُسبِّبها الشهوات. ولأن تحوُّل الله بوجهه عن النفس هو عكس إرادته، والاضطراب هو عكس الجمال والقوة، لذلك يكون الاضطراب هو تشويه وضعف للنفس ناتج عن الابتعاد عن الله“.[25]

يُشِير ق. باسيليوس إلى أنَّ الشر والخطية إراديين، حيث خلق الله قلوب البشر بسيطةً لحفظ صورتها الخاصة، ولكننا ربطناها بالشهوات الجسدية بعد ذلك، وجعلنا القلب مكانًا للشك، وحطَّمنا الصورة الإلهية والبساطة والوضوح والنية الخالصة. وهكذا يشير ق. باسيليوس إلى لزوم النعمة والأعمال للخلاص كالتالي:

”ومن المؤكَّد أنه ينظر لكل أحد عن قرب شديد، حتى أنه يرى أعماق القلوب التي خلقها دون أن تكون مُختلطةً بالشر. الله الخالق، خلق قلوب البشر بسيطةً لكي يحفظ صورتها الخاصة. ولكن نظرًا لأننا ربطناها بالشهوات الجسدية فيما بعد، لذلك قد جعلنا القلب موضع شك وارتياب، وكثير التشتُّت في أمورٍ متنوعةٍ وكثيرةٍ، بعدما حطَّمنا هذه الصورة الإلهية، والبساطة، والوضوح، والنية الخالصة“.[26]

ويؤكد ق. باسيليوس في نفس السياق على أن الفضية والشرّ هما فعلان إراديان، ولا يُدفَع الإنسان إليهما بالضرورة، داحضًا بذلك التعليم الأوغسطينيّ عن سبق التعيين المزدوج، والقدرية والجبرية الإلهية التي تدفع الإنسان إلى فعل سواء الفضيلة أو الشرّ كالتالي:

”لا يُتوَّج المائت ولا يتبرَّر إنسان لعجزه عن عمل الشرّ. على قدر استطاعتك تغلَّب على الخطيئة بالعقل. إن الفضيلة ترتكز على هذا: اجتنب الشر واعمل الخير (1بط 3: 1). عدم الشرّ، بحد ذاته، لا يستحق المكافأة ولا العقاب. إذَا امتنعت عن الخطيئة بسبب سنَّك، فهذه ثمرة ضعفك. إننا نُثنِي على أهل الفضيلة لاختيارهم الحر، ولا نُثنِي على مَن دُفِعوا إليها بحكم الضرورة“.[27]

الخطية الجدية هي تشوه صورة الله في الإنسان

يُؤكِّد ق. باسيليوس على ثبات الملائكة في الله بدون تغيير، ولكن الإنسان يتغيَّر بسبب تغيير جسديّ أو نفسيّ نظرًا لفساد طبيعة الإنسان الذي يُشبِه ذبول الزهور. وهذا هو تعريف الفساد الموجود في طبيعة الإنسان هو حالة التغيُّر والتبدُّل من حالة لأخرى، وهذا النوع من الفساد يختلف عن الفساد الأخلاقيّ أو الأدبيّ قائلاً:

”إذًا، فنحن الذين نتغيّر، وحقًا إننا المقصودون بكلمة التغيير الواردة في هذا المزمور. فالملائكة لا يخضعون للتغيير، ولا يوجد بينهم صبي، ولا شاب، ولا شيخ، بل يبقون في الحالة التي خُلِقوا بها منذ البداية، ووجودهم وكيانهم يظلّ صحيحًا وتامًا، وبلا تغيير. فنحن الذين يطرأ علينا تغيير جسديّ ونفسيّ، وبالنسبة للإنسان الداخليّ أيضًا، بأن نغيِّر الفكر مرارًا وتكرارًا وفقًا للظروف. […] أعتقد أن فساد طبيعة الإنسان يُوازي الذبول السريع للزهور“.[28]

يُوضِّح ق. باسيليوس نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وسيادة الموت على آدم حتى بالناموس الموسويّ، وسُكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يُشبِه الحيوانات قائلاً:

”إنه حقيقةً جنون بالغ، وخبث حيوانيّ. ألا يشعر الإنسان صورة خلقته الأولى، أي أنه خُلِقَ على صورة خالقه، ولا يريد أن يفهم الخطط التدبيرية العظمى للغاية التي وُضِعَت لأجله، ومن خلالها يعرف قيمة ذاته. ولكنه ينسى أنه لبس صورة الترابيّ، بعدما فقد صورة السماويّ (1كو 15: 49). […] والموت قد ملك من آدم حتى الناموس الموسويّ (رو 5: 14). […] فذاك قد نال الكرامة بدايةً من خلقته، ولكنه بسبب الخطية التي سكنت فيه، لم يشعر بذاته، هذا قد شُبِهَ بالحيوانات. وبعد ذلك، ولأنه أبعد نفسه عن كلمة الله، صار كمَّن لا عقل له، أي يُشبِه الحيوان، وبعدما اختطفه العدو كخروف لا راعي له، ووضعه في الجحيم، وسلَّمه إلى الموت لكي يرعاه“.[29]

يشير ق. باسيليوس إلى أنَّ طبيعة الإنسان طبيعة مُركَّبة تميل وتنحني بالخطية، وبالتالي، كان السقوط حتميّ بسبب الخطية كالتالي:

”إذًا، يبرهن هذا الكلام على أن طبيعة الإنسان التي هي طبيعة مُركَّبة، تميل وتنحني بالخطية، وعندئذٍ فإنها حتمًا ستنهار. ولكنها بعد أن يتمّ إصلاحها مرةً أخرى من قِبل الخالق، الذي خلقها منذ البدء، فإنها سوف تكتسب الطمأنية والحياة، والثبات، ولن تُعانِ من المكائد والمؤمرات التي تهدف إلى إسقاطها مرة أخرى. […] وهكذا كان السقوط بسبب الخطية حتميًا، ولكن عظيمةٌ هي القيامة بسبب ما حقَّقته من خلود“.[30]

استيطان مرض الخطية في النفوس الشريرة

يُشدِّد ق. باسيليوس أنَّ مرض الخطية مُستوطِن في نفوس الفجار والفسقة بسبب حياتهم الشريرة، كما خلق الله في داخل الإنسان ميزانه الخاص (ميزان تمييز الخير والشر) لمعرفة طبيعة الأمور كافة، هناك طبيعتان مُتضادتان فيما بينهما هما: الخير والشر، الحياة والموت، الفضيلة والرذيلة، وعلى الإنسان التمييز بينهما بحسب ميزانه المخلوق داخله كالتالي:

”إذًا، ما هذا الذي يقوله؟ إنَّ كل واحد منَّا، لديه في الخفاء ميزانًا ما، والذي صنعه الخالق في داخلنا، والذي فوقه من الممكن أن نعرف جيدًا طبيعة الأمور كافةً: ’قد جعلت قدامك الحياة والموت، الخير والشر‘ (تث 30: 15 سبعينية)، طبيعتان متضادتان فيما بينهما، فلتزن هذه الأمور، فوق ميزان نفسك، لتزن بدقةٍ، أيهما أكثر فائدةً بالنسبة لك، أن تُفضِّل اللذة الوقتية، ومن خلالها تذهب إلى الموت الأبديّ، أم بعدما تكون قد فضَّلت الجهاد في ممارسة الفضيلة، تستحدم هذه الفضيلة كنبع أو مصدر للتمتُّع الأبديّ“ .[31]

براءة الأطفال من أي شر

يشير ق. باسيليوس إلى براءة الأطفال واتضاعهم، بحيث ينبغي على المرء أن يتغيّر ويتحوّل ويصير مثل الطفل في براءته واتضاعه لكي يدخل الملكوت كالتالي:

”هكذا تستطيع أن تفهم هذه الكلمات. أي أنه تحوَّل، وصار طفلاً، وقَبِلَ ملكوت السموات مثل طفل (مت 18: 3) بنقاوة القلب. هكذا يقول: نزلت بنفسي إلى اتضاع الأطفال وبراءتهم، لأن ’الرب يحفظ الأطفال، لقد اتضعت فخلَّصني‘“.[32]

تصحيح مفهوم خاطئ عن الخطية الجدية

يشير ق. باسيليوس إلى أن آدم نقل الخطية إلى الجنس البشريّ بمخالفته الوصية، وهكذا نزيل نحن الخطية بواسطة إعطاء أخانا ما يحتاجه من طعام، يبدو من النص لأول وهلة أنه يشير إلى وراثة خطية آدم لنسله، ولكن عند استكمال النص، نجد أن ق. باسيليوس يعقد مقارنة بين الإنسان الأول الذي عرَّف البشر كيف يخطئون بتعديه الوصية بالأكل، وهكذا هم أيضًا بإرادتهم يخطئون كل واحد على حدة، وهكذا يمكن للإنسان أن يمحو هذه الخطية بإطعام أخيه الجائع، المعروف أن الخطية الأصلية الموروثة من آدم تُمحَى بالمعمودية بحسب المعتقد الأوغسطينيّ، وليس بإطعام الجائع. ولو سلَّمنا بذلك فالخطية الأصلية الموروثة من آدم يمكننا أن نمحوها بإطعام الجائع، وليس بالمعمودية بحسب المعتقد الأوغسطينيّ. فيبدو واضحًا أن النص لا علاقة له بوراثة الخطية الأصلية من آدم كما يتوهم البعض. كما أن وجه المقارنة بين آدم والإنسان الذي يُطعِم الجائع هو الأكل، فأحدهما بالأكل نقل الخطية، والثاني بالأكل، أي إطعام الجائع، يمحو الخطية. حيث يقول ق. باسيليوس التالي:

”لأنه هكذا كما أن آدم عندما أكل مخالفًا الوصية، نقل الخطية للجنس البشريّ، هكذا نحن نفعل العكس، نُزيل الخطية بواسطة إعطاء أخانا ما يحتاجه من طعام“.[33]

النفس مخلوقة وليست مولودة

يُفرِّق ق. باسيليوس الكبير بين الجسد المجبول والنفس المخلوقة، مُفرقًا بين فعلي ’جبل‘ و ’خلق‘ في نص سفر التكوين، في سياق شرحه لخلق الإنسان، مُؤكِّدًا على أن النفس مخلوقة وليست مولودة، وبالتالي، ليست حاملة لخطية آدم الأصلية الموروثة بسبب ولادتها من أبويها كالتالي:

”قال البعض إن الفعل ’جبل‘ قيل عن الجسم والفعل ’خلق‘ عن النفس. ربما لا تكون هذه الفكرة بعيدة عن الحقيقة. لأنه عندما قال الكتاب: ’فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه‘، استخدم الفعل ’خلق‘، وعندما تحدَّث الكتاب عن وجود الجسم استعمل الفعل ’جبل‘. فيُعلِّمنا داود المرتِّل الفرق بين خلق وجبل، عندما يقول: ’يداك خلقتاني وجبلتاني‘ (مز ١١٨: ٧٣؛ أي ١٠: ٨). لقد خلق الإنسان الداخلي [أي النفس] وشكَّل أو جبل الخارجي [أي الجسد]. فالتشكيل يتناسب مع التراب، والخلق يتناسب مع ما هو على حسب صورة الله، ومثلما شكَّل الجسد، خلق النفس“.[34]

 

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو

سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. باسيليوس الكبير، كمُمثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.

وراثة وزر عقاب خطية آدم

يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. باسيليوس الكبير، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:

”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[35]

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية

يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. باسيليوس الكبير، فلم يُعلِّم ق. باسيليوس بوراثة عبء دَّين خطية آدم وذنبه كالتالي:

”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[36]

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني

يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. باسيليوس الكبير ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[37]

يؤكِّد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. باسيليوس الكبير كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ كالتالي:

”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[38]

يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:

”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[39]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:

الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[40]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:

”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[41]

ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:

”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[42]

يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:

”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[43]

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط

يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير، بل يؤكد ق. باسيليوس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:

”بل هو يتحدَّث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[44]

يتحدَّث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:

”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[45]

ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:

”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[46]

ويتحدَّث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:

”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[47]

ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[48]

نحن بشر مجبولون بالشر

يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. باسيليوس الكبير، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:

”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[49]

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر

ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير كالتالي:

”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأ فعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[50]

ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. باسيليوس الكبير الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرَّد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:

”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[51]

الشهوة الجنسية شرّ

يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس تعليم ق. باسيليوس الكبير كالتالي:

”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[52]

يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحرِّكها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:

”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[53]

ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:

”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[54]

وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:

”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[55]

هلاك الأطفال غير المعمدين

يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:

”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[56]

يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً،حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:

وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[57]

يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:

”أسأل أيْن تُصاب النّفس بِالخطيئة الّتي بِنتيجتِها تسقُط في الهلاك الّذي لا يُعفى مِنه طِفل يموت بِدون نوال نِعمة المسيح بِالعِماد؟ لِأنّك لست مِن أولئِك الّذين ينطِقون بِأشياء جديدة، ويَذهبون إلى حدّ القوْل بِأنّه ليْس مِن خطيئة أصليّة يُعفَى مِنها الطِّفل بِالعِماد“.[58]

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم

يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. باسيليوس الكبير تمامًا. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[59]

ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[60]

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:

”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[61]

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني

يُعلِّم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. باسيليوس الكبير، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[62]

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية

ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. باسيليوس الكبير بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[63]

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة

يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. باسيليوس الكبير بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال آباء الشرق، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[64]

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر

ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[65]

ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة. وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[66]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيَّدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. باسيليوس الكبير الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:

”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[67]

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![68] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![69]

ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[70]

يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[71] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[72]

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية

يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل البذرية الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[73]

ماهية الخطية الأصلية

يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[74] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[75] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[76] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[77]

يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[78]

ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[79] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[80]

الشرور الموروثة من آدم

ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[81] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[82]

ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[83] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[84] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![85] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![86] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[87] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان

يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[88] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[89] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[90] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[91] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[92] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[93]

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[94] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[95]

يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![96]

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي

ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشرّ في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:

”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[97]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)

يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير آباء الشرق لنفس الآية كالتالي:

”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[98]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:

”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[99]

يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:

لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[100]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:

”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[101]

ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:

”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[102]

 

 

الخلاصة

نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. باسيليوس الكبير كمُمثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كمُمثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:

يرى ق. باسيليوس الكبير أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم. يرفض ق. باسيليوس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. باسيليوس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطينيّ، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. باسيليوس تعليم الفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.

يشير ق. باسيليوس الكبير إلى مفهوم الخطية الجدية باعتبارها فقدان أغطية النعمة بممارسة الخطيئة تحت تأثير الشيطان. ولا يذكر ق. باسيليوس ضمن مفاعيل المعمودية أية إشارة إلى أن المعمودية هي لمغفرة خطية آدم الأصلية الموروثة. كما يُؤكِّد ق. باسيليوس على أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة. يُوضِّح ق. باسيليوس نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وسيادة الموت على آدم حتى بالناموس الموسويّ، وسُكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يُشبِه الحيوانات.

يرى ق. باسيليوس الكبير أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومُجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط. وهكذا يُشدِّد ق. باسيليوس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية.

يُعلِّم ق. باسيليوس الكبير بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مُباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد المجبول من التراب، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. باسيليوس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية.

نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.

ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.

 

 

 

[1] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 4، ص 28، 29.

[2] المرجع السابق، عظة 2: 5، ص 29.

[3] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 28.

[4] المرجع السابق، ص 30، 31.

[5] حيث يقول ق. أثناسيوس في هذا الصدد التالي: ”أو ما الذي كان يجب على الله أن يعمله؟ أ يطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم؟ ويمكن أن يرى المرء أن هذا يليق بالله ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدي، فإنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد والخلود. ولكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله لأنه لن يكون الله صادقًا إنْ لم يظل الإنسان في قبضة الموت، لأنه تعدى فحُكِمَ عليه بالموت كقول الله الصادق. ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية. فلو كان تعدي الإنسان مُجرَّد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أمَّا الآن بعد أن حدث التعدي، فقد تورَّط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم ونُزِعَت منهم نعمة مماثلة صورة الله، فما هي الخطوة التي يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو مَن ذا الذي يستطيع أن يُعِيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلا كلمة الله الذي خلق في البدء كل شيء من العدم؟ لأنه كان هو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد، وأيضًا أن يصون صدق الآب من جهة الجميع. وحيث إنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، كان هو وحده القادر أن يعيد خلق كل شيء، وأن يتألم عوض الجميع، وأن يكون شفيعًا عن الكل لدى الآب“. (تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 7: 2-5، ص 18، 19).

[6] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 9 عن الصوم، ص 288.

[7] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 9: 4، ص 101.

[8] المرجع السابق، عظة 6: 1، ص 64.

[9] المرجع السابق، عظة 6: 7، ص 71.

[10] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 34، 35.

[11] المرجع السابق، ص 32، 33.

[12] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 16: 40، ص 119، 120.

[13] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2012)، ص 33، 34.

[14] المرجع السابق، ص 36.

[15] المرجع السابق، ص 37-40.

[16] باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، مقالة 2: 27، ص 182.

[17] المرجع السابق، مقالة 3: 2، ص 212.

[18] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 14: 31، ص 106.

[19] المرجع السابق، 15: 35، ص 110.

[20] المرجع السابق، ص 111.

[21] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 6 بعنوان ”تحريض على العماد المقدس“، ص 274.

[22] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 16: 39، ص 118.

[23] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 66.

[24] المرجع السابق، ص 171.

[25] المرجع السابق، ص 173.

[26] المرجع السابق، ص 205.

[27] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 6 بعنوان ”تحريض على العماد المقدس“، ص 275.

[28] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، ص 22، 23.

[29] المرجع السابق، ص 110-112.

[30] المرجع السابق، ص 144، 145.

[31] المرجع السابق، ص 150، 151.

[32] المرجع السابق، ص 168.

[33] باسيليوس الكبير (قديس)، لماذا القحط والجفاف، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2013)، ص 46.

[34] باسيليوس الكبير (قديس)، خلقة الإنسان، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٤)، عظة ٢: ٣، ص ٣٤، ٣٥.

[35] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 122، ص 551.

[36] المرجع السابق، العظة في مز 103: 6، ص 98، 99.

[37] أوغسطينوس، مدينة الله مج1، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: ١٠، ص 237.

[38] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 3: 7، ص 218.

[39] المرجع السابق، 3: 4: 9، ص 220.

[40] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 36، ص 50.

[41] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 13، ص 226.

[42] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 49، ص 68.

[43] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 14، ص 226.

[44] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 25، ص 38.

[45] المرجع السابق، الفصل 28، ص 41.

[46] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز118: 1، ص 328.

[47] On the Spirit and the Letter xxx. 52 (MPL 44. 234).

[48] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج2، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، العظة في مز 45: 13، ص 234.

[49] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج3، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2015)، العظة الأولى في مز 70: 2، ص 284.

[50] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 10: 21، ص 233.

[51] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 27، ص 40.

[52] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 12: 5: 5، ص 484.

[53] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[54] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547، 548.

[55] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 14: 18، ص 195، 196.

[56] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 9، ص 17، 18.

[57] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 118، ص 448.

[58] أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، رسالة 166: 6، ص116.

[59] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في 118: 5، ص 453.

[60] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، خطاب 131 من أوغسطينوس إلى چيروم، 3: 6، ص 323.

[61] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 16: 27، ص 329، 330.

[62] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، الخطاب من أوغسطينوس إلى أوبتاتوس 144: 5، ص 430.

[63] المرجع السابق، 144: 7، ص 432.

[64] المرجع السابق، خطاب 144: 9، 10، ص 434-436.

[65] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 2، ص 9.

[66] المرجع السابق، الفصل 3، ص 11، 12.

[67] المرجع السابق، الفصل 34، ص 48.

[68] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[69] المرجع السابق، ص 56.

[70] المرجع السابق، ص 60.

[71] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[72] المرجع السابق، ص 236.

[73] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 14، ص 126.

[74] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 3: 5، ص 250. ومدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 23، ص143، 144.

[75] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 13: 18، ص 271.

[76] المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.

[77] المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.

[78] المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.

[79] المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.

[80] المرجع السابق، ص 533.

[81] المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.

[82] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[83] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[84] المرجع السابق، ص 548.

[85] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[86] المرجع السابق، ص 56.

[87] المرجع السابق، ص 60.

[88] المرجع السابق، ص 69.

[89] المرجع السابق، ص 70.

[90] المرجع السابق، ص 71.

[91] المرجع السابق، ص 73.

[92] Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. by Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.

[93] Ibid, P.184.

[94] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[95] المرجع السابق، ص 236.

[96] المرجع السابق، 9: 5، ص 427.

[97] المرجع السابق، ص32-33.

[98] أوغسطينوس، عظات على المزامير ج2، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، عظة في المزمور 50: 10، ص 362، 363.

[99] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، ١٤: ٢٣، ص 201.

[100] Letter clxxxvi. 7. 23 (PL 33. 824).

[101] Letter clxxxvi. 7. 22; 6. 18 (PL 33. 823).

[102] On the Gift of Perseverance xiv. 37; xiv. 38; xiv. 40 (PL 45. 1016-1018).

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

“قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ».” (مز 110: 1).

לְדָוִ֗ד מִ֫זְמ֥וֹר נְאֻ֚ם יְהֹוָ֨ה | לַֽאדֹנִ֗י שֵׁ֥ב לִֽימִינִ֑י עַד־אָשִׁ֥ית אֹֽ֜יְבֶ֗יךָ הֲדֹ֣ם לְרַגְלֶֽיךָ.

 

كيف قرأه رسل العهد الجديد وطبقوه على المسيح؟

هذا المزمور لداود يتمتع بامتياز الاقتباس منه، أو الإشارة إليه، أكثر من غيره في العهد الجديد، عن أي فصل آخر في العهد القديم. وواضح بجلاء أنه مزمور عن المسيَّا. أولاً، كذاك المُمَجَّد على يمين الله، ثم كملك المجد الذي سيعود إلى الأرض ليمسك بصولجان المملكة العالمية، وأيضًا كالكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.

الآية الأولى من هذا المزمور واحدة من أكثر آيات العهد القديم اقتباسًا في العهد الجديد. اقتبسها يسوع في متى ٢٢: ٤٣-٤٥ وفي مرقس ١٢: ٣٦-٣٧، مبيّنًا كيف أنّ داود دعا المسيّا ربّه، مقرًّا بهذا أن المسيّا أعظم منه. اقتبسها بطرس في يوم الخمسين شارحًا أن داود تنبّأ بلاهوت يسوع وصعوده (أعمال الرسل ٢: ٣٤-٣٥). أشار بولس إليها في ١ كورنثوس ١٥: ٢٥، شارحًا حكم يسوع وهيمنته. اقتبسها صاحب الرسالة إلى العبرانيين في ١: ١٣ مشيرًا إلى تفوق يسوع على أي ملاك. أشار صاحب الرسالة إلى العبرانيين إليها في ١٠: ١٣ مبيّنًا حُكم يسوع وهيمنته.[1]

 

  • “قَائلًا: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»” (مت 22: 42-45).
  • ” ثُمَّ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: «كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 36 لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 37 فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟» وَكَانَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ يَسْمَعُهُ بِسُرُورٍ.” (مر 12: 35- 37).
  • وَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 42 وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 43 حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 44 فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» (لو20: 41- 44)
  • “لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ.” (أع 2: 34-35).
  • “لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.” (1 كو 15: 25).
  • “ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟” (عب 1: 13).
  • وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، 13 مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. (عب10: 12، 13)

 

كيف قرأته الكنيسة الأولى؟

يقول يوحنا فم الذهب:

لقد نزع فكرهم الخاطئ. لهذا السبب أدخل داود في الحوار (مت 22: 41-46)، حتى تُعرَف شخصيته ولاهوته بأكثر وضوح. لقد ظنوا أنه إنسان مجرد، ومع ذلك قالوا إن المسيح هو “ابن داود”. لهذا قدَّم لهم شهادة نبوية عن بنوته ومساواته لأبيه في الكرامة.[2]

 

يفسرها القديس كيرلس الكبير:

كيف يمكن أن الذي يملك على الكل مع الآب، يصعد إليه لينال مُلكًا؟ أجيب إنَّ الآب يعطي الابن أيضًا هذا المُلك من جهة كونه صار إنسانًا، لأنه عندما صعد إلى السماوات جلس عن يمين العظمة في الأعالي، منتظرًا أن يُوضَع أعداؤه تحت قدميه، لأنه قيل له من الآب: “اجلس عن يمين حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك”.[3]

 

يقول جيروم:

يعلن المُخَلِّص معنى تلك الكلمات في الإنجيل عندما سأل: إن كان المسيح هو ابن داود، كيف إذن يدعوه داود بالروح ربه؟ (مت 22: 43)… بالنسبة لنا ذاك الذي هو ابن هو أيضًا ابن داود، أنه ليس ابن وابن آخر. إنه ليس شخصيْن، واحد بكونه الله وآخر بكونه إنسانًا. وإنما ذاك الذي هو ابن الله هو بنفسه أيضًا ابن داود… فالله لا يجلس، إنما ذاك الذي اتخذ جسدًا يجلس، ذاك الذي قيل له أن يجلس هو الكلمة المتجسد.[4]

 

كتب أغسطينوس:

المسيح هو ابن داود وربُّه. إنه رب داود على الدوام وابنه حسب الزمن… هو رب داود المولود من الآب، وابن داود المولود ابنًا للعذراء مريم الذي حُبل به منها بالروح القدس. فلنتمسَّك بكليهما بشدة… فلو لم يهبنا ربّنا يسوع المسيح أن يصير إنسانًا لهلك الإنسان. [5]

 

 

ويقول مار إفرام:

لأن بجلوس المسيح، بناسوته المأخوذ منا، عن يمين الآب، استحققنا الروح القدس الذي به نُحَطِّم أعداءنا الشياطين والخطايا والآلام والآثام، ونغلب الموت والجحيم، ونصعد إلى السماوات، إلى حيث المسيح رأسنا الذي قد جعلنا له جسدًا.[6]

 

تفسير مختصر للنص:

 

قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي

 “يا لهذا التنازل العجيب من جانب يهوه ليسمح لأذن فانية بأن تسمع، ولقلم بشري بأن يدوّن حديثه السرّي مع ابنه المعادل له! كم ينبغي أن نقدّر حديثه الجليل هذا مع الابن، معلنًا إياه من أجل إنعاش شعبه. سبيرجن (Spurgeon)

في ع1 يقتبس داود قول الرب لربه: «اجلس عن يميني حتى (إلى أن) أضع أعداءك موطئًا لقدميك». والمفتاح لفهم هذا العدد هو في تحديد الشخصين المنفصلين اللذين يُشير إليهما بكلمة «رب». والاستخدام الأول للكلمة يشير، دون أي احتمال للخطأ إلى «يهوه». والكلمة الأخرى «ربي» هي كلمة “أدون” في العبرية، ومعناها “المعلِّم” أو “السيِّد“. وكانت تستخدم أحيانًا كاسم الله، وأحيانًا تستخدم “للمُعلِّم البشري“. ومع أن الكلمة نفسها لا تشير دائمًا إلى شخص إلهي، فالكلمات التي تليها تشير إلى أن كلمة «ربي» بالنسبة لداود “أدون” كانت تساوي الله.

ذات يوم، عندما كان يسوع يتكلَّم إلى الفريسيين في أورشليم سألهم: «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن مَنْ هو؟» وكانت إجابتهم صحيحة «قالوا له: ابن داود». ولكن يسوع بيَّن لهم أنه طبقًا لمزمور 110 (الذي يعترفون أنه عن المسيح)، أن المسيَّا سيكون أيضًا رب داود. فكيف يكون ابن داود وربه في نفس الوقت؟ وكيف يكون لداود الملك، ربًّا على الأرض؟

والإجابة هي بالطبع أن المسيَّا سيكون إلهًا وإنسانًا. وكإله سيكون «رب داود». وكإنسان سيكون «ابن داود». ويسوع نفسه، الذي جمع في شخصه الأُلوهية والبشرية، كان ربًا لداود وابن داود. كانت لحظة إظهار للحقيقة بالنسبة للفريسيين، ولكن بالرغم من كل الدلائل، لم يكونوا مستعدين للاعتراف بيسوع كالمسيَّا المُنتظَر. ولذلك نقرأ «فلم يستطع أحد أن يجبه بكلمةٍ. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحدٌ أن يسأله بتَّةً» (مت41:22- 46؛ انظر مر35:12- 37؛ لو41:20- 44).[7]

تُظهر حقيقة أن الرب (يهوه، إله عهد إسرائيل) يتكلم إلى شخص دعاه داود ربي (الرب – أدوناي) أن كُلًّا من يهوه وأدوناي في هذه الآية الله. · وعلى نحو خاص، يمكننا أن نقول إن يهوه هو الإله ثلاثي الأقانيم في ما يتعلق بأقانيم الآب والابن والروح القدس، حيث كل واحد منهم يهوه. وعادةً، عندما يُذكَر يهوه من دون صلة محددة بشخص الابن أو الروح القدس، فإننا نفترض أنه يشير إلى الله الآب. ولهذا، فإن الله الآب هنا يتكلم إلى المسيّا، الله الابن. · “يشير أدوناي إلى فرد أعظم من المتكلم. هنا حالة يقتبس فيها داود كلام الله الذي يطلب من شخص متميز آخر أعظم من داود أن يجلس عن يمين الله إلى أن يجعل أعداء هذا الشخص المتميز موطئًا لقدميه. ولا يمكن إلا أن يكون هذا الشخص المسيّا الإلهي، يسوع المسيح.” بويس (Boice)

 

 

 

ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ:

تَحَدَّث يهوه (الله الآب على نحو محدد) إلى المسيّا (الله الابن على نحو محدد)، طالبًا منه أن يجلس في مكانه متوَّجًا (أفسس ١: ٢٠؛ عبرانيين ٨: ١) إلى أن يقدم الآب النصر للابن. · ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي: “اكتمل عمله، ولهذا يمكنه أن يجلس. لقد أتقن عمله، ويمكنه أن يجلس عن يمينه. وستكون لهذا الأمر نتائج فخمة. ولهذا يمكنه أن ينتظر بهدوء ليرى النصر التام الأكيد الذي سيأتي.” سبيرجن (Spurgeon) · مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ: “سيوضع عبيدك وخدمك إلى أدنى خدمة وضيعة ممكنة، كما توحي العبارة (١ ملوك ٥: ٣؛ مزامير ١٨: ٣٩؛ ٩١: ١٣). وهذه الصورة مأخوذة من أسلوب الملوك الشرقيين الذين كانوا يدوسون رقاب أعدائهم المهزومين، كما في يشوع ١٠: ٢٤.” بوله (Poole).[8]

والجلوس عن اليمين هو للتكريم كما أن السيد الديان سيجلس عن يمين عرش الآب في الأعالي. والجلوس عن يمين الملك هو أعظم مظاهر التمجيد والتكريم (راجع 1ملوك 2: 19) والأعداء عند موطئ القدمين دليل الخضوع التام (1ملوك 5: 17). إن صهيون مركز صولجان هذا الملك (راجع إرميا 48: 17 وحزقيال 19: 11 – 14). فهو متسلط على الشعب وكذلك متسلط في وسط الأعداء (ميخا 5: 3 و4). (3) وشعب هذا الملك مندفع من نفسه في سبيل خدمته. أي حينما يدعوهم ليظهر قوته يتجندون حالاً يأتون مزينين كأنهم مولودون من الفجر ويشبهون الطل المتساقط أي الندى على وجه الأرض. يأتي الأحداث لهذه الخدمة لأنهم عز الملك بهم يتغلب على الأعداء لأنهم ذوو عزيمة وإقدام ولا يبخلون بأية تضحيات مهما عظمت.[9]

وكُتَّاب أسفار العهد الجديد، لا يدعون مجالاً للشك، أن الذي جلس عن يمين الله، ليس إلا يسوع المسيح الناصري (مت64:26؛ مر62:14؛ 19:16؛ لو69:22؛ أع 34:2، 35؛ 31:5؛ 55:7، 56؛ رو34:8؛ 1كو24:15؛ أف20:1؛ كو1:3؛ عب3:1، 13؛ 1:8؛ 12:10، 13؛ 2:12؛ 1بط22:3؛ رؤ21:3). ولذلك ع1 يُخبرنا بما قاله يهوه للرب يسوع في يوم صعوده، عندما جلس عن يمين الله ولكنه هناك فقط حتى (إلى أن) يوضع أعداءه موطئًا لقدميه.[10]

فهذا المزمور هو نبؤة عن انتصار المسيح النهائي على أعدائه حينما يجلس أخيراً عن يمين العرش في الأعالي (انظر أعمال 2: 34 وما بعده أيضاً 1كورنثوس 15: 25 وعبرانيين 1: 13 و10: 13) بل نجد كاتب الرسالة للعبرانيين يدعم نبؤته بذهاب الكهنوت اللاوي وقيام الكهنوت المسيحي على ما ورد بقوله على رتبة ملكي صادق (راجع عبرانيين 5: 6 و7: 17 و21).

 

 

يُرْسِلُ ٱلرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ:

لن تكون سلطة المسيّا مقصورة على إسرائيل. إذ ستمتد إلى العالم كله، فتهيمن على كل الملوك وشعوب الأرض، حيث يعطيه الله الحكم على الأعداء (تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ). آدم كلارك (Adam Clarke) هو بين الذين يعتقدون أن ’قَضِيبَ عِزِّكَ‘ يشير إلى رسالة الإنجيل: “رسالة الإنجيل هي عقيدة المسيح المصلوب. وهي صولجان الرب القوي الذي اشترانا. إنها رسالة سريعة وقوية وأمضى من كل سيف ذي حدّين. وهي قوة الله للخلاص لكل من يؤمن.”[11]

 

 

 

ما قاله المفسرون اليهود:

 

كتب يالكوت شموني Yalkut Shimoni:

“قال الحاخام يوسان للحاخام آها بار حننيا: في المستقبل سيجلس القدوس المبارك الملك المسيح عن يمينه وإبراهيم عن يساره، ويتجعد وجه إبراهيم ويقول: ابن ابني يجلس عن اليمين وأجلس على اليسار؟ لكن القدوس المبارك صالحه قائلاً: ابن ابنك يجلس عن يمينك وأنا أجلس عن يمينك…”[12]

 

ويكتب رابي شمعون:

والقدوس، المبارك، سيقاتل من أجل إسرائيل ويقول للمسيح: “اجلس عن يميني” [مزمور 110: 1]. فيقول المسيح لإسرائيل: اجتمعوا وقفوا وانظروا خلاص الرب».[13]

 

وجاء في تفسير يهودي اخر:

يقول سفورنو Sforno أن هذا المزمور مخصص للملك المستقبلي المسيح. فهو عن يمين الله، والملائكة الخادمون عن يساره. ستهاجم جيوش يأجوج ومأجوج، لكن الرب سيخضعهم حتى يزحفوا عند قدمي المسيح.[14]

 

وقد ترجمت في ترجوم يوناثان إلى:

“فقال الرب لكلمته”.[15]

 

وجاء في المدراش على المزامير:

… قال ر. يودان باسم ر.حما: في المستقبل عندما يجلس القدوس المبارك السيد المسيح عن يمينه كما قيل قال الرب لربي: “ اجلس عن يميني» (مز 110: 1).[16]

 

وأيضًا:

… فمن الذي خاض كل المعارك إذن؟ لقد كان القدوس المبارك: قال لإبراهيم اجلس عن يميني فأحارب عنك الحروب. ولم يتم توضيح أن الله فعل ذلك في السرد. من الذي جعل الأمر واضحا؟ داود الذي قال: قال الرب لربي: اجلس عن يميني. ويقال للمسيح أيضًا: وبالرحمة يثبت الكرسي، ويجلس له بالحق في خيمة داود يحكم (إش 16: 5).[17]

 

وتعليقًا على الآية الثانية من هذا المزمور، يقول المدراش:

… نفس هذه العصا أيضًا ستُمسك بيد المسيح الملك (فليكن ذلك سريعًا في أيامنا هذه!)؛ كما جاء في الكتاب: “يرسل الرب عصا عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك” (مز 2: 1).[18]

… وعصاك تشير إلى المسيح الملك.[19]

 

[1] ديفيد كوزيك، تعليقات على المزمور 110.

[2] Homilies on Matt 71: 2.

[3] Commentary on Luke, homily 128.

[4] Homily 36 on Ps. 109 (110).

[5] Ser. on N. T. 42:3.

[6] تفسير خر 24: 12-18.  

[7] وليم ماكدونالد، تعليقات على المزمور 110.

[8] ديفيد كوزيك، تعليقات على المزمور 110.

[9] تفسير وليم مارش، المزمور 110: 1- 3.

[10] وليم ماكدونالد، تعليقات على المزمور 110.

[11] ديفيد كوزيك، تفسير المزمور 110.

[12] How to Recognize the Messiah, Good News Society (Johannesburg, 2000), p.21; Yalqut Shimoni Ps. 110, Nedarim 32b and Sanhedrin 108b. The subject is also touched upon in: David M. Hay, Glory at the Right Hand Psalm 110 in Early Christianity, New York 1973

[13] T’fillat R. Shimon ben Yochai

[14] Artscroll Tenach Commentary Tehillim

[15] Targum of Jonathan

De Cathol. Arean. Ver. l. 3. c. 5. & l. 8. c. 24.

[16] Midrash on Psalms, Book One, Psalm 18, 29.

Tom Huckel, The Rabbinic Messiah (Philadelphia: Hananeel House, 1998). Ps 110:1.

[17] Midrash on Psalms, Book Five, Psalm 110, 4.

[18] Midrash Rabbah, Numbers XVIII, 23.

[19] Midrash Rabbah, Genesis LXXXV, 9.

 

قال الرب لربي اجلس عن يميني – قراءة يهودية للنبوة – أمجد بشارة

أغسطينوس عظة 2 على متى 3: 13 بشان الثالوث – د. عادل زكري

أغسطينوس عظة 2 على متى 3: 13 بشان الثالوث – د. عادل زكري

أغسطينوس عظة 2 على متى 3: 13 بشان الثالوث – د. عادل زكري

أغسطينوس عظة 2 على متى 3: 13 بشان الثالوث – د. عادل زكري

 

تحميل الكتاب PDF

أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري

أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري

أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري

أغسطينوس الرسالة إلى كونسينتيوس – د. عادل زكري

 

تحميل الكتاب PDF

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

 الفصل (51): الإيمان هو أساس كل بر

 

          اقترح بر الناموس في تلك النصوص التي كل من يفعلها يحيا فيها؛ ويكون الغرض هو أن عندما يكتشف كل فرد ضعفه لا يقدر بقوته الذاتية ولا بحرف الناموس (الذي لا يقدر أن يفعله) ولكن بالإيمان جامعا بين الله الذي يبرر، فيدركه، ويفعله، ويعيش فيه.

إذ أن العمل الذي يعيش فيه من يقوم يفعله لا يتم إلا بواسطة الشخص الذي تبرر ومع ذلك فإن تبريره قد حصل عليه الإيمان ومكتوب بخصوص الإيمان “وأما البر الذي بالإيمان فيقول هكذا لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحد المسيح أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات.

لكن ماذا يقول. الكلمة قريبه منك في فمك وفي قلبك أي كلمة الإيمان التي نكرز بها لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت” (رو10: 6-9)

          وكلما خلص كلما كان بارا لأن بهذا الإيمان نثق أن الله سيقيمنا من الموت حتى الآن في الروح لكي يمكننا في هذا العالم الحاضر أن نعيش بتعقل وبر وتقوى في تجديد نعمة الله وعما قريب في جسدنا الذي سيقوم ثانية للخلود

          وهو في الحقيقة ثواب الروح الذي يسبقه قيامة تخص الله ويكون هذا بالتبرير “لأننا دفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في جده الحياة” (رو6: 4)

          لذلك فإننا ننال الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح سواء المسيح سواء كان هذا بالحقيقة في داخلنا وفي حد ترقب إتمامه: “لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص” (رو10: 13) ويقول المرتل: “ما أعظم جودك الذي ذخرته لخائفيك وفعلته للمتكلين عليك تجاه بني البشر” (مز31: 19″). بالناموس نخاف الله وبالإيمان نرجو في الله.

          ولكن النعمة تختفي في الذين يخافون العقاب- والنفس التي تعمل تحت هذا الخوف بما أنها لم تتغلب على شهوتها الشريرة والتي لم يختف منها هذا الخوف الذي يشبه سيدا قاسيا- ليتها تلتجيء إلى رحمة الله لكي يعطيها ما يأمر به ملهما فيها عذوبة نعمته بروحه القدوس يجعل النفس تبتهج أكثر بما يعلمها الله مما تبتهج بما يعارض إرشاداته بهذه الطريقة تكون أن عذوبة الله الوفيرة التي هي ناموس الإيمان- محبة الله التي هي في قلوبنا، ومنسكبة فيها ويكون الرجاء في الله كاملا فيها- هذا الصلاح يمكن أن تصنعه النفس- لا يبرأ بالخوف من العقاب ولكن بمحبة الب

 

 الفصل (52): النعمة تثبت الإرادة المطلقة

 

          أفنبطل إذاً الإرادة المطلقة بالنعمة؟ حاشا كلا فإننا نثبت الإرادة المطلقة لأنه حتى ناموس الإيمان لا يبطل الإرادة المطلقة بل يثبتها. لأنه لا يتم الناموس إلا بإرادة مطلقة ولكن بالناموس معرفة الخطية، بالإيمان إحراز النعمة ضد الخطية، بالنعمة شفاء النفس من مرض الخطية، بصحة النفس حرية الإرادة، بالإرادة الحرة محبة البر، بمحبة البر إتمام الناموس.

وبناءاً على ذلك فإن الناموس لم يبطل بل أثبت بالإيمان لأن الإيمان ينال النعمة التي بها يتم الناموس لذلك فإن الإرادة الحرة لا تبطل بالنعمة بل تثبت لأن النعمة تعالج الإرادة التي بها يصبح البر محبوبا جدا.

          والآن فكل المراحل التي جمعتها مما في ربط متوالٍ لها أصواتها الخاصة في الكتب المقدسة: يقول الناموس “لا تشته” (خر20: 17) ويقول الإيمان “اشف نفسي لأني قد أخطأت إليك” (مز 41: 4) ويقول النعمة: “ها أنت قد برئت فلا تخطيء أيضا لئلا يكون لك أشر” (يو5: 14) وتقول الصحة: “يا رب إلهي استغثت بك فشفيتني” (مز30: 2) وتقول الإرادة المطلقة: “أذبح لك منتدبا” (مز54: 6)

          وتقول محبة البر: “المتكبرون قد كروا لي حفائر ذلك ليس حسب شريعتك ” (مز119-85). إذاً كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا إما بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرروا؟

          أنهم لم يدركوا أن مجرد ذكرهم للإرادة الحرة ينطقون اسم الحرية. ولكن “حيث روح الرب هناك حرية” (كو3: 17) فلذلك لو كانوا عبيدا للخطية فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو لو مستعبد أيضا (2بط2: 19) ولكن إذا تحرروا لماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم ويفتخرون كما لم يأخذوا؟ أو هل يتحرون لدرجة أنهم لا يختارون الله رباً لهم الذي يقول لهم: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً” (يو15: 5)

          “وإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا”؟ (يو8: 36)

 

 الفصل(53): الإرادة والمقدرة

 

          بيسأل البعض هل الإيمان نفسه الذي يبدو منه أن يكون إما بذاته الخلاص أو بداية لتلك السلسلة التي تقود إلى الخلاص التي ذكرتها سابقا- يكون في مقدرتنا يمكننا أن نرى ذلك بسهولة إذا درسنا جيدا معنى كلمة “مقدرتنا” إذاً يوجد شيئان: الإرادة والمقدرة..

من المتبع أن ليس كل من عنده الإرادة عنده بناءاً عليها المقدرة أيضا لأننا أحيانا نريد شيئا لا نقدر أن نفعله وكذلك أيضا أحيانا يمكننا عمل شيء لا نريده وعندما نتأمل جيدا الكلمات نفسها سنكتشف أن كلمة “volition” مشتقة من willingness –

وكلمة “ability” مشتقة من “ableness” [that is, in the Latin “volutes” choice, will, volition comes from “velle” (to wish, desire, determine) and patestas (power, ability) from posse” (to be able).-w] ” بناءاً على ذلك فإن الإنسان الذي يرغب له الإرادة، كذلك أيضا الذي يقدر له المقدرة- ولكن لابد أن توجد الإرادة لكي يتم فعل شيء بالمقدرة.

إذ أن عادة لا يفعل أي إنسان شيئا بمقدرته لو فعله كرها بالرغم من، في نفس الوقت، لو لاحظنا بأكثر تدقيقا- حتى الشيء الذي أجبر الإنسان أن يفعله كارها فهو يفعله بإرادته؛ إلا أنه يدعي فاعل غير راغب أو يفعل ضد إرادته لأنه يفضل شيئا آخر. أنه بالحقيقة مجبرا ببعض التأثير السماء أن يفعل ما يفعله تحت إجبار راغبا في تخلصه أو إزالته من طريقة. لأنه لو كانت إرادته قوية جدا حتى أنه يفضل أن لا يفعل هذا لكي لا يعاني من تلك وفوق كل شك فإنه يعارض النفوذ الإجباري ولا يفعله.

وبناءاً على ذلك لو فعله فلا يكون بإرادة كاملة وحرة. ولا يقبله أيضا بدون إرادة وبما أن الإرادة يتبعها تأثيرها فلا نقدر أن نقول أنه يحتاج إلى المقدرة على فعله- وإذا رغب في الحقيقة أن يفعله مستسلما للإجبار ولكنه لم يستطع بالرغم من أننا لو سمحنا بوجود إرادة مجبرة فسوف نقول أيضا أن المقدرة لم تكن موجودة.

ولكن عندما لم يفعل الشيء لأنه كان غير راغب إذاً بالطبع كانت المقدرة موجودة ولكن الإرادة لم تكن موجودة لأنه لم يفعله بصده للتأثير المجبر. لهذا فإن حتى الذين هم يجبرون أو يقنعون اعتادوا أن يقولوا لماذا لم تفعل ما في مقدرتك، لكي تتجنب هذا الشر؟

بينما الذين هم غير قادرين تماما أن يفعلوا ما أجبروا على عمله لأنهم افترضوا أن يكونوا قادرين دائما ويجيبون مشتكين أنفسهم ويقولون كنت أحب أن أفعله لو كان ذلك في مقدرتي. فماذا نطلب أكثر لأننا نسمي المقدرة عندما تضاف إلى الإرادة كفاءة العمل؟ بناءاً على ذلك يقال أن كل فرد يفعل ما في مقدرته إذا أراد- وأن لا يفعل إذا لم يرد.

 

 الفصل (54): هل الإيمان في مقدرة الإنسان

 

          أصغ الآن إلى النقطة التي نطرحها للمناقشة: هل الإيمان في مقدرتنا؟

          نحن نتكلم عن ذلك الإيمان الذي نستعمله عندما نصدق أي شيء وليس ذلك الذي نعطيه عندما نصنع وعدا، لأن هذا يسمى إيمان.

          نحن نستعمل الكلمة بمعنى عندما نقول: “ليس عنده ثقة فيَّ” وبمعنى آخر عندما نقول:”لا يحفظ الثقة معي” وتعني الجملة الأولى” أنه لا يصدق ما أقوله” وتعني الجملة الثانية “أنه لم يفعل ما وعد به”

          بموجب الإيمان الذي نؤمن به فإننا نكون أمناء لله ولكن بموجب ذلك الذي به يمر الشيء الذي يتعهد به الله نفسه يكون أمينا لنا، لأن الرسول يصرح: “الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون” (1كو10: 13)

          إن الأول هو الإيمان الذي نسأل عنه هل هو في مقدرتنا؟ حتى الإيمان الذي به نصدق الله أو نؤمن بالله إذ أنه مكتوب عن هذا: “آمن إبراهيم بالله فحسب له براً” (رو4: 3-تك15: 6)

          تأمل الآن إذا آمن أي شخص وكان كارها أو إذا لم يؤمن وكان يرغب ذلك مثل هذا الوضع في الحقيقة يعتبر غير معقول (لأن الذي يعتقد بل راضيا بصدق ما قيل؟ وهذا الرضى هو بكل تأكيد إراديا) لذلك فإن الإيمان هو في مقدرتنا. ولكن مثل ما يقول الرسول: “لأنه ليس سلطان إلا من الله” (رو13: 1) فماذا يكون السبب إذاً لماذا لم يقل لنا حتى عن هذا: “لماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟” (1كو4: 7) لأنه حتى الله هو الذي يعطينا أن نؤمن. ومهما كان فإننا نجد أصلا هذا التصريح في الكتاب المقدس مثل: ليست مشيئة إلا وتأتي من الله.

          وبالحقيقة لم تكتب كذلك لأنها ليست صادقه. وإلا سيكون الله منشيء الخطايا (حاشا!) وإذا لم تكن هناك إرادة أخرى سوى التي تأتي من الله نظرا لأن أي إرادة شريرة هي وحدها خطية إذا كانت بدون سبب- بمعنى آخر إذا لم تكن لها المقدرة. ولكن إذا أخذت الإرادة الشريرة المقدرة على إتمام غرضها فإن هذا يصدر عن حكم الله الذي به لا يوجد شر (رو9: 14) ويعاقب الله على هذا النمط، ولا يكون قصاصه غير عادل لأن هذا سرا

          مع أن الإنسان الشرير لم ينذر بأنه سيعاقب إلا عندما يكتشف بغير إرادته بعقاب مكشوف كم ارتكب الشر بإرادته كثيرا.

          هذا تماما ما قاله الرسول عن بعض الناس: “أسلمهم الله في شهوات قلوبهم…. ليفعلوا ما لا يليق” (رو1: 24، 28)

          لذلك قال الرب أيضا لبيلاطس: “لم يكن لك علىَّ سلطان البتة لو لم يكن قد أعطيت من فوق” (يو19: 11) ولكن أيضا عندما تعطى المقدرة، فبكل تأكيد ليست هناك ضرورة مفروضة.

لذلك مع أن داود أخذ المقدرة على قتل شاول إلا أنه فضل مصارعته عن ضربه (1صم24: 7، 26: 9) لذلك أن الناس الأشرار يأخذون المقدرة لأجل الدينونه على إرادتهم الدنيئة بينما يأخذ الناس الصالحين المقدرة لكي يختبروا إرادتهم الصالحة.

 

 الفصل (55): ما هو الإيمان الحميد

 

          بما أن الإيمان إذاً هو في مقدرتنا نظراً إلى أن كل فرد يؤمن عندما يريد وعندما يؤمن يكون ذلك طوعاً ويكون تحقيقنا التالي الذي يجب أن نجريه بعناية: ما هو الإيمان الذي يمدحه الرسول بغيرة كبيرة؟ إذ أن الإيمان الذي لا يميز لا يعتبر صالحا.

          لذلك نجد هذا التحذير: “أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله” (1يو4: 1) ولا يجب أن عبارة مدح المحبة “التي تصدق كل شيء” (1كو8: 7) تفهم كذلك كما لو كنا تستخف بمحبة أي إنسان إذا رفض أن يصدق ما يسمعه في الحال لأن نفس المحبة تحذرنا أنه لا يجب علينا أن نصدق بسرعة أي شيء يقال على الأخ. وإذا قيل شيء من هذا النوع عنه فهل عدم تصديقه هذا يحسب مناسبا جدا لسجيته؟ أخيرا نفس المحبة “التي تصدق كل شيء” لا تصدق كل روح.

          بناءاً على ذلك فإن المحبة تصدق كل شيء بدون شك ولكن تثق في الله. لاحظ أنه لم يقل أنها تثق في كل الأشياء لذلك لا يمكن أن يشك في أن الإيمان الذي يمدحه الرسول هو الإيمان الذي به نثق في الله (رو4: 3)

 

 الفصل (56): يختلف إيمان الذين تحت الناموس من إيمان الآخرين

 

          ولكن مع ذلك يوجد اختلاف آخر يجب أن نلاحظه

          بما أن الذين هم تحت الناموس كل يسعى ليعمل بره خلال الخوف من العقاب، ويفشلون في عمل بر الله لأن هذا تم بواسطة المحبة للذي يسر فقط بما هو ليس شرعياً، وليس بالخوف الذي يجبر بأن يكون في عمله الشيء الشرعي- بالرغم من أنه عنده شيئاً آخر في إرادته الذي يفضله إذا كان هذا ممكنا أن هو ليس شرعياً يصبح شرعياً.

هؤلاء أيضاً يثقون في الله لأنهم لو لم يكن عندهم إيمان بالله بالطبع أيضاً لا يكون عندهم أي خوف من عقاب ناموسه ومع ذلك فليس هذا هو الإيمان الذي يمدحه الرسول فهو يقول: ” إذا لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبانا الآب” (رو15:8)

          إذاً فالخوف الذي نتكلم عنه هو استعبادي ولذلك مع وجود إيمان بالرب إلا أنه لا يحب البر به بل يخاف العقاب. مع ذلك ينادي أولاد الله: “أبانا الآب” إحدى الكلمات التي ينطق بها الختان، والأخرى إحدى كلمات الغرلة. اليهودي أولا ثم اليوناني (رو9:2) “لأن الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30:3)

          وفي الحقيقة عندما نطقوا هذا النداء فإنهم يطلبون شيئاً، وماذا يطلبون غير ذلك الذي يجوعون ويعطشون إليه؟ وماذا يكون هذا غير ذلك الذي قيل عنهم: “طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون” ؟ (مت6:5) –

دع إذاً هؤلاء الذين تحت الناموس يجتازوا إلى هنا ويصبحوا أبناء بدل العبيد، وأيضاً لا يبطلون أن يكونوا عبيداً فقط بل أيضاً بينما هم أبناء مازالوا يخدمون ربهم وأبيهم بحرية لأن Only begotten : “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” (يو12:1) وقد نصحهم الله أن يسألوا ويطلبوا ويقرعوا لكي يعطوا ويجدوا ويفتح لهم (مت7:7)

          لذلك فإن ذلك الناموس الذي هو قوة الخطية يشعل شوكة الموت وحتى الخطية وهي متخذه فرصة بالوصية أنشأت كل شهوة فيهم، فمن الذي يجب أن يطلبون منه عطية العفة تسوى الله الذي يعرف كيف يعطي أولاده عطايا صالحة؟

          ربما مع ذلك يكون إنسان في حماقته غير دارٍ بأن لا أحد يستطيع عفيفاً إلا إذا أعطاه الله هذه العطية وفي الحقيقة لكي يعرف هذا فهو يطلب الحكمة نفسها (الحكمة 21:8) لماذا إذاً لم ينصت لروح أبيه متكلما على لسان رسول المسيح أو حتى المسيح نفسه الذي يقول في إنجيله ” اطلبوا تجدوا ” (مت7:7) والذي يقول أيضاً بواسطة رسوله:

” إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطي له ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة” (يع 5:1، 6) هذا هو الإيمان الذي يحيا به البار (رو 1: 17) هذا هو الإيمان الذي به يؤمن بالذي يبرر الفاجر (رو5:4) – هذا هو الإيمان الذي بواسطته انتفى الافتخار (رو27:3) إما بتقهقر ذاك الذي به نصبح منتفخين بأنفسنا أو بقيامة ذاك الذي معه نتمجد في الرب.

هذا أيضا هو الإيمان الذي به ننال هبة “الروح” الذي قيل عنها: “فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر” (غلا5:5) ولكن هذا يسلم أيضا بسؤال إذا قصد “برجاء بر” ما يرجوه البر أو الذي به يكون البر هو نفسه ما نرجوه؟ لأن البار الذي يحيا بالإيمان يرجو الحياة الأبدية دون أدنى شك وكذلك الإيمان الذي يجعل الجياع والعطاش إلى البر يتقدمون به بتجديد الداخل يوما فيوما (2كو16:4) ويرجو أن يشبع به في الحياة الأبدية. حيث يتحقق ما قيل عن الله في المزمور: “الذي يشبع بالخير عمرك” (مز5:103).

          وأيضا هذا هو الإيمان الذي به خلصوا والذين قيل عنهم: “لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله. ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد. لأننا نحن مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها”(أف8:2-10) وهذا باختصار هو الإيمان الذي لا يعمل بالخوف بل بالمحبة (غلا6:5) ليس بالخوف من العقاب ولكن بمحبة البر.

لذلك من أين تنشأ هذه المحبة – أي الود – بأي إيمان تعمل إذا لم يكن من نفس المصور الذي يأخذ منه الإيمان نفسه؟ لذلك لا يمكن أن يكون داخلنا حتى تتسع فينا إلا إذا انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رو5:5).

          والآن “محبة الله” وقد انسكبت في قلوبنا ليس لأن الله يحبنا ولكن لأنه جعلنا أحباء له بالضبط مثل “بر الله” (رو21:3) تستعمل بمعنى أننا نصير أبراراًَ بواسطة عطية الله.”وأيضاً خلاص الرب” (مز3: 8) بمعنى أننا به نخلص وأيضاً “الإيمان بيسوع المسيح” (غلا16:2) لأنه يجعلنا مؤمنين به – هذا هو بر الله الذي لا يعلمنا إياه فقط بوصية ناموسه بل أيضا يمنحنا إياه بروحه القدوس.

 

 الفصل (57): من أين تأتي الإرادة التي تجعلنا نؤمن

 

          باختصار يبقى لنا أن نسأل, هل الإرادة التي بها نؤمن تكون نفسها عطية من الله أم إنها تنشأ من تلك الإرادة المطلقة التي غرست طبيعيا فينا؟

          إذا قلنا إنها ليست عطية من الله فلابد إذاً أن نتعرض للخوف من افتراضنا إننا اكتشفنا بعض الإجابة على نداء الرسول التوبيخي: “لأنه من يميزك وأي شيء لم تأخذه. وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟ (1كو7:4) وحتى مثل هذه الإجابة: “انظر أن لدينا الإرادة أن نصدق الذي لم نأخذه انظر في أي شيء تفتخر حتى فيما لم نأخذ!

          ومع ذلك سيكون سخيفا لو قلنا أن هذا النوع من الإرادة لا يعتبر شيئا بجانب عطية الله كي لا يستطيع الغير المؤمنين والفجار أن يجدوا بعض العذر لعدم إيمانهم في حالة رفض الله إعطائهم هذه الإرادة والآن هذا الذي يقوله الرسول:

“لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (في13:2) يخص تلك النعمة التي يحميها الإيمان لكي تكون الأعمال الصالحة في مقدرة الإنسان حتى الأعمال الصالحة التي يتممها الإيمان بالمحبة التي تنسكب في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا إذا آمنا إنه يمكننا أن ننال هذه النعمة (وطبعا نؤمن اختياريا) حينئذ يظهر السؤال. من أين نحصل على هذه الإرادة؟ إذا كانت من الطبيعة فلماذا لا تكون تحت أمر كل إنسان لأن الله هو وحده خلق كل الناس؟

          وإذا كانت من عطية الله, فلماذا إذاً لم تتح (تمنح) هذه العطية للجميع لأن: “الله يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون”؟ “(1تي4:2).

 

 (الفصل 58): إرادة الإنسان الحرة هي قوة متوسطة

 

          دعنا أول كل شيء نطرح هذا الاقتراح ونرى هل يكفي الموضوع الذي هو أمامنا: الإرادة الحرة التي هي طبيعيا أعطاها الله لعقلنا السديد في مثل هذه القوة المتوسطة مثل استطاعتها أما أن تميل ناحية الإيمان أو تتحول إلى عدم الإيمان ونتيجة لذلك فلا يمكن أن يقال أن الإنسان له تلك الإرادة التي بها يؤمن بالله دون أن يأخذها لأن هذا صور في نداء الله بعيدا عن الإرادة الحرة الذي يأخذها الإنسان طبيعيا عندما خلق.

لأن الله بدون شك يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1تي4:2) ولكن مع ذلك لا ينتزع منهم الإرادة المطلقة لأن الاستعمال الصالح أو السيئ لما يستطيعون عمله لابد أن يقدر على أساس من البر وتكون هذه هي حالة من لا يؤمنون الذين يفعلون ضد إرادة الله عندما لا يؤمنون بإنجيله ومع ذلك لا يخضعون لإرادة ولكن يسلبون أنفسهم من الصلاح العظيم بل الأعظم ويومتون أنفسهم في استحقاقات العقاب وبالخبرة مقضي عليهم بسلطان الله في العقاب الذين استهانوا برحمته في عطاياه.

          وهكذا فإن إرادة الله لا تقهر على الأبد ولكن تقهر إذا لم تدبر ماذا تفعل مع مثل هؤلاء الذين يستهينون بها أو إذا استطاع هؤلاء المستهينون بأي طريقة الهروب من العقاب الذي رسمه الله لمثل هؤلاء وعلى سبيل المثال. افترض أن سيدا جاء يقول لخدامه أريدكم أن تعملوا في كرمي. وبعد إتمام العمل ستعيدون وتأخذون الراحة.

ولكن الذي في نفس الوقت يستدعى آخر رفض أن يعمل في المعصرة على الدوام. من الواضح أن الذي أهمل مثل هذا الأمر سيتصرف عكس (ضد) إرادة السيد, ولكنه سيفعل أكثر من ذلك ويقهر تلك الإرادة إذا هرب من المعصرة.

ومع ذلك فإن هذا لا يمكن أن يحدث تحت تدبير الله لذلك كتب “الكلمة كان عند الله” وهذا لا ينقض بالرغم من أن العبارة يمكن أن تشير إلى “كلمة الله الواحدة” (يو1:1) وحينئذ يضيف ما نطقه الله والذي لا ينقض قائلا: “مرة واحدة تكلم الرب وهاتين الاثنتين سمعت أن العزة لله ولك يارب الرحمة لأنك تجازي الإنسان كعمله” (مز12,11:62).

          وبناءاً على ذلك سيكون مذنبا عند دينونة الله تحت سلطانه, من يفكر بازدراء لرحمة الله لكي يؤمن به. ولكن كل من يثق في الله ويخضع له لأجل غفران كل خطاياه, لأجل شفاء كل فساده, لأجل تحسين وإضاءة نفسه بحرارة الله ونوره سينال أعمالا صالحة بنعمته وبهذه الأعمال (Exquilus) سوف يكون متخلصا من فساد الموت حتى في جسده, راضيا بالبركات ليس وقتيا بل أبدياً. أكثر مما يطلب أو يدرك.

الروح والحرف 10 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الفصل (48): إن صوت الله لم تمح كليه من هؤلاء الغير مؤمنين- خطايا بسيطة

 

          ومع ذلك بالنسبة للبعض الذين يفعلون بالطبيعة الأشياء التي في الناموس لا يجب اعتبارهم بعد ضمن هؤلاء الذين تبررهم نعمة المسيح بل على العكس فبين هؤلاء البعض الذين لا يمكننا فقط لومهم (على الرغم من أنهم ضمن الناس الذين لا يعبدون الله بالصدق والحق)، بل أيضا مدحهم بالعدل والحق- منذ فعلوها كما نقرأ أو نعرف أو نسمع وتبعا لقاعدة البر مع أننا في نفس الوقت يجب أن نناقش السؤال لمعرفة ما الدافع على فعلهم هذا أنهم بالكاد يجب أن يوجدوا هكذا كمستحقي المدح والحماية التي ترجع إلى تدبير البر.

وأيضا بما أن صورة الله لم تمح تماما من عقل الإنسان بوصمة المشاعر الأرضية كما لو ترك باقيا هناك لا يتعدى نفس ملامحها لذلك كان لابد أن يقال بالضبط أن الإنسان حتى في حياته الشريرة يفعل أو يستحسن بعض الأشياء التي يحتوي عليها الناموس إذا كان هذا هو ما يقصد بالتقرير أن “الأمم الذين ليس لديهم الناموس” (الذي هو ناموس الله) يفعلون بالطبيعة ما في الناموس” (رو2: 14) وهؤلاء الناس الذين لهم هذه الصفة هم ناموس لأنفسهم ويظهرون على الناموس مكتوبا في قلوبهم.

هذا ليعبر عن أن الشيء الذي ختم في قلوبهم عندما خلقوا في صورة الله لم يمح كليه: حتى بالنظر إلى هذا الموضوع، هذا الاختلاف العريض لا يشوش ما يفرق بين العهد الجديد والقديم وأنه في الحقيقة بواسطة العهد الجديد كتب ناموس الله في قلوب المؤمنين بينما نقش في العهد القديم على ألواح من الحجارة.

ولأن هذه الكتابة في القلب تمت بالتحديد بالرغم من أنها لم تمح تماما بالطبيعة القديمة لأنه بالضبط كما أن صورة الله تجددت في عقل المؤمنين بالعهد الجديد. الذي لم يمنع تماما الإلحاد به (إذ أنه بدون شك كان باقيا هناك ما لا يفهمه عقل الإنسان) لذلك فإن ناموس الله أيضا الذي لم يمح منها بواسطة الشر كتب عليها متجددا بواسطة النعمة.

          ولدى اليهود الآن أن الناموس الذي كتب على ألواح لا يمكنه صنع مثل هذا النقش الجديد الذي هو التبرير، ولكن فقط التعدي هو ما يستطيع صنعه لأنهم أيضا كانوا بشر وهذه القوة الطبيعية كانت ملازمه فيهم والتي تمكن العقل السديد من ملاحظة وفعل ما هو مباح.

ولكن التقوى التي تنقل إلى حياة أخرى سعيدة ودائمة لها “ناموس الرب كامل يرد النفس” (مز19: 7) لكي يمكنهم أن يتجددوا بالنور الذي منه ولكي يتم فيهم ما هو مكتوب “أرفع علينا نور وجهك يا رب” (مز4: 6) مطرودين مما يستحقون أن يزدادوا في الكبر طالما هم عاجزين عن التجديد إلا بنعمة المسيح وبمعنى آخر، بدون شفاعة الوسيط الذي بكونه “إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع” (1تى2: 5، 6)

فهل هؤلاء غرباء عن نعمة الله التي نبحثها الآن والذين (وبعد الطريقة التي تكلمنا عنها بما فيه الكفاية) “يفعلون بالطبيعة ما في الناموس” (رو2: 14) فماذا يستفيدون من أفكارهم التي يشتكون بها “في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس” (رو2: 15، 16) ما لم ترتب لهم عقوبة معتدلة (مناسبة)؟

          لأنه بينما، من ناحية، يوجد بعض الخطايا البسيطة التي لا تمنع الإنسان البار من بلوغه الحياة الأبدية والتي لا مناص منها في هذه الحياة، لذلك من الناحية الأخرى توجد بعض أعمال صالحة والتي ليس لها فائدة لإنسان شرير تجاه بلوغه الحياة الأبدية بالرغم من أن يكون من الصعب جدا اكتشاف حياة أي إنسان شرير آخر مهما كان خارجا عنهم كليه.

ولكن بما أن في ملكوت الله يختلف القديسين في المجد كما يختلف نجم عن آخر (1كو15: 41)- فكذلك في دينونه العقاب الأبدي سيكون أكثر احتمالا لسدوم مما لتلك المدينة (لو10: 12) بينما بعض الناس سيكونون أضعاف من أبناء جهنم (مت23: 15)

          وهكذا في حكم الله فحتى هذه الحقيقة سيكون لها تأثيرها- لدرجة أنه إذا أخطأ إنسان أكثر أو أقل من آخر وحتى لو غرق كلاهما في الشر فيكون مستحقا لعذاب الجحيم.

 

 الفصل (49): النعمة التي وعد بها النبي للعهد الجديد

 

          إذاً ماذا قصد الرسول ليكني عن- بعد صد تفاخر اليهود بقوله لهم أن “ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون (رو2: 13) ثم تكلم عنهم بعد ذلك مباشرة “الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس” (رو2: 14)

          إذاً لم يفهم من هذا الوصف الذين لهم نعمة الشفيع بل العكس الذين بينما لا يعبدون الإله الحقيقي بتقوى صادقه فهل يظهرون بعض الأعمال الصالحة في الأسلوب العام لحياتهم الشريرة؟ أو ربما اعتبر الرسول أنه من المحتمل لأنه قال سابقا: “ليس عند الله محاباة” (رو2: 11) وقد قال بعد ذلك: “أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضا.

بلى للأمم أيضا” (رو3: 29) وحتى مثل أعمال الناموس هذه القليلة كما افترضت لم تكتشف بالطبيعة كما لم يستلمها الناموس. ما عدا نتيجة بقاء صورة الله التي لم يزدرِ بها عندما يؤمنون به الذي ليس عند محاباة؟

ولكن أي هذه الآراء مقبولا فإنه من الواضح أن نعمة الله التي وعد بها النبي للعهد الجديد. وأن هذه النعمة كان يجب حتميا أن تأخذ هذه الصورة. كان يجب أن يكتب ناموس الله في قلوب الناس؛ وكان يجب عليهم أن يصلوا إلى مثل هذه المعرفة لله، حتى لا يعلم بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم” (إر31: 33-34)

          هذه هي عطية الروح القدس التي بواسطته تنسكب المحبة في قلوبنا (رو5: 5) ليس بالحقيقة أي نوع من المحبة ولكن محبة الله “من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء” الذي يقود الإنسان البار الذي يحيا في هذه الحالة الغريبة بعد درجات “المرآة” و “اللغز” و “بعض المعرفة” إلى الرؤيا الحالية والتي هي وجها لوجه يستطيع أن يعرف كما عرف (1كو13: 12) واحدة سأل من الرب وإياها يلتمس وهي أن يسكن في بيت الرب كل أيام حياته لكي ينظر جمال الرب “(مز27)

 

 الفصل (50): البر هو عطية الله

 

          لذلك لا تدع أي إنسان يتفاخر بما يبدو له أنه يمتلكه كأنه لم يأخذه (1كو4: 7) ولا تدعه يظن أنه أخذه فقط لأن حرف الناموس الخارجي إما أظهر له لكي يقرأه أو يرن في أذنه لكي يسمعه.

لأن “أن كان بالناموس بر المسيح إذاً مات بلا سبب” (غلا 2: 21) ومع ذلك فإنه إذا يمت المسيح بلا سبب فقد صعد إلى العلاء وسبي سبيا وأعطى عطايا للناس (مز68: 18) وتلي ذلك أن كل من له يعطي من هذا المنبع. والذي يفكر أن ما عنده هو من الله، إما لا يكون له وإما يكون في خطر عظيم بأن يحرم مما عنده (لو8: 18)

          “لأن الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالإيمان والعزلة بالإيمان” (رو3: 30) حيث لا يوجد اختلاف حقيقي في معنى الكلمات كما لو تعني الكلمة”by faith” معنى خاص وتعني “through faith” معنى آخر ولكن فقط هي تنوع في التعبير لأنه في عبارة واحدة عند الحديث عن الأمم – الذي هوعن العزلة- قال:

“والكتاب إذ سبق فرأى أن الله يبرر الأمم “by faith” (غلا3: 8) وأيضا عند الحديث عن الختان الذي يخصه هو أيضا يقول: “نحن بالطبيعة يهود ولسنا من الأمم خطاه إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل “through faith”  يسوع المسيح آمنا نحن أيضا بيسوع المسيح” (غلا2: 15، 16)

          لاحظ أنه يقول أن كل من الغرلة والختان يتبرر بالإيمان، إذا حفظ الختان بر الإيمان. لأن الأمم التي لم تتبع البر قد نالوا البر، حتى البر الذي هو الإيمان (رو9: 30) وقد حصلوا عليه من الله وليس من أنفسهم. ولكن إسرائيل وهو يسعى في إثر ناموس البر لم يدركوا ناموس البر. ولماذا؟ لأنهم طلبوه ليس بالإيمان ولكن كأنه بالأعمال (رو9: 31، 32) وبمعنى آخر.

باحثين عنه كما لو كان بأنفسهم دون إيمانهم أن الله هو الذي يعمل داخلهم.

“لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (فى2: 13) وبهذا “اصطدموا بحجر الصدمة” (رو9: 32) لأن ما قاله “ليس بالإيمان بل كأنه بالأعمال” (رو9: 32) شرحه شرحا واضحا في الكلمات الآتية: “لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن” (رو10: 3، 4) فهل نظل إذاً في شك عن ماذا تكون أعمال الناموس هذه التي بها لا يتبرر الإنسان إذا ظنها أعماله هم “كأنها” بدون مساعدة وعطية الله التي تكون “بالإيمان بيسوع المسيح”؟

وهل نقترح أنها هي الختان والفروض الأخرى المشابهة، لأن مثل هذه الأشياء في عبارات أخرى تقرأ من نحو تلك الطقوس الدينية أيضا؟ في هذا الوضع، مع ذلك، ليس هو الختان بالتأكيد الذي يطلبون أن يثبتوه كأنه برهم الخاص لأن الله أثبت هذا بأمره هو نفسه أم هل يكون من الممكن لنا أن نفهم هذا التقرير لتلك الأعمال التي بخصوصها يقول الرب لهم “حسنا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم” (مر 7: 9) لأنه كما يقول الرسول:

“إسرائيل وهو يسعى في إثر ناموس البر لم يدرك البر” (رو9: 31) أنه لم يقل وهو يسعى في أثر تقاليدهم- منظما إياها ومعتمدا عليها. هذا هو الاختلاف الوحيد أن نفس الوصية ” لا تشته” ووصايا الله الصالحة والمقدسة الأخرى، نسبوها لأنفسهم بينما يمكن لذلك الإنسان حفظها لابد أن يعمل الله فيه بالإيمان بيسوع المسيح الذي هو “غاية الناموس للبر لكل من يؤمن” (رو10: 4)

          هذا لكي يقول أن كل من أنضم لله وبقى عضوا في جسده يكون قادرا على عمل البر بواسطة إعطاء الله له البركة في داخله- ومثل هذه الأعمال هي ما قال عنها المسيح نفسه “بدوني لا تقدرون أن تنفعلوا شيئا” (يو15: 5)

الروح والحرف 9 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 11

الفصل (59) الرحمة والعطف في حكم الله

          هذا هو الأمر الذي رأيناه في المزمور، حيث قيل: “باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته. الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك الذي يفدي من الحفرة حياتك الذي يكللك بالرحمة والرأفة الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك (مز2:103-5) ولئلا بأي فرصة تضيع هذه البركات العظيمة لعيب إنساننا العتيق وهذا يكون حالة مميتة ويقول المرتل في الحال: “يتجدد مثل النسر شبابك” (مز5:103) وكأنه يقول أن كل ما سمعته يخص الإنسان الجديد والعهد الجديد.

          والآن لنتأمل معا باختصار هذه الأشياء وبتأمل مفرح  مدح الرحمة التي هي لنعمة الله. فهو يقول: “باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته” لاحظ إنه لم يقل بركاته (Non tributiones sed retributions) لأن الله يجازي عن الشر بالخير.

          “الذي يغفر جميع الذنوب” وقد تم هذا في سر العماد. “الذي يشفي جميع أمراضك” وهذا يتأثر به المؤمن في الحياة الحاضرة بينما الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد حتى لا نفعل الأشياء التي نريدها وبينما أيضا ناموسا آخر في أعضاءنا يحارب ناموس ذهننا. (رو23:7) بينما في الحقيقة الإرادة حاضرة عندنا ولكن ليست لعمل ما هو صالح (رو18:7) هذه هي أمراض الإنسان ذو الطبيعة القديمة الذي مع ذلك لو تقدمنا بفرض مثابر سنشفى بنمو الطبيعة الجديدة يوما فيوما بالإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5).

“الذي يفدي من الحفرة حياتك” وسيكون هذا عند قيامة الأموات في اليوم الأخير “الذي يكللك بالرحمة والرأفة” وسيتم ذلك في يوم الدينونة إذ عندما يجلس ملك المجد على عرشه ليجازي كل واحد حسب أعماله, حينئذ من سيفتخر بأن له قلبا نقيا. أو من سيفتخر بأنه نظيفا من الخطية؟

بناءاً على ذلك فإنه من الضروري أن نذكر رحمة الله ورأفته هناك حيث يتوقع الإنسان مطالبة ديونه ومكافأة ثوابه بطريقة دقيقة جداً كأنه لا يكون موضع للرحمة.

لذلك فهو يكلل بالرحمة والرأفة ولكن أيضا حسب الأعمال لأنه سيقف على اليمين الذين قيل لهم: جئت فأطعمتموني”   (مت 35:25) ومع ذلك فسيكون أيضا: “الحكم بدون رحمة” ولكن لأجله “الذي لم يعمل الرحمة” (يع13:2) ولكن “طوبى للرحماء لأنهم يرحمون” من الله (مت7:5) حينئذ بينما يذهب من هم على اليسار إلى النار الأبدية سيذهب الأبرار أيضا إلى الحياة الأبدية (مت46:25) لأن الله يقول: “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17)

وبهذه المعرفة وبهذه النظرة وبهذا التأمل ستشبع رغبة نفوسهم لأنها لا ترغب في شيء غير ذلك فلا يكون لها هناك شيئا أكثر من ذلك لترغبه, تشتاق إليه أو تطلبه. لقد كان اشتياقا بعد هذا السرور الكامل حتى أن قلبه اشتعل الذي قال للرب يسوع: “أرنا الآب وكفانا” وكان رده عليه: “الذي رآني فقد رأى الأب” لأنه الله نفسه هو الحياة الأبدية لكي يعرف الناس الإله الحقيقي وحده ويسوع المسيح الذي أرسله.

ومع ذلك لو أن الذي رأى الابن فقد رأى الآب أيضا إذاً بكل تأكيد أن الذي يرى الآب والابن يرى أيضا الروح القدس للأب والابن. لذلك لا نبطل الإرادة الحرة مادامت نفوسنا تبارك الرب ولا ننسى كل حسناته (مز2:103) ولا يجهلها ببر الله تريد إثبات برها الخاص (رو3:10)

ولكنها تؤمن بالله الذي يبرر الفاجر (رو5:4) وعندما تصل إلى الاضطلاع تحيا بالإيمان بل الإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5)

وهذه المحبة تنسكب في قلوبنا لا بمقدرة إرادتنا ولا بحرف الناموس ولكن بالروح القدس المعطي لنا (رو5:5)

الفصل (60) الإرادة التي تجعلنا نؤمن هي من الله

          ليت هذه المناقشة تكفي لو قابلت المشكلة التي يجب علينا حلها طبق المرام. مع ذلك قد يكون هناك معارضة في الإجابة حتى أنه يجب أن نتخذ حذرنا لئلا يفترض البعض أن الخطية التي ترتكب بإرادة مطلقة ننسب إلى الله لو في العبارة التي فيها يكون السؤال:

“لماذا تفتخر كأنك لم تأخذ”؟ (1كو7:4) نفس الإرادة التي بها نؤمن تحسب كعطية من الله لأنها تقوم من الإرادة المطلقة التي أخذناها عن خلقتنا ومع ذلك ليت الذي يعارض يدرك جيداً أن هذه الإرادة تنسب إلى العطية الإلهية ليس فقط لأنها تنشأ من إرادتنا المطلقة التي خلقت معنا طبيعيا..

ولكن أيضا لأن الله يؤثر فينا بدوافع شعورنا أن نريد وأن نؤمن إما خارجيا بواسطة نصائح إنجيله حيث تفعل أوامر الناموس شيئا لو أنها للآن تنذر الإنسان بضعفه حتى أنه يسلم نفسه للنعمة التي تبرر بالإيمان. أو من داخلنا حيث لا يكون لأحد حكما على ما يدخل من أفكاره بالرغم من كونها تقبل أو ترفض بإرادته الخاصة.

          لأن الله لذلك في مثل هذه الطرق يؤثر في الفعل السديد لكي يؤمن به ( بالتأكيد ليس هناك مقدرة للإيمان مهما تكن في الإرادة المطلقة إذا لم يكن هناك إقناع أو أوامر تجاه من نؤمن به) وبالتأكيد فإن الله هو الذي يحرك في الإنسان الرغبة للإيمان ويمنعنا برحمته من كل الأشياء. وفي الحقيقة إن تسليمنا لأوامر الله أو مخالفتنا لها هو (كما قلت) من عمل إرادتنا وهذا لا يبطل فقط ما قيل‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! “لماذا تفتخر كأنك لم تأخذ ” (1كو7:4 ) ولكنه في الحقيقة يؤكدها ويثبتها.

لأن العقل لا يقدر أن يأخذ ويملك هذه العطايا التي أشير إليها هنا إلا بتسليمه رضاه وهكذا كل شيء يملكه وكل شيء يأخذه يكون من الله وأيضا بالطبيعة عمل الأخذ والملكية يرجع لمن يأخذ ولمن يملك.

          والآن لعل أي إنسان يمنعنا من دراسة هذا السر العميق لماذا هذا الشخص اقنع حتى الاستسلام وشخص آخر لم يقتنع, يوجد شيئان يخطران لي وهما ما أحب تقديمهما كإجابة: “يا لعمق غنى الله” (رو33:11).

          “وألعل” عند الله ظلما؟” (رو14:9).

          إذا لم يرض أي إنسان بمثل هذه الإجابة فيجب عليه أن يطلب مناظرات أكثر علما ولكن ليته يحذر لئلا يكون مناظرات جسوره.

الفصل (61)   خاتمة العمل

          وأخيرا دعنا نضع نهاية لكتابنا – اعتقد أننا أكملنا غرضنا كله بإسهابنا الكثير – ليس هذا الشك من جهتك يا “مرسيلينوس” إذ إنني أعرف إيمانك ولكن من جهة عقول أولئك الذين لأجلهم طلبت مني أن اكتب الذين يعارضون دائما فكرتي ولكن (أن أتكلم دون  ذكر الله الذي يتحدث عن رسله) وخصوصا ضد ليس فقط أن الرسول العظيم بولس.

ولكن أيضا ضد غيرته القوية وجداله العنيف مفضلين التمسك بإصرار على وجهة نظرهم دون الاستماع لله عندما “يطلب منهم برأفة الله” ويخبرهم قائلا: “بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتئي إلى التعقل كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان” (رو3,1:12).

الفصل (62)   عودته إلى السؤال الذي وجهه إليه مارسيلينوس

          لكني أرجوك أن تلتفت إلى السؤال الذي وجهته لي وأيضا إلى ما استخدمناه من الأساليب المطولة لهذه المناقشة إنك كنت مرتبكا لما قلته بأنه كان من الممكن للإنسان أن يكون بدون خطية بمساعدة الله إذا أراد – بالرغم من أن لا أحد في الحياة الحاضرة يمكنه أن يحيا, كان حيا أو سيحيا بمثل هذا وقد قلت: “لو سئلت هل من الممكن لإنسان أن يكون بدون خطية في هذه الحياة.

فإنني سأسمح بالإمكانية بنعمة الله وبإرادة الإنسان المطلقة وبدون شك فإن الإرادة المطلقة هي في حد ذاتها من نعمة الله التي هي ضمن عطايا الله ليس فقط بالنسبة لوجودها بل أيضا من جهة صلاحها. التي هي تلتمس بنفسها تنفيذ وصايا الله ولذلك فإن نعمة الله لا تبين فقط ما يجب أن يفعل بل أيضا تساعد على إمكانية فعل ما تبينه”.

          (see his work preceding this, De peccat Meritis 11.7.)

          يبدو أنك تظن أنه غير معقول أن شيئا كان ممكنا لا يكون له مثالا من هنا نشأ الموضوع الذي نعالجه في هذا الكتاب.

          وهكذا قد دار في نفسي أن أظهر شيئا كان ممكنا بالرغم من عدم وجود أي مثال له. ولذلك فقد اقتبسنا بعض حالات من الإنجيل ومن الناموس في بداءة هذا العمل. مثل مرور جمل من ثقب أبره (مت24:19).    

والاثنى عشر جيشا من الملائكة الذين يقدرون الدفاع عن المسيح. إذا أراد (مت53:26) وأيضا تلك الأمم الذين قال عنهم الله أنه يقدر أن يبيدهم في الحال من وجه شعبه – لم  تتحول أبدا إحدى هذه الاحتمالات إلى حقيقة ويمكن أن يضاف إلى هذه الحالات تلك التي أشير إليها في كتاب الحكمة (حكمة16) مفترضا كثرة الآلام والعذابات التي كان الله قادرا أن يستعملها ضد الفجار باستخدام المخلوق الذي كان طوع إشارة الله. ومع ذلك لم يستعملها.

وأيضا يستطيع إنسان أن يشير إلى ذلك الجبل الذي بالإيمان يطرحه في البحر. بالرغم من أنه لم يتم أبدا لغاية ما قرأنا وسمعنا.

وقد رأيت كيف أنه يكون الإنسان غافلا وجاهلا إذا قال أن إحدى هذه الأشياء غير مستطاعة عند الله. وكيف تكون معارضته لمعنى الكتاب المقدس هي تأكيده – وحالات أخرى كثيرة من هذا النوع يمكن أن تخطر لأي إنسان يقرأ أو يفكر في مقدرة الله التي لا يمكننا إنكارها بالرغم من عدم وجود أي مثال لها.

الفصل (63)   معارضة

          ولكن نظرا لأنه قد يقال أن تلك الحالات التي ذكرتها الآن هي أعمال إلهية بينما رغبتنا في الحياة الباره هي عمل من اختصاصنا. وقد تعهدت بأن أظهر أن حتى هذا أيضا هو عمل إلهي. وقد فعلت هذا في الكتاب ربما بتقرير قصار عن أن يكون ضروريا. بالرغم من أنه يبدو لي إنني تحدثت قليلا جدا ضد معارضي نعمة الله.

وأنني لم أسر أبدا في معالجتي لموضوع مثل هذا عندما جاء الكتاب المقدس بغزارته لمساعدتي وعندما يطلب السؤال المطروح للمناقشة أن “من يفتخر فليفتخر بالرب” (2كو17:10) وأننا يجب أن نترك قلوبنا ونعطي الشكر للرب إلهنا الذي منه “كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار” (يع17:1).

والآن إذا كانت عطية ليست عطية الله لأننا نصنعها بأنفسنا أو لأننا نعمل بعطية الله ثم لا يكون عملا من الله أن “جبلا يطرح في البحر” نظرا لأن, بناءاً على تقرير الرب أنه بإيمان الناس يكون هذا ممكنا.

          وعلامة على ذلك فإن الله ينسب الفعل إلى عملهم الحالي: لو كان إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم [قارن (مت20:17), (مر23:11), (لو6:17)] لاحظ كيف أن الله قال: “لديكم” وليس “لدى الله” أو “لدى الآب” ومع ذلك فإنه من المؤكد أنه لا أحد يستطيع أن يفعل مثل هذا لاشيء بدون عطية وعمل الله.

انظر أن حالة البر الكامل ليس لها مثال بين الناس وأيضا هي ليست مستحيلة لأنها ممكن أن تتم إذا طلبت كثيرا كما يتطلب مثل هذا الشيء العظيم ومع ذلك يمكن أن يكون حسنا جدا لو خفي عنا إحدى تلك الظروف التي تخفي البر, وفي نفس الوقت أن هذا يبهج عقلنا حتى أنه مهما كان عائق السرور أو الألم قد يحدث هذه البهجة في القداسة سيشمل كل محبة منافسة

          وإن هذا لا يتحقق ولا ينشأ من أي استحالة ذاتية ولكن ينشأ من عمل الله القضائي لأن من يقدر أن يكون جاهلا حتى أن ما يجب أن يعرفه ليس هو في مقدرة الإنسان, ولا يتبع ما قد اكتشف أن يكون موضوعا مرغوبا فيه هو الآن مطلوبا إذا لم يشعر هو أيضا بالبهجة في هذا الموضوع مطابقا بحقوقه على محبته؟. إذ أن هذا يخص حالة النفس.

 

الروح والحرف 11 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

 

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 8

الفصل (40): كيف تكون هذه المكافأة للجميع، لذلك يدافع الرسول بحماس عن النعمة

          إذاً ماذا يكون مضمون “كلهم” من صغيرهم إلى كبيرهم ولكن كل هذا يخص روحيا بيت إسرائيل وبيت يهوذا- الذي هو أولاد اسحق ونسل إبراهيم؟

لأن مثل هذا هو الوعود. الذي قيل فيه له: “باسحق يدعى لك نسل أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله بل أولاد الموعد يحسبون نسلا لأن كلمة الموعد هي هذه: “أنا آتي نحو هذا الوقت ويكون لسارة ابن وليس ذلك فقط بل رفقه أيضا وهي حبلى من واحد وهو اسحق أبونا لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرا أو شرا لكي يثبت قصد الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو.

قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير (رو9: 7-12) هذا هو بيت إسرائيل أو بالأحرى بيت يهوذا بسبب المسيح  الذي جاء من سبط يهوذا هذا هو بيت أولاد الموعد ليس بسبب استحقاقهم ولكن بسبب شفقة الله لأن الله يعد بالشيء الذي يعمله هو نفسه: الله نفسه لا يعد وآخر يتم الذي لم يستمر في الوعد ولكن يستمر في التنبؤ.

لهذا فهي “ليس من الأعمال بل من الذي يدعو” (رو9: 11) لئلا تكون النتيجة لهم وليست لله؛ ولئلا تنسب المكافأة لاستحقاقهم وليست لنعمة الله ولذلك سوف لا تعد النعمة نعمة التي دافع عنها وتمسك بها بكل حماس أنه أصغر الرسل وتعب أكثر منهم جميعهم ليس هو نفسه ولكن نعمة الله التي كانت معه (1كو15: 9، 10) ويقول الله: “كلهم سيعرفونني” (إر31: 34) “كلهم” بيت إسرائيل وبيت يهوذا.

“كلهم” ومع ذلك ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون (رو9: 6) ولكنهم فقط الذين قيل لهم في المزمور الذي يتعلق “بأيله الصبح” (أنظر عنوان مزمور 22) (الذي يخص النور المبهج الجديد ويقصد به العهد الجديد)، يا خائفي الرب سبحوه. مجدوه يا معشر ذرية يعقوب واخشوه يا زرع إسرائيل جميعا” (مز22: 23) كل الذرية دون استثناء وحتى كل ذرية الموعد والدعوة، ولكن فقط للذين هم مدعوون حسب قصد الله (رو8: 28) الذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضا والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضا والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضا” (رو8: 30)

“لهذا هو الإيمان كي يكون على سبيل النعمة ليكون الوعد وطيدا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط”- الذي جاء من العهد القديم إلى الجديد- “بل أيضا لمن هو من إيمان” … الذي كان في الحقيقة سابقا للناموس- “إيمان إبراهيم” يقصد الذين يقلدون إيمان إبراهيم- “الذي هو أب لجميعنا كما هو مكتوب أني قد جعلت أبا لأمم كثيرة” (رو4: 16، 17) والآن وبنعمة العهد الجديد كل الذين سبق فعينهم والذين دعاهم والذين بررهم والذين مجدهم سيعرفون الله من صغيرهم إلى كبيرهم.

الفصل (41) الناموس المكتوب علي القلب، ومكافأة التأمل الأبدي لله يخص العهد الجديد       الذي هو الأصغر والأعظم بين  القديسين.

          كما أن ناموس الأعمال الذي كتب على ألواح حجرية وأجرته هي أرض الموعد التي تسلمها بيت إسرائيل الجسدي بعد خروجهم من مصر، يخص العهد القديم لذلك فإن ناموس الإيمان المكتوب على القلب وأجرته المنظر السعيد الذي سيعانيه بيت إسرائيل الروحي عندما ينجو من العالم الحافز تخص العهد الجديد.

ثم سيحدث ما يصنعه الرسول: “أما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل” حتى هذه المعرفة القاصرة “للطفل” (1كو13: 11) التي تمر فيها هذه الحياة الحاضرة والتي هي “بعض المعرفة” بواسطة “مرآة في لغز” (1كو13: 12)

وفي الحقيقة يكون التنبوء ضروريا بسبب هذا إذا أنه مع بقاء الماضي ينجح المستقبل وبسبب ذلك أيضا توجد الحاجة “للألسنة”- التي هي عديد من العبارات لأنه بواسطة عبارات مختلفة منها فإن تلك الأشياء المختلفة توعز إليه الذي لم يتأمل إلى الآن النور الدائم للحقيقة الواضحة بعقل كامل الصفاء.

“ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض” (1كو13: 10) ثم ما ظهر للجسد في شبه جسد سيظهر ذاته كما هو لكل الذين يحبونه وحينئذ سيكون لنا حياة أبدية أن تعرف الإله الحقيقي وحده” (يو17: 3) حينئذ سنكون مثله (1يو3: 2) لأننا حينئذ سنعرفه كما عرفنا” (1كو13: 12) حينئذ لا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب” (إر31: 34) والآن يمكن أن يفهم هذا بوسائل متعددة.

إما أنه في تلك الحياة سيختلف القديسين في المجد الواحد عن الآخر. كما يختلف نجم عن آخر. ولا يهمنا كيف ينتشر التعبير سواء كان (كما في العبارة السابقة) “من الصغير إلى الكبير” أو الطريقة الثانية، من الكبير إلى الصغير.

وبمثل هذه الطريقة لا يهمنا حتى إذا فهمنا “الصغير” بقصد الذين يؤمنون ببساطة، “والكبير” الذين هم أبعد من أن يفهموا- بعيدا كما يمكن أن يكون في هذا العالم. النور الذي هو غير مادي وغير متغير.

أو “الصغير” يمكن أن تعني هؤلاء الذين تأخروا في العمر. بينما يعني “بالكبير” هؤلاء الذين تقدموا في العمر.

لأنهم جميعا لهم رؤية المنظر الذي وعد به الله بعد ذلك لأنه كان لفائدتنا أنهم سبقوا فنظروا المستقبل الذي يجب أن يكون أفضل من حاضرهم، لكي لا يكملوا بدوننا (عب11: 40)

وهكذا يكون الأولون آخرون لأنهم تأخروا في الوقت؛ كما في الحادثة التي جاءت في الإنجيل: “دينار في اليوم” الذي أعطى للتوضيح- والذين جاءوا أخيرا إلي الكرام هم أول من أخذوا هذا الدينار.

أو “الصغير والكبير” ربما يجب أن تؤخذ بمغزى آخر لا يحظر علي فكري الآن.

الفصل (42): الاختلاف بين العهد القديم والجديد

          مع ذلك أرجوك أن تلاحظ جيدا على قدر استطاعتك ما أسعى الآن بجهد كبير إلى إثباته.

فعندما وعد النبي بعهد جديد لا يرتبط بالعهد الذي أبرمه سالفا مع شعب إسرائيل عندما تحرروا من مصر لم يقل شيئا عن الذبائح أو أي شعائر دينية بالرغم من أن مثل هذا التغيير أيضا كان يجب أن يتبع ذلك بدون شك كما نرى في الحقيقة أنها تتبعه حتى مثل نفس نبوءة الكتاب تبين في عبارات أخرى كثيرة ولكنه بكل بساطة وجه انتباهه إلى هذا الاختلاف أن الله سيجعل شريعته في داخل هؤلاء الذين لهم هذا العهد وسيكتبها على قلوبهم (إر31: 32، 33)

من حيث استنتج الرسول نتيجة – “لا بحبر بل بروح الله الحي لا في ألواح قلب لحميه” (2كو3: 3) وإن المكافأة الأبدية لهذا البر لم تكن هي الأرض التي طرد منها الأموريون والحثيون والأمم الأخرى التي تسكن هناك (يشوع12) ولكن الله لنفسه “الذي هو حسن الاقتراب منه” (مز73: 28) لكي يمكن أن يكون خير الله الذي يحبونه هو الله نفسه الذي يحبونه الذي لا يفرق بينه وبين الناس سوى الخطية وقد خف هذا بواسطة عمل النعمة.

بناءاً على ذلك، بعد قوله: “كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم” يضيف الله في الحال “لأني أصفح عن أثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد” (إر31: 34) ثم بواسطة ناموس يقول الرب “لا تشته” (خر20: 17) ولكن بناموس الإيمان يقول الله: بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيء” (يو15: 5) لأنه كان يبحث عن الأعمال الصالحة حتى ثمر أغصان العنب.

لقد ظهر إذاً الاختلاف بين العهدين القديم والجديد-  أنه في الأول كتب على القلوب لكي ما ينذر في الأول من الخارج ويبهج في الثاني من الداخل وفي الأول يصبح الإنسان متعديا بواسطة الحرف الذي يقتل، بينما يصبح في الآخر محبا بواسطة الروح المحي.

لذلك يجب أن تتجنب ادعاء أن الطريقة التي بها يساعدنا الله لكي نعمل البر “لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (فى2: 13) تكون بواسطة توجيه خارجي لقدراتنا للقداسة لأن الله يعطي محصوله من الداخل (1كو3: 7) “فإنه يسكب المحبة في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا” (رو5: 5)

الفصل (43):  جدال بخصوص عبارة الرسول عن الأمم الذين قيل عنهم أنهم يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس الذين قيل عنهم أيضا أن لهم الناموس مكتوبا في قلوبهم

          والآن يجب أن نفهم معنى قول الرسول: “لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ماهر في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم” (رو2: 14، 15) لئلا يبدو أن لا يكون هناك اختلاف في العهد الجديد في ذلك وعد الرب أنه سيكتب ناموسة على قلوب شعبه نظرا لأن الأمم تم لهم هذا طبيعتنا. لذلك فهذه المسألة يجب أن تفحص كمسألة ذو أهمية عظيمة.

إذا أن البعض يمكنه أن يقول “إذا فضل الله العهد الجديد على القديم بهذه الحالة حتى أن الله في القديم كتب ناموسة على ألواح ولكن في الجديد كتبه على قلوبهم وبهذا يتميز مؤمن العهد الجديد عن الأمم الذين كتبت أعمال الناموس على قلوبهم التي بها يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس (رو2: 14)، كما لو كانوا بالحقيقة أفضل من الشعب القديم، الذي أخذ الناموس مكتوبا على ألواح وقبل الشعب الجديد الذي وهب هذا الناموس بواسطة العهد الجديد والذي خلعته (منحته) عليهم الطبيعة؟  

الفصل (44): والإجابة هي أن العبارة يجب أن يفهمها مؤمن العهد الجديد

العل الرسول ذكر هؤلاء الأمم كأن لهم الناموس مكتوبا في قلوبهم الذين لهم العهد الجديد؟ يجب أن ننظر إلى النص السابق- ويقول بالإشارة إلى الإنجيل “لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني لأن فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا” (رو1: 16، 17) ثم استمر في حديثه عن الخطاة الذين بسبب كبريائهم وليس بمعرفتهم الله لأنهم لم يمجدوه أو يشكروه كإله. (رو1: 21) ثم انتقل إلى هؤلاء الذين يفكرون ويفعلون نفس الأشياء التي تدينهم- مع اليهود نصب أعيننا. الذين افتخروا بناموس الله.

ولكن مع ذلك لا نذكرهم بأسماء؛ ثم قال: “وأما الذين من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للإثم فسخط وغضب شده وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولا ثم اليوناني ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولا ثم اليوناني لأن ليس عند الله محاباة. لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس يبررون” (رو2: 8-13)

ثم استمر في حديثه ليخبرنا من هم الذين يتكلم عنهم في تلك الكلمات “لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس” ( رو2: 14) و هلم جرا في العبارة التي ذكرتها- لذلك وكما يظهر جمليا أن الذين يعني بهم “الأمم” ليسوا سوى هؤلاء الذين دعاهم قبلا باسم “اليونانيين” عندما قال:

“اليهودي أولا ثم اليوناني” (رو1: 16) لأن  الإنجيل إذاً هو: “قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني” (رو1: 16) ولأن سخط وغضب، شده وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولا ثم اليوناني ولكن مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولا ثم اليوناني لأن علاوة على ذلك “اليوناني” اتضحت بواسطة كلمة “الأمم” الذين يفعلون بالطبيعة ما هو الناموس والذين لهم ناموس الأعمال مكتوبا في قلوبهم وتلي ذلك أن مثل هؤلاء “الأمم” بينما كتب الناموس في قلوبهم بالإنجيل فيكون لهم عند إيمانهم، قوة الله للخلاص.

مهما وعد أي أمم بالمجد الكرامة والسلام في قلوبهم في فعلهم الصلاح لو عاشوا بدون نعمة الإنجيل؟ لأن ليس عند الله محاباة” (رو2: 11) ولأن ليس الذين يسمعون الناموس بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون (رو2: 13) وتبعا لذلك فإن أي إنسان من أي أمه يهوديا كان أم يونانيا ويؤمن فسينال الخلاص دون الإنجيل. وكما يقول بعد ذلك “لأنه لا فرق إذا الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. متبررين مجانا بنعمته” (رو3: 22-24)

          كيف يمكنه إذاً أن يقول أن أي شخص أممي كان يعمل بالناموس يتبرر بدون نعمة المخلص؟

الفصل (45): يتبرر العاملون بالناموس ليس بأعمالهم بل بالنعمة يتبارك أسم الله و قديسيه في معانٍ مختلفة

        ولم يقصد الآن أن يناقض نفسه في قوله: “الذين يعلمون بالناموس هم يبررون” (رو2: 13) كما لو كان تبريرهم يأتي بأعمالهم وليس بالنعمة؛ لأنه يصرح أن الإنسان يتبرر مجانا بنعمة الله بدون أعمال الناموس (رو3: 24، 28) قاصدا بكلمة “مجانا” أن الأعمال لا تسبق التبرير إذا أنه في عبارة أخرى يقول بصراحة: “فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال والإ فليست النعمة بعد نعمة” (رو11: 6) ولكن تقريره أن: “الذين يعملون بالناموس يتبررون” (رو11: 13)

يجب أن يفهم كذلك كما نعرف أنهم خلافا إلى ذلك لا يعملون بالناموس إذا لم يتبرروا لكي لا ينالون التبرير فيما بعد لكونهم عاملون بالناموس ولكن التبرير يسبقهم كعاملون بالناموس. فماذا تعني كلمة “تبرروا سوى أصبحوا أبرارا” بواسطة الله طبعا الذي يبرر الإنسان الشرير إلى أن يصبح إنسانا تقيا؟

لأننا إذا أردنا أن نعبر عن حقيقة معينه بأن يقول: “الرجال سيتحررون” فإن هذه الجملة ستفهم بالطبع كأنها تؤكد أن التحرير سيمنح لهؤلاء الذين أصبحوا الآن رجالا ولكن إذا أردنا أن نقول الرجال سيخلقون فلا تفهم بالتأكيد كأننا نؤكد أن الخلق سيحدث للذين هم الآن في الوجود ولكن أنهم أصبحوا رجالا بعملية الخلق نفسها، وإذا قيل بمثل هذه الطريقة أن العاملين بالناموس سيكرمون فإننا سنفسر التقرير بطريقة سليمة إذا افترضنا أن الكرامة كانت يجب أن تمنح لهؤلاء الذين كانوا يعملون بالناموس سابقا:

ولكن عندما يكون البرهان: “الذين يعملون بالناموس يتبررون” فماذا تعني سوى أن الإنسان المستقيم سيتبرر؟ إذ أن الذين يعملون بالناموس هم أشخاص مستقيمون (أبرار)

وهكذا تصل إلى نفس الشيء كما لو قيل أن الذين يعملون بالناموس سيخلقون. ليس الذين خلقوا سابقا ولكن لكي يقدروا أن يصيروا هكذا. لكي بهذا يفهم اليهود الذين كانوا يسمعون الناموس أنهم يريدون نعمة الله الذي يبرر لكي يمكنهم أن يعملوا بها أيضا. أو أن تعبير “يتبررون” استعمل بمعنى “أنهم يعتبرون أو يحسبون كأنهم أبراراً.

كما نسب إلى إنسان معين ذكر في الإنجيل: “وأما هو فإذا أراد أن يبرر نفسه” (لو 10: 29) بمعنى أنه أراد أن يعد ويحسب نفسه باراً وبمثل هذه الطريقة تضيف معنى إلى التقرير “الله يقدس قديسيه” ومعنى آخر إلى الكلمات “ليتقدس اسمك” (مت6: 9) 

إذا أنه في الحالة الأولى نفترض أن الكلمات تعني أن الذين لم يكونوا قبلا قديسين يجعلهم الله قديسين. وفي الحالة الأخرى أن الشخص الذي يصلي يجب أن يعتبر ما هو مقدس دائما في ذاته مقدسا أيضا بالنسبة للناس- وبكلمة يكون مخوفا برهبة مقدسة.

الفصل (46): كيف أن العبارة التي جاءت في الناموس تتفق مع تلك التي ذكرها النبي

          إذاً قصد الرسول بناءاً على ذلك عندما ذكر أن الأمم يفعلون بالطبيعة الأشياء التي في الناموس ولهم أعمال الناموس مكتوبا على قلوبهم (رو2: 14، 15) هؤلاء الذين يؤمنون بالمسيح. الذين لم يأتوا إلى الإيمان مثل اليهود بواسطة ناموس سابق- ليس هناك سببا أفضل يعلل سبب سعينا في تميزهم عن هؤلاء الذين بواسطة النبي وعدهم الرب بالعهد الجديد قائلا لهم أنه سيكتب ناموسة على قلوبهم وعلاوة على ذلك فهم أيضا بواسطة التطعيم الذي يقوله ضعفوا من الزيتونة البرية ينتمون إلى زيتونتهم الخاصة (رو11: 24) وبمعنى آخر إلى نفس شعب الله.

لذلك فإنه يوجد موافقة كبيرة بين عبارة الرسول هذه وبين كلمات النبي لدرجة أن من له العهد الجديد يعني أن لديه ناموس الله ليس مكتوبا على ألواح بل على القلب. الذي هو يشمل بر الناموس مع المشاعر العميقة حيث الإيمان العامل بالمحبة (غلا5: 6) لأن الله بالإيمان يبرر الأمم. سبق فبشر إبراهيم قائلا: “فيك يتبارك جميع الأمم” (غلا3: 8- تك22: 18) لكي بنعمة هذا الوعد تطعم الزيتونة البرية في الزيتونة الصالحة والأمم التي تؤمن سيكونون أولاد إبراهيم: “في نسل إبراهيم الذي هم المسيح” (غلا3: 16)

تابعين إيمانه الذي بدون أخذه الناموس المكتوب على ألواح ولا أيضا أخذ الختان فآمن بالرب فحسبه له براً (تك15: 6) (رو4: 3) والآن ماذا ينسب الرسول إلى الأمم من هذه الصفة.

كيف أن لهم الناموس مكتوبا في قلوبهم” (رو2: 15) يجب أن يكون شيئا آخر مثل الذي قاله لأهل كورنثوس: “لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحميه” (2كو3: 3) وهكذا يضمون من بيت إسرائيل، عندما تعد عزلتهم ختاما بحقيقة أنهم لا يسندون بر الناموس إلى فناء الجسد ولكنهم بمحبة القلب يحفظونه. ويقول “إن كان الأعزل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب عزلته ختاناً”؟ (رو2: 26)

لذلك فإن بيت إسرائيل الحقيقي الذي لا غش فيه (أنظر يو1: 47) فهم يعتبرون مشتركون في العهد الجديد لأن الله يصنع ناموسة في عقلهم ويكتبه في قلوبهم بإصبعه، الروح القدس، الذي بواسطته تنسكب في قلوبهم المحبة (رو5: 5) التي هي تكميل الناموس (رو13: 10)

الفصل (47): الناموس “معمولا به بالطبيعة” يعني العمل به بالطبيعة وتجديده بواسطة النعمة

          يجب أن لا يزعجنا وصف الرسول لهم كعاملين بالناموس بالطبيعة- ليس بواسطة روح الله، ليس بواسطة الإيمان ولا بواسطة النعمة لأن روح النعمة هي التي تفعل ذلك لكي تجدد فينا نحن صوره الله التي خلقنا عليها (تك1: 26) وتعتبر الخطية بالحقيقة ضد الطبيعة والنعمة هي التي تبرئها وعلى حساب ذلك يتقدم المصلي لله: “يا رب ارحمني. اشف نفسي لأني قد أخطأت إليك” (مز41: 4) لذلك أنه بالطبيعة يقبل الناس ما في الناموس (رو2: 14) إذ أنهم الذين لا يعملون ذلك يغسلون في عمل ذلك بسبب تصورهم الشرير.

ونتيجة لهذا الشر فإن ناموس الله محي من قلوبهم وبناءاً على ذلك عندما يبرأوا من الخطية فيكون مكتوبة هناك، فيتم فرض الناموس بالطبيعة التي لا تنكرها النعمة ولكن على العكس من ذلك فإن الطبيعة تصلح بواسطة النعمة من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رو5: 12)

لأنه لا فرق إذ أخطأ الجميع وأعوزهم مجد الله متبررين بنعمته مجاناً (رو3: 22-24) بهذه النعمة يوجد البر الذي محته الخطية مكتوبا في الإنسان الباطن الذي تجدد وهذه الرحمة تأتي على الجنس البشري بربنا يسوع المسيح لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح” (1تى2: 5)

الروح والحرف 8 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 7 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 7 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 7 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية 7

الفصل (32) الإيمان المسيحي يتلامس مع مساعدة النعمة

عَّرِف المسيحي إذاً الذي يضل عن هذا الإيمان المسيحي وحده ولا تدع أي فرد عندما يشعر بالخجل لكي يقول إننا أصبحنا أبراراً بأنفسنا  بدون أن تعمل هذا فينا نعمة الله. لأنه يرى عند\ما تم مثل هذا الإثبات كيف يجب أن يتحملها مؤمنين أتقياء غير قادرين أن يلجأوا إلى أي حجة في هذه النقطة بإثبات سببا عدم قدرتنا أن نصبح أبرارا بدون عمل نعمة الله بكون أن الله أعطى الناموس قرر تعليمه –  أمر بوصاياه الصالحة. إذ يعتبر الناموس دون أدنى شك هو “الحرف الذي يقتل” بدون مساعدة نعمة الله.

          ولكن عندما توجد الروح التي تحيي فإن الناموس يجعل هذا محبوبا عندما كتب في الداخل, الذي سب مرة الخوف منه عندما كتب من الخارج.

الفصل (33) نبوءة ارميا النبي الخاصة بالعهد الجديد

          لاحظ هذا أيضا في تلك الشهادة التي أدلى بها النبي بطريقة أكثر وضوحا في هذا الموضوع:

“ها أيام تأتي يقول الرب واقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا ليس كالعهد الذي قطعته مع آباءهم يوم أمسكتهم بيدهم  لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب أجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلا وهم يكونون لي شعبا ولا يعلمون بعد واحد صاحبه ولك واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغرهم إلى كبيرهم يقول الرب لأني اصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد (أرميا31:31-34).

          ماذا نقول نحن لهذا؟ إنسان ليس في مكان ما, أو بالكاد أي مكان إلا في هذه القوة التي للنبي يجد في أسفار العهد القديم أي ذكر للعهد الجديد ليشير إليه باسمه الخاص. إنه بدون شك أستير إليه وسبق الكلام عليه كما لو كان على وشك إعطائه ولكن ليس بصراحة لدرجة أن يذكر اسمه الخاص.

          تأمل جيدا إذاً  ما الفرق الذي بينه الله بين العهدين – العهد القديم والجديد.

الفصل (34) الناموس والنعمة

          بعد قوله: “ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم امسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر” لاحظ ما يضيفه الله” لأنهم نقضوا عهدي” فحسب هذا خطأهم حتى إنهم نقضوا عهد الله خشية أن الناموس, الذي تسلموه في ذلك الوقت يظهر لهم أنه يستحق اللوم لأنه كان هو نفس الناموس الذي جاء المسيح “ليس لينقصه بل ليكمله” (مت17:5) ومع ذلك فليس بهذا الناموس يصبح الشرير باراً ولكن بالنعمة, وهذا التغيير يسببه الروح المحيي الذي بدونه الحرف يقتل.

          “لأنه لو أعطى ناموس قادر أن يحي لكان بالحقيقة البر بالناموس. لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من إيمان بيسوع المسيح للذين يؤمنون” (غلا22,21:3) بسبب هذا الوعد الذي هو بسبب شفقة الله أكمل الناموس الذي بدون الوعد السابق ذكره يجعل الناس متعدين بالوصية الحالية لفعل شرير إذا كانت لنار الشهوة قوة أعظم من ضوابط الخوف أو على الأقل بواسطة إرادتهم المحضة إذا فاق الخوف من العقاب لذة الشهوة.

في ماذا يقول: “الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون”.

وهذه هي فائدة هذه النتيجة التي تأكدت. فما الغرض من “إغلاقه” إلا كما عبر عنه في الآية التالية: “ولكن قبلما جاء الإيمان  كنا محروسين تحت الناموس مغلقاً علينا إلى الإيمان العتيد أن يعلن؟” (غلا23:3) لذلك قد أعطى الناموس لكي تستطيع النعمة أن تنشط وقد أعطيت النعمة لكي يستطيع الناموس أن يكتمل والآن لم يكن بأي خطأ في الناموس حتى أنه لم يكتمل ولكن بخطأ اهتمام الجسد وهذا الخطأ بينه الناموس وأبرأته النعمة

“لأنه ما كان الناموس عاجزا عنه في ما كان ضعيفا بالجسد فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية وإن الخطية في الجسد لكي يتمن حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” (رو4,3:8) وبناءاً على ذلك ففي العبارة التي ذكرناها من النبي يقول: “سأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا” (إر31:31) فماذا تعني “سأقطع” ولكن “سأتمم”؟ أليس كالعهد الذي قطعته مع آباءهم يوم امسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر” (إر32:31).

الفصل (35) الناموس القديم والناموس الجديد

          إذاً كان الأول قديما إذ أن الثاني يعتبر جديدا ولكن من أين يأتي أن الأول يكون قديما والثاني جديدا عندما يكمل العهد الجديد نفس الناموس الذي قال في العهد القديم “لا تشته” (مز17:20)؟

          ويقول النبي: “لأنهم نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب” (إر32:31) إنها إذا بسبب خطية الإنسان العتيق الذي دون أي وسيلة برأ بالحرف الذي أمر وهدد هذا ما يسمى بالعهد القديم, بينما سمي الثاني بالعهد الجديد من الخطأ الذي فعله القديم ثم تأمل وانظر كيف وضعت الحقيقة في ضوء واضح حتى أن الناس الذين عندهم الإيمان يرفضون ثقتهم في أنفسهم فيقول: “بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب.

أجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم” (إر33:31) انظر كيف يشرعها الرسول بطريقة مشابهة في العبارة التي ذكرناها سابقاً: “لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية” (2كو3:3) لأن “لا بحبر بل بروح الله الحي” (2كو3:3) وإنني أدرك أن الرسول في هذه العبارة ليس له سبب آخر ليذكر “العهد الجديد” (الذي جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد. لا الحرف بل الروح) سوى لأنه ينظر إلى كلمات النبي عندما قال “لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية” نظر إلى قول النبي: “أكتبها على قلوبهم” (إر33:31).

الفصل (36) الناموس المكتوب على قلوبنا

          ماذا يكون إذاً ناموس الله الذي كتبه نفسه على قلوب الناس سوى حلول الروح القدس ذاته. الذي هو إصبع الله والذي بحلوله تنسكب في قلوبنا المحبة التي هي تكميل الناموس (رو10:13) وغاية الوصية (1تي5:1)؟ وتعتبر الآن وعود العهد القديم ترابية وأيضا (باستثناء الفروض الدينية التي كانت إشارات لأشياء ستحدث مثل الختان, السبت.

والملاحظات الأخرى للأيام وطقس الذبائح المعقد وأشياء دينية تطابق عتاقة الناموس الجسدي ونير عبوديته) وتشمل مثل هذه الوصايا الخاصة بالبر كما أرشدنا الآن لملاحظتها التي بالأخص وضعت بوضوح دون أي تشبيه أو إشارة في اللوحين وعلى سبيل المثال” “لا تزني” “لا تقتل” “لا تشته” وإن كانت وصية أخرى هي مجموعة في هذه الكلمة أن تحب قريبك كنفسك” (رو9:13) ولكن مع أنه كما جاء في العهد الذي سبق التكلم عنه وعود تعتبر عالمية وزمنية وقتية كما قلت.

          وهذه هي فوائد هذا الجسد القابل للفساد (بالرغم من أنها تسبق تشبيه تلك البركات السمائية الدائمة التي تخص العهد الجديد), وما وعد به الآن هو صالحا للقلب نفسه صالحا للعقل، صالحا وهو صلاح عقلي عندما قيل “أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم” (إر31: 33) ويعني بذلك أنه لا يجب على الناس الخوف من الناموس الذي ينذرهم من الخارج ولكن يجب على محبة بر الناموس ذاته الذي يسكن داخل قلوبهم.

الفصل (37): المكافأة الأبدية

          ثم أستمر ليشرح المكافأة: “سأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا” (إر31: 33) وهذا يطابق كلمات المرتل: “أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي. (مز73: 28) ويقول الله: “سأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا” ماذا يكون أفضل من هذا الخير، وماذا تكون سعادة أكثر من هذه السعادة، أن نعيش لله، أن نعيش من الله الذي به ينبوع الحياة وبنوره نرى نورا (مز36: 9)؟

وتكلم الرب نفسه عن هذه الحياة بهذه الكلمات: “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو17: 3)- ويكون أن “أنت ويسوع المسيح الذي أرسلته” هو الإله الحقيقي وحده إذ ليس أقل من هذا يعد به الله الذين يحبونه: “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتي” (يو14: 21)- وبدون شك في جوهر الله الذي به هو مساوٍ للآب ليس في صورة عبد لأنه في هذا سيظهر ذاته حتى للشرير أيضا.

ومع ذلك لعل هذا ما حدث الذي كتب: “يرحم المنافق ولا يتعلم العدل. في أرض الاستقامة يصنع شرا ولا يرى جلال الرب” (إش26: 10) ثم أيضا: “يمض الأشرار إلى عذاب أبدي و الأبرار إلى حياة أبدية (مت25: 26) وهذه الحياة الأبدية كما ذكرت بالضبط تتعين أن تكون بمعرفتهم للإله الحقيقي وحده. (يو17: 3)

وبناءاً على ذلك يقول يوحنا أيضا: “أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو3: 2) وكذلك الآن يبدأ هذا الشبه في إعادة تشكيله فينا بينما الإنسان الباطن يتجدد من يوم لآخر حسب صورة الله الذي خلقه” (كولوسي 3: 1).

الفصل (38): مقارنه إعادة التكوين الذي تم الآن مع كمال الحياة الآتية

          ولكن ماذا يكون هذا التغيير وكم هو عظيما بمقارنة بكمال السمو الذي سيتحقق حينذاك؟ ويستعمل الرسول بعض أنواع التوضيح مشتقة من أشياء معروفه جيدا لتلك الأشياء التي لا يمكن وصفها- مقارنا فترة الطفولة بعمر الرجولة “لما كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر ولكن لما صرت رجلا أبطلت ما للطفل. (1كو 13: 11)

وفي الحال علل سبب ذلك بهذه الكلمات؟ “فإننا ننظر الآن في مرآة في لعز لكن حينئذ وجها لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (1كو13: 12)

الفصل (39): المكافأة الأبدية التي أعلنت بالأخص في العهد الجديد والتي تنبأ عنها النبي

          لذلك في مثال بنينا الذي نتناول شهادته بالدراسة الآن أضيف أنه في الله المكافأة، فيه الغاية، فيه كمال السعادة، فيه مجموع الحياة المباركة والأبدية إذ أن بعد قوله: “أكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا” يضيف في الحالة: “ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب” (إر31: 34) والآن تعتبر كل تأكيد هي وقت العهد الجديد الوعد الذي أعطاه النبي.

لماذا إذاً ما زال حتى الآن كل إنسان يقول لقريبه ولأخيه، “أعرف الرب”؟ العل هذا لا يعني أن هذا يقال في كل مكان عندما يكرز بالإنجيل وعندما يكون هذا هو إعلانه بالذات؟ إذا أنه على أي أساس يسمى الرسول نفسه “معلما للأمم” (1تى2: 7) إذا لم يصبح ما ضمنه هو نفسه في العبارة الآتية محققا “فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به.

وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به وكيف يسمعون بلا كارز؟ (رو10: 14) منذ ذلك الوقت وهذه الكرازة تمتد الآن في كل مكان في أي شيء يكون وقت العهد الجديد الذي تكلم عنه النبي في الكلمات؟ “ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل وأحد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب” (إر31: 34) ما لم يكن هذا الذي ضَّمنه إدراكه النبوي المكافأة الأبدية للعهد الجديد بوعدنا بتأمل مبارك لله نفسه؟

الروح والحرف 7 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 3 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 3 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 3 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الروح والحرف 3 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

الفصل الحادي عشر: ما هو منبع الأعمال الصالحة

إن هذا التفكير المقدس يحفظ “بنو البشر في ظل جناحي الله يحتمون” (مز36: 7) لدرجهَّ أنهم “يروون من دسم بيت الله ومن نهر نعمة يقيهم لأن عنده ينبوع الحياة وبنوره يرون نوراً” ويديم رحمته للذين يعرفونه وعدله لمستقيمي القلب” (مز36: 8-10) وفي الحقيقة أن الله لا يديم رحمته لهم لأنهم يعرفونه ولكن لكي يقدرون أن يعرفوه. وليس لأنهم مستقيمي القلب ولكن لكي يصيروا كذلك، لكي يديم الله لهم بره الذي به يبرر الفاجر (رو4: 5) ولا يقوم هذا التفكير بكبرياء، وهذه الخطية تأتي عندما يثق أي إنسان في نفسه كثيرا ويجعل نفسه فوق الجميع.

مدفوعا بهذا الشعور الباطل فإنه يترك ينبوع الحياة هذا من التيارات التي يمتص منها القداسة التي تعتبر هي نفسها الحياة الصالحة. ومن هذا النور الثابت باشتراكه مع ما يشعل النفس الثابتة تصير هي نفسها مخلوقه ومضيئة وأيضا مثل “يوحنا كان هو السراج الموقد المنير” (يو5: 35) الذي مع ذلك أقر بأنه مصدر الأضاءه في الكلمات: “ومن ملئه نحن جميعا أخذنا” (يو1: 16) الذي أود أن أسأله، الله بالطبع في مقارنه مع من يوحنا لم يكن هو النور؟ لأن “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان أتيا إلى العالم” (يو1: 9)

لذلك ففي نفس المزمور عندما قال: “أدم رحمتك للذين يعرفونك وعدلك للمستقيمي القلب” (مز36: 10) أضاف قائلا: “لا تأتني رجل الكبرياء ويد الأشرار لا تزحزحني. هناك سقط فاعلو الإثم. دُجروا فلم يستطيعوا القيام” (مز36. 11، 12)

لأن بهذا الإلحاد الذي يقود كل إنسان إلى أن ينسب لنفسه العظمة التي هي لله يلقي في ظلامه الأصلي الذي تكونه أعمال الإثم لأنه يفعل هذه الأعمال علانية ولأن إتمام مثلها يناسبه وحده وإن أعمال البر لا يعملها أبدا إلا إذا أخذ المقدرة من ذلك المنبع وذلك النور حيث الحياة التي ليس فيها احتياج لشيء وحيث يكون “لا تغيير ولا ظل دوران” (يع1: 17).

الفصل الثاني عشر: بولس، لذلك دعي مجاهدا ببسالة لأجل النعمة

          لذلك إن بولس الذي مع أنه كان يدعى أولا شاول (أع13: 9) ولم يختر هذا المضمون الجديد لأي سبب سوى. وكما يبدو لي- أنه يريد أن يظهر نفسه صغيرا (أنظر اعترافات أغسطينوس 71114.)- “أصغر الرسل” (1كو15- 9) يجاهد ببسالة عظيمة وغيره المتكبرين والمتشامخين وكذلك من يفتخرون بأعمالهم لكي يستطيع أن يظهر نعمة الله.

وظهرت في الحقيقة هذه النعمة أكثر وضوحا كما تظهر في حالته نظرا لأنه بينما كان يصب الوسائل العنيفة للاضطهاد ضد كنيسة الله الذي جعله مستحقا لأعظم عقوبة وجد الرحمة بدل الدينونة وأخذ النعمة بدل العقاب.

لذلك وجد أنه من المناسب جدا أن يتكلم ويدافع عن النعمة- كما لا يهتم بالحسد لمن لا يفهمون موضوعا عميقا جدا وغامضا بالنسبة لهم- أو لمن يحرفون معنى كلماته السليمة بينما في نفس الوقت وبدون اضطراب ونمط أن نعمة الله، التي بها ينال الخلاص الذين يعتبرون أولاد الموعد وأولاد الصلاح الإلهي، أولاد النعمة والرحمة، أولاد العهد الجديد.

ويرجو في سلامه الذي يبدأ به كل رسالة: “نعمه لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح” (رو1: 7)، (1كو1: 3)، (غلا1: 3)

بينما كان هذا هو الموضوع الوحيد الذي ناقشه أهل روميه. وبكثير من المثابرة والحجج (الأدلة) المختلفة أمكن إخضاع المعارضين لكي إجهاد انتباه القاريء بسهولة. على انه بتعب بسيط جدا ومفيد يمكن تدريب مواهب الإنسان الباطن بدل تحطيمها.

الفصل الثالث عشر: الاحتفاظ بالناموس؛ تشامخ اليهود؛ الخوف من العقاب؛ ختان القلب.

          حينئذ يأتي ما ذكرته سابقا عندما يظهر من يكون اليهودي ويقول أنه دعي يهوديا ولكنه لا يتمم ما وعد أن يفعله ويقول: “هوذا أنت تسمي يهوديا وتتكل على الناموس وتفتخر بالله. وتعرف مشيئته وتميز الأمور المتخالفة متعلما من الناموس وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة ومهذب للأغنياء ومعلم للأطفال ولك صوره العلم والحق في الناموس. فأنت إذاً الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك. الذي تكرز أن لا يسرق أتسرق.

الذي تقول أن لا يزني أتزني الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل. الذي يفتخر بالناموس ابتعدي الناموس تهين الله لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس. ولكن إن كنت متعديا الناموس فقد صار ختانك عزلة. إذاً كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس، أفما تحسب غرلته ختانا وتكون العزلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس. لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديا ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانا.

بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي. وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان. الذي مدحه ليس من الناس بل من الله.” (رو2: 17-29) وهنا أوضح جليا معنى ما قاله: “الذي يفتخر بالله”. وبدون أدنى شك لو كان إنساناً يهوديا بالحقيقة وافتخر بالله كما تطلب النعمة (التي تعطى مجانًا وليس حسب استحقاق الأعمال) حينئذ يجب أن يكون مدحه لله وليس للناس ولكنهم في الواقع كانوا يفتخرون بالله كما لو كانوا وحدهم من استحقوا أخذ ناموس الله.

كما قال المرتل: “لم يصنع هكذا بإحدى الأمم، وأحكامه لم يعرفوها” (مز 147: 20) وأيضا ظنوا أنهم كانوا يتممون ناموس الله ببرهم، بينما كانوا يخالفونه دائما! ولذلك “أنشأ غضبا” عليهم (رو4: 15) وازدادوا في ارتكاب الخطية كما كانوا يرتكبونها هم الذين يعرفون الناموس إذ أن كل من فعل حتى ما أمر به الناموس بدون مساعدة روح النعمة يتم للخوف من العقاب وليس للمحبة في البرّ. ولهذا السبب فمن جانب الله لم يكن هذا في الوصية. التي تظهر من جانب الناس في العمل- ومثل هؤلاء الناموسيون أمسكوا مذنبين فيما عرف الله أنهم يفضلون عمله.

إذا كان هذا ممكنا بالغفران وينادي بأنه مهما كان “ختان القلب” الوصية التي تنفي من كل رغبة محرمة التي يأتي من “الروح” الذي يبريء- ولا تأتي من “الحرف” الذي يهدد ويجبر لذلك فإن مثل هؤلاء الناموسيون لهم مدحهم ليس من الناس بل من الله الذي بنعمته يمد الأرضيين وهذه النعمة ينالون عليها المدح- الذي قيل عنهم “بالرب تفتخر نفسي” (مز 34: 2) والذي قيل له “من قبلك تسبيحي” (مز 22، 25) ولكن أولئك ليسوا كذلك الذين لا يمدحون الله لأنهم بشر ولكن يمدحون أنفسهم لأنهم أبرار.

الفصل الرابع عشر: In what respect the Belgians acknowledge god as the author of our justification.

          أنهم يقولون: “لكننا نشكر الله لكونه صاحب برنا في ذلك أعطي الناموس بإرشادنا معرفة كيف يجب أن نعيش” ولكنهم لم يهتموا لما يقرأون: “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمام الله” (رو3: 20) وفي الحقيقة يمكن أن يكون هذا ممكنا بالنسبة للبشر وليس بالنسبة لله الذي يرى عين قلوبنا وأعماق إرادتنا. حيث يرى الله أنه بالرغم من أن الإنسان الذي يخاف الناموس لا يحتفظ بوصية معينه لكنه يريد أن يفعل شيئا آخر إذا سمح له.

ولئلا يظن أي أحد في العبارة التي اقتبسناها منه الآن أن الرسول يقصد أن يقول أن لا أحد يتبرر بالناموس الذي يحوي وصايا عديدة تحت صوره (شكل) الأسرار المقدسة الجليلة. وبين هذه الوصايا وصية ختان الجسد نفسه التي يختن فيها الأطفال في اليوم الثامن بعد ولادتهم. وفي الحال أضاف الرسول ما يقصد الناموس ويقول: “لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو3: 20) ثم يشير إلي ذلك الناموس الذي أعلنه فيما بعد “لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته” (رو7: 7)

فما معنى هذا بل أيضا ما معنى “بالناموس معرفة الخطية”؟

الفصل الخامس عشر: بر الله كما يوضحه الناموس والأنبياء

          هنا ربما يقال بهذه الجسارة التي للإنسان الذي يجهل بر الله ويرغب في أن يثبت بر نفسه. ما جعل الرسول يقول: “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه” (رو3: 20) نظرا لأن الناموس يظهر فقط للإنسان ما يجب عليه أن يفعله وما يجب عليه أن يتجنبه لكي ما يبينه الناموس يمكن أن يتم بواسطة الإرادة ولذلك يمكن أن يتبرر الإنسان ليس بالحقيقة بقوة الناموس ولكن بتصميمه الحر.

ولكني أطلب انتباهك أيها الإنسان لما يأتي بعد ذلك.

“وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء” (رو3: 21) وهل هذا يرن شيئا خفيفا في آذان لا تسمع؟ ويقول: “بر الله قد ظهر” لأنهم إذ يجهلون هذا البر ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله” (رو10-3) وتكون كلماته: “بر الله قد ظهر” ولم يقل بر الإنسان أو بر إرادته الخاصة. ولكن يقول “بر الله” ليس ذلك الذي به يكون الله نفسه باراً ولكن ذلك الذي يمنحه الله للإنسان عندما يبرر الخاطيء وقد شهد بذلك الناموس والأنبياء. وبمعنى آخر- أن الناموس والأنبياء قدم كل منها شهادته.

وفي الحقيقة فإن الناموس بإصداره أوامره وتهديداته وبعدم تبريره أي إنسان يبين بوضوح أن تبرير الإنسان هو عطية من الله بمعونة الروح القدس لأن هذا ما تنبأ به الأنبياء أنه بمجيء المسيح تمم ذلك. وبناءاً على ذلك فهو يتقدم خطوه أبعد ويضيف: “بر الله بالإيمان بيسوع المسيح” (رو3: 22) ذلك هو الإيمان الذي به يؤمن الإنسان بالمسيح ولا يكون القصد الإيمان الذي يؤمن به المسيح نفسه وأيضا لا يكون القصد الذي به الله نفسه باراً.

وبدون شك فإن كل منهما يخصنا نحن ولكن أيضا تخصان الله والمسيح لأنه بسخائهم تعطي لنا هذه الهبات وحينئذ يكون بر الله بدون الناموس ولكنه لا يظهر بدون الناموس لأنه لو ظهر بدون الناموس كيف يكون مشهودا له بالناموس؟ وإن بر الله مع أنه يكون بدون الناموس الذي يمنحه الله للمؤمن بواسطة روح النعمة بدون الناموس – يتم ذلك عندما لا يساعده الناموس.

وفي الحقيقة عندما يكشف الله للإنسان ضعفه بواسطة الناموس، يكون هذا لكي يستطيع بالإيمان أن يلتجيء إلى نعمة الله وبذلك يشفي .

وهكذا فيما يتعلق بحكمة الله قيل لنا “أنها تحمل على لسانها الناموس والرحمة في يسارها الغني والمجد” (أم3: 17) “الناموس” الذي به تدين المتكبر “والرحمة” التي بها تبرر المتواضع. إذاً بُر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلي كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق. إذا الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو3: 22،23) وليس مجدهم الخاص. فماذا لهم الذين لم يأخذوها؟ لأن لو أخذوها لماذا يفتخرون كأنهم لم يأخذوها؟ إذاً جيدا أن يعوزهم مجد الله. والآن لاحظ ما يأتي:

“متبررين مجانا بنعمته” (رو3: 24) إذاً هم يتبررون ليس بالناموس ولا بإرادتهم ولكنهم يتبررون مجانا بنعمته. ليس أنه مكتوبا بدون إرادتنا ولكن إرادتنا تظهر ضعيفة بواسطة الناموس حتى تقدر النعمة أن تشفي ضعفها وحتى نقدر إرادتنا السليمة إكمال الناموس ليس بخضوعها للناموس ولا أيضا في غياب الناموس. 

الروح والحرف 3 للقديس أغسطينوس – ترجمة راهب من الكنيسة القبطية

Exit mobile version