رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

 

 

تفسير رسالة القديس بولس الرسول إلي فليمون

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

أسباب كتابة الرسالة

         من المهم أولاً أن ندرس ونعرف أسباب كتابة الرسالة. ثم ندرس الأحداث المتعلقة بها والأسئلة المثارة حولها.

 

         إن فليمون ـ كما تتضح صفاته من الرسالة ـ رجل نبيل, شريف, ورائع. فقد آمن هو وجميع بيته ولما آمنوا دعوا “كنيسة” لأن بولس يقول في الرسالة “ إلي الكنيسة التي في بيتك[1] وقد شهد بولس علي نبل أخلاقه وطاعته العظيمة حينما قال ” لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ[2] كما أن الرسول بولس ـ في نفس الرسالة ـ يوصيه أن يُعِد له منزلاً[3] وعلي ما يبدو لي أن منزل فليمون كان “لمأوى القديسين”. فيا له من رجل ممتاز. وكان لفليمون عبد يدعي “أنسيمس”، وهذا الأخير كان قد سرق بعض الأشياء من سيده وهرب, وهذا يتضح مما قاله بولس في الرسالة ” ثم إن كان ظلمك بشئ ولك عليه دين فاحسب ذلك علي[4]  كان أنسيمس قد جاء إلي بولس في روما ووجده في السجن. وقد استمتع بتعاليمه المفيدة. وقبل منه نعمة المعمودية. الأمر الذي جعل بولس يقول عنه ” الذي ولدته في قيودي[5]. لذا فإن بولس يكتب إلي فليمون سيد أنسيمس موصيا إياه به. ويطلب إليه أن يصفح عنه ويقبله كشخص تجّدد بالمعمودية ولكن قد يقول البعض: إن هذه الرسالة زائدة عن الحد أو غير ضرورية. ويجب أن يُضم مضمونها إلي رسالة أخرى. فبولس ينشغل فيها بحدث صغير, مجرد طلب مصالحة نيابة عن شخص ما. لكن دعنا ندرس الآن اعتراض هؤلاء, فهؤلاء أنفسهم يستحقون لومًا كثيرًا, حيث إن هذه الرسالة الصغيرة فيها أشياء كثيرة هامة جدًا يجب أن تدرس, فهي تعكس جانبًا من حياة رسول. وكم أشتاق دائمًا أن أقابل شخصًا يمكنه أن يخبرنا عن تاريخ الرسل, لأن معظم الرسل لم يتركوا لنا رسائل. ومع ذلك فإن الأحاديث المتبقية منهم وكل الأمور المتعلّقة بهم؛ أى ماذا أكلوا؟, ومتى مشوا؟, وأين جلسوا؟, وماذا كانوا يعملون كل يوم؟ و في أى مكان عاشوا؟, وأى البيوت دخلوا؟, وأين سكنوا؟. فان كل شئ قد تم بواسطتهم هو مفعم بالمميزات. ولكن لأن الكثير من الناس لا يعرف فائدة هذه الرسالة وما فيها, لهذا هم ينتقدونها. فلو إننا رأينا فقط أماكن الرسل التي جلسوا فيها أو سجنوا فيها ـ حتى لو كانت أماكن مهجورة كبقعة بلا حياة ـ فغالبًا ما ننقل عقولنا إلي هناك, ونتخّيل فضائلهم. ونتشجع ونكون أكثر حماسة. وبالأكثر سيحدث هذا إن سمعنا نحن عن كلماتهم وأفعالهم المختلفة. فلو إن احد اهتم بصديقه فإنه يسأل: أين يعيش؟ ماذا يعمل؟ إلي أين يذهب؟. فكم بالحري أن نسأل نحن عن شخص قد قاد الحياة الروحية, فكل ما يتعلق به من سلوك, وطريقة الكلام, والأفعال التي عملها, كل هذا له فائدة. وكذلك من المفيد للجميع أن يتعلموا أن هذه الرسالة أُرسلت لأجل حدث هام. انظر إذن, ها هي الأمور التي عالجها الرسول في هذه الرسالة:

 

أولاً: يجب أن نكون جادين في كل شي, فبولس يهتم اهتمامًا عظيمًا بعبدٍ هارب, سارق ولص, ولا يخجل من أن يرسله راجعًا وحاملاً رسالة يكتبها هو نفسه إلي سيده فليمون وهكذا يجب أن نعطي اهتمامًا اكثر لمثل هذه الأمور التي تبدو للبعض أنها صغيرة.

ثانيًا: يجب علينا أيضا ألا نُهمل العبيد, حتى لو صدر منهم بغض شديد, فلو كان من بينهم لص قد هرب ثم تاب مثل أنسيمس فإن بولس مستعد أن يجعله رفيقًا له وهذا يتضح مما كتبه في هذه الرسالة ” الذي كنت أريد أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضا عنك في قيود الانجيل[6]. فإن كان بولس الرسول قد فعل هذا مع عبد تائب ألاَ نفعل نحن هذا بالأكثر مع الأحرار؟.

ثالثًا: لا يجب علي المرء أن يفرّق العبيد عن سادتهم. فمع أن بولس الذي كان لديه دالة كبيرة لدي فليمون, لم يشأ أن يُبقى أنسيمس بجانبه ـ مع أنه كان نافعًا جدًا له ـ بدون موافقة سيده, فكم بالحري علينا أن نفعل نحن أيضا مثل هذا الأمر ؟! لأنه إن كان هذا العبد أو الخادم ناجحًا في خدمته, فلأجل هذا الأمر عينه يجب أن يبقي في عمله في منزل سيده ويجب أن نعترف بسلطانه عليه حتى يصبح ذلك الخادم سبب منفعة لأهل هذا البيت. وإلاّ فما فائدة أن “ يوضع سراج تحت المكيال“؟[7].

   آه لو تمكنا من أن نحضر إلي داخل المدينة هؤلاء “العبيد” الذين هم مِن الخارج. ولكنك تسأل: ماذا لو أنهم أصبحوا فاسدين؟ ولكن لماذا أصبحوا هكذا. أنا أسألكم؟ هل لأنهم أتوا إلي المدينة؟ ولكن انظر, إن من تفسد أخلاقه بتواجده داخل المدينة, ستكون أخلاقه أكثر فسادًا وهو خارجها. فالفساد يعمل داخل الإنسان. فهنا (في المدينة) سوف يتم الاعتناء به من جهة الأمور الضرورية (الاحتياجات المادية والجسدية), وسيأخذ سيده علي عاتقه كيفيه الاعتناء به. ولكن هناك (خارج المدينة) سيهتم العبد بكل هذه الامور المادية وربما يترك الأمور الأكثر أهمية والأكثر روحانية. ولهذا نجد أن المغبوط بولس يُسدي لهم النصيحة الأفضل فيقول ” دعيت وأنت عبد فلا يهمك بل وإن استطعت أن تصير حرا فأستعملها بالحري[8]. فإذا كان أنسيمس مازال مقيدًا في رقه, فهناك ما هو أهم من هذا. ألاَ وهو أن كلمة الله لا يُجدف عليها. كما أن بولس نفسه يقول في إحدى رسائله “جميع الذين هم عبيد تحت نير فليحسبوا سادتهم مستحقين كل إكرام لئلا يُفتري علي اسم الله وتعليمه[9].

         إن الوثنيين سيقولون: إن العبد أيضا يمكن أن يَسُرّ قلب الله, ولكن كثيرين يجدفون بقولهم إن المسيحية قد جاءت لتنشر الفتنة وتدمر كل الأعراف الاجتماعية, فطالما أن السادة لن يجدوا عبيدًا يرغبون في خدمتهم بإرادتهم, فإن السادة سوف يجبرون العبيد بالقوة علي أن يبقوا في خدمتهم.

 

         هناك أمر آخر ضروري وهو ألا نخجل من ذكر فضائل عبيدنا إن كانوا يعيشون في حياة الفضيلة. فلو أن بولس الذي هو جدير بالاحترام أكثر من الجميع يتكلّم بالصالح في حق هذا العبد “أنسيمس”, فكم بالحري جدير بنا أن نتكلّم بالعطف علي عبيدنا نحن, وسوف يكون لهذا نتيجة طيبة.

  ورغم كل هذه التعاليم المفيدة ـ مع اننا لم نذكر كل شئ بعد في هذه الرسالة ـ هل مازال أحد يعتقد ان هذه الرسالة لا لزوم لها ويجب ألاّ توضع ضمن أسفار الكتاب المقدس؟ وألاَ تكون مثل هذه الأقوال هي دليل علي حماقة مفرطة؟.

         أرجوكم دعونا من هذا اللغو. فنحن قد قدّمنا للرسالة التي كتبها الرسول بولس وكسبنا منها فوائد كثيرة, وسوف نستفيد أكثر من خلال شرح الرسالة.

 

 

العظة الأولى

 

بولس أسير يسوع المسيح وتيموثاوس الأخ إلي فليمون المحبوب والعامل معنا. وإلي أبفيه المحبوبة وأرخبس المتجند معنا وإلي الكنيسة التي في بيتك. نعمة لكم وسلام من الله ابينا والرب يسوع المسيح(فل1ـ3).

 

         هذا الكلام موجه إلي سيد لأجل أحد عبيده, لقد أراد الرسول بولس في أول الأمر ـ وبشكل مباشر ـ أن يهدئ من نار غضب  فليمون, بل وأن يؤنب ضميره أيضًا, كما جعله يرجع إلى نفسه. كما أنه بيَّن أن كل هذه الأمور الظاهرية ـ أى كون أنسيمس هو عبد لدي فليمون ـ كأنها لا شئ حيث إنه لا يوجد عبد أو حر في المسيح يسوع, فالأسر والقيود لأجل إكرام المسيح ليست خزي ولكنها مباهاة. فالعبودية أفضل بكثير من الحرية التي تصاحبها أفعال ملومة.

 وعندما يقول بولس هذا القول فهو لا يرفع من شأن نفسه بل لأجل غرض جيد. فهو يريد أن يُظهر مَنْ هو المستحق أن نكون مدينين له. وهو لا يقول هذا لأجل أن ينال تكريم خاص من أحد, ولكن لأجل إكرام ذاك الذي يستطيع أن يمنح العطف الكثير عن طيب نفس. وكأن بولس يقول: إن قيودي هذه كانت من أجلك (لحساب المسيح) كما أنه يقول في موضع آخر موضحًا أنه لا يوجد أعظم من أن يحمل الإنسان سمات المسيح في جسده ” لأني حامل في جسدي سمات الرب يسوع[10] ويدعو هذا الفخر بـ”عار المسيح”

أسير يسوع المسيح

  أى أنه سُجِنَ لأجل المسيح. فمَنْ لا يرتعب ومَنْ لا تتحرك مشاعره حينما يسمع حديثًا عن ” قيود المسيح”, مَنْ ذا الذي لا يكون مستعدًا لأن يقدم حياته وليس فقط أحد عبيده!!.

وتيموثاوس الأخ

   هنا بولس الرسول لا يطلب شيئًا من فليمون بشخصه فقط ولكن يضم معه شخص آخر هو “تيموثاوس” مُريدًا بهذا أن يستميله حتى يعفو عن عبده “أنسيمس” بسهولة أكثر.

 

إلي فليمون المحبوب والعامل معنا

    إن تعبير “المحبوب ” يدل علي أن ثقة بولس في فليمون ليست من قِبل الجرأة في الحديث ـ حتى يخاطبه هكذا بدون القاب ـ ولكن هذا دليل علي وجود علاقة صداقة ومحبة بينهم.

العامل معنا  

   إن هذه الكلمة لا تعنى فقط أن بولس يريد أن يعلّم أمرًا أو يلقى بوصية واجبة الطاعة, ولكنها تعبّر عن إرادته في أن يجعل فليمون يعترف بأن هناك إحسانات قد حصل عليها حيث إنه يعمل, ويبني مع بولس في نفس العمل الكرازي ـ لذلك بصرف النظر عن أي طلب ـ هو يريد أن يقول : أنت يا فليمون لست فقط محبوبًا لدينا بل وعاملاً معنا أيضًا وهذا نافع للعمل الكرازى, وبما أنك شريك معنا في هذه الخدمة يتعيّن عليك ألاَ تكون أنت هو من نتوسل إليه بل أن تتوسل معنا في نفس الطلب الذي نطلبه.

وإلي أبفيه المحبوبة

    يبدو لي أن أبفيه هي زوجة فليمون. ومن الملاحظ رقة بولس في الحديث, فهو أولاً يوجه خطابًا لفليمون ليس باسمه فقط ولكنه يضم معه شخص تيموثاوس وثانيا نجده يوجه الحديث ليس فقط لفليمون ولكن لزوجته أيضًا. وهناك شخص آخر ربما يكون صديق هو “أرخبس” ويقول عنه ” المتجند معنا” فليس الهدف أن ينهي الموضوع بتوجيه أوامر لهم بدون أن يتحمل مشقة إقناعهم. فبولس لا يعرض طلبه مباشرة ولكنه يستجديهم لعمل أمر غريب وهو أن يساعدوه في طلبه. فهو لم يبدأ بطلبات عديدة ولكن بدء طلبه بأن يحث الكثيرين لكي يساهموا في هذه العطية. ولأجل هذا يقول: وأرخبس المتجند معنا, وكأنه يريد أن يقول: فلو كنت يا أرخبس متجند معنا يتعيّن عليك أيضًا أن يكون لديك الاهتمام بنفس هذا الأمر.

   وأيضًا يذكر الرسول بولس أرخبس في رسالته إلي كولوسي فيقول: ” و قولوا لأرخبس انظر إلى الخدمة التي قبلتها في الرب لكي تتممها[11]. وكما يبدو لي أن أرخبس هذا كان أحد الكهنة، ولهذا يدعوه بالمتجّند معنا. وهو بالتأكيد كان يتعاون معه بكل الوسائل.

 

والكنيسة التي في بيتك  

هنا بولس لم يستثنِ أحد ولا حتى العبيد.لأنه يعرف أن كلام العبيد ـ أحيانًا ـ لديه القدرة علي تحريض السادة نحو أحدهم. وخاصة بالأكثر حينما يطلب بولس نيابة عن عبد ـ حيث إنه من المحتمل أن هؤلاء العبيد هم الذين كانوا قد أثاروا فليمون ضد عبده ـ ولما كان لا يريدهم أن يحسدوا ” أنسيمس”، فقد شرفهم بضم أسمائهم في التحية مع سادتهم كما أنه بهذا لا يسمح للسادة أن يعتبروا أن أشارته للعبيد بالاسم, هو إهانة لهم, فربما يغضبهم ذلك. ومن ناحية أخرى لو أن بولس لم يذكر العبيد بالمرة, فربما يستاءون من هذا. لاحظ  كيف أنه من أجل هذا فطن لإيجاد طريقة أدبية يذكرهم بها. فشرّف الجميع بهذه الإشارة دون أن يغضب أحدًا وهذا من خلال استخدام كلمة “كنيسة” فهو لم يُغضب السادة بالرغم من أنه يحسبهم مع العبيد لأن الكنيسة لا تعترف بالتمييز بين السيد والعبد. فهي تنظر إلي الواحد والآخر بمقدار عمله الصالح أو بحسب خطيئته. إذ أنه في الكنيسة لن يغضب السادة إذ أتى العبيد معهم لأن في المسيح يسوع ليس عبد ولا حر[12].

نعمة لكم وسلام

         حينما يذكر الرسول بولس “النعمة” فهو بهذا يجعل “فليمون” يتذكر خطاياه الخاصة. وكأنه بهذا أراد أن يقول له: انظر كيف أن الله العظيم قد سامحك في أشياء كثيرة وبواسطة النعمة قد حُفظت. فتمثل بالرب يسوع في فعله.

         كما نجد أن الرسول بولس يتمني له السلام وهذا أمر عظيم. وبالطبع سيكون له هذا السلام حينما يُقدم فليمون علي محاكاة الرب فتسكن النعمة فيه أيضا. وهذا حتى لا يكون مثل ذلك العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه حين طالبه بالمائة فِلس. بالرغم من أن نعمة سيده ثابتة عليه, ولكن عندما طالب رفيقه, أُخذت منه تلك النعمة وأُرسل إلي العذاب الأبدي[13].

         ويجب علينا عندما نضع ما حدث في هذا المثل أمام أعينا أن نكون بدورنا رحماء ونغفر لأولئك الذين أساءوا إلينا. إن المائة فِلس في هذا المثل هي بمثابة الإساءة الموجهه إلينا, بينما الآلاف من الوزنات تمثل الإساءة التي نفعلها نحن في حق الله. والأهم هو أنه بينما تعرف أن هذه الطريقة خاطئة فمع ذلك تحكم بنفس الطريقة علي الآخرين. فعلي سبيل المثال: الذي يهين شخصًا عاديًا فإنه يعمل عملاً خطأً, ولكن ليس كالذي يهين شخصًا رفيع المستوي. والذي يهين شخصًا أعظم فخطأه أعظم. والذي يهين الأدنى فإن خطأه أقل ولكن الذي يهين الملك فإهانته بالغة. فالجرح والإهانة هما حقًا في نفس مستوي الشخص الموجهة إليه الإهانة[14] فالذي يهين ملكًا له عذاب لا يطاق وهذا فقط بسبب مقام الشخص المُهان. ولكن كم عدد الوزنات التي سيسأل عنها ذاك الذي يهين الله؟!.فإن كنا نرتكب الإساءة ضد الله مثل تلك التي نعملها ضد الآخرين ـ فبسبب عدم التساوي بين الله والآخرين ـ فلا يمكن أن تتساوي الخطيئة التي نرتكبها ضد الله بالخطيئة الموجهة ضد الآخرين. إن القول الذى أحاول النطق به لهو قول رهيب. حقًا هو مرهوب. ولكن من الضروري أن اقوله فربما من خلاله ترتعد عقولنا ونفكر بطريقة صحيحة ونفهم من خلال تلك العلاقة بين الخطية والشخص الذي نخطئ في حقه. اسمعوا قولي: نحن نخاف الناس أكثر من الله ونكرّم الناس أكثر من الله!!. أترون كيف يكون هذا؟ إن الذي يُقدم علي الزنا يعرف أن الله يراه وبالرغم من هذا فإنه يتجاهله. ولكن لو رآه إنسان فإنه يقيد شهوته. فليس فقط أن الشخص يحترم الناس أكثر من الله بل أنه أيضًا يهين الله. وليس هذا فقط ولكن يحدث ما هو أسوأ. فبينما هو يخاف الناس فإنهم هم  يحتقرونه. لهذا إذا رأى هذا الشخص أناسًا آخرين فإنه يكبح نار شهوته, ولكن بالحري أي نار؟! ليست نار الشهوة إنما نار الفضيحة في أنه يتصل بامرأة بشكل غير قانوني فالأمر يبدأ برغبة ولكن حينما يراه الناس وهو يحقق رغبته هذه, فإن ما يفعله يصبح مهانة ودعارة, فيكف عن ولعة الجنوني إذا رأهم. ولكن لأن الله طويل الأناة فإنه ينال منه احترامًا أقل. وهناك من يسرق ويكون واعيًا حينما يسرق ويسعي لخداع الناس ويدافع عن نفسه ضد أولئك الذين يتهمونه, ويحاول أن يُبرر نفسه. مع ذلك فهو لا يستطيع أن يغلب الله بحجته. فهذا الإنسان لا يحترم الله ولا يخافه ولا يكرمه. فلو إن الملك الأرضى أوصانا أن نمتنع عن سرقة الآخرين أو حتى نقدم أموالنا, نكون علي استعداد أن نتعاون معه ولكن عندما يوصينا الله ألاّ نسرق  وألاّ نطمع فيما للآخرين, فنحن لا نطيعه.

         هل رأيتم الآن كيف أننا نكرّم الناس أكثر من الله ؟! إن هذا قول محزن ومؤلم وتهمة ثقيلة. وهل لأنه مؤلم نهرب من بشاعة تلك الأفعال؟ وبما أنكم لا تخافون من فعل مثل هذه الأمور كيف لي أن أصدقّكم إذ قلتم: إننا نخاف من كلماتك, وهل تطرح العبء علىَّ إذن؟ لا. إنكم بهذا القول تلقون بالمسئولية على أنفسكم فما أقوله ليس كلماتى. فلو كنت أنا صاحب تلك الوصايا التي يجب أن تعملوها فأنتم مهانون. لأن هذا أمر هزلي لأن الأشياء التي قيلت بواسطتي قد يثبت خطأها! وفي هذه الحالة سوف أرجع الأمر كله لضعف اللغة ولا أقول إني قد أخطأت. كمن يخطئ ثم يعاتبك علي أنك أنت السبب ويثبت لك بالبرهان كيف أنك أنت السبب.

         نحن لا نوقر الناس أكثر من الله فقط, ولكن من بيننا مَنْ يُجبر الآخرين أن يسلكوا نفس السلوك. فكثيرون قد أرغموا عبيدهم وإماءهم علي الزواج ضد إرادتهم وآخرون أجبروهم وأرسلوهم في خدمات معيبة ـ إلي الدعارة ـ وإلي أفعال السلب والاحتيال والعنف. لذلك فالتهمة مضاعفة علي هؤلاء. ولا أحد يستطيع أن ينال المغفرة بحجة العوز. فأنت تعمل أمور ترفضها وترجع ما تفعله إلى العادات. ومع هذا كله فليس لك ـ بأي حال ـ عذر مقبول[15] والأكثر من هذا حينما تجبر الآخرين أن يعملوا نفس الأمر الذي ترفضه!. أية مغفرة تكون لمثل هذا الشخص؟ فما قلته أيها الأخوة لم أقله رغبة في إدانتكم ولكن لأظهر لكم الأشياء التي نحن مدينين بها لله. فحتى لو تساوى احترام الناس مع احترامنا لله فنحن نهين الله أيضًا. فكم وكم حينما نقّدرهم أكثر منه!!. حتى ولو أن الإساءة نفسها التي تُرتكب ضد الناس نري أنها تصير أعظم جدًا لو ارتكبت ضد الله. والأكثر حينما تكون الإساءة الفعلية ضد الله وبشكل مباشر.

         لندع كل واحد يمتحن نفسه وسوف يرى أنه يعمل كل شي لحساب الناس, بينما سنكون مباركين جدًا, لو صنعنا كل شي إكرامًا لله. مثلما نصنع الأمور لإكرام الناس. عندما نقبل هذا سنجد إجابات عديدة للسؤال التالى: لماذا يتعيّن علينا أن نغفر بكل نشاط لمَنْ جرحنا, ولمَنْ سلب منا أموالنا ؟! وألاّ نحمل ضغينة لأحد, لأن هذا هو الطريق لمغفرة خطايانا, فهو طريق لا يحتاج إلي تعب أو إنفاق ثروة أو أي شي آخر ولكن هو مجرد رغبة داخلية ولن نحتاج أن نذهب بعيدًا ولا أن نرتحل فيما هو أبعد من حدود بلادنا ولا أن نُقدِم علي الأخطار والشراك. ولكن ما نحتاجه بالفعل هو فقط الرغبة في  أن تغفر لمَنْ أساء إليك.

         أخبروني, إن كنا لا نريد أن نعمل تلك الأشياء السهلة مع أنها تجلب علينا مكاسب كثيرة وفوائد كبيرة بدون أى تعب, فأي عذر لنا, وماذا سيكون موقفنا تجاه ما هو أصعب؟ هل تستطيع أن تحتقر الثروة؟ هل تستطيع أن تصرف أموالك علي المحتاجين؟ هل تستطيع فعل أي شئ جيد؟ هل تستطيع أن تغفر لمن جرحك؟ إن كنت لا تستطيع أن تفعل أى من هذه الأمور فعلي الأقل نفذ ما أمرك الله به وهو أن تغفر. لأنه يتعيّن عليك أن تغفر للآخرين. إن الأكثر من هذا أنكم تطلبون بلجاجة أن يُغفر لكم فهل تطلبون هذا بسبب ما أظهره الله نحونا؟ فلو ذهبنا إلي الله الذي يدين الكل, فإنه يعرفنا ويستقبلنا بالحب ويكرِّمنا, ويدفعنا بكل اهتمام إلي طريق الحرية. ومع ذلك فقد رأيناه في مَثل ” العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه ” أنه لم يدفع الدين عنا ولكن هو يريد أن يجعلنا ونحن نطالب الآخرين بالسداد أن نكون رحماء معهم.

         انظر, أنت مدين بالكثير لله ومع أنه أوصاك أن تغفر حتى يُغفر لك. إلاَ أنك لا تغفر للآخرين. واني أسألكم لماذا لا تغفروا؟, وإني لمتعجب من هذا الفتور!. فلماذا كل هذا الكسل في اقتناء الفضيلة؟!. فبرغم من أنه لدينا مميزات كثيرة إلاَ أننا نجهد أنفسنا فيما هو رذيل, ونحن نعرض عن ما هو سهل ونطلب ما هو ثقيل. ففي المغفرة للآخرين ليست هناك حاجة إلي قوة جسمانية, ولا ثروة, ولا سلطة, ولا قوة, ولا صداقة, ولا أى شئ آخر. فقط يكفي أن تريد وسيتم كل شئ. هل يضايقك شخص ما, ويحتقرك ويسخر منك؟ نعم. ولكن غالبا ما تفعل أنت أيضًا هكذا في الآخرين وحتى ضد الله نفسه, ولكنه يصبر ويغفر. وهذا هو ما قاله :” اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا لمن أساء إلينا[16]. وهكذا فإن لم تغفر فإنك لا تستطيع أن تطلب هذا بدالة. وحتى إذا غفرت فلا تطلب المغفرة كأن الله مدين لك بالغفران. ولا بسبب أنه هكذا يجب أن يفعل الله، ولكن بحسب رحمة الله يمنح المغفرة[17]. وهل يتساوي الغفران الممنوح لذلك الشخص الذي يُخطئ فى حق رفيقه مع ذاك الغفران الذي يُمنح للشخص الذي يُخطئ في حق الله!. غير أن الحقيقة هي أننا نتمتع بمحبة الله العظيمة الفيّاضة للبشر إذ هو غنىٌ في رحمته وشفقته.

         إذا كان هناك شخص يعرفه الجميع ويمدحوه قائلين: إن هذا إنسان تقيٌ, إنه يصفح بسهولة، وهو يعرف كيف لا يحمل ضغينة ضد أحد. حينما يتعرض هذا الشخص لمحنة, مَنْ لا يتعاطف معه وإن طلب العفو عن خطأ قد فعله مَنْ لا يمنحه إياه؟ ألاَ تريد أن تكون مثل هذا الإنسان الورع؟ بلي, إنك بالطبع تريد.

         وأخيرًا أطلب إليكم. أن نعمل كل شئ لأجل الله ونغفر ليس فقط لأصدقائنا، وليس فقط للذين لهم علاقة بنا، ولكن نغفر حتى لعبيدنا, فالرسول بولس يقول: ” تاركين التهديد عالمين أن سيدكم أنتم إذًا فى السموات[18].

         فلو غفرنا للآخرين خطاياهم فإنهم سيغفرون لنا خطايانا, ولو قمنا بأعمال رحمة سنُرحم، ولو كنا متضعين ستغُفر خطايانا إذ أنه بالاتضاع تُغفر الخطايا, فقد قال العشار: ” ارحمني يا الله أنا الخاطئ[19] فذهب مبررًا ـ وبالأكثر نحن أيضًا لو تبنا وتواضعنا سننال مراحم كثيرة. ولو اعترفنا بخطايانا وحكمنا على أنفسنا سنتطهر بالأكثر من أدناسنا.

         اذن، فهناك العديد من الطرق التي تؤدى للنقاوة وفي أي من هذه الطرق سيكون لنا حرب ضد الشيطان. ومع ذلك ما سوف أقوله ليس صعبًا ولا ثقيلاً. فقط اغفر للذي جرحك, اعطف علي المحتاجين, تواضع,  وحتى لو كنت خاطئًا جدًا ربما تستطيع أن تحصل على ملكوت الله حيث إنك بهذه الطرق تطهر نفسك من الخطية.

         فلنسلك جميعًا هكذا والله يمنحنا النعمة ويطهّر نفوسنا, وباعترافنا هنا بكل قذارة خطايانا ربما نحصل هناك علي بركة الوعد الذى في المسيح يسوع ربنا الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة والإكرام الآن وكل أوان وإلي دهر الدهور آمين.

[1] فليمون 2.

[2] فليمون 7.

[3] فليمون22.

 [4] فليمون 18.

[5] فليمون 11

[6] فليمون 13

[7] مت 5: 15.

[8] 1كو21:7.

[9] اتي1:6

[10] غل17:6

[11] كولوسي17:4

[12] غل 28:28

[13] انظر المثل في انجيل القديس متي إصحاح 18

[14] يبين القديس ذهبي الفم هنا أن الخطأ واحد في كل الحالات ولكن يتعاظم مقداره أو يقل على حسب نظرتنا نحن للشخص المهان.

[15] يبين ذهبي الفم أننا من الممكن ان نعمل أشياء غير مقتنعين بها وهي أشياء خاطئة ونعلل هذا بالعادات والتقاليد.

[16] مت13:6

[17] يقصد هنا أن الغفران الممنوح لنا من الله ليس لأجل بّرنا أو حتى لأننا فعلا نصفح عن الآخرين وكأن الله يغفر لنا لأننا مستحقين هذا ولكنه يمنحنا الغفران من قبل نعمته ورحمته العظيمة.

[18] أف9:6

[19] لو13:8

 

رسالة فليمون ع1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة الثامنة

 

«فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أيْضا: الَّذِي إذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أنْ يَكُونَ مُعَادِلا لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أخْلَى نَفْسَهُ، أخِذا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَانْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أيْضا، وَأعْطَاهُ اسْما فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ»[1].

 

   لقد تكلمت عن الهراطقة[2]، والآن أجد أن الفرصة مواتية لأن نتكلم عن الأمور المختصة بنا. فأولئك يقولون إن عبارة «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله» تعني أنه إختطف! لقد بيّنا أن في ذلك القول يكمن فساد وحماقة، لأنه لا يوجد إنسان ينصح آخر بالتواضع على هذا النحو، ولا بهذه الطريقة يتمجد الله ولا حتى الإنسان (يُكرّم بهذه الطريقة). فماذا يحدث إذاً أيها الأحباء؟ انتبهوا الآن لما نقوله. لأن الكثيرين يعتقدون أنهم سيُحْرَمون من مناصبهم، حينما يكونون متواضعين، وأنهم سينحدرون ويخضعون، لذا فلكي يزيل القديس بولس هذا الخوف ولكي يوضح أننا يجب ألاّ نتأثر هكذا، يقول إن الإبن الوحيد الجنس، الذي هو في صورة الله، وليس أقل من الآب في أي شيء، بل مساوٍ له، ولم يحسب مساواته لله (الآب) أنها مُختلسة. والآن اعلموا ماذا يعنى ذلك. أن ما يسلبه أحد ويأخذه له دون أن يكون مِلْكَه، لا يجرؤ على تركه، بسبب تخوفه لربما يفقده، فلذلك دائماً ما نجده ممسكاً به. وأما ذاك الذي يحتل منصباً ما بصورة طبيعية، لا يخشي نزوله من هذه المكانة، وذلك لأنه يعرف أنه لن يتعرض لهذا الأمر. وسأسرد لكم بعض الأمثلة، وإن كانت الأمثلة لا تستطيع أن توضح الأمر بصورة جلية. فلا تقلقوا، فهكذا تكون الأمثلة، أي أنها تترك للعقل مساحة لكي يستنتج هذا الأمر. فقد سلب ابشالوم السلطة ولم يرد أن يتركها. مثال آخر، إذا قام شخص ما بثورة ضد المَلِك وسلب منه ملكه، فإنه لا يريد ترك هذا الأمر أو إخفائه، لأنه إذا أخفاه مرة واحدة فقط، سيفقده على الفور. نأتي إلى مثال آخر، فمثلاً إذا سلب شخص شيئاً ما، فهو يحوزه باستمرار، ذلك لأنه لو تركه، فسيفقده في الحال. وبشكل عام فإن من يمتلكون شيئاً عن طريق السلب، فإنهم يخشون تركه أو إخفائه، ويظل فكرهم مشغولاً دائمًا به. لكن هذا لا يحدث لهؤلاء الذين لا يحوزون أشياء مُختلسة. إننا لا نملك سلطة بالطبيعة، فليست الخيرات هي أشياء طبيعية فينا (أي أنها نعمة من الله). أما فيما يتعلق بالله فكل الخيرات مرتبطة بطبيعته.

   فماذا يقول إذاً؟ يقول إن إبن الله لا يخشي أن يتنازل عن مكانته، لأنه هو الله بالطبيعة، ولا يخشي أن ينزع أحد منه طبيعته أو سلطانه، لأجل هذا وضع ذاته، واثقاً أن هذه المكانة ثابتة. لقد أخفى ذلك لأنه يعرف أنه لن ينزل عن هذه المكانة مطلقًا. لذا فهو لم يقل لم يسلب وإنما «لم يحسب خلسة». فهو لم يختلس هذه المساواة، وإنما هي من طبيعته، وهي لم تُمنح له ولكنها دائمة وثابتة. لهذا فهو لم يتجنَّب أن يأخذ شكل التابع أو المرؤوس. إن مغتصب العرش يخشي أن يترك ثوبه الأرجواني في خلال فترة الحرب، أما الملك فإنه يفعل ذلك بكل أمان، لماذا؟ لأن سلطته هذه لم تأت إليه عن طريق الاستيلاء.

   ولأنه لم يسلب هذه المساواة، فقد وضع ذاته، إذ هو يملكها بالطبيعة، ولهذا أخفاها. بمعنى أن الإبن لم يختلس مساواته للآب؛ لأنه مساوٍ له ، لأجل هذا أخلى نفسه. أين هم الذين يقولون أنه إجتاز الموت مجبرًا وخاضعاً؟! إنه يقول «أخلى نفسه، وضع نفسه وأطاع حتى الموت» كيف أخلى نفسه؟ «آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان». إلى هذا الحد تمم هذا الإخلاء، لكي نقتفي نحن أيضًا آثار هذا النموذج، إذ يقول: «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم»، فلهذا قال: «أخلى نفسه»، لأنه إن كان الإخلاء قد تم دون إرادته، وإن لم يكن هذا بمحض رغبته وإرادته الحرة، لما كان هذا الأمر إذًا تعبيرًا عن الإتضاع. فإن كان غير مُدرِك أن ذلك لابد أن يحدث لكان هذا عملاً ناقصًا. ولو لم يكن عالمًا بذلك، لكان قد انتظر زمن الحدوث، وحينئذٍ ما كان له أن يعرف متى سيحدث. فإن كان يعرف أن ذلك سيحدث قطعًا، ويعرف أيضًا زمن حدوثه، فلأي سبب يقبل أن يخضع؟ هل كي يبين سمو الآب؟ فإن ذلك لا يُبين سمو الآب وإنما يُبين بساطته هو، ألم يكن اسم الآب في حد ذاته كافيًا، لكي يُبين تمايزه؟ وبالطبع فإنه فيما عدا ذلك فإن كل الأمور الأخرى هي مشتركة (بينهما) وهي للإبن أيضًا. فإن هذه الخاصية (أي أبوة الآب) لا يمكن أن تنتقل من الآب للإبن.

   فماذا يزعم الهراطقة؟ انظروا فإن أتباع ماركيون يقولون إنه لم يصر إنسانًا، لكن ماذا صار؟ صار مشابهًا للإنسان. لكن كيف يكون ممكنًا أن  يصير مشابهًا للإنسان؟ هل هو محاطٌ بظلال؟ من المؤكد أن ذلك يكون صنمًا، وليس مشابهًا للإنسان، لأن من يشبه الإنسان، هو إنسان آخر. لكن بماذا ستجيب على يوحنا حينما يقول: «الكلمة صار جسدًا»[3]؟ والمطوب بولس نفسه يقول في موضع آخر: «في شبه جسد الخطية»[4].

   “وُجد في الهيئة كإنسان“. أرأيتم أنه يقول في الهيئة كإنسان. لكن ذلك (كما يدَّعون) لا يعنى إنه إنسان حقيقي، أن يكون كإنسان، ويكون في الهيئة إنسان، لأن كونه في الهيئة إنسان لا يعني أنه من طبيعة إنسانية! ألا ترون كيف أنني أكشف بوضوح أفكار الأعداء؟ لأن الانتصار الباهر والمكسب الكبير يكون حينما لا نخفي ما يبدو أنها أفكار قوية لهؤلاء. لأن إخفاء ذلك هو خداع وليس انتصار.

   إذًا ماذا يزعمون؟ سنكرر ذلك مرة أخرى، فإن عبارة في الهيئة، لا تعنى إنه إنسان بالطبيعة (هكذا يقولون)، وأيضًا يقولون: إن يكون كإنسان أو في شبه الناس، لا يعنى أنه إنسان. وبالتالي فإن «أخذ صورة عبد» لا تعنى أنه حقًا قد أخذ صورة عبد. لذا فإن الرد على هذه الصيغ السلبية يتمثَّل في إنه من المؤكد هنا أن مقاومة ما لهذه الأقوال ستحدث. فإن كنت تعتقد أن عبارة “أخذ صورة عبد” هي حجة ضدنا، هكذا نحن أيضاً نرى أن هذه الحجة هي ضدك، فهل لك أن تشرح ما تقوله أولاً؟ لأن الرسول لم يقل كعبد، ولا مشابهًا صورة العبد، ولكنه قال: «أخذ صورة عبد». إذًا ماذا يحدث؟ هذا الكلام من الممكن أن يثير حروب، لكن لن تحدث أي حرب. ولكن ما هو هذا الكلام السخيف والمثير للسخرية الذي يقوله هؤلاء؟ يقولون إنه أخذ صورة عبد حينما أتزر بمنشفة وغسل أرجل التلاميذ. هذه هي صورة العبد؟ ليست هذه هي صورة العبد، بل هو عمل العبد. إن هناك اختلافًا بين أن يعمل عمل عبد وأن يأخذ صورة عبد. فلماذا لم يقل أنه أتم عمل العبد وستكون العبارة هكذا أكثر وضوحًا؟ لكن لا يَرد في الكتاب المقدس على الإطلاق أن كلمة صورة تأتي بدلاً من كلمة عمل، وذلك لأن الفارق بينهما كبير، فالصورة تُقال على الطبيعة، أما العمل فيقال على النشاط. وحينما نتكلم لا نقصد أبدًا الصورة بدلاً من العمل. من ناحية أخرى وكما يرى هؤلاء أن الجسد كان خياليًا، فإن كان هكذا، فلا يكون قد صنع هذا العمل، ولا أتزَّر بمنشفة، ولما كان هذا العمل عملاً حقيقيًا، فإن لم يكن له أيدي، فكيف غسل؟ وإن لم يكن له وسط فكيف أتزر بمنشفة؟

   أي ثياب قد أخذها؟ لأنه يقول وأخذ ثيابه[5]. لذا فإن العمل هنا لا يُمثِّل حدثًا قد تم، وإنما مجرد خداع، ولا أيضًا غَسْل أرجل التلاميذ يكون قد حدث. فإن كانت الطبيعة الجسدية لا تظهر، فهذا يعنى أنه لم يكن له جسد، فمن يكون إذًا ذاك الذي غسل أرجل التلاميذ؟

أيضًا ماذا نقول في مواجهة بولس الساموساطي؟ وماذا يقول ذاك؟ هو أيضًا يقول نفس الشيء. يقول إن هذا لم يكن إخلاء، فحين يكون لأحد طبيعة إنسانية، فهو مجرد إنسان رفيع المقام، وما قام به أنه غسل أرجل العبيد رفاقه. ما قلناه ضد الآريوسيين ينبغي أن نقوله ضد هؤلاء أيضًا. فلا يوجد بينهم أي اختلاف سوى زمن ضئيل يفصل بينهم. لأن هؤلاء وأولئك يقولون إن ابن الله مخلوق. فماذا سنقول إذًا لهؤلاء؟ فإن كان هناك إنسان عادي قد غسل أرجل آخرين، فهو بهذا العمل لم يُخلِ ذاته ولم يضع نفسه، كما إنه لا يستحق أي مديح ذاك الذي لم يدّعِ مساواته لله. فهل يمكننا أن ندعو العمل الإنساني، المنسوب لإنسان ما، إتضاعًا؟ لكن حين يصير الله إنسانًا، فهذا هو الإتضاع الفائق الذي لا يمكن التعبير عنه أو وصفه.

   أين يُقال عن صورة الله أنه عمل الله؟ فإن كان هناك إنسان رفيع المقام يُقال عنه صورة الله بسبب أعماله، فلماذا لا نقول هذا عن بطرس؟ فلقد عمل أعمالاً عظيمة[6]، ولماذا لم نقل هذا عن بولس أيضًا؛ إنه كان صورة الله؟ ولماذا لم يشّر ق. بولس إلى نفسه كنموذج للإتضاع، وهو الذي سلك بإتضاع بالغ ولم يتوقف أيضاً عن أن يقول «فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربنا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع»[7]. إن ما يقوله هؤلاء الهراطقة يدعو للسخرية. أخبرنا إذا كيف أخلى نفسه، وما هو معنى الإخلاء؟ وما هو الإتضاع؟ هل لأنه صنع عجائب؟ لقد صنع بطرس وبولس أيضًا عجائب، حتى لا يكون هذا الامتياز خاص بالإبن فقط.

   إذًا فماذا تعنى عبارة «صائرًا في شبه الناس»؟ فكثير من السمات التي لدينا هي لديه، وهنالك من الخصائص الإنسانية، لا تنطبق عليه، مثل أنه لم يولد من زواج، ولم يفعل خطية، وهذه السمات لا توجد في إنسان. فالذي ظهر ليس فقط هو إنسان، بل هو الله المتأنس، صائرًا في شبه الناس. «في شبه الناس»، فقد شابه البشر في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، إذًا فما يقوله ق. بولس، لا يعني أبدًا إنه كان  إنسانًا رفيع المقام (كما يقولون). لأجل هذا يقول «في شبه الناس» فطبيعتنا مكونة من نفس وجسد، أما ذاك فهو الله المتجسد، الذي أخذ جسدًا ذو نفس إنسانية، لأجل هذا يقول «في شبه الناس». حتى لا تعتقد، حينما تسمع أنه أخلى نفسه، أن هناك تغييرًا أو تحولاً أو اختفاء قد حدث، فهو يقول بينما ظل كما هو الله بالطبيعة، فقد أخذ ما لم يكن له، وبينما صار جسدًا إلاّ أنه باقٍ إلى الأبد الله الكلمة. هكذا صار في شبه الناس، ولأجل هذا يقول: «في الهيئة». الطبيعة لم تتحول، ولم يحدث لها أي اختلاط، ولكن «وُجِدَ في الهيئة».

   إذًا، فبعدما قال إنه أخذ صورة عبد، نجده يستكمل كلامه بجرأة، حتى يُسكِت الجميع، فحينما يقول «في شبه جسد الخطية»[8]، فإنه لا يعنى بذلك أنه لم يكن له جسد، وإنما يعني أن هذا الجسد بلا خطية، لكنه كان يشبه جسد الإنسان الخاطئ. لكن في أي شيء كان يُشبهه؟ في طبيعته، وليس في الشر، ونفس الكلام نقوله عن النفس أيضًا. فاستخدام كلمة شبه هنا يعود إلى أن كل الأمور ليست متساوية، فهو لم يولد من زواج، ولم يعرف خطية، ولم يكن إنسانًا رفيع المقام. وحسنًا قال «كإنسان»، فهو لم يكن مجرد واحد من بين الكثيرين، فالله الكلمة لم يتغير جوهره، وإنما ظهر في الهيئة كإنسان، ليس بهدف أن يخدعنا عن طريق الأعمال الخيالية، وإنما كي يعلمنا الإتضاع. إذًا فحينما يقول «كإنسان» فهذا ما يعنيه، لأنه يدعوه إنسانًا أيضًا في موضع آخر، حينما يقول «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح»[9].

   لقد تكلمنا بهذا ضد هؤلاء الهراطقة، والآن هناك حاجة لكي نتكلم ضد الذين ينكرون بأنه أخذ نفسًا[10]. فإن كان “صورة الله” يعنى إله كامل، هكذا فإن صورة العبد تعنى عبد كامل. مرة آخري نعود للحديث الموجه ضد الآريوسيين. يقول الكتاب «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله».هنا الكلام ينصرف إلى الإلوهية، فلم يقل مطلقًا أنه أخذ صورة الله أو صار صورة الله، ثم يقول: «لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس». نجد هنا أن كلمتا آخذًا، وصائرًا، تقالا منسوبتين للطبيعة الإنسانية. فهذه هي التي أخذها، أما إلوهيته فهي بالطبيعة. فلا نخلط بينهما إذاً، ولا نفصل أيضًا. فالله هو واحد، المسيح واحد، ابن الله. فحينما أقول واحد أعنى اتحاد، وليس اختلاط، فلا تتبدل طبيعة إلى أخرى، وإنما هما في وحدة واحدة[11].

   «وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب». انظروا، كيف يقول: إنه أطاع بإرادته، ولم يقل إنه لم يكن مساويًا لمن يطيعه. أيها الجهلاء والمعاندون إن الطاعة لم تجعله في وضع أقل مطلقاً، فنحن أيضًا نطيع الأصدقاء، ولا يقلل ذلك منا إطلاقًا. فهو يطيع كابن نحو أبيه، دون أن يتدنى لمقام العبودية، ولهذا تحديدًا تظهر هذه الأعجوبة الحقيقية، وفي الكرامة الفائقة التي يُعطيها لأبيه. فلقد كرَّم الآب، وهذا بحد ذاته كان يجب أن يدعوك أن تتعجب وتُدهش له بالأكثر، لا أن تقلّل من شأنه، بل أن تتأكد أنت أيضًا بسبب هذه الطاعة أنه الإبن الحقيقي، وأنه قد كرَّم أبيه أكثر من الجميع. فلا يوجد أحد قد أعطى للآب كرامة مثل هذه. فإتضاعه كان بمقدار ما يعادله من سمو. أنه لأمر عظيم حقًا فكما أنه يفوق الجميع، ولا يساويه أحدٌ، هكذا نجده أيضًا من نحو الكرامة التي يعطيها لأبيه أنه قد فاق الجميع، بدون اضطرار، وبإرادته الكاملة، وهذا هو برهان سموه. إنه لأمر عظيم حقًا ولا يمكن التعبير عنه، وأنا أيضًا لا أستطيع الحديث عنه. كيف يصير العظيم عبدًا، لكن هناك أمر آخر أكثر سموًا، هو اجتيازه الموت بإرادته، بل إن الأكثر عظمة من هذا والمثير للدهشة أيضًا، هو طريقة الموت ذاتها. لماذا؟ لأن الميتات المختلفة ليست مثل بعضها البعض، فالموت الذي جازه هو الأكثر قبحًا، وخزيًا، كما إنه ملعون جدًا لأنه مكتوب «ملعون كل من عُلِقَ على خشبة»[12]. ولأجل هذا فإن اليهود حاولوا أن يقتلوه بهذه الطريقة، حتى يجعلوه مثارًا للخزي، حتى يكون الابتعاد عنه لا بسبب موته بل بسبب طريقة هذا الموت. ولأجل هذا صلبوا معه لصين، حتى يشركونه في خزيهما، وحتى يتم قول الكتاب «وأُحصى مع آثمََة»[13]. ولكن الحق أشرق بصورة عظيمة جدًا، وصار أكثر بهاء. لأنه إذا كانت حيَِل الأعداء ضد مجده كثيرة جدًا، إلاّ أن هذا المجد قد أشرق بالأكثر، وكان برهان هذا الأمر عظيمًا. فلم يكن هدفهم أن يقتلوه فقط، بل اعتقدوا أنه حينما يتم الموت بهذه الطريقة (الصلب)، فإنهم سيجعلونه مثارًا للعنة، وسيبرهنون على أنه قد أُبغِضَ من الجميع. ولكنهم لم ينجحوا في شيء من هذا. لقد كان اللصان دنسين، ولكن تغير أحدهما بعد ذلك، فحينما كانا فوق الصليب عيّراه، ولم يكبح جنونهما هذا إحساسهما بخطيئتهما، ولا كونهما في هذا الجحيم (العقوبة)، ولا أنهما يجتازان هما أيضًا نفس الأمر. هكذا نجد أن أحدهما قد أسكت الآخر قائلا: «أو لا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟»[14]. بهذا القدر كانت شرورهما عظيمة.

   «لذلك رفعّه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم». وعندما يتحدث المطوب بولس عن الجسد، نجده يتكلم بدون خوف عن الأشياء الخاصة بالجسد. لأنه عندما تكلم عن الإلوهية، لم يكن قد قال بعد أنه أخذ صورة عبد، فلاحظوا كيف كان يتكلم بسمو. وأقصد بسمو هنا، حسب قدرته في التعبير، لأنه لا يستطيع أن يتكلم عن سمو الإبن كما يحق له. فهو يقول «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله». ولكن لأنه قد تكلم عن تجسده، فلذا نجده بعد ذلك يتكلم دون خوف عن الأمور المتواضعة (الخاصة بالجسد)، واثقًا بأن كلامه عن هذه الأشياء، بعدما اقتبلها جسده، لا يسيء إلى إلوهيته مطلقًا.

   ” لذلك رفعّه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب».

   ولهؤلاء الهراطقة نقول، إن كانت هذه الكلمات هي لمن لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، فكيف رفعّه الله؟ هل أعطاه شيئًا إضافيًا؟ فهو إذًا على هذا النحو لم يكن كاملاً وأصبح كاملاً لأجلنا. فلو لم يكن قد صنع بنا حسنًا، ما كان له أن ينال هذا الإكرام! «وأعطاه اسمًا» وكيف لا يكون له إسم بحسب تصوراتكم؟ فإن كان قد نال شيئًَا، فإنه يبدو هنا كهبة وعطية نالها، هكذا أيضًا الاسم الذي هو فوق كل اسم؟ لننظر ماذا كان الاسم، يقول: «لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة». هم يقولون على الاسم أنه مجد، فهل هذا المجد إذًا هو فوق كل مجد؟ إن المجد عند البعض هو أن نسجد له. والحقيقة أنتم تبتعدون كثيرًا عن سمو الله، حينما تعتقدون أنكم تعرفون الله، كما يعرف هو ذاته. ومن ثم يتضح كيف أنكم تبتعدون عن قصد الله. فهل هذا هو المجد؟ أخبرني. إذًا ألم يكن في مجده قبل خلقة البشر، والملائكة، ورؤساء الملائكة؟! فإن كان حقًا هذا هو المجد، والذي يفوق كل مجد، لأن هذا هو معنى قوله «فوق كل اسم»، وإن كان قائمًا في المجد، ولكن بدرجة أقل مما أُعطي له. فمن أجل هذا يكون قد خلق المخلوقات، أي لكي يُمجَّد، وليس بسبب صلاحه، بل لأنه يحتاج أن نمجده! أرأيتم مقدار هذه الحماقة؟ أرأيتم الجحود؟ وقد يكون هناك مبرر لما قيل إذا كان الأمر يتعلق بتجسده فقط، لأن كلمة الله يقبل هذا عن جسده. لأن ألوهيته لا يمكن المساس بها، إذ هو قد صنع كل هذا من أجل خلاصنا.

   ماذا يعنى إذًا ” ممن في السماء ومن على الأرض»؟ يعنى العالم كله، والملائكة والبشر، والشياطين، أو يعني الأبرار والخطاة والأحياء. “ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب“، أي أن مجد الله الآب يستعلن بواسطة إعتراف الجميع بذلك. أرأيتم أنه دائمًا حينما يُمجَد الابن، فإن الآب أيضًا يتمجد؟ هكذا أيضًا حينما يُزدرى الإبن يُزدري الآب. فإن كان هذا يسري علينا نحن أيضًا، مع أنه يوجد فارق كبير بين الآباء والأبناء، فبالأحرى يكون هذا في الله، حيث لا يوجد فيه أي اختلاف أو تناقض، فإليه ينتقل المجد أو التجديف. فهو يقول إن كان العالم كله يخضع للإبن، فذلك هو مجد الآب أيضًا.

   وبالتالي فحينما نقول، إن الإبن كامل، ولا يحتاج لأي شيء، وليس أقل من الآب، فهذا مجد للآب، والمولود منه. هذا الأمر هو برهان عظيم على قوته، وصلاحه، وحكمته، فهو لا ينقص مطلقًا لا من جهة الحكمة ولا من جهة الصلاح. فحينما أقول إنه حكيم كالآب وليس أقل منه فذلك يُعد برهان على حكمة الآب الفائقة، وحينما أقول أنه قوي كالآب، فذلك برهان على قوة الآب، وحينما أقول إنه صالح كالآب، فذلك برهان واضح جدًا على صلاحه، لأنه مساوٍ له، إذ هو مولود من الآب ولا يقِّل عنه في شيء، وحينما أقول إنه ليس أدني في الجوهر بل هو مساوٍ وليس من جوهر آخر، فهذا أيضاً يدعوني أن أراه عجيبًا. وأتعجب لقوته وصلاحه وحكمته، لأنه قد أعلن لنا (الآب) المساوي له، غير أن أقنوم الإبن ليس هو أقنوم الآب. هكذا فإن كل الأمور العظيمة التي نتحدث بها عن الإبن هي للآب. فإن كان سجود العالم كله لله هو أمر يسير، إذا ما قورن بمجد الله، فكم تكون بالأحرى الأمور الأخرى المختصة بمجده؟.

   فليكن لدينا إذاً إيمان نستطيع أن نُعلن به مجد الله، ولنحيا لإعلان هذا المجد، فلا توجد أية منفعة من واحدة دون الأخرى. هكذا حينما نمجِّده، دون أن نحيا في تقوى ونقاوة، فهذا يعني إننا نزدرى به إلى أقصى حد، فحينما ندعوه السيد والمعلم (دون أن نحوّل هذا الإيمان إلى سلوك) فنحن نزدرى به ولا نخشى دينونته المخوفة. بالطبع ليس غريبا أن يعيش الوثنيون بدون نقاوة، فهذا الأمر لا يدعو للاستغراب. أما المسيحيون الذين يشتركون في كل هذه الأسرار، ويتمتعون بهذا المجد العظيم، حينما يعيشون بدون نقاوة، فهذا يُعد شرًا كبيرًا وأمرًا لا يمكن إحتماله. إن الإبن قد أطاع طاعة مطلقة، لأجل هذا نال المجد الأسمى، لقد صار عبدًا، لأجل ذلك فهو سيد الكل وسيد الملائكة أيضًا. بالتالي فنحن أيضًا ينبغي ألاّ نعتقد أننا حين نضع أنفسنا ينحط قدرنا، بل أننا نرتفع بالأكثر وحينئذٍ سننال بالحقيقة أسمى تكريم. فكون أن الأعظم سيصير أصغرًا والأصغر سيصير أعظمًا (في ملكوت الله)، فيكفي أن تعود إلى تعليم المسيح له المجد الذي يؤكد على هذه الحقيقة، فضلاً عن كل هذا لنفحص الأمر بالتدقيق.

   ماذا يعنى أن نتَّضع؟ ألا يعنى ذلك أن نصير موضع تأنيب الآخرين وإتهامهم ووشايتهم. وماذا يعنى أن نرتفع؟ يعنى أن نصير موضع تكريمهم ومدحهم. حسنًا فلنرَ إذًا كيف يصير هذا. إن الشيطان كان ملاكًا، رفَّع نفسه. فماذا حدث إذًا؟ ألم ينحدر أكثر من الجميع؟ أليس مكان وجوده الأرض؟ ألم يُدنْ ويُتهم من الجميع؟ أما بولس فهو إنسان قد وضع نفسه. ماذا إذًا؟ ألم يصر موضع إعجاب الجميع، ألم يُمتدح منهم؟ ألم يُكرَّم من الكل؟ أليس حبيبًًا للمسيح؟ ألم يعمل أعمالاً عظيمة؟[15] ألم يأمر الشيطان مرات عديدة (أن يمتثل) كعبد؟ ألم يقوده كجلاد؟ ألم يزدري به ؟ ألم يكن يسحق رأسه تحت أقدامه؟ ألم يطلب أيضًا نفس الأمر للآخرين؟ ولماذا أتكلم عن بولس فقط؟ لقد رفَّع أبشالوم نفسه، ووضع داود نفسه. فمن منهم إرتفع؟ ومن صار في مجد؟ وهل هناك ما هو أكثر إتضاعًا من الأقوال التي قالها ذلك النبي المطوّب عن شمعي، يقول: «دعوه يَسُب لأن الرب قال له»[16] .

   إن أردتم لنختبر ما سبق وتحدثنا عنه. لقد وضع العشار نفسه، وإن كان ما فعله، لا يعد بالطبع تواضعًا، لكن ماذا؟ لقد قال ما قاله معترفًا بالجميل، أما الفريسي فقد رفَّع نفسه. إذًا ماذا يحدث؟ فلنختبر الأمور، فإذا إفترضنا أن هناك شخصين، من الأغنياء، ويتمتعان بتكريم جزيل، كما أن لهما ثقة كبيرة في حكمتهما وسلطتهما، وفي كل المميزات العالمية الأخرى، ثم طلب أحدهما بعد كل هذا التكريم، تكريمًا آخر مضاعفًا، إلا إنه يغضب بسبب عدم نواله هذا التكريم، فيطلب ذلك بصورة أكثر جداً مما ينبغي، رغبة منه في أن يرفّع ذاته. أما الآخر فإنه يحتقر هذا الأمر، ولا يغضب لأجل هذا، وحينما يُعطى له المجد يهرب منه. وبالتأكيد ليست هناك أية طريقة لنوال المجد سوى تجنّبه. لأنه كلما نسعى إليه، كلما هرب منا، ولكن حينما نهرب منه يلاحقنا. فإن كنت تريد أن تكون عظيمًا، فتجنّب المجد، ولا تكن مرتفعًا. علاوة على ذلك فإن الجميع يكرِّمون ذاك الذي لا يرغب في الإكرام، ولكنهم يزدرون بذاك الذي يطلبه. فلنزدرِ إذًا بالمجد وبذلك نستطيع أن نكون متواضعين، أو بالأحرى نكون مرتفعين حقًا. ينبغي إذًا ألاّ ترفع نفسك، حتى يرفعك الآخر. فذاك الذي يرفع نفسه، يضعه الآخرون. وذاك الذي يضع نفسه، يرفعه الآخرون. فالكبرياء شر عظيم، فالأفضل أن يكون المرء أحمقًا على أن يكون متكبرًا، فالحماقة هي ملمح خاص بالجنون فقط، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا تعلق الأمر بالكبرياء فالوضع هنا أسوأ، إذ تجتمع الحماقة والجنون معاً. فالأحمق هو شر لنفسه، أما المتكبر فهو مدمِّر للآخرين أيضًا. ومن الممكن أن تلد الحماقة أيضًا كبرياءً، فمن غير الممكن أن يكون هناك متكبرًا غير أحمق فذاك الذي لديه درجة كبيرة من الحماقة هو بلا رجاء. فاسمع الحكيم حينما يقول: «أرأيت رجلاًَ حكيمًا في عيني نفسه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به»[17]. لأجل هذا نجد ق. بولس يقول «لا تكونوا حكماء عند أنفسكم»[18]. وأيضًا فيما يتعلق بالأجساد، أيًّا من هؤلاء نقول عنه أنه صحيح البنية، هل هو من له جسم ضخم، المملوء ماء وغازات؟ أم من هو قليل الحجم في مظهره، ولكنه يتسم بالرشاقة. من الواضح أن من ينتمي للشريحة الثانية هو الأكثر صحة. هكذا أيضًا بالنسبة للنَفْس، فإن النَفْس التي توجد في إضطراب هي أشد مرضًا من أي مرض جسدي، أما النفس الهادئة فهي متحررة من كل ألم.

   إذًا فكم من الخيرات يجلبها لنا التواضع. هل تبتغي اللطف وعدم الغضب، والمحبة، والاتزان، واليقظة؟ كل هذه الخيرات تأتي من التواضع، وعكس هذه يأتي من الغطرسة. بالضرورة من يسلك بكبرياء سيكون شتَّامًا ومحبًا للنزاع، غضوبًا، وقاسيًا ومتجهمًا، وحشًا وليس إنسانًا. هل أنت قويّ ومتكبر لأجل ذلك؟ ينبغي إذًا أن تكون بالأحرى متواضعًا. لماذا أنت فخور بأشياء دنيئة؟ لأنه في الحقيقة ستجد أن الأسد أكثر شجاعة منك، والخنزير كذلك أكثر قوة ، فأنت لا تتعدى مجرد بعوضة بالمقارنة بهما، كذلك فإن اللصوص ونابشي القبور والمصارعين وحتى خدّامك، وربما أولئك الذين هم أكثر حماقة، هم أقوى منك. فهل هذا الأمر يستحق المديح؟ ألا تتوارى بسبب افتخارك بهذا الأمر؟ فإذا كنت تعتقد إنك حسنً المنظر وجميل، فإن هذا ما يتباهى به الغربان. فأنت لست أجمل من الطاووس ، ولستَ في بهائه ولا تملك أجنحته، فإن الغلبة هنا لأجنحة الطائر، وهو يتفوق عليك بالريش، وبالرونق. كذلك البجع أيضًا يتسم بالجمال الشديد، وهكذا طيور أخرى كثيرة، عند مقارنتك بها ستجد أنك لا تساوي شيئاً. من ناحية أخرى مرات كثيرة نجد أن هناك غلمانًا تافهين، وعاهرات، ورجال مُخنثين يشعرون بهذا التباهي. فهل هذا يستحق التكّبر؟

   لكن هل أنت غني؟ ومن أين لك هذا؟ ماذا تملك؟ أَذَهَب أم فضة أم أحجار كريمة؟ إن هذه الأشياء أيضًا هي في حوزة اللصوص والقتلة وأولئك الذين يشتغلون في المعادن. فهل عمل المجرمين بالنسبة لك موضع تباهى؟ هل تتجمّل وتتزّين؟ من الممكن أيضاً أن ترى الأحصنة مزّينة. وفي بلاد فارس من الممكن أن يرى المرء أن الجمال أيضًا مزّينة، وبالنسبة للإنسان ستجد أن كل الممثلّين يتزينّون. هل لا تخجل أن تتباهي بهذه الأمور، والتي يشاركك فيها حتى الحيوانات، والعبيد، والقتلة، والمتخنثين، واللصوص ونابشي القبور. هل تشَّيد مبنىً عظيمًا، وهل ترى في هذا إنجازًا؟ فإن غربان كثيرة يقطنون في أماكن تُعد فخمة ولديهم مأوي أعظم. ألم ترَ هؤلاء الذين يرغبون في جمع المال بجنون، وقد أقاموا منازلهم في المزارع، وفي الأماكن الصحراوية، حيث مأوي الغربان؟ أتفتخر بصوتك؟ أنك لا تستطيع إطلاقًا أن تغني أعذب من البجع أو البلبل. وهل تفتخر بسبب تنوع الفنون؟ وهل في هذا العمل ما هو أكثر عظمة من عمل النحلة؟ فأي مطرِّز، و أي رسام، وأي مهندس يستطيع أن يقلد أعمالها؟ فهل تفتخر لأجل نعومة الملبس؟ لكن العناكب تتفوق عليك في هذه الحالة. وهل تفتخر بسرعة رجليك؟ مرة أخرى نجد أن التفوق يكون للحيوانات، مثل الأرنب والتيس وكل الحيوانات سريعة العَدْو. هل تملك إمكانية التنقل من مكان لآخر، الطيور أفضل منك في هذا، فهي تهاجر بسهولة، وليس لها حاجة لمؤونة، ولا لوسائل انتقال فأجنحتها كافية لكل شيء فهيَ مركبة، وهي دابة، وهي عربة، ورياح وأي شيء يمكن للمرء أن يتحدث عنه. هل تتمتع بنظر حاد؟ إن نظر التيس أكثر حدة، وأيضًا نظر النسر. هل تتمتع بسمع حاد؟ الحمار سَمْعَه أكثر حدة. ألديك حاسة الشم قوية؟ فالكلب يتفوق عليك في هذه. هل أنت قادر على أن تمد نفسك بالخيرات؟ أنك في هذا أقل من النملة؟ فهل تستطيع أن تجمع ذهبًا؟ لكنك ليس مثل النمل الهندي.

   فالمخلوقات غير العاقلة أفضل كثيرًا منا في الصحة والسعة ووفرة الخيرات، فتلك لا تخشى الفقر. هكذا يقول الرب «انظروا إلي طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن»[19].

إذًا، ربما يقول أحد إن الله خلق الكائنات غير العاقلة أعلى منا. أرأيت مقدار انعدام البصيرة؟ أرأيت عدم اختبار الأمر، ومقدار ما يمنحه لنا اختبار وملاحظة هذه الأشياء (التي سبق الإشارة إليها)؟ فإن الأكثر تميزًا بين الناس في فكره (حسبما يظن) هو أدنى من الحيوانات غير العاقلة!. سنرثي لحاله ولكننا لن نحاكيه، ولا ندنيِّه إلى مرتبة الحيوانات، بسبب تكبّره، سنتركه، ولكننا سُنقيمه، لا لأجله لأنه يستحق أن يجوز هذه المعاناة بل لأجل أن تُستَعلن محبة الله وتكريمه لنا. فهناك أشياء كثيرة، لا تشاركنا فيها الحيوانات مطلقًا. ما هي إذًا هذه الأشياء؟ إنها التقوى وحياة الفضيلة. هنا لا يمكن أن تتكلم عن زناة أو مخنثون، ولا قتله، لأننا ننعزل عن هؤلاء. إذًا ماذا يعنى ذلك؟ إننا نعرف الله، ونعرف جيدًا عنايته بنا، ونتكلم بحكمة عميقة عن الخلود. هنا نحن نتجاوز الحيوانات غير العاقلة، فلسنا بصدد التشكك فيها، فلنتعقل، إذ حين يتعلق الأمر بمعرفة الله، لا يوجد أي شيء مشترك مع الحيوانات. لأننا نسود عليها، فهي أدنى منا بلا شك، وسلطاننا عليها كبير، فكون أنها أقل وأننا نسود عليها، فهذا لكي تعلم أنك لست أنت علّتها، وإنما الله الذي خلقك ومنحك العقل هو علّتها. فنحن نضع لها الشباك والفخاخ، ونمسك بها ونروِّضها. لدينا العقل والرحمة واللطف واحتقار المال. ولكن لأنك من غير المتعقلين، فليس لديك أي من هذه الفضائل، فإما أنك تسمو في فكرك عن بقية البشر، أو أنك أدنى حتى من الحيوانات غير العاقلة! فهكذا تكون الحماقة والوقاحة فإما أن ترتفع أكثر مما ينبغي أو تتدنى بنفس القدر دون أن تحفظ التوازن مطلقًا!

فنحن مساوون للملائكة في هذا؛ فلقد وَعدنا الرب بملكوت السموات، وبالوجود في حضرة المسيح. فالإنسان يعانى الآلام ولكنه يحتمل، فهو يحتقر الموت، لا يرتجف ولا يخاف منه، يتوجه نحو الأفضل. وبالتالي فمن لا يسلك هكذا فهو أسوأ من الحيوانات. فكيف لا تكون أسوأ من الحيوانات حينما تهتم بالجسديات، أما فيما يختص بالروحيات فلا تهتم بأي شيء؟ لأن ذلك المسلك يحمل لنا نموذجًا لأكثر الناس غباء؛ أي أولئك الذين يعيشون في الشر والشهوة والطمع. فالحصان أكثر قدرة منه على القتال، والخنزير أكثر قوة، والأرنب الوحشي أكثر سرعة، والطاووس أجمل والبجعة أعذب صوتًا، والفيل أكبر حجمًا، والنسر أكثر حدة في بصره، فكل الطيور هي أغنى. فكيف تكون مستحقًا أن تتسلط على الحيوانات؟ هل بسبب العقل؟ وهذا أيضًا قد جَعلت إستخدامه غير ممكن. لأن ذلك الذي لم يستخدم عقله في الخير، هو أسوأ من الحيوانات أيضًا، وكان من الأفضل ألا يكون عاقلاً، عن أن يكون أكثر غباءًا من تلك الحيوانات، بالرغم من أن له عقل.

   لأنه أن يحوز أحد سلطة ما ثم يسيء استخدامها، فهو ليس مساويًا لآخر لم ينل هذه السلطة. وكان من الأفضل لذلك الملك الذي هو أسوأ من حراسة، ألا يرتدي ثوبه الأرجواني. هذا ما يحدث أيضًا في هذه الحالة.

   إذًا ليكن معلوماً، أننا بدون الفضيلة نكون أردأ من الحيوانات، فلنسلك بالفضيلة حتى نكون بشرًا، أو بالأحرى ملائكة، ونتمتع بالخيرات السمائية، والتي ليتنا نفوز بها جميعًا، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس، المجد والقوة والإكرام، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1]  في 2 : 5-11

[2]  راجع عظة 3.

[3]  يو14:1.

[4]  رو3:8.

[5]  يو12:13.

[6] راجع يو2:14.

[7] 2كو5:4.

[8] رو3:8.

[9] 1تي5:2.

[10] هرطقة أبولليناريوس.

[11]  إن كان ق. يوحنا ذهبي الفم لا يستعمل تعبير طبيعة واحدة من طبيعتين، فإنه يحمل جوهر تعليم كنيستنا بقوله عن الإتحاد التام وعدم الاختلاط أو التغيير، أو الانفصال، وأن المسيح واحد .

[12] غلا13:3.

[13] إش12:53.

[14] لو40:23.

[15] حسب وعد الرب في يو12:14.

[16] 2صم11:16، حيث سب شمعي داود الملك .

[17] أم12:26.

[18] رو16:12.

[19] مت26:6.

 

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة السابعة

 

   ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ[1].

 

   يوّجه ربنا يسوع المسيح نظر تلاميذه نحو الأمور العظيمة، واضعًا نفسه وأبيه والأنبياء أيضًا مثالاً، حين يقول: ” فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين كانوا قبلكم[2]، و” إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم[3]، وأيضًا: ” تعلموا مني لأني وديع ومتواضع[4].  و” كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم[5]. وهكذا أيضًا فعل المطوب بولس، فنجده يقود أهل فيلبي إلى ممارسة هذا التواضع، مشيرًا إلى المسيح له المجد، كنموذج يُحتَذَى به. نفس الشئ يقوله حينما يتكلم عن محبة الفقراء، قائلاً: ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهو غني “[6]. لأنه لا يوجد ما يحرك النفس الحكيمة والعظيمة تجاه عمل الصلاح أكثر من معرفتها بأنها بهذا السلوك تتمَّثل بالله. إذًا هل هناك شيئًا يعادل قيمة التواضع؟ لا شئ. والقديس بولس إذ يعرف ذلك، نجده يحثَّهم على التواضع مبتدئًا بالترجي والتوسل، ثم بعد ذلك يستخدم أسلوب التبكيت فيقول:        ” تثبتون في روح واحد “، و” هو لهم بيّنة للهلاك وأما لكم فللخلاص” وفي النهاية يقول لهم: ” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد “.

   انتبهوا من فضلكم واستيقظوا، فكما يحدث حينما يكون هناك سيف ماض ذو حدين، فأينما وقع، حتى ولو على آلاف، فانه يقضي عليها بسهولة، لأنه قاطع من الجهتين ولا يوجد ما يعوق حده، هكذا أيضا كلمات الروح. وبهذه الكلمات سقطت هرطقات مثل تلك التي لآريوس الإسكندري وبولس الساموساطي وماركلوس الغلاطي، وسابيليوس الليبي وماركيون البنطي وماني وابوليناريوس من لاودكيا وفوتينوس وصوفرونيوس، وبقية الهرطقات الأخرى. فبمجرد أن تشاهدوا ذلك المشهد، حين تسقط كل هذه الفيالق بضربة واحدة، فيجب أن تستيقظوا كي لا تفوتكم فرحة ذلك المشهد. لأنه إذا كانت المتعة التي يحصل عليها المتسابق في حلبة السباق لا حد لها، وذلك حينما يفوز ويُسقط كل العربات التي تجرها أربعة أحصنة والذين يقودونها أيضًا وتنقلب على ظهورها، بعد ذلك يسير وحده في الطريق متجهًا نحو الهدف ونهاية السباق. وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التصفيق والهتاف من كل جهة إلى عنان السماء ينطلق هكذا ويطوف بالأحصنة كل الحلبة وهو كمن يطير بسبب هذه السعادة والنشوة. فكم بالأحرى تكون هذه السعادة أعظم حينما ننتصر بنعمة الله على كل الهراطقة والأعمال الشيطانية والذين يمارسونها في نفس الوقت؟

   وإن كنتم تريدون معرفة هذه الهرطقات فيمكن لنا أن نستعرضها بالترتيب، أتريدون ترتيبًا لهذا الجحود بحسب النوع أم بحسب الترتيب الزمني لظهور هذه الهرطقات ؟ ولأنه من الصعب أن نعرف جيدًا ترتيب هذا الجحود ( من حيث نوع الهرطقة ) فسنعرض للترتيب الزمني، فأول من يقدم نفسه هو سابيليوس الليبي. فماذا يقول إذًا؟ يقول إن الآب والابن والروح القدس، هم مجرد أسماء لشخص واحد. أما ماركيون البنطي فيُعلِّم أن الله الذي خلق كل الأشياء، ليس هو الإله الصالح ولا هو أب للإبن، وإنما هو إله آخر عادل وقاس، كما أن الله الكلمة لم يأخذ جسدًا لأجلنا. بالنسبة لماركلوس وفوتينوس وصوفرنيوس فإنهم يقولون إن الكلمة هو مجرد طاقة، وهذه الطاقة سكنت في نسل داود (المسيح)، فهو ليس أقنومًا في الله. أما آريوس فبينما يقبل بوجود الابن، لكنه يقول إن الإبن مخلوق وأدني كثيرا من الآب. كما يزعم آخرون أن المسيح ليس له نفس إنسانية.

   أرأيت المركبات وهي مُجهَّزة؟ انظر إذًا لسقوطها، كيف يطرحها معًا في الحال بقوة وبضربة واحدة. كيف؟ يقول ” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا. الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله “. لقد سقط أيضا بولس الساموساطي وماركلوس وسابيليوس. فالكتاب يقول: «الذي إذ كان في صورة الله» فكيف تقول أيها الدنس انه اخذ وجوده من مريم وقبل ذلك لم يكن موجود؟ كيف تقول انه كان مجرد طاقة؟ فالرسول بولس يقول إن صورة الله، اخذ صورة عبد. فهل صورة العبد تُعد طاقة أم هي طبيعة العبد؟ بالتأكيد هي طبيعة العبد. هكذا أيضا فان صورة الله تعني طبيعة الله؛ وبالتالي فهي ليست طاقة[7]. انظروا أيضًا لقد سقط ماركلوس الغلاطي، وصوفرونيوس وفوتينوس.

   أرأيت ما قاله سابيليوس. فالرسول يقول: «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله». فالمساواة هنا أو المعادلة لا تقال عن شخص لذاته، لان المساواة والمعادلة تكون مع آخر. أرأيت أقنوم واحد لشخصين، ليس هناك أسماء علوية بدون وجود حقيقي لها. هل سمعت عن الوجود الأزلي للإبن وحيد الجنس؟

   فماذا نقول لآريوس، الذي يزعم أن الإبن هو من جوهر آخر؟ اخبرني الآن ماذا يعني قوله: ”اخذ صورة عبد “؟ يعني انه صار إنسانًا، وبناء عليه هو صورة الله، وهو الله، لان الصورة لازالت كما هي. فلو أن هذا حقيقي فهذا يعني أن ”صورة الله“ قد اخذ طبيعة الإنسان، هكذا أيضا صورة الله تعني انه من طبيعة الله. وليس ذلك فقط، بل أن المساواة مع الآب تؤكِّد، كما جاء بيوحنا أيضًا، انه ليس اقل من الآب على الإطلاق (يو1:1). لأنه يقول: «لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله». ولكن ماذا تعني أقوال الحكمة هذه؟ يقول: “إذ كان في صورة الله”، هذا يعني انه لم يختلس مساواته بالله. فكيف يكون له وهو الإله أن يختلس هذه المساواة؟

   وكيف يكون هذا الأمر غير مفهوم؟ كيف يستطيع أحد أن يقول إن فلان، وهو إنسان، قد إختلس طبيعته كإنسان؟ كيف سيقدر احد أن يختلس ما هو فيه؟ يقول هؤلاء الهراطقة إن الأمر ليس كذلك، ولكن المقصود انه إله أقل من الآب، وهو بهذه الصفة لم يختلس مساواته نحو الإله الأعظم منه. هل يوجد اله أعظم واله أقل؟! هل تدخل هذه العقائد الوثنية اليونانية إلى الكنيسة؟ فهؤلاء لديهم إله عظيم وإله أقل، ولست اعرف هل هذا لديكم أيضا، لأنه لا يوجد شيء من هذا على الإطلاق في الكتب المقدسة، وإنما نجد دائمًا الإله العظيم، وأما هذا الإله الأقل فلا وجود له على الإطلاق. فكيف يكون هناك إله يوصف بأنه أقل؟ فان كان بالنسبة للإنسان لا يوجد أقل وأكبر، بل طبيعة إنسانية واحدة، وإذا كان لا ينتمي إلي هذه الطبيعة الواحدة، فلن يكون إنسان، فكيف يوجد إله أقل وآخر أعظم؟ فمن ليس له الطبيعة الإلهية لا يكون الله، فدائمًا ما نجده يُلقّب في الكتاب المقدس ”بأنه عظيم“ «عظيم هو الرب وحميد جدًا»[8]. وهذا أيضًا ينسحب على الإبن، فدائمًا ما يُدعى بالرب: «لأنك عظيم أنت وصانع عجائب. أنت الله وحدك»، وأيضًا «عظيم هو الرب وحميد جدًا وليس لعظمته استقصاء»[9].

   فآريوس يتحدث عن: “إن الابن اقل من الآب ” أما الكتاب المقدس فيقول العكس، فكما أنه يتكلم عن الآب، هكذا أيضًا يتكلم عن الإبن. فاسمع إذًا إلى ما يقوله القديس بولس: «منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم»[10]. لكنه ربما يقول إن هذه الآية تتحدث عن ظهور الآب؟ لذلك أضاف إلى كلمة ”ظهور“ عبارة ”مجد الله العظيم“ لكي يقنعكم بالأكثر بمجده. إذًا هل ذكر الآب؟ مطلقًا، فتكملة الآية لا تشير إلى ذلك، إذ يقول «وظهور مجد الله العظيم، ومخلصنا يسوع المسيح». أرأيت أن الإبن أيضًا عظيمًا. فكيف تتكلم عن أقل وأعظم؟ اسمع أيضًا النبي حينما يدعوه «عجيبًا مشيرًا قديرًا»[11]. فهل هذا الإله المشير القدير ليس عظيمًا؟ هل الإله القدير هو إله اقل؟! إذًا فماذا  يعنى هؤلاء السفهاء بزعمهم انه برغم كونه أقل فهو إله؟ إنني أكرر ما يقولونه مرات عديدة، لكي تتجنّبوهم أكثر فأكثر. إذا كان إله أقل فإنه لا يمكنه أن يساوي نفسه بالإله الأعظم. ماذا إذًا، اخبرني فإن كان بحسب هؤلاء هو أقل، واقل جدًا في القوة بالنسبة للآب، فكيف يقدر أن يحسب نفسه مساويًا لله؟ فالطبيعة الأقل لا تستطيع أن تختلس ما هو أعلي منها. فالإنسان لا يستطيع أن يختلس مساواته للملاك في الطبيعة، ولا الحصان يقدر أن يختلس مساواته للإنسان في الطبيعة. ولكن بدون هذا الكلام سيقول ذاك المعترض، ما هو غرض بولس من طرح موضوع إتضاع الإبن؟ بالقطع هدفه أن يدفع أهل فيلبي نحو الإتضاع. ماذا يهدف إذًا من وراء عرضه لنموذج الإتضاع هذا؟ لأنه لا يوجد احد وهو يرغب في النصح بالإتضاع يقول: ليكن لك فكرًا أكثر تواضعًا من نظرائك، لان فلان العبد لا يقوم ضد سيده، فأفعل أنت هكذا على مثاله. ومع ذلك ربما يقول احد إن هذا ليس تعبيرًا عن الإتضاع وإنما عن الكبرياء. ينبغي إذًا أن تعرفوا ماذا يعني الإتضاع، أنتم يا من لديكم كبرياء الشياطين. إذًا ما هو الإتضاع؟ هو أن يحمل المرء فكرًا متضعًا، والذي يُمارس الإتضاع ليس مَن هو في وضع أدنى؛ أو هو مَن يمارسه عن إضطرار، بل من يضع نفسه بإرادته. سأشرح ما أقوله، ولكن انتبهوا، فحينما يكون لدى الشخص القدرة على أن يكون صاحب فكر متميز، ويتواضع، فهذا يُعد شخص متضع، ولكن حينما يتضع وهو لا يحمل  فكرًا متميزًا، فهذا لا يُعد متواضعًا. فالملك الذي يخضع لمرؤوسيه، يُعد متواضعًا، لأنه ينزل عن مكانته العالية بإرادته، ولكن إن حدث العكس وفعل المروؤس ذلك فإنه لا يُعد متواضعًا، لأنه لم ينزل من مكانة عالية. ولا يمكنه أن يتواضع، إلا إذا وصل إلى مكانة عالية وتنازل بإرادته عن هذه المكانة. فإن كان متضعًا عن إضطرار وبدون إرادته، فلن يكون هذا الإتضاع نابعًا من رغبته الخاصة، وإنما عن إضطرار. لأجل هذا كله فهو يُسمى تواضع، لأنه إتضاع للفكر.

   اخبرني إذا كان هناك شخص ما يريد إن يكون سيدًا على خاصته، ولم يكن له الحق في أن يطلب أكثر مما له، فهل نمتدح مثل هذا الشخص لأجل عدله؟ أبدًا، لماذا؟ لأن ما هو فيه بحسب وضعه قد حرمه من المديح الذي (كان يمكن أن) ينتج عن إختياره الحرّ. أيضًا إذا كان هناك شخص لا يستطيع أن يصير ملكًا متسلطًا، ولكنه ظل كما هو مواطن بسيط، فهل مثل هذا سنمتدحه بوصفه لا يتدخل في شئون الآخرين؟! بالطبع لا. فيجب أن نعي أن الإطراء لا يُعطي بسبب عدم ممارسة هذه الأعمال، بل بسبب القيام بالأعمال الصالحة. لان ذاك الذي لا يقوم بعمل إيجابي لا يُلام وإنما لا يُمتدح أيضًا فالمديح مستحق للآخر الذي يعمل الصلاح. لاحظوا إذًا أن المسيح له المجد يمدح بالأسلوب ذاته قائلا: «تعالوا يا مُبارَكي أبي، رثوا الملكوت المّعَّد لكُم منذ تأسيس العالم. لأني جُعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني»[12]. فهو لم يقل: لأنكم لستم طمَّاعين، ولستم خاطفين، فهذه أمور يسيرة، وإنما لأنكم رأيتموني جوعانًا فأطعمتموني. هل يا ترى هناك من سيمدح الأصدقاء أو حتى الأعداء بهذا الأسلوب؟ فلم يُمدح أحد هكذا، ولا حتى بولس نفسه، ولماذا أتكلم عن بولس؟ فانه ولا حتى الشخص العادي يُمدح هكذا، كما تمدح أنت المسيح[13]. لان الإنسان لا ينال المديح حين يكون غير مستحق له. فان أُعجبت بمثل هذه الأمور، فهذا برهان على شر كبير. لان الناس الأشرار لا يمدحون أي شخص، إلاّ إذا تحول مثلاً ذاك الذي كان يسرق قبلاً وصار لا يسرق، ولكن بين الصالحين فان الأمر ليس كذلك[14] فهل أي إنسان يأخذ شيئا لا يحق له، أو ينال كرامة، هي ليست له،  يُعد مستحقًا للمديح؟ هل هناك حماقة أكثر من ذلك؟

   أرجو أن تنتبهوا، فان الكلام كثير. مرة أخرى مَن يحث على التواضع في مثل هذه الأمور؟ يجب أن تكون الأمثلة اكبر بكثير من الحالة التي ننصح بها. مثلما فعل السيد المسيح الذي يطلب منا أن نفعل الخير نحو أعدائنا، وأعطى مثالاً عظيمًا على ذلك، بـأن الآب يشرق بشمسه على الأبرار والأشرار بدون تفرقة، ويُمطر على كل العادلين والظالمين. ولكي يحض على الوداعة أعطى نفسه مثالاً قائلاً: «تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب»[15]. كذلك أيضًا: «فان كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فماذا يجب عليكم انتم بالأحرى أن تفعلوا»[16]. أرأيت كيف انه يأتي بأمثلة ليست بعيدة عن موضوع تعليمه، هكذا نفعل نحن أيضًا.ومن ناحية أخرى فإن ما طرحه (الهراطقة)، يعتبره ق.بولس في هذه الحالة أمرًا غير مناسبًا، إذ أنه لو كان الإبن عبدًا فهو بالفعل أقل، وينبغي عليه أن يطيع الأعظم، إلا أنه في الحقيقة لا يُعد هذا تواضعًا، لأنه كان يجب عليه (أي بولس) في هذه الحالة أن يفعل العكس، أي أن يأتي بمثال الأعظم الذي يتضِّع ويطيع من هو أقل. إلا أن ق. بولس لأنه يرى الأمر مختلفًا في الحالة الإلهية، وليس هناك أعظم وأقل، فمن المؤكد أن ما قدمه يتعلق بالمساواة بين الآب والإبن في الجوهر.. فلو كان الإبن أقل من الآب، لما كان في مقدوره أن يحض على التواضع، لأنه ليس من التواضع عدم قيام الأقل ضد الأكبر، وعدم سلبه للسلطة، وإطاعته حتى الموت. 

   من جهة أخرى، لاحظوا ماذا يقول (ق. بولس) بعد المثال: «بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم» (في3:2). فهو يقول حاسبين، لأنه بالتأكيد وحسب الواقع فأنتم واحد، هكذا أنتم أيضًا بحسب الكرامة التي تنالونها من الله، فسلوككم تجاه بعضكم البعض ينبغي أن يقوم على الاحترام فيما بينكم، أما من جهة مَن هم أعلى ومن هم أقل فلن أقول “حاسبين”، بل أن تقِّدروا من هم أعلى منكم، هكذا نجده يقول في موضع آخر: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا»[17]. ففي هذه الحالة فإن الخضوع يأتي كنتيجة طبيعية، أما هنا (بين المتساوين) فينبغي أن يعتمد ذلك على اختيارنا نحن. هكذا يقول عن التواضع: «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم»[18]. تمامًا مثلما فعل المسيح له المجد. وفيما يتعلق بأقوال هؤلاء الهراطقة، فتكون قد قُوِّضَت، أما فيما يتعلق بما يخصنا نحن فيجب  علينا بعدما تناولت هؤلاء أولاً وبإختصار، أن نقول الآتي: فحينما يحض الرسول بولس على الإتضاع فهو لم يعط كمثال إطاعة الأدنى للأعلى. لأنه إن حث العبيد على طاعة أسيادهم فهذا له ما يبرره منطقيًا، ولكن إن كان يحث الأحرار على إطاعة من هم أحرارًا مثلهم، فلماذا يقدم خضوع العبد لسيده كمثال؟ وكذلك الصغير للكبير؟ فهو لم يقل ليخضع الأصغر للأكبر، ولكن أنتم الذين لكم كرامة متساوية مع الآخرين، اخضعوا، «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم». لماذا لم يُشر حتى إلى طاعة الزوجة لزوجها ويأخذها كمثال، قائلاً كما أن الزوجة تطيع زوجها، لذا يجب أن تطيعوا انتم أيضًا؟ فإن كان لم يقدم الشريك المساوي والحر، والذي فيه الخضوع شيء طفيف كمثال، فكيف له بالحري أن يقدم المثال الخاص بطاعة العبيد؟ لقد قلت قبل ذلك أن لا احد يُمتدح لأجل الامتناع عن الشر، ولا يُذكر هذا مطلقًا، ولا يمكن لأحد أن يقول إني أرغب في مدح شخص عفيف لأنه لم يزن، وإنما يُمتدح لتعففه حتى في حياته الزوجية. إذًا لم نُوصَ مطلقًا بمجرد البعد عن الشرور لان ذلك يثير السخرية[19].

   لقد قلت إن صورة العبد هي صورة حقيقية وليست ادني من الإنسان على الإطلاق، هكذا فإن صورة الله هي صورة كاملة وليست أدنى من الله. لماذا لم يقل: ”الذي صار في صورة الله“، وإنما قال: «الذي إذ كان»؟ هنا يعادل قوله «أهيه الذي أهيه»[20] أي (أنا هو الكائن). فإن “الصورة” تُظهر الأصل الذي يماثله، لأنها صورة له. فلا توجد كائنات ذات جوهر وتحمل صورة جوهر أخر مختلف عنها، فلا يوجد إنسان له صورة الملاك، كما انه لا يوجد حيوان له صورة الإنسان، إذًا كيف يكون هذا بالنسبة للابن؟ بعد ذلك فإنه بالنسبة لنا فلأننا من طبيعة مركبة فإن الصورة تلائم الجسد، أما بالنسبة للطبيعة البسيطة تمامًا وغير المركبة فإنها تلائم الجوهر. إن «الآب» يُذكر أحيانًا بدون أداة تعريف، وهذا ما نجده في مواضع كثيرة. ولماذا أقول في مواضع كثيرة؟ ففي نفس الآية مباشرة يقول: «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله» ولم يستخدم أداة التعريف في كلامه عن الآب، أي لم يقل “الله”. إنني أريد هنا أن أضيف أيضًا أشياء أخرى، ولكن أخشي أن أشوش أذهانكم. فلتتذكروا أولاً ما قيل لكم بخصوص دحض أفكار أولئك الهراطقة، فلنقتلع أولاً الأشواك، ثم بعد ذلك نبذر البذار الصالحة، بعدما نكون قد اقتلعنا الأشواك حتى تهدأ الأرض قليلاً، بعد نزع كل الشرور التي تأتي منها، لكي تقبلوا بعد ذلك البذار الإلهية وأنتم متمتعين بفضيلة كاملة.

   ولنقدم الشكر لله على كل هذه الكلمات، ولنعمل على حفظها لكي نفرح جميعًا، انتم ونحن أيضًا أما الهراطقة فيخزوا. لنتوسل إليه كي يعيننا لنكرز بالكلمة في المستقبل أيضًا، ولنضع أمامه كل أمورنا وغيرتنا في الحق حتى يباركها ويحفظها. لنتوسل إليه كي يعطينا حياة الإيمان، كي نحيا لنسبحه، وحتى لا يُجدّف على اسمه بسببنا. إذ يقول «لأنه يُجدف على اسمي دائمًا بسببكم بين الأمم».[21] هل هناك مَن هو أكثر محبة لدينا من إبننا؟ فان كان يُجدَّف علينا بسبب هذا الابن، فنحن نتبرأ منه، ونطرده، ولا نقبله، فكيف بالأحرى يفعل الله حينما يكون لديه عبيد جاحدين، يجدِّفون عليه ويجحدونه، ألا يتخلى عنهم ويبغضهم؟ وذاك الذي يبغضه الله ويتخلى عنه من سيقبله؟ لا أحد، فقط الشيطان أو الأرواح الشريرة. وهل هناك رجاء لخلاص ذاك الذي تتسلمه الأرواح الشريرة؟ وأي عزاء له في هذه الحياة؟ فعندما يشملنا الله بعنايته، لا يستطيع احد أن يخطفنا، فعنايته لنا هي عناية قوية، ولكننا نهلك حينما نفقد هذه العناية وهذه المعونة، ونكون عُرضه كي يخطفنا الجميع، «كحائط مُنقض، كجدار واقع»[22]. وحينما يكون الحائط ضعيف، فسيكون من السهل على الجميع تسلّقه.

   لا تظنوا إذًا أن ما هو مزمع أن أقوله قد قيل عن أورشليم فقط، وإنما ينسحب على كل إنسان. ماذا قيل عن أورشليم؟ «لأنْشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أكَمَةٍ خَصِبَةٍ فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَق،َ وَبَنَى بُرْجا فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أنْ يَصْنَعَ عِنَبا فَصَنَعَ عِنَبا رَدِيئا. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أيْضًا لِكَرْمِي وَأنَا لَمْ اصْنَعْهُ لَهُ؟. لِمَاذَا إذِ انْتَظَرْتُ أنْ يَصْنَعَ عِنَبا، صَنَعَ عِنَبا رَدِيئا؟ فَالآنَ أعَرِّفُكُمْ مَاذَا اصْنَعُ بِكَرْمِي. انْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. اهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. وَاجْعَلُهُ خَرَابا لا يُقْضَبُ وَلا يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأوصِي الْغَيْمَ أنْ لا يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرا. أنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إسْرَائِيلَ، وَغَرْسَ لَذَّتِهِ رِجَالُ يَهُوذَا. فَانْتَظَرَ حَقّا فَإذَا سَفْكُ دَمٍ وَعَدْلا فَإذَا صُرَاخٌ. »[23].

   هذا ما يقال عن الإنسان أيضًا. فالله محب البشر بعدما فعل كل شيء استوجب عمله، لم يجد ثمرا من الإنسان ، إذ أنه بعد كل ذلك قد أثمر أشواكا بدلا من الكروم، ومن اجل هذا سينزع السياج ويهدم الجدران وحينها سنكون غنيمة للجميع. اسمع ما يقوله نبي آخر  منتحبًا «فلماذا هدمت جدرانها فيقطفها كل عابري الطريق؟ يفسدها الخنزير من الوعر، ويرعاها وحش البرية»[24]. فمن ناحية نجده أولاً يتكلم عن الفارسيين والبابليين، أما هنا فلا يتكلم عن هؤلاء بشيء، وإنما عن الخنزير ووحش البرية أي الشيطان وقواته، لان سمته انه وحش ونجسً. فحينما يريد أن يظهر قدرته على الخطف يقول عنه: «كـاسد زائر، يجول ملتمسًا من يبتلعه»[25]. وحينما يُظهر سمومه وقتله ودماره، يدعوه حيّة وعقرب، فيقول: «لتدوسوا الحيّات والعقارب وكل قوة العدو»[26]. وحينما يبين قوته وسمومه، يدعوه تنينًا، فيقول «لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه»[27]. والكتاب يدعوه دائما تنين وحيَّة (لوياثان) وأفعى ملتوية. فالوحش إذًا له أشكال عديدة، ولديه قوة شديدة، فيحرك كل الأشياء، ويُثير فيها أضطراب، ويحولها في طريق معاكس.

   لكن لا تخافوا، ولا يسيطر عليكم الفزع، فقط اسهروا، وسيكون هذا الوحش كعصفور بالنسبة لكم، فقد قال «تدوسوا الحيات والعقارب»[28]. فأعطانا أن ندوسه بأقدامنا إذا أردنا. أرأيت إذًا مقدار السخرية وكم التعاسة، فالشيطان نراه يقف أعلى من رؤوسنا رغم إنه في مقدورنا أن ندوسه. فكيف نعطيه حجمًا أكبر من حجمه؟ إن ذلك يرجع إلى موقفنا نحن منه، فان شئنا نجعله عظيمًا، وان شئنا نجعله حقيرًا. فإن انتبهنا لأنفسنا وكنا مع ملكنا، فذاك يتلاشي وهو يسلك في حربه الموجهة إلينا، بطريقة لا تتجاوز سلوك طفل صغير. أما حينما نبتعد عن ملكنا، حينئذٍ يتمدد كثيرا ويزأر، ويصرّ بأسنانه، لأنه يجدنا بدون معيننا الأعظم، فضلاً عن انه لا يقترب إلينا بدون سماح من الله. فان كان لم يجرؤ أن يدخل في قطيع الخنازير، بدون سماح من الله، فكم بالأحرى يكون الأمر اضعف بالنسبة لدخوله في النفس البشرية. فالله قد يسمح بذلك حينما يؤدبنا أو يعاقبنا أو يجربنا أكثر، كما حدث مع أيوب. أرأيت أن ذاك لم يقترب إليه (أي لأيوب) ولا يجرؤ أن يقترب، إنما فقط يخيف ويرعب؟ ولماذا أتكلم عن أيوب؟ فحينما انقضّ الشيطان على يهوذا، لم يستطع أن يخطفه كليةً أو أن يدخل فيه؛ إلى أن عزله السيد المسيح من جماعة التلاميذ المقدسة. حينئذٍ تلقاه من الخارج، ولكنه لم يجرؤ أن يدخله. ولكن حينما رآه مقطوعًا من الجماعة المقدسة، هجم وانقضّ عليه بصورة أشر من انقضاض أي ذئب، ولم يتركه إلا بعدما أهلكه.

   هذه الأمور قد كُتبت لإرشادنا، فما هي الفائدة من أن نعرف أن واحدًا من الأثنى عشر تلميذا كان خائنًا؟ ما هو العائد وما هي المنفعة من وراء ذلك؟ أنها منفعة عظيمة، لأنه حينما نعلم لأي سبب يفكر ذاك (أي يهوذا) هذا الفكر المُهلك، نحترس نحن أيضًا فربما نرتكب نفس الأخطاء. إذا فلأي سبب اتخذ يهوذا هذا القرار؟ بسبب محبة الفضة، لقد كان سارقًا، سلّم الرب لأجل ثلاثين من الفضة. هكذا كان ثملاً من شهوته، فسلّم خالق الكون لأجل ثلاثين من الفضة، فهل هناك ما هو أسوأ من هذا الجنون؟ فذاك الذي لا يعادله شيء، والذي أمامه تُعد كل الأمم لا شيء، يسلّمه بثلاثين من الفضة. فطغيان محبة المال ثقيل ومفزع، ويغيّر النفس، فما تحدثه محبة المال من هذيان هو أكثر بكثير من السُكر، بل ومن الجنون.

   إذًا لماذا يحدث ذلك ؟أخبرني. فإن كان قد دعاك وأنت بلا قيمة وغير معروف، وقَبِلَك كواحد من تلاميذه الاثني عشر، وسلّمك تعاليمه، ووعدك بخيرات لا تُحصى، وجعلك تصنع آيات، وأخذت مكانًا كالباقين في نفس المائدة، وفي نفس المسيرة، وفي أحاديثه، وتجمعاته وفي كل شيء. ألم تكن كل هذه الأمور كافية أن تمنعك؟ فلأي سبب سلّمته؟ أيها الشرير بأي شيء تستطيع أن تتهمه ؟ وما هو الخير الذي منعه عنك؟ لقد كان يعرف فكرك ومع هذا لم يتوقف عن تقديم ما لديه. لقد كرر قائلا: «إن واحدًا منكم يسلّمني»[29]. لقد كان كثيرًا ما يميزك، وكان يصفح عنك، وبينما كان يعرف انك هكذا، إلا انه لم يبعدك عن جماعة التلاميذ، لقد أبقاك معه، وكان يحبك كتلميذ حقيقي من الاثني عشر. وفي نهاية الأمر، اخذ منشفة بيديه الطاهرتين وغسل رجليك الدنستين، ولم يمنعك هذا أيضًا عن تسليمه. لقد سرقت تقدمات الفقراء، وقد احتمل هذه أيضًا، حتى لا تصل إلى شرٍ أعظم. ولكن لا شيء قد أقنعك، فإنك حتى وإن كنت بالحقيقة وَحْش، أو حَجَر، كان يجب أن يتغير سلوكك نحوه بسبب حسن الصنيع معك، أو بسبب ما صنعه من الآيات والتعاليم؟ وبالرغم من قسوتك فقد ظل يدعوك، وبآياته العجيبة كان يهدي من هو اقل إحساسًا من الأحجار. أما أنت فلم تغيِّرك أي من تلك الأمور، إلي ما هو أفضل.

   ربما تتعجبون لتلك الحماقة التي للخائن. فخافوا إذًا من أن يصيبكم ذلك الجرح. لقد صار هكذا بسبب محبته للفضة، وبسبب عشقه للمال. فلنقطع هذه الشهوة تمامًا، لأنها تلد تلك الأمراض، وتنزع عنا الوقار، وتبعدنا عن معرفة الله، بالرغم من انه يقدم لنا خيرات لا تحصى. أترجاكم أن تقطعوا هذه الشهوة تماما، فهي ليست من الشهوات البسيطة، فلها من القوة أن تلد ميتات كثيرة. لقد شاهدنا ذلك الألم، فلنخف ربما نقع نحن أيضًا في نفس الشهوات. والتحذير من تلك الشهوة قد ذكره كل الإنجيليين لأجل إرشادنا، حتى لا نتأذى بسبب هذه الشهوة. لنهرب بعيدًا عنها فليست محبة المال هي فقط الرغبة في اقتناء المزيد منه، وإنما هي في مجرد الأسر لشهوة المال. إنه الحب الردئ للمال أن نطلب أكثر من احتياجنا. فلربما يكون بريق الفضة حينئذٍ هو الذي أقنع الخائن أن يُقْدِم على ما أقدم عليه، لقد سلّم الرب مقابل ثلاثين من الفضة. فلتتذكروا إذًا حينما كنت أقول لكم قبل هذا، أن البرهان على الطمع لا يكون حين ينال احد الكثير، بل حتى حين ينال القليل. انظروا كم الشر العظيم الذي سببته هذه الشهوة لأجل قطع قليلة من الفضة.

   من غير الممكن على الإطلاق أن يرى وجه المسيح، من هو مأسور بشهوة المال، انه شر بالنسبة للضعفاء من البشر، انه أصل كل الشرور. فان كان من يحوز أي نوع من الشرور، يسقط من مجده، فأين سيقف ذاك المسبي من أصل كل الشرور؟ لن يستطيع مَن هو عبد للمال، أن يكون عبدًا حقيقيًا للمسيح. فالسيد المسيح نفسه أوضح استحالة حدوث هذا الأمر. فهو يقول: «لا تقدرون أن تخدموا الله والمال»[30]. وأيضًا «لا يقدر أحد أن يخدم سيدين». لان كلٍ منهما يأمر بخلاف الآخر. فالرب يسوع يطلب أن نهتم بالفقراء، بينما محبة المال تجعلنا نسلب حتى ما يخص هؤلاء الفقراء! السيد المسيح يطلب أن تترك مالك، أما محبة المال فتدفعك أن تأخذ ما ليس لك.

   أرأيت كيف أنهما متضادين (الله والمال)، أرأيت أين هي الحرب؟ كيف انه لا يستطيع أحد أن يطيع الاثنين معا، وإنما لابد أن يحتقر أحدهما؟ أم أنه ليس هناك حاجة للكلام؟ ألا نري هذا في الواقع، فالمسيح يُهان، والمال يُقدّر؟ أرأيتم كيف أن وقع حديثي عليكم ثقيل؟، فكم بالأحرى يكون سلوكنا نحن الذين أبدلنا محبتنا لله بمحبة المال؟ إلا أننا لا نشعر بهذا في الواقع، لأن الشهوة قد تملكتنا. فإن كانت النفس لديها الآن قليل من النقاوة ومُتحررة من هذه الشهوة، فيمكنها أن تحكم على الأشياء بصورة صحيحة، ولكن حينما تكون تحت سيطرة هذا المرض وهذه الشهوة، فلا تستطيع أن تقيِّم الأمور بمعيار نقي، ولا يكون حكمها صائبًا. هكذا يقول رب المجد: «كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله، لا يقدر أن يكون لي تلميذًا»[31]. أما محبة المال فتطلب أن تخطف الخبز من الجائع. المسيح يطلب أن تكسو العريان، أما شهوة المال فتدفعك لأن تجرِّد العريان. المسيح يقول لا تحتقر أقرباءك، بينما محبة المال تُلزمك بألا ترحم أقرباءك، بل وأن تحتقر أمك وأبيك كلما رأيتهما، ولماذا أتحدث عن الأب والأم، فهذه المحبة التي للمال تدمر حتى نفسك أيضًا، ومع ذلك فهي تُطاع!! يا للأسف فان تلك التي تأمر بالقساوة والغضب والأشياء الوحشية يُسمع لها أكثر من ذاك الذي ينصح بالأمور المختصة بالرحمة والخلاص! لأجل هذا وُجدَتْ جهنم والنار، والدود الذي لا يموت في الجحيم.

 

   إنني اعرف أن الكثيرين لا يسمعون لهذه الأمور التي أتكلم عنها، وهم راضون. وأنا أيضًا لا أقولها راضيا. ولكن ما هي الضرورة لكي أقول هذا؟ أردت أن أكلمكم بصورة دائمة عن ملكوت السموات، وعن مياه الراحة، وعن مكان الخضرة. كما يقول المرنم: «في مراعٍ خضر يربضني إلى مياه الراحة يوردني»[32]. أردت أن أتكلم عن الموضع، الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد[33]. أردت أن أتحدث عن الفرح الذي يأتي من الوجود مع المسيح، وان كان هذا الوجود بالطبع يتجاوز كل كلام وكل فكر. حقا لقد أردتْ أن أتكلم عن هذا بقدر ما استطيع. ولكن ماذا أستطيع أن افعل؟ لا يمكن للمصاب بحمي، ويوجد في حالة مرضية سيئة أن يتكلم عن المُلك، إذ يحتاج أولاً أن يتكلم عن الصحة. ولا يمكن لمن ينتظر المحاكمة أن يتكلم عن التكريم، لأن ما يرغب فيه هو أن يتخلص أولاً من الحكم والقصاص والعقوبة، لأجل هذا أتكلم عن هذه الأمور باستمرار، كي نأتي إلى الملكوت. ولذلك ينذرنا الله بالجحيم، كي لا يقع احد منا فيه ولكي نفوز جميعنا بملكوت الله. ونحن أيضًا لأجل هذا نذَّكر دائمًا بالجحيم، فحينما نليِّن عقولكم بالخوف، ندفعكم نحو ملكوت الله، ونُعدَّكم أن تعملوا لكي تستحقوا الدخول إلى ملكوت الله.

 

   لا تغضبوا إذًا بسبب هذه الكلمات الثقيلة، لأن هذه الكلمات الثقيلة هي اخف علينا من خطايا النفس. كذلك فان الحديد ثقيل والمطرقة ثقيلة، ولكنهما يصنعان آنية من الذهب والفضة سهلة الاستخدام، وهي أيضًا تُصلح الأشياء التي فسدت، فان لم تكن ثقيلة لما كان بمقدورها أن تُصلح المادة المحتاجة لإصلاح. هكذا أيضًا فإن كلامنا الثقيل يمكن أن يهذِّب النفس. فلا نتهرب إذًا من الكلمات الثقيلة، ولا مما تسببه من ألم، فهذا الألم يحقق إصلاح النفس ولا يؤدي إلى هلاكها. إننا بنعمة الله نعرف كيف نطرق، كيف نُؤلم، حتى لا نحطم الإناء، بل نُعّده ونُصلحه كي نجعله طيِّع لسيده، لنقدمه أكثر إشراقًا، صحيحًا وحسنًا من جهة كماله في ذلك اليوم الذي فيه سيجري نهر النار. لنقدمه بدون حاجة إلى النار الموجودة هناك. لأننا إن لم نختبركم هنا بالنار، فمن المؤكد إنها ستمتحنكم هناك، ولا يمكن أن يحدث شيء آخر مختلف عن ذلك، «لان اليوم (يوم الرب) سيبيّنه. لأنه بنار يُستعلن»[34]. فانه من الأفضل لكم أن تلتهبوا قليلاً بكلماتنا، على أن يتم ذلك بصورة مستمرة في لهيب جهنم. لأنه من الواضح أن هذا سيحدث، وقد قلت لكم ذلك في مرات عديدة بتقديرات ليست محل شك. إن اقتناعنا ينبغي أن يكون مبنيًا على الكتب المقدسة، ولكن لأن البعض يثيرون الشغب فقد أتينا بحجج عقلانية كثيرة. ولا يوجد ما يمنعني الآن من تكرار ذلك لهم.

 

   الله عادل والكل يعترف بذلك، اليونانيون، واليهود، والهراطقة، والمسيحيون. ولكن هناك كثيرون ممن أخطأوا ورحلوا دون عقاب، وآخرون من عاشوا بإستقامة قد رحلوا بعدما قاسوا الكثير من الآلام. إذًا فإن كان الله عادلاً، ولم يكن هناك جحيم ولا  قيامة، فهؤلاء أين سيدانوا بالعقاب، وأولئك الذين عملوا الصلاح أين سيكافأون، فليتذكّر هؤلاء على الدوام وتتذكروا أنتم أيضًا، وهذا الأمر بحد ذاته لن يترككم أبدًا أن تتشككوا في القيامة. فإن من يؤمن بالقيامة، سيجتهد أن يعيش بكل حرص، حتى يفوز بالخيرات الأبدية، ويا ليتنا جميعا ننالها، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح والذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والقوة والعزة، الآن وكل أوان والي دهر الدهور أمين.

 

+ + + + + + +

   

[1]  في5:2ـ8.

[2]  مت12:5.

[3]  يو20:15.

[4]  مت29:11.

[5]  لو36:6.

[6]  2كو9:8.

[7] كلمة “الصورة” Μορφ» / Morphé دائمًا ما تدلل بصورة حقيقية وكاملة عن الكينونة أو الجوهر. ولذلك فإن “الصورة” لا تأتي كمقابل (تضاد) “للجوهر” بل هي تخرج من هذا الجوهر. و”صورة الله” والتي فيها المسيح كائن، كما كان أيضًا، لا تعني فقط صورة بل طريقة أو إسلوب الوجود الإلهي. تمامًا مثلما نقول “صورة عبد” فهو شكل أو طريقة كينونة أو وجود هذا العبد. وهكذا أيضًا كلمة “الهيئة” Schéma / Σχ»μα حينما يقول الكتاب: “وُجد في الهيئة كإنسان” (في8:2) فهي لا تعني فقط إنه يأخذ هيئة أو شكل الإنسان ولكنه بالحقيقة صار إنسانًا، “الكلمة صار جسدًا” (يو14:1) و “أطاع حتى الموت” (في8:2). فصورة العبد تدلل ليس فقط على إنه شكل أو مظهر خارجي يخالف طبيعته، بل إنه هذه الطبيعة ذاتها.

[8]  مز 48 : 1

[9]  مز10:86 ،3:145

[10] تي13:2

[11] اش6:9

[12] مت 34:25ـ35 .

[13] الكلام هنا موجه للهراطقة الذين ظنوا أن الابن أدنى من الآب.

[14] أنظر أف28:4.

[15] مت29:11.

[16] يو14:13.

[17]عب 13 :17.

[18] أي ليعتبر كل واحد منكم أن الآخر يفوقه.

[19] أي أن المدح هنا ينصَّب على العمل الإيجابي، وليس مجرد البعد عن الشرور.

[20] خر14:3.

[21] إش5:52 س.

[22] مز3:62.

[23]  إش1:5ـ7.

[24]  مز12:80، 13.

[25] 1بط8:5 .

[26]  لو19:10 .

[27]  مز26:104.

[28] لو19:10.

[29] مت21:26.

[30] مت24:6.

[31]  لو33:14 انظر أيضًا أش 58 : 7 .

[32]  مز2:23.

[33] أنظر أوشية الراقدين.

[34] 1كو13:3.

 

رسالة فيلبي ع7 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة السادسة

 

فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا[1].

 

لا يوجد شئ أفضل، ولا أكثر حنوًا من معلّم روحي يفوق عطفه على حنو الأب الطبيعي. لاحظوا إذًا التضّرع الذي يتوّجه به المطّوب بولس للفيلبيين لأجل فائدتهم. فماذا يقول إذًا، وهو يحثهم على الوئام فيما بينهم؛ والذي هو علّة كل الأمور الصالحة؟ انظروا كيف يتحدّث بإصرار وقوة وأيضًا بكثير من العطف. ” إن كان وعظ ما في المسيح “، أى أنه يقول إن كانت تعزية ما فهى في المسيح. وكأنه يقول، إن كان لديكم ما تقولونه عني، وإن كنتم تهتمون بي، وإن كنتم قد نلتم إحسانات مني، إذًا فافعلوا هذا (في المسيح). بهذه الطريقة نحن نُعبّر عن رغبتنا حين نطلب شيئًا أن نفضلّه عن باقي الأشياء الأخرى، لأننا إن لم نفضلّه عن كل الأشياء، فلن ننال المجازاة في هذا الشئ عوضًا عن باقي الأشياء، كما أننا لن نستطيع أن نقول أن كل الأشياء الأخرى تتحقق في هذا الشيء.

إذًا فنحن نذّكر بالحقوق المرتبطة بالجسد. فعلى سبيل المثال لو قال أب (لإبنه) إن كنت ما زلت تحتفظ بأي تقدير لأبيك، وإن كنت مازلت تذكر تربيتي الحسنة لك، إن كنت ترى أنه ينبغي عليك أن تُظهر بعض المحبة نحوي، إن كنت تتذّكر الحنو والعطف الذي نلته على يدي، فلا تصنع عداوة مع أخيك، هذا ما أطلبه كمقابل لكل ما قدّمته لك. ولكن القديس بولس لا يسلك بهذه الطريقة، فلا يذّكر بأية حقوق جسدّية، وإنما بالمطالب الروحية. فما يقوله هو إن أردتم أن تعزّوني في الأوقات الصعبة التي أجتازها وأن أتشجّع في المسيح، إن كنتم تريدون أن تمنحونني عزاءًا بسبب حبكم ليَّ، وأن تظهروا شركة في الروح القدس، وإن كانت لديكم مشاعر رأفة وحنو، فتتمموا فرحي. ” إن كانت أحشاء ورأفة “. مشاعر المحبة هذه كما يقول تأتي من خلال وحدة الفكر بين التلاميذ. فالقديس بولس يبيّن أن هناك خطر عظيم، في فقدان التوافق فيما بينهم. فيقول إن كان من الممكن أن أنال راحة بواسطتكم، أو أحصل على عزاء بسبب محبتكم، وأكون معكم في شركة الرب والروح القدس، وإن كان ممكنًا أن تقدّموا لي عاطفة ورأفة، فإن تعويض كل هذه الأمور يأتي من خلال محبتكم، كل هذه الأشياء يمكن أن أنالها إن كان لديكم محبة لبعضكم البعض. ” تمموا فرحي ” لاحظوا كيف أنه لكي لا يبيّن أن وصيته تتجه إلى الضعفاء من المؤمنين، يقول ” تمموا  فرحي” وليس اجعلوني أفرح، أي أنكم بدأتم هذا الغرس في داخلي، وبالتالي أشعرتموني بالسلام، ولكنني أرغب في البلوغ إلى كماله. أخبرني ماذا تريد؟ هل تريد أن نحررك من المخاطر؟ أو أن نمنحك شيئًا ما؟ يجيب لا شئ من هذه الأمور، وإنما ” حتى تفتكروا فكرًا واحدًا، ولكم محبة واحدة ” وهى التي بدأتموها، ” بنفس واحدة مفتكرين شيئًا واحدًا “. يا للعجب كم مرة يعلن ق. بولس عن رغبته في هذا الأمر أي الفكر الواحد، ذلك لأن عبارة “فكرًا واحدًا” تفوق عبارة ” نفس الفكر”.

ولكم محبة واحدة ” أي أن المطلوب ليس هو فقط الأمور التي تختص بالإيمان، وإنما أيضًا الأمور الأخرى. لأنه من الممكن أن يكون لدينا نفس الفكر ولا يكون بيننا محبة. ” ولكم محبة واحدة “، أى بهذه الطريقة: أن تُحِبوا وأن تُحَبوا. فلا ينبغي أن تتمتّع بمحبة كبيرة من قِبل الآخرين، وتُظهر أنت محبة أقل، فتكون طماعًا أيضًا من جهة المحبة، فلا تُحمّل نفسك هذا الألم.

بنفس واحدة” لا يمكن أن يكون الجميع معًا بحسب الجوهر بنفس واحدة لأن ذلك مستحيل، لكن ما يمكن تحقيقه في الواقع هو أن يكون الجميع “بنفس واحدة” في الرغبة والرأي. لقد شرح معنى “بنفس واحدة” فقال “مفتكرين شيئًا واحدًا “، ليكن الفكر واحدًا كما أن النفس واحدة. ” لا شيئًا بتحزب “. فهو يقدّر ذلك الأمر ويُحدّد الطريقة التي بواسطتها يتم تحقيق هذا الأمر. ” لا شيئًا بتحزّب أو بعُجب ” وهو ما أتكلّم عنه دائمًا إذ أن التحزّب هو سبب كل الشرور. ومنه تأتي المصادمات والنزاعات، وأيضًا الحسد والخصام، وبرودة المحبة. أعني أن ذلك يحدث حينما تكون لدينا رغبة شديدة في المجد الذي يأتي من الناس، حينما نكون عبيدًا للكرامة التي ننالها من الآخرين. لأنه لا يمكن لأحد أن يكون عبدًا حقيقيًا لله وهو في نفس الوقت عبد للكرامة. قد يقول أحد إذًا كيف سنتجنب الزهو؟ لأنك حتى الآن لم تقل لنا الطريقة. فلنسمع المطوب بولس حينما يقول: ” بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم ” يا للعجب! فبأية طريقة قد أظهر رأيه المملوء من الحكمة والذي يقودنا إلى التحرّر التام؟ فهو يقول إن كنت تعتبر أن الآخر أعظم منك وتقبل هذا، ليس بالقول فقط وإنما بالفعل، فستمنحه كرامة تليق به. فإن كنت تعطي كرامة للآخر، فلن تغتاظ حينما تراه يُكرّم من الآخرين. فلا تعتقد إذًا أنه مجرد شخص أعظم منك، وإنما هو يفوقك، وهو ما يعني السمو الفائق، وحينما تراه يُكرّم لا تندهش ولا تحزن، وإن كان سلوكه نحوك فيه احتقار فاصبر بشجاعة، لأنك قد اعتبرته أفضل منك، فإن أهانك فلتتسامح معه وإن أساء إليك فاصبر بدون احتجاج. فإن النفس حينما تتيّقن مرة واحدة أن الآخر هو أعظم شأنًا، لا تغضب إذا لقيت منه معاملة سيئة، وأيضًا لا تلجأ إلى الحسد. فلا أحد يستطيع أن يحسد هؤلاء المتميّزون بدرجة كبيرة عن الآخرين، لأن كل الأمور لديهم هى مثال للتفوق. هكذا يتعلّم الآخر أن يسلك بنفس الأسلوب. فحينما ينال ذاك تلك الكرامة العظيمة فسوف يسلك هو أيضًا نحوك بطريقة مماثلة لسلوكك نحوه، وهذا يعني أن هناك سياجان من التسامح. فأنت تعتبر ذاك أنه مستحق للكرامة، وهو يعتبرك كذلك أيضًا. وبهذا تصير كل الأمور في سلام. لأنه إن كان ما يحدث بواسطة الواحد يستطيع أن يحّل كل النزاعات، فمن سيقدر أن ينزع هذا الأمان حين يصير من الاثنين، بل إن الشيطان ذاته لا يستطيع أن يصنع هذا لأن الحصن سيكون قوي ومتين، ثلاث وأربع مرات أكثر قوة، بل وأكثر بكثير من ذلك.

إذًا فالتواضع هو سبب كل الخيرات. ولكي تدرك ما أقوله، أصغ لقول النبي: ” لأنك لا تُسر بذبيحة وإلاّ فكنت أقدمها. بمحرقة لا ترضي. ذبائح الله هى روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره”[2]. ليس المطلوب إذًا مجرد الاتضاع، وإنما المطلوب هو الاتضاع الشديد. فكما يحدث في حالة الأبدان فإن الجسد الواهن لا يقاوم نظيره القوي، وإنما سيقاوم آلامه أولاً، مفضلاً ذلك على مهاجمة الآخر، هكذا أيضًا فإن النفس ستختار أن تعاني الآلام والموت وتكون في أمان مفضلّة ذلك على أن تقاوم غيرها. فإلى أي مدى سنرتفع بزهو مزّيف؟ مثلما نضحك حينما نرى الأطفال يجمعون كل قواهم كي يثبوا إلى أعلى أو حينما يرفعون حجرًا ويقذفونه، هكذا أيضًا فإن الكبرياء يُعد تفكير طفولي وغير منطقي.    ” لماذا يتكبّر التراب والرماد[3]. لما تتكبّر أيها الإنسان؟ وما هى الفائدة من ذلك؟ أخبرني لأي سبب تتكبّر على نظرائك؟ ألا تشترك في نفس الطبيعة؟ ألا تمتلك نفس الروح؟ ألم يعطك الله نفس الكرامة؟ إن كنت حكيمًا فيجب عليك أن تشكر الله على ذلك لا أن تتكّبر. إن الزهو هو بداية الجحود، لأنه يمحو عطية الإحسان. لأن مَن يزهو بنفسه، يفتخر كمَن حقق شيئًا وحده، ولكن مَن يعتقد أنه حقق شيئًا، هو جاحد أمام من منحه هذه القدرة. هل لديك شئ صالح؟! فلتعترف بالفضل لِمْن وهبك هذا الصلاح. استمع لما يقوله يوسف ودانيال. فحينما دُعي يوسف من قِبَل فرعون مصر، سأله أمام كل الشعب كيّ يَعْلَم عن الأمر (حلم فرعون) الذي لأجله اجتمع كل المصريين، والذين كانوا أقدر منه بالنسبة لهذه الأمور، وكان بإمكانه أن يتباهى أمام هذا الجمع، وأن يظهر أنه أكثر حكمة من المنجمّين والعرّافين والمشّعوذين والسَّحرة وكل فلاسفة ذلك العصر، وأكثر حكمة من الأسرى والعبيد، وبالرغم من كونه صغيرًا، إلاّ أن المجد كان أعظم، لأنه لم يكن هناك ما يساوي هذا الأمر في بهائه، وبالرغم من فقدان الرجاء بسبب طول الانتظار، إلاّ أن هذا جعل الأمر أكثر إبهارًا، فماذا قال حينما حضر أمام فرعون؟ هل قال نعم أعرف؟ لنرى ماذا قال؟ فعلى الرغم من أن أحدًا لم يراجع ما يقول، إلاّ أنه يتكلَّم بمشاعر إعطاء الفضل لذويه قائلاً: ” أليست لله التعابير “؟[4]. انظر كيف أنه أعطى المجد لله، لذلك مجده الله. وهذا ليس أمرًا يسيرًا، فإعلان يوسف أن الله (هو مُتمم العمل) هو أعظم من نجاح يوسف ذاته في العمل. وهو بهذا المسلك أضفى الثقة على ما يقوله، وهذا برهان عظيم على مدى عشرته مع الله. فلا يوجد شئ أفضل من عشرة الإنسان مع الله. اسمع ما يقوله الكتاب ” لأنه إن كان (ابرآم) قد تبّرر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدى الله [5]. فالذي تُغفر خطاياه بسبب محبة الله له ونعمته عليه يحق له أن يفتخر بالرب، كما أن من يعمل يمكنه أن يفتخر بأعماله، لكن هذا الفخر ينصرف إلى فعله هو وليس إلى عمل الله. وهذا هو برهان ضعفنا أننا لا ننسب العمل لله أما يوسف ذاك الذي نال حكمة إلهية، ألا يكون بالأحرى مثار إعجاب؟ فهو يمجّد الله، وينال مجدًا من الله أيضًا. حسبما يقول الكتاب ” فإني أُكرم الذين يكرمونني [6].

هكذا أيضًا الذي أنحدر من نسل يوسف، أي دانيال، والذي لا يوجد أحكم منه، حيث يقول النبي “ها أنت أحكم من دانيال! “[7]. لقد كان دانيال أحكم الحكماء الموجودون في بابل، وأيضًا من العرّافين والمنجمّين والسَّحرة وكل الفلاسفة، والذين لم يدانوا فقط، وإنما أبيدوا أيضًا، حيث كانت إبادتهم دليل على أنهم خدعوا الملك سابقًا، وحينما حضر دانيال وشرع في حل تساؤل الملك، لا نجده قد افتخر، وإنما نسب كل شئ أولاً إلى الله فيقول ” أما أنا فلم يُكشف لي هذا السر لحكمة فيّ أكثر من كل الأحياء [8]. حينئذٍ خرَّ الملك على وجهه وسجد لدانيال، وأمر بأن يقدّموا له تقدّمة. أرأيت هذا الاتضاع؟ أرأيت ذلك الاعتراف بالفضل وهذا الوقار؟ أيضًا لنسمع الرسل حينما يقولون ذات مرة ” لماذا تشخصون إلينا، كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي ؟”[9] ومرة أخرى يقولون ” نحن أيضًا بشر تحت آلام مثلكم “[10]. فإن كان هؤلاء الرجال هم هكذا وقد رفضوا أية كرامة تُنسب إليهم، وهم الذين بسبب اتضاع وقّوة الرّب يسوع قد عملوا أعمالاً جاء وصفها بحسب قوله ” من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا ويعمل أعظم منها[11]، فكيف لا نرفض نحن التعساء والضعفاء تلك الكرامة، نحن الذين لا نستطيع أن نطرد حتى البعوض، وبالأكثر لا نستطيع طرد الشياطين؟ نحن الذين لسنا في موضع أن نفيد إنسانًا واحدًا، فنحن أقل من جميع الناس، ومع ذلك نفتخر جدًا وبصورة لا يُقِدم عليها الشيطان ذاته؟

فليس هناك ما هو غريب عن الروح المسيحية أكثر من الكبرياء، إنني أتكلّم عن الكبرياء، وليس عن الشجاعة أو الشهامة، إذ أنهما يتوافقان مع الروح المسيحية. فهذا شئ وذاك شئ آخر. فالتواضع شئ والدناءة شئ آخر، والنفاق شئ واللطف شئ آخر. فإن شئتم فسأعطيكم أمثلة لكل هذا. يتضّح لي أن هذه التباينات تجاور الواحدة منها الأخرى، كما في حالة الزوان والحنطة والأشواك والورود. إن الأطفال هم الذين يمكن خداعهم بسهولة، أما الرجال ذو الخبرة في الفلاحة الروحية، فيعرفون أن يميّزوا بين ما هو جيد حقًا وبين ما هو سيئ. إذًا لنتقّدم ونعطي أمثلة من الكتاب المقدس لبعض أشخاص اتصفت تصرفاتهم ـ بالتملّق أو الخسّة، أو اللطف. فإن صبيًا قد تملَّق داود وأساء إلي سمعة سيده[12]، وبالأكثر قد فعل أخيتوفل مع أبشالوم[13]. أما داود فلم يكن كذلك، وإنما كان متضعًا. والباقين كانوا منافقين، فعلى سبيل المثال نجدهم يقولون: ” عش أيها الملك إلى الأبد[14].

السحرة هم أيضًا بطريقة ما متملقين. كذلك سنجد في سفر أعمال الرسل كثيرًا من المواقف المشابهة، حينما تَحَاوَر بولس الرسول مع اليهود، ولكنه لم يتحاور بتملّق وإنما بتواضع، وهو يعرف أيضًا أن يتكلّم بشجاعة، ويتضّح هذا من قوله: ” أيها الرجال الأخوة، مع أنى لم أفعل شيئًا ضد الشعب، أو عوائد الآباء، أُسلمت مقيدًا من أورشليم[15]. فهذه الكلمات تعبّر عن إتضاعه، واسمع كيف يوبخّهم بالكلمات التالية ” أنه حسنًا كلّم الروح القدس آباءنا، ستسمعون سمعًا ولا تفهمون، وستنظرون نظرًا ولا تبصرون “[16]. أرأيت هذه الشجاعة؟ لننظر أيضًا لشجاعة يوحنا المعمدان والتي أظهرها أمام هيرودس قائلاً له: ” لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك (فيلبس) [17]. فهذه شجاعة ورجولة. وهي ليست كتلك التي كانت في حالة شمعي حينما قال:     ” اخرج يا رجل الدماء[18]، حتى وإن كان قد تكلّم هو أيضًا بشجاعة. إنما هذه ليست شجاعة، وإنما وقاحة وإهانة ولسان بذئ. هكذا سبّت إيزابل ياهو قائلة: ” قاتل سيده[19]. فهذه كانت وقاحة وليست شجاعة. لقد وبخّ إيليا أيضًا (أخاب) ولكن هذه كانت شجاعة وإقدام: ” لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك[20]. مرة أخرى فإن إيليا قد تكلّم بشجاعة إلى جميع الشعب قائلاً: ” حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟[21]. هكذا فإن التوبيخ هنا كان شجاعة وإقدام، وهذا ما فعله الأنبياء، أما الحالات الأخرى فكانت وقاحة.

أتريد أن ترى كلمات الاتضاع وليس النفاق؟ اسمع ما يقوله ق. بولس ” وأما أنا فأقل شئ عندي أن يُحكم فيّ منكم، أو من يوم بشرٍ. بل لست أحكم في نفسي أيضًا. فإني لست أشعر بشئ في ذاتي. لكنني لست بذلك مُبررًا[22]. هذه هى الروح التي تناسب الإنسان المسيحي. مرة أخرى يقول: ” أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يُحاكَمَ عند الظالمين، وليس عند القديسين؟ “[23]. أتريد أن ترى تملّق اليهود قليلي العقل؟ اسمع ما يقولونه: ” ليس لنا ملك إلاّ قيصر[24]. أتريد أن ترى الاتضاع؟ اسمع مرة أخرى ق. بولس حينما يقول: ” فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع[25]. أتريد أن ترى وقاحة وتملّق؟ فانظر وقاحة نابال وتملّق الزّيفيّون[26]. فقد أخبروا عن داود. أتريد أن ترى حكمةً، وليس تملقًا، فأنظر إلى تلك التي لداود، كيف أن شاول كان في متناول يده ولكنه لم يضّره؟ أتريد أن ترى تملّقًا؟ أنظر إلى هؤلاء الذين قتلوا مفيبوشث، والذين قد أماتهم داود.[27]

خلاصة القول نقول بصفة عامة إن الوقاحة تحدث، حينما ينفعل أحد غاضبًا ويسُّب لأجل موقف لا يتناسب وفعله هذا، أو حينما ينتقم لنفسه أو حينما يكون متهورًا بلا سبب. أما الشجاعة والإقدام تكون حينما يتعرَّض أحد لمخاطر عظيمة ويقدم حياته شهادة للحق، بلا محاباة ودون النظر إلى الآخر، سواء كان صديقًا أم عدوًا، لأجل أن يكون مرضيًا أمام الله. من ناحية أخرى فإن التملّق والخسّة يكونان حينما يُقْدِم شخص على خدمة الناس لا لأجل شئ من الأمور الهامة المختصة بالحياة الأبدية، وإنما بهدف اكتساب أشياء خاصة بهذه الحياة الحاضرة، أما التواضع فيكون حينما يعمل المرء هذا لأجل إرضاء الله، لذلك فإنه يتواضع ويتنازل عن مكانته الخاصة لأجل ربح ما هو أعظم وأعجب. فإن عرفنا هذه الأمور سنكون سعداء، لكن بشرط أن نمارس الأعمال الحسنة. فليس كافيًا أن نعرف فقط، لأن الكتاب يقول: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون [28]. وبالأكثر فإن المعرفة فقط هى إدانة لنا إن لم يَتْبَع ذلك أعمال وفضائل. إذًا فلكي نهرب من الدينونة، لنسلك باستقامة ونمارس الأعمال الحسنة، لكي نربح الخيرات التي وعدنا الله بها، في المسيح يسوع ربنا، الذي يليق به المجد إلى الأبد آمين.

 

+ + + + + + +

[1]  في1:2ـ4.

[2]  مز16:51ـ17.

[3]  يشوع بن سيراخ 9:10

[4]  تك8:40 هذا القول قد قاله يوسف لساقي ملك مصر وخبازه في السجن، ولكنه أيضًا قد قال لفرعون: ” ليس لي. الله يجيب بسلامة فرعون ” (تك16:41)

[5]  رو2:4.

[6]  1صم30:2.

[7]  حز3:28.

[8]  دا30:2.

[9]  أع12:3.

[10]  أع15:14.

[11]  يو12:14.

[12]  2صم1:16ـ3.

[13]  2صم1:17ـ4.

[14]  دا4:2.

[15]  أع17:28.

[16]  أع25:28ـ26.

[17]  مر18:6.

[18]  2صم7:16.

[19]  2مل31:9.

[20]  1مل18:18.

[21]  1مل21:18.

[22]  1كو3:4ـ4.

[23]  1كو1:6.

[24]  يو15:19.

[25]  2كو5:4.

[26]  انظر 1صم1:25ـ44، 1:26ـ25.

[27]  2صم8:4.

[28]  رو13:2.

رسالة فيلبي ع6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة الخامسة

 

   فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضًا عِنْدَكُمْ.[1].

 

   لا شئ أكثر غبطة ولا أكثر نبلاً من روح القديس بولس. فنحن جميعًا نرتجف من الموت، البعض وأنا منهم نخشى الموت، بسبب الخطايا، والبعض الآخر بسبب محبة الحياة وبسبب الجُبن، وياليتني ألا أكون من بين هؤلاء أبدًا، لأن هؤلاء الذين يخافون مثل هذا الخوف هم نفسانيون. إذًا فهذا الذي يرتجف منه الجميع أي الموت قد طلبه ق. بولس، وكان يشتهي الإنطلاق ليكون مع المسيح موضّحًا أن إنطلاقه من هذا العالم أفضل جدًا. إذًا ماذا تقول؟ فأنت بصدد أن تنتقل من الأرض إلى السماء، وأن تكون مع المسيح، ولا تعرف ماذا تختار. لكن هذه الخبرة هى غريبة بالنسبة لروح القديس بولس. لأن مَنْ من البشر إن أعطاه أحد هذا الوعد مع تأكيدات لذلك، ألا يتمسك به على الفور؟! نعم لأنه كما أنه ليس في أيدينا أن ننطلق من هذا العالم ونكون مع المسيح، فإنه ليس في أيدينا أيضًا أن نبقى في هذه الحياة الحاضرة، لكن الاثنين كانا في متناول ق. بولس. وفي أي أمر كان واثقًا؟ فأنت (أيها الرسول) بصدد أن تكون مع المسيح، وتقول لا أعرف ماذا أختار؟ وليس هذا فقط بل وتختار هذه الحياة؟ أتبقى في الجسد في هذا العالم؟ ألم تحيا حياة مُرّة؟ في سهر، في غرق، في جوع وعطش وعُري، في اهتمام ورعاية؟ مع الضعفاء كنت تضعف، ولأجل مَنْ يعثر كنت تلتهب. إذ يقول: ” في صبر كثير في شدائد في ضرورات في ضيقات. في ضربات في سجون في اضطرابات في أصوام في طهارة “. ” خمس مرات قَبلْتَ أربعين جلدة إلاّ واحدة، ثلاث مرات ضُرِبتَ بالعصى، مرة رُجمت. ليلاً ونهارًا قضَّيت في العُمق. بأخطار سيول. بأخطار لصوص بأخطار في المدينة. بأخطار في البرّية. بأخطار من أخوة كذبة[2].

   وحينما رجع الغلاطيون لحفظ وصايا الناموس ألم تصرخ قائلاً:  ” أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة[3]؟ فلماذا إذًا لا تشعر بالأسى، ولازلت ترغب في أن تبقى في هذه الحياة الحاضرة؟ لأنه إن لم يحدث لك أي شئ من هذا، ولكن كل ما أنجزته، قد أتممته بأمان، وهدوء، ألم يكن من الأجدر أن تسرع إلى الميناء خشية المستقبل غير المؤكد؟ أخبرني أي تاجر هذا الذي يرغب في أن يستمر في الإبحار بينما سفينة شحنه المملوءة بالأشياء الثمينة قد وصلت إلى برّ الأمان. وأي رياضي هذا الذي يُفضّل أن يستمر في المباراة بينما هو بصدد أن يُكلّل؟ وأي ملاكم هذا الذي يُفضّل أن يأتي مرّة أخرى إلى الصراع ويُضرب رأسه بشدة بينما هو مهيئ لكي ينال إكليل الفوز؟ أي قائد هذا، الذي في مقدوره أن يُعفَى من الحرب وينال صيتًا حسنًا وتذكارات وأن يستريح بأن يجلس في القصور إلى جوار الملك، يختار أن يشقى وأن يستمر في القتال؟ فكيف إذًا ترغب أن تبقى في الجسد وتعيش هذه الحياة المُرّة؟ ألم تقل: أخاف أنه بعدما كرزت للآخرين أصير أنا نفسي مرفوضًا؟[4] فإن لم يكن هناك أى شئ آخر، فعلى الأقل لأجل هذا كان يجب أن يرغب في الإنطلاق، حتى وإن كانت الحياة الحاضرة مليئة بالخيرات الكثيرة، فعلى الأقل لأجل المسيح المشتاق إليه كان ينبغي أن يفضِّل هذا الإنطلاق.

   يا لهذه الروح التي للقديس بولس! لا يوجد لها مثيل، ولن يكون. أتخاف المستقبل، وتعاني آلامًا كثيرة، ولا تريد أن تكون بجانب المسيح؟ يجيب بلا، فإن أبقى في الجسد فهو لأجل المسيح، كي أجعل هؤلاء الذين صيّرتهم عبيدًا له، أكثر حبًا له، وحتى أجعل الحقل الذي زرعته يأتي بالثمر. ألم تسمع إني لم أطلب ما لنفسي، وإنما ما هو لمنفعة الآخرين؟ ألم تسمع، أني كنت أود لو أكون محرومًا (من المسيح)، من أجل أن يأتي الكثيرون للمسيح؟ فمن اختار هذه (المتاعب)، ألا يختار بالأحرى أن يبذل نفسه فرحًا بهذا التأخير والتأجيل، حتى يخّلص الآخرين؟

   من يتّكلم بأعمالك العظيمة أيها الرب[5]، لأنك لم تترك بولس دون أن تُظهره، لأنك قدَّمت للعالم مثل ذلك الرجل؟ لقد سبَحتَّك كل الملائكة معًا، حينما خَلَقْتَ النجوم[6]، وحينما خَلَقْتَ الشمس، ولكن حينما أظْهَرْتَ بولس للعالم أجمع كان تسبيحهم أعظم. بواسطته صارت الأرض أكثر ضياءًا من السماء، لأنه أبهى من ضوء الشمس، وأبهى من إشراقها، وأكثر لمعانًا من أشعتها. فكم يكون مقدار الثمر الروحي الذي قدمه لأجلنا، فالأمر لا يتعلق بزيادة في سنابل القمح ولا بزراعة الرمان، وإنما بإنتاج وإنضاج ثمر البر، وحينما نسقط في أخطاء فدائمًا ما يسترّدنا. بينما لا تقدر الشمس أن تفيد الجزء الذي فسد من الثمر مرة واحدة، إلاّ أن بولس دَعا هؤلاء الذين كانوا في فساد مضاعف أن يتركوا خطاياهم. ورغم أن الشمس تفسح مجالاً لظلام الليل، إلاّ أن بولس كان له سلطان ألا يفسح مجالاً لظلمة أعمال الشيطان.

   لا شئ كان يمكن أن يقهر ذلك القديس، أو أن يسود عليه. فبينما كانت (الشمس) تُرسل من العلو أشعتها إلى الأرض، كان هذا الطوباوي يشرق من أسفل، ويملأ بالنور ليس فقط ما بين السماء والأرض، بل أنه كان بمجرد أن يفتح فاه، يغمر الملائكة بالفرح العظيم. لأنه إن كان هناك فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، فكيف لا يملأ ق. بولس القوات السمائية بالفرح وهو الذي جذب الكثيرين بعد سماعهم له لأول مرة؟ ماذا أقول؟ فإنه يكفي فقط أن يتكلم بولس، والسموات تثب وتفرح. فإن كانت الجبال قد قفزت مثل الكباش حينما خرج الإسرائيليون من مصر[7]، فكم تظن حجم الفرح حينما انتقل البشر من الأرض إلى السماء؟ لأجل هذا يقول إن بقائي بالجسد في هذه الحياة الحاضرة، لهو أكثر إحتياجًا لأجلكم.

أي عذرٍ لنا؟ قد يحدث أن يرغب الإنسان في مرّات عديدة أن يعيش في مدينة صغيرة وفقيرة، ولا يرغب في أن ينتقل لمكان آخر، وإنما يفضّل هدوءه الخاص. إن ق. بولس كان يشتهي أن ينطلق ويكون مع المسيح، الذي كان يشتاق إليه كثيرًا، لكنه لم يفعل ذلك، حتى يتمم عمله مع أخوته. لذلك كان يمكن أن يقبل حتى الجحيم (أي الحرمان من المسيح)[8] لذا بقى في الجسد، كي يجاهد من أجل كل الناس. فأي عذر لنا؟ فهل يجب إذًا أن نذكر ق. بولس هكذا ببساطة؟ فلاحظ ماذا فعل. بيَّن أنه من الأفضل أن ينطلق، وحتى لا يشعر بالأسى، أشار إلى أنه وحتى إن بقى في هذه الحياة فذلك لأجل منفعة إخوته. ولكي يقنع هؤلاء بما يفعل، فإنه أورد السبب وكأنه يقول : إنني بالتأكيد سأبقى في الحياة، إن كان هذا ضروريًا، لا مجرد أن أبقى، وإنما سأبقى معكم. لأن ذلك هو ما يعنيه بقوله ” أبقى مع جميعكم “، بمعنى أنني سأراكم. ولأي سبب؟ ” لأجل تقدّمكم وفرحكم في الإيمان “. هنا أيضًا هو ينهضهم حتى يلاحظوا أنفسهم. فيقول إنه إن بقيت فهذا لأجلكم، فانتبهوا لا تخزوا بقائي بينكم. فبينما كنت بصدد الإنطلاق لرؤية المسيح، إلاّ أنني اخترت أن أبقى في الحياة الحاضرة، ولأن حضوري سيساعدكم في الإيمان وفي الفرح، فقد اخترت أن أبقى لأجل تقدّمكم. ماذا إذًا؟ هل بقى (ق. بولس) فقط لأجل الفيلبيين؟ لم يبق لأجلهم، وإنما يقول هذا كي يظهر الإهتمام بهم. فكيف كان ممكنًا أن يتقدّموا نحو الإيمان؟ فبقائه كان لأجل أن يثبتوا أكثر، مثل صغار الطير التي لها حاجة للأم، حتى تقوى أجنحتها. هذا برهان على محبته الكبيرة. هكذا نحن أيضًا نُنهض البعض، حينما نقول لشخص إنني بقيت لأجلك، كي أجعلك إنسانًا صالحًا.

لكي يزداد افتخاركم في المسيح يسوع فيّ بواسطة حضوري أيضًا عندكم “. أرأيت كيف أن عبارة ” أبقى مع جميعكم ” تعني هذا المعنى؟ لاحظ تواضعه. فبقوله “لأجل تقدّمكم ” يبيّن أنه يهدف إلى فائدته هو أيضًا. هذا ما يفعله أيضًا حينما يكتب لأهل رومية قائلاً: ” أى لنتعزى بينكم ” بعد أن سبقها بالقول ” لكي أمنحكم هبة روحية[9]. وماذا يعني ” لكي يزداد افتخاركم “؟ فإن ذاك الإفتخار، هو أن يكونوا ثابتين في الإيمان، لأن ذلك هو الافتخار في المسيح؛ أن يعيش أحد بإيمان ثابت.

افتخاركم فيَّ بواسطة حضوري أيضًا عندكم “. يقول ” لأن من هو رجاؤنا واكليل افتخارنا أم لستم أنتم أيضًا [10]. ” إننا فخركم كما أنكم أيضًا فخرنا[11] بمعنى أنني أستطيع أن أفتخر بكم أكثر. كيف؟   ” لكي يزداد افتخاركم “. أستطيع أن أفتخر كثيرًا جدًا، حينما تتقدّمون. ” بواسطة حضوري أيضًا عندكم ” ماذا إذًا؟ هل أتى لهؤلاء؟ ابحثوا أحقًا هكذا؟

يقول ” فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح [12]. أترى كيف أنه قال كل شئ لأجل هذا؛ لكي يحضّهم على اقتناء الفضيلة؟ ” فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح “. ماذا يعني بكلمة “فقط”؟ أي أن هذا هو الذي تطلبونه فقط، ولا شئ آخر، إن وُجد، فلن يحدث لنا أي شئ مؤلم.

حتى إذا جئت ورأيتكم، أو كنت غائبًا أسمع أموركم ” يقول هذا لا كمن غّير هدفه، ولا كان قصده أنه سيزورهم، وإنما يقول إذا حدث هذا، وحتى وإن كنت غائبًا أستطيع أن أبتهج. حين ” أسمع أنكم تثبتون في روح واحد. بنفس واحدة “. فإن هذا، قبل كل شئ آخر، هو ما يوّحد المؤمنين ويحفظ المحبة كاملة، ليكونوا واحدًا.      ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب[13]. لأجل هذا فإنه في كل موضع يعطي نصائح كثيرة لأجل الوحدة. كما يقول المسيح له المجد: ” بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حب بعضًا لبعض[14]. وهذا يعني ألاّ تبقوا ساكنين منتظرين حضوري آملين مجيئي، لأنه حينما تفكرون في عدم مجيئي، تتفككون. فإنني أستطيع أن أفرح بطريقة مماثلة عن طريق سماع أخباركم أيضًا.

ماذا يعني “بروح واحد”؟ أي بهذه النعمة؛ نعمة التوافق، وموهبة حسن الإستعداد. لأن الروح واحد، وهو يبيّن أنه بالتأكيد يمكن أن نقف بنفسٍ واحدةٍ؛ حينما يكون لنا جميعًا روح واحد. انظر إلى كلمة “واحد” لقد قيلت لكي توضح معنى التوافق. انظر فإن الأنفس الكثيرة تُدعى واحدًا. هكذا كان العصر الرسولي الأول، كما هو مكتوب     ” وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة[15].

مجاهدين معًا لإيمان الإنجيل[16]. فهل يقصد إذًا بقوله مجاهدين للإيمان أنهم يتصارعون فيما بينهم؟ هل كانوا حقًا يتصارعون فيما بينهم؟ ما يقوله هو أن يسند كل واحد الآخر في جهادهم لإيمان الإنجيل.

غير مخوفين بشئ من المقاومين الأمر الذي هو لهم بيّنة للهلاك وأما لكم فللخلاص[17]. حسنًا استخدم كلمة مخوفين، لأن هذا هو ما يأتي من الأعداء، فهم فقط يُخيفون الآخرين. لذا يقول إن ما يفعله هؤلاء هو “لا شيء”، وحتى لو حدث أي شيء أو أية مخاطر، أو أية مكائد فإن كل هذا يحدث للذين يسلكون بإستقامة. أما المقاومون فإنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا عدا أنهم يسببون فقط الخوف لغيرهم. ولأنه كان من الطبيعي أن يضطَّرب هؤلاء لأن ق. بولس عانى آلامًا كثيرة، لذلك يكتب: لا أقول فقط لا تتزعزعوا، ولكن أيضًا ألا ترتعبوا، بل أن لا تهتموا بهؤلاء (الأعداء) إطلاقًا. لأنكم إن سلكتم هكذا سيكون هذا، ليس فقط سببًا في خلاصكم بل أيضًا برهانًا على هلاكهم. فحينما يَرون أنهم بحيلهم التي لا تحصى عاجزون أن يخيفونكم، يحسبون هذا برهان هلاكهم. لأنه حينما لا يتغلب المضطهدون على من يضطهدونهم، ولا الذين يدبِّرون المكائد ضد من يكيدون لهم، ولا أصحاب السلطان على من هم تحت سلطانهم، فإن هذا سيُظهر لهم أنهم سيهلكون، وأنهم لا يقدرون على شئ، وأن كل ما لديهم باطل، وكل ما لأولئك هو حق.

لأنه وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضًا أن تتألموا لأجله[18]. مرّة أخرى يعلّمهم أن يكونوا متواضعين، بأن ينسبوا كل شئ إلى الله قائلاً: إذا تألم أحد لأجل المسيح فهذا معناه أنه ينال نعمة وهبة وعطية. فلا تخجلوا إذًا، لأن هبة التألم لأجل المسيح هي حقًا هبة أكثر إعجازًا من إقامة الموتى، وأن يصنع العجائب. لأن في حالة من يُقيم الموتى سيكون هو المَدين[19]، أما في حالة الألم لأجل المسيح، فالمسيح نفسه هو المَدين. ولذلك يجب علينا ليس فقط ألا نخجل، وإنما أن نبتهج أيضًا لنوال هذه العطية.

إنه يدعو الفضائل هبات، ولكنها ليست كتلك الهبات الأخرى، لأن تلك تأتي بالكامل من الله، أما هذه فتتوقف علينا أيضًا. ولكن لأنه في هذه الحالة أيضًا يتوقف الجزء الأهم على الله، لذا يقول إن الله هو الذي يمنح كل شئ، دون أن يمحو بذلك دور الإرادة الشخصية، وإنما قال هذا كي يدّرب هؤلاء أن يكونوا متواضعين وحكماء.

إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيَّ[20] أي عندكم المثال. وهنا ينهضهم مرة أخرى، لأنه يُظهر لهم في كل موضع أن جهادهم، مثل جهاده. وكفاحهم نفس كفاحه، حتى إذا لم يكونوا معه، وبهذا اتحدوا معه محتملين كل التجارب. لم يقل سمعتم وإنما “رأيتم”، بسبب كونه جاهد هناك في فيلبي[21].

بالتالي فإن هذه (احتمال الآلام) هى فضيلة عظمى. لذلك يكتب لأهل غلاطية قائلاً ” أهذا المقدار احتملتم عبثًا؟ إن كان عبثًا! “[22]. وبالمثل يكتب إلى العبرانيين فيقول: ” تذكروا الأيام السالفة التي فيها بعد ما أنرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة من جهة مشهورين بتعييرات وضيقات ومن جهة صائرين شركاء الذين تُصرَّف فيهم هكذا[23]. ومن ناحية أخرى يكتب إلى المكدونيين، أي إلى التسالونيكيين قائلاً: ” لأنهم هم يخبرون عنا أي دخول كان لنا إليكم“، وأيضًا ” لأنكم أنتم أيها الأخوة تعلمون دخولنا إليكم أنه لم يكن باطلاً[24]. وبنفس الطريقة يشهد أمام الجميع بنفس الشئ أي الكفاح والجهاد. غير أن هذا الجهاد والكفاح يتخذ صورة أخرى، فكثيرون يفضلون التعب من أجل الحصول على الأموال أما من يكتب إليهم الرسول فلهم موقف آخر تجاه المال لهذا يكتب للبعض: ”  وقبلتم سلب أموالكم بفرح[25]، ولآخرين يقول إن ” أهل مكدونية وأخائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعًا للفقراء [26]، وأيضًا “وغيرتكم قد حرّضت الأكثرين[27].

أرأيت المديح الذي يوجهه لرجال ذاك العصر؟ أما نحن الآن فلا نتحمل ولا حتى أي لطمات، أو جراح، أو تعيير، أو خسارة أموال. لقد كان أولئك غيورين مستجيبين لاحتياجات الآخرين بسرعة، ومجاهدين كشهداء، أما نحن فننموا في محبتنا للمسيح بفتور. مرة أخرى أضطَّر أن أوبخ أمورًا حاضرة. ولِمَ أقول هذا؟ لم أُرِد ذلك، وإنما اضطَّر لهذا. لأنه إن كان ممكنًا أن أمحو ما حدث بالصمت، لكان من الواجب أن أصمت، ولكن إن كانت (تلك الشرور) لا تُمحى بصمتي، وإنما تصبح بالحري أسوأ، فمن الضروري أن أتكلّم. لأن الذي يوبخ الخطاة، حتى وإن لم ينجح في أي شئ آخر، فإنه يعوقهم عن أن تسوء حالتهم أكثر. لا يوجد أحد بالطبع يصل إلى هذه الدرجة من السفه أو الطيش حين يسمع باستمرار نقد الآخرين له ولا يخجل، أو لا يهجر شروره الكثيرة. في الواقع يوجد لدى هؤلاء أيضًا مقدار ضئيل من الخجل، لأن الله قد زرع الخجل في طبيعتنا. لأنه بالتأكيد لم يكن كافيًا أن يوجِّهنا الله بالخوف، فأعد طرقًا أخرى كي نتجنّب الخطية، مثل التأنيب، والخشيّة من النواميس الموضوعة، والرغبة القوّية في نوالنا الصيت الحسن، والحاجة إلى تكوين صداقات. كل هذه وُجدت حتى لا نخطئ. ولهذا فإنه في كثير من الأحيان هناك أشياء لا نفعلها بسبب مخافة الله، بل بسبب الخجل أو بسبب الخوف من البشر. مع إنه من الواجب هو أن نحرص على ألاّ نخطيء، وأن نفعل ذلك لأجل مخافة الله لا بسبب الخوف أو الخجل من البشر.

إذًا لماذا ينصح القديس بولس هؤلاء الذين كانوا بصدد النيل من الأعداء، بانتظار المجازاة (الإلهية) لهم، وليس مجرد الخوف من الله، عندما كتب قائلاً “ لا تنتقموا لأنفسكم“؟ الرد يأتي في قوله: “لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه [28]. فهذا ما يريده ق. بولس في المرتبة الأولى، أي بلوغ الفضيلة. ما أقوله إذًا هو أنه يوجد شئ من الخجل بداخلنا، ولدينا الكثير من الميزات الطبيعية كي نربح الفضيلة، فنحن ننقاد بطبيعتنا مثل كل البشر لفعل الرحمة، وليس هناك شئ آخر يتصف بالصلاح، يلازم هكذا طبيعتنا أكثر من الرحمة. لأجل هذا فإنه من المناسب أن يتساءل المرء لماذا زُرعت هذه الفضيلة على الأخص في طبيعتنا، والتي بها نرِّق ذارفين الدموع ونتأثر ونكون مستعدين للشفقة. فمع إنه لا يوجد أحد متوانٍ بحسب الطبيعة ولا يوجد أحد بطبيعته لا يزهو، كما إنه لا يستطيع أحد بالطبيعة أن يهزم الغيرة، لكن الرحمة موجودة في طبيعة كل واحد، وسواء كان الشخص عنيفًا أو قاسيًا. فما العجيب في ذلك؟ فنحن نترأف على الوحوش، هكذا هي غنية الرأفة الموجودة بداخلنا، حتى لو إننا رأينا شبل أسد، فنحن نتأثر بقدر ما، ولكننا نتأثر ونشفق بالأكثر لأجل بني جنسنا.

انظر إلى عدد المُقعدين، وهذا كافٍ في حد ذاته أن يقودنا للشفقة. فلا يوجد ما يفَّرح الله أكثر من الرحمة. لذلك فإن الكهنة يُمسحوا بالزيت، كذلك أيضًا الملوك والأنبياء، لأنه رمز لمحبة الله للبشر. بالإضافة لذلك ليكن معلومًا أن الحاكم يجب أن يتمتع بأكبر قدر من الرحمة على المحكومين، ومن هنا يتضح أنه بسبب رحمة الله يسكن الروح القدس في الإنسان، لأن الله يرحم البشر ويحبهم. فيقول ” لكنك ترحم الجميع لأنك قادر على كل شئ[29]. لأجل هذا فهم يُدهنوا بالزيت. كما أنه من مراحم الله علينا أنه دبر لنا سر الكهنوت. وإذا أراد أحد أن يمدح حاكمًا فلن يقول شيئًا يناسبه أكثر من وصفه بالرحمة، لأن الرحمة هى من الصفات التي يجب أن يتمتع بها مَن يكون في السلطة. لنتذّكر أن العالم قد خُلق بسبب رحمة الله ولنتمثل بالمكتوب ” رحمة الإنسان لقريبه، أما رحمة الرب فلكل ذي جسد[30]. كيف تكون الرحمة لكل ذي جسد؟ هل ستكون للخطاة والأبرار؟ نعم، فنحن جميعًا نحتاج لرحمة الله، وكلنا نتمتّع بها، سواء كان هذا الإنسان هو بولس، أو بطرس، أو يوحنا. فاسمع ما يقوله أحدهم، ولا حاجة لكلامي. ماذا يقول إذًا المطوب بولس؟ ” ولكنني رُحمت لأني فعلت بجهل[31].وعندما يصف حاله بقوله ” أنا تعبت أكثر منهم جميعهم. ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي[32] فهل يمكن أن تكون هناك رحمة أكثر من هذا؟ وعن أبفرودتس يقول: ” فإنه مرض قريبًا من الموت لكن الله رحمه وليس إياه وحده بل إياي أيضًا لئلا يكون لي حزن على حزن[33]. وأيضًا: ” أننا تثقلنا جدًا فوق الطاقة حتى أيسنا من الحياة أيضًا. لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متَّكلِـين على أنفسنا بل على الله. الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي[34]. وأيضًا: ” فأُنقذت من فم الأسد. وسينقذني الرب[35]. وهكذا في كل موضع نجد بولس يفتخر بأنه خَلُصَ بمراحم الرب.

كما أن هذه الرحمة تظهر في حديث الرب مع بطرس عندما قال له: ” هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك[36]. وأيضًا مع يوحنا، وكل الرسل يُظهر المسيح له المجد هذه الرحمة. فاسمعه وهو يقول: ” ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم[37].

إذًا فالجميع بحاجة لرحمة الله كما هو مكتوب ” أما رحمة الرب فلكل ذي جسد “. فإن كان هؤلاء الذين أشرنا إليهم بحاجة لرحمة الله، فماذا سيقول المرء عن بقية البشر؟ فقل لي لماذا تشرق الشمس بلا تفرقة على الأشرار والأبرار؟ وماذا كان سيحدث، لو أن المطر قد أُمسك لمدة عام فقط؟ ألا يصيب الجميع الدمار، وماذا لو أمطرت مطرًا غزيرًا؟ وماذا لو أمطرت نارًا، وماذا لو ألقى ذبابًا؟ لماذا أقول هذا الكلام؟ إذا حل الظلام، كما حدث في وقت ما، أفلا يهلك الجميع؟ إذا أفنى الأرض، أفلا يفنى الكل؟ ” فمن هو الإنسان حتى تذكره[38]. إن الفرصة الآن مناسبة كى نقول إنه إن أهلك الله الأرض فقط، فسيصير كل شئ قبرًا. كما يقول: ” هوذا الأمم كنقطة من دلو كغبار الميزان تُحسب[39]. فكما أنه سهل علينا أن نحرك فوهة الميزان، هكذا فإنه في متناول الله أن يُهلك كل الأشياء، وأن يخلقها مرة أخرى. إذًا فذاك الذي يسود علينا بكل هذا السلطان العظيم، ويرانا كل يوم نخطئ دون أن يعاقبنا، أليست هذه رحمة أنه يُبْقِى علينا؟ فالحيوانات هى الأخرى موجودة بسبب رحمته، ” الناس والبهائم تُخلِّص يا رب[40].

فلأي سبب نظر إلى الأرض وملأها بالكائنات الحيّة؟ لقد فعل هذا لأجلك. فلماذا إذًا جبلك أيها الإنسان؟ ذلك بسبب صلاحه. لا شئ يفوق الرحمة، إنها سبب النور هنا وفي الحياة الأخرى. هكذا يقول النبي، إن صنعت رحمة لقريبك، ” حينئذٍ ينفجر مثل الصبح نورك[41]. وكما أن الزيت يمنح الضوء، هكذا فإن الرحمة تمنحنا نورًا عظيمًا مبهرًا، في الحياة الأبدية.

لقد تكلّم ق. بولس كثيرًا عن الرحمة. فاسمعه حينما يقول: ” غير أن نذكر الفقراء[42]، ومرة أخرى يقول: ” وإن كان يستحق أن أذهب أنا أيضًا [43]. وفي كل مكان، في كل المواضع ترى اهتمامه بنفس الشئ. وأيضًا ” وليتعلّم من لنا أيضًا أن يمارسوا أعمالاً حسنة [44]. ويقول أيضًا: ” فإن هذه الأمور هى الحسنة والنافعة للناس[45]. واسمع في موضع آخر القول: ” الصدقة تنجي من الموت[46]. إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيد فمن يقف ” وأيضًا ” لا تدخل في المحاكمة مع عبدك[47]. ” عظيم هو الإنسان “، لماذا؟ ” وأمين الإنسان الرحيم[48]. فذلك هو الإنسان، رحيم. وبالحري الله، هو الرحمة ذاتها. أرأيت مقدار قوة الرحمة التي لله؟ فهذه صنعت كل الأشياء، خلقت العالم، الملائكة، هذا من أجل الصلاح وحده. لأجل هذا توعّدنا بالجحيم حتى نفوز بملكوت السموات، فبسبب رحمة الله نفوز بهذا الملكوت. أخبرني لماذا فضّل الله أن يخلق كل هذا العدد من البشر؟ أليس بسبب صلاحه؟ أليس بسبب محبته للبشر؟ فإذا سألت لماذا يحدث هذا وذاك، فدائمًا ستجد الإجابة إنه بسبب صلاح الله.

لنرحم الأقرباء كي ما نُرحم نحن أيضًا. فنحفظ هذه الرحمة لنا في يوم الدينونة أكثر مما قدمناه لهؤلاء (الأقرباء)، حينما يكون لهيب النار عظيمًا، فإن هذا الزيت (الرحمة) سيخمد النار، ويكون نورًا لنا. هكذا نُنقذ من نار جهنم، لأنه من أين سيحنو علينا ويرحمنا؟ الرحمة نتاج المحبة. فلا شئ يُغضب الله أكثر من أن يكون المرء غير رحيم. فالذي قدّموا إليه مديون بعشرة آلاف وزنة، تحنّن عليه وترك له الدين، ولذاك المديون كان هناك من العبيد رفقائه مديونًا بمئة دينار، فأمسكه وأخذ بعنقه، لأجل هذا سلّمه السيد لأولئك المعذبين كي يعاقبوه، حتى يوفي كل ما كان له عليه من دين[49]. فلنكن رحماء عند سماع هذا الكلام نحو المديونين لنا بالمال أو بالإساءة إلينا. ولا يكن أحد حافظًا للإساءة، إن كان حقًا لا يرغب في أن يسيء إلى نفسه، ويسبب بأفعاله حزنًا شديدًا لذاك (المديون). لأن ذاك إما أن يُعاقَب أو لا يُعاقَب، أما أنت فدون أن تغفر خطايا قريبك تطلب ملكوت السموات؟ لذا فلئلا نتألم، فلنغفر للجميع، وبذلك نغفر لأنفسنا. وأيضًا فلنغفر حتى يغفر الله لنا خطايانا، وبذلك نفوز بخيرات الحياة الأبدية، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس، المجد والعزة والكرامة الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين.

 

+ + + + + + +

[1]  في22:1ـ26.

[2]  2كو4:6ـ6، 24:11ـ26.

[3]  غلا4:5.

[4]  1كو27:9.

[5]  مز2:106 ” من يتكلم بجبروت الرب “.

[6]  عندما ترنمت كواكب الصبح معًا وهتف جميع بني الله ” (أى7:38).

[7] مز4:114.

 [8] من الواضح أن مرجع القديس يوحنا ذهبي الفم في هذا الكلام ما جاء أيضًا على لسان ق. بولس: ” فإني كنت أود أن أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد ” رو3:9.

[9]  رو12:1، 11.

[10]  1تس19:2.

[11]  2كو14:1.

[12]  في27:1.

[13]  مت25:12.

[14]  يو35:13.

[15]  أع32:4.

[16]  في27:1.

[17]  في28:1.

[18]  في29:1.

  [19] كلمة مَدين هنا تعني إنه مديون لله الذي منحه هذه الموهبة.

[20]  في30:1.

[21]  راجع أع16:16ـ40.

[22]  غلا4:3.

[23]  عب32:10ـ33.

[24]  1تس9:1، 1:2.

[25]  عب34:10.

[26]  رو26:15.

[27]  2كو2:9.

[28]  رو20:12.

[29]  الحكمة 24:11.

[30]  يشوع بن سيراخ 12:18.

[31]  1تي13:1.

[32]  1كو10:15.

[33]  في27:2.

[34]  2كو8:1ـ10.

[35]  2تي17:4ـ18.

[36]  لو31:22ـ32.

[37]  يو16:15.

[38]  مز4:8.

[39]  إش15:40.

[40]  مز6:36.

[41]  إش8:58.

[42]  غلا10:2.

[43]  1كو4:16 يتكلم هنا على مقدار ما سيحملونه من احسانات، فسيرسل أشخاصًا لحمل هذه الاحسانات لأورشليم، وإن كان يتطلب فسيذهب هو أيضًا.

[44]  تي14:3.

[45]  تي8:3.

[46]  طوبيا 9:12.

[47]  مز3:130.، 2:143.

[48]  أم6:20س.

[49]  انظر مت23:18ـ25.

 

رسالة فيلبي ع5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس 

رسالة فيلبي ع4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

العظة الرابعة

 

    ” وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا. لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطَلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ[1].

 

   لا شئ من الأشياء المؤلمة في هذه الحياة الحاضرة يستطيع أن يُحزن النفس الشامخة والحكيمة، لا العداوات، ولا الاتهامات، ولا الوشايات ولا المخاطر أو المكائد. لأن كل مَن يلجأ إلى قمة جبل عالٍ لا يستطيع أحد ممن يصعدوا إليه من أسفل، من الأرض أن يلحق به. هكذا كانت نفس بولس الرسول، التي احتلت مكانًا أعلى من كل قمم الجبال، هذه هي  الحكمة الروحية، الحكمة الحقة. لأن تلك (الحكمة) التي للوثنيين، هى مجرد كلام ولهو أطفال. لكن الكلام الآن ليس هو كلامهم، بل هو كلام الرسول بولس الذي سنهتم به أولاً. فإن ذاك المطوّب كان ضده أعداء كثيرين بالإضافة للإمبراطور وكل منهم يكدره بطريقة مختلفة وبوشاية مُرة. فماذا يقول؟ أنني لا أحزن لهذا وليس هذا فقط، بل ولن أفقد شجاعتي، ولكنني أفرح وسأفرح لأجل هذا الأمر، لا لفترة محدودة ولكنني سأفرح على الدوام ” لأني أعلم أن هذا يؤول إلى خلاص “، (الخلاص) الآتي، لأن العداوة والحسد ضدي يعززان أيضًا البشارة بالإنجيل.

   “بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح، حسب إنتظارى ورجائي“. انتبه لتواضع ذلك الرجل المطوّب. يجاهد كل هذا الجهاد، وهو الآن يدنو من إكليله، وقد حقّق الكثير، ذاك الذي نال الخلاص خلال إنجازاته العديدة، يكتب للفيلبيين ويقول إنه بسبب طلبتكم أستطيع أن أخلص، هذا هو بولس. إذًا هل يستطيع المرء أن يضيف شيئًا لذلك؟ ويضيف ” ومؤازرة روح يسوع المسيح “. بمعنى أنه إذا كنت أعتبر نفسي أني مستحق لصلواتكم، فسأكون مستحقًا أيضًا لنعمة أكثر. لأن كلمة “مؤازرة” تعني الآتي: أن تُمنح، أو أن تُعطي لي نعمة الروح بغزارة. لقد كان يقصد بقوله “إلى خلاص”، تحرره من القيود، بمعنى أنه سينجو أيضًا من الخطر الحاضر، كما حدث في الخطر الأول. وبخصوص هذا الأمر يقول ” في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي لا يحسب عليهم. ولكن الرب وقف معي وقواني [2]. هكذا إذًا يتنبأ الآن ” بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح، حسب انتظاري ورجائي “. فإني لهذا أترجى. ولكي لا نعتمد على صلوات الآخرين فقط، دون أن نقدم نحن أية مساهمة فلاحظ كيف يشارك هو شخصيًا. إن الرجاء سبب كل الخيرات، كما يقول النبي ” لتكن يا رب رحمتك علينا حسبما انتظرناك “[3]. هذا ما يقوله أيضًا في موضع آخر ” انظروا إلى الأجيال القديمة وتأملوا. هل توكل أحد على الرب فخزي[4]. وأيضًا فإن المطوّب بولس يقول في موضع ثانٍ ” والرجاء لا يخزى “[5]. هذا هو رجاء بولس، رجاؤه بأنه لن يُخزى في شئ.

   أترى كيف يرجو الله؟ وأنه مهما حدث، لن يُخزى، بمعنى أن هؤلاء لن يقووا عليّ. ” بل بكل مجاهرة كما في كل حين، كذلك الآن (أيضًا) يتعظَّم المسيح في جسدي “. هؤلاء ربما انتظروا من خلال هذا الفخ أن يقضوا على ق. بولس، ويطفئوا الكرازة بالإنجيل، كما لو كان لمكرهم قوة. لذا يقول (ق. بولس) إن هذا لن يحدث، فلن أموت الآن، لكن: ” كما في كل حين، كذلك الآن يتعظّم المسيح في جسدي ” كيف يكون هذا؟ يقول لقد واجهت مخاطر مرات عديدة،   و” كان لنا في أنفسنا حكم الموت “. لكن الله أنقذنا من كل المخاطر. هكذا الآن أيضًا سيتعظَّم في جسدي. ماذا إذًا؟، ولكي لا يقول أحد: ألا يتعظم الرب، لو أنك أجتزت الموت، يقول نعم أعرف هذا. لذا لم أقل، إن الحياة فقط ستُمجّد الله، وإنما الموت أيضًا. في الحالة الأولى: أي حالة بقائي في هذه الحياة، سيتمجد الله في حياتي، وإذا حدث أن هددوني بالموت، فإنه ولا الموت أيضًا سيجعلني أن أنكره، لأنه سبق أن وهبني استعدادًا هذا مقداره، وجعلني أقوى من الموت. وهذا يعني إنه إذا ما بقيت حيًا يكون قد خلّصني من المخاطر، وإذا تعرضت للموت، فلن يجعلني هذا أخاف قوة الموت. هكذا سيتعظم المسيح في حياتي وفي مماتي أيضًا.

   من ناحية أخرى يقول هذا، لا كمن هو مُقدِم على الموت، ولكن كي لا يصيبهم أي شئ على المستوى الإنساني، حينما ينتقل. فكونه قد قال هذا لا يعني أنه مُقدِم على الموت، وهو الشئ الذي كان سيحزنهم بشدة، فلاحظ كيف يشير إلى ذلك، تقريبًا نجده يقول: هذا الذي أقوله، ليس أنني مُقدِم على الموت. لأجل هذا يتقدّم مضيفًا ” فإذ أنا واثق بهذا أعلم أني أمكث وأبقى مع جميعكم[6].

   يقول ” لا أخزى في شئ “، أى كونه سوف يموت لا يحمل له هذا أى خزي، بل على العكس، يحمل له ربحًا كبيرًا. لكن لأي سبب يقول هذا؟ بسبب أنه سيترك هذه الحياة، ولكنه سيكون أكثر مجدًا مما لو كان باقيًا فيها. لأن هناك فرق بين أن تحتقر الموت وأنت تثق في الحياة الأبدية، وبين أن تحتقره وأنت تترجى الحياة الحاضرة فقط. ولذلك يقول فإنه ولا حتى موتي الآن يسبب لي خزيًا، ومع ذلك فإنني لن أموت الآن. ” لا أُخزى في شئ “، سواء كان بحياة أم بموت، فالاثنان سأتحملهما ببسالة، أن أبقى حيًا، أو أن أموت. حسن فإن هذه هى سمة النفس المسيحية. حيث يقول “ بكل مجاهرة“.

أرأيت كيف أنني لا أخزى؟ لأنه لو كان الخوف من الموت يمنع عني الشجاعة، لكان الموت يستحق الخزي، أما لو كان الموت لا يسبب بمجيئه أي خوف، فإن هذا لا يُعد خزيًا. ولكن أيضًا أن أبقى في الحياة فلا أُخزى، لأنني أكرز ببشارة الإنجيل. وأيضًا الموت لا يُسبب لي خزي، لأن الخوف من الموت لا يتملكني، ولكنني مستمر في إظهار نفس الشجاعة. إذًا لا تعتبروا ذِكْري للقيود أنه خزي. فقيودي قد صارت سببًا لخيرات كثيرة، لأنني قد أعطيت أيضًا شجاعة لآخرين. لأن الخزي ليس في أن يُقيد شخص لأجل المسيح، ولكن في خوفه من هذه القيود، وفي خيانته للمسيح بسبب خوفه هذا. وعندما يهرب الخوف تصير هذه القيود مصدرًا للشجاعة. فربما بسبب أنني نجوت من المخاطر في مرات كثيرة يمكنني الافتخار بهذا أمام غير المؤمنين، أما الآن إذا لم أنجو من المخاطر فهل تظنون أني أُخزى؟ الحقيقة إن هذا الأمر لا يجعلكم أقل شجاعة. لاحظ كيف أنه يتحدّث عن تجربته الشخصية، الأمر الذي سبق وأن قاله مرات عديدة، كما حدث في رسالته إلى أهل رومية، إذ يقول:    ” لأني لست أستحي بإنجيل المسيح[7]. تمامًا كما أشار إلى ذلك في رسالته إلى الكورنثيين قائلاً: ” فهذا حولته تشبيهًا إلى نفسي وإلى أبلوس[8].

   ” سواء كان بحيوة أم بموت “. لم يقل هذا لأنه لا يعرف إن كان المسيح سيتعظم في حياته أو في موته، فهو يعرف بالتأكيد أنه لن يموت في ذلك الوقت، لكنه أيضًا يُريد إعدادهم مسبقًا لهذا الأمر.

   ” لأن لي الحياة هى المسيح والموت هو ربح[9]. لأجل هذا فإنه يقول إن موتي لا يعني إنتهاء حياتي، لأني حيّ بالمسيح، لأنهم إن كانوا يقدرون أن يسلبوا إيماني عن طريق الخوف ـ لكان يمكنهم بذلك فقط أن يميتوني. لكن طالما أن المسيح معي، فحتى إن جاء الموت فأنا حيّ. ومن جهة الحياة الحاضرة، فهى لا تمثل لي الحياة الحقيقية، وإنما حياتي الحقيقية هى في المسيح ” فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان[10] (إيمان ابن الله). هذا ما أقوله هناك أيضًا ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا في “. هكذا يجب أن يكون المسيحي. ما يقوله ق. بولس إنني لا أحيا الحياة الطبيعية. وكيف لا تحيا أيها المطوب بولس هذه الحياة؟ ألا ترى الشمس؟ ألا تتنفس نفس الهواء الذي يتنفسه الكل؟ ألا تقتات بنفس الطعام الذي يقتات به الكل؟ ألا تمشي فوق الأرض، كما نحن أيضًا؟ أليس لك حاجة للنوم؟ أليس لك حاجة للملبس والحذاء؟ لماذا تقول لا أحيا؟ كيف لا تحيا؟

   لماذا تفتخر؟ نحن نعلم أنه لا يقول هذا بقصد الإفتخار. لأنه إن لم تشهد له عذاباته وآلامه، فإنه حقًا كان يمكن لأحد أن يقول إن هذه كلمات افتخار، أما إذا كانت هذه الأحداث قد شهدت له فأين كلام الافتخار هذا؟ لنرَ إذًا كيف لا يحيا. لأنه يقول في موضع آخر ” قد صُلب العالم لي وأنا للعالم[11]. فكيف يقول إذًا ” لا أحيا أنا “، وكيف يقول أيضًا ” لأن لي الحياة هى المسيح “؟ اسمعوا، إن كلمة حياة يا أحبائي تعني الكثير، كما هو بالضبط بالنسبة لكلمة موت. فهناك حياة الجسد، وحياة الخطية، كما أن بولس بنفسه يقول في موضع آخر     ” نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها؟[12]. بالتالي فإن هناك حياة الخطية يمكننا أن نحياها.

   انتبهوا جدًا من فضلكم، لئلا يكون جهدي باطلاً. هناك الحياة الأبدية، الحياة السماوية ” فإن سيرتنا هى في السموات[13]. وهناك حياة الجسد، والتي يقول عنها ” لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد[14]. إذًا فهو لا يطلب منا ألاّ نحيا الحياة الطبيعية العادية بل أن نرفض حياة الخطية التي يحياها البشر. فبولس الذي لا يريد الحياة الحاضرة، فبأي طريقة إذٍا يحياها؟ وإن كان يركض نحو الحياة الأخرى، بأي طريقة يعيش هذه الحياة؟ ومن كان يحتقر الموت، كيف يحيا هذه الحياة؟ وإن كان هو لا يرغب في أي شئ، بأي طريقة يحيا الحياة الحاضرة؟ لقد ظل بولس ثابتًا، تمامًا مثلما يحدث لحجر الماس، الذي بالرغم من أنه يتلقى ضربات عديدة، لكنه لا يتحول أبدًا عن طبيعته. ” لا أحيا أنا “؛ بمعنى ليس الإنسان العتيق يحيا فيّ بعد. وأيضًا في موضع آخر يقول ” ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت[15]. وإن كان لا يهتم إطلاقًا بالطعام أو الملبس أو بأي شئ آخر من خيرات العالم الحاضر فبأي طريقة إذًا يحيا؟ إنه لا يهتم حتى بأمور هذه الحياة الحاضرة، فإن هذا الذي لا يهتم أبدًا بإحتياجاته المعيشية، لا يحيا (بحسب الجسد). نحن نعيش الحياة الحاضرة، ونفعل كل شئ لأجل هذه الحياة، لكن ق. بولس لا يهتم بها. فلم يكن يهتم بأي شئ في هذه الحياة، فكيف كان يحيا إذًا؟ بالتأكيد ق. بولس لا يرفض الحياة الطبيعية، حيث يقول في موضع آخر ” فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي “[16]. أي أنني أعيش حياة جديدة مختلفة تمامًا.

   بالتأكيد كل هذا يقوله لأجل تعزية الفيلبيين. فلا تظنوا، كما يقول، أنني أُحرَم من هذه الحياة، لأنني حينما أعيش هذه الحياة، فإنني أحياها كما يريد المسيح. فهل يكون ذلك الذي يحتقر الملذات، وغير المهتم بالجوع والعطش، والمخاطر، والصحة، والأمان، يكون مهتمًا بهذه الحياة؟ وهل غير المتعلّق بأي شئ في هذه الحياة، ومَن يرغب باستمرار في أن ينطلق منها، هل يحيا هذه الحياة (حسب الجسد)؟ بالطبع لا. لابد أن أوضح لكم هذا. على سبيل المثال، لنفرض أن شخصًا غنيًا جدًا، وعنده خدم وذهب ولا يستخدم أي شئ من كل هذا، فهل مثل هذا يستمتع بذلك الثراء؟ أبدًا. وعندما يرى أولاده وهم يُبدّدون هذه الثروة، ويضلّون، وهو لا يهتم بشئ من كل هذا، ولا يحزن عليه، فهل نعتقد أنه يحيا في غنى، رغم امتلاكه هذه الثروة؟ بالطبع لا.

   ” لي الحياة هى المسيح “. يقول إن كنت ترغب في السؤال عن حياتي، فهذه الحياة هى المسيح. “الموت ربح” لماذا؟ لأنني سأكون بالحري مع المسيح بصورة أفضل، لذلك فإن موتي بالأحرى يعني أنني أحيا. فعندما يحكم علىّ هؤلاء بالموت، فهذا الحكم لن يسبب لي أية خسارة، لأنهم بهذا يقودونني إلى الحياة الحقيقية ويحررونني من الحياة الحاضرة، التي لا توافقني.

   ماذا نقول إذًا؟ وأنت موجود في هذه الحياة، ألا تحيا للمسيح؟ نعم أحيا للمسيح وبشكل فائق ” ولكن إن كانت الحياة في الجسد هى لي ثمر عملي فماذا أختار لست أدري[17]. فحتى لا يقول أحد: إذا كانت الحياة الحقيقية هى فقط الحياة الأبدية، فلأي سبب تركك المسيح أن تعيش هنا؟ يقول لأجل ثمر العمل الرسولي. بالتالي لئلا تظن أنه كان يمقت هذه الحياة، فإني أقول إنه من الممكن أن تستخدم أنت الحياة الحاضرة أيضًا دون أن تنحصر فيها، ودون أن تحياها كما يحياها الآخرون. لأنه إن كنا لا ننتفع مطلقًا بهذه الحياة، فلماذا لا نهجرها؟

   يقول ق. بولس إنه من الممكن للمرء أن ينتفع بهذه الحياة، إن كان لا ينحصر فيها، وإنما يتطلع إلى الحياة الأبدية. لكن ربما يتساءل المرء عن مدى النفع الذي يعود عليه من الوجود في هذه الحياة. يجيب ق. بولس: نعم هناك نفع، إذ أن مهمتي هى مقاومة الهراطقة. إذًا يجب أن ننظر إلى أن حياتي بالجسد هى من أجل تتميم العمل الرسولي.

   ” فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان[18]. لهذا فإن عملي يحقق ثمر. ” فماذا أختار لست أدري “. ياللعجب! ما أعظم حكمته (ق. بولس)، بأى وسيلة يطرد رغبة التمسك بالحياة الحاضرة، وفي الوقت نفسه لا يحتقرها؟ فمن جهة يقول إن الموت ربح فيطرد رغبة تمسكه بهذه الحياة، ولكن من جهة أخرى يقول إن الحياة في الجسد هي لي ثمر العمل الرسولي، وبذلك يكون قد برهن على أهمية الحياة الحاضرة أيضًا، إن كان السلوك فيها كما ينبغي، وإن كان قد أتي بثمار، لأن الحياة إن كانت بلا ثمر، فليست بعد حياة. فإنه حتى الأشجار التي لا تعطي ثمرًا نافعًا، نَعرِض عنها، إذ أنها تكون كفروع جافة، تلقى في النار. من ناحية أخرى فإن الحياة هى للجميع، فإن سلك المرء في الفضيلة أو في الخطية، فهذا يتوقف على توجّهه أو إختياره.

   بالتالي ينبغي علينا ألاّ نحتقر الحياة، لأنه من الممكن أن نحيا في الفضيلة أيضًا. ولكن حتى لو سلكنا في هذه الحياة بشكل غير مستقيم، فلا ينبغي أن نحتقر هذه الحياة. لماذا؟ لأن الحياة ليست هى السبب في عدم الإستقامة، وإنما الاختيار الرديء لهؤلاء الذين يعيشون فيها. بالطبع فإن الله جبلك لكي تحيا لأجله. لكن طالما إنك تحيا في الخطية منجذبًا من الشر، فإنك تجعل نفسك سببًا للشر. ماذا تقول، أخبرني، ألا تعرف ماذا تفضِّل؟ هو يعلن هنا عن سر كبير، لقد كان لديه الرغبة في أن ينطلق، لأنه حينما يوجد اختيار، فلدينا الدافع أن نفعل هذا أو ذاك. يقول ” فماذا أختار لست أدري “. هل هذا يتوقف عليك؟ يقول نعم، إن كنت أريد فإني أطلب من الله هذه النعمة. ” فإني محصور من الاثنين[19]، أي شهوة الانطلاق ورغبة البقاء. لاحظ حنو المطوّب بولس، فهو بهذا أيضًا يشجّعهم، حينما يرون أنه في وضع الاختيار، وأن هذا يحدث لا بخدعة بشريّة، وإنما بتدبير الله. يقول لماذا تحزنون حينما يأتي الموت؟ لقد كان الأفضل أن أموت منذ فترة طويلة.

   ” أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا. ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم[20]. بهذه الكلمات يعدّهم لوقت انتقاله في المستقبل، لكي يحتملوا هذا الفراق بشجاعة. هذه الكلمات هى حكمة عظيمة. فهو يقول إنه من الأفضل أن أنطلق من هذه الحياة وأكون مع المسيح. بالطبع ليس الموت (في حد ذاته) أمرًا رديئًًا أو نافعًا، فالشئ الردئ هو أن يُدان الإنسان (الخاطئ) بعد الموت، أما الخير هو أن يكافأ الإنسان (البار) بأن يكون مع المسيح.

   لا نحزن إذًا لمجرد أن البعض ينتقلون، ولا نفرح لمجرد أن البعض الآخر لا زالوا يحيون، إنما ماذا نفعل؟ نحزن لأجل الخطاة، ليس فقط حينما يموتون، بل وحين يبقون على قيد الحياة أيضًا. لنفرح للأبرار ليس فقط حال حياتهم، وإنما حينما ينتقلون أيضًا. لأن أولئك الخطاة، حتى وهم أحياء، فإنهم موتى، بينما هؤلاء الأبرار، حتى حينما ينتقلون فهم أحياء. وأولئك الخطاة حتى في حالة وجودهم في هذه الحياة الحاضرة، فهم يستحقون أن يحزن عليهم كل البشر، لأنهم يقاومون إرادة الله. أما هؤلاء الأبرار فحتى حينما ينتقلون إلى الحياة الأخرى فيجب أن نفرح لهم، لأنهم سيكونون سعداء بسبب وجودهم مع المسيح.

   إن الخطاة أينما كانوا، هم بعيدون عن الملك المسيح، لأجل هذا فهم مُستحقون للبكاء عليهم. أما الأبرار، فإن هم وجدوا في هذه الحياة، أو في الحياة الأخرى، فهم موجودون مع المسيح، وبالأحرى في الحياة الأخرى هم أقرب للمسيح، لا بالإيمان، بل بالعيان[21].

   فلا نبكي إذًا الذين ينتقلون، ولكن نبكي على الخطاة، فهم يستحقون الحزن، والنحيب، والدموع. فأي رجاء لهم، حينما يأتون للحياة الأخرى حاملين معهم خطاياهم، حيث من غير الممكن أن ينزعوا عنهم خطاياهم؟ لأنهم حين كانوا في الحياة الحاضرة، ربما كان هناك أمل كبير أن يتوبوا، وأن يصيروا أفضل. لكن إذ قد ذهبوا إلى الجحيم، فمن غير الممكن أن يتوبوا، كما يقول الكتاب ” لأنه ليس في الموت ذِكرك. في الهاوية من يحمدك [22]. فكيف لا يكونوا مستحقين للحزن؟

   لنبكِ هؤلاء الذين يرحلون وهم خطاة، وأنا لا أمنعكم من البكاء، لكن لنبكِ بطريقة لائقة، أي بدون أن ننزع شعور رؤوسنا، ودون أن نجرح الوجه، بدون أن نلبس ملابس سوداء، بل بأن نسكب داخلنا دموع غزيرة لكن بهدوء. لأنه من الممكن أن نحزن بمرارة بدون هذه المظاهر السيئة، وألاّ نعبث بأنفسنا، لأن ما يفعله البعض لا يختلف إطلاقًا عن الهزل. لأن ذلك النحيب أمام العامة لا ينبع من التعاطف، وإنما من الاستعراض وحب المجد والزهو، وكثير من النساء يفعلّن هذا كحرفة. لتبكِ بمرارة وتنَّهُد في بيتك، حيثما لا يراك أحد، فهذا دليل تعاطف مع الآخرين، وعلاوة على ذلك فإن هذا يفيدك. لأن من يحزن بهذه الطريقة على الخطاة، سيحاول بالحري ألاّ يسقط أبدًا في مثل هذه الشرور، بل ستكون الخطية مرعبة له. لتبكِ غير المؤمنين، لتبكِ هؤلاء الخطاة والذين لا يختلفون مطلقًا عن أولئك الذين يموتون بدون معمودية، وبدون ختم الروح القدس. فهؤلاء حقًا يستحقون النوح،و يستحقون النحيب، لأنهم يُقيمون خارج ملكوت الله مع المدانين، والمحكوم عليهم كقول الكتاب: ” الحق أقول لكم إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله[23].

   لتبكِ هؤلاء الذين ماتوا في غناهم، ولم يجنوا من وراء هذا أي عزاء لنفوسهم، هؤلاء الذين نالوا إمكانية التطهير تمامًا من خطاياهم، لكنهم لم يريدوا. لنبكِ هؤلاء على المستوى الشخصي وأيضًا على المستوى العام، لكن بلياقة ووقار، وألا يكون لدينا رغبة في الظهور من خلال هذا السلوك. لنبكِ هؤلاء ليس يومًا واحدًا ولا اثنين، ولكن كل حياتنا. وهذه الدموع لا تأتي من عاطفة بلا معنى، وإنما بدافع من الحنو، وأما تلك الدموع الزائفة، فتأتي من عاطفة حمقاء، ولذلك فإنها تختفي سريعًا. لكن حينما تكون لأجل الله فهي تثبت دائمًا. لنبكِ إذًا هؤلاء، لنساعدهم بقدر ما نستطيع، ولنفكر في أي مساعدة يمكن أن نقدمها لهم حتى وإن كانت صغيرة، إلاّ أنها قادرة أن تُعين. كيف وبأي طريقة؟ بأن نصلي ولنطلب من آخرين أن يصلّوا من أجل هؤلاء، لنعطِ باستمرار للفقراء، لفائدة هؤلاء. إن هذا الأمر فيه عزاء. فأصغِ لقول الله ” وأحامي عن هذه المدينة من أجل نفسي ومن أجل داود عبدي [24]. فإن كانت فقط ذكرى البار لها هذه القوة، فكيف لا تكون هناك قوة حينما تُصنع أعمال أيضًا لأجل شخص ما. فليس باطلاً أن يأمر الرسل بذلك؛ أي أن نذكر أثناء إقامة الأسرار الإلهية، هؤلاء الذين تركوا الحياة، عالمين كيف إنهم ينالون ربحًا عظيمًا وفائدة كبيرة من ذلك. لأنه حينما يقف الشعب كله بأيادي مرفوعة، مع الجمع الكهنوتي، وتُقام الذبيحة المخوفة[25]، فكيف لا نتوسل إلى الله، متضرعين لأجل هؤلاء؟ وهذا التوسل يخص هؤلاء الذين رحلوا وهم في الإيمان، أما الموعوظون الذين رحلوا فليسوا مستحقين ولا حتى هذا العزاء، وإنما قد حُرموا من كل معونة، فيما عدا واحدة. إذًا ما هى هذه؟ هى أن نعطي الفقراء حتى يحصل الموعوظين على بعض العزاء[26]، لأن الله يريد أن يساعد الواحد منا الآخر. وإلاّ فلماذا يطلب أن نصلي من أجل سلام واستقرار العالم؟ ولماذا يَطلب أن نصلي من أجل كل البشر؟ فإن كان من المؤكد أنه يوجد في كل مكان لصوص ونابشي قبور وسراّق، ومرتكبي شرور أخرى كثيرة جدًا، ومع هذا نصلي من أجل كل البشر، فربما يرجع أحدهم. فكما نصلي إذًا لأجل الأحياء، الذين لا تختلف أعمالهم عن أعمال الذين ماتوا، هكذا يمكن أن نصلي عنهم أيضًا. فلقد قّدم أيوب ذبائحه لأجل أبنائه لتطهيرهم من خطاياهم. لأنه قال ” ربما أخطأ بنّي وجدَّفوا على الله في قلوبهم[27]. وهكذا كان أهتمامه بأولاده، فلم يقل، كما يقول كثيرون في هذه الأيام، لأورّثهم ثروة، ولم يقل أن أجلب لهم مجدًا، لم يقل أشتري السلطة، ولم يقل أشتري أملاكًا، وإنما ماذا قال؟ ” ربما أخطأ بنيَّ وجدَّفوا على الله في قلوبهم “. لأنه ما هي المنفعة من وراء هذه الأشياء الأرضية؟ لا شئ على الإطلاق. لقد كان إيمانه إنه سيرضي ملك الكل لأجل هؤلاء الأولاد لأنه لن ينقصهم شئ فيما بعد. لأن ” الرب راعي فلا يعوزني شئ[28]. فإن كان لنا خوف الله، فهذا هو الغِنَى العظيم، ولن يوجد احتياج لأي شئ. أما إن كان ليس لنا هذا الخوف، فحتى وإن كنا ملوكًا، فنحن أفقر جميع الناس. فلا شئ يساوي مخافة الرب. لأن الكتاب يقول ” مخافة الرب أعلى من كل شئ[29]. لنكتسب هذه المخافة، لنفعل كل شئ من أجل تحقيق هذا الأمر، حتى وإن كان يجب علينا أن نبذل أنفسنا، فلا نحزن، وإن كان ينبغي أن نصلب أجسادنا، فلنفعل كل شئ كي نربح مخافة الله. لأنه هكذا سنكون أغنى وسنربح الخيرات العتيدة. بمعونة ربنا يسوع المسيح والذي يليق به مع أبيه والروح القدس المجد والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

+ + + + + + +

[1]  في18:1ـ20.

[2]  2تي16:4.

[3]  مز22:23.

[4]  ابن سيراخ 11:2.

[5]  رو5:5.

[6]  في25:1.

[7]  رو6:1.

[8]  1كو6:4.

[9]  في21:1.

[10]  غلا20:2.

[11]  غلا14:6.

[12]  رو2:6.

[13]  في20:3.

[14]  أع28:17.

[15]  رو24:7.

[16]  غلا20:2.

[17]  في22:1.

[18] غلا20:2.

[19]  في23:1.

[20]  في23:1ـ24.

[21]  قارن 1كو12:13.

[22]  مز5:6.

[23]  يو5:3.

[24] 2مل6:20.

[25]  سر الافخارستيا.

[26] لأن هؤلاء الموعوظين لم ينالوا نعمة المعمودية وعليه ينطبق عليهم ما قد ذكره قبل ذلك مباشرة في قول الكتاب: “…إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5:3).

[27]  أي 5:1.

[28]  مز1:23.

[29]  يشوع بن سيراخ 14:25.

 

رسالة فيلبي ع4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

العظة الثالثة

 

   فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ.[1].

 

   هنا يدعو الله شاهدًا له، ليس باعتبار أنه غير مُصدّق، ولكنه يفعل ذلك عن قناعة تامة لأجل أن يكون إيمانهم كاملاً ويكون لديهم الشجاعة الكافية. ولأنه سبق أن قال إنهم شركاء معه ـ وحتى لا يعتقدوا أنه لأجل هذا السبب يشتاق إليهم، وليس لأجل أشخاصهم في حد ذاتها ـ لهذا تحديدًا أضاف تعبير “في أحشاء المسيح“. ماذا يعني هذا؟ يقول بحسب المسيح، وليس بحسبه هو لأنهم مؤمنين ومحبين للمسيح، ولأجل المحبة التي بحسب المسيح. وهو لم يقل إنه يشتاق إليهم بدافع المحبة، ولكن ما هو أقوى، “في أحشاء المسيح”، فقد أصبح الله أبونا من خلال شخص المسيح. لأن هذه العلاقة تمنح لنا أحشاءًا وقلبًا قويًا وحارًا، لأن المسيح يمنح محبته القلبية لعبيده الحقيقيين. هكذا يقول إن محبتي لكم هى هكذا، فيستطيع المرء أن يقول إن محبتي ليست نابعة من قلبي البشري، ولكن نابعة من محبة قلب المسيح.

   يقول ” كيف أشتاق إلى جميعكم “. أشتاق إلى جميعكم جدًا، لأن جميعكم أيضًا هكذا (مملوئين بالمحبة). لا أستطيع أن أعبّر بالكلمات، كيف أشتاق إليكم جدًا، إنه لمن الصعب أن أقول هذا. لذا أتركه لله الذي يعرف خفايا القلب.

   ولقد كان بولس الرسول صادقًا في مشاعره ولم يسعَ لكي يتملق أهل فيلبي، وإلاّ لما كان قد استطاع أن يدعو الله شاهدًا على ما يقوله، ولعرّض مصداقيته للخطر.

   ” وهذا أُصلّيه، أن تزداد محبتكم أيضًا أكثر فأكثر “. وذلك لأن هذه المحبة لا يُشبع منها. انتبه فهذا يعني أن المحبوب يريد أن يُحَب أكثر فأكثر. لأن المحب لا يريد أن يتوقف عند حد معين للمحبة، لأنه لا يوجد معيار لهذا الأمر الحسن. والرسول بولس يشتهي أن تكونوا هكذا على الدوام فيقول: ” لا تكونوا مديونين لأحد بشئ إلاّ بأن يُحب بعضكم بعضًا[2]. فمقياس المحبة هو ألا تتوقف أبدًا. لكي تزداد كما يقول، محبتكم أكثر فأكثر. لاحظ أهمية التعبير ” أكثر فأكثر “.

   ” أن تزداد محبتكم في المعرفة وفي كل فهم “. وهو لا يُريد مجرد الصداقة، أو المحبة فحسب، وإنما المحبة التي تأتي من المعرفة الكاملة، أي لا تشرعون في ممارسة هذه المحبة نحو الجميع، لأن المحبة التي تخلو من المعرفة ليست محبة وإنما هى رغبة فاترة. ماذا تعني عبارة “في المعرفة”؟ تعني بتمييز، بتفكر، بإحساس. لأنه يوجد بعض من يحبون بدون تعقل، بطيش، وبالصدفة، لهذا فإن المحبة التي من هذا النوع لا تكون قوية.

   ” في المعرفة وفي كل فهم، حتى تميّزوا الأمور المتخالفة “، أى تلك المعرفة وهذا الفهم الذي يؤول لمنفعتكم. ويستطرد قائلاً إن ما قلته لم يكن لأجلي، بل لأجلكم، لأن هناك تخوّف فربما يفسد أحد بسبب محبة الهراطقة، أي أنه يلمّح إلى هذا الأمر. انتبه كيف يعرض هذا الأمر، فهو يشرح أن ما قاله لم يكن من أجل نفسه ولكن لكي يكونوا مخلصين، أي لا يقبلوا أي عقيدة زائفة بحجة المحبة.

   كيف إذًا يقول ” إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس[3]؟، ما يعنيه هنا هو أن يكون لكم علاقات سلام وليس أن تحبوا بطريقة تجعلكم تُضارون من المحبة. وقد قال الرب أيضًا       ” فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك[4]. ” لكي تكونوا مخلصين ” أمام الله وبلا لوم من نحو الناس. فإن الصداقات الكثيرة غالبًا ما تضرهم، فإن لم تضرك أنت في شئ، فقد يُعثر شخص آخر. ” إلى يوم المسيح “، أي أن تكونوا أنقياء في تلك الساعة، دون أن تُعثروا أحدًا. ” مملوئين من ثمر البر الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده ” بمعنى أن يكون لكم بالإضافة إلى العقائد الصحيحة أيضًا حياة مستقيمة، وليس مستقيمة فقط وإنما أيضًا أن تكون مملوءة من ثمر البر. فهناك بالطبع بر، ولكنه ليس بحسب المسيح، إنه يطلب الحياة البارة حيث ” ثمر البر الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده “.

 

   أرأيت كيف أنه لا يتكلم عن مجده الخاص وإنما عن مجد الله؟ في مواضع كثيرة يدعو الإحسان برًا. ويضيف: أن المحبة لا تعيقكم عن إدراك الأمور النافعة، ولا تؤدى إلى فقدان شجاعتكم. لأنني أرغب أن تزداد محبتكم، ولكن ليس بطريقة تؤدى لضرركم. كما أنني لست أرغب في ذلك بدون اختبار، وإنما بعد أن تختبروا إن كان كلامنا حسن. لم يقل أيدوا آراءنا، وإنما قال “تميّزوا”. ولم يقل صراحةً لا تقترب من هذا أو ذاك الشخص، وإنما كان يتوق أن تؤول المحبة إلى منفعتهم، وألاّ يسلكوا بلا مبالاة. إنه من الحماقة حقًا، ألاّ تحيوا في البر لأجل المسيح وبالمسيح. انتبه مرة أخرى للكلمة “به” (بالمسيح). إذًا هل يستخدم الله كمجرد مُعين؟ مثل هذا التفكير هو أمر مستبعد. إن ما يقوله لا يهدف إلى أن يُمتدح هو، بل إلى تمجيد الله.

   ” ثم أريد أن تعلموا أيها الاخوة أن أموري قد آلت أكثر إلى تقدم الإنجيل. حتى إن وُثُقي صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية وفي باقي الأماكن أجمع[5]. من الطبيعي أن يحزنوا حينما أُخبروا أنه في القيود ويتصوروا أن هناك عوائق تواجه الكرازة. إذًا ماذا يحدث؟ لقد بدّد هذا الشك في الحال. لقد أعلن لهم ما حدث له، لأنهم كانوا قلقين، وهذا أيضًا يظهر محبته نحوهم. وماذا تقصد بقولك هذا؟ فإن كانوا قد وضعوك في الحبس، ورجليك في القيود، فبأي طريقة حينئذٍ تتقدم الكرازة؟ يجيب ” حتى أن وُثُقي صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية “. وهذا ليس فقط لم يغلق أفواه بقية تلاميذه، ولا جعلهم جبناء، بل أن ذلك الحدث عينه قد أعطاهم جرأة أكثر. فإذا كان هؤلاء القريبون من المخاطر ليس فقط لم ينلهم أي شرٍ، وإنما إزدادوا شجاعة أكثر، فبالحري يجب أن تتشجعوا أنتم أكثر جدًا. فإن كان في وثقه قد احتمل وصَمَتَ، فهذا أيضًا مدعاة لإحتمالهم، فبالرغم من أنه كان مقيدًا فقد كان يتكلّم بأكثر جرأة، لذا قد أعطى لهم شجاعة أكثر جدًا مما لو كان حرًا. لكن كيف آلت القيود إلى تقدم الكرازة بالإنجيل؟ لقد دبر الله هذا الأمر، ألا تبقى هذه القيود بدون ملاحظة، والتي كانت بسبب الإيمان بالمسيح ولأجل المسيح. ” في كل دار الولاية “، لأنه هكذا كانت تُسمى القصور من قبل، ثم يُضيف ” وفي باقي الأماكن أجمع “.

   ” وأكثر الأخوة وهم واثقون في الرب بوثقي يجترئون أكثر على التكلّم بالكلمة بلا خوف[6]. يقول إنه كانت لديهم شجاعة قبل ذلك أيضًا ويتكلّمون بجرأة، ولكن الآن أصبحت هذه الشجاعة أكثر جدًا من ذي قبل. إن كان الآخرون إذًا، كما يقول، ينالون شجاعة من وُثُقي، فبالأكثر جدًا أكون أنا، فإن كنت أنا سبب هذه الشجاعة للآخرين، فبالأولى جدًا أتشجع أنا نفسي.

   ” وأكثر الأخوة وهم واثقون في الرب “. ولأنه كان أمر مبالغ فيه أن يقول إن قيودي أعطت شجاعة لهؤلاء، لذلك إستدرك فقال “ في الرب“. أرأيت كيف يتحدّث هنا، فبينما هو مُلزم بالتحدّث عن أشياء عظيمة، إلاّ أنه يتحدث بتواضع؟ ” يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف “. كلمة “أكثر” تبيّن، كيف أنهم بدأوا بالفعل في الكرازة.

   “أما قومُ فعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح وأما قومُ فعن مسرة[7]. ما معنى ذلك؟ هذا ما يستحق أن نعرفه. لأن بولس حين قُبض عليه، فإن كثيرين من الوثنيين رغبة منهم في إثارة الإمبراطور ضد المسيحيين فيقوم بإضطهادهم، نادوا هم أيضًا بالمسيح، حتى يصبح غضب الإمبراطور أعظم، بسبب أن الكرازة كانت قد انتشرت في كل مكان، وبذلك يصب كل غضبه على رأس بولس. لهذا فإن القيود قد خلقت نوعان من السلوك. فبالنسبة للمؤمنين قد منحتهم شجاعة كبيرة، وأما لغير المؤمنين، فلأنهم كانوا يأملون في القضاء عليه، فقد نصَّبوا أنفسهم ككارزين بالمسيح. ” أما قوم فعن حسد “، أي لأنهم حقدوا على الثبات والكرامة الخاصة بي، وهم يتنازعون معي ويرغبون في هلاكي، رغم أنهم يعملون معي، أو أنهم يرغبون أن يكرّموا هم أيضًا، ظانين بهذا أنهم ينزعون جزءًا من كرامتي.     ” وأما قوم فعن مسرة “، أي أنهم يكرزون بدون تظاهر، وبكل نيّة حسنة.

   ” فهؤلاء عن تحزب ينادون بالمسيح لا عن إخلاص[8]، أى ليس عن صدق، ولا من أجل فائدة الكرازة. إذًا لأي هدف يكرزون؟ ” ظانين أنهم يضيفون إلى وُثُقي ضيقًا “. لأنهم يعتقدون أنهم بإضافة ضيق فوق الضيق (الحالي) سأقع في خطر أعظم. يا لها من قساوة، ما هذا العمل الشيطاني!! فإنهم كانوا يرونه محبوسًا وموثقًا، ومع هذا كانوا يحسدونه. لقد كانوا يرغبون أن تتزايد النكبات عليه، ويجعلوه سببًا لغضب أعظم. وحسنًا قال “ظانين”، لأنه لم يحدث ذلك. فهؤلاء كانوا يظنون أنني بهذا أشعر بالحزن، ولكنني كنت مملوء فرحًا، لأن الكرازة بالإنجيل كانت تتقدّم.

   ” وأولئك عن محبة عالمين أني موضوع لحماية الإنجيل[9]. ماذا يعني ” أني موضوع لحماية الإنجيل “؟ أى أنهم بكرازتهم هذه قد ساهموا في اعدادى لتحمّل مسئوليتي أمام الله، وساعدوني في البشارة بالإنجيل. ماذا يقصد بكلمة “لحماية”؟ يقصد أنني تلقيت أمرًا أن أبشر بالإنجيل، وأن أُعطى حسابًا عن العمل الذي كُلّفت به، ومن أجل هذا فإن هؤلاء يساعدونني حتى يصير هذا العمل سهلاً. لأنه إذا كان هناك كثيرون قد تلقوا التعليم وآمنوا، فحينئذٍ سيكون الدفاع عن الإنجيل أمرًا سهلاً بالنسبة للقديس بولس. هكذا فإنه من الممكن أن تعمل عملاً حسنًا، لكن ليس عن رغبة حسنة، فمن جهة هذا العمل (الذي يُؤدَى بنية سيئة)، ليس فقط لن تُعطَ عنه مكافأة، بل أيضًا سيكون سبب عقوبة. ولأنهم إذ كانوا يرغبون أن يضعوا رسول المسيح في مخاطر شديدة، فقد كرزوا بالمسيح، هؤلاء ليس فقط لا ينالون مكافأة، وإنما سيكونوا مستحقين أيضًا للعقوبة وللجحيم.       ” وأولئك عن محبة “، أي يعرفون أنه يجب أن أُعطي حسابًا عن الكرازة.

   ” فماذا غير أنه على كل وجه سواء كان بعلّة أم بحق يُنادى بالمسيح[10]. أترون حكمة الرسول، فهو لم يتهّم هؤلاء بقسوة، ولكنه تكلم عما حدث. هكذا يقول ماذا يهمني إن كان يُكرز بالمسيح بهذه الطريقة أو بتلك؟ ” غير أنه على كل وجه، سواء كان بعلّة أم بحق يُنادى بالمسيح “. لم يطلب منهم أن ينادوا بالمسيح، كما يظن البعض، زاعمين أنه بهذا يسمح بالهرطقات، ولكنه قال “يُنادى به”. فأولاً: هو لم يقل نادوا به، كمن يضع قانونًا، ولكنه يقرر الواقع. وثانيًا: إنه حتى لو قال هذا كمن يضع قانونًا، فهذا لا يعني أنه يفتح الطريق للهرطقات. ولكن لنفحص الموضوع جيدًا، لأنه لو أَمَرَ أن نكرز هكذا كما يفعل أولئك، فلن يُدخِل الهرطقات بهذه الطريقة. كيف؟ لأن هؤلاء يكرزون وهم مدركون لما يفعلونه، ولكن الهدف والفكر اللذان يكرزان بهما، هما فاسدان، أما الكرازة ذاتها فلم تتغير. لقد كانوا مضطرين لهذه الطريقة. لماذا؟ لأنهم لو كانوا قد كرزوا بطريقة أخرى، مختلفة عن تلك التي لبولس، لما استطاعوا أن يزيدوا غضب الإمبراطور. لكن الآن بانتشار كرازته، وبتعليمهم بطريقة مماثلة وإعدادهم تلاميذ كما صنع ذاك (ق. بولس)، إستطاعوا أن يدفعوا الإمبراطور لممارسة الإضطهاد لأن من الواضح أن عدد المؤمنين كان كبيرًا جدًا. ولكن قد يأتي شخص رديء، وبلا حس، فيستند على هذا النص ويقول لو كانوا حقًا قد أرادوا أن يضايقوه لكانوا قد فعلوا النقيض؛ بأن يضلوا هؤلاء الذين آمنوا بالفعل، ولما جعلوا المؤمنين يزداد عددهم. ماذا سنجيب إذًا؟ نقول إن هؤلاء كانوا يهدفون إلى أن يحيطوا ق. بولس بالمخاطر الحاضرة، ولا يتركوه ينجو، معتقدين أنهم بهذا يسببون له حزنًا، وأن الكرازة ستنتهي، ولا توجد طريقة أخرى لتحقيق هذا الهدف، أفضل من تلك التي كرزوا بها. لأنهم لو كرزوا بطريقة مختلفة لكانوا قد خففوا من وطأة غضب الإمبراطور الذي كان سيترك بولس حرًا لكي يكرز مرة أخرى. وهكذا اعتقدوا أنهم إذا نجحوا في القضاء عليه، فسيربحون كل شئ. وهذا التوجه كان غير معروف لدى الكثيرين، بل كان محصورًا في بعض القساة فقط.

   يقول ” وبهذا أنا أفرح بل سأفرح أيضًا “. ماذا يعني “بل سأفرح أيضًا”؟ يعني أنه سيفرح حتى ولو تم هذا على نطاق واسع. لأنهم يعملون معي على عكس رغبتهم، ولأجل عملهم هذا الذي تعبوا فيه، سيحصدون الآلام في جهنم، بينما أنا الذي لم أُساهم بشئ (فيما فعلوه)، سأنال إذًا مكافأة. فهل يوجد شئ أكثر نجاسة من الشيطان، الذي يخطط من خلال التبشير والأتعاب الكثيرة أن يصل بهم إلى الدينونة والجحيم؟

   انظر كم من الشرور يدخلها الشيطان في أتباعه؟ وهل هناك طريقة يستطيع بها عدو آخر مقاوم لخلاصهم أن يرتِّب كل هذا؟ أترى كيف أن من يحارب الحق لا ينجح في شئ، ولكن بالحري يجرح نفسه كمن يطئ المسامير؟

   ” لأني أعلم أن هذا يؤول لي إلى خلاص بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح[11]. لا يوجد مَن هو أكثر نجاسة من الشيطان، فهو يحيط تابعيه في كل مكان بأتعاب باطلة ويدّمرهم. وبالإضافة إلى أنه لا يتركهم كي ينالوا مكافأة، فإنه يجعلهم أيضًا مستحقين جهنم. فهو يعرف أن يدفع هؤلاء ليس فقط نحو الكرازة، بل أيضًا لممارسة الصوم والبتولية، الذي يؤدى بهم ليس فقط إلى حرمانهم من المكافأة الإلهية، بل كان يدفعهم أيضًا نحو مزيد من الشر الذي كان يضمرونه، وهم الذين يقول عنهم “موسومة ضمائرهم[12].

   لأجل هذا ينبغي أن نشكر الله على كل الأحوال، لأنه خفف أتعابنا وعظّم مكافأتنا. فالمتزوجين منا الذين يعيشون بعفة يتمتعون بمكافأة، لا يستمتع بها المتبتلون من هؤلاء، وهؤلاء المتبتلون الهراطقة يستحقون المجازاة التي تليق بالزناة. فإنهم بصفة عامة لا يعملون شيئًا من أجل هدف نبيل، وإنما لكي يشتكوا على خليقة الله وأيضًا على حكمته غير الموصوفة. إذًا علينا ألاّ نتوانى، فقد رتّب لنا الله جهادًا يناسبنا، وليس فيه أية مشقة. لذا فعلينا ألا نحتقر هذا الجهاد. فإن كان الهراطقة يتألّمون بمتاعب باطلة، فماذا سيكون دفاعنا، إذا كنا لا نريد أن نجوز حتى الأتعاب الصغيرة، والتي لها مكافأة أكبر؟ فما هو الأمر الثقيل أو المؤلم في وصايا المسيح؟ ألا تستطيع أن تعيش حياة بتولية؟ مسموح لك أن تتزوج. ألا تستطيع أن تُحرِم نفسك من كل خيراتك؟ فمتاح لك أن تسد احتياجات الآخرين بما هو موجود ” فضالتكم لأعوازهم[13]. هذه طبعًا تظهر ثقيلة. ماذا أعني؟ أعني أن نحتقر المال وأن ننتصر على رغبات الجسد، والأمور الباقية لا تحتاج لأية محاولات خاصة، ولا لأية قوة جسدية أو روحية.

   أخبرني إذًا أية قوة نحتاج كي لا نَشْتِم، ولكي لا نوشي بأحد؟ أية قوة تحتاج كي لا تحسد الآخرين على ما في أيديهم من خيرات؟ وأية قوة نحتاج حتى لا يسودنا الكبرياء؟ فإن تعذّب أحد واحتمل العذابات فهذا يوصف بالإحتمال، وإن سلك أحد بالحكمة فهو أيضًا احتمال، وأن يصبر أحد على الفقر وأن يجاهد ضد الجوع والعطش فهذا أيضًا نموذج آخر للإحتمال. لكن حينما لا توجد أي من هذه الأمور، ويُسمح بالإستمتاع بالخيرات الموجودة، كما يوافق المسيحي، فهل هناك إحتياج لقوة كي لا يحسد أحد الآخرين؟ إن الحسد لا يأتي إلاّ من إلتصاق المرء بالأرضيات، وبالأحرى من ممارسة كل الشرور. لأنك لو كنت قد احتقرت المال ومجد هذا العالم، لما حسدت أولئك الذين يملكونه. لكن لأنك فتحت فاك وتعجبت وتأثرت بهذه الأشياء فإن الحسد والمجد الباطل قد سبّب لك ضيقًا. كل الأشياء تأتي من الإستعباد لخيرات الحياة الحاضرة. أتحسد شخصًا لأنه صار غنيًا؟ هذا أمر لا يجدي لأن هذا الشخص يستحق الشفقة والدموع.

   ستقول حالاً ساخرًا، إنني أنا المستحق للدموع، وليس ذاك. أنت أيضًا تستحق الدموع، ليس لأنك فقير، وإنما لأنك تعتقد أنك مستحق للشفقة أو الرحمة. إننا نرثي لهؤلاء الذين لا يُعانون من أي بلايا، ومع ذلك يتألمون، لا لأنهم يعانون من بلّية ما، ولكن لأنهم يعتقدون بأنهم يُعانون، بينما في الحقيقة هم لا يُعانون من أي شئ. كما يحدث على سبيل المثال إذا كان هناك شخص ما غير مُصاب بالحُمى، ومع ذلك تجده في حالة اضطراب، فيتقلّب على فراشه، بينما هو في الحقيقة مُعافى. ألا يكون هذا مستحق للدموع أكثر من هؤلاء الذين هم بالفعل مُصابون بالحمى، ليس بسبب أنه مُصاب بالٍحمى، لأنه في الواقع ليس كذلك، وإنما لأنه يعتقد أنه يتحمّل شيئًا، بينما هو لا يعاني من أي مرض؟ وأنت أيضًا لأجل هذا تستحق الدموع، لأنك تظن نفسك مستحق للشفقة، لكن ليس لأجل فقرك، لأنك تُعتبر محظوظًا أيضًا بسبب فقرك. لماذا تشعر بالحسد تجاه الغَنِّي؟ هل لأنه يشغل نفسه باهتمامات كثيرة ويخضع لعبودية رهيبة؟ هل لأن أمواله قد قيدته بسلاسل كثيرة، تمامًا كما يُقيد أحد الكلاب؟ إن حل المساء، وأتى الليل الذي هو وقت الراحة للجميع يكون بالنسبة للغَنِّي وقت انشغال وتكدّر وألم واهتمام. إن حدثت أية ضوضاء، في الحال يقفز متسائلاً: هل سرقوا أحدًا؟ فإن هذا (الغنى) الذي لم يفقد شيئًا، يهتم أكثر من ذاك الذي فقد شيئًا. لأن ذاك قد فقد مرةً شيئًا ما، وبعدما تألم، ترك جانبًا كل اهتمام، أما هذا فهو يعيش في هم دائم.

   حقًا إن هؤلاء الذين يتملّكهم حزن شديد لا يركنوا ولا يلجأوا إلى الأصدقاء أو الأقارب أو أهل المنزل، بل وفي مرات عديدة لا يلجأون أيضًا إلى آبائهم الذين يعزّونهم، ولكنهم كثيرًا جدًا ما يغضبون أيضًا من تلك الكلمات المعزّية. بل ولا يستطيعون حتى ولا أن يروا النوم عندما يأتي الليل، الذي من المفترض أن يدفعهم للهدوء والذي هو مرفأ لمصائبنا، سلوان لنكباتنا، دواء لجراحنا. فتلك المرارة التي تصيب أنفسنا نتيجة للأسى هى أسوأ من أي تأجج داخلي. مثلما يحدث بالضبط حين يتألم جسد متأجج، ويكافح أشعة الشمس الملتهبة، فعندما يأتي إلى مأوى به ينابيع مياه عديدة يجد النسيم العليل الذي يخفف من وطأة الحرارة، هكذا فإن الليل يُسلّم نفوسنا إلى النوم. في الواقع لا الليل ولا النوم هو الذي يريح نفوسنا المتعبة، وإنما الله هو الذي يعرف طبيعة الجنس البشري التعس، وهو الذي يفعل كل هذا.

   نحن لا نتراءف على أنفسنا، كأننا أعداء لأنفسنا، فنؤّرقها بسبب الثراء، وهذا الأرق هو أكثر شدة من احتياجنا الطبيعي للراحة. لأن  ” السهر لأجل الِغنَى يذيب الجسم والاهتمام به ينفي النوم [14]. لاحظ مقدار عناية الله. فهو لم يترك مسألة النوم والراحة لاختيارنا، وإنما جعلها حاجة طبيعية لنا حتى ننال هذا الخير بدون تدخل إرادي. بمعنى أن النوم من خصائص الطبيعة البشرية. فنحن إذ نبغض نفوسنا بشدة ونحاربها ونكدّرها كعدو لنا، فإننا نطغي عليها بصورة تتنافى مع هذه الحاجة الطبيعية. إن هذا الإستبداد يأتي بسبب محبتنا للمال. وعندما يطلع النهار نجد أن محب المال يخاف ممن يستغلونه بالإكراه. وإذا حلّ المساء يستولي عليه الرعب خوفًا من اللصوص. وإذا أتت ساعة الموت نجده يغتم لأن أمواله ستذهب لآخرين، أكثر من حزنه على مفارقة الحياة. وحين يُرزق طفلاً يرغب في المزيد من الأولاد؛ وحين يعطيه الله أولادًا كثيرين تحاصره الهموم بسبب كثرة الإنفاق. وإن لم يُعط طفلاً يزداد غمًا. إذًا هل تطوب ذاك، وهو لا يقدر أن يبتهج ويفرح بأي شئ؟ أتحسد ذاك الذي يتألم، بينما أنت مُقيم في ميناء هادئ، بسبب عدم غناك؟ هذا بالحقيقة هو ضعف في الطبيعة البشرية، فهى لا تتصرف في الخير بنبل، بل تسفِّه خيراتها.

   هذه الأشياء تحدث في الحياة الحاضرة ولكن حينما نأتي إلى الحياة الأبدية، فاسمع ما يقوله الغَنِّي الذي كانت لديه خيرات لا تحصى، كما يعتقد المرء، لأنني بالتأكيد لا أدعو هذه خيرات، فهى ليست خيرًا ولا شرًا. اسمع ماذا يقول هذا الذي كانت لديه خيرات لا تُحصى، إلى أي مدى من الإحتياج قد وصل، يقول: ” يا أبى إبراهيم أرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرّد لساني لأني معذب في هذا اللهيب [15]. يا ليت ذاك الغني لم ينل أي شئ مما ذكرته، ويا ليته قد عاش كل حياته في هدوء وبدون اضطراب. لماذا أُطلِق على هذه اللحظة أنها كل حياته، لأن الحياة هى حقًا لحظة. لأن الكتاب يقول كل حياتنا هى لحظة واحدة مقارنة بالحياة الأبدية. فلو أن كل الأشياء كانت تسير حسنًا حسبما أراد ذلك الغَنِّي لما استحق إذًا تلك الكلمات، وبالحري ذلك المصير؟ ألم تغرق مائدته في النبيذ؟ الآن ليس لديه ولا حتى قطرة ماء، بل ولديه احتياج كبير إليها. ألم يحتقر الفقير الذي كان ممتلئًا بالجراح؟ لكنه الآن يرغب في التطلع إليه، ولا يسمح له أحد بهذا. كان ذاك الفقير بجانب باب بيته، لكنه الآن في أحضان إبراهيم. كان الغنى يسكن تحت الأسقف الشاهقة لكنه الآن يمكث في لهيب الهاوية.

   فليسمع ذلك الأغنياء، وبالحري الأغنياء غير الرحماء، لأنه لم يُعاقب (الغَنِّي) لأنه كان غنيًا، وإنما لأنه لم يعط صدقة. فمن الممكن بالطبع أن الغني الذي يترأف يربح كل الخير. لهذا السبب فإن عينيّ الغَنِّي لم تكن مثبتة على أي شخص آخر إلاّ ذاك الفقير الذي كان في احتياج إليه، كي يعلم ـ متذكرًا ما فعله ـ إنه ينال جزاء ما فعله بعدلٍ. فهل لم يكن هناك فقراء صالحين لا يُحصى عددهم؟! لكن فقط الفقير، الذي كان بجوار باب الغني، هذا يظهر لكي يعلّمه وإيانا، كيف هو أمر حسن ألاّ نثق في المال. فالفقر لم يمنع لعازر مطلقًا من دخول ملكوت الله. والغِنى لم ينفع الغَنِّي أبدًا حتى يتجنّب الجحيم. حتى متى سيتملككم الشعور بأنكم معوزين وحتى متى ستشعرون بأنكم فقراء؟! فالفقير حقًا ليس هو من لا يملك أي شئ، وإنما ذاك الذي يرغب في امتلاك أشياء كثيرة. كما أنه ليس الغَنِّي من يملك الكثير، بل الغَنِّي هو الذي ليس لديه احتياج لأحد. لأن ما هى المنفعة أن يملك أحد العالم كله، ويعيش في قنوط أكثر من ذاك الذي لا يملك أي شئ؟ فالميول والرغبات، وليس الثروة أو الحرمان منها هى التي تجعل هؤلاء أغنياء وهؤلاء فقراء.

   أيها الفقير أتريد أن تصير غنيًا؟ يمكنك أن تصير كذلك طالما أنك ترغب في تحقيق ذلك، ولن يضع أحد أمامك أي عوائق. فقط احتقر أموال العالم، اعتبر أن ليس لها أية قيمة، وهى حقًا كذلك. أنزع عنك الرغبة في الغِنَى، وبهذا تصير غنيًا بالفعل. فإنه غَنِّي حقًا ذاك الذي لا يريد أن يكون غنيًا، وفقير هو ذاك الذي لا يريد أن يكون فقيرًا. كما أنه مريض حقًا ذاك الذي حتى حينما يكون معافى فإنه يُعاني كما لو كان مريضًا، وليس مريضًا ذاك الذي يحتمل المرض برضى أكثر مما لو كان بصحة تامة. بهذه الطريقة فإنه فقير أيضًا ذاك الذي لا يستطيع أن يحتمل فقره، لأنه حتى وهو في غناه يعتقد أنه فقير أكثر من الفقراء، وليس بفقير ذاك الذي يتحّمل الفقر بصورة أسهل من هؤلاء الأغنياء، لأن هذا بالحري يكون أغنى. أخبرني إذًا، لماذا تخاف الفقر؟ لماذا ترتعد منه؟ أليس لأجل الجوع أو بسبب العطش أو لأجل البرد أو لأجل أشياء أخرى مماثلة؟ لا يوجد شخص يمكن أن يُحرم من تلك الأشياء أبدًا ” انظروا إلى الأجيال القديمة وتأملوا. هل توكل أحد على الرب فخزي[16]. وأيضًا ” انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها[17]. فإنه لا يستطيع أحد أن يدّلنا على شخص قد هلك بسبب الجوع أو البرد.

   لأي سبب إذًا ترتعد من الفقر؟ لا تستطيع أن تجيب. لأنه إذا كان لديك وفرة من الخيرات الضرورية، فلماذا في نهاية الأمر ترتعد من الفقر؟ أبسبب أنك لا تحوز على عدد كبير من العبيد[18]؟ إن كان الأمر هكذا فإن هذا يعني التحرر من شهوة تملك العبيد، وهذا بحد ذاته يعني السعادة الدائمة، ويعني التحرّر من الاهتمامات العالمية. هل لأنه ليس لديك آنية ذهبية وأَسِّرَة وأثاث مصنوع من الفضة؟ هل من يحوز هذه الأشياء يتمتّع بها أكثر من تمتعك بما لديك؟ بالطبع لا، فهى متساوية من ناحية الاستخدام، بغض النظر عن كونها مصنوعة من هذه المادة أو تلك. هل لأنك لا تُخيف الآخرين؟ يجب ألاّ يصير مثل هذا أبدًا. لأن ما هى السعادة في أن يرتعب ويخاف منك البعض؟ هل لأنك تخاف الآخرين؟ لكن لا يوجد سبب يدعوك للخوف. ” أفتريد أن لا تخاف السلطان. افعل الصلاح فيكون لك مدح منه[19].

   لكن ربما يتساءل أحد: لماذا يُهمَل الفقراء ويعاملوا معاملة سيئة؟ نقول إن سبب هذه المعاملة هو بالتأكيد الشر وليس الفقر. لأن هناك فقراء كثيرين قد عاشوا كل حياتهم بدون أن يُعَاملوا معاملة كهذه، بينما تجد أن أغنياء كثيرين ورؤساء كانوا يُهمَلون ويعاملون معاملة أسوأ من فاعلي الشر واللصوص وناقبي القبور. فمن يفعل الشر ويعامل الآخر معاملة سيئة لا يفرق في هذا بين فقير أو غَنِّي ، لأنهم أيضًا يحسدون الأغنياء ويتقوّلون عليهم. فالإحتياج والعوز هو بالحري أفضل من أن نفعل الشر. فالذي يحسد يجنِّد كل قواه لفعل الشر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مَن يقدم إحسانات للفقير، فقد صار له ـ دون أن يدري ـ سببًا في تحرره من الحسد الذي يتملَّكه على الأغنياء. وحين يقال للحاسد إنه ربما يمكنه أن ينال كثيرًا، لو تخلّص من شخص له نفوذ، ولهذا يحسده، أما إن كان هذا الشخص فقيرًا، فما هى الفائدة التي ستعود عليه إن تخلّص من هذا الفقير؟ فلو أن الحاسد قد نظر للكل على أنهم فقراء فإنه لا يحسدهم وربما انطفأ غضبه. ومع ذلك كله فإن الحسد ضد الأغنياء لا يتوقف بل يدفع الحاسد كي يفعل الشر بكل قوته ويسكب سمومه. أرأيت كيف أنه لا الفقر ولا الغنى هو حسن في ذاته ولكن هذا يتوقف على رغباتنا الخاصة؟ لنتحكم في هذه الرغبات، لنهذبها كي تكون متزنة. فإن سارت هذه بصورة جيدة، فلا الغِنَى ولا الفقر يقدران أن يحرماننا من ملكوت السموات. ولكن سنتحمّل الفقر بلطف، دون أن نُحرم من التمتع بالخيرات العتيدة، ولا حتى من خيرات الحياة الحاضرة. ولكن سنتمتع بهذه، وسنفوز بالخيرات السماوية أيضًا. ليتنا جميعًا نفوز بهذه النعم، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح والذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس المجد والقوة والعزة الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.

 

+ + + + + + +

[1]  في8:1ـ11.

[2]  رو8:13.

[3]  رو18:12.

[4]  مت29:5.

[5]  في12:1ـ13.

[6]  في14:1.

[7]  في15:1.

[8]  في16:1.

[9]  في 17:1.

[10]  في18:1.

[11]  في19:1.

[12]  1تي2:4.

[13]  2كو14:8.

[14]  يشوع بن سيراخ 1:31.

[15]  لو24:16.

[16]  يشوع بن سيراخ 11:2.

[17]  مت26:6.

[18] حيث كانت حيازة العبيد منتشرة في ذلك العصر.

[19]  رو3:13.

رسالة فيلبي ع3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة الثانية

 

    ” بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ[1].

 

   يظهر الرسول بولس هنا كمن يكتب إلى أشخاص يساوونه في القامة فهو لا يستخدم رتبة المعلّم، ولكن تعبير آخر وهذا أمر عظيم. وما هذا الأمر إذًا؟ إنه يدعو نفسه عبدًا لا رسولاً. لأنها عظيمة أيضًا هذه الدرجة وتمثل قمة الأمور الصالحة، أي أن يكون الشخص عبدًا ليسوع المسيح وليس مجرد أن يُدعى عبدًا فقط. إذ أن مَنْ هو عبد للمسيح هو في الواقع حر من الخطية، والعبد الأصيل ليس عبدًا لأي سيد آخر، لأنه لا يستطيع أحد أن يكون عبدًا للمسيح وهو عبد لآخر في نفس الوقت. وحينما يكتب أيضًا إلى أهل رومية يقول: ” بولس عبد ليسوع المسيح “[2]. لكن حين يكتب إلى الكورنثيين وإلى تيموثاوس، يدعو نفسه رسولاً. لأي سبب إذًا يفعل ذلك؟ ليس لأن هؤلاء أسمى من تيموثاوس، مثل هذا التفكير هو أمر مستبعد، ولكن لأنه يُجلّهم ويُظهر عناية بهم أكثر من كل الآخرين الذين كتب إليهم، كما أنه يشهد لهم بفضائل كثيرة. وهناك قد استعمل رتبته كرسول لأنه كان ينظِّم أشياء كثيرة، أما هنا فلم يكن يوجد شئ ينظِّمه، إلاّ تلك الأمور التي لا يعرفونها.

   ” إلى القديسين في المسيح يسوع الذين في فيلبي “. هؤلاء بالطبع هم فقط القديسون أما الآخرون فدنسون. فهو يضيف إلى كلمة “إلى القديسين” عبارة “في المسيح يسوع” لأنه كان من الطبيعي أن اليهود أيضًا يدعون أنفسهم “قديسين” وذلك حسب ما ورد في العهد القديم، حيث دُعوا شعبًا مقدسًا وأمة مختارة.

   “مع أساقفة وشمامسة “. ماذا يعني هذا؟ هل كان هناك أساقفة كثيرون في مدينة واحدة؟ بالطبع لا، لكنه قد دعى الكهنة أيضًا هكذا. لأنه في ذلك الوقت كان لايزال هناك تبادل بين الألقاب[3]، كما أن الأسقف دُعى خادم. لأجل هذا كتب لتيموثاوس يقول ” تمم خدمتك ” في حين أنه كان أسقفًا. ويتضح أنه كان أسقفًا من قوله: ” لا تضع يدًا على أحد بالعجلة “، وأيضًا ” لا تهمل الموهبة التي فيك المعطاة لك مع وضع أيدي الشيوخ “[4]. وبالطبع لم يكن ممكنًا للشيوخ (الكهنة) أن يسيموا أسقفًا. وأيضًا يكتب إلى تيطس قائلاً: ” من أجل هذا تركتك في كريت لكي تقيم في كل مدينة شيوخًا كما أوصيتك، إن كان أحد بلا لوم بعل إمرأة واحدة … الخ “[5]. وهذه العبارة يقولها عن الأسقف. وبمجرد أن قال ذلك أضاف ” لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم، كوكيل الله، غير معجب بنفسه “[6]. إذًا ـ فكما قلت ـ فإن الكهنة أيضًا في ذلك الوقت كانوا يُدعون أساقفة وشمامسة المسيح، والأساقفة كانوا يُدعون كهنة[7]. ولهذا فهنا أيضًا تأتي كلمة أساقفة مع كلمة كهنة وشمامسة. لكن من ناحية أخرى فقد  أُعطى لكل واحد اللقب الذي يخصه، أي لقب الأسقف ولقب الكاهن. ويستكمل قائلاً “ مع أساقفة وشمامسة، نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح “. لماذا إذًا يكتب في هذه الرسالة إلى الإكليروس، بينما لا يكتب إليهم في أي رسالة أخرى، لا في رسالة رومية، ولا في رسالة كورنثوس، ولا في رسالة أفسس، بل يكتب بصفة عامة إلى كل القديسين، والمؤمنين، والمحبوبين؟ والإجابة هى أن هؤلاء أرسلوا مساعدة وظهر ثمرهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هم أيضًا أرسلوا إليه أبفرودتس.

   ” أشكر إلهي عند كل ذكرى إياكم[8]. هذا ما يقوله هنا، أما في رسالة أخرى فإنه يقول ” أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يُعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح لا آنين “[9] إذًا فإن كان الأنين هو بسبب سوء سلوك التلاميذ، فإن قوله بخصوص تتميم العمل بفرح، يأتي بسبب نموهم وتقدمهم. إذًا هو يشكر الله كلما يتذكرهم. وهو يفعل هذا لأنه يعرف صلاحهم الكثير. يقول أشكر وأتوسل. بالطبع لن أكف عن الصلاة لأجلكم، لأنكم تقدمتم في الفضيلة، بل ” أشكر إلهي عند كل ذكرى إياكم، دائمًا في كل أدعيتي مقدمًا الطلبة لأجل جميعكم بفرح “. يقول “دائمًا”، وليس فقط عندما أصلي، ويضيف “بفرح”، لأنه من الممكن أن يفعل ذلك بحزن، مثلما قال في موضع آخر: ” لأني من حزنٍ كثيرٍ وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة “[10].

   ” بسبب مشاركتكم في الإنجيل من أول يوم إلى الآن[11]. هنا هو يشهد لهم شهادة عظيمة. أجل فالشهادة التي يشهدها الرسل والإنجيليون لشخص ما هى شهادة عظيمة جدًا. يقول إنكم تهتمون ليس فقط بسبب أنكم تعهّدتم خدمة مدينة، ولكنكم تفعلون كل شئ، حتى أنكم تشاركونني في آلامي في كل مكان تعضدونني وتشاركونني كرازتي. مُحاكين غيرة الرسل وهذا تفعلوه لا لسنة واحدة فقط ولا سنتان ولا ثلاثة ولكن بصورة دائمة، منذ أن آمنتم وحتى الآن. لاحظ كيف أن كل الذين في أسيا انصرفوا عنه، اسمع ما يقوله ” أنت تَعْلَم هذا أن جميع الذين في أسيا إرتدوا عني[12]. وأيضًا   ” ديماس قد تركني ” أيضًا يقول ” في إحتجاجي الأول لم يحضر أحـد معي[13]. لكن الفيلبيون برغم أنهم غائبون إلاّ أنهم يشاركونه أحزانه ويرسلون له رجلاً، ويقدّمون مساعدة بحسب الطاقة، وبصورة عامة لا يهملون أى شئ. هكذا يظهر أنه ليس الآن فقط، ولكن في كل وقت وبكل طريقة يقدمون العون. بالتالي فإن هذا التعضيد هو مشاركة في نشر الإنجيل. لأنه حينما ينشغل هو بالبشارة، وتهتم أنت بمن يُبشر، فإنك تشارك في مجده وكرامته. ففي المسابقات الرياضية، لا تُنسب الجائزة للرياضي فقط، ولكن لمن يرعاه وللمدرب أيضًا، وبصورة عامة لكل الذين يقومون على تدريبه وتعليمه. لأنه من الطبيعي أن هؤلاء الذين يساندونه ويشجعونه، أن يشاركونه إنتصاره أيضًا. كذلك في رياضة المصارعة، من الطبيعي أن كل الذين يتعهّدون المصارع بالرعاية يشاركون في أكاليل الإنتصار والمجد، فلا يُكلّل فقط هذا المصارع الذي فاز في المباراة، بل أيضًا الذين شاركوا في إعداده للمباراة. لذلك فإن العناية بالقديسين لا تجعلنا نفوز بأشياء صغيرة وإنما بأشياء عظيمة، لأنها تجعلنا شركاء في المكافأة المحفوظة لهم. على سبيل المثال، إن كان أحد قد ترك أموالاً كثيرة من أجل الله، واعتمد على الله في كل شئ، ومارس فضيلة عظيمة، وكان مدققًا في الأقوال والأعمال، وبشكل عام في كل شئ، فهل من الممكن أن تصير أنت أيضًا، دون أن تظهر هذا التدقيق في حياتك شريكًا في المكافأة المحفوظة لدى الله لأولئك (السالكين بحسب مشورة الله)؟ وبأي طريقة؟ نعم يمكنك هذا، إذا خدمت الله بأقوالك وأفعالك، إذا ترجّيته، وقدمت كل ما هو ضروري لأجل الخدمة. لأنك ستكون أنت من يجعل الطريق الصعب أسهل.

   فإذا أُعجبتم بمَن هم في البراري الذين اختاروا المعيشة الملائكية، وأولئك الذين يحيَوْن في الكنائس نفس الحياة التي يحياها النساك في البراري، وإذا تعجبتم وحزنتم على أحوالكم لأنكم تنقصون عنهم كثيرًا، فتستطيعون بطريقة أخرى أن تشتركوا معهم، في هذه الحياة الملائكية، بأن تخدموا وتعتنوا بآخرين. لأن هذا هو مثال لمحبة الله للبشر، بمعنى أنه يقود الواهنين وغير القادرين أن يسلكوا بنفس الطريقة (التي يسلك بها النساك في البراري) والتي تتسم بالصعوبة والقسوة، والتي تحتاج إلى استقامة، يقودهم إلى طريق آخر وهو خدمة الآخرين، فيعيشوا في حياة ملائكية. وهذا يدعوه ق. بولس شركة فيقول: ” يكونوا شركاءنا “، في الإحتياجات الجسدية، ونحن نكون مشاركين ومساهمين معهم في الحاجات الروحية[14]. فإن كان الله يمنح ملكوت السموات لأجل أعمال صغيرة وضئيلة، فإن عبيده أيضًا، مقابل الأشياء الصغيرة والمادية، ينالوا الروحيات. وبالحري فإن الله هو الذي يعطي هذه وتلك لعبيده.

   ألا تستطيع أن تصوم، أو أن تعيش بمفردك، أو أن تنام على الأرض، أو تسهر للصلاة؟ من الممكن أن تنال مكافأة عن كل هذه الأمور، إذا فعلت ذلك بطريقة أخرى؛ بأن تعتني بمن يقوم بها وأن تريحه وبأن تدهنه باستمرار وتخفف من أتعابه. لقد وقف كي يحارب وقد يُجرح، فلتعتن أنت به حينما يعود من جهاده، استقبله بأحضان مفتوحة، امسح عنه عرقه لكي تريحه، يجب أن تصلي وتشدّد النفس المُتعبة، وتُخفف عنها. فإن كنا نخدم القديسين بهذا الحماس، فنحن نشاركهم في مكافأتهم. هذا ما يقوله المسيح له المجد ” اصنعوا لكم أصدقاءً بمال الظلم، حتى يقبلونكم في المظــال الأبدية[15].

انظر كيف أصبح  هؤلاء مشاركين؟ ” من أول يوم .. إلى الآن “. يقول إنني أفرح، ليس فقط من أجل ما حدث في الماضي، ولكن من أجل ما سيحدث في المستقبل أيضًا، لأن ما حدث في الماضي، يجعلني أتنبأ بما سيحدث في المستقبل أيضًا.

   “ واثقًا بهذا عينه، أن الذي ابتدأ فيكم عملاً صالحًا يكمّل إلى يوم يسوع المسيح[16]. انتبه كيف أنه يعلّمهم أن يكونوا متواضعين. فلأنه قد شهد لهم بشئ عظيم، ولكي لا يشتهوا شيئًا بشريًا، فإنه يعلّمهم مباشرةً أن ينسبوا للمسيح كل ما فعلوه سواء في الماضي أو ما سوف يفعلوه في المستقبل. كيف؟ لأنه لم يقل، عندي ثقة أنه كما بدأتم، هكذا ستكملون، ولكن ماذا قال؟ ” إن الذي ابتدأ فيكم عملاً صالحًا، يكمّل “. كما أنه لم ينكر عليهم إنجازهم، حيث إنه من الواضح أن قوله: أفرح لسبب مشاركتكم، يعكس ما قد حققوه من نجاح في هذا العمل. ولم يقل إن هذه الإنجازات خاصة بهم فحسب، ولكنها خاصة بالله في المقام الأول. لأنه قد قال ” واثقًا بهذا عينه أن الذي ابتدأ فيكم عملاً صالحًا يكمِّل إلى يوم يسوع المسيح “، وهذا يعني أن الله هو العامل فيكم.

   هكذا يقول ق. بولس إني مستعد ليس فقط لخدمتكم بل أيضًا والاعتناء بكل ما يأتي من قِبَلِكم. وهذا الثناء ليس بالمديح البسيط أى أن يكون الله هو العامل في المرء. لأنه إن كان الله لا يحابي وهو حقًا لا يحابي، ولكنه عندما يساعدنا في أعمالنا فهو ينظر إلى نيتنا، ومن الواضح أن المسئولية في أن ندعوه لموآزرتنا تقع على عاتقنا، فلو كان الله يعمل بدون تمييز حتى أنه يحركنا كالأخشاب أو الأحجار دون أن يكون لنا أى دور، لما كان هناك شئ يمكن أن يعوق عمله، بل لكان من الممكن حتى للوثنيين وجميع الناس أن يتمتعوا بعمله. وقوله “الله يُكمِّل” يُمثل مديحًا لأولئك الذين تقبلوا نعمة الله، لكي يساعدهم على النمو بصورة تفوق الطبيعة البشرية. ومن ناحية أخرى فإن هذا هو تمجيد لله، إذ أن أعمالهم الصالحة لا يمكن أن تكون بمساعدة بشر بل تحتاج إلى عمل الله. فإن كان الله سوف      ” يكمّل” فلن يكون هناك تعب كثير، وبناء عليه يجب أن يكون لديهم ثقة كبيرة، إذ أنهم سوف يتممون كل شئ بسهولة كبيرة نتيجة لحصولهم على المعونة الإلهية.

   ” كما يحق لي أن أفتكر هذا من جهة جميعكم لأني حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته أنتم الذين جميعكم شركائي في النعمة[17]. في البداية يُظهر هنا شوقه الشديد لأهل فيلبي، إذ أنهم في قلبه، يتذكرهم وهو موثق في الحبس. إن مدح هؤلاء الرجال ليس بالأمر البسيط، لأن محبة ق. بولس لم تأتِ نتيجة رؤية عادية، بل أتت بعد حكم مستقيم وتفكير سليم. وبالتالي فإن محبة ق. بولس الكبيرة لشخص ما، هى برهان على أنه شخص عظيم ويستحق الإعجاب. ثم يقول: ” وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته “. ما هو العجيب أن يتذّكر هؤلاء في حبسه؟ لأنه يُعبّر عن ذلك بقوله: إنني لم أنساكم ولا حتى في لحظة دخولي إلى ساحة المحاكمة للدفاع. هكذا فإن المحبة الروحية هى بالغة العظمة، لأنها غير مرتبطة بأي وقت، بل على الدوام تبقى ملتصقة بالنفس المحبَّة، كما أنها لا تسمح لأى حزن أو ألم أن يتغلّب عليها. فكما حدث بالتمام في آتون بابل، فبالرغم من أن ألسنة اللهب كانت تعلو جدًا، كان لدى أولئك الفتية المطوّبون إحساس بأنها كالماء الرطب، هكذا أيضًا المحبة بعدما تتملك على نفس المُحب، ويُسر الله بها، فإنها تُبعد كل لهيب عنه وتمنحه برودة وسلامًا.

   يقول “وتثبيته” (الإنجيل) فالقيود إذًا كانت بمثابة تثبيت للإنجيل، كانت للدفاع عنه. وهى هكذا حقًا، لكن كيف؟ لأنه إن كانت لديه الرغبة في تجنّب القيود، لكان قد أعطى إنطباعًا أنه مخادع، ولكن ذاك الذي يصبر على كل شئ، من قيود وأحزان، يُظهر أنه لم يقاسِ هذه الأمور لأجل غرض بشري، ولكن لأجل الله الذي يكافئ. لأنه لا يوجد شخصٍ يُفضّل أن يموت، وأن يتعرّض لمثل تلك المخاطر المروّعة، وأن يقبل التصادم مع مثل هذا الإمبراطور، أعني نيرون، إلاّ إذا كان يعتمد على ملك آخر أكثر عظمة منه، وبالتالي فإن قيوده كانت بمثابة تثبيت للإنجيل وشهادة للكرازة. لاحظ كيف أنه بحكمة عظيمة قد أدار كل شئ إلى الإتجاه الصحيح. لأن ما كانوا يعتقدون أنه ضعف ومحل إتهام، يُسميه هو تثبيتًا للإنجيل، ولو كان قد فعل عكس ذلك، لكان فعله هذا هو الضعف عينه.

   بعد ذلك يُظهر أن محبته ليست مجرد مشاعر، وإنما مبنيّة على حكم صائب، لماذا؟ لأنه يقول إنكم في قلبي، وفي وثقي ودفاعي، ذلك لأنكم تشاركوني في النعمة، فماذا يعني ذلك؟ وهل نعمة الرسول بولس هى في أن يُحبس موثقًا، وأن يُطرد، وأن يعبر كل هذه الآلام؟ نعم، لأنه مكتوب « تكفيك نعمتي. لأن قوتي في الضعف تُكمل»[18] لذلك فهو يُسّر بالضعفات والشتائم. ويستكمل أيضًا كيف أنهم جديرين بالمحبة فيقول: ومن أجل هذا أجدني أفكر في كل ذلك، لأني أراكم راغبين أن تظهروا الفضيلة بأعمالكم، وأن تشاركوا في هذه النعمة. لأني أعرفكم حق المعرفة، أجل وأكثر من الكل، وأعرف أعمالكم الحسنة، لأنه وإن كنتم تبعدون كثيرًا جدًا عنا وتجاهدون، فلكي لا تنقصوا عنا في الضيقات، لكنكم تشاركون في التجارب لأجل الإنجيل، ولستم أقل مني في شئ، أنا الذي في خضم الجهاد، وأنتم البعيدين عنا، لذلك فإني أشهد لكم بذلك وبحق.

   لكن لماذا لم يقل “مشاركين”، وإنما “مشاركين معي”؟ لأنه يقول وأنا نفسي أرتبط بآخر « لأكون شريكًا فيه »[19]، أى لأجل أن أشترك في الخيرات المذخّرة لنا بحسب وعود الله في الإنجيل. والذي يدعو للدهشة أكثر، أنهم بهذه الطريقة، جميعهم يرغبون في هذه الشركة لأنه يقول ” جميعكم شركائي في النعمة “. ولأنكم بدأتم حسنًا، فلديّ ثقة أنكم ستكونون هكذا حتى النهاية. لأنه ليس من المحتمل أن تزول وتنتهي مثل تلك البداية المتوهجة، وإنما ستؤول إلى نهايات مدهشة.

   وطالما أنه يوجد طريق آخر لكي يشارك أي أحد في النعمة، وفي التجارب والأحزان فأنا أرجوكم أن تشاركوا أنتم أيضًا في هذا. فكم من الموجودين هنا ـ وربما الكل ـ لديهم رغبة في أن يصيروا شركاء مع ق. بولس في خيرات الدهر الآتي. إن هذا ممكن إن شاركتم في مساعدة هؤلاء الذين يكمّلون مسيرة الخدمة بعده، أولئك الذين يجتازون المصاعب لأجل المسيح. فإن رأيت أخيك يجتاز تجربة ما، ابسط يدك كي تساعده. وإن رأيت معلّمًا يجاهد لنشر الإنجيل، قف بجانبه. لكن قد يقول أحد إنه لا يوجد من هو مثل بولس، قد اجتاز معاناة وإزدراء ومهانة. أنا أيضًا أعترف أنه ليس أحد كبولس. غير أن الرب قد قال: ” من يقبل نبيًا باسم نبيٍّ، فأجر نبي يأخذ[20]. وهل لأجل هذا افتخر أهل فيلبي، لأنهم عملوا مع ق. بولس؟ ليس لأجل هذا وإنما لأنهم كانوا مشاركين في الكرازة. لأجل هذا فقد احتل ق. بولس مكانة سامية، لأنه اجتاز هذه الآلام من أجل المسيح. والواقع أنه لا يوجد أحد مثل ق. بولس، ولا يستطيع أحد أن يدنوا من مكانة هذا الرجل المطوّب. ولكن العمل الكرازى هو واحد في كل وقت. على أنهم لم يكونوا مشاركين فقط في آلام ق. بولس حينما كان مقيدًا، وإنما أيضًا منذ بداية كرازته لهم. اسمعه حينما يقول ” وأنتم أيضًا تعلمون أيها الفيلبيون أنه في بداءة الإنجيل لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ إلاّ أنتم وحدكم[21].

   حتى بدون تجارب فإن معلّم الإنجيل عليه أيضًا أن يجوز جهادًا صعبًا، فهو يسهر ويتعب، يتكلم ويعلّم، بل ويواجه انتقادات، إتهامات، وملامة، وحسدًا. فهل هذه كلها أمور صغيرة؟ إنه يتحمل مضايقات كثيرة مثل هذه، بالإضافة إلى الإهتمام بكل شئونه. الويل لي ماذا أفعل؟ فإني محصور بين شيئين. لأنني أرغب أن أحضّكم وأحثّكم على التعاون والمساعدة في احتياجات قديسي الله، لكنني أخشى أن يرتاب أحد في شئ آخر، وهو أنني أقول هذا ليس لمنفعتكم أنتم، ولكن لأجل منفعة هؤلاء. لكنكم تعلمون أنني لم أقل هذا لأجل هؤلاء. ولكن لأجلكم أنتم. وإذا أردتم فانتبهوا، لأنني سأقنعكم بهذه الكلمات.

   إن الفائدة ليست متساوية لكم ولهم. لأنكم إن أعطيتم، فإنكم تعطون ما سوف تهجرونه وتتركونه لآخرين بعد قليل، بإرادتكم أو بدون إرادتكم، لكن ما ستنالونه هو أكبر وأهّم بكثير. أم أنكم لا تفعلون ذلك وأنتم مقتنعين بأنه حينما تعطون فإنكم بالحّري تنالون؟ لأنه لو لم تكن هذه هى قناعتكم، فلا أريد أن تعطوا، ولا أقول هذا لأجل تعضيد هؤلاء (القديسين). لأنه إن كان أحد لا يهيئ نفسه مسبقًا، بهذه الطريقة وهى أنه حين يُعطي فهو في الحقيقة كأنه يأخذ أكثر مما يعطي، وكأنه يربح بدون حصر، وكأنه ينال نعم، أكثر مما يقدم، (إن لم يفكر هكذا)، فلا يجب أن يُعطى. فإن موضوع تعضيد القديسين بالنسبة لي ليس هو محل إهتمامي البالغ، ذلك لأنه حتى وإن لم تعطِ أنت فسيعطي آخر. فإن ما أريده، هو أن تتحرّروا من خطاياكم، لأن من لا يعطي بهذه النية، لن يتعزَ، فليس من الصدقة أن تقدم فقط، ولكن أن تقدم برغبة وفرح كثير، وأن تتيقن أنك تعطي بإمتنان. ” ليس عن حزنٍ ” كما يقول (الكتاب)، « أو إضطرار. لأن المُعطي المسرور يحبه الله »[22]. إذًا فإن أعطى أحد صدقة بغير هذه الطريقة، فيجب ألا يعطي، لأن هذه ستكون خسارة، وليست صدقة. فإذا عرفتم أنكم أنتم الذين ستربحون وليس هؤلاء، فإن مكافأتكم تصبح أكبر. فبالنسبة لهؤلاء فإن جسدهم سيقتات بعطاياكم، ولكن بالنسبة لكم ستنالون عطايا روحية، فحينما يأخذون إحسانًا لا تُغفر لهم أي خطية، ولكن بالنسبة لكم ستتجنبون عثرات كثيرة. لنشارك إذًا هؤلاء في جهادهم، كي يكون لنا أيضًا نصيب معهم في المجازاة العظيمة. البعض يتبنى خدمة السلطان، معتقدين بذلك أنهم ربما يحصلوا على مزايا أكثر مما يقدمون. لكن أنت فلتقدم الخدمة للمسيح، وحينئذٍ ستحيا في أمان عظيم. أتريد أن يكون لك شركة مع ق. بولس؟ ولماذا أقول شركة مع بولس، في الوقت الذي فيه المسيح هو الذي يأخذ؟ لكي تعرفوا أنني أقول وأعمل كل شئ لأجلكم، بدون أن أهتم براحة الآخرين. إن كان أحد من أراخنة الكنيسة يعيش في ثراء وليس له أي احتياج، فحتى وإن كان قديسًا لا تعطي له صدقة، لكن فلنفضِّـل ذاك الفقير، بغض النظر عن كونه ليس محط إعجاب. لماذا أتكلّم هكذا؟ لأن المسيح أيضًا يريد ذلك حينما يقول: ” إذا صنعت غداء أو عشاء فلا تدع أصدقاءك ولا أقرباءك، بل الجُدْع، العُرْج، العُمي، إذ ليس لهم حتى يكافوك[23]. لأنه لا يجب أن تقيموا مجرد موائد وولائم، وإنما أن تقيموها للجوعى والعطشى والعراة، والغرباء، والذين افتقروا وضاعت ثرواتهم. لأنه لم يقل مجرد أنكم أطعمتموني، ولكنه يقول: ” جُعت“، أي لأنكم رأيتموني جائعًا فأطعمتموني[24].

   وبالطبع إن كان يجب أن نطعم أي أحد جائع، فبالأكثر جدًا يجب أن نعطي، حينما يكون ذلك الجائع قديسًا، وحينئذٍ تكون الفضيلة مزدوجة. ومن الطبيعي أيضًا إن كان أحد قديسًا، ولكنه غير محتاج، فلا يجب أن تعطيه، لأننا لن ننتفع من هذه العطية بشيء، وبالطبع فإن السيد المسيح لم يأمر بهذا، وبالحري فإن ذاك الذي عنده خيرات وفيرة ويقبل من الآخر عطايا هو ليس قديسًا بالمرة. أرأيت كيف أن هذه الأمور لم تعطَ لنا لأجل الحصول على الربح القبيح، بل من أجل منفعتك أنت؟ اطعم الجائع، حتى لا تغذي نار جهنم. ذاك الذي يأكل مما لك، يقدس البواقي أيضًا. تذكر كيف أن الأرملة كانت تعول إيليا النبي[25]، والحقيقة أن بفعلها هذا، هى لم تقوته، بل هى التي إقتاتت، لم تعطِ بل بالحري هى التي أخذت. هذا ما يحدث الآن أيضًا، وبدرجة أكبر. حيث إن المكافأة لهؤلاء الذين يصنعون إحسانًا ليست كوار دقيق، ولا كوز زيت. ولكن ماذا تكون؟ المكافأة مقابل هذا هى مائة ضعف والحياة الأبدية. لتكن رحمة الله هى القوت الروحي، والخميرة النقيّة. فهذه الأرملة إقتربت من الجوع الشديد، ولكن لم يمنعها شئ عن تقدمتها، لم يمنعها أيضًا ولا حتى وجود أولاد لها. لقد أصبحت مساوية لتلك التي قدّمت فلسين[26]. لم تقل لنفسها، ماذا سأربح من هذا؟ إن ذاك (إيليا النبي) محتاج لي، فإن كانت لديه قوة ما، ما كان ليعاني الجوع، ولكان قادرًا أن يوقف الجفاف، ولن يكون مسئولاً عن كل هذا، فربما يكون قد أذنب إلى الله. لا شئ من هذا قد خطر ببالها.

   أترى كم هو حسن أن تفعل الخير ببساطة قلب، وألاّ تكون فضوليًا بصورة مبالغ فيها من جهة ذاك الذي ينتفع بهذا الخير؟ فلو أرادت (الأرملة) أن تكون فضولية، لكانت قد تردّدت، ولما صدَّقت. هكذا أيضًا فإن ابرآم، لو كان فضوليًا، ما كان قد استقبل الملائكة. لأنه لا يمكن، ولا يقدر أن ينجح أبدًا مَن يفحص هذه الأشياء بصورة تفصيلية، بل عادة ما يقع بين مخادعين. سأقول لكم كيف يحدث هذا. إن الشخص التقِّي لا يرغب أن يُظهر تقواه، كذلك لا يرتدي زيًا خاصًا، حتى وإن كان سيُحتقر. أما المُخادع، فلأن الأمر بالنسبة له يمثل حرفة، فإنه يُحيط نفسه بكثير من التقوى المزيفة، وبصعوبة يُكتشف. حتى أن الأول (التقي) بينما يُحسن الصنيع مع أولئك الذين يظهرون أنهم غير أتقياء، فإنه سيقع بين الأتقياء، أما الثاني، فبينما يطلب هؤلاء الذين يُعتقد أنهم أتقياء، فإنه سيقع غالبًا في أيدي غير الأتقياء. لأجل هذا، أرجوكم أن تعملوا كل شئ ببساطة. لنفترض أن الذي يأتي إليك هو مُخادِع، فلا تنشغل بأن تفحص هذا. فإن الرب يقول: ” وكل من سألك فأعطه[27]. وأيضًا ” أنقذ المنقادين إلى الموت، والممدودين للقتلِ. لا تمتنع[28]. فبالرغم من أن الغالبية من هؤلاء الذين يُقتلون يتحملون هذا بسبب أنه قد قُبض عليهم وهم فاعلي شر، ولكنه يقول “لا تمتنع”. بذلك سنكون متشبّهين بالله، وسنصير مستحقين للتقدير، ونفوز بالخيرات الأبدية، والتي نرجوا أن نكون مستحقين لها. بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، والذي يليق به ومع أبيه الصالح والروح القدس الكرامة والقوة والمجد، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

+ + + + + + +

1 في1:1ـ2.

[2] رو1:1.

[3] لقب ep…skopoj (ابيسكوبوس) عادة ما يأتي في العهد الجديد بالتبادل مع لقب presbÚteroj (برسفيتروس) (انظر أع28:20) وهو يُشير إلى الشخص المسئول عن الأمور الإدارية والرعائية بجانب خدمته الروحية.

[4]  1تي22:5، 14:4.

[5]  تي5:1ـ6.

[6]  تي7:1.

[7] كلمة “كهنة” تشمل كل درجات الكهنوت في لغة الكتاب، وكذلك الترجمة الخاصة بكلمة “شيوخ” فقد يكون الشيخ أسقفًا أو قسًا أو رسولاً. انظر قداسة البابا شنودة الثالث، الكهنوت الجزء الأول، القاهرة 1985م، ص66.

[8]  في 3:1ـ4.

[9]  عب17:13.

[10]  2كو4:2.

[11]  في5:1.

[12]  2تي15:1.

[13]  2تي10:4ـ16.

[14]  رو27:15.

[15]  لو9:16.

[16]  في6:1.

[17]  في7:1.

[18]  2كو9:12ـ10.

[19]  1كو23:9.

[20]  مت41:10.

[21]  في15:4.

[22]  2كو7:9.

[23]  لو12:14ـ14.

[24]  مت35:25.

[25]  راجع 1مل9:17ـ16.

[26]  قارن مر42:12.

[27]  لو30:6.

[28]  أم11:24.

 

رسالة فيلبي ع2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

مقدمة عن الرسالة

 

فيلبي هي أول مدينة في أوربا يكرز فيها الرسول بولس بالمسيحية. فلقد رأى في أحد الليالي رؤية؛ رجل مكدوني قائم يطلب إليه ويقول: ” أعبر إلى مكدونية وأعنا” (أع9:16). وقد فهم القديس بولس المعنى، وأن الرب يريد أن يرسله إلى هناك، فذهب إليها عام 49ـ50، بعد مروره على ساموثراكي ثم نيابولي، ومن هناك 13كيلومترًا شمال غرب إلى فيلبي[1].

ويحدثنا القديس لوقا الإنجيلي كاتب سفر أعمال الرُسل عن إنشاء أول كنيسة في أوربا وعن إيمان ليدية بائعة الأرجوان، ثم سجن بولس وسيلا في فيلبي، وأيضًا إيمان حافظ السجن هو وأهل بيته وعمادهم. (أع11:16-40).

رسالة فيلبي هي إحدى رسائل الأسر الأربعة: أي رسائل أفسس وكولوسي وفليمون بالإضافة إلى رسالة فيلبي، وذلك لأن الرسول بولس كان مقيدًا في الأسر حين كتبها، كما جاء في رسالة فيلبي 7:1، 12ـ17. ويتفق التقليد الكنسي القديم على أنه في روما، وبالتحديد أثناء سجنه الأول بها (61ـ63م) تمت كتابة هذه الرسائل الأربعة.

لقد كان للرسول بولس علاقات قوية وخاصة مع كنيسة فيلبي، ويتضح ذلك من محتوى الرسالة، فهي أكثر رسائله تعبيرًا عن مشاعره الشخصية الفياضة. يمكن أن نصفها “برسالة الفرح”، وذلك لأن موضوع الفرح ونصح القديس المستمر للفيليبيين بأن يفرحوا يسود في هذه الرسالة. ومن الممكن أيضًا أن توصف “برسالة الإتضاع”، فهذا الموضوع يتخلل الرسالة، ويتدرج حتى يصل إلى قمة الإتضاع الذي يمثِّله التسبيح والتمجيد لرب المجد يسوع المسيح، “الذي إذ كان في صورة الله.. أخلى نفسه، أخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. (في6:2-8).

 

 

 

+ + + + + + +
مقدمة عن العظات

 

يرى Baur أن العظات الـ15 أٌلقيت في مدينة أنطاكية، والسبب في ذلك كما يعتقد، إنه في أنطاكية كانت لدى القديس يوحنا ذهبي الفم الفرصة المناسبة لكي يلقي هذه العظات. ومع ذلك فإن هناك من الدلائل التي تبين إنه ألقاها أثناء فترة أسقفيته، وخاصة في العظة5:9، مما يراه البعض برهانًا على أن هذه العظات تعود إلى زمن متأخر، وأنها أُلقيت في مدينة القسطنطينية وليس أنطاكية[2].

ويرّكز القديس يوحنا ذهبي الفم في هذه العظات الثمانية على موضوعات هامة تشمل الحياة الروحية، وأيضًا الأمور اللاهوتية. فهو يتكلم عن أهمية المحبة المتمثِّلة في عمل الرحمة وتقديم العطاء، مؤكدًا على أن الذي يعطي هو شخص رابح، كما إنه من الطبيعي أن الإنسان سوف يهجر هذه الأموال سواء بإرادته أو بدونها.

ويؤكد على أن المحبة لا ينبغي أن تتوقف أبدًا. مُشيرًا إلي كلام الرسول بولس بأن المحبة يجب أن تكون بتعقل وتمييز، فلا يمكن القبول بعقائد زائفة بحجة المحبة.

وحينما يتحدث عن الفقر والغِنيَ يؤكد على أن الفقير حقًا، ليس هو من لا يملك الأشياء، بل هو من عنده الرغبة في امتلاك أشياء كثيرة، كذلك فإن الغَنِّي الحقيقي، هو ذاك الذي ليس لديه احتياج لأحد. فالميول والرغبات، وليست الثروة أو الحرمان منها، هي التي تجعل هذا غنيًا وذاك فقيرًا.

أيضًا يمتدح القديس يوحنا ذهبي الفم، الرسول بولس ويبين مكانته العظيمة، ويؤكد أن ليس هناك مثله من إجتاز هذه الصعاب الكثيرة لأجل المسيح. ويبين أن بقاء الرسول بولس في هذه الحياة كان من أجل منفعة الآخرين وخلاصهم وفرحهم. فالحياة الحاضرة لابد أن يكون لها ثمر وإلا فلا قيمة لها، أما النقطة الأساسية فهي أن تكون الحياة في المسيح.

ثم يقول إنه لا ينبغي أن نحزن على الأبرار الذين ينتقلون من هذا العالم، وإنما على هؤلاء الذين يعيشون في الخطية. كما إنه ينتقد المظاهر السيئة وغير اللائقة التي تصاحب إظهار الحزن على المنتقلين.

يحث القديس بولس أهل فيلبي على التواضع ووحدة الفكر، ويشير إلى التجسد الإلهي باعتباره النموذج الأمثل للتواضع. وفي هذا الصدد يستعرض القديس يوحنا ذهبي الفم الهرطقات المضادة للتجسد الإلهي ويفّندها، مثل هرطقة سابيليوس وماركيون وآريوس وغيرها. ويشرح القديس يوحنا ذهبي الفم بالتفصيل موضوع مساواة الإبن للآب، كذلك يشدد أيضًا على إنه أخذ جسدًا حقيقيًا. فهو يدافع عن إلوهية الرب يسوع وناسوته أيضًا. فمن ناحية لاهوته يقول إنه من غير الطبيعي أن يختلس أحد طبيعته الكائن فيها، ولا طبيعة أعلى منه أيضًا. وإنه ليس تواضعًا أن يخضع من هو أدنى لمن هو أعلى منه مقامًا، فهذا أمر طبيعي، ولكن العكس يُعّد تواضعًا. ولأنه في حالة الآب والإبن لا يوجد أعلى وأدنى فقد عرض الرسول بولس لمسألة مساواة الإبن بالآب. وهو بذلك يُعَّد النموذج الأمثل لكي نقتدي به في تعاملاتنا نحن البشر المتساويين في الطبيعة.

ويشير ق. يوحنا ذهبي الفم أن للكلمة المتجسد طبيعته الإلهية منذ الأزل، إذ هو إبن الله. لذلك فهو قادر على أن يضع نفسه ويأخذ شكل طبيعتنا دون أن يفقد ماله أصلاً. فلو كان خضوعه وطاعته وموته قد تم دون إرادته لما حُسب ذلك تواضعًا، وبالتالي لما كان الرسول بولس قد أورده كمثل أعلا للتواضع.

كما يرُّد القديس يوحنا ذهبي الفم أيضًا على أتباع ماركيون الذين يقولون إنه لم يصر إنسانًا حقيقيًا وإنما مشابهًا للإنسان، مستخدمًا آيات الكتاب المقدس مثل “الكلمة صار جسدًا” يو14:1. فكلام الرسول واضح إنه “أخذ صورة عبد”. فكما أن “صورة الله” تعني الله الكامل، هكذا فصورة الإنسان تعني الإنسان كاملاً بنفس وجسد. ولو أن الكلمة لم يأخذ جسدًا حقيقيًا فمن يكون الذي قد إتزَّر بمنشفة وغسل أرجل التلاميذ؟!.

ويُشير إلى أن الإتضاع يرفعنا، أما الكبرياء فهو عكس ذلك بل هو شر عظيم. فلا يجب أن يفتخر الإنسان بأي شيء لديه، لا بالجمال ولا بالمال ولا بالشجاعة ولا حتى بعذوبة الصوت أو بغيرها. فهذه الأمور لدى الحيوانات والطيور أيضًا وحتى لدى اللصوص والقتلَّة. فنحن لدينا العقل والرحمة واللطف، وبدون هذه الفضائل نكون أردأ من الحيوانات غير العاقلة.

نرجو أن يُبارك إلهنا الصالح هذا العمل من أجل منفعة الكنيسة، بشفاعة العذراء القديسة مريم وبصلوات القديس بولس الرسول والقديس يوحنا ذهبي الفم، وكل الآباء القديسين. وبصلوات قداسة البابا شنودة الثالث، وآبائنا المطارنة والأساقفة. ولإلهنا كل المجد والتسبيح والسجود إلى الأبد أمين.

 

       تذكار   

23 أكتوبر2007م

         12بابة 1724ش

+ استشهاد القديس متى الإنجيلي

+ تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل

   المترجم

 

 

 

العظة الأولى

 

مقدمة للقديس يوحنا ذهبي الفم

   الفيلبيّون هم سكان مقاطعة مكدونية ـ وكما يقول ق. لوقا[1] ـ في هذه المدينة آمنت ليديا بائعة الأرجوان بالمسيح، وهى إمرأة واعية وفي غاية الورع. وفيها أيضًا آمن حارس السجن، وجُلد بولس وسيلا، وقد طلب الولاة منهما أن يرحلا عن هذه المدينة، إذ كانوا يخافونهما، ومنها أيضًا كانت البداية الباهرة للكرازة[2].

   لقد شهد القديس بولس لأهل فيلبي بأشياء كثيرة وعظيمة، ودعاهم “إكليله”، إذ قد تألموا كثيرًا، قائلاً: ” لأنه وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضًا أن تتألموا لأجله “[3]. وقد كتب هذا حين كان محبوسًا، ولهذا يقول: ” حتى إن وثقي صارت ظاهرةً في المسيح في كل دار الولاية “[4]. داعيًا قصر نيرون: دار الولاية. ولكنه قُيّد ثم تُرك حرًا، وقد أخبر هذا لتيموثاوس قائلاً: ” في إحتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني. لا يُحسب عليهم. ولكن الرب وقف معي وقواني “[5]. حيث يذكر القيود التي كان فيها قبل دفاعه هذا. ومن الواضح أن تيموثاوس لم يكن حاضرًا حينذاك، هذا ما يتضح من قوله: ” في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي “. فمن غير الممكن أن يكتب له عن أمور هو يعلمها. ولكن حين كان يكتب هذه الرسالة كان تيموثاوس معه، ويتضح ذلك من قوله: ” على أني أرجو في الرب يسوع أن أُرسل إليكم سريعًا تيموثاوس ” وأيضًا     « هذا (يقصد تيموثاوس) أرجو أن أرسله أول ما أرى أحوالي حالاً»[6].

   إذًا لقد أُطلِق حرًا من قيوده، ثم قُيد مرة أخرى بعد زيارته لهم. أما قوله ” أنسكب أيضًا على ذبيحة إيمانكم “[7]، فهذا يذكره دون أن يكون قد حدث بالفعل، لكن ما يعنيه هو أنه إذا حدث هذا، فإنه سيكون مسرورًا وفرحًا، وبهذا أراد أن يزيل عنهم الحزن بسبب قيوده. ومن جهة أنه لم يكن على وشك الموت في ذلك الوقت، فهذا ما يظهر من قوله: ” واثق بالرب أني أنا أيضًا سآتي إليكم سريعًا “، وأيضًا: ” فإذ أنا واثق بهذا أعلم أني أمكث وأبقى مع جميعكم “[8]. لقد أرسل الفيلبيون أبفرودتس إلى ق. بولس، حاملاً معه مساعدة مادية وأيضًا لكي يعرفوا أخباره، إذ كانوا يشعرون نحوه بمحبة كبيرة. وقد أشار هو نفسه إلى المساعدة حينما قال: ” قد استوفيت كل شئ واستفضلت. قد امتلأت إذ قبلت من أبفرودتس الأشياء التي من عندكم “[9]. في الوقت نفسه كانوا قد أرسلوا له لكي يطمئنوا على أحواله، وهذا ما يعلنه ق. بولس بوضوح في بداية الرسالة، حين كتب عن أحواله قائلاً: ” أريد أن تعلموا أن أموري قد آلت أكثر إلى تقدّم الإنجيل ” وأيضًا ” أرجو أن أرسل إليكم سريعًا تيموثاوس، لكي تطيب نفسي إذا عرفت أحوالكم “[10]. فعبارة “أنا أيضًا”، تبين موقفه تجاههم، إذ يقول كما أنكم أرسلتم كي تعرفوا أحوالي، فهكذا أنا أيضًا، “لكي تطيب نفسي إذا عرفت أحوالكم”. ومنذ ذلك الحين وحتى وقت بعيد لم يرسلوا له، هذا ما يوضحه بقوله ” لأنكم الآن قد أَزْهَر أيضًا مرةً اعتناؤكم بي “[11]، وحينئذٍ علموا أنه كان مقيدًا، لأنهم إن كانوا قد سمعوا عن أبفرودتس، والذي ليس له شهرة ق. بولس، أنه مريض فكم يكون قلقهم من أجل الرسول بولس؟! لقد كان من الطبيعي أن يقلقوا. لذا نجد أنه في مستهل الرسالة يقدّم لهم الكثير من العزاء لتألمهم من أجل قيوده، مبينًا أنه ليس فقط هو أمر ضروري ألا يقلقوا، وإنما أن يفرحوا أيضًا ويتعزوا.

   بعد ذلك يوصي بوحدة الفكر والحياة بإتضاع، معلّمًا إياهم أن في هذا أمان عظيم لهم، وهكذا تصير النصرة على الأعداء أمرًا سهلاً بالنسبة لهم. فليست القيود هى الشئ المؤلم لمن يعلمهم وإنما المؤلم ألاّ يكون هنالك وحدة بين تلاميذه. لأن القيود تؤدى إلى انتشار الإنجيل، أما عدم الوئام فيما بينهم فيهدم هذه البشارة. إذًا وبعد أن كان ينصح الفيلبيين بالوئام فيما بينهم ويظهر أن ذلك الوئام يأتي نتيجة الإتضاع، فإنه يشير إلى اليهود الذين كانوا يلبسون ثوب المسيحية ويحرّفون التعاليم في كل مكان، داعيًا إياهم كلاب وفعلة شر (في2:3)، فينصح أهل فيلبي بالإبتعاد عنهم والحذر منهم. وبعد أن تحدث طويلاً عن الأمور الأخلاقية، مرشدًا إياهم، نجده يشجّعهم قائلاً: ” الرب قريب “[12]. ثم يذَّكر أيضًا، وبحكمته المعتادة، بما قد تمّ إرساله من مساعدة، وهكذا يقدّم لهم تعزية كبيرة.

   ومن الواضح أنه يكتب للفيلبيين بكثير من التقدير، فهو لا يوجّه لهم ـ في أي موضع ـ أي توبيخ، وهذا يُعد دليلاً على فضيلتهم، أي أنهم في سلوكهم في حياة الفضيلة لم يعطوا أي فرصة لمعلّمهم حتى يوبخهم، وهكذا نجده قد كتب إليهم بأسلوب النصح وليس التوبيخ.  

   إن ما سبق وقلته في البداية، سأقوله مرة أخرى، فهذه المدينة أظهَرَت غيرة في الإيمان، كما حدث بالنسبة لحارس السجن. فمع أن هذه المهنة ـ كما تعرفون ـ مملوءة بكل قسوة، فإنه أسرع واعتمد هو وكل بيته بعد أن رأى المعجزة، ومع أن المعجزة التي حدثت قد رآها هو وحده، إلاّ أن الربح لم يحصل عليه هو فقط، بل وامرأته وكل بيته أيضًا. أما هؤلاء الولاة الذين أمروا بأن يُجلد ق. بولس. يبدو أنهم قد فعلوا ذلك ليس عن شر، بل بالحري عن اندفاع، لأنهم أسرعوا وأرسلوا أن يُترك حرًا، وخافوا بعد ذلك.

   ولم يشهد القديس بولس لإيمان أهل فيلبي وتعرضهم للمخاطر فقط، بل أيضًا لأعمالهم الصالحة، من خلال قوله: ” في بداية الإنجيل .. أرسلتم إليّ مرة ومرتين لحاجتي “، الأمر الذي لم يفعله أحد غيرهم. لأنه يقول: ” لم تشاركنى كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ إلا أنتم وحدكم “[13].

   نحن نعرف أيضًا هذه الأمور، وأمامنا الكثيرون كنماذج، ونعرف ايضًا محبته نحو هؤلاء، فمحبته الشديدة لهم هو أمر ظاهر، وهذا يتضح من قوله: ” لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص”، وأيضًا ” لأني حافظكم في قلبي، في وُثقي “[14]. فلنجعل أنفسنا مستحقين لمحاكاة هذه النماذج، ولنكن مستعدين أن نتألم لأجل اسم المسيح. لكن الآن لا يوجد إضطهاد. إذًا حتى ولو لم نفعل أي شئٍ آخر، فلنتمثّل بأعمالهم الصالحة الفائقة دون أن نعتقد أننا تمّمنا كل شئ حينما نفعل الرحمة مرة ومرتين، لأننا يجب أن نفعل هذا كل أيام حياتنا. فلا ينبغي أن نُرضى الله مرة واحدة وإنما نصنع هذا كل حين. فالعدّاء إذا ركض عشرة جولات، وترك الأخيرة فإنه يخسر الكل [15]. هكذا نحن أيضًا إذا بدأنا بالأعمال الحسنة، ثم توقفنا بعد ذلك، سنخسر ونُفسِد كل شئ. اسمع الوصية النافعة القائلة: ” لا تدع الرحمة والحق يتركانك “[16]. لم يقل افعل ذلك مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثة، ولا عشرة، ولا مائة، وإنما باستمرار، لأنه يقول ” لا يتركانك ” ولم يقل لا تتركها، وإنما لا يتركانك، موضحًا أننا بحاجة لهما وليس العكس، معلّمًا إيانا أنه يجب علينا أن نفعل كل شئ، حتى نجعل هذه (الوصية) قريبة منا فيقول ” تقلدهما على عنقك “[17]. فكما هو الحال بالنسبة لأبناء الأغنياء الذين يتقلدون الحلي من الذهب حول أعناقهم ـ ولا يضعونها أبدًا في مكان آخر ـ كدليل على رِفعَة نسبهم، هكذا نحن أيضًا يجب أن نرتدي الرحمة دائمًا، مظهرين أننا أبناء الله الرحوم، الذي يشرق شمسه على الأشرار والأبرار. فإذا مارسنا هذه الأعمال، هل سيكون لديك شك في أن غير المؤمنين سيؤمنون؟ لأنهم إن رأوا إننا نُمارس أعمال الرحمة تجاه الجميع وأن المسيح هو معلمنا، فإنهم سيعرفون أننا نفعل هذا متمثلين به لأنه هكذا يقول الكتاب “رحمة وإيمان وحق”[18]. حسنًا قال: “حق” وليس سلب أو سرقة، فهذا السلب وهذه السرقة ليست من الإيمان ولا هي “حق”. فالسارق بالضرورة يكذب وينقض قسمه، لكن لا يجب أن تسلك أنت هكذا، وإنما كما يقول الكتاب أن يكون لديك مع الرحمة إيمان.

   فلنلبس تلك الحلى. لنصنع لأنفسنا طوقًا من الذهب[19]، أعني الرحمة، طوال فترة وجودنا في هذه الحياة. فلو انقضى هذا العمر من حياتنا دون أن نمارس أعمال الرحمة فلن تكون هناك حاجة لها على الاطلاق كيف؟ لأنه في الأبدية لا يوجد فقراء، ولا يوجد غنىَ، ولا فقر، ولهذا ينبغي علينا أن ننتهز فرصة هذه الحياة لعمل الرحمة، فلا نحرم أنفسنا الفرصة في هذا العالم. ففي هذا العالم نحن أطفال، فكما يحدث مع الأطفال، حينما يصبحون رجالاً، فينصرفون عما هو للأطفال ويُقادون إلى عالم آخر، هكذا يحدث معنا، فلن يكون هناك مجال لممارسة أعمال الرحمة. فلا نحرم أنفسنا من العطاء في هذه الحياة، لنعمل كي تظهر نفوسنا جميلة. عظيمة هى الرحمة وجميلة ونفيسة، عظيمة هى هذه الهبة، والأعظم حياة التقوى. فإذا تعلّمنا أن نحتقر المال، فسنتعلّم أشياءً أخرى، فلنلاحظ مقدار الخيرات التي تأتي من ذلك. فإذا أراد أحد أن يتعلّم كيف يحتقر المال، عليه أن يعطي صدقة، ومن تعلّم أن يحتقر المال، يستطيع أن يقطع أصل الشرور تمامًا. حتى أنه بهذا العمل لا يقدّم شيئًا بل بالحري ينال، فهو لا ينال المكافأة فقط مقابل الصدقة، وإنما تصبح النفس أيضًا حكيمة، مترفعة وغنيّة. فإن ذاك الذي يعطي صدقة يتعلّم ألاّ يُفتتن بالغِنى أو بإقتناء الذهب، وسيبقى الدرس ثابتًا في عقله، لقد بدأ بداية عظيمة نحو الصعود للسماء، لقد قطع الأسباب العديدة المؤدّية للغضب، والعداوة، والحسد، والحزن. لأنكم أنتم أيضًا تعرفون جيدًا أن كل الأشياء تأتي بسبب محبة المال وأن الحروب التي لا تنتهي هى بسبب المال. أما ذاك الذي تعلَّم أن يحتقر المال، فيجعل نفسه هادئة. لا يخاف الخسارة، فالرحمة علّمته: ألاّ يرغب فيما هو لدى قريبه، فكيف يمكن أن يحدث هذا ممن تعوَّد أن يعطي ما اكتسبه؟ فهو لا يحسد قريبه، فكيف يفعل هذا، ذاك الذي يرغب في أن يكون فقيرًا؟ إنه يُطّهر نفسه بالكامل.

   هذا ما يحدث في هذه الحياة الحاضرة، أما بالنسبة للحياة الأبدية، فليس بمقدورنا أن نتكلّم عن الخيرات التي سينالها، فهو لن يقف خارجًا مع العذارى الجاهلات، وإنما سيدخل في رفقة الحكيمات مع العريس، حاملاً مصباحًا منيرًا، صائرًا أسمى من أولئك الذين يتعبون في البتولية، برغم أنه لم يذق أتعابها.

   هكذا فإن هذه الرحمة الغنية هي عظيمة جدًا، إذ أنها تقود بدالة كبيرة، أولئك الذين يمارسونها إلى السماء. فهى معروفة للقوات السمائية، لحافظي خدر العُرْس، وليست فقط هى معروفة وإنما جليلة أيضًا، وستقود هؤلاء الذين يكرِّمونها إلى الأبدية، ولن يُقدم أي شخص إعتراضات وإنما الكل سيفسح لها مكانًا. لأنه إن كانت الرحمة قد جعلت الله ينزل إلى الأرض ويصير إنسانًا، فبالحري جدًا تقدر أن ترفع الإنسان إلى السماء، عظيمة هى قوتها. فإن كان الله من رحمته ومحبته الفائقة للبشر صار إنسانًا وارتضى أن يصير عبدًا، فبالحري يقدر أن يقود عبيده إلى موضعه. فلنحب أعمال الرحمة، لنقبلها لا ليوم واحد، ولا لاثنين، وإنما في كل وقت، كي تعترف بنا أمام الله. فإن اعتَرفَتْ بنا الرحمة، فسيعترف الله بنا، أما إذا تنكّرت لنا، فسينكرنا الله أيضًا، وسيقول لنا ” لا أعرفكم”. لكن ليتنا لا نسمع ذلك الصوت، وإنما نسمع ذلك التطويب القائل ” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم “[20]. ليتنا جميعًا نفوز بهذا الملكوت بمعونة ربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس، المجد والعزة والسلطان، الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين.

 

+ + + + + + +

 

 

 

[1] KarabidÒpoulpj. I.D, Eisagwg» sthn Kain» Diaq»kh, Qessalon…kh 1998, sel. 338.

 2  أنظر  Quasten. J. Patrology, vol 111, P 447.

 

[1]  أع12:16.

[2]  انظر أع12:16ـ40 حيث خدمة القديس بولس في فيلبي.

[3]  في29:1.

[4]  في13:1.

[5]  2تي16:4ـ17.

[6]  في19:2ـ23.

[7]  في19:2، 23.

[8]  في24:2، 25:1.

[9]  في18:4.

[10]  في12:1، 19:2.

[11]  في10:4.

[12]  في5:4.

[13]  في15:4ـ16.

[14]  في20:2، 7:1.

[15]  يتكلّم عن منافسات تبيّن مدى التحمل في الجري لمسافات طويلة.

[16]  أم3:3.

[17]  أم 3:3.

[18] مت23:23

[19]  هذا الطوق الذهبي كانت ترتديه بعض الرتب في البلاط البيزنطي.

[20]  مت34:25.

رسالة فيلبي ع1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

رسالة العبرانيين لم يذكر كاتبها اسمه ولهذا كان هناك خلافا حول كاتبها وكما أعدتنا من المسلمون انهم دائما ينقلون النقد الموجه للكتاب المقدس دون فهم أو وعى أو ادراك أو حتى أدنى محاولة للتأكد من اى حرف ينقلوه وفي بحثنا هذا بعون الله سنثبت بالادلة القاطعة التى لا تختمل اى تأويل أن كاتب هذه الرسالة هو العظيم بولس رسول وعبد يسوع المسيح.

نفتتح دراستنا بما قاله ابانا القمص تادرس يعقوب ملطى في مقدمة تفسيره لرسالة العبرانيين كاملا وليس كما يقتطعه المسلمون دائما:

 ” إذ لم يكتب واضع الرسالة اسمه في صلبها اختلف الدارسون في نسبتها منذ عصر مبكر، ففي الغرب نسب العلامة ترتليان، من رجال القرن الثاني، الرسالة إلى برناباس. لكن بمقارنتها برسالة برناباس نجد الفارق شاسعًا، ونتأكد أنه لا يمكن أن يكون كاتبهما شخصًا واحدًا. وقد ساد الغرب اتجاه بأن الكاتب هو القديس إكليمنضس الروماني، أما بعد القرن الرابع فصار اتفاق عام أنها للرسول بولس.

 أما بالنسبة للشرق فمنذ البداية كان هناك شبه اتفاق عام على أنها من رسائل معلمنا بولس الرسول. هذا ما قبلته الكنيسة الشرقية بوجه عام، ومدرسة الإسكندرية بوجه خاص. جاء في يوسابيوس أن للقديس إكليمنضس السكندري عملاً مفقودًا، ورد فيه أن معلمه بنتينوس الفيلسوف يتحدث عن الرسالة بكونها للقديس بولس.

 ويمكننا أن نلخص نظرة الدارسين للرسالة في الآتي:

(أ) أن الكاتب هو الرسول بولس: ساد هذا الفكر في الكنيسة الشرقية منذ بداية انطلاقها واستقر فيما بعد في الكنيسة الغربية، من بين الذين ذكروا هذا الرأي القديس بنتينوس، والقديس يوحنا الذهبي الفم، والقديس أغسطينوس، ولا يزال يعتبر هو الرأي السائد بين الغالبية العظمى للدارسين المحدثين.

(ب) الكاتب هو برناباس: العلامة ترتليان وWeisler, Ulmann .

(ج) لوقا البشير: ذكر العلامة أوريجانوس هذا الرأي، وقبله Ebrabd, Calvin.

(د) أكليمندس الروماني: اتجاه غربي مبكر، اختفي تمامًا إلاَّ قلة قبلته مثل Reithmuier, Erasmus.

(ه) سيلا: Rohme, Mynster.

(و) أبُلس: Luthea, Semler.

ودائما يقتبس المسلمون هذا الجزأ فقط ويقولون بأن كاتب الرسالة غير معروف رغم ان هذا الكلام لا وجود له في مقدمة أبينا فما عرضه ابينا هو اختلاف حول من هو كاتب الرسالة وكاتب الرسالة بحسب هذه المقدمة بعد بولس لا يخرج عن هؤلاء ” برنابا, لوقا, أكليمندس الروماني, سيلا وأبلس ” وحال كون كاتب هذه الرسالة ليس القديس بولس وكاتبها هو احد هؤلاء الخمسة يكون كاتب الرسالة غير معروف؟

لو كان برنابا كاتب هذه الرسالة فنقول ان برنابا كان احد رسل المسيح السبعين ” (اع 4:36)، ” ويوسف الذي دعي من الرسل برنابا الذي يترجم ابن الوعظ وهو لأوي قبرصي الجنس “، وهو الذي أوصل القديس العظيم بولس الى الرسل بعد ان ظهر له الرب ” (اع 9:27)، ” فأخذه برنابا واحضره الى الرسل ” وكان برنابا هو رفيق بولس الرسول في رحلاته دائما (انظر أع 11:30, أع13:2, اع14:20, أع15:25, غل1:2).

وبرنابا الرسول هو خال القديس مرقس كاتب البشارة الثانية (كو4:10). ولو كان القديس لوقا البشير هو كاتب الرسالة فلا تتأثر قانونية الرسالة بشىء فالقديس لوقا هو كاتب البشارة الثالثة وهو تلميذ القديس بولس ويسميه الرسول بولس ” لوقا الطبيب الحبيب ” (كو4:14)، وفي إحدى رحلاته بقى لوقا وحده مع القديس بولس ” لوقا وحده معي ” (2تي4:11)، ولا يوجد إنسان يستطيع أن ينفي قانونية الرسالة لو كان كاتبها هو لوقا. ولو قلنا أن كاتبها هو القديس اكليمندس الرومانى فنقول أن ابانا القمص وضح هذا انه اتجاه غربى مبكر واختفي تماما عدا قلة قليلة قبلته وكذلك سيلا وأبلس.

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

نكمل الآن ما لا يضعه المسلمون من تفسير ابانا القمص تادرس يعقوب ملطى:

 لماذا لم يذكر الرسول اسمه؟

اعتاد الرسول بولس أن يذكر اسمه في رسائله، فلماذا لم يفعل هكذا في هذه الرسالة؟ عُرف الرسول بولس في الكنيسة الأولى كرسول الأمم، بينما الرسل بطرس ويوحنا ويعقوب وغيرهم كرسل لليهود، لهذا كان الرسول بولس أكثر تحررًا منهم في شأن الارتباط ببعض الطقوس اليهودية، مما جعل الكثير من المسيحيين الذين من أصلٍ عبراني ينفرون منه، وقد قيل له: ” أخبروا عنك أنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى ” (أع 21: 21). ولما كانت هذه الرسالة موجهة إلى هذه الفئة، المسيحيين العبرانيين، لهذا كان لائقًا ألاَّ يذكر اسمه حتى لا يحجموا عن قراءتها.

 وتأكيدا لما قاله ابانا القمص في تفسيره يقول القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: ” فاني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الأكثرين. فصرت لليهود كيهودي لاربح اليهود. وللذين تحت الناموس كاني تحت الناموس لاربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموس كاني بلا ناموس. مع أني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس للمسيح. لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لاربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء لاخلّص على كل حال قوما ” (1كو9:19-22).

 فالقديس بولس كان حرا في كتاباته مع غير اليهود ذلك لأن غير اليهود لم يكونوا يؤمنون بالناموس قبلا وهو بنفسه يقول انه استعبد نفسه وصار لليهود كيهودي ليربح اليهود اى يتكلم بنفس لغة اليهود ليربح اليهود ويتكلم بما يؤمنون ليربحهم وهذا هو الطابع الغالب على الرسالة انها تلقى الضوء بشدة على ناموس العهد القديم ومسيح العهد الجديد ولكى لا يبتعدون عن قراءة الرسالة وفهم محتواها جيدا بعيدا عن هوية الكاتب وشخصيته لم يذكر اسمه.

 وتأكيدا لهذا ننقل ما قاله ابانا القمص تادرس يعقوب عن غاية الرسالة لنرى ان الرسالة تتكلم بشكل واضح عن ناموس العهد القديم ومسيح العهد الجديد:-

1- دُعي الرسول بولس لخدمة الأمم، لكنه لم يُحرم من خدمة بني جنسه خاصة الذين كانوا يقطنون بين الأمم، إذ كان يود أن يكون محرومًا من أجلهم (رو9: 3). الله لم يمنعه من خدمتهم وإن كان قد أرسله بصفة رئيسية للأمم، وذلك كقوله أن السيد المسيح لم يرسله ليعمد (1 كو 1: 17)، لكن هذا لا يعني منعه من ممارسة العماد. حبه للجميع دفعه للاهتمام بكل الفئات، فلم يبخل في كتابته لهذه الفئة عندما أدرك حاجتهم إلى هذا العمل، خاصة وأنه كان أقدر من غيره على الكتابة إليهم بكونه دارسًا دقيقًا للناموس الموسوي والطقوس اليهودية.

2- يمكننا أن ندرك غاية هذه الرسالة إن تفهمنا الصورة الحقيقية للكنيسة الأولى، فقد كان الرسل مع أعداد كبيرة من اليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح يشتركون مع إخوتهم وبني جنسهم في عبادة الهيكل ويراعون الناموس، ويقرنون أنفسهم بالأمة اليهودية وبرجائها، ولكن بفكرٍ روحيٍ جديدٍ في المسيح يسوع. حقًا كان الكثير منهم غير قادرين على الانفصال عن هذه الأمة، غير مدركين تمامًا مفهوم الكنيسة كجسد المسيح الواحد، يدخل في عضويته اليهودي مع الأممي بلا تمييز، السيد مع العبد على السواء، والرجل مع المرأة بلا أفضلية.

لهذا إذ حدث اضطهاد ضد الكنيسة المسيحية وحكم السنهدرين على المسيحيين العبرانيين بالطرد من المقادس ومعاملتهم كمتعدين على الناموس، وأنهم نجسون ومرتدون، جُرح هؤلاء الأتقياء في أعماق قلوبهم. لقد شعروا أنهم من أجل المسيا عُزلوا عن شعب المسيا، بمعنى أدق عن الشعب الله القديم المنتظر لمجيء المسيا، فكان ذلك بالنسبة لهم جرحًا داميًا وتجربة قاسية. طُردوا من نسبهم كأهل البيت، بل ومن الدار الخارجية للهيكل، وقُطعوا من رعوية إسرائيل؛ فكتب إليهم الرسول ليؤكد لهم أنهم نالوا أكثر مما فقدوه.

لهذا كثيرًا ما تكررت الكلمة “لنا”. لقد اقتنوا الهيكل السماوي الحقيقي عوض الهيكل الرمزي، وصار لهم رئيس الكهنة السماوي بخدمته العلوية في السماويات عوض الكهنوت اللاوي، وانتسبوا لكنيسة الأبكار، محفل الملائكة عوض الرعوية اليهودية، وانفتحت لهم المدينة الباقية عوض أورشليم الأرضية. كأن غاية هذه الرسالة هو تأكيد أن المسيحية ليست حرمانًا وإنما هي اقتناء السماويات وتمتع بالأبديات. حقًا هي طرد إلى خارج المحلة مع المسيح المصلوب خارج أورشليم، لكنها تمتع بمدينته، مدينة الأبكار العلوية.

 المحلة هي المكان المحبوب لدى اليهود، لكن السيد المسيح ارتفع على الصليب خارجها، لكي تقدر أن تخرج إليه كنيسته مطرودة من الجماعة اليهودية صاحبة الفكر الحرفي، تشاركه آلامه وعاره.

 وهكذا نفهم أن طابع الرسالة يجب ان يكون في قالب مقبول لدى المسيحيين الذين من أصل يهودى كى لا يعثرهم بشخصه فيكون شخص بولس نفسه هو العثرة امام هؤلاء المسيحيين الذين من أصل يهودى لقراءة الرسالة.

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

ويقول أبانا القس انطونيوس فكرى في مقدمته لرسالة العبرانيين:

 

استشهادات أباء الكنيسة برسالة العبرانيين

الإصحاح الأول:

(1) اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ،

Clement of Alexandria Stromata Book I

With reason, therefore, the apostle has called the wisdom of God” manifold,” and which has manifested its power “in many departments and in many modes”[51]

Clement of Alexandria Stromata Book I

-by art, by knowledge, by faith, by prophecy-for our benefit. “For all wisdom is from the Lord, and is with Him for ever,” as says the wisdom of Jesus.[52]

Clement of Alexandria Stromata Book V

The golden lamp conveys another enigma as a symbol of Christ, not in respect of form alone, but in his casting light, “at sundry times and divers manners,”[82]

Clement of Alexandria Stromata Book VI

This is He who is the Teacher of all created beings, the Fellow-counsellor of God, who foreknew all things; and He from above, from the first foundation of the world, “in many ways and many times,”[106]

Clement of Alexandria Stromata Book VI

“For, having spoken at sundry times and in divers manners,”[140]

Clement of Alexandria Stromata Book VII

For we have, as the source of teaching, the Lord, both by the prophets, the Gospel, and the blessed apostles, “in divers manners and at sundry times,”[164]

 

Fragments of Clement from the Latin Translation of Cassiodorus

that is, “as good stewards of the manifold grace of God.” Similarly also Paul says, “Variously, and in many ways, God of old spake to our fathers.”[34]

A Letter from Origen to Africanus

You seem to me to pay too little heed to the words, “At sundry times, and in divers manners, God spake in time past unto the fathers by the prophets.”[20]

Methodius Discourse III. Thaleia

But since there are of arguments myriads of currents and ways, God inspiring us “at sundry times and in divers manners,”[60]

(2) ” كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ – الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ “.

Lactantius Divine Institutes Book IV

For God had determined, as the last time drew near,[9]

 

(3) ” الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي “.

1 Clement

“who, being the brightness of His majesty, is by so much greater than the angels, as He hath by inheritance obtained a more excellent name than they.”[155]

Irenaeus Against Heresies Book II

 

of all things, then He is discovered to be the one only God who created all things, who alone is Omnipotent, and who is the only Father rounding and forming all things, visible and invisible, such as may be perceived by our senses and such as cannot, heavenly and earthly, “by the word of His power; “[272]

 

Shepherd of Hermas Similitude Fifth

” “Because,” he answered, “God planted the vineyard, that is to say, He created the people, and gave them to His Son; and the Son appointed His angels over them to keep them; and He Himself purged away their sins, having suffered many trials and undergone many labours, for no one is able to dig without labour and toil. He Himself, then, having purged away the sins of the people, showed them the paths of life[16]

Shepherd of Hermas Similitude Ninth

” “Listen,” he said: “the name of the Son of God is great, and cannot be contained, and supports the whole world.[22]

Clement of Alexandria Stromata Book VII

) of the glory of the Father”[87]

Tertullian An Answer to the Jews

For God the Father none ever saw, and lived.[170]

Five Books in Reply to Marcion

An Image,[341]

Origen de Principiis Book I

And when writing to the Hebrews, he says of Him that He is “the brightness of His glory, and the express image of His person.”[36]

Origen de Principiis Book I

But since we quoted the language of Paul regarding Christ, where He says of Him that He is “the brightness of the glory of God, and the express figure of His person,”[42]

Origen de Principiis Book IV

and Paul also declares that the Son is the splendour of everlasting light.[20]

Origen de Principiis Book IV

As light, accordingly, could never exist without splendour, so neither can the Son be understood to exist without the Father; for He is called the “express image of His person,”[21]

 

Origen Against Celsus Book VIII

So entirely are they one, that he who has seen the Son, “who is the brightness of God’s glory, and the express image of His person,”[28]

Hippolytus Dogmatical and Historical Fragments

and yet confers liberty on the world;[405]

A Treatise of Novatian Concerning the Trinity

And thus the weakness and imperfection of the human destiny is nourished, led up, and educated by Him; so that, being accustomed to look upon the Son, it may one day be able to see God the Father Himself also as He is, that it may not be stricken by His sudden and intolerable brightness, and be hindered from being able to see God the Father, whom it has always desired.[137]

Pseudo-Gregory Thaumaturgus Fourth Homily

Thou who art the brightness of the Father’s glory;[11]

Alexander Epistles on the Arian Heresy

and, “From the womb, before the morning have I begotten Thee? “[52]

Methodius Oration Concerning Simeon and Anna

of the most beautiful flower; the mother of the Creator; the nurse of the Nourisher; the circumference of Him who embraces all things; the upholder of Him[86]

Lactantius Divine Institutes Book IV

as a stream flowing forth from it: the former as the sun, the latter as it were a ray[395]

1 Clement

“who, being the brightness of His majesty, is by so much greater than the angels, as He hath by inheritance obtained a more excellent name than they.”[196]

 

5-) ” لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضاً: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً؟ “.

1 Clement

Ask of Me, and I will give Thee the heathen for Thine inheritance, and the uttermost parts of the earth for Thy possession.”[158]

Tertullian Against Marcion Book IV

This voice the Father was going Himself to recommend. For, says he,[876]

1 Clement

Ask of me, and I will give Thee the heathen for Thine inheritance, and the uttermost parts of the earth for Thy possession.”[199]

Origen Commentary on John Book I

None of these testimonies, however, sets forth distinctly the Saviour’s exalted birth; but when the words are addressed to Him, “Thou art My Son, this day have I begotten Thee,”[147]

6-) وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ».

The Divine Liturgy of James

XVII. The Priest, bringing in the holy gifts,[15]

7-) وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ».

1 Clement

For it is thus written, “Who maketh His angels spirits, and His ministers a flame of fire.”[156]

 

Origen de Principiis Book II

Respecting the substance of the angels also it speaks as follows: “Who maketh His angels spirits, and His ministers a burning fire; “[135]

 

Lactantius Divine Institutes Book IV

of God, and also that the other angels are spirits[49]

 

1 Clement

For it is thus written, “Who maketh His angels spirits, and His ministers a flame of fire.”[197]

 

13-) ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟»

 

1 Clement

And again He saith to Him, “Sit Thou at My right hand, until I make Thine enemies Thy footstool.”[159]

 

1 Clement

And again He saith to Him, “Sit Thou at my right hand, until I make Thine enemies Thy footstool.”[200]

 

14-) أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!

 

Athenagoras A Plea for the Christians

and who declare both their power in union and their distinction in order, called atheists? Nor is our teaching in what relates to the divine nature confined to these points; but we recognise also a multitude of angels and ministers,[34]

 

Tertullian Against Marcion Book II

But when the comparison is challenged with an angel, I am compelled to maintain that the head over all things is the stronger of the two, to whom the angels are ministers,[134]

 

A Strain of Sodom

Were ministering spirits,[6]

 

Origen de Principiis Book I

There are certain holy angels of God whom Paul terms “ministering spirits, sent forth to minister for them who shall be heirs of salvation.”[90]

 

Origen de Principiis Book III

On which account our heart must be kept with all carefulness both by day and night, and no place be given to the devil; but every effort must be used that the ministers of God-those spirits, viz., who were sent to minister to them who are called to be heirs of salvation[347]

 

Origen Against Celsus Book V

For we indeed acknowledge that angels are “ministering spirits,” and we say that “they are sent forth to minister for them who shall be heirs of salvation; “[8]

 

Origen Against Celsus Book VIII

hese, regarding all as their relations and friends who imitate their piety towards God, and in prayer call upon Him with sincerity, work along with them for their salvation, appear unto them, deem it their office and duty to attend to them, and as if by common agreement they visit with all manner of kindness and deliverance those who pray to God, to whom they themselves also pray: “For they are all ministering spirits, sent forth to minister for those who shall be heirs of salvation.”[71]

 

Origen Commentary on Matthew Book XII

Let, then, the principalities and powers with which our wrestling is, be called gates of Hades, but the “ministering spirits”[97]

 

الاصحاح الثانى:-

 

2-) لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً،

 

Tertullian Against Marcion Book IV

and is appointed to afford an interval of rest to the souls of the righteous, until the consummation of all things shall complete the resurrection of all men with the “full recompense of their reward.”[1364]

 

3-) فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصاً هَذَا مِقْدَارُهُ، قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا،

 

Pseudo-Gregory Thaumaturgus A Sectional Confession of Faith

Moreover, in the Epistle to the Hebrews he writes again thus: “How shall we escape, if we neglect so great salvation; which at the first began to be spoken by the Lord, and was confirmed unto us by them that heard Him; God also bearing them witness, both with signs and wonders, and with divers miracles, and gifts of the Holy Ghost? “[93]

 

5-) فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ «الْعَالَمَ الْعَتِيدَ» الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ

 

Tertullian An Answer to the Jews

and “made a little lower” by Him “than angels,”[323]

 

Cyprian Epistle LXVI

and ought to collect and cherish all the sheep which Christ by His blood and passion sought for; nor ought we to suffer our suppliant and mourning brethren to be cruelly despised and trodden down by the haughty presumption of some, since it is written, “But the man that is proud and boastful shall bring nothing at all to perfection, who has enlarged his soul as hell.”[10]

 

10-) لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ.

 

http://ccel.org/fathers2/ANF-04/anf04-15.htm#P1043_263276

Of course the houses of none but married men fare well! The families of celibates, the estates of eunuchs, the fortunes of military men, or of such as travel without wives, have gone to rack and ruin! For are not we, too, soldiers? Soldiers, indeed, subject to all the stricter discipline, that we are subject to so great a General?[63]

 

2 Clement

the Father of truth, who sent forth to us the Saviour and Prince of incorruption,[155]

 

11-) لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً،

 

Clement of Alexandria Exhortation to the Heathen

since Thou “weft not ashamed of me as Thy brother.”[161]

 

Pseudo-Cyprian On the Glory of Martyrdom

is drawn away with the rent portions of the flesh; still he stands immoveable, the stronger for his sufferings, revolving only this in his mind, that in that brutality of the executioners Christ Himself is suffering[4]

 

Origen Commentary on John Book I

Now, in respect of wisdom and power, we have both forms of the statement, the relative and the absolute; but in respect of sanctification and redemption, this is not the case. Consider, therefore, since[174]

 

12-) قَائِلاً: «أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ».

 

Epistle of Barnabas

of my brethren; and I will praise thee in the midst of the assembly of the saints.”[80]

 

14-) فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأولاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ،

 

Clement of Alexandria The Instructor Book III

Perish, then, the savage beasts whose food is blood! For it is unlawful for men, whose body is nothing but flesh elaborated of blood, to touch blood. For human blood has become a partaker of the Word:[42]

 

Origen Commentary on Matthew Book XIII

p into the hands of men, He was not delivered up by men into the hands of men, but by powers to whom the Farther delivered up His Son for us all, and in the very act of His being delivered up, and coming under the power of those to whom He was delivered up, destroying him that has the power of death; for “through death He brought to nought him that hath the power of death, that is, the devil, and delivered all them who through fear of death were all their lifetime subject to bondage.”[70]

 

Origen Commentary on Matthew Book XIII

giving heed to the fact that He was about to be delivered up into the hands of men, and that He would be killed, as matters gloomy and calling for sorrow, but not attending to the fact that He would rise on the third day, as He needed no longer time “to bring to nought through death him that had the power of death.”[81]

 

16-) لأَنَّهُ حَقّاً لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ.

 

Methodius Oration Concerning Simeon and Anna

That Lord, I say, who in His simple and immaterial Deity, entered our nature, and of the virgin’s womb became ineffably incarnate; that Lord, who was partaker of nothing else save the lump of Adam, who was by the serpent tripped up. For the Lord laid not hold of the seed of angels[114]

 

الاصحاح الثالث:-

 

2-) حَالَ كَوْنِهِ أَمِيناً لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضاً فِي كُلِّ بَيْتِهِ

 

1 Clement

 

Moses was called faithful in all God’s house;[75]

 

1 Clement

 

Moses was called faithful in all God’s house;[86]

 

5-) وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ

 

1 Clement

And what wonder is it if those in Christ who were entrusted with such a duty by God, appointed those [ministers] before mentioned, when the blessed Moses also, “a faithful servant in all his house,”[185]

 

Epistle of Barnabas

have received it. Moses, as a servant,[203]

 

Irenaeus Against Heresies Book III

but he is not properly termed Lord, nor is called God by the prophets, but is spoken of by the Spirit as “Moses, the faithful minister and servant of God,”[50]

 

Archelaus Acts of the Disputation with the Heresiarch Manes the one was the prophet and the other was the beloved Son,[457]

 

1 Clement

And what wonder is it if those in Christ who were entrusted with such a duty by God, appointed those [ministers] before mentioned, when the blessed Moses also, “a faithful servant in all his house,”[232]

 

14-) لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ،

 

A Letter from Origen to Gregory

May you also be a partaker, and be ever increasing your inheritance, that you may say not only, “We are become partakers of Christ,”[7]

 

Letter of Origen to Gregory

May you partake in these; may you have an always increasing share of them, so that you may be able to say not only, “We are partakers of Christ,”[7]

 

الاصحاح الرابع:-

 

😎 لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ

 

Dialogue of Justin

“I shall give you another testimony, my friends,” said I, “from the Scriptures, that God begat before all creatures a Beginning,[220]

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

is laid up for us.”[262]

 

Lactantius Divine Institutes Book IV

“And the Lord God showed me Jesus[153]

 

12-) لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book VII

But we say that the fire sanctifies[54]

 

Origen Commentary on John Book I

that His mouth had been set by His Father as a sharp sword, and that He was hidden under the shadow of His hand, made like to a chosen shaft and kept close in the Father’s quiver, called His servant by the God of all things, and Israel, and Light of the Gentiles. The mouth of the Son of God is a sharp sword, for[161]

 

13-) وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا

 

Tertullian An Answer to the Jews

-God’s everywhere-flying precepts (arrows) threatening the exposure[158]

 

Melito the Philosopher

-the Divine inspection: because He sees all things. Like that in the apostle: For all things are naked and open in His eyes.”[96]

 

14-) فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَأواتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ.

 

Origen Against Celsus Book VIII

And to Him to whom we offer first-fruits we also send up our prayers, “having a great high priest, that is passed into the heavens, Jesus the Son of God,” and “we hold fast this profession”[69]

 

Methodius Discourse IX. Tusiane

For I also, taking my journey, and going forth from the Egypt of this life, came first to the resurrection, which is the true Feast of the Tabernacles, and there having set up my tabernacle, adorned with the fruits of virtue, on the first day of the resurrection, which is the day of judgment, celebrate with Christ the millennium of rest, which is called the seventh day, even the true Sabbath. Then again from thence I, a follower of Jesus, “who hath entered into the heavens,”[23]

 

Origen Commentary on John Book I

Here some one may object that it is somewhat too bold to apply the name of high-priests to men, when Jesus Himself is spoken of in many a prophetic passage as the one great priest, as[7]

 

Origen Commentary on John Book I

” It is added that He is also sanctification and redemption: “He was made to us of God,” he says, “wisdom and righteousness and sanctification and redemption.” But he also teaches us, writing to the Hebrews, that Christ is a High-Priest:[110]

 

15-) لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.

 

Tertullian The Prescription Against Heretics

For to the Son of God alone was it reserved to persevere to the last without sin.[15]

 

Origen de Principiis Book II

and that “He was tempted in all things like as we are, without sin.”[90]

 

Archelaus Acts of the Disputation with the Heresiarch Manes

relieving us by what He Himself endured, and not permitting us to have to suffer any pain to no purpose.[479]

 

الاصحاح الخامس:-

 

4-) وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضاً.

 

Constitutions of the Holy Apostles Book III

Neither do we permit the laity to perform any of the offices belonging to the priesthood; as, for instance, neither the sacrifice, nor baptism, nor the laying on of hands, nor the blessing, whether the smaller or the greater: for “no one taketh this honour to himself, but he that is called of God.”[36]

 

5-)  كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ».

 

Tertullian An Answer to the Jews

and named the Priest of God the Father unto eternity.[341]

 

Constitutions of the Holy Apostles Book II

who was not a priest, and yet would exercise the functions of the priests, was smitten with leprosy for his transgression; so every lay person shall not be unpunished who despises God, and is so mad as to affront His priests, and unjustly to snatch that honour to himself: not imitating Christ, “who glorified not Himself to be made an high priest; “[150]

 

7-) الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ،

 

Tertullian On Repentance

to lay his spirit low in sorrows, to exchange for severe treatment the sins which he has committed; moreover, to know no food and drink but such as is plain,-not for the stomach’s sake, to wit, but the soul’s; for the most part, however, to feed prayers on fastings, to groan, to weep and make outcries[89]

 

A Treatise of Novatian Concerning the Trinity

Thus the Mediator of God and men, Christ Jesus, having the power of every creature subjected to Him by His own Father, inasmuch as He is God; with every creature subdued to Him, found at one with His Father God, has, by abiding in that condition that He moreover “was heard,”[287]

 

😎 مَعَ كَوْنِهِ ابْناً تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ.

 

Tertullian Of Patience

of growing up; and, when grown up, is not eager to be recognised, but is furthermore contumelious to Himself, and is baptized by His own servant; and repels with words alone the assaults of the tempter; while from being” Lord” He becomes” Master,” teaching man to escape death, having been trained to the exercise of the absolute forbearance of offended patience.[16]

 

10-) مَدْعُّواً مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ.

 

Tertullian An Answer to the Jews

if not on the ground of equity and righteousness, (in the observance) of a natural law? Whence was Melchizedek named “priest of the most high God,”[25]

 

11-) اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعَسِرُ التَّفْسِيرِ لِنَنْطِقَ بِهِ، إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ.

 

Tertullian On Monogamy

What was the subject-matter which led the apostle to write such (words)? The inexperience of a new and just rising Church, which he was rearing, to wit, “with milk,” not yet with the “solid food”[90]

 

12-) لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ، تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book V

But solid food belongs to those who are of full age, who by reason of use have their senses exercised so as to distinguish between good and evil. Wherefore, leaving the first principles of the doctrine of Christ, let us go on to perfection.”[118]

 

Clement of Alexandria Stromata Book VI

Wherefore also, writing to the Hebrews, who were declining again from faith to the law, he says,” Have ye not need again of one to teach you which are the first principles of the oracles of God, and are become such as have need of milk, and not of strong meat? “[114]

 

Origen Against Celsus Book III

But strong meat belongeth to them that are of full age, even those who by reason of use have their senses exercised to discern both good and evil.”[165]

 

Origen Commentary on John Book I

There is also an arche in a matter of learning, as when we say that the letters are the arche of grammar. The Apostle accordingly says:[81]

 

13-) لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَأولُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ،

 

Clement of Alexandria Stromata Book I

“For every one that useth milk is unskilful in the word of righteousness; for he is a babe,”[138]

 

14-) وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

 

Shepherd of Hermas Commandment Twelfth

If you serve good desire, and be subject to it, you will gain the mastery over evil desire, and make it subject to you even as you wish.”[6]

 

Clement of Alexandria Stromata Book I

But it is not such as to be unattainable without it; but it is attainable only when they have learned, and have had their senses exercised.[77]

 

Clement of Alexandria Stromata Book I

“But strong meat belongeth to those that are of full age, even those who by reason of use have their senses exercised to discern both good and evil.”[137]

 

Clement of Alexandria Stromata Book VII

ciple, and Beginning of existence”-the Son-from whom we are to learn the remoter Cause, the Father, of the universe, the most ancient and the most beneficent of all; not capable of expression by the voice, but to be reverenced with reverence, and silence, and holy wonder, and supremely venerated; declared by the Lord, as far as those who learned were capable of comprehending, and understood by those chosen by the Lord to acknowledge; “whose senses,” says the apostle, “were exercised.”[2]

 

Origen Against Celsus Book VI

even those who by reason of use have their senses exercised to discern both good and evil.”[67]

 

Lactantius Divine Institutes Book VII

For a mystery ought to be most faithfully concealed and covered, especially by us, who bear the name of faith.[156]

 

Origen Commentary on John Book VI

” Now to find out all the particulars of these and to state in its relation to them that sacrifice of the spiritual law which took place in Jesus Christ (a truth greater than human nature can comprehend)-to do this belongs to no other than the perfect man,[150]

 

الاصحاح السادس:-

 

2-) تَعْلِيمَ الْمَعْمُودِيَّاتِ، وَوَضْعَ الأَيَادِي، قِيَامَةَ الأَمْوَاتِ، وَالدَّيْنُونَةَ الأَبَدِيَّةَ

 

Theophilus to Autolycus Book I

house is beautiful and serviceable when it has not been anointed? And what man, when he enters into this life or into the gymnasium, is not anointed with oil? And what work has either ornament or beauty unless it be anointed and burnished? Then the air and all that is under heaven is in a certain sort anointed by light and spirit; and are you unwilling to be anointed with the oil of God? Wherefore we are called Christians on this account, because we are anointed with the oil of God.[18]

 

Cyprian Epistle LXXII

Nor will heretics refuse to be baptized among us with the lawful and true baptism of the Church, when they shall have learnt from us that they also were baptized by Paul, who already had been baptized with the baptism of John,[36]

 

Cyprian Treatise XII Three Books of Testimonies Against the Jews

Let all bitterness, and wrath, and indignation, and clamour, and blasphemy, be taken away from you.”[415]

 

4-) لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَأويَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ،

 

Shepherd of Hermas Similitude Sixth

These have been perverted from the truth: among them there is the hope of repentance, by which it is possible to live. Corruption, then, has a hope of a kind of renewal,[7]

 

Theognostus of Alexandria From His Seven Books of Hypotyposes

unes with the perfected, and yet we could never say on that account that the teaching of the Spirit is superior to the teaching of the Son, but only that the Son condescends to the imperfect, while the Spirit is the seal of the perfected; even so it is not on account of the superiority of the Spirit over the Son that the blasphemy against the Spirit is a sin excluding impunity and pardon, but because for the imperfect there is pardon, while for those who have tasted the heavenly gift,[13]

 

6-) وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضاً لِلتَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمُِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ

 

Shepherd of Hermas Vision Third

Those then who are to repent, if they do repent, will be strong in faith, if they now repent while the tower is building. For if the building be finished, there will not be more room for any one, but he will be rejected.[22]

 

Tertullian On Modesty

Therefore the apostate withal will recover his former “garment,” the robe of the Holy Spirit; and a renewal of the “ring,” the sign and seal of baptism; and Christ will again be “slaughtered; “[104]

 

7-) لأَنَّ أَرْضاً قَدْ شَرِبَتِ الْمَطَرَ الآتِيَ عَلَيْهَا مِرَاراً كَثِيرَةً، وَأَنْتَجَتْ عُشْباً صَالِحاً لِلَّذِينَ فُلِحَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ، تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ اللهِ

 

Origen de Principiis Book III

To show more clearly, however, what we mean, let us take the illustration employed by the Apostle Paul in the Epistle to the Hebrews, where he says, “For the earth, which drinketh in the rain that cometh oft upon it, and bringeth forth herbs meet for them by whom it is dressed, will receive blessing from God; but that which beareth thorns and briers is rejected, and is nigh unto cursing, whose end is to be burned.”[92]

 

Origen de Principiis Book III

“The earth,” he says, “which drinketh in the rain that cometh oft upon it, and bringeth forth herbs meet for them for whom it is dressed, receiveth blessing from God; but that which beareth thorns and briers is rejected, and is nigh to cursing, whose end is to be burned.”[99]

 

😎 وَلَكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكاً وَحَسَكاً، فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ، الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ.

 

Shepherd of Hermas Vision Third

Thinking, then, that they could find a better, they wander and become wretched, and enter upon pathless places. But those which fell into the fire and were burned[27]

 

Archelaus Acts of the Disputation with the Heresiarch Manes

For these men refer the beginning and the end and the paternity of these ills to God Himself,-“whose end is near a curse.”[20]

 

11-) وَلَكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هَذَا الاِجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ،

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

And we desire that every one of you show the same diligence to the full assurance of hope,” down to “made an high priest for ever, after the order of Melchizedek.”[266]

 

18-) حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا،

 

1 Clement

He who has commanded us not to lie, shall much more Himself not lie; for nothing is impossible with God, except to lie.[108]

 

1 Clement

He who has commanded us not to lie, shall much more Himself not lie; for nothing is impossible with God, except to lie.[130]

 

الاصحاح السابع:-

 

2-) الَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْراً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. الْمُتَرْجَمَ أولاً «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضاً «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ مَلِكَ السَّلاَمِ

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

He is Melchizedek, “King of peace,”[46]

 

3-) بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هَذَا يَبْقَى كَاهِناً إِلَى الأَبَدِ.

 

Lactantius Divine Institutes Book IV

Nevertheless it was His pleasure that He should be born as a man, that in all things He might be like His supreme Father· For God the Father Himself, who is the origin and source of all things, inasmuch as He is without parents, is most truly named by Trismegistus “fatherless” and “motherless,”[125]

 

14-) فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئاً مِنْ جِهَةِ الْكَهَنُوتِ.

 

Julius Africanus The Epistle to Aristides

And they ought not indeed to have been ignorant that both orders of the ancestors enumerated are the generation of David, the royal tribe of Juda.[5]

 

19-) إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئاً. وَلَكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ.

 

Five Books in Reply to Marcion

By the arrival of the “perfect things.”[260]

 

21-) لأَنَّ أولَئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هَذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: «أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ».

 

Hippolytus Refutation of All Heresies Book V

For also our Father, on beholding the Good One, and on being initiated with Him, preserved the mysteries respecting which silence is enjoined, and sware, as it has been written, “The Lord sware, and will not repent.”[247]

 

Hippolytus Refutation of All Heresies Book V

And this oath, (Justinus) says, our Father Elohim sware when He was beside the Good One, and having sworn He did not repent (of the oath), respecting which, he says, it has been written, “The Lord sware, and will not repent.”[282]

 

26-) لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَأواتِ

 

Tertullian On Modesty

and in all respects holy,[292]

 

الاصحاح الثامن:-

 

2-) خَادِماً لِلأَقْدَاسِ وَالْمَسْكَنِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي نَصَبَهُ الرَّبُّ لاَ إِنْسَانٌ

 

Lactantius Divine Institutes Book IV

For since there was no righteousness on earth, He sent a teacher, as it were a living law, to found a new name and temple,[334]

 

5-) الَّذِينَ يَخْدِمُونَ شِبْهَ السَّمَأويَّاتِ وَظِلَّهَا، كَمَا أوحِيَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْنَعَ الْمَسْكَنَ. لأَنَّهُ قَالَ: «انْظُرْ أَنْ تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ الْمِثَالِ الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ»

 

Origen de Principiis Book II

And the apostle says with reference to the law, that they who have circumcision in the flesh, “serve for the similitude and shadow of heavenly things.”[102]

 

Origen de Principiis Book III

In which land I believe there exist the true and living forms of that worship which Moses handed down under the shadow of the law; of which it is said, that “they serve unto the example and shadow of heavenly things”[424]

Origen de Principiis Book IV

rged with ten plagues, to allow the people of God to depart, or the account of what was done with the people in the wilderness, or of the building of the tabernacle by means of contributions from all the people, or of the wearing of the priestly robes, or of the vessels of the public service, because, as it is written, they truly contain within them the “shadow and form of heavenly things.” For Paul openly says of them, that “they serve unto the example and shadow of heavenly things.”[2]

 

Origen Commentary on John Book VI

Now that the principle of the sacrifice must be apprehended with reference to certain heavenly mysteries, appears from the words of the Apostle, who somewhere[149]

 

😎 لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ لاَئِماً: «هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً.

 

Clement of Alexandria Stromata Book VI

” For we find in the Scriptures, as the Lord says: “Behold, I make with you a new covenant, not as I made with your fathers in Mount Horeb.”[67]

 

Tertullian An Answer to the Jews

a new testament; not such as I once gave their fathers in the day wherein I led them out from the land of Egypt.”[47]

 

10-) لأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً.

 

Clement of Alexandria Exhortation to the Heathen

What laws does He inscribe? “That all shall know God, from small to great; “and, “I will be merciful to them,” says God, “and will not remember their sins.”[164]

 

11-) وَلاَ يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ، لأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ.

 

Tertullian On Repentance

Let no one, then, flatter himself on the ground of being assigned to the “recruit-classes” of learners, as if on that account he have a licence even now to sin. As soon as you “know the Lord,[55]

 

Tertullian On the Apparel of Women Book I

If there dwelt upon earth a faith as great as is the reward of faith which is expected in the heavens, no one of you at all, best beloved sisters, from the time that she had first “known the Lord,”[1]

 

12-) لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحاً عَنْ آثَامِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ».

 

Shepherd of Hermas Similitude Ninth

And when the Lord saw that their repentance was good and pure, and that they were able to remain in it, He ordered their former sins to be blotted out.[56]

 

13-) فَإِذْ قَالَ «جَدِيداً» عَتَّقَ الأولَ. وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الاِضْمِحْلاَلِ.

 

Archelaus Acts of the Disputation with the Heresiarch Manes

from day to day, while the other grows old and infirm, and passes almost into utter destruction.[112]

 

Lactantius Divine Institutes Book IV

a new testament to the house of Judah, shows that the old testament which was given by Moses was not perfect;[300]

 

الاصحاح التاسع:-

 

4-) فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ.

 

Methodius Oration Concerning Simeon and Anna

the pledge and earnest of a perpetual priesthood, furnished no contemptible symbol of thy supernatural child-bearing.[78]

 

Methodius Oration Concerning Simeon and Anna

On thy account, and the undefiled Incarnation of God, the Word, which by thee had place for the sake of that flesh which immutably and indivisibly remains with Him for ever.[80]

 

😎 مُعْلِناً الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَذَا أَنَّ طَرِيقَ الأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَا دَامَ الْمَسْكَنُ الأولُ لَهُ إِقَامَةٌ،

 

Tertullian Against Marcion Book II

” Inserting thus the particle of present time, “And now,” He shows that He had made for a time, and at present, a prolongation of man’s life. Therefore He did not actually[341]

 

11-) وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ.

 

Tertullian On Modesty

At those times, however, in which He lived on earth we lay this down definitively, that it is no prejudgment against us if pardon used to be conferred on sinners-even Jewish ones. For Christian discipline dates from the renewing of the Testament,[121]

 

13-) لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ،

 

Five Books in Reply to Marcion

Semblance devoid of virtue:[223]

 

14-) فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!

 

Clement of Alexandria Stromata Book III

ab omni cupidirate, et”emundare conscientiam a mortuis operibus, ad serviendum Deo viventi.”[96]

 

Tertullian Against Marcion Book IV

of our heretic. Now, that the very Lord Himself of all might, the Word and Spirit of the Father,[671]

 

19-) لأَنَّ مُوسَى بَعْدَمَا كَلَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِكُلِّ وَصِيَّةٍ بِحَسَبِ النَّامُوسِ، أَخَذَ دَمَ الْعُجُولِ وَالتُّيُوسِ، مَعَ مَاءٍ وَصُوفاً قِرْمِزِيّاً وَزُوفَا، وَرَشَّ الْكِتَابَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ الشَّعْبِ،

 

Tertullian Against Marcion Book III

with scarlet,[111]

 

Five Books in Reply to Marcion

http://ccel.org/fathers2/ANF-04/anf04-30.htm#P4647_752686

With water mixt the seer[222]

 

Five Books in Reply to Marcion

Hearing, sight, step inert, He cleansed; and, for a “book,”[226]

 

24-) لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا.

 

2 Clement

in the Holy Spirit: for this flesh is the copy of the spirit. No one then who corrupts the copy, shall partake of the original.[110]

 

26-) فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَاراً كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلَكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ.

 

Tertullian To His Wife Book I

Therefore, by means of the wide licence of those days, materials for subsequent emendations were furnished beforehand, of which materials the Lord by His Gospel, and then the apostle in the last days of the (Jewish) age,[21]

 

Origen de Principiis Book II

He says, “But now once in the consummation of ages, He was manifested to take away sin by the sacrifice of Himself.”[16]

 

27-) وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الدَّيْنُونَةُ،

 

Dubious Hippolytus Fragments

His first advent had John the Baptist as its forerun-her; and His second, in which He is to come in glory, will exhibit Enoch, and Elias, and John the Divine.[66]

 

الاصحاح العاشر:-

 

9-) ثُمَّ قَالَ: «هَئَنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ». يَنْزِعُ الأولَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ.

 

Irenaeus Against Heresies Book IV

David also says: “Sacrifice and oblation Thou didst not desire, but mine ears hast Thou perfected;[211]

 

12-) وَأَمَّا هَذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ،

 

Epistle of Ignatius to the Trallians

He also rose again in three days, the Father raising Him up; and after spending forty days with the apostles, He was received up to the Father, and “sat down at His right hand, expecting till His enemies are placed under His feet.”[66]

 

17-) وَ: «لَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ».

 

Shepherd of Hermas Similitude Ninth

And when the Lord saw that their repentance was good and pure, and that they were able to remain in it, He ordered their former sins to be blotted out.[56]

 

22-) لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ.

 

Tertullian The Apology

These things I cannot ask from any but the God from whom I know I shall obtain them, both because He alone bestows them and because I have claims upon Him for their gift, as being a servant of His, rendering homage to Him alone, persecuted for His doctrine, offering to Him, at His own requirement, that costly and noble sacrifice of prayer[41]

 

24-) وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضاً لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ،

 

Tertullian On Prayer

unto which things, as unto exemplars, we are now provoked;[28]

 

25-) غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضاً، وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ،

 

Shepherd of Hermas Vision Third

Those which are rough are those who have known the truth and not remained in it, nor have they been joined to the saints.[23]

 

26-) فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا،

 

Shepherd of Hermas Commandment Fourth

And therefore I say to you, that if any one is tempted by the devil, and sins after that great and holy calling. in which the Lord has called His people to everlasting life,[13]

 

Shepherd of Hermas Similitude Sixth

These have been perverted from the truth: among them there is the hope of repentance, by which it is possible to live. Corruption, then, has a hope of a kind of renewal,[7]

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

“For if we sin wilfully after that we have received the knowledge of the truth, there remaineth no more sacrifice for sins, but a certain fearful looking for of judgment and fiery indignation, which shah devour the adversaries.”[126]

 

Tertullian On Baptism

But the world returned unto sin; in which point baptism would ill be compared to the deluge. And so it is destined to fire; just as the man too is, who after baptism renews his sins:[75]

 

29-) فَكَمْ عِقَاباً أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقّاً مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِساً، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟

 

Epistle of Ignatius to the Smyrnaeans

For if he that rises up against kings is justly held worthy of punishment, inasmuch as he dissolves public order, of how much sorer punishment, suppose ye, shall he be thought worthy,[65]

 

Origen Against Celsus Book VIII

and also, “Of how much sorer punishment, suppose ye, shall he be thought worthy, who hath trodden under foot the Son of God, and hath counted the blood of the covenant, wherewith he was sanctified, an unholy thing, and hath done despite unto the Spirit of grace? “[19]

 

30-) فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ: «لِيَ الاِنْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ». وَأَيْضاً: «الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ».

 

Tertullian Against Marcion Book IV

He who counselled that an injury should be forgotten, was still more likely to counsel the patient endurance of it. But then, when He said, “Vengeance is mine, and I will repay,”[566]

 

Tertullian Of Patience

to me, and I will avenge; “[108]

 

A Treatise Against the Heretic Novatian by an Anonymous Bishop

, when Scripture says, “Vengeance is mine; and I will repay, saith the Lord.”[23]

 

Dionysius Extant Fragments Part II

ons any of them knew individually as neighbours, after these they hurried and bore them with them, and robbed and plundered them, setting aside the more valuable portions of their property for themselves, and scattering about the commoner articles, and such as were made of wood, and burning them on the roads, so that they made these parts present the spectacle of a city taken by the enemy. The brethren, however, simply gave way and withdrew, and, like those to whom Paul bears witness,[14]

 

Lactantius Divine Institutes Book VI

Moreover, he must also diligently take care, lest by any fault of his he should at any time make an enemy; and if any one should be so shameless as to inflict injury on a good and just man, he must bear it with calmness and moderation, and not take upon himself his revenge, but reserve it for the judgment of God.[134]

 

32-) وَلَكِنْ تَذَكَّرُوا الأَيَّامَ السَّالِفَةَ الَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ صَبِرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book IV

But we are not of them that draw back unto perdition, but of them that believe to the saving of the soul.”[148]

 

Methodius Discourse III. Thaleia

is the Spirit of truth, the Paraclete, of whom the illuminated[26]

 

33-) مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ، وَمِنْ جِهَةٍ صَائِرِينَ شُرَكَاءَ الَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هَكَذَا.

 

The Teaching of the Apostles

For there were some of them against whom death by the sword was ordered; and there were some of them from whom they took away whatsoever they possessed, and let them go.[56]

 

37-) لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيلٍ جِدّاً «سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ.

 

1 Clement

Of a truth, soon and suddenly shall His will be accomplished, as the Scripture also bears witness, saying, “Speedily will He come, and will not tarry; “[99]

 

1 Clement

Of a truth, soon and suddenly shall His will be accomplished, as the Scripture also bears witness, saying, “Speedily will He come, and will not tarry;[115]

 

38-) أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرَُّ بِهِ نَفْسِي».

 

Tertullian On Exhortation to Chastity

But where three are, a church is, albeit they be laics. For each individual lives by his own faith,[38]

 

39-) وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الاِرْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاِقْتِنَاءِ النَّفْسِ.

 

Shepherd of Hermas Similitude Eighth

And you see that not a single one of them repented, although they heard the words which I spake to them, which I enjoined upon you. From such life departed.[23]

 

الاصحاح الحادى عشر:-

 

3-) بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ.

 

Shepherd of Hermas Vision Third

and much inferior place they will be laid, and that, too, only when they have been tortured and completed the days of their sins. And on this account will they be transferred, because they have partaken of the righteous Word.[30]

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

“By faith Abel offered to God a fuller sacrifice than Cain, by which he received testimony that he was righteous, God giving testimony to him respecting his gifts; and by it he, being dead, yet speaketh,” and so forth, down to “than enjoy the pleasures of sin for a season.”[27]

 

4-) بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلَّهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ، فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!

 

Tertullian An Answer to the Jews

what he was offering in simplicity of heart, and reprobated the sacrifice of his brother Cain, who was not rightly dividing what he was offering.[29]

 

5-) بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ – إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ.

 

1 Clement

Let us take (for instance) Enoch, who, being found righteous in obedience, was translated, and death was never known to happen to him.[43]

 

Tertullian An Answer to the Jews

For Enoch, too, most righteous man, uncircumcised and in-observant of the Sabbath, He translated from this world;[31]

 

Tertullian A Treatise on the Soul

Such power was not accorded to the great Medea herself-over a human being at any rate, if allowed her over a silly sheep. Enoch no doubt was translated,[296]

 

1 Clement

Let us take (for instance) Enoch, who, being found righteous in obedience, was translated, and death was never known to happen to him.[52]

 

7-) بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكاً لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثاً لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ.

 

Tertullian An Answer to the Jews

written in stone-tables, I contend that there was a law unwritten, which was habitually understood naturally, and by the fathers was habitually kept. For whence was Noah “found righteous,”[23]

 

10-) لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ.

 

Alexander Epistles on the Arian Heresy

Who hath induced them to say, that for our sakes He was made; although Paul says, “for whom are all things, and by whom are all things? “[58]

 

Methodius Discourse V. Thallousa

And the Jews declared that the shadow of the image (of the heavenly things which was afforded to them), was the third from the reality; but we clearly behold the image of the heavenly order; for the truth will be accurately made manifest after the resurrection, when we shall see the heavenly tabernacle (the city in heaven “whose builder and maker is God”[24]

 

13-) فِي الإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ

 

Irenaeus Against Heresies Book V

and [yet] he did not receive an inheritance in it, not even a footstep, but was always a stranger and a pilgrim therein.[276]

 

Tertullian On Exhortation to Chastity

Are not we, too, travellers in this world?[64]

 

16-) وَلَكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَناً أَفْضَلَ، أَيْ سَمَأويّاً. لِذَلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلَهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً

 

Origen Commentary on John Book II

For it was a great gift to the Patriarchs that God in place of His own name should add their name to His own designation as God, as Paul says,[48]

 

17-) بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ – قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ

 

1 Clement

On account of his faith and hospitality, a son was given him in his old age; and in the exercise of obedience, he offered him as a sacrifice to God on one of the mountains which He showed him.[48]

 

1 Clement

On account of his faith and hospitality, a son was given him in his old age; and in the exercise of obedience, he offered him as a sacrifice to God on one of the mountains which He showed him.[57]

 

23-) بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ.

 

Methodius Discourse VII. Procilla

For consider what confidence Seth had towards God, and Abel, and Enos, and Enoch, and Methuselah, and Noah, the first lovers of righteousness, and the first of the first-born children who are written in heaven,[17]

 

25-) مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ،

 

Shepherd of Hermas Similitude Sixth

For luxury and deceit have no memories, on account of the folly with which they are clothed; but when punishment and torture cleave to a man for one day, he is punished and tortured for a year; for punishment and torture have powerful memories. While tortured and punished, therefore, for a whole year, he remembers at last[15]

 

26-) حَاسِباً عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book IV

By faith he forsook Egypt, not fearing the wrath of the king: for he endured as seeing Him who is invisible.”[151]

 

32-) وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضاً؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَأودَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ،

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

Why then should I review and adduce any further testimonies of faith from the history in our hands? “For the time would fail me were I to tell of Gideon, Barak, Samson, Jephtha, David, and Samuel, and the prophets,” and what follows.[28]

 

Tertullian An Answer to the Jews

-a fact which they cannot deny.[299]

 

Peter of Alexandria Canonical Epistle

For they sought not what was profitable for them, but that which was profitable for the many, that they might be saved, and that they might be enabled to say unto them many things conducing to this, that they might act suitably to the Word of God, “unless,” as says the apostle, “the time should fail me in speaking.”[34]

 

35-) أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ.

 

Cyprian Treatise XI Exhortation to Martyrdom Addressed to Fortunatus

But he, trusting in his martyrdom, and promising to himself from the retribution of God the reward of resurrection, exclaimed and said, “Thou indeed impotently destroyest us out of this present life; but the King of the world will raise us up, who die for His laws, unto the eternal resurrection of life.”[95]

 

36-) وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضاً وَحَبْسٍ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book IV

Wherefore also, having encompassing us such a cloud,” holy and transparent, “of witnesses, laying aside every weight, and the sin which doth so easily beset us, let us run with patience the race set before us, looking unto Jesus, the author and finisher of our faith.”[149]

 

Cyprian Epistle VIII

But if before the day of your contest, of the mercy of God, peace shall supervene, let there still remain to you the sound will and the glorious conscience.[10]

 

37-) رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ،

 

1 Clement

Let us be imitators also of those who in goat-skins and sheep-skins[71]

 

A Letter from Origen to Africanus

For the author of the Epistle to the Hebrews, in speaking of the prophets, and what they suffered, says, “They were stoned, they were sawn asunder, they were slain with the sword”[13]

 

Origen Against Celsus Book VII

It was therefore for their firm adherence to truth, and their faithfulness in the reproof of the wicked, that “they were stoned; they were sawn asunder, were tempted, were slain with the sword; they wandered about in sheepskins and goatskins; being destitute, afflicted, tormented; they wandered in deserts and in mountains, and in dens and caves of the earth, of whom the world was not worthy: “[6]

 

Origen Against Celsus Book VII

Indeed, the prophets themselves, who for the purity of their lives received the Divine Spirit, “wandered about in sheepskins and goatskins; being destitute, afflicted, tormented: they wandered in deserts, and in mountains, and in dens and caves of the earth.”[23]

 

Lactantius Divine Institutes Book IV

His temple, He was unwilling to send him with heavenly power and glory, that the people who had been ungrateful towards God might be led into the greatest error, and suffer punishment for their crimes, since they had not received their Lord and God, as the prophets had before foretold that it would thus happen. For Isaiah whom the Jews most cruelly slew, cutting him asunder with a saw,[97]

 

Constitutions of the Holy Apostles Book V

-one with stones, another with the sword; one they sawed asunder,[141]

 

Revelation of Paul

While he was yet speaking, there came other three, and saluted me, saying: Welcome, Paul, beloved of God, the boast of the churches, and model of angels. And I asked: Who are you? And the first said: I am Isaiah, whom Manasseh sawed with a wood saw.[31]

 

1 Clement

Let us be imitators also of those who in goat-skins and sheep-skins[82]

 

Origen Commentary on Matthew Book X

let him believe what is written thus in the Epistle to the Hebrews, “They were stoned, they were sawn asunder, they were tempted; “[119]

 

Origen Commentary on Matthew Book X

And they, too, were dishonoured in their own country among the Jews who went about “in sheep-skins, in goat-skins, being destitute, afflicted,” and so on;[121]

 

40-)  إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئاً أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا.

 

Tertullian On the Veiling of Virgins

What, then, is the Paraclete’s administrative office but this: the direction of discipline, the revelation of the Scriptures, the reformation of the intellect, the advancement toward the “better things? “[5]

 

الاصحاح الثانى عشر:-

 

5-)  وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: «يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book I

 

It has therefore been well said, “My son, despise not thou the correction of God; nor faint when thou art rebuked of Him. For whom the Lord loveth He chasteneth, and scourgeth every son whom He receiveth.”[72]

 

Tertullian Of Patience

us to give thanks and rejoice, over and above, at being thought worthy of divine chastisement. “Whom I love,” saith He, “I chasten.”[112]

 

6-) لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ».

 

1 Clement

“For whom the Lord loveth He chasteneth, and scourgeth every son whom He receiveth.”[249]

 

Origen de Principiis Book III

God accordingly abandons and neglects those whom He has judged undeserving of chastisement: “For whom the Lord loveth He chasteneth, and scourgeth every son whom He receiveth.”[118]

 

Cyprian Epistle VII

For know, beloved brethren, that I was not long ago reproached with this also in a vision, that we were sleepy in our prayers, and did not pray with watchfulness; and undoubtedly God, who “rebukes whom He loves,[14]

 

1 Clement

“For whom the Lord loveth He chasteneth, and scourgeth every son whom He receiveth.”[304]

 

15-) مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجاً، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ.

 

Shepherd of Hermas Similitude Sixth

These have been perverted from the truth: among them there is the hope of repentance, by which it is possible to live. Corruption, then, has a hope of a kind of renewal,[7]

 

Methodius From the Discourse on the Resurrection

For the present we restrain its sprouts, such as evil imaginations, “test any root of bitterness springing up trouble”[11]

 

16-) لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِياً أو مُسْتَبِيحاً كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ.

 

Shepherd of Hermas Commandment Fourth

And therefore I say to you, that if any one is tempted by the devil, and sins after that great and holy calling. in which the Lord has called His people to everlasting life,[13]

 

21-) وَكَانَ الْمَنْظَرُ هَكَذَا مُخِيفاً حَتَّى قَالَ مُوسَى: «أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!».

 

Clement of Alexandria Exhortation to the Heathen

O surpassing love for man! Not as a teacher speaking to his pupils, not as a master to his domestics, nor as God to men, but as a father, does the Lord gently admonish his children. Thus Moses confesses that “he was filled with quaking and terror”[103]

 

22-) بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ: أورُشَلِيمَ السَّمَأويَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ،

 

Origen Against Celsus Book VII

“Ye are come,” says he, “unto Mount Sion, and unto the city of the living God, the heavenly Jerusalem, and to an innumerable company of angels.”[59]

 

Origen Against Celsus Book VIII

But indeed they do in a sense separate themselves and stand aloof from those who are aliens from the commonwealth of God and strangers to His covenants, in order that they may live as citizens of heaven, “coming to the living God, and to the city of God, the heavenly Jerusalem, and to an innumerable company of angels, to the general assembly and Church of the first-born, which are written in heaven.”[14]

 

Origen Commentary on Matthew Book XII

but made clear by the Spirit of the living God, and might be killed in the Jerusalem below, and having risen from the dead might reign in Mount Zion, and the city of the living God-the heavenly Jerusalem.[139]

 

24-) وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ: يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ.

 

Tertullian On the Veiling of Virgins

What, then, is the Paraclete’s administrative office but this: the direction of discipline, the revelation of the Scriptures, the reformation of the intellect, the advancement toward the “better things? “[5]

 

26-) الَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ الأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً: «إِنِّي مَرَّةً أَيْضاً أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضاً».

 

Tertullian On Monogamy

will fall far more heavily and bitterly in the “universal shaking”[111]

 

29-) لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ.

 

Origen Against Celsus Book VI

Nor is the Spirit, in our opinion, a “body,” any more than fire is a “body,” which God is said to be in the passage, “Our God is a consuming fire.”[362]

 

Hippolytus Refutation of All Heresies Book VI

Now he is of the appearance of fire. Moses also, he says, expresses himself thus: “The Lord thy God is a burning and consuming fire.”[81]

 

A Treatise of Novatian Concerning the Trinity

But these things are rather used as figures than as being so in fact. For as, in the Old Testament,[38]

 

الاصحاح الثالث عشر:-

 

4-) لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّماً عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ. وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ.

 

Clement of Alexandria Stromata Book IV

And then, as putting the finishing stroke to the question about marriage, he adds: “Marriage is honourable in all, and the bed undefiled: but whoremongers and adulterers God will judge.”[191]

 

Constitutions of the Holy Apostles Book VI

Wherefore “marriage is honourable”[169]

 

The First Epistle of Clement Concerning Virginity

those who have passed a wedded life in sanctity, and whose “bed has not been defiled.”[32]

 

5-) لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: «لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ»

 

Clement of Alexandria Stromata Book II

For God’s greatest gift is self-restraint. For He Himself has said, “I will neyer leave thee, nor forsake thee,”[256]

 

7-) اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ.

 

Didache

My child, him that speaketh to thee the word of God remember night and day; and thou shalt honour him as the Lord;[42]

 

The First Epistle of Clement Concerning Virginity

For the Scripture has said, “The elders who are among you, honour; and, seeing their manner of life and conduct, imitate their faith.”[55]

 

😎 يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ.

 

Alexander Epistles on the Arian Heresy

For even though one saying may refer to the Father Himself, yet it would now be more aptly spoken of the Word, because when He became man, He changed not; but, as says the apostle, “Jesus Christ, the same yesterday, today, and for ever.”[57]

 

10-) لَنَا «مَذْبَحٌ» لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ.

 

Tertullian An Answer to the Jews

But the one of them, begirt with scarlet, amid cursing and universal spitting, and tearing, and piercing, was cast away by the People outside the city into perdition, marked with manifest tokens of Christ’s passion; who, after being begirt with scarlet garment, and subjected to universal spitting, and afflicted with all contumelies, was crucified outside the city.[343]

 

Tertullian On Prayer

the chief is, that we go not up unto God’s altar[68]

 

Cyprian Treatise XII Three Books of Testimonies Against the Jews

Of this same thing in the Gospel according to Matthew: If thou wouldest offer thy gift at the altar, and there rememberest that thy brother hath ought against thee; leave thou thy gift before the altar, and go; first be reconciled to thy brother, and then come and offer thy gift at the altar.”[384]

 

12-) لِذَلِكَ يَسُوعُ أَيْضاً، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ

 

Five Books in Reply to Marcion

By His own death redeemed), without the camp[229]

 

14-) لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ.

 

Shepherd of Hermas Similitude First

He says to me, “You know that you who are the servants of God dwell in a strange land; for your city is far away from this one.[2]

 

Clement of Alexandria Stromata Book IV

But rather, he says, “Follow peace with all men, and holiness, without which no man shall see the Lord: looking diligently, lest there be any fornicator or profane person, as Esau, who for one morsel surrendered his birth-right; and lest any root of bitterness springing up trouble you, and thereby many be defiled.”[190]

 

15-) فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ.

 

Fragments from the Lost Writings of Irenaeus

And again, “Let us offer the sacrifice of praise, that is, the fruit of the lips.”[76]

 

Didache

that your sacrifice may be pure.[125]

 

17-) أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَاباً، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هَذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ.

 

1 Clement

Let us reverence the Lord Jesus Christ, whose blood was given for us; let us esteem those who have the rule over us;[90]

 

Epistle of Ignatius to the Trallians

Be ye subject to the bishop as to the Lord, for “he watches for your souls, as one that shall give account to God.”[9]

 

Shepherd of Hermas Vision Third

I also, standing joyful before your Father, may give an account of you all to your Lord.”[42]

 

1 Clement

whose blood was given for us; let us esteem those who have the rule over us;[104]

 

و من هنا نرى كيف كان اجماع اباء الكنيسة على قانونية الرسالة الى أهل العبرانيين من القرن الأول وان كاتبها هو القديس بولس الرسول واقتباساتهم كثيرة جدا من الرسالة مما يبين لنا ايمان الكنيسة الجامعة الرسولية الواحدة بقانونية الرسالة من القرن الأول ليستد كل فم يتجرأ على كتاب الله المقدس!

 

“لأنى انا ساهر على كلمتى لأجريها” (ار1:12)

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

قانونية الرسالة الى العبرانيين – فادي عاطف

Exit mobile version