رأي أصحاب مدرسة النقد الأعلى في قيامة المسيح

رأي أصحاب مدرسة النقد الأعلى في قيامة المسيح 

رأي أصحاب مدرسة النقد الأعلى في قيامة المسيح

 

74- ما هو رأي أصحاب مدرسة النقد الأعلى في قيامة المسيح؟

ج: قال ” رودلف بولتمان”.. “أية حقيقة تاريخية تتضمن فكرة القيامة تكون غير قابلة للتصديق”(1).

وقال ” دافيد شتراوس”.. ” لا يمكن أن نسمح بإعلان حقيقة القيامة ” ولخص “إدوارد إلوين” فكر بولتمان قائلًا “من هو هذا الرجل يسوع؟ إنه رجل مثلنا وليس أسطورة، لم يجرِ معجزة. لا بريق سيادي له، ولكنه جدَّد الاحتجاج ضد أنبياء العهد القديم، وقاوم التقيُّد الحرفي بالدين والعبادة الباطلة لله، وقد سلمه اليهود للرومان الذين صلبوه. أما ماعدا هذا من معلومات عنه فهو خرافي وغير أكيد”(2).

والآن نعرض باختصار شديد لعدد من الذين شكَّكوا في قيامة السيد المسيح، فأدَّعى بعضهم أن التلاميذ سرقوا جسد المسيح وادعوا قيامته، وأدَّعى آخرون أن المسيح لم يمت لكنه تعرض للإغماء، وأدَّعى آخرون أن يوسف الرامي نقل جسد يسوع إلى قبر آخر، وأدَّعى آخرون أن القيامة أخذت من الأساطير الوثنية.. إلخ ومن الذين شكَّكوا في قيامة السيد المسيح:

ماثيو أرنولد – هرمان صموئيل ريماروس – شيلر ماخر – فنيتوريني – كورث بيرنا – هيوج شوتفيلد – د. تريفور لويد دافيز وزوجته مارجريت

1- “ماثيو أرنولد”: ألف كتابًا باسم ” التعقل العذب “Sweet Reasonobleness وأنكر فيه كل معجزات العهد الجديد بما فيها قيامة المسيح، وجرد الإنجيل كلية من المعجزات.

2- “هرمان صموئيل ريماروس” Hermann Samuel Reimurus (1694 – 1768م): وهو أحد أساتذة اللغات الشرقية في مدينة همبورج الألمانية، وقد ادَّعى أن يسوع كان يهوديًّا وظل هكذا، وأنه سعى نحو المُلك الأرضي، وعندما دخل أورشليم كملك منتصرًا كاد أن يصل إلى هدفه، ولكن هذه الحادثة قادته للصليب، فصُلِب ومات ولم يقم، ولكن التلاميذ الذين لم يرغبوا في العودة إلى أعمالهم الطبيعية ادَّعوا قيامته (راجع القس حنا جرجس الخضري – تاريخ الفكر ج1 ص 17). وقد وضع هيرمان صموئيل كتابًا نقديًا، مُعتبِرًا معجزات العهد القديم أساطير، ومعجزات العهد الجديد خداع، وانتقد الأناجيل الأربعة، وشخصية السيد المسيح، ولكنه لم يجرؤ على نشر كتابه هذا، وبعد موته قام ” ليسنج ” سنة 1778 م بنشر بعض فقرات من كتابه، فقوبلت باعتراض شديد.

3- “شيلر ماخر” Schlerier Macher (1768 – 1834م): وهو يمثل المدرسة العقلانية الألمانية، وقد رفض سلطان الكتاب المقدَّس، وأهمل العهد القديم، وأنكر المعجزات بما فيها قيامة المسيح، وألَّف كتابًا باسم ” حياة يسوع ” حيث ادَّعى أن القيامة ما هي إلاَّ عودة للوعي بعد إغماء طويل، ونُشر كتابه بعد موته.

4– “فنيتوريني” K. H. Venturini (1768 – 1848م) مع ” أهرد “ K. F. Ahrd (1741 – 1892م) حيث ظن كل منهما أن يسوع كان عضوًا في جماعة الأسينيين، وأنه صُلِب، ولكنه لم يمت بل تعرَّض للإغماء، فأخذه الأطباء الأسينيون وعالجوه حتى استرد قوته وظهر للتلاميذ (راجع القسم حنا جرجس الخضري – تاريخ الفكر جـ1 ص 158) وفي سنة 1851م ظهر كتاب في السويد بعنوان ” صلب يسوع بقلم شاهد عيان ” وهو عبارة عن رسالة من شيخ أسيني في أورشليم كتبها بعد صلب السيد المسيح بسبع سنوات إلى شيخ أسيني آخر في الإسكندرية وجاء فيها ” لم تحدث قيامة ولكن الأسينيين أقاموا يسوع من إغمائه بعد صلبه. ثم عاش ستة أشهر أخرى قبل أن يموت”(3) وأدَّعى أن كل من يوسف الرامي ونيقوديموس ويوحنا المعمدان وحتى الملاك الذي ظهر وقت القيامة جميعهم كانوا أعضاءًا في جماعة الأسينيين.

5- “كورث بيرنا”: وهو كاتب ألماني في القرن العشرين، وقد ادَّعى أن كفن تورينو يثبت أن المسيح لم يمت على الصليب وأن القيامة ما هي إلاَّ صحوة إنسان من القبر(4).

6- “هيوج شوتفيلد”: وهو كاتب يهودي وقد أصدر كتابه ” مؤامرة الفصح ” The Passover plat بعد صدور وثيقة الفاتيكان سنة 1963م بتبرئة اليهود من دم المسيح، وقد ادَّعى هيوج بأن عملية الصليب بالكامل كانت من تدبير المسيح، فهو الذي اختار الوقت المناسب ليُحاكم ويُصلب ويُدفن بسرعة فائقة. كما أنه تناول مخدرًا مع الخل ليتحمل عذاب الصلب، وعملت الحنوط على تضميد جراحاته. ثم أخذه التلاميذ في غفلة من أعين الحراس إلى مكان مجهول حيث مات ميتة طبيعية، وبذلك أنكر قيامة السيد المسيح من بين الأموات، فقال شوتفيلد عن السيد المسيح ” أنه هو الذي دبَّر عملية صلبه جزء من مؤامرة خاصة، ولذلك قبل أن يطرحه الرومان على الصليب تناول مخدرًا حتى لا يشعر بآلام الصليب التي كانت ستحل به. وبعد ثلاث ساعات من صلبه، نقله تلاميذه وهو على قيد الحياة إلى القبر، وهناك وضعوا في أكفانه الكثير من العقاقير والعطور التي ساعدت على التئام جروحه وإنعاش نفسه. وقد انتهزوا فرصة عطلة السبت وهو اليوم التالي لصلبه، وسرقوه في غفلة من الحراس ثم ذهبوا به إلى بلاد بعيدة، فعاش في هذه البلاد حتى مات”(5).

7- “د. تريفور لويد دافيز وزوجته مارجريت: وكان تريفور طبيبًا متقاعدًا، وعمل من قبل كرئيس للمستشارين بوزارة العدل البريطانية في نهاية القرن العشرين. أما زوجته مارجريت فإنها كانت متخصَّصة في علم اللاهوت، وقال الاثنان إما أن السيد المسيح تعرض للإغماء فقط دون الموت وهو على الصليب، أو قد يكون تظاهر بالموت، ونشر نظريته هذه في مجلة الكلية الملكية للأطباء في بريطانيا، ونشرت هذا الخبر جريدة التايمز البريطانية تحت عنوان “المسيح لم يمت على الصليب” وأشارت لهذا الخبر جريدة الأخبار القاهرية سنة 1991م.

_____

(1) Martin Dibelius, KERYGMA & MYTH, Harper & Row, New York.

(2) Edward Ellwein, RUDOLF BULTMANNS INTERPRETATION OF THE KERYGMA, Abingdon Press, New York.

(3) دائرة المعارف الكتابية جـ 1 ص 60.

(4) راجع إيين سميث – كفن تورينو المقدَّس – ترجمة القمص سرجيوس عطا الله ص 14.

(5) أورده عوض سمعان في كتابه قيامة المسيح والأدلة على صدقها ص 47.

 

رأي أصحاب مدرسة النقد الأعلى في قيامة المسيح

الاتجاهان المتضادان لأصحاب مدرسة النقد الأعلى في المسيحية؟

الاتجاهان المتضادان لأصحاب مدرسة النقد الأعلى في المسيحية؟

الاتجاهان المتضادان لأصحاب مدرسة النقد الأعلى في المسيحية؟

45- ما هما الاتجاهان المتضادان اللذان تصورهما أصحاب مدرسة النقد الأعلى في المسيحية؟

6- المذهب الاتجاهي:

ج: أسس هذا المذهب أستاذ اللاهوت الألماني “فرديناند كريستيان ” الذي صوَّر المسيحية على أنها جمعت متضادين، أحدهما يمثله بطرس رسول الختان وهو صورة من اليهودية المتطوَرة، والأخر يمثله بولس الرسول الأمم وهو يمثل الانفتاح على الأمم، وكل اتجاه له مبادئه المخالفة للاتجاه الآخر، وتغافل فرديناند شهادة بطرس الرسول لبولس الرسول “واحسبوا أناة ربنا خلاصًا. كما كتب إليكم أخونا بولس أيضًا بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل كلها أيضًا متكلمًا فيها عن هذه الأمور التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضًا لهلاك أنفسهم” (2بط 3: 15- 16) وتغافل أيضًا اجتماع الكنيسة كلها واتفاقها الواحد في مجمع أورشليم سنة 51 م.

الاتجاهان المتضادان لأصحاب مدرسة النقد الأعلى في المسيحية؟

كيف برزت للوجود مدرسة النقد الأعلى؟

كيف برزت للوجود مدرسة النقد الأعلى؟

كيف برزت للوجود مدرسة النقد الأعلى؟

 

7- كيف برزت للوجود مدرسة النقد الأعلى؟

ج: اهتمت مدرسة النقد الأعلى بالنقد السلبي للكتاب المقدس، أي “نقض ” الكتاب وما جاء فيه، فأنكرت الوحي الإلهي، وأنكرت المعجزات، وطوحت بالتقليد، واعتمدت كلية على العقل والدراسات الأثرية في تفسير الكتاب وتواريخه وأحداثه.

وظهرت جذور هذه المدرسة في شكل أسئلة فردية أو آراء فردية طرحها البعض، مثلما قال “يوليوس الأفريقي ” أن قصة سوسنا لا تتبع سفر دانيال لأنها كُتبت باليونانية، بينما كُتب سفر دانيال بالعبري الآرامي، وقال “ثيؤدور الموبسيستي” معلم نسطور في القرن الخامس الميلادي بأن سفر النشيد شعر رومانسي ذات معنى جنسي، وأنكر “هوغ فيكتور” في القرن الثاني عشر نسبة سفر الحكمة لسليمان الحكيم…

وقال إسحاق بن يشويش الطبيب الخاص لحاكم الأندلس المسلم في القرن الحادي عشر أن بقائمة ملوك أدوم التي ذكرها موسى بعض هؤلاء الملوك (مثل هدد الأدومي) الذين عاشوا بعد عصر موسى، فردَّ عليه “ابراهام بن عزرا ” وقال إن كتابه يستحق الحرق ودعاه بإسحاق الأخرق، وابراهام بن عزرا Ibn Ezra هذا الذي ردَّ على إسحاق بن يشويش كان أول من شكّك في نسبة بعض الأجزاء من التوراة لموسى النبي سنة 1167 م عندما علق على قول موسى النبي في سفر التكوين “واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة ممرا.

وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض” (تك 12: 6) فقال أن قول موسى (وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض) يعني أنهم لم يعد لهم وجود أثناء كتابة هذا الحدث، فالكاتب يتحدث عن طرد الكنعانيين كحدث ماضٍ، وبما إن الكنعانيين كانوا متواجدين أثناء حياة موسى، إذًا موسى لم يكتب بعض الأجزاء من سفر التكوين ولا بعض الأجزاء من بقية الأسفار الخمسة، وادعى ابن عزرا إن اللغة التي كُتبت بها التوراة لم تكن سائدة في عصر موسى، ولكن ابن عزرا هذا لم يجرؤ على إعلان آراءه هذه صراحة بل إكتفى بالتلميح وقال “ولو فهمت ستدرك الحقيقة…

والفاهم يلزم الصمت”(1).

وأخذ الحاخام “يوسف بن أليعازر بونفليس ” في القرن الرابع عشر بدمشق بقول بن عزرا، ولكنه لم يلتزم الصمت، بل أعلنه كتابًة فقال معلّقًا على (تك 12: 6) “هذا برهان على إن هذه الفترة دُونت في التوراة في عصر متأخر ولم يكتبها موسى، وإن كان الكاتب الحقيقي لها هو أحد الأنبياء المتأخرين”(2)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ولم يتنكر يوسف هذا الذي لُقّب بالولد الطيب لقداسة النص الوارد في التوراة.

وفي القرن الخامس عشر الميلادي قال “ألونسو توستارو” أسقف أفيلا بأسبانيا بأن الذي سجل خبر وفاة موسى هو تلميذه يشوع بن نون، فقال “كارل شتات ” Carlstadt المعاصر لمارتن لوثر في القرن السادس عشر إن قصة وفاة موسى كُتبت بأسلوب مماثل للفقرات التي سبقتها، ولذلك يصعب قبول أن يشوع هو الذي كتب هذه الجزئية، وهو بهذا يريد أن يقول إن كاتب هذه الجزئية وما سبقها أيضًا شخص آخر غير موسى النبي.

وفي القرن السادس عشر أيضًا قال “أندرياس فان ماس ” الكاثوليكي المذهب إن موسى هو كاتب التوراة، ثم جاء مُحرّر آخر وأضاف بعض الفقرات وغيِّر بعض الأسماء لكيما توافق عصره، وقام أندرياس مع “بنديكت بربارة ” و”جاك بونفرد ” بفصل النص الأصلي الذي كتبه موسى عن بقية الفقرات التي لم يكتبها، وذلك بحسب تصورهم الخاطئ.

وفي القرن السابع عشر سنة 1651 م رأى الفيلسوف البريطاني “توماس هوبز ” Thomas Hobbes (1588- 1679 م) إن قول كاتب التوراة “حتى هذا اليوم ” لا تعبر عن أمور حديثة راهنة، إنما تعبر عن أحداث حدثت في الماضي وما زالت قائمة منذ حدوثها وحتى هذا اليوم، ولذلك ادّعى إن أسفار موسى الخمسة مع أسفار الملوك من وضع عزرا الكاتب، وقال هوبز أنه يجب أن نستنتج اسم الكاتب وتاريخ السفر من السفر نفسه.

وفي عام 1670م نشر “باروخ سبينوزا” Benedict Spinoza (1632- 1677 م) تحليلًا نقديًا في هولندا وقال لو كان موسى هو كاتب التوراة ما كان يمتدح نفسه (سيتم الرد على هذا الإدعاء في حينه) وأيضًا قال إن كاتب التوراة “ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى ” دليل على إن الكاتب قد عاين أنبياء آخرين وقارن بينهم، وبالتالي فالكاتب ليس هو موسى النبي..

ولم يدرك سبينوزا إن هذه العبارة وردت في الإصحاح الأخير من سفر التثنية الذي كتبه يشوع بن نون، وأدرك بالروح القدس بأنه لن يقوم نبيًا مثل موسى قط، وذكر السبب في نفس الآية، وهو إن الله كان يكلمه وجهًا لوجه “ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه” (تث 34: 10) وفعلًا تحقق كلام يشوع، وبعد أن ذكر عدة اعتراضات أخرى قال “إن الأمر واضح وضوح الشمس وقت الظهيرة وهو إن أسفار التوراة الخمسة لم يكتبها موسى، بل كتبها شخص ما عاش بعده بسنوات طويلة”(4)

واعتبر سبينوزا أن الأسفار من التكوين حتى الملوك قد تكون تكملة متأخرة لعزرا الكاتب أُضيفت في وقت لاحق، وقال أنه لم يكن هناك إعلان إلهي خاص بإسرائيل، ولكن الطبيعة هي المظهر الوحيد للوجود الإلهي، أي أنه أنكر الوحي والمعجزات.

وربما تكون أعظم أعمال وفي نفس الوقت أكبر أخطاء سبينوزا هي نشر أفكار ابن عزرا، وراشي (الحاخام شلومو يتسحاقي) باللغة اللاتينية العالمية، وقد صادرت المحكمة العليا في هولندا كل من أعمال سبينوزا وهوبز(3).

وتعرض سبينوزا للطرد من الطائفة اليهودية، كما إن آراءه لم تجد قبولًا لدى المسيحيين سواء الكاثوليك أو البروتستانت، وضُم كتابه إلى قائمة الكتب المُحرَّمة لدى الكاثوليك، قد صدر ضده 37 قرار إدانة خلال ست سنوات كما جرت عدة محاولات لاغتياله (راجع ريتشارد فريدمان- من كتب التوراة؟ ص 20).

وفي سنة 1678 م رفض “ريتشارد سيمون ” Richarad Simon (1638- 1712 م) آراء سبينوزا مؤكدًا أن موسى هو كاتب التوراة، ولكن جاء بعده بعض الأنبياء الذين جمعوا المخطوطات وأضافوا لها بعض الفقرات، ولأنهم أنبياء مُلهمين بالروح القدس فإن هذا لا يقلل من قدسية النص. أو بمعنى آخر قال سيمون أن الأسفار الخمسة الأولى كتبها إنسان آخر غير موسى، ولكنه استعان بمذكرات موسى مع مصادر أخرى، وأن الكتب التاريخية في العهد القديم هي نتاج تجميع متدرج ومتوالي للنصوص.

وقد تم إعادة صياغة لهذه النصوص المجمَّعة في عصور متأخرة، وكان سيمون بروتستانتيًا من فرنسا، وتحوَّل إلى قس كاثوليكي، ولكن نتيجة أقواله هذه أنه طُرد من الكنيسة الكاثوليكية وضُمت كتبه إلى قائمة الكتب المحظورة، كما وجه له رجال البروستانت أربعين نقدًا..

وكان سيمون قد وضع كتابًا من ثلاثة أجزاء باسم “تاريخ العهد القديم النقدي” Histoire Critique du Vieux Testament وذكر فيه الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأن موسى ليس هو المؤلف الوحيد للتوراة، وهذه الأسباب تتمثل في الصعوبات التاريخية، والتكرار، واختلال التتابع الروائي، واختلاف الأسلوب بين فقرات التوراة (سيتم التعرض لهذه الأمور والرد عليها في حينه).

وأكد ريتشارد أن موسى لم يكتب سوى سفر التكوين والأجزاء التشريعية من التوراة (راجع الأب أنطون نجيب- رسالة صديق الكاهن- يونيو 1971 م) وقام سيمون بطبع 1300 نسخة من كتابه هذا أُحرقت تقريبًا بالكامل، ولكن نجت نسخة نُقلت إلى “أمستردام ” فأُعيد طبعها عدة مرات، وتناول سيمون في الجزء الأول من كتابه تاريخ النص العبري، وافترض أنه كان هناك مجمعًا من الكتبة قد قام بتجميع الأجزاء المتوفرة من النصوص وصياغتها في أسفار، واستمر عملهم هذا حتى زمن عزرا حتى اكتملت الأسفار، وأشار سيمون إلى اختلاف الأسلوب في قصتي الخلق والطوفان، وفي الجزء الثاني من كتابه بحث سيمون في تاريخ الطبعات المختلفة في العهد القديم، وصرَّح بعدم قناعته بالنسخة اللاتينية “الفولجاتل” وتناول في الجزء الثالث تاريخ الشروح والتفاسير، وعندما قام “جون هامفدن ” بترجمة كتاب سيمون من الفرنسية للإنجليزية موافقًا على آرائه سنة 1688 قُبض على جون وسُجن في سجن القلعة في لندن، ولم يخرج منها إلَا بعد أن أعلن ندمه على ما فعله.

وفي القرن الثامن عشر تُرجمت أعمال سيمون إلى اللغة الألمانية، وقد ركز سيمون على التقليد الكتابي أي تسليم النص الأدبي والقصص الكتابيَّة من جيل إلى جيل، وهذا ما لم يجد قبولًا في الوسط البروتستانتي، وبعد نحو قرن من الزمن سنة 1776 م تم الاعتراف بريتشارد سيمون على أنه أبو النقد الكتابي.

وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر برز “جان استروك” Jean Astruc الطبيب الفرنسي، و”ألكسندر جيدس” الكاهن الكاثوليكي الاسكتلندي، و”ايخهورن” الألماني.. إلخ. كما سنرى ذلك بالتفصيل، ونستطيع أن نقول أن النقد الأعلى قد بدأ على يد أشخاص غير محترفين في عملية الشرح والنقد مثل الدبلوماسي “جروتيس”، والفلاسفة “توماس هوبز ” و”سبينوزا ” والطبيب “جان استروك”، وقد شهد القرن الثامن عشر إقرار حق النقد الحر للكتاب المقدس، وفي خلال القرن التاسع عشر كان التركيز على المصادر المتعددة التي أُخذت منها الأسفار المقدسة، وفي النصف الأول من القرن العشرين كان التركيز على أساليب الكتابة والاستنتاجات المؤدية لها، أي “النقد التركيبي” وقد أُتخذ هذا الاسم سنة 1919 م، ويعتبر “هرمان جنكل” (1862- 1932 م) أول من أدخل هذا النوع من النقد عندما اكتشف أن هناك مقاطع أدبية متشابهة من جهة التركيب والأسلوب ومتكررة، فقام بتحديد “الأشكال الأدبية ” كما توجد في العهد القديم وبمساعدة الخيال الاجتماعي أعاد تكوين صورة الحياة الحقيقية التي خرجت منها هذه الأدبيات، فأُعتبرت تعليقاته على سفر التكوين إضافة أساسية للشروح المتعلقة به، واشتهر أكثر بعمله في سفر المزامير(5).

ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن المقصود بالتوراة هي أسفار موسى الخمسة وهي:

1-سفر التكوين: ويحدثنا عن أصل الكون والبشرية، ويروي لنا قصص الآباء البطاركة الأولين إبراهيم وإسحق ويعقوب، وينتهي باستقرار يوسف في مصر ومجيء أبيه يعقوب وأخوته إليه.

2-سفر الخروج: ويُظهر استعباد العبرانيين بيد المصريين، ومحاولات موسى للخروج بالشعب من أرض مصر، والضربات العشر التي أصابت المصريين، وخروج بني إسرائيل بقيادة موسى، والرحلة في برية سيناء، وعهد الله مع شعبه على الجبل، وبناء خيمة الاجتماع.

3-سفر اللاويين: ويشمل مجموعة الشرائع وطقوس العبادة.

4-سفر العدد: ويحدثنا عن إحصاء شعب الله في سيناء، ويذكر المحطات التي مرَّ بها هذا الشعب والحروب التي قادتهم إلى سهول موآب، والتنظيمات الجديدة.

5-سفر التثنية: ويُعتبر الخطاب الوداعي لموسى النبي في الشهر الأخير من حياته والذي ألقاه في سهول موآب، ويشمل قسمين (تث 1- 11) ، (تث 27- 30) وبينهما دستور تشريعي ديني ومدني (تث 12- 16) وينتهي السفر بموت موسى النبي.

_____

(1) ريتشارد أليوت فريدمان- من كتب التوراة؟- ترجمة عمرو زكريا ص 18.

(2) المرجع السابق ص 18.

(3) DICTIONARY OF THE BIBLE- EDITED BY JAMES HASTINGS. P191, CRITICISM BIBLICAL.

(4) ريتشارد إليوت فريدمان- من كتب التوراة؟- ترجمة عمرو زكريا ص 20.

(5) A NEW CATHOLIC COMMENTARY ON HOLY SCRIPTUER. P 120 + DICTIONARY OF THE BIBLE- JAMES HASTINGS. P 191.

كيف برزت للوجود مدرسة النقد الأعلى؟

بداية مدرسة النقد الأعلى بنظرياتها المختلفة

بداية مدرسة النقد الأعلى بنظرياتها المختلفة

بداية مدرسة النقد الأعلى بنظرياتها المختلفة

2- بدأت مدرسة النقد الأعلى بنظرياتها المختلفة، واتجاهاتها المتعددة في ألمانيا.. فلماذا ألمانيا بالذات؟

ج: لأن في ألمانيا نشب الصراع المرير بين الدولة والكنيسة، وأيضًا الصراع الرهيب بين الآرية والسامية:

أ – بالنسبة للدولة في ألمانيا فإنها كانت تمثل مركز الإمبراطورية، ولطالما تسلط بابا روما على الأباطرة…

لذلك سعى ملوك ألمانيا للتخلص من سلطان روما، فأثاروا رجال الدين، واشتروا أقلام الكتاب، وشجعوا الثائرين ضد روما، ومن ألمانيا خرج “مارتن لوثر” الثائر ضد الكنيسة الكاثوليكية، وتعاطف معه ودافع عنه “فريدريك” أمير سكسونيا، فلم يمكن روما منه، ورفض أن يحاكم خارج ألمانيا ويذهب إلى روما وإلا كانت نهايته كنهاية ” جون هس”، و”سافونا رولا” فقد صرح جون هس في كتابه “ناموس المسيح” بأنه يحق للمسيحي أن يشق عصا الطاعة على البابا فيما يخالف ناموس المسيح، فحكمت عليه روما بالحرق حيًا.

أما سانونا رولا فقد قال ” لقد كان للكنيسة من قبل قساوسة من ذهب وكؤوس من خشب. أما الآن فالكؤوس صارت من ذهب والكهنة من خشب ” فشنق مع أثنين من رفاقه وأحرقت جثثهم، وغيرهم المئات من الذين حكمت عليهم روما بالإعدام وبالحرق أحياء(4).

وعندما ترجم مارتن لوثر الكتاب المقدَّس إلى الألمانية حذف رسالة يعقوب التي تركز على أهمية الأعمال، وهذا جزًا الألمان على الهجوم على الكتاب المقدَّس، فحذفوا سبعة أسفار منه، ومن ألمانيا ومن عب البروتستانتينية انتشرت مدارس النقد إلى كل أوربا كالوباء السريع الانتشار.

ب- بالنسبة للصراع بين الآربة والسامية، فقد كان اليهود يسيطرون من الناحية الاقتصادية على ألمانيا، ويشيعون عن أنفسهم أنهم شعب الله المختار، ويفسرون نبوءات العهد القديم الذي يؤمن به المسيحيون بما يخدم أغراضهم، وقد أشعل هذا غضب الألمان عليهم، فظهر بعض الكتاب الألمان الذين تعصبوا ” للآربة ” ورفعوا شعار “اللاسامية” مثل ” فون جوبينو ” Von Gobino (1816 – 1882م)…

و” بول دى لاجارد ” P.D. Laguard (1827 – 1891م) ، و”هوستوت ستيوارت ” H. Stywart (1855 – 1927م) الذي وصل إلى حد محاولة إثبات أن السيد المسيح من جنس آخر غير الجنس اليهودي.

وجاء “هتلر” ليشعلها حربًا شعواء ضد السامية، فحكم حكم جماعي على جميع يهود ألمانيا بالإعدام، وقد تفنن في إعدامهم بأبشع الوسائل، وحرق أجسادهم واستخدام رمادهم في صناعة الصابون.. إلخ، ثم ظهرت في ألمانيا جماعات تحارب ليس العهد القديم فقط بل العهد الجديد أيضًا، ودعت هذه الجماعات إلى التخلي عن المسيحية، واختراع دين جديد يكون آري المصدر بدلًا من المسيحية، ومن هذه الجماعات اللامسيحية(1) ظهر “تنبرج بوند” Tannenbery Bund، و”ماتيلدة لودين دورف” Mo Loden Dorf، و” فلهلم هور ” F. Horh.

ويقول الأب جون وايثفورد عن اللوثويين أنهم ” كانوا يعتقدون برأيهم أكثر من أي من أباء الكنيسة، فبذل الإنصات إلى الآباء الذين ثبت برهم وقداستهم، فقد أعطوا الأولوية للمنطق البشرى. وهذا المنطق البشرى هو الذي جعل غالبية الدارسين اللوثريين يرفضون أغلب عقائد الكتاب المقدَّس.. ويرفضون أيضًا الإيمان بوحي الكتاب المقدس نفسه(3) ويربط الأب أنطون نجيب بين مدارس النقد والحركة البروتستانتية فيقول ” وجه عصر النهضة للتقليد المذكور (نسبة التوراة لموسى النبي) سهامًا مصيتة…

فقد بدأت الشكوك الجدية تظهر حول أصل التوراة الموسوي منذ الجيل 16.. وتتابعت الهجمات بعد ذلك على أصل التوراة الموسوي، وقام علماء من كل ناحية، من الكاثوليك والبروتستانت واليهود، ونفوا نسبة بعض أجزاء على الأقل من التوراة إلى موسى النبي(2).

إننا نستطيع أن نقول بالفُم المليان أن “النقد الكتابي” ولد في أحشاء البروتستانتية. ثم تبنته الكنيسة الكاثوليكية، وهذا ما سنلمسه في هذا الكتاب والأجزاء المكملة له.

_____

(1) راجع د. وهيب جورجى – الكتاب المقدس والعقيدة مع عرض ومناقشة مدارس التشكيك ص 47-49.

(2) مجلة صديق الكاهن- يونيو 1971 م ص 10.

(3) هل الكتاب المقدس وحده يكفى؟ ترجمة أسرة القديس ديديموس بكنيسة مار جرجس اسبورتنج ص 59.

(4) راجع كتابنا يا أخوتنا البروتستانت.. هلم نتحاور ص 40-44.

بداية مدرسة النقد الأعلى بنظرياتها المختلفة

Exit mobile version