الله يقوم بالحركة الأولى ف2 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الله يقوم بالحركة الأولى ف2 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الله يقوم بالحركة الأولى ف2 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصل الثاني – الله يقوم بالحركة الأولى

 

الله بنفسه

يلتمس الحُب

عند باب قلب الإنسان

بول إفدوكيموف

Paul Evdokimov

 

 

هل كان صائدًا أم فريسة؟!

  • ذات مرة, أثناء موسم صيد الغزلان, ظهرت في مجلة رياضيَّة صورة صائد جالس على جذع شجرة وبندقيته فوق ركبتيه، مترقبًا ظهور أحد الغزلان في ساحة الصيد, فاقترب منه من الخلف دب أسود دون أن يراه, وكان التعليق المكتوب تحت الصورة: “هل كان صائدًا أم فريسة؟” نحن نتحدَّث كثيرًا عن بحث الإنسان عن الله، كما لو كان الله هو المفقود، لا نحن, وكما لو كان الإنسان هو الباحث عن الله، وليس الله هو الباحث عن الإنسان.

الله يقوم بالمبادرة الأولى:

  • يقول يسوع: «هأنذا واقف على الباب وأقرع». ليس الإنسان هو الذي يقرع أولاً على باب الله, إنه العريس ـ يسوع ـ الذي يأخذ بزمام المبادرة، ويقدِّم لكل منا عرضًا بالزواج. إنه الله الذي يبدأ بالمبادرة الأولى. الخلاص لا يبدأ أبدًا بالإنسان, لكنه يبدأ بالله: «لأنه هكذا أحب الله العالم, حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو3: 16).
  • قال يسوع: «لا يقدر أحد أن يُقبِل إلَّي إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني.» (يو 44:6)
  • كتب القديس أمبروسيوس Ambrose:

“يتمشَّى الله في الأسفار المقدسة باحثًا عن الإنسان كما كان يتمشَّى في الفردوس.”

  • الكتاب المقدس ليس هو بحث الإنسان عن الله، لكنه بحث الله المتواصل عنا. الله المنطلق للبحث عنا حتى يجدنا. الله يضع واحدًا من الأسئلة المبكِّرة في الكتاب المقدس: «آدم، أين أنت؟» (تك3: 9). ضع اسمك في هذا السؤال: “مارك، مايكل، ستيفن، جانيت، بول، أين أنت؟” إنه نفس السؤال الشخصي لبحث الله عنا: “أين أنت؟” يمكننا أن نرُد كبطرس: “يا رب، ها أنا أغرق في الأمواج. نجِّني!  يا رب، ها أنا في الحفرة، في مستنقع الخطية، في قبر الموت. نجِّني.”
  • وضع القديس يوحنا ذهبي الفم John Chrysostom هذه الكلمات على لسان الرب يسوع: الملاحِق العظيم، المطارد السماوي العظيم:

“ماذا أقول؟ ليس بهذه الطريقة وحدها أوضحتُ لك حبي، بل أيضَا بما عانيتُه من أجلك. بُصِق على وجهي، وجُلدتُ. أخليتُ ذاتي من المجد. خرجتُ من عند أبي وأتيتُ إليك، يا من تكرهني، وتحيد عني، وتستنكر اسمي. لاحقتُك وتعقَّبتُك حتى أُدركك…”

  • الحق إنه ما زال يتتبَّعنا ويلاحقنا بينما نواصل نحن هروبنا منه، متوقِّعين أن نجد السعادة في مسرَّات هذا العالم.

العهود الأربعة:

  • كتب القديس إيريناؤس Irenaeus عن أربع مناسبات عظيمة قطع الله فيها عهودًا مع الإنسان أثناء ملاحقته إيَّانا:
  • المرَّة الأولى كانت مع نوح بعد الطوفان عندما أعطاه قوس قزح كعلامة. العهد الثاني كان مع إبراهيم عندما أعطاه الختان كعلامة. العهد الثالث كان على جبل سيناء, وكانت علامته الناموس. والعهد الرابع أعطاه الرب يسوع بنفسه، وهو على الصليب مختومًا بدمه. من هنا نرى على امتداد أحداث الكتاب المقدس أن الله يلاحقنا باستمرار، ولا ييأس منَّا أبدًا، المرة تلو الأخرى, والميثاق تلو الميثاق, ساعيًا أن يدخل قلوبنا كي يُوحِّد نفسه بنا.

    «أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي.» (رؤ 20:3)

كيف لم أطلبه؟

  • لو طلبناه، فنحن نطلبه لأنه طَلَبَنا أوَّلاً. كتب ستارتز (الأب الرُّوحي) سلوانSiloun Staretz:

“كيف أطلبك؟ لأنك قد طلبتني أوَّلاً.”

  • هذا البحث عن الله يبدأ مبكِّرًا جدًّا في حياتنا, فهو يبدأ في المعمودية. يتساءل كارل رانر Karl Rahner:

“ماذا يحدث في معمودية الأطفال؟ … الله يعرف احتياجنا, فتغمرنا رحمته قبل أن نطلبها, إنَّه حقًّا يفتقدنا حتى نقرع بابه. وهو وجدنا أوَّلاً لكي نطلبه.”

الآب الباحث:

  • النظر بإمعان لأب الابن الضال يعكس لنا صورة جميلة لمحبة الله الباحثة, عندما غادر الابن منـزل أبيه، لم يجلس الأب على كرسي هزاز منتظرًا عودته, فليست هذه من صفات الله كما كشفها لنا الرب يسوع.
  • من المُتصوَّر أن يكون الأب قد قال للخادم: “لا يمكنني تحمُّل الانتظار أكثر من ذلك, أنا ذاهب للبحث عن ابني”, وبهذا الشُّعور سار في الطريق في نفس اللَّحظة التي اقترب فيها ابنه. فلما رآه أبوه من بعيد، ركض إليه ووقع على عنقه، وقبَّله. عندما نبدأ العودة إلى الله لأي سبب من الأسباب، سنجد الله حتمًا ماضيًا في نفس الطريق كي يلاقينا, وبمجرد أن نمضي خطوة واحدة تجاهه، سيأخذ هو ألف خطوة تجاهنا. وحتى لحظة الموت، عندما ننتقل من أنوار هذه الأرض خلال وادي ظل الموت، فإن الله سيكون هناك منتظرًا إيانا بمصباح حبه، في أحلك الأودية على الإطلاق. للوصول إلى اختبار شخصي لمحبة الله في المسيح, يجب أن تؤمن بحقيقة أن الله منذ لحظة الميلاد حتى لحظة الموت, سوف يلاحقنا بالمحبة، ويعرض علينا أن يقدِّم لنا أعظم ما في الحياة: نفسه!

كنتُ أعرف أنَّهم يبحثون عني:

قصَّة:

  • هبط أحد طياري الحرب العالمية الثانية في بحر الشمال في طقس الشتاء القارس, وساعة تلو الأخرى تعلق بطوافته رغم الرياح الشديدة، والأمطار المتجمدة، والأمواج العاتية, وفي النهاية تم إنقاذه. وعندما سُئل عن سبب صموده طيلة هذه المدة في مثل هذه الظروف المرعبة، ردَّ قائلا: “لولا أنني كُنت أعرف أنهم كانوا يبحثون عني، لما كنتُ قد صمدتُ هكذا على الإطلاق.”
  • الرسالة العظمى لإيماننا المسيحي هي: الله كان يبحث عنا، ولا يزال يبحث عنَّا. لقد شيَّد الله سلَّمًا نازلا من السماء حتى الباب المؤدِّي مباشرة لقلبك وقلبي, وهو يقف خارج هذا الباب ويقرع، داعيًا إيَّانا بأسمائنا ملتمسًا وساعيًا للدخول.

    «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي.» (رؤ3: 20)

  • أين يقف؟ إنه واقف قريبًا جدًّا خارج باب قلبك وقلبي ـ منتهى القرب! هل يشترط علينا أن ندعوه للدخول؟ لا! إنه يقرع برفقٍ، منتظرًا إيَّانا أن نستجيب من أعماق قلوبنا, ذاك الذي جاء إلى بيت لحم لا زال يواصل مجيئه إليك أينما كنت، ساعيًا للدخول كي يحوِّل جسدك إلى هيكل يحضر فيه الله.
  • يكتب اللاهوتي بول إفدوكيموف Paul Evdokimov فيقول:

“وفقًا لأقوال النسَّاك العظام، فالمسيحي إنسان بائس، متوسِّلٌ للنِّعمة، إلاَّ أنَّه يكتشف الواحد الذي يبدو كأنَّه أكثر توسُّلاً، إنَّه الله نفسه الذي يستجدي المحبة عند باب قلب الإنسان.”

يسوع يقرع كشحَّاذ:

  • الرب يسوع يأتي كشحَّاذ. لقد خدم الآخرين أولاً، وتحدَّث مع من لم يسمح أحد لنفسه أن يتحدَّث معه، وأكل مع أدنى أفراد المجتمع، ولمس من كان غير مسموح لأحد أن يلمسه لئلاَّ يتنجَّس, وغسل أرجل عبيده. لم يكن لديه عرش أو تاج أو مجموعة خدَّام أو حرَّاس مسلَّحون, بل كان له سكن مُستأجَر, وقبر مستأجر, وكان هذا هو نمط حياته الأرضية. الملوك والرؤساء ورؤساء الوزارات يحيطون أنفسهم بأتباعٍ يتقدَّمون أمامهم ويفتحون لهم الأبواب, ويقفون بانتباه منتظرين مرور العظماء, أمَّا يسوع فقال إنه يقف بنفسه على الباب كشحَّاذ وهو يقرع، منتظرًا بصبر أن يدخل حياتنا.
  • قال القديس أمبروسيوس:

“لو كان يسوع لا يرغب أن يدخل، لما جاء وقرع الباب، وإن لم يدخل، فاللَّوم يقع علينا نحن.”

مطارَدٌ من الله:

     دعني أشاركك قصتَي شابَّين يحكيان كيف كان الله يطاردهما بحثًا عنهما:

القصَّة الأولى:

  • كان كريج مورتون Craig Morton لاعب خط وسط فريق دنفر برونكس، وكان أبرز لاعبي الفريق في العام يكتب قائلاً:

    “كانت حياتي متمركزة أساسًا في الأمور الماديَّة. كنت أمتلك شقة فاخرة في نيويورك، وأتنـزَّه مع أجمل الجميلات، وأطوف بالطائرة أرجاء الولايات المتحدة, ولكن… عانيتُ في أعماقي… قضيت مرحلة بلوغي بلا معنى ولا هدف وأنا أمرح في الشوارع والحانات, ولكن في الواقع، لم يكن هناك أي شعور بالإشباع, حتى قابلتُ الرب يسوع”. بدأ كريج يدرك أن هناك شخصًا ما بالإضافة للاعبي الدفاع كان يطارده؛ وذاك المطارد أثبت له أنه من الصعب جدًّا مقاومته أو تخطِّيه.

    استمرَّ كريج يقول:

    “عرفتُ في أعماقي أن الرب كان يقرع، آملاً أن يدخل قلبي ويسكن فيه حتى النهاية”. وأخيرًا فتح كريج قلبه للرب يسوع، ودعاه لدخول حياته. سخر منه أصدقاؤه لأنه أصبح متديِّنًا عميقًا, إذ ظنُّوا هذا التديُّن تعصُّبًا, فرد كريج على ذلك قائلاً:

     “إن الرب يسوع لم يجعلني متديِّنًا متعصِّبًا، بل جعلني إنسانًا سعيدًا حقًّا”. وضع كريج حياته بأكملها في يد الذي لاحقه باستمرارٍ ومثابرة سنوات طويلة وأخيرًا انتهى هروبه من الله.  والسؤال الآن: هل سأجد الله؟

القصَّة الثانية:

  • وهي خاصة بشاب مُلحِد, سأل ذات يوم أستاذه في حصَّة دين: “هل تعتقد أنَّني سأجد الله يومًا ما؟”, وكان الأستاذ قسًّا. فأجابه القس: “توم، أعتقد أنك لن تجد الله على الإطلاق، لكنَّني متيقِّن تمامًا أنه سوف يجدك!” بعد التخرج اكتشف توم أنه كان يعاني من سرطان مميت, فذهب للقاء القس، الأب جون بول, وقال له: ”سبق لي أن سألتُك ما إذا كنتَ تعتقد أنني سأجد الله، فأجبتني قائلا: “لا! وهذا ما أدهشني.” ثم قلتَ لي: “لكن الله سوف يجدك.” فكَّرتُ في ذلك الأمر كثيرًا، رغم أن بحثي عن الله كان ضعيفًا للغاية في ذلك الوقت, ولكن عندما استأصل الأطباء ورمًا من فخذي، وأخبروني أنه كان ورمًا خبيثًا, فكَّرتُ جديًّا في وضع الله بالنسبة لي. وذات يوم التفتُّ لأجد الله هناك في داخلي, الآن علمتُ أنَّ الله يجري الأمور جيدًا بطريقته الخاصة وميعاده الخاص, لكن الشيء المهم هو أنَّه كان هناك, قد وجدني. أنت كنتَ على حق أيُّها الأب القس, فالله وجدني حتى بعدما توقَّفتُ أنا عن البحث عنه“.
  • الرب يسوع! ذاك الذي جاء متضعًا ليكون مخلِّصنا, لا يزال إلى اليوم وكل يوم مستمرًّا في المجيء إلينا اليوم بنفس الاتضاع، قارعًا الباب، منتظرًا إيانا أن ندعوه للدخول, وذلك المضيف يطلب أن يكون ضيفًا. ألا نستضيف ذاك الذي نستمد منه كل نسمة حياة؟ أنتركه خارج باب نفوسنا، بينما نزل من السماء من أجل خلاصنا؟ هل نستمر عائشين في الظلمة بينما يقف خلف الباب مباشرًة: نور العالم، وشمس البر، وهو يقرع ويدعو، ويلتمس، ويطلب أن يدخل قلوبنا الملوثة كي يحوِّلها مسكنًا لحلوله ولحضوره.
  • سأل أحدهم: “أين الله؟” فكانت الإجابة: “الله موجود أينما ووقتما تسمح له بالدخول.”
  • قال القديس يوحنا ذهبي الفم:

“لا تغلق الباب، لأن الواحد الذي تتركه واقفًا بالخارج هو المسيح.”

Øصلاة×

أنا مثل طفل ألعب الإستغماية,

منتظرًا أن يجدني واحد، ويدعوني باسمي،

ويقول لي: “أمسكتك!”

وقد فعلتَ أنت ذلك، يا رب!

وجدتني مختبئًا في أحقر وأردأ الأماكن،

وراء الضغائن القديمة…

تحت أطنان الإحباطات,

متورِّطًا في ذنوبي،

مختنقًا بالتنهُّدات الداخليَّة.

وجدتني، وهمست باسمي،

وقلتَ لي: “أمسكتُك!”

وأنا أومن أنَّك تعني ذلك…

والآن,

ربما تخرج الدموع الصامتة

من عيني …

وتُبلِّل خدودي.

وربما منذ الآن فصاعدًا,

لا أضطر أن ألعب الإستغماية

فيما بعد.

                                          روبرت أ.رينر

Robert A. Raines

 

الله يقوم بالحركة الأولى ف2 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الله الباحث ف1 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الله الباحث ف1 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

الله الباحث ف1 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

 

الفصل الأول – الله الباحث

 

بعصا الراعي التي تشبه الصليب،

يجول عبر أرجاء العالم… باحثًا عنكَ وعنِّي

 

 

الله الباحث

  • يحكي فرانز كافكا Franz Kafka في روايته “القلعة” The castle  عن رجل مدعو للعمل كمُخطِّط أراضٍ في مدينة بعيدة. عند وصوله يسأل أهل المدينة عن كيفية الوصول لقلعة رئيس المدينة الواقعة على قمة أعلى التلال فلا يدلّه أحد, يحاول ماسح الأراضي يائسًا طوال أحداث الرواية ـ المرة تلو الأخرى ـ أن يجد طريقه نحو القلعة لرؤية رئيس المدينة وتسلُّم تعليماته, وفي النهاية يموت ماسح الأراضي دون أن يكون قد وصل القلعة، ودون أن يكون قد تعلَّم أيضًا كيف كان المفروض أن يتصرَّف.
  • وفقًا لبعض المفسِّرين يحاول كافكا في روايته أن يوضح حقيقة واحدة : “الإنسان لا يمكنه الصعود إلى الله.” لو عرف الإنسانُ اللهَ، ومن ثمَّ عرف علَّة وجوده، فلابد أن يأتيه الله. يمكننا أن نبذل حياتنا كاملة لمعرفة الله، ولكن لا يمكننا أن نصل إلى “القلعة” بواسطة حكمتنا وقوَّتنا الذاتية. في الواقع لا يمكننا حتى أن نعرف ماذا يُفتَرَض أن نقوم به ما لم يأخذ الله بزمام المبادرة للمجيء إلينا وإخبارنا بذلك.

البحث الإلهي:

  • وهذا هو تمامًا ما فعله الله, فبحثه عن الإنسان جعله يتَّخذ أخيرًا صورة التجسُّد: «والكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده مجدًا كما لوحيٍد من الآب مملوءًا نعمة وحقًّا» (يو 14:1). الله صار إنسانًا في المسيح. نزل إلينا كي يخبرنا من هو ومن نحن. جاء لكي يحرِّرنا من عبوديتنا للخطية والموت. جاء لكي يجعلنا بالنِّعمة شركاء الطبيعة الإلهيَّة (2بط1: 4)، أبناء وبنات الله.
  • لو سأل واحد عن جوهر المسيحية بالإجمال، لكانت الإجابة جملة واحدة: “المسيحية معناها الله يحبُّني، الله يريدني، الله يبحث عنِّي، الله يفتِّش عنِّي حتى يجدني.”

تفرُّد المسيحية:

كل الديانات الأخرى تُصوِّر الإنسان الباحث عن الله، أمَّا المسيحية فتنادي بإله ينـزل من “القلعة” باحثًا عن الإنسان. ليس هذا بحث الإنسان عن الله، لكنه بحث الله عن الإنسان.

  • يكتب د. جورج مانتزارديس George Mantzarides اللاهوتي الأرثوذكسي اللامع فيقول: “الإنسان لا يمكنه أن يجد الله بحركته الشخصيَّة تجاهه، بل بالحركة التي يقوم بها الله تجاه الإنسان.”

تقليب الكون بحثًا عن نفس ضالة واحدة:

  • قال يسوع ثلاثة أمثال لشرح محبَّته الباحثة: المثل الأول: هو مثل الخروف الضال الذي يفقد فيه الراعي الصالح خروفًا واحدًا من القطيع، فينطلق في الليل المظلم بحثًا عنه، ولا يعود حتى يجده. المثل الثاني: هو مثل الدرهم المفقود، وفيه تقلب المرأة بيتها رأسًا على عقب بحثًا عنه حتى تجده. والمثل الثالث هو مثل الابن الضال، أو بالأحرى مثل محبة الأب المُنتظِرَة. وفي الأمثال الثلاثة هذه يصوَّر الله كما لو كان يقلب أرجاء الكون بحثًا عن نفس ضالَّة واحدة. (لو 3:15ـ32)

هرب أوغسطينوس من الله:

في كتابه “الاعترافات” Confessions, ترك أغسطينوس لنا سجلاً بمرحلة هروبه من وجه الله، وأوضح لنا كيف أن الله قد بدأ يطلبه وهو طفل من خلال صلوات ومحبَّة أمِّه، وكيف تجوَّل من مدرسة إلى مدرسة، بلا راحة أو سعادة في مرحلة بحث مستمرة، دون أن يجدَ الحق أبدًا, وكيف أصبح عبدًا لخطية وراء خطية. وبينما كان الله يبحث عنه دائمًا، كان هو يهرب من وجه الله دائمًا, إلى أن جاء ذاك اليوم بينما كان في حديقة بالقرب من “ميلان” Milan, وهو وسط صراعات الذهن والقلب العنيفة، وجد أغسطينوس المسيحَ، أو بالأحرى وجد المسيحُ أغسطينوس.

عندما استعاد أغسطينوس ذكرياته، أدرك كيف أن الله كان يبحث عنه، دون أن يغضَّ عنه الطرف أبدًا, وكتب قائلاً:

’’يا للشر الذي كنتُ منغمسًا فيه! أنتَ (يا رب) كنتَ دائمًا تبحث عني، وأنا أهرب منكَ بعيدًا بعيدًا. يا لها من طرقٍ ملتوية! ويلٌ للحماقة المندفعة التي ترجو أن تتركك حتى تجد ما هو أفضل. أنتَ وحدك هو الراحة‘‘. 

V الـمُطارِد السماوي:

يخبرنا الشـاعر الإنجـليزي “فرانسيس ثومبسون Francis Thompson” في قصيدته البديعة “المُطارِد السماوي” عن تاريخ نفسه، وهي نفس هربت من محبة الله التي تجدُّ بحثًا عنها, تمامًا مثل نفس أغسطينوس التي هربت من محبَّة الله الباحثة والمُختبئة في أعماق ذهنه, وحاوَلَتْ أن تطرد الله بعيدًا عن مسارها في غابات المتعة, وحاولت أن تنساه في مباهج العلم, ولكنه لم يستطع ـ لا في العلم ولا في المُتعة ـ أن يهرب من ملاحقة الله, المُطارِد السماوي فيقول في قصيدته:

     ’’هربتُ منه طوال الأيام والليالي,

     هربتُ منه طوال السنين,

     في متاهات عقلي،

     واختبأتُ منه وسط الدموع…‘‘.

      مَنْ لا يأوي المسيح لن يأويه شيء, ومَنْ لا يُرضي المسيح لن يرضيه شيء. وأخيرًا أصبح المطارد الذي كان يهابه أكثر اقترابًا حتى وجده في النهاية, وأصبح “فرانسيس ثومبسون” المنبوذ ومدمن المخدرات، هو “فرانسيس ثومبسون” الشاعر المسيحي الذي وجده المسيح وخلَّصه، وأسره المطارد السماوي. الله لا يخفي نفسه عنَّا في قصر السماء, ولكن بعصا الرَّاعي التي تُشبه الصَّليب, يجول أرجاء العالم باحثًا عنِّي وعنك.

يلاحقنا حتى الرمق الأخير:

      كتب القديس يوحنا ذهبي الفم عن يسوع وهو يلاحقنا كشاب يحب عروسه حبًّا مفرطًا. يلاحقنا حتى الرمق الأخير. يخلع عنه رداءه السماوي ويصبح إنسانًا، وليس إنسانًا فقط، بل عبدًا، وليس عبدًا فقط، بل عبدًا حتى الموت، وليس الموت فقط، بل موت الصليب. من أجلنا يصبح خطيَّة ولعنة، كما يكتب القديس بولس. إنها علاقة حب تصل ذروتها على الصليب بهذه الكلمات: “قد أُكمِل.” يلاحقنا حتى حفرة الهاوية، محطمًا أبوابها، وجاعلاً مفاصلها تتطاير في جميع الاتجاهات، حتى يحرِّرنا.

      وهكذا لا نعيش في عالم كافكا، حيث يحاول الناس الوصول لرئيس القلعة كي يعرفوا علَّة وجودهم, بل نعيش في عالمٍ يُلاحَق فيه كلٌّ منَّا بحب الراعي الصالح، المطارِد السماوي، الباحث كي يمنحنا ما لا يستطيع أي شيء أو أي إنسان آخر في هذا الكون أن يمنحنا إياه أبدًا: محبة الله وفرحه، وحياته، وسلامه!

  • الله نزل من القلعة والآن يقف خارج باب نفسك ملتمسًا الدخول: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب, أدخل إليه, وأتعشى معه وهو معي.» (رؤ 20:3)

Øصلاة×

يسوع الحبيب،

كيف أشكرك

لأنك تركت  السماء وأتيت بحثًا عني, وسلكت نفس طريقي.

وأنَّك تحبُّني وتود أن تهديني إلى السماء،

شرف لا أستحقه, أن اعرف أنك لست في القلعة الموجودة على قمة التل،

بل أنت واقفٌ خارج باب نفسي،

منتظرًا إياي كي أفتح لك وأدعوك للدخول،

حتى تغمرني بالسرور.

هأنذا أفتح الباب لحضورك,

فتعالَ، أيها الرب يسوع، تعالَ.

اجعل ملكوتك فيَّ ملكوتًا حقيقيًّا.

تعشَّ معي وأنا معك. آمين.

دَع الله يجدك:

  • السؤال ليس “كيف أجد الله؟” بل “كيف أدع نفسي ليجدها الله ؟” السؤال ليس: “كيف أعرف الله؟” بل “كيف أدع نفسي لتكون معروفة من الله؟” وأخيرًا ليس السؤال: “كيف أحب الله؟” بل “كيف أدع نفسي لتكون محبوبة من الله؟” الله يبحث عنِّي محاولاً أن يجدني, وهو مُشتاق أن يأخذني إلى الوطن السماوي. في الأمثال الثلاثة التي رواها الرب يسوع ردًّا على سبب أكله مع الخطاة أكَّد على مبادرة الله. الله هو الراعي الذي يواصل بحثه عن خرافه. الله يمثِّل المرأة التي توقد السراج وتكنس البيت، وتفتش في كل مكانٍ حتى تجد درهمها المفقود. الله هو الأب المترقب المنتظر أولاده، والذي يركض كي يلاقيهم ويحتضنهم، ويتحاور معهم، ويلتمس منهم العودة للبيت. ربما يبدو هذا غريبًا، لكن الله يريد أن يجدني بقدر ما أريد أنا أن أجد الله, إن لم يكن بقدرٍ أكبر.
  • إن ملامح رحلتي الروحيَّة سوف تتغير بطريقة جذريَّة عندما لا أعود أفكر أن الله هو المختبئ، معتبرًا الأمر صعبًا بل مستحيلاً أن أجده، بل لابد أن أفكر أن الله هو الشخص الوحيد الذي يبحث عني بينما أنا هو الذي يختبئ. ألا يكون من الجيِّد أن أزيد فرح الله بالسماح له أن يجدني، ويحبني، ويحملني عائدًا إلى البيت، ويحتفل بعودتي مع الملائكة؟

[إن فحوى الديانة ليست هي فيما يفعله الإنسان مع وحدته, لكن ما يفعله الإنسان مع حضور الله].

Abraham Heschel

 أبراهام هيسكيل

 

الله الباحث ف1 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الخطية عبودية – الأب أنتوني م. كونيارس

الخطية عبودية – الأب أنتوني م. كونيارس

الخطية عبودية – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

هل كان الله ”يُجَرِّب“ آدم وحواء؟

السيِّدة ذائعة الصِّيت نونا هاريسون Sr. Nanna Harrison العالِِمة في علم الآبائيَّات، قدَّمت في عظة عن البشارة وصفًا رائعًا للإرادة الحرَّة التي هي عطيَّة مِن الله, فقالت إنَّ قديمًا كان هناك أناس يتساءلون: “بما أنَّ الله لم يكن يريد أنْ يأكل آدم وحواء مِن شجرة معرفة الخَيْر والشَّر، إذن لماذا زرع الله تلك الشَّجرة في وسط الجنَّة في المقام الأوَّل؟” (تك2: 15-17).

هل زرعها مِن أجل الإيقاع بهما؟ لا. وتشرح السيِّدة نونا قائلة إنَّ القدِّيس غريغوريوس اللاَّهوتي وآباء آخرين في الكنيسة أوضحوا أنَّ السَّبب كان هو إعطاء آدم وحوَّاء فرصة لممارسة حريَّتهما في الاختيار.

شرح آباء الكنيسة أنَّ آدم وحواء كانا مثل الأطفال, وكانت خطَّة الله لهما أنْ ينمُوَا على مدى فترة مِن الوقت ليصلا إلى مرحلة النُّضوج.

بعبارة أخرى، كانت خطَّة الله أنْ يثقِّفهما ويعلِّمهما ويساعدهما على النُّمُو إلى القامة الكاملة لصورة ومِثال خالقهما. وكان أوَّل امتحان لهما هو ألاَّ يأكلا مِن الشَّجرة المحرَّمة. وبالمناسبة، نحن بحاجة إلى أنْ نتذكَّر أنَّه كان يوجد في الجنة الآلاف مِن الأشجار الأخرى التي كان في إمكان آدم وحواء أنْ يستمتعا بها بحريَّة, وكانت هذه الشَّجرة الوحيدة التي طلب الله منهما أنْ يمتنعا عنها. وكان الهدف هو امتحان إرادتهما الحرَّة ومساعدتهما على النُّمُو ببطء في طاعة الله. بداية مِن هذا الفعل الأوَّل للطَّاعة، كانا في إمكانهما أنْ يشتركا أكثر وأكثر على نحو كامل في إرادة الله, ويصبحا شركاء الطَّبيعة الإلهيَّة. واليوم لا يزال الله يمتحن إرادتنا الحرَّة. لقد وضعنا في جنَّة عدن أخرى- على هذا الكوكب الجميل، الأرض التي خلقها لنا. الوصايا التي أعطاها لنا ليست مجرَّد امتحانات, بل أيضًا تحدِّيات نُظهر بها حبَّنا له, وننمو بها لنصل إلى كل ما خلقنا الله لنكون عليه.

القدِّيس يوحنا كرونستادت St. John of Kronstadt مجَّد الله لمنحه لنا عطيَّة الإرادة الحرَّة, فكَتَب يقول:

”لماذا سمح الله بسقوط الإنسان، مخلوقه الحبيب وتاج جميع المخلوقات الأرضيَّة؟ لابدَّ مِن الرَّد على هذا السُّؤال بأنَّه: لو الإنسان لا يُسمَح له بالسقوط، فهو يكون بالتالي غير مخلوق على صورة الله ومثاله؛ ولا يمكن أنْ تكون لديه إرادة حرَّة التي هي صفة ملازمة لصورة الله، بل لكان عليه أنْ يخضع لقانون الضَّرورة مثل الخليقة التي لا روح لها – أي مثل الشَّمس، السَّماء، النُّجوم، الكرة الأرضيَّة، وكل العناصر الأخرى – أو أنْ يكون مثل الحيوانات غير العاقلة؛ لكن حينئذ لَمَا كان هناك أي ملك على كل مخلوقات الأرض، ولَمَا كان هناك أي مُرَنِّم عاقل يُسَبِّح الله لخلاصه وحكمته وعنايته وقدرته غَيْر المحدودة المُبدِعة. وحينئذ لوجد الإنسان نفسه عاجزًا عن إيجاد طريقة يُعَبِّر بها عن إخلاصه وحبِّه الشَّديد لخالقه، حبِّه المضحِّي الباذل للذَّات. حينئذ لَمَا كان هناك أي أعمال بطوليَّة في الحروب, ولا استحقاقات ولا أكاليل نصر غير مضمحِلَّة، ولَمَا كان هناك أي نعيم أبدي الذي هو جزاء الإيمان والإخلاص لله، ولَمَا كان هناك أي راحة أبديَّة بعد ما نلقاه في رحلتنا الأرضيَّة مِن مشقَّة وكفاح“.

«احمل سريرك وامشِ»

عندما شفى يسوع المفلوج (مر2: 1-12)، قال له: «قُم واحمل سريرك وامشِ». تعليقًا على هذه الآية، كتب أحد آباء الكنيسة الأوَّلين، بيتر كريسولوجس Peter Chrysologus: “احمل سريرك. احمل تلك الحصيرة بعينها التي حملتك فيما مضى”.

عندما يحرِّرنا يسوع، فهو يمكِّننا مِن أنْ “نحمل”، أنْ نتحكَّم في الإدمان (السَّرير) الذي كان يتحكَّم فينا فيما مضى.

يقول يوحنا الدَّرَجي:

”تحكَّم في شهيَّتك قَبْل أنْ تتحكَّم هي فيك“.

الرَّب يسوع يحرِّرنا حتى نسيطر على الإدمان الذي سيطر علينا حينًا. إنَّه يحرِّرنا لنتغلَّب على إدمان المخدِّرات أو الوساوس أو الهواجس التي استعبدتنا فيما مضى. إنَّه يحرِّرنا لنتغلَّب على الشَّهوة والطَّمع اللذَيْن استحوذا علينا حينًا.

«قُم احمل سريرك وامشِ»: لا تعرُج بعد الآن. لا تزحف. لا تتعثَّر. قم. امشِ. احمل تلك الحصيرة بعينها التي حَمَلتك فيما مضى, أنتَ الآن حُر في المسيح.

«فاثبتوا إذًا في الحريَّة التي قد حرَّرنا المسيح بها, ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبوديَّة» (غل 5: 1).

يحكي أدلر Adler عالِم النَّفس الشَّهير عن رَجُلَيْن فَقَد كلُّ واحد منهما ذراعه. بعد مرور عام، شعر واحد منهما بالإحباط الشَّديد لدرجة أنَّه قرَّر أنَّ الحياة لا تستحق العيش في وجود إعاقة مثل إعاقته. أمَّا الآخر فتغلَّب على إعاقته بانتصار حتى أنَّه ظلَّ يقول إنَّه حقًّا لا يعرف لماذا أعطتنا الطَّبيعة ذراعَيْن عندما يكون في إمكاننا أنْ نُدَبِّر شؤوننا بصورة جيِّدة جدًّا بذراع واحدة. لقد كان رد فعله لما حدث له هو الذي أوجد الاختلاف.

وصايا الله تحمي الحريَّة

وصايا الله التي تبدو وكأنَّها حواجز مقيِّدة في نظر الخطاة، هي التي تحفظ الحريَّة التي وهبها الله لنا. يُعَلِّمنا القدِّيس مرقس النَّاسك أنَّ وصايا الله: ”تحمي شروط الحريَّة الممنوحة لنا“, وبالتَّالي، فإنَّ حفظ الوصايا هو الطَّريق للحريَّة الحقيقيَّة, فوصايا الله تُحَرِّر ولا تُقَيِّد أو تستعبد.

صادفني مؤخَّرًا كتابٌ عنوانه: “وصايا الله العشرGod’s Ten Commandments”. يذكر المؤلِّف فيه أنَّ الوصايا العشْر غالبًا ما تصوَّر على أنَّها تحذيرات لا تُحْمَد عقباها, عبارات قاسية جافَّة مِن إله كلِّي القدرة ذي سيادة ومُنتقِم.

إلاَّ أنَّ العكس هو الصَّحيح. الله ليس بمنتقِم. إنَّه أب حنون كما نراه في مَثَل الابن الضَّال. العَشَر وصايا هي عشرة إعلانات عن محبَّته لنا, فالله يحبُّنا ويرينا الطَّريق إلى الحريَّة مِن خلال الوصايا. مرَّة أخرى، الوصايا تحرِّر ولا تُقَيِّد ولا تخنق.

الحياة تحتاج إلى قائمَي المرمى

الحياة بدون حدود وبدون قواعد تشبه لعب التِّنس بدون شبكة أو لعب كرة القدم بدون مرمى.

وجود الشَّبكة في ملعب التِّنس ووجود قائمَي المرمى في ملعب كرة القدم تمنحنا حريَّة اللِّعب بأفضل إمكانيَّاتنا. الحريَّة أيضًا لها حدود, وتلك الحدود يتم رَسمها مِن خلال ما نسمِّيه المسؤوليَّة. الحياة أيضًا لها قواعدها، لها قائمَا المرمى الموضوعَان مِن قِبَل الله (الوصايا). فالوصايا موجودة لمساعدتنا في انطلاقنا لنصبح أشخاصًا أحرارًا كما قصد الله عندما خلقنا.

الإرادة الحرَّة والحريَّة الفرديَّة

آباء الكنيسة الأوَّلون يُميِّزون بين نوعَيْن مِن الحريَّة يُعَبَّر عنهما في اليونانيَّة بكلمتَيْن مختلفَتَيْن. النَّوْع الأوَّل مِن الحريَّة يسمُّونه autexousism أي رباطة الجأش أو ضبط النَّفس، أو أنْ تكون مسؤولاً عن نفسك. هذا هو السُّلطان الذي منحه الله لنا عندما خلقنا على صورته. إنَّه القدرة على تحديد الخيارات الخاصَّة بنا وأنْ نكون المتحكِّمين في مصيرنا: autexousion.

النَّوْع الثَّاني مِن الحريَّة الذي منحه الله لنا يصفه الآباء اليونانيُّون الأوائل بكلمة eleutheria. تلك هي الكلمة التي يستخدمها كاتبو العهد الجديد لوصف التحرُّر والعتق مِن الخطيَّة (رو6: 18-23)؛ التحرُّر مِن النَّاموس (غل2: 4)؛ التحرُّر مِن الموت (رو6: 21).

الخطيَّة هي التي تجعلنا نفقد الحريَّة eleutheria عن طريق استمالتنا لأنْ نُسيطِر على حياتنا بعيدًا عن الله. وبمجرَّد أنْ تسود علينا الخطيَّة، فإنَّها تُقسِّي قلبنا تجاه الله وتعمينا عن وجوده في حياتنا, وتظل كلمة الله توجِّه الحديث لنا باستمرار لكنَّنا نبقى صُمًّا. كما يظل الرُّوح القُدُس يبحث عنَّا محاولاً أنْ يعيدنا إلى الله وإلى الحريَّة eleutheria الحقيقية. لهذا السبب كتب بولس الرَّسول: «فاثبتوا إذًا في الحريَّة eleutheria التي قد حرَّرنا المسيح بها ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبوديَّة» (غل5: 1).

الله يدعونا للحريَّة

وبسبب ما ذكرناه سابقًا فإنَّ الله لا يُصدر أوامرَ يجبرنا بها بل بالأحرى يحاول إظهار حبه لنا ويحاول جذبنا نحوه عن طريق تعاملاته معنا ودعوته لنا: «إنْ أراد أحد أنْ يأتي ورائي… ».

«إنْ أردتَ أنْ تكون كاملاً… », «تعالوا لأنَّ كل شيء قد أُعِد… » تلك هي الدَّعوات التي يوجِّهها الله لنا لنختبر نوعَي الحرية autexousion (ضبط النَّفس) وeleutheria (التحرُّر مِن الخطيَّة والمَوْت) على حدٍّ سواء.

يقول الرَّسول بولس:

«ألستم تَعلمون أنَّ الذي تُقَدِّمون ذواتكم له عبيدًا للطَّاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إمَّا للخطيَّة للمَوْت أو للطَّاعة للبِر؟» (رو6: 15).

طاعة الله تؤدِّي إلى كلٍّ مِن التحكُّم في الذَّات (ضبط النَّفس) autexousion والتحرُّر مِن الخطيَّة والمَوْت eleutheria.

مع كل الحديث عن الاختيار الحُر، فإنَّ نفس هؤلاء النَّاس المؤيِّدين لحريَّة الاختيار لا يكفُّون عن القول بأنَّه: ليس لدينا أي خيارات ولا لدينا أي حريَّة على الإطلاق. الجنس، يشعرون أنَّه لا مفرَّ منه لا خِيار! الإجهاض ضرورة لا خِيار! إلاَّ أنَّ الحركة تُطلق على نفسها “مناصري الإجهاض”, أو “مناصري الاختيار الحُر”. وعلى الرَّغم من ذلك، فإنَّ تلك الأمور ليست شديدة الغرابة, فالإحساس بأنَّه ليس هناك خيار لا يرتبط فقط بالجنس أو بالإجهاض, بل هو مرتبط بالخطيَّة بشكل عام. نحن نصير عبيدًا للذي نطيعه، كما كتب بولس الرَّسول, والعبوديَّة للخطيَّة تؤدي إلى فقدان الحريَّة والموت.

“مناصرة الاختيار الحُر” هو تعبير مهذَّب للتمرُّد على الله. فنحن نختار إرادتنا عوضًا عن إرادة الله, نحن نختار الموت عوضًا عن الحياة. لا نعترف بأيِّ سُلطة أعلى مِن سُلطة ذواتنا. تحكي إحدى “مناصري الاختيار الحُر” غير المتزوِّجات أنَّها عندما اختارت ألاَّ تجهض الجنين بل تحتفظ به وتربِّيه، أُصيبت صديقاتها المؤيِّدات للاختيار الحُر بخيبة أمل شديدة بسبب اختيارها هذا. تقول المرأة:

“جاء حَملي كصدمة مروِّعة للذين يؤمنون بحقِّ المرأة في الاختيار. كثيرًا ما تنسى الحركة النسائيَّة المناصرة للاختيار أنَّها تدافع عن حريَّة الاختيار”.

إلاَّ أنَّ الاختيار ليس مطلَقًا, فقد أكَّد الأب جون ميندورف Fr. John Meyendorff أنَّ الإجهاض ليس مسألة تتعلَّق باختيار المرأة الحُر, بل هو مسألة مسؤوليَّة، مسألة قتل. يقول الأب:

”لم تقل الكنيسة أبدًا إنَّ القتل أمرٌ صالحٌ, فالقتل هو دائمًا قتل. لذلك فالأمر المُهم بالنِّسبة للإجهاض هو أنَّه ليس مسألة تتعلَّق باختيار المرأة الحُر. إنَّه مسألة قتل. فالمرأة عليها أوَّلاً أنْ تعرف أنَّ الإجهاض هو قتل ثم بعدئذ تقوم بالاختيار؛ لكن يجب عليها أنْ تدرك أنَّ اختيارها للإجهاض هو شرٌّ عظيم. إذا كان هناك ضرورة واضحة للإجهاض مِن أجل إنقاذ حياة الأم, حينئذ يجب اتِّخاذ القرار لصالح الشَّر الأهْوَن. وحتى في مِثل تلك الحالات, فالمسألة ليست على الإطلاق مسألة حقوق الإنسان, ليس مِن حقِّ أي كائن بَشَري أنْ يقتل. ما يزعجني بشِدَّة إزاء النِّقاش الدَّائر حاليًّا حول قضيَّة الإجهاض هو أنَّ الحجج تستند فقط على مسألة حقوق الإنسان. فبينما تُدرك الأرثوذكسيَّة أهميَّة الحريَّة الإنسانيَّة، فهي أيضًا تُدرك المسؤوليَّة التي تسير جنبًا إلى جنب مع تلك الحريَّة. وعندما تحاول الحركة المناصرة للإجهاض أنْ تبرِّر نفسها مِن خلال الزَّعم بأنَّ الإجهاض حقٌّ مِن حقوق الإنسان أو مِن حقوق المرأة، فهي بذلك تتجاهل المسؤوليَّة الإنسانيَّة وتصبح غَيْر إنسانيَّة بالمرَّة.

 

الخطيَّة كعبوديَّة

الخطيَّة هي عبوديَّة, ممَّا يعني أنَّها في نهاية المطاف تمحو حريَّة الاختيار. قال الرَّب يسوع: «الحق الحق أقولُ لكم: إنَّ كلَّ مَن يعمل الخطيَّة هو عبدٌّ للخطيَّة», لكنَّه يكمل قائلاً: «إنْ حرَّركم الابن, فبالحقيقة تكونون أحرارًا» (يو8: 34، 36). كثير من الناس الذين يتحدَّثون بصَوْت عالٍ عن الحريَّة هم أنفسهم ليسوا أحرارًا على الإطلاق, فهم يمارسون الجنس خارج إطار الزَّواج لأنَّهم لا يستطيعون السَّيطرة على غرائزهم وشهواتهم. هذه هي العبوديَّة وليست الحريَّة؛ إلاَّ أنهم يتحدَّثون عنها كما لو كانت هي الحريَّة. إنَّهم عبيد وهم لا يدركون ذلك. إلى هذا الحد الخطية تصيب النَّاس بالعَمَى. يُغَنِّي بوب ديلان  Bob Dylan قائلاً: “لابدَّ أنْ تخدم شخصًا ما؛ قد يكون الشَّيطان أو قد يكون الله, لكن لابدَّ أنْ تطيع شخصًا ما”.

لا توجد سُلطة أعلى مِن سُلطة الذَّات

مِن تعاليم العَلمانيَّة أنَّه لا توجد سُلطة أعلى من الذَّات. هذا يُذكِّرني أنَّ في رواية جورج أورويل George Orwell المسمَّاة “1984” تقول إحدى الشخصيَّات أنَّ الحريَّة هي أنْ تعترف بالواقع، أنْ تقول إنَّ اثنَيْن زائد اثنَيْن يساوي أربعة.

أمَّا بالنِّسبة لتأييد المحكمة العليا لالتماس السيِّدة رو Roe [التي كانت تطالِب بأنْ يكون الإجهاض قانونيًّا] عام 1992م فقد كان منطق المحكمة ـ إذا كان يمكن أنْ يُسمَّى منطقًا! هو أنَّ الحريَّة الحقيقيَّة تعني حريَّة القَوْل إنَّ اثنَيْن زائد اثنَيْن يساوي خمسة. لقد كان رأي الأغلبيَّة هو أنَّ: “أهمَّ ما في الحريَّة هو حق الإنسان أنْ يُحَدِّد مفهومه الخاص عن الوجود، عن المعاني، عن الكَوْن وعن لغز الحياة البَشَريَّة”. إذا لم يكن هناك سُلطة أعلى مِن سُلطة الذَّات التي: “لها الحق في تحديد مفهوم الإنسان الخاص عن الوجود، عن المعاني، عن الكَوْن”، إذن اثنَان زائد اثنَيْن يمكن أنْ تساوي ليس فقط خمسة بل مائة وخمسة. إيماننا المسيحي الأرثوذكسي يُعَلِّمنا أنَّ الحقَّ لا يُحدِّده الإنسان بل الله، ذلك الحق الذي يُحَرِّرنا (يو 8: 32).

العبيد الذين يَعِدون الآخرين بالحريَّة

ما قاله بطرس الرَّسول عن المعلِّمين الكذبة ينطبق على الأبطال المعاصرين الذين ينادون بحريَّة ممارسة الجنس, وحريَّة ممارسة كل شيء: «واعدين إيَّاهم بالحريَّة وهم أنفسهم عبيد الفساد» (2بط 2: 19). أولئك الذين هم عبيد للخطيَّة يحاولون إقناع الآخرين بأنَّ العبوديَّة هي الحريَّة. يتحدَّث بولس الرَّسول عن هذا الحال في رسالته إلى أهل رومية 6: 16-23:

«ألستم تَعْلَمون… أنتم عبيد للذي تطيعونه: إمَّا للخطيَّة للمَوْت أو للطَّاعة للبِر؟.. لأنَّه كما قدَّمتم أعضاءكم عبيدًا للنَّجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدِّموا أعضاءكم عبيدًا للبرِّ للقداسة… فأيُّ ثمر كان لكم حينئذ مِن الأمور التي تستحون بها الآن؟ لأنَّ نهاية تلك الأمور هي المَوْت. وأمَّا الآن إذ أُعتقتم مِن الخطيَّة، وصرتم عبيدًا لله، فلكم ثمركم للقداسة، والنَّهاية حياة أبديَّة؛ لأنَّ أجرة الخطيَّة هي مَوْت، وأمَّا هِبة الله فهي حياة أبديَّة بالمسيح يسوع ربِّنا».

لابدَّ أنْ تطيع شخصًا ما, إمَّا الخطيَّة أو الله. إذا أطعتَ الخطيَّة ستكون عبدًا. إذا أطعتَ الله ستكون حرًّا. نحن الذين كنَّا يومًا عبيدًا للخطيَّة، قد تحرَّرنا لنصير عبيدًا أحرارًا لله, لنحصد قداسة وحياة أبديَّة.

الله خلقني لأكون شخصًا حرًّا، فريدًا، لا يتكرَّر، شخصًا يحيا في شركة مع الله ومع أشخاص آخرين أحرار، فَرِيدِين، لا يتكرَّرون. وأنا أصير وأظل هذا الشخص الحُر، الفريد، الذي لا يتكرَّر, فقط عندما “أسكن باستمرار في الله”, كما كتب القدِّيس سلوانس.

المطران المتنيِّح أنتوني بلوم Metropolitan Anthony Bloom قال:

”كلمة حريَّة في الروسيَّة تشير إلى أنَّنا مدعوُّون لنكون أنفسنا؛ أي لا نُقَلِّد أحدًا, ولا نكون صورة مشابهة لأحد, بل نكون أنفسنا على صورة ذاك الذي هو الحريَّة المطلقة والحُب المطلَق؛ حقًّا على صورة الله ذاته“.

نحن مِلْكٌ لله باستحقاق الخَلق والفداء، نحن مدعوُّون لنكون أيضًا مِلكًا له باستحقاق الاختيار الحُر.

الله يُنقذ شعبه مِن العبوديَّة

الله لم يخلق شعبه ليكونوا عبيدًا. مثال عظيم على ذلك هو خروج العهد القديم. كما تتذكَّرون القصَّة, فبنو إسرائيل كانوا مجبَرين أنْ يصيروا عبيدًا في أرض غريبة، مصر، خاضعين لسخرة لا ترحم. ثمَّ يقوم فرعون بمحاولة طائشة للتحكُّم في عدد السُّكان اليهود، فيعطي أوَّلاً تعليمات للقابلات العبرانيَّات بأنْ يقتلنَ جميع الذُّكور العبرانيِّين عند الولادة (التَّعليمات التي عصَوْها سرًّا), ثمَّ بعد ذلك يأمر بإغراق كل الفتيان العبرانيِّين في نهر النِّيل.

فصرخ الشعب إلى الله طالبين الخلاص:

«تنهَّد بنو إسرائيل مِن العبودية وصرخوا، فصعد صراخهم إلى الله مِن أجل العبوديَّة, فسمع الله أنينهم، فتذكَّر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ونظر الله بني إسرائيل وعَلِم الله» (خر2: 23-25).

يسمع الله صراخهم طالبين الحريَّة, فيكلِّف الله موسى بمهمَّة بالغة الأهميَّة، مهمَّة إنقاذهم مِن العبوديَّة المصريَّة.

«إنِّي قد رأيتُ مذلَّة شعبي الذي في مصر, وسمعتُ صراخهم مِن أجل مسخِّريهم. إنِّي علمتُ أوجاعهم. فنـزلتُ لأنقذهم مِن أيدي المصريِّين وأُصعدهم مِن تلك الأرض, إلى أرض جيِّدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً» (خر3: 7-8).

الله يتدخَّل في التَّاريخ ليكسر قيود العبوديَّة, ويقود شعبه إلى أرض يقدرون أنْ يعيشوا فيها في حريَّة، وعدالة، وسلام.

الله خلق شعبه لأجل الحريَّة وليس لأجل العبوديَّة. وعندما يعطي الله الوصايا العَشْر لشعبه، فإنَّ هذا الفِعل لا يأتي مِن فراغ, فهذه الوصايا هي مِن قِبَل الإله الذي له معهم تاريخ طويل مِن العناية والرِّعاية, لهذا السَّبب كانت الوصايا مسبوقة بكلمات الله: «أنا الرَّب إلهك الذي أخرجك مِن أرض مصر مِن بيت العبوديَّة» (خر20: 2).

وبعِبَارة أخرى، الإله الذي خلَّص شعبه مِن العبوديَّة المُرَّة في مصر، الإله الذي برهن أنَّه يريد أنْ يكون شعبه حرًّا، وبالفعل خلَّصهم مِن العبوديَّة، هذا الإله بعينه يعطيهم الآن إرشادات إلهيَّة ليحيوا بها؛ الوصايا العَشر التي صُمِّمَت لإطلاق سراحهم مِن عبوديَّة الخطيَّة والفوضى الأخلاقيَّة المرتبطة بها.

«فاثتبوا إذًا في الحريَّة التي قد حرَّرنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبوديَّة» (غل5: 1).

مرَّة أخرى، نحن مِلْكٌ لله باستحقاق الخَلْق والفداء، مدعوُّون لنكون أيضًا مِلكًا له باستحقاق الاختيار الحُر.

   ¶صــلاة¶

”يارب, نشكرك لأنَّك فاتح باب التُّوبة والرُّجوع إليك,

لا تردُّ أحدًا مهما كان خاطئًا مادام يطلب الخلاص وحريَّة روحيَّة مِن عبوديَّة الخطيَّة.

فلا يقدر أحد أنْ يتحجَّج بضعفه ولا بعدم قدرته.

أنتَ الرَّب المُحرِّر, عندك وحدك تجد النَّفس حريَّتها مِن نير ألخطيَّة الثَّقيل.

وأنتَ هو الطَّبيب الإلهي القادر أنْ تشفي مِن مرض الخطيَّة القاتل وآثارها المُدَمِّرَة للنُّفوس والمُؤديَّة إلى الموت الأبدي.

عندك نجد الخلاص والحياة. آمين“.

 

الخطية عبودية – الأب أنتوني م. كونيارس

Exit mobile version