السيِّدة ذائعة الصِّيت نونا هاريسون Sr. Nanna Harrison العالِِمة في علم الآبائيَّات، قدَّمت في عظة عن البشارة وصفًا رائعًا للإرادة الحرَّة التي هي عطيَّة مِن الله, فقالت إنَّ قديمًا كان هناك أناس يتساءلون: “بما أنَّ الله لم يكن يريد أنْ يأكل آدم وحواء مِن شجرة معرفة الخَيْر والشَّر، إذن لماذا زرع الله تلك الشَّجرة في وسط الجنَّة في المقام الأوَّل؟” (تك2: 15-17).
هل زرعها مِن أجل الإيقاع بهما؟ لا. وتشرح السيِّدة نونا قائلة إنَّ القدِّيس غريغوريوس اللاَّهوتي وآباء آخرين في الكنيسة أوضحوا أنَّ السَّبب كان هو إعطاء آدم وحوَّاء فرصة لممارسة حريَّتهما في الاختيار.
شرح آباء الكنيسة أنَّ آدم وحواء كانا مثل الأطفال, وكانت خطَّة الله لهما أنْ ينمُوَا على مدى فترة مِن الوقت ليصلا إلى مرحلة النُّضوج.
بعبارة أخرى، كانت خطَّة الله أنْ يثقِّفهما ويعلِّمهما ويساعدهما على النُّمُو إلى القامة الكاملة لصورة ومِثال خالقهما. وكان أوَّل امتحان لهما هو ألاَّ يأكلا مِن الشَّجرة المحرَّمة. وبالمناسبة، نحن بحاجة إلى أنْ نتذكَّر أنَّه كان يوجد في الجنة الآلاف مِن الأشجار الأخرى التي كان في إمكان آدم وحواء أنْ يستمتعا بها بحريَّة, وكانت هذه الشَّجرة الوحيدة التي طلب الله منهما أنْ يمتنعا عنها. وكان الهدف هو امتحان إرادتهما الحرَّة ومساعدتهما على النُّمُو ببطء في طاعة الله. بداية مِن هذا الفعل الأوَّل للطَّاعة، كانا في إمكانهما أنْ يشتركا أكثر وأكثر على نحو كامل في إرادة الله, ويصبحا شركاء الطَّبيعة الإلهيَّة. واليوم لا يزال الله يمتحن إرادتنا الحرَّة. لقد وضعنا في جنَّة عدن أخرى- على هذا الكوكب الجميل، الأرض التي خلقها لنا. الوصايا التي أعطاها لنا ليست مجرَّد امتحانات, بل أيضًا تحدِّيات نُظهر بها حبَّنا له, وننمو بها لنصل إلى كل ما خلقنا الله لنكون عليه.
القدِّيس يوحنا كرونستادت St. John of Kronstadt مجَّد الله لمنحه لنا عطيَّة الإرادة الحرَّة, فكَتَب يقول:
”لماذا سمح الله بسقوط الإنسان، مخلوقه الحبيب وتاج جميع المخلوقات الأرضيَّة؟ لابدَّ مِن الرَّد على هذا السُّؤال بأنَّه: لو الإنسان لا يُسمَح له بالسقوط، فهو يكون بالتالي غير مخلوق على صورة الله ومثاله؛ ولا يمكن أنْ تكون لديه إرادة حرَّة التي هي صفة ملازمة لصورة الله، بل لكان عليه أنْ يخضع لقانون الضَّرورة مثل الخليقة التي لا روح لها – أي مثل الشَّمس، السَّماء، النُّجوم، الكرة الأرضيَّة، وكل العناصر الأخرى – أو أنْ يكون مثل الحيوانات غير العاقلة؛ لكن حينئذ لَمَا كان هناك أي ملك على كل مخلوقات الأرض، ولَمَا كان هناك أي مُرَنِّم عاقل يُسَبِّح الله لخلاصه وحكمته وعنايته وقدرته غَيْر المحدودة المُبدِعة. وحينئذ لوجد الإنسان نفسه عاجزًا عن إيجاد طريقة يُعَبِّر بها عن إخلاصه وحبِّه الشَّديد لخالقه، حبِّه المضحِّي الباذل للذَّات. حينئذ لَمَا كان هناك أي أعمال بطوليَّة في الحروب, ولا استحقاقات ولا أكاليل نصر غير مضمحِلَّة، ولَمَا كان هناك أي نعيم أبدي الذي هو جزاء الإيمان والإخلاص لله، ولَمَا كان هناك أي راحة أبديَّة بعد ما نلقاه في رحلتنا الأرضيَّة مِن مشقَّة وكفاح“.
«احمل سريرك وامشِ»
عندما شفى يسوع المفلوج (مر2: 1-12)، قال له: «قُم واحمل سريرك وامشِ». تعليقًا على هذه الآية، كتب أحد آباء الكنيسة الأوَّلين، بيتر كريسولوجس Peter Chrysologus: “احمل سريرك. احمل تلك الحصيرة بعينها التي حملتك فيما مضى”.
عندما يحرِّرنا يسوع، فهو يمكِّننا مِن أنْ “نحمل”، أنْ نتحكَّم في الإدمان (السَّرير) الذي كان يتحكَّم فينا فيما مضى.
يقول يوحنا الدَّرَجي:
”تحكَّم في شهيَّتك قَبْل أنْ تتحكَّم هي فيك“.
الرَّب يسوع يحرِّرنا حتى نسيطر على الإدمان الذي سيطر علينا حينًا. إنَّه يحرِّرنا لنتغلَّب على إدمان المخدِّرات أو الوساوس أو الهواجس التي استعبدتنا فيما مضى. إنَّه يحرِّرنا لنتغلَّب على الشَّهوة والطَّمع اللذَيْن استحوذا علينا حينًا.
«قُم احمل سريرك وامشِ»: لا تعرُج بعد الآن. لا تزحف. لا تتعثَّر. قم. امشِ. احمل تلك الحصيرة بعينها التي حَمَلتك فيما مضى, أنتَ الآن حُر في المسيح.
«فاثبتوا إذًا في الحريَّة التي قد حرَّرنا المسيح بها, ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبوديَّة» (غل 5: 1).
يحكي أدلر Adler عالِم النَّفس الشَّهير عن رَجُلَيْن فَقَد كلُّ واحد منهما ذراعه. بعد مرور عام، شعر واحد منهما بالإحباط الشَّديد لدرجة أنَّه قرَّر أنَّ الحياة لا تستحق العيش في وجود إعاقة مثل إعاقته. أمَّا الآخر فتغلَّب على إعاقته بانتصار حتى أنَّه ظلَّ يقول إنَّه حقًّا لا يعرف لماذا أعطتنا الطَّبيعة ذراعَيْن عندما يكون في إمكاننا أنْ نُدَبِّر شؤوننا بصورة جيِّدة جدًّا بذراع واحدة. لقد كان رد فعله لما حدث له هو الذي أوجد الاختلاف.
وصايا الله تحمي الحريَّة
وصايا الله التي تبدو وكأنَّها حواجز مقيِّدة في نظر الخطاة، هي التي تحفظ الحريَّة التي وهبها الله لنا. يُعَلِّمنا القدِّيس مرقس النَّاسك أنَّ وصايا الله: ”تحمي شروط الحريَّة الممنوحة لنا“, وبالتَّالي، فإنَّ حفظ الوصايا هو الطَّريق للحريَّة الحقيقيَّة, فوصايا الله تُحَرِّر ولا تُقَيِّد أو تستعبد.
صادفني مؤخَّرًا كتابٌ عنوانه: “وصايا الله العشرGod’s Ten Commandments”. يذكر المؤلِّف فيه أنَّ الوصايا العشْر غالبًا ما تصوَّر على أنَّها تحذيرات لا تُحْمَد عقباها, عبارات قاسية جافَّة مِن إله كلِّي القدرة ذي سيادة ومُنتقِم.
إلاَّ أنَّ العكس هو الصَّحيح. الله ليس بمنتقِم. إنَّه أب حنون كما نراه في مَثَل الابن الضَّال. العَشَر وصايا هي عشرة إعلانات عن محبَّته لنا, فالله يحبُّنا ويرينا الطَّريق إلى الحريَّة مِن خلال الوصايا. مرَّة أخرى، الوصايا تحرِّر ولا تُقَيِّد ولا تخنق.
الحياة تحتاج إلى قائمَي المرمى
الحياة بدون حدود وبدون قواعد تشبه لعب التِّنس بدون شبكة أو لعب كرة القدم بدون مرمى.
وجود الشَّبكة في ملعب التِّنس ووجود قائمَي المرمى في ملعب كرة القدم تمنحنا حريَّة اللِّعب بأفضل إمكانيَّاتنا. الحريَّة أيضًا لها حدود, وتلك الحدود يتم رَسمها مِن خلال ما نسمِّيه المسؤوليَّة. الحياة أيضًا لها قواعدها، لها قائمَا المرمى الموضوعَان مِن قِبَل الله (الوصايا). فالوصايا موجودة لمساعدتنا في انطلاقنا لنصبح أشخاصًا أحرارًا كما قصد الله عندما خلقنا.
الإرادة الحرَّة والحريَّة الفرديَّة
آباء الكنيسة الأوَّلون يُميِّزون بين نوعَيْن مِن الحريَّة يُعَبَّر عنهما في اليونانيَّة بكلمتَيْن مختلفَتَيْن. النَّوْع الأوَّل مِن الحريَّة يسمُّونه autexousism أي رباطة الجأش أو ضبط النَّفس، أو أنْ تكون مسؤولاً عن نفسك. هذا هو السُّلطان الذي منحه الله لنا عندما خلقنا على صورته. إنَّه القدرة على تحديد الخيارات الخاصَّة بنا وأنْ نكون المتحكِّمين في مصيرنا: autexousion.
النَّوْع الثَّاني مِن الحريَّة الذي منحه الله لنا يصفه الآباء اليونانيُّون الأوائل بكلمة eleutheria. تلك هي الكلمة التي يستخدمها كاتبو العهد الجديد لوصف التحرُّر والعتق مِن الخطيَّة (رو6: 18-23)؛ التحرُّر مِن النَّاموس (غل2: 4)؛ التحرُّر مِن الموت (رو6: 21).
الخطيَّة هي التي تجعلنا نفقد الحريَّة eleutheria عن طريق استمالتنا لأنْ نُسيطِر على حياتنا بعيدًا عن الله. وبمجرَّد أنْ تسود علينا الخطيَّة، فإنَّها تُقسِّي قلبنا تجاه الله وتعمينا عن وجوده في حياتنا, وتظل كلمة الله توجِّه الحديث لنا باستمرار لكنَّنا نبقى صُمًّا. كما يظل الرُّوح القُدُس يبحث عنَّا محاولاً أنْ يعيدنا إلى الله وإلى الحريَّة eleutheria الحقيقية. لهذا السبب كتب بولس الرَّسول: «فاثبتوا إذًا في الحريَّة eleutheria التي قد حرَّرنا المسيح بها ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبوديَّة» (غل5: 1).
الله يدعونا للحريَّة
وبسبب ما ذكرناه سابقًا فإنَّ الله لا يُصدر أوامرَ يجبرنا بها بل بالأحرى يحاول إظهار حبه لنا ويحاول جذبنا نحوه عن طريق تعاملاته معنا ودعوته لنا: «إنْ أراد أحد أنْ يأتي ورائي… ».
«إنْ أردتَ أنْ تكون كاملاً… », «تعالوا لأنَّ كل شيء قد أُعِد… » تلك هي الدَّعوات التي يوجِّهها الله لنا لنختبر نوعَي الحرية autexousion (ضبط النَّفس) وeleutheria (التحرُّر مِن الخطيَّة والمَوْت) على حدٍّ سواء.
يقول الرَّسول بولس:
«ألستم تَعلمون أنَّ الذي تُقَدِّمون ذواتكم له عبيدًا للطَّاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إمَّا للخطيَّة للمَوْت أو للطَّاعة للبِر؟» (رو6: 15).
طاعة الله تؤدِّي إلى كلٍّ مِن التحكُّم في الذَّات (ضبط النَّفس) autexousion والتحرُّر مِن الخطيَّة والمَوْت eleutheria.
مع كل الحديث عن الاختيار الحُر، فإنَّ نفس هؤلاء النَّاس المؤيِّدين لحريَّة الاختيار لا يكفُّون عن القول بأنَّه: ليس لدينا أي خيارات ولا لدينا أي حريَّة على الإطلاق. الجنس، يشعرون أنَّه لا مفرَّ منه لا خِيار! الإجهاض ضرورة لا خِيار! إلاَّ أنَّ الحركة تُطلق على نفسها “مناصري الإجهاض”, أو “مناصري الاختيار الحُر”. وعلى الرَّغم من ذلك، فإنَّ تلك الأمور ليست شديدة الغرابة, فالإحساس بأنَّه ليس هناك خيار لا يرتبط فقط بالجنس أو بالإجهاض, بل هو مرتبط بالخطيَّة بشكل عام. نحن نصير عبيدًا للذي نطيعه، كما كتب بولس الرَّسول, والعبوديَّة للخطيَّة تؤدي إلى فقدان الحريَّة والموت.
“مناصرة الاختيار الحُر” هو تعبير مهذَّب للتمرُّد على الله. فنحن نختار إرادتنا عوضًا عن إرادة الله, نحن نختار الموت عوضًا عن الحياة. لا نعترف بأيِّ سُلطة أعلى مِن سُلطة ذواتنا. تحكي إحدى “مناصري الاختيار الحُر” غير المتزوِّجات أنَّها عندما اختارت ألاَّ تجهض الجنين بل تحتفظ به وتربِّيه، أُصيبت صديقاتها المؤيِّدات للاختيار الحُر بخيبة أمل شديدة بسبب اختيارها هذا. تقول المرأة:
“جاء حَملي كصدمة مروِّعة للذين يؤمنون بحقِّ المرأة في الاختيار. كثيرًا ما تنسى الحركة النسائيَّة المناصرة للاختيار أنَّها تدافع عن حريَّة الاختيار”.
إلاَّ أنَّ الاختيار ليس مطلَقًا, فقد أكَّد الأب جون ميندورف Fr. John Meyendorff أنَّ الإجهاض ليس مسألة تتعلَّق باختيار المرأة الحُر, بل هو مسألة مسؤوليَّة، مسألة قتل. يقول الأب:
”لم تقل الكنيسة أبدًا إنَّ القتل أمرٌ صالحٌ, فالقتل هو دائمًا قتل. لذلك فالأمر المُهم بالنِّسبة للإجهاض هو أنَّه ليس مسألة تتعلَّق باختيار المرأة الحُر. إنَّه مسألة قتل. فالمرأة عليها أوَّلاً أنْ تعرف أنَّ الإجهاض هو قتل ثم بعدئذ تقوم بالاختيار؛ لكن يجب عليها أنْ تدرك أنَّ اختيارها للإجهاض هو شرٌّ عظيم. إذا كان هناك ضرورة واضحة للإجهاض مِن أجل إنقاذ حياة الأم, حينئذ يجب اتِّخاذ القرار لصالح الشَّر الأهْوَن. وحتى في مِثل تلك الحالات, فالمسألة ليست على الإطلاق مسألة حقوق الإنسان, ليس مِن حقِّ أي كائن بَشَري أنْ يقتل. ما يزعجني بشِدَّة إزاء النِّقاش الدَّائر حاليًّا حول قضيَّة الإجهاض هو أنَّ الحجج تستند فقط على مسألة حقوق الإنسان. فبينما تُدرك الأرثوذكسيَّة أهميَّة الحريَّة الإنسانيَّة، فهي أيضًا تُدرك المسؤوليَّة التي تسير جنبًا إلى جنب مع تلك الحريَّة. وعندما تحاول الحركة المناصرة للإجهاض أنْ تبرِّر نفسها مِن خلال الزَّعم بأنَّ الإجهاض حقٌّ مِن حقوق الإنسان أو مِن حقوق المرأة، فهي بذلك تتجاهل المسؤوليَّة الإنسانيَّة وتصبح غَيْر إنسانيَّة بالمرَّة.
الخطيَّة كعبوديَّة
الخطيَّة هي عبوديَّة, ممَّا يعني أنَّها في نهاية المطاف تمحو حريَّة الاختيار. قال الرَّب يسوع: «الحق الحق أقولُ لكم: إنَّ كلَّ مَن يعمل الخطيَّة هو عبدٌّ للخطيَّة», لكنَّه يكمل قائلاً: «إنْ حرَّركم الابن, فبالحقيقة تكونون أحرارًا» (يو8: 34، 36). كثير من الناس الذين يتحدَّثون بصَوْت عالٍ عن الحريَّة هم أنفسهم ليسوا أحرارًا على الإطلاق, فهم يمارسون الجنس خارج إطار الزَّواج لأنَّهم لا يستطيعون السَّيطرة على غرائزهم وشهواتهم. هذه هي العبوديَّة وليست الحريَّة؛ إلاَّ أنهم يتحدَّثون عنها كما لو كانت هي الحريَّة. إنَّهم عبيد وهم لا يدركون ذلك. إلى هذا الحد الخطية تصيب النَّاس بالعَمَى. يُغَنِّي بوب ديلان Bob Dylan قائلاً: “لابدَّ أنْ تخدم شخصًا ما؛ قد يكون الشَّيطان أو قد يكون الله, لكن لابدَّ أنْ تطيع شخصًا ما”.
لا توجد سُلطة أعلى مِن سُلطة الذَّات
مِن تعاليم العَلمانيَّة أنَّه لا توجد سُلطة أعلى من الذَّات. هذا يُذكِّرني أنَّ في رواية جورج أورويل George Orwell المسمَّاة “1984” تقول إحدى الشخصيَّات أنَّ الحريَّة هي أنْ تعترف بالواقع، أنْ تقول إنَّ اثنَيْن زائد اثنَيْن يساوي أربعة.
أمَّا بالنِّسبة لتأييد المحكمة العليا لالتماس السيِّدة رو Roe [التي كانت تطالِب بأنْ يكون الإجهاض قانونيًّا] عام 1992م فقد كان منطق المحكمة ـ إذا كان يمكن أنْ يُسمَّى منطقًا! هو أنَّ الحريَّة الحقيقيَّة تعني حريَّة القَوْل إنَّ اثنَيْن زائد اثنَيْن يساوي خمسة. لقد كان رأي الأغلبيَّة هو أنَّ: “أهمَّ ما في الحريَّة هو حق الإنسان أنْ يُحَدِّد مفهومه الخاص عن الوجود، عن المعاني، عن الكَوْن وعن لغز الحياة البَشَريَّة”. إذا لم يكن هناك سُلطة أعلى مِن سُلطة الذَّات التي: “لها الحق في تحديد مفهوم الإنسان الخاص عن الوجود، عن المعاني، عن الكَوْن”، إذن اثنَان زائد اثنَيْن يمكن أنْ تساوي ليس فقط خمسة بل مائة وخمسة. إيماننا المسيحي الأرثوذكسي يُعَلِّمنا أنَّ الحقَّ لا يُحدِّده الإنسان بل الله، ذلك الحق الذي يُحَرِّرنا (يو 8: 32).
العبيد الذين يَعِدون الآخرين بالحريَّة
ما قاله بطرس الرَّسول عن المعلِّمين الكذبة ينطبق على الأبطال المعاصرين الذين ينادون بحريَّة ممارسة الجنس, وحريَّة ممارسة كل شيء: «واعدين إيَّاهم بالحريَّة وهم أنفسهم عبيد الفساد» (2بط 2: 19). أولئك الذين هم عبيد للخطيَّة يحاولون إقناع الآخرين بأنَّ العبوديَّة هي الحريَّة. يتحدَّث بولس الرَّسول عن هذا الحال في رسالته إلى أهل رومية 6: 16-23:
«ألستم تَعْلَمون… أنتم عبيد للذي تطيعونه: إمَّا للخطيَّة للمَوْت أو للطَّاعة للبِر؟.. لأنَّه كما قدَّمتم أعضاءكم عبيدًا للنَّجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدِّموا أعضاءكم عبيدًا للبرِّ للقداسة… فأيُّ ثمر كان لكم حينئذ مِن الأمور التي تستحون بها الآن؟ لأنَّ نهاية تلك الأمور هي المَوْت. وأمَّا الآن إذ أُعتقتم مِن الخطيَّة، وصرتم عبيدًا لله، فلكم ثمركم للقداسة، والنَّهاية حياة أبديَّة؛ لأنَّ أجرة الخطيَّة هي مَوْت، وأمَّا هِبة الله فهي حياة أبديَّة بالمسيح يسوع ربِّنا».
لابدَّ أنْ تطيع شخصًا ما, إمَّا الخطيَّة أو الله. إذا أطعتَ الخطيَّة ستكون عبدًا. إذا أطعتَ الله ستكون حرًّا. نحن الذين كنَّا يومًا عبيدًا للخطيَّة، قد تحرَّرنا لنصير عبيدًا أحرارًا لله, لنحصد قداسة وحياة أبديَّة.
الله خلقني لأكون شخصًا حرًّا، فريدًا، لا يتكرَّر، شخصًا يحيا في شركة مع الله ومع أشخاص آخرين أحرار، فَرِيدِين، لا يتكرَّرون. وأنا أصير وأظل هذا الشخص الحُر، الفريد، الذي لا يتكرَّر, فقط عندما “أسكن باستمرار في الله”, كما كتب القدِّيس سلوانس.
المطران المتنيِّح أنتوني بلوم Metropolitan Anthony Bloom قال:
”كلمة حريَّة في الروسيَّة تشير إلى أنَّنا مدعوُّون لنكون أنفسنا؛ أي لا نُقَلِّد أحدًا, ولا نكون صورة مشابهة لأحد, بل نكون أنفسنا على صورة ذاك الذي هو الحريَّة المطلقة والحُب المطلَق؛ حقًّا على صورة الله ذاته“.
نحن مِلْكٌ لله باستحقاق الخَلق والفداء، نحن مدعوُّون لنكون أيضًا مِلكًا له باستحقاق الاختيار الحُر.
الله يُنقذ شعبه مِن العبوديَّة
الله لم يخلق شعبه ليكونوا عبيدًا. مثال عظيم على ذلك هو خروج العهد القديم. كما تتذكَّرون القصَّة, فبنو إسرائيل كانوا مجبَرين أنْ يصيروا عبيدًا في أرض غريبة، مصر، خاضعين لسخرة لا ترحم. ثمَّ يقوم فرعون بمحاولة طائشة للتحكُّم في عدد السُّكان اليهود، فيعطي أوَّلاً تعليمات للقابلات العبرانيَّات بأنْ يقتلنَ جميع الذُّكور العبرانيِّين عند الولادة (التَّعليمات التي عصَوْها سرًّا), ثمَّ بعد ذلك يأمر بإغراق كل الفتيان العبرانيِّين في نهر النِّيل.
فصرخ الشعب إلى الله طالبين الخلاص:
«تنهَّد بنو إسرائيل مِن العبودية وصرخوا، فصعد صراخهم إلى الله مِن أجل العبوديَّة, فسمع الله أنينهم، فتذكَّر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ونظر الله بني إسرائيل وعَلِم الله» (خر2: 23-25).
يسمع الله صراخهم طالبين الحريَّة, فيكلِّف الله موسى بمهمَّة بالغة الأهميَّة، مهمَّة إنقاذهم مِن العبوديَّة المصريَّة.
«إنِّي قد رأيتُ مذلَّة شعبي الذي في مصر, وسمعتُ صراخهم مِن أجل مسخِّريهم. إنِّي علمتُ أوجاعهم. فنـزلتُ لأنقذهم مِن أيدي المصريِّين وأُصعدهم مِن تلك الأرض, إلى أرض جيِّدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً» (خر3: 7-8).
الله يتدخَّل في التَّاريخ ليكسر قيود العبوديَّة, ويقود شعبه إلى أرض يقدرون أنْ يعيشوا فيها في حريَّة، وعدالة، وسلام.
الله خلق شعبه لأجل الحريَّة وليس لأجل العبوديَّة. وعندما يعطي الله الوصايا العَشْر لشعبه، فإنَّ هذا الفِعل لا يأتي مِن فراغ, فهذه الوصايا هي مِن قِبَل الإله الذي له معهم تاريخ طويل مِن العناية والرِّعاية, لهذا السَّبب كانت الوصايا مسبوقة بكلمات الله: «أنا الرَّب إلهك الذي أخرجك مِن أرض مصر مِن بيت العبوديَّة» (خر20: 2).
وبعِبَارة أخرى، الإله الذي خلَّص شعبه مِن العبوديَّة المُرَّة في مصر، الإله الذي برهن أنَّه يريد أنْ يكون شعبه حرًّا، وبالفعل خلَّصهم مِن العبوديَّة، هذا الإله بعينه يعطيهم الآن إرشادات إلهيَّة ليحيوا بها؛ الوصايا العَشر التي صُمِّمَت لإطلاق سراحهم مِن عبوديَّة الخطيَّة والفوضى الأخلاقيَّة المرتبطة بها.
«فاثتبوا إذًا في الحريَّة التي قد حرَّرنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبوديَّة» (غل5: 1).
مرَّة أخرى، نحن مِلْكٌ لله باستحقاق الخَلْق والفداء، مدعوُّون لنكون أيضًا مِلكًا له باستحقاق الاختيار الحُر.
¶صــلاة¶
”يارب, نشكرك لأنَّك فاتح باب التُّوبة والرُّجوع إليك,
لا تردُّ أحدًا مهما كان خاطئًا مادام يطلب الخلاص وحريَّة روحيَّة مِن عبوديَّة الخطيَّة.
وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس عبد المسيح
وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس عبد المسيح
وراثة الذنب الشخصي
أم وراثة الفساد والموت؟
(الجدل حول وراثة الخطية الجدية)
ملخص البحث
يُعتبر البحث عن نتائج سقوط الإنسان عند آباء الكنيسة في القرنين الرابع والخامس الميلاديين هو بحث كتابيَّ آبائيَّ ليتورجيَّ في ذلك الموضوع البالغ الأهمية. حيث تتبعنا عقيدة خلق الإنسان على صورة الله ومثاله، ووضع الإنسان قبل وبعد السقوط والتعدي؛ كما استعرضنا أيضًا ماهية الشر والخطية عند المذاهب الفلسفية والدينية المختلفة خاصةً الغنوسية والمانوية، وهي الوسط الثقافيَّ والحضاريَّ والدينيَّ المؤثر على فكر الكنيسة ممثلة في آبائها وليتورجياتها. لقد أردنا من البحث تحديد النتائج المترتبة عن سقوط الإنسان في التعجي والعصيان، وأثر ذلك على الطبيعة البشرية والعالم كله. أردنا تتبع مفهوم الخطية الأصلية أو الجدية عند آباء الكنيسة الجامعة وفي الليتورجية، وهل هو أصيل في الكنيسة أم دخيل على تعليم الكنيسة؟ كما استعرضنا بدقةٍ وعنايةٍ الهرطقة البيلاجية أحد أهم الهرطقات التي ناقشت الجانب الأنثروبولوجيَّ لتدبير الخلاص، وعلاقة الإنسان بالله في ذلك الإطار السوتيرلوجيَّ الأرثوذكسيَّ، وفحصنا علاقة البيلاجية بالنسطورية ومجمع أفسس المسكونيَّ الثالث سنة 431م برئاسة القديس كيرلس الإسكندريَّ عمود الدين، والأسباب التي أدت إلى إدانة التعاليم البيلاجية في ذلك المجمع.
المقدمة
إنَّ موضوع الخلق على صورة الله ومثاله، ونتائج سقوط الإنسان لهو من أهم وأدق الموضوعات في الأنثروبولوجيا المسيحية. وضع الإنسان ومكانته قبل وبعد السقوط كان محل تأمل وبحث وتدقيق من آباء الكنيسة الجامعة، وأُفرِدَت له العديد من الكتابات لشرح ماهية الشر والخطية، ومكانة الإنسان قبل وبعد السقوط، والنتائج المترتبة على سقوط الإنسان على البشرية جميعًا. نتضرع إلى الله أنَّ يوفقنا ويساعدنا في مناقشة هذا الموضوع الحيويَّ والضروريَّ للغاية.
منهجية البحث وإطاره النظري
منهجية البحث هي منهجية استدلالية وتحليلية واستنباطية بالاستدلال بالعديد من المراجع والأبحاث والدراسات الكتابية والآبائية والليتورجية والفلسفية المختلفة، حيث سوف أستعرض من خلالها في هذا البحث
إشكالية البحث
لقد كانت مشكلة الشر والألم والخطية كنتائج مترتبة عن سقوط الإنسان من أهم القضايا والمشكلات التي تصدى لها آباء الكنيسة الجامعة بالتأمل والبحث والتدقيق والكتابة حولها. وانبثقت الليتورجيات الكنسية من تعاليم وتقاليد الكنيسة حول عقيدة خلق الإنسان على صورة الله ومثاله، ومنزلة الإنسان قبل وبعد التعدي والعصيان والسقوط في الخطية، ولقد كانت هناك العديد من المذاهب والتيارات الفلسفية والدينية تحاول فهم وإدراك ماهية مشكلة الشر والألم في العالم، ولقد تأثر آباء الكنيسة الجامعة وتأثرت الليتورجيات الكنسية بهذه الأفكار والمذاهب المنتشرة في عصرهم. سيحاول هذا البحث تفكيك وتحليل هذه المشكلة للوصول إلى المفهوم المسيحيّ الأرثوذكسيّ السليم حول ماهية الشر والخطية، والنتائج المترتبة على سقوط الإنسان، ومفهوم الخطية الجدية عند آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا.
فروض وتساؤلات البحث
يحاول هذا البحث الرد على عدة تساؤلات هامة وخطيرة لفهم عقيدة خلق الإنسان، وماهية الشر والخطية وسقوط الإنسان والنتائج الناجمة عن هذا السقوط على الإنسان بحسب المنظور المسيحيّ الأرثوذكسيّ، وفي الفلسفات والمذاهب المختلفة، وهي:
ما هو مفهوم الشر والخطية عند الفلاسفة والغنوصية والمانوية؟
ما هو مفهوم الشر والخطية عند آباء الكنيسة الجامعة؟
ما هي ملامح التعاليم البيلاجية المرفوضة من قِبل الكنيسة الجامعة؟
ما هي علاقة البيلاجية بالنسطورية ومجمع أفسس المسكونيّ الثالث 431م؟
ما هو مفهوم الخطية الأصلية أو الجدية عند آباء الكنيسة الجامعة؟
أهداف البحث
يهدف هذا البحث الاستقصائيَّ إلى العديد من الأهداف الرامية إلى توضيح وتصحيح بعض المفاهيم الخاصة بماهية الشر والخطية، ومفهوم الخطية الأصلية أو الجدية عند آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، ويهدف أيضًا إلى فهم عقيدة خلق الإنسان على صورة الله ومثاله، وتوضيح ماهية الشر والخطية وسقوط الإنسان، والنتائج الناجمة عن هذا السقوط على الإنسان بحسب المنظور المسيحيّ الأرثوذكسيّ. فحص ماهية الشر في الفلسفات والمذاهب الدينية المختلفة بالخصوص عند الفلاسفة والغنوصية والمانوية، وتوضيح مفهوم الشر والخطية عند آباء الكنيسة الجامعة. يهدف البحث كذلك إلى فحص أهم ملامح التعاليم البيلاجية المرفوضة من قِبل الكنيسة الجامعة، وإظهار ماهية العلاقة بين البيلاجية والنسطورية ومجمع أفسس المسكونيّ الثالث 431م.
ضرورة البحث
يُعتبر البحث دراسة مُتخصِّصة في عقيدة الخلق بحسب المنظور المسيحيّ الأرثوذكسيّ وسقوط الإنسان ونتائج السقوط وماهية الشر والخطية عند الآباء المعلمين في الكنيسة الجامعة بحسب المنظور المسيحيّ الأرثوذكسيّ. بحث ماهية الشر في الفلسفات والمذاهب المختلفة عن المسيحية. علاوة على ذلك، عرض لأهم هرطقة تعرضت لماهية الشر والخطية ونتائج السقوط على الإنسان وهي الهرطقة البيلاجية.
إجراءات البحث
سوف نبدأ أولاً بالحديث عن ماهية الشر والفساد كما فهمه الفلاسفة اليونانيون والغنوسيون والمانويون، والذين تأثر بهم آباء الكنيسة في شروحاتهم لعقائد الخلق والسقوط والخلاص، وتفسير ماهية الشر والخطية والفساد والموت.
مفهوم الشر في الفلسفة اليونانية والغنوصية والمانوية
الفيثاغورية:
تظهر ماهية الشر عند الفيثاغورية من تفسيرهم لطبيعة النفس بأنها مبدأ أو علة توافق الأضداد في الجسد، وعلة حركة الجسد جميعًا، تهبط النفس بعد الموت إلى الجحيم لتتطهَّر بالعذاب، ثم تعود إلى الأرض تتقمص جسمًا بشريًا أو حيوانيًا أو نباتيًا، ولا تزال مترددة بين الأرض والجحيم حتى يتم تطهيرها، مثلما قالت «الأورفية». [1] ويُروى أنَّ فيثاغورس كان يدَّعي أنه مُتجسِّد للمرة الخامسة، وأنه يذكر حيواته السابقة. [2] الإنسان وخاصةً النفس عند الفيثاغوريين تمر بأزمنة التقمص التي قد حدَّدتها الآلهة من أجل التطهُّر والتنقية. لقد تركزت الأفكار الدينية والممارسات وطقوس الزهد عند الفيثاغوريين حول فكرة النقاء والتطهُّر، ومن الطبيعيّ أنَّ تؤدي عقيدة تناسخ الأرواح إلى ترقية ثقافة النفس، وممارسة الصمت وتأثير الموسيقى، ودراسة الرياضيات -هذه كلها يُنظر إليها على أنها عوامل مساعدة لها قيمتها في تهذيب النفس، ومع ذلك هناك بعض الممارسات ذات الطابع الخارجيّ تمامًا. لقد حرَّم الفيثاغوريون أكل اللحم الطازج بسبب عقيدة تناسخ الأرواح، وعدم أكل الفول، وعدم المشي في الطرق العامة، والتشديد على تقليم الأظافر، وعدم الجلوس على مكيال، وعدم ترك أثار الرماد على القدر… إلخ. [3]
سقراط:
يقول سقراط إنَّ الإنسان روح وعقل يسيطر على الحس ويُدبِّره، والقوانين العادلة صادرة من العقل، ومطابقة للطبيعة الحقة، وهي صورة من قوانين غير مكتوبة رسمها الآلهة في قلوب البشر (يقصد الضمير). فمَنْ يحترم القوانين العادلة يحترم العقل والنظام الإلهيّ. وقد يحتال البعض في مخالفتها بحيث لا يناله أذى. في هذه الدنيا، ولكنه مأخوذ بالقصاص العادل لا محالة في الحياة المقبلة. ويريد الإنسان الخير دائمًا، ويهرب من الشر بالضرورة، فمَنْ عرف ماهيته الحقيقية وعرف خيره بماهية الإنسان أراد الخير حتمًا. أما الرجل الشهوانيّ فرجل جاهل بنفسه وبخيره، ولا يعقل أنه يرتكب الشر عمدًا. وبالتالي، الفضيلة علم، والرذيلة جهل -وهذا قول مشهور عن ”سقراط“ يدل على إيمانه بالعقل كمعيار للخير والشر وحبه للخير. [4] عند سقراط المعرفة الفضيلة شيء واحد، بمعنى أنَّ الرجل الحكيم هو مَنْ يعرف الصواب، ويفعل ما هو صواب أيضًا. وبعبارة أخرى، لا أحد يفعل الشر وهو يعلم ذلك، ويكون غرضه فعل الشر، فلا أحد يختار الشر في حد ذاته، كما هو كذلك. [5]
أفلاطون:
الفضائل عند أفلاطون ثلاث تُدبِّر قوى النفس الثلاث؛ الحكمة تدبر فضيلة العقل؛ وتكمله بالحق. والعفة فضيلة القوة الشهوانية؛ تُلطِّف الأهواء فتترك النفس هادئة والعقل حرًا. وتتوسط هذين الطرفين الشجاعة وهي فضيلة القوة الغضبية؛ تساعد العقل على الشهوانية، فتقاوم إغراء اللذة ومخافة الألم. كما يؤكد أفلاطون أنَّ الخير يأت حتمًا؛ حيث أنَّ الإنسان يطلب الخير بالضرورة، ويستحيل عليه أنَّ يؤثر الشر مع علمه بالخير علمًا صحيحًا. أما الذي يعلم الخير ويفعل الشر فعلمه ناقص، وحقيقته أنه «ظن» قلق عارٍ عن الأصول والنتائج، لا يقوى على إغراء اللذة والمتعة. فالفضيلة علم، والإنسان الفاضل هو الذي يعلم الخير، ويعرف ما يجب أنَّ يفعل في كل حالة؛ لأنَّ نظره شاخص دائمًا نحو الخير المطلق (أي الله). أما الرذيلة فجهل بالخير الحقيقيَّ، وغرور بالخير الزائف. [6] لقد تمسك أفلاطون فيما يبدو بفكرة أنَّ الفضيلة علم ومعرفة، وأنَّ الفضيلة يمكن تعلُّمها، وكذلك بفكرة إنه لا أحد يرتكب الشر عمدًا أو عن علم. فعندما يختار الإنسان ما هو شر في الواقع؛ فإنه يختار ما هو أدنى نفعًا. فهو يرغب في شيء يتخيل أنه خير، لكنه في الحقيقة شر. وعندما نستخدم كلمة «شر» فإننا كثيرًا ما نعني بها «خطأ». لكن عندما قال أفلاطون إنه لا أحد يختار فعل ما يعرف أنه شر عمدًا؛ فإنه لم يقصد بذلك أنه لا أحد يختار أنَّ يفعل ما يعرف أنه خطأ. بل لا يختار أحد عن عمد أنَّ يفعل ما يعرف أنه من جميع الجوانب ضار لنفسه. [7]
أرسطو:
الفضيلة عند أرسطوطاليس من حيث الماهية وسطًا بين طرفين مرذولين هما الإفراط أو التفريط؛ فإنها من حيث الخير حد أقصى وقمة؛ إذ أنَّ الوسط هو ما تحكم الحكمة بعد تقدير جميع الظروف؛ بأنه ما يجب فعله ”هنا والآن“ فهو خير بالإطلاق. مثال فضيلة الشجاعة فالإفراط فيها هو التهور والتفريط فيها هو الجبن، وتقع الشجاعة وسطًا بين الرذيلتين. [8]
الأبيقورية:
في هذا المذهب، السعادة هي اللذة الجسمية حتمًا، من حيث إنه لا يعترف بغير المادة. ويُقرِّر أبيقور أنَّ غاية الحياة هي اللذة. ولكنه يُعالِج فكرة اللذة بذكاء ومنطق حتى يجعلها نوعًا من السعادة النفسية، ويستبقي الفضائل المعروفة، ويستبعد الرذائل. يقول أنَّ الطبيعة هي التي تحكم بما يلائمها، لا العقل الذي هو في الحقيقة عاجز عن تصوُّر خير مُجرَّد من كل عنصر حسيَّ، وكيف يستطيع ذلك وجميع أفكارنا ترجع إلى إحساسات، ومن ثمة إلى لذات وآلام؟ ولو استبعدنا الحس من الإنسان فلن يبقى شيء. وبما أنَّ اللذة غاية، فالوسيلة إليها فضيلة، والعقل والعلم والحكمة تقوم على تدبير الوسائل وتوجيهها نحو الغاية المنشودة، وهي الحياة اللذيذة السعيدة. فمن الخطأ وصف اللذة بأنها جميلة أو قبيحة؛ فإنَّ كل لذة خير، وكل وسيلة إلى اللذة خير أيضًا، بشرط أنَّ تكون اللذة لذة وتكون الوسيلة مؤدية إلى لذة. ومعنى ذلك أنَّ للذة عواقب، وقد لا تكون جميع عواقبها خيرًا؛ فإن الشره مثلاً يُورِّث المرض؛ فيجب تعديل اللذة بالألم، واجتناب اللذة التي تجر الألم، واعتبارها وسيلة سيئة للسعادة. وللألم عواقب أيضًا، وقد لا تكون جميعها شرًا. فيجب تعديل الألم باللذة، وتقبُّل الألم الذي يجر لذة أعظم. وبهذا يتحول مذهب اللذة إلى منفعة. [9]
الرواقية:
يضع الرواقيون الحكمة والخير في مطابقة إرادته مع الإرادة الكلية للطبيعة، ويعتبرون الإرادة الصالحة شيء مطلق كالإرادة الكلية، ومُدرَك بالعقل، وهاتان صفتان تميزان الخير عما عداه من شر، فالخير ممدوح لذاته. بينما الإنسان الشرير أو الضال هو الذي غابت عنه فكرة الطبيعة الكلية، فاتخذ نفسه مركزًا للوجود، وانحرفت ميوله عن استقامتها الأولى، فعارض الخير الكليّ بأشباح من الخيرات الجزئية أو المنافع، وحصر سعادته فيها، فتعرض للعديد من الهموم والآلام. أفعاله كلها مناقضة للحكمة كل المناقضة، كلها عصيان للعقل والطبيعة، وتتفاوت العقوبات بهذه الحالة. وتنحرف الميول باتخاذ اللذة الناشئة عن إرضائها غرضًا وغايةً. يرى الرواقيون أنَّ الفضيلة علم والرذيلة جهل، ويقولون إن الانفعال صادر عن قوة غير عاقلة، وأنَّ العقل يصير غير عاقل بتراخي النفس، وجريها وراء الميل المسرِف والحكم الكاذب. [10]
الكلبية:
سُميت بـ ”الكلبية“ أو بـ ”تلاميذ الكلب“ -ربما استمدوا اسمهم من طريقة الحياة غير المألوفة التي عاشوها، أو من واقعة أن أنتستنيس مؤسس المدرسة الكلبية كان يعلِّم تلاميذه في ساحة تُعرف باسم ”الكلب السريع“. الفضيلة في نظرهم هي ببساطة الاستقلال أو التخلي أو نبذ كل متع الدنيا وثرواتها. الفضيلة وحدها تكفي لتحصيل السعادة، ولا يُطلب شيء آخر غيرها. الفضيلة هي غياب الرغبة، والتحرُّر من الحاجات، وهي الاستقلال التام. الفضيلة هي الحكمة في نظرهم، غير أنَّ تلك الحكمة تعتمد أساسًا على رؤية قيم ومبادئ الغالبية العظمى من البشر. أما الثروات، والانفعالات… إلخ فهي خيرات حقيقية. وليست الآلام، والفقر، والاحتقار شرورًا حقيقيةً. الفضيلة هي الحكمة ويمكن تعلُّمها، رغم أنه ليس ثمة حاجة إلى تفكير أو تأمل طويل لكي نتعلَّمها. الرجل الحكيم لو تسلَّح بهذه الفضيلة لا يمكن أنْ يصيبه أي مما يُسمَى بـ ”شرور الحياة“، حتى ولا عن طريق العبودية. الفضيلة الحقة هي الاستقلال والتحرُّر من الرغبة. [11]
الغنوسية:
ترى الغنوصية الله هو قمة الوجود والموجود المفارِق اللا مُدرَك، والسكون، والهاوية. صدرت عنه أرواح يسمونها أيونات وأراكنة. صدرت زوجًا فزوجًا، ذكرًا وأنثى، متضائلة في الألوهية كلما ابتعدت عن المصدر. أراد أحدهما أن يرتفع إلى مقام الله فطُرِدَ من العالم المعقول عن هذا الأيون أو الأركون الخاطئ فصدرت أرواح شريرة مثله، وصدر العالم المحسوس الذي لم يكن ليوجد لولا الخطيئة؛ لأنه عالم شر ونقص، صانعه شرير، والمادة المصنوعة منه شريرة. وذلك الأيون هو الذي حبس النفوس الشرية في أجسامها، فكوَّن الإنسان. يميز الغنوسيون الناس إلى ثلاث طوائف متمايزة بالطبيعة لا بالإرادة فقط؛ الطائفة الأولى: الروحيون، وهم من أصل إلهيّ يكفل لهم النجاة من الجبرية المسيطرة على العالم السفليّ، أولئك هم الغنوسيون صفوة البشر، والطائفة الثانية، الماديون مُركَّبون من المادة، وهي تعوقهم عن الصعود فوق العالم السفليَّ، والطائفة الثلاثة، الحيوانيون يؤلفون طبقة وسطى قابلة للارتفاع والسقوط، للنجاة والهلاك. ووسيلة النجاة هي قهر الجسد، وطرح كل ما يثقل النفس ويمنعها من البلوغ إلى المقر الروحانيّ النورانيّ الذي هبطت منه. الغنوسية كمذهب هي محاولة لتفسير الشر والنجاة منه وأغلب أصحابه من الأفلاطونيين. مسألة الشر هي الشغل الشاغل للأديان الشرقية، والمحور الذي تدور حوله، وكلها تبين أنها جازعة من الشر، متشبعة بفكرة التطهير والتكفير. وكانت الثنائية الفارسية قد ظنت أنها وُفِّقَت إلى الحل المنشود بالقول بإلهين أحدهما خير والآخر شرير. وعرض ”أكسانوقراطس“ تأويلاً ثنائيًا لمذهب أفلاطون، فوضع مبدأين أولين؛ أحدهما خير سماه ”الواحد“، والآخر شرير سماه ”الاثنين“. ولكن الغنوسيين رأوا الشر لا يمكن أن يكون ماهية أولى مُقابلة لماهية الخير بالتساوي، بينما قال أفلاطون إن الكمال أول والنقص تضاؤله، فوقفوا عند ثنائية نسبية لا تقول بمبدأين متكافئين، بل تعتبر صانع العالم المحسوس إلهًا ثانويًا صار شريرًا بإرادته بعد أن كان خيرًا بطبيعته. وضع الغنوسيون الخطيئة في إله أدنى وجعلوا منه صانع العالم؛ وبذلك نزَّهوا الله عن الدنس بمساس المادة، وعن نسبة الشر إليه، ووضعوه في مكان بعيد لا يُدرِكه الفكر، وإنما تبلغ النفس إليه بالجذب أو بإشراق فجائيّ. [12]
فيلون اليهودي السكندري:
يؤوِّل فيلون الاصحاح الأول من سفر التكوين بأنَّ الله خلق عقلاً خالصًا في عالم المثل هو الإنسان المعقول، ثم صنع على مثال هذا العقل عقلاً أقرب إلى الأرض وهو آدم، وأعطاه الحس وهي حواء معونة ضرورية له، فطاوع العقل الحس وانقاد للذة المتمثلة في الحية التي أغوت حواء، فولدت النفس في ذاتها الكبرياء وهو قايين وجميع الشرور، وانتفى منها الخير وهو هابيل ومات موتًا أخلاقيًا. يختلف فيلون عن الأفلاطونية والغنوسية في أنه يجعل الشر هو شر أخلاقيّ. [13]
الأفلاطونية المحدثة:
ماهية الشر في الأفلاطونية المحدثة فيما ليس موجود، أي في الأشياء المشوبة باللاوجود والعدم، وهي المحسوسات وكيفياتها، وهي مشوبة باللاوجود والعدم؛ لأنها صور مُتحقِّقة في مادة، والمادة لا وجود لها، إنها في ذاتها غير مُصوَّرة وغير مُحدَّدة. فالشر عدم الصورة، وهو عدم الحد والاعتدال، والمادة هي جوهر الشر عينه، إذ يجب أن يكون هناك شر بالذات يرجع إليه الشر بوصفه صفة، كما أنَّ هناك خير بالذات يرجع إليه الخير بوصفه صفة. وليست النفس شريرة بذاتها، ولكن جزءها غير العاقل يتخطى الاعتدال أو يبتعد عنه، وجزءها العاقل مضطرب تمنعه الأهواء من رؤية الحق والخير، وتميل به الأهواء نحو المادة. فالنفس الكاملة هي مفارقة دائمًا، لا تقترب من الشيء الرديء الذي هو المادة. الشر له وجود ذاتيّ، ولكنه ليس إلهًا أو نفسًا، وإنما هو المادة، ويأتي الشر الذي في النفس من اتصالها بهذا الشر بالذات. ولما كانت المادة عنصر ضروريّ في نظام العالم، كان الشر ضروريًا في العالم أيضًا. [14]
المانوية:
عادت النظرية الثنائية الفارسية إلى الظهور في القرن الثالث الميلاديّ كبدعة مسيحية ثنائية صريحة، وهي المانوية نسبةً إلى مُؤسِّسها ”ماني بن فاتك“ من مملكة بابل (215- 241م). قال ماني بما قاله زرادشت عن أنَّ للعالم مبدأين: أحدهما نور والآخر ظلمة. ولقد أخذت المانوية الكثير من عقائدها عن الغنوسية والفلسفة بصفة عامة، وفي شرحها لماهية الشر والخطية بصفة خاصة. لقد رمى ماني إلى وضع دين جديد تتحَّد فيه سائر الأديان. حيث يدَّعي أنَّ كل الكتب القديمة اندمجت في كتبه الخاصة، فتألَّفت منها الحكمة الكبرى التي لا نظير لها في كل الإعلانات للأجيال السابقة. تغلب على هذا الدين الجديد المسيحية. قال ماني أنه رابع ثلاثة يتقدمهم المسيح ثم زرادشت ثم بوذا، ولكنه يمتاز عنهم بأنه وعظ وكتب، بينما هم اقتصروا على الوعظ فقط. ويقول عن نفسه أنه ”الباراقليط“ أي الروح القدس. يدَّعي أنه جاء بالوحي الذي وعد به المسيح تلاميذه، وأنه أخر الأنبياء. فكان يتصرف في الإنجيل كما يحلو له سواء بالحذف أو الإثبات. وكان يأخذ من الأناجيل الأبوكريفا المنحولة الشائعة في أيامه. يُقسِّم الناس إلى ثلاث طوائف: طائفة الصديقين أو المختارين، وهم أتباعه الأوفياء علمًا وعملاً، وطائفة المستمعين أو السمَّاعين، وهم المعتنقون مذهبه، ولكنهم غير عاملون به بعد، وطائفة الخطاة، وهم أهل الديانات الأخرى، لا يتزوج الصديقون، ولا يتولون مناصب عامة، ولا يحملون سلاحًا ولا يحاربون، ولا يذبحون حيوان ولا يأكلونه، ولا يشربون الخمر، هؤلاء تصعد نفوسهم إلى النعيم توًا بعد الموت. يشارك السامعون في جميع الشعائر، ولكنهم لا يقوون على الجميع بسائر الوصايا والتكاليف، غير أنهم ملزمون -إنْ تزوجوا- بالاقتصار على امرأة واحدة، والاجتهاد في ألا يُعاقبوا من الزواج، وبالإحسان إلى الصديقين تكفيرًا عن تقصيرهم في أن يكونوا مثلهم بدون زواج، وهؤلاء تبقى نفوسهم بعد الموت في هذا العالم، فتدخل جسمًا آخر فآخر حتى تنتهي إلى جسم بار، وتلك هي المرحلة الأخيرة قبل الصعود إلى النعيم. أما الخطاة فهالكون في جهنم. [15] ترى المانوية نشأة الجنس البشريّ من مجامعة شيطان مذكر اسمه ”أشقلون“ وشيطانة مؤنثة مخفية اسمها ”نامارائيل“ فأنجبا آدم وحواء أول المخلوقات البشرية. وهكذا نشأ الجنس البشريّ من مزيج مقزّز للنفس من أعمال آكل لحوم البشر والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيوانيّ صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مُسيِّرةً له تمشيًا مع خطة المادة للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيوانيّ، لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقي، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قِبل عالم النور. [16]
سوف نستعرض الآن أهم هرطقة وتعليم فاسد هاجم عقيدة السقوط وتدبير الخلاص في المسيحية وهي الهرطقة البيلاجية.
الهرطقة البيلاجية
لقد كان بيلاجيوس الذي سُميت هذه الهرطقة باسمه رجلاً ذا فضيلة وتقوى عظيمة، [17] ومُرشِدًا روحيًا للنفوس بالحري عنه كلاهوتيّ أو حتى باحث لاهوتيّ. لم يتحمل الراهب البريطانيّ بيلاجيوس بصبرٍ أعذار وحجج الخطاة الناشئة عن الضعف البشريّ. لقد كان يرى الاحتياجات للنعمة الإلهية إنها بمثابة دواء وعلاج لضعفنا المزعوم تحت تأثير الكسل والخمول. أصَّر بشدةٍ وثباتٍ على مَن يرشدهم باستخدام القوة التي لا تُقهَر لحرية إرادتنا على مقاومة الشر. أثناء إقامته في روما، وفي السنين الأولى من القرن الخامس الميلاديّ، تعرَّف على كاهن سريانيّ يُدعَى ”روفينوس“، تعلَّم منه إنكار وراثة الخطية الأصلية بحسب ماريوس ميركاتور Marius Mercator. [18] ثم صار له تلاميذ بدوره. كان رئيسهم في ذلك الوقت هو كالستوس، راهب شاب متحمِس وغيور، الذي فور قناعته بعدم البقاء صامتًا أو ساكنًا حيال أخطاء سيده. [19] في عام 417م، كسب بيلاجيوس حليفًا وعضوًا جديدًا في الجماعة بالغ الأهمية وهو يوليان أسقف إكلانوم في إتروريا Etrutia. لقد كان منطقيًا نشيطًا، وكاتبًا غزير الإنتاج، والذي صار المهندس الأساسيّ للنظام كله بحسب تعبير ق. أوغسطينوس. [20] كان ممثلي البيلاجية الثلاثة هم بيلاجيوس وكالستوس ويوليان. لقد كانوا هم مؤسسي ورسل البيلاجية، ونقلوا المعرفة والأخبار عن البيلاجية في قوامها العقيديّ. بالتالي للتعرُّف على البيلاجية، لابد من الرجوع إليهم أولاً في ذلك. لقد ترك بيلاجيوس تعليقات على رسائل بولس الرسول Commentarium in epistulas sancti Pauli والتي كانت أصالتها محل جدال ونقاش. على كل الأحوال، لقد تعرضت البيلاجية للتعديلات والتغييرات الأخرى على مر العصور، [21] وهناك رسالته إلى ديمتريوس Epistula ad Demetriadem التي كتبها حوالي العام 412م أو 413م، [22] وكتيب صغير جدًا عن ”الإيمان“ أرسله إلى البابا الرومانيّ إينوسنت Libellus fidei ad Innocentium papam مؤرَّخ عام 417م. [23] وباقي أعماله الأخرى بالأخص كتابه عن ”حرية الإرادة“ De libero arbitrio عبارة عن اقتباسات قليلة للقديس جيروم وماريوس ميركاتور وق. أوغسطينوس. والاقتباسات التي اقتبسها ق. أوغسطينوس هي أيضًا كل ما تبقى من عمل كالستوس. ويمكن قول نفس الكلام عن عمل يوليان، رغم اختلاف هذه الاقتباسات، حيث إنه في حالة يوليان أسقف إكلانوم، هناك اقتباسات أطول وأكثر عددًا تعيد إنتاج في الحقيقة جزء مهم من مقالتيه ضد أوغسطينوس The Libri IV & Libri VIII Adversus Augustinum. يمكن الإضافة إلى هذه المصار الأولى بعض مقالات فاستيدوس Fastidius البيلاجيّ المكتوبة ما بين 420م و430م، والمعلومات التي أمدنا بها ق. أوغسطينوس نفسه، وآخرون كانوا معارضين للبيلاجية، يمكننا أن نُكوِّن نظرة عامة عن تعاليمها. ولكن بالرغم من ذلك، إنه لمِن الإنصاف ملاحظة إنه في بعض النقاط، لم يكن كل من بيلاجيوس وكالستوس ويوليان موافقين تمامًا على تمامًا. لقد خضع النسق اللاهوتيّ للبيلاجية لتطوير معيَّن الذي أكتسب منه تعبيره المُحدَّد.
المبدأ الرئيسيّ والهام جدًا في البيلاجية بكل وضوح هو المفهوم الرواقيّ للطبيعة البشرية. لقد خُلِقَ الإنسان حرًا، وتتمثل هذه الحرية في القدرة على الاختيار بين الممارسة أو الامتناع عن الخطأ؛ وإنها انعتاق وتحرُّر من الله، يصير من خلالها الإنسان سيد قراره، ويفعل ما يرضيه. [24] وبالرغم من ذلك، قدرة الإنسان على الاختيار نابعة من عند الله، ولازال يلزمنا جدًا ألا نوجد بدون حرية الإرادة. لأنَّ بيلاجيوس قال إنه ينبغي تمييز ثلاثة أمور في الفعل الحر، وهي الإمكانية posse والأمنية velle والكينونةesse . قد لا أكون الآن بالطبع صالحًا، ولا أفعل الصلاح، ولكنني لا يمكن أنَّ أكون بدون القدرة على إرادة وإمكانية الصلاح وفعله. من ناحية أخرى، يعتمد كل من الإرادة والفعل عليَّ أنا، وأنا الذي أعطيهما لنفسي؛ ويأتي الاستحقاق من ذلك، والمكافأة والمجازاة على أعمالي. [25]
يُثار الاعتراض ضد هذه القدرة المطلقة على حرية الاختيار بأنَّ هذه الملكة والميزة قد ضعفت من البداية، وانحرفت نحو الشر. وهذا ما ينكره البيلاجيون؛ لأنه بالنسبة لهم، الحرية بمثابة الميزان والمعيار الذي تُحرِّكه الإرادة فقط. [26] لقد كان الإنسان قادرًا دائمًا أبدًا على الامتناع عن الشر، وتمييز الوصايا الإلهية، وبالتالي يمكن الحديث بقوةٍ عن قدرته على الحياة بلا خطية بإرادته. [27] وفي الحقيقة، لم يجرؤ بيلاجيوس دائمًا على التأكيد على هذا الأمر كحقيقة، [28] ولكنه لم يخش أحيانًا من التأكيد على ذلك الأمر، سواء قبل أو بعد مجيء المسيح. لقد مارس فلاسفة كثيرون الفضيلة باستمرار وثبات دائمًا، وصاغ بيلاجيوس قوائم من الشخصيات الكتابية البارزة التي لم تخطئ أبدًا وفقًا له. [29]
لذلك الخطية هي فعل الإرادة الحرة في الأساس، [30] ومن خلال هذه المقدمات المنطقية، يستحيل طبعًا الإقرار بالخطية الأصلية. إنه أمر لا يدعو للدهشة من إنكار البيلاجيين للخطية الأصلية بشكلٍ مطلقٍ. ينكرون الخطية الأصلية، لأنه لو كانت الخطية الأصلية موجودة، فينبغي أن يكون لها سبب، ولا يمكن أن يكون هذا السبب الآن هو إرادة الطفل، بل ينبغي أن تكون إرادة الله هي السبب، وبالتبعية، سيكون لدينا خطية الله لا خطية الطفل. [31] ينكرون الخطية الأصلية؛ لأنه بالاعتراف بها، ينبغي الإقرار بخطية الطبيعة أي الطبيعة الفاسدة والشريرة، وهذا هو التعليم المانويّ. [32] وينكرون الخطية الأصلية؛ لأنَّ خطية الطبيعة تلك من الصعب محوها، لأنَّ كل مَنْ يحملون كينونة هذه الطبيعة سيبقون بهذه الطبيعة دائمًا. [33]
أخيرًا، ينكرون الخطية الأصلية؛ لأنه لو أمكن لآدم أن ينقل خطيته إلى سلالته وأحفاده المنحدِرين منه، فلماذا لا يستطيع الإنسان البار أن ينقل بره إلى أولاده أيضًا؟ ولماذا لا تستطيع الخطايا الفعلية الأخرى أن تنتقل أيضًا؟ [34] وبالتالي لا توجد خطية تنتقل بالتناسُّل ex traduce الضرر الوحيد الذي نقله أبونا الأول إلينا هو مثاله السيء، ولابد من تفسير آية بولس الرسول في رسالة رومية (رو5: 16) عن انتقال اللعنة من آدم بهذا المعنى. [35] حتى إنهم، على الرغم من ذلك، ينكرون تسمية الخطية الأصلية هكذا بشكلٍ لائقٍ، بل يقبل البيلاجيون بالحري التعليم عن السقوط، ولقد أقروا بأنَّ الموت والضعف والجهل والشهوة كانوا نتيجة زلة آدم. ولكن كان الاعتراف بهذا العيب والخلل وضعف طبيعتنا شيئًا لازمًا في نظرهم لخطية آدم، بل وينبغي القبول بخلق آدم في حالة أرقى من حالتنا الحالية، وهذا ما لا ينكرونه جميعًا، لقد خُلِقَ آدم مائتًا. [36] ويبرهن على ذلك نظام الزواج؛ حيث مُقدَّر ومُعَّد له منذ البدء أن يملأ الفراغات التي يُحدِثها الموت. ويثبت ذلك أيضًا حقيقة أنَّ الفداء لم يقض على الموت. إن كان الموت مبني على الخطية. [37] وبالتالي لا يشير تعبير ”البشر المائتون“ إلى الموت الجسديّ الماديّ، بل يُعلِن عن نهاية مأسي هذه الحياة، وتصبح هذه الكلمات رسالة تعزية. وإن كان التشديد والجدل حول زيادة آلام وأحزان آدم وحواء كما تبدو من (تك3: 17- 19) بمثابة عقوبة لهما على خطيتهما، فالعقوبة تقع عليهما شخصيًا، وليس على جنسهما. [38] ونفس الكلام يُقال عن الشهوة إنها كانت موجودة في أبوينا الأولين كما هي موجودة فينا؛ لأنهما أخطئا باشتهاء الشجرة المُحرَّمة. لقد خلق الله الشهوة الجنسية بالأخص في الجسد، ولقد كانت موجودة في يسوع؛ ولا يوجد أحد سوى المانويّ الذي يرى الشهوة شرًا وشهوةً للخطية. [39] ولكن بالرغم من ذلك، تظل المعضلة موجودة. إنه لو كان لا يوجد أي شيء فاسد فينا، وإن كنا مثل آدم عندما خُلِقَ بيدي الله، وإن كانت الإرادة الحرة كافية لتحفظنا من أي خطية، لماذا نسقط هكذا غالبًا؟ ولماذا الخطية منتشرة بهذه الصورة؟ التفسير الوحيد الذي أعطاه بيلاجيوس هو إننا من مرحلة الطفولة قد تورَّطنا في عادة الخطية، ولقد صارت العادة فينا طبيعةً ثانيةً. [40] علاوة على ذلك، لقد أقَّر بيلاجيوس بارتباط البشر بالشهوة الأرضية والموت. [41] ولم يبحث بيلاجيوس علة هذه النزعة الطاغية التي لا تُقهَر وراء الأفعال المستقلة والشاذة للإرادة الحرة. لقد رأى بيلاجيوس مُجرَّد أفراد مذنبين فقط، وليس جنس بشريّ خاطئ بأكمله.
علاوة على أنَّ إنكار الخطية الأصلية قد أقتضى تغييرًا ضروريًا في الرأي حول معمودية الأطفال التي كانت تُمارَس بشكلٍ عامٍ. لماذا مازالنا مُصِّرين على إعطاء غفران الخطايا، بينما الأطفال بلا ذنب وبلا خطية؟ لم يُبقي البيلاجيون على ذلك. ولكنهم بالرغم من ذلك، لم يقترحوا إلغاء معمودية الأطفال؛ لقد كانوا يحرمون ويهرطقون أولئك الذين لا ينظرون إلى معمودية الأطفال على أنها ضرورية؛ [42] ولكنهم أضافوا إنه بينما تُعتبر المعمودية واحدة في حد ذاتها، ولكنها متعددة ومتنوعة النعم والبركات، وتُكيِّف وتوائم نفسها مع احتياجات مَنْ ينالونها. عند البعض من البيلاجيين، النعمة هي أحد طرق العلاج والتجديد، وعند البعض الآخر، إنها مُجرَّد تنقية وتطهير وتقديس ونمو في شبه المسيح، الذي يمتلكونه بالفعل. وهذا ما حدث في حالة معمودية الأطفال، لقد نال الأطفال الأثار والمفاعيل الإيجابية للمعمودية. وهذه النقطة الأخيرة بالخصوص كانت ضرورية وبالغة الأهمية. يُفرِّق البيلاجيون بين الحياة الأبدية وملكوت السماوات؛ حيث يعلِّمون بأنَّ المعمودية ضرورية للحصول على ملكوت السماوات فقط، وليس الحياة الأبدية. [43] ينبغي على الإنسان أنَّ يكون ابنًا لله من أجل وراثة الملكوت كما جاء في (يو3: 5)، وهذا يتم فقط من خلال المعمودية. ولذلك يمكن تبرير قبول هذا السر من أجل ذلك، حتى في حالة الأطفال المولودين حديثًا من أجل ميراث الملكوت. [44]
ولكن بالرغم من ذلك، مازال الاعتراض قائمًا؛ إنه فيما عدا غفران الخطايا الفعلية، تصير بذلك كل نعمة شفائية بلا قيمة تمامًا؛ لأنَّ الطبيعة البشرية كانت سليمة وكاملة. ولكن هل كانت النعمة ضرورية للامتناع عن الشر وممارسة الخير؟ أقَّر بيلاجيوس بشكلٍ عامٍ أنَّ نعمة المسيح ضرورية من أجل ذلك. [45] بينما على العكس، أنكر كالستوس مثل هذه الضرورة. [46] وأقَّر مثله مثل يوليان بأنَّ البشر يحتاجون إلى النعمة على وجه الخصوص في الأعمال المعجزية الفائقة للطبيعة. [47]ولكننا بالرغم من ذلك، ينبغي علينا النظر بعمقٍ فيما وراء ظاهر الكلام، ونضع في أذهاننا، كل من الحيطة والتكتًّم الخاص بالمُبتدعين، وخضوع عقيدتهم للتطور بحسب ما تقتضيه متطلبات الحوار والجدل.
أولاً، أعترف بيلاجيوس بضرورة هذه النعمة (أي نعمة المسيح)، وليس بشكلٍ جزئيّ، بل بشكلٍ بسيط جزئيًا. [48] إذًا، يقصد البيلاجيون بالنعمة أمور كثيرة، ولكنها ليست هي النعمة الداخلية المانعة، بل نعمة الإرادة كما ينبغي فهمها كذلك. خلقتنا هي نعمة، وما يميزنا عن الحيوانات هو امتلاك العقل والإرادة، وحرية الإرادة هي نعمة أيضًا، وعطايا العناية الإلهية اليومية هي نعم أيضًا، والناموس الموسويَّ كان نعمةً أيضًا وقوةً وحصانةً، وبالطبع التجسُّد الإلهيّ هو نعمة، لقد أعطيت لنا نعمة التجسُّد من أجل تحفيز محبة الله في داخلنا. [49] عندما أُتهِمَ بيلاجيوس بالإشارة إلى نعمة الإرادة الحرة نفسها، تراجع عن آرائه في مجمع ديوبوليس Diopolis. [50] ولكنه أعطى أيضًا نفس المُسمَى (أي نعمة) لكل من الناموس والإنجيل. تكفي حرية الإرادة لتحفظ الإنسان طويلاً جدًا في طريق الحق؛ ولاحقًا، بعدما صارت الطبيعة فاسدة بسبب نمط الفعل الفاسد والشرير، وبسبب الجهل. لقد أعطى الله الناموس بمثابة عون ومساعدة للضعف البشريّ؛ ولكنه صار بدوره غير مؤثر وغير فعَّال، وتم استبداله بالفداء. [51] طهَّرنا المخلص والفادي بدمه، ووُلِدَنا بواسطته إلى حياة أفضل، وترك لنا أيضًا تعليمه ومثاله بمثابة دوافع وحوافز لنا على الفضيلة. [52] تعتمد الإرادة والفعل علينا، وبهذين الشيئين لا نحتاج لأية مساعدة أيًا كانت على الإطلاق، ولا يُقصَد من الصلاة الحصول على المساعدة والمعونة لأجلنا، بل تحصل قدرتنا وقوتنا على المساعدة والمعونة من التعليم والناموس، وبالخصوص أكثر لا تزال نعمة نماذج وأمثلة يسوع ترشدنا. [53] خلاصة الأمر، اعترف البيلاجيون بنعم الإرشاد والتعليم الخارجية، والنموذج والمثال، وربما حتى بالنعم الداخلية للاستنارة؛ [54] ولكنهم لم يعترفوا بنعمة الإرادة الداخلية المانعة؛ حيث لا تنفذ الطاقة الإلهية وتخترق قلب طاقتنا عينه لنمو القلب وتغييره.
علاوة على ذلك، علَّم البيلاجيون باستحقاق نعمة الاستنارة والمثال هذه، وإنها مستحقة بممارسة حرية الإرادة المنطلقة في ذاتها. [55] لقد نادى كالستوس إنه حتى التوبة هي استحقاق غفران الخطايا؛ [56] وهذا الرأي رغم ذلك كان رأيه الخاص. [57]
مِن الواضح إنه في مثل هذا النسق اللاهوتيّ، لا يوجد مكان للتعليم عن سبق التعيين في مجمله؛ سواء للنعمة أو للمجد أي ”الاستحقاق المُسبَق“، بما أنَّ النعم الأولى مُستحَقة، ويتم تنفيذ أعمال الخلاص الأولى بواسطة قوى الطبيعة فقط. وبالتالي لم يعترف البيلاجيون بأي سبق تعيين كما يُدعَى بالضبط هكذا؛ لقد اعترفوا بالدينونة الأخيرة فقط النابعة من التصوُّر السابق للاستحقاقات أو عدم الاستحقاقات لكل إنسان؛ وتُحسَم وتُقرَّر كما لو كانت مصيره. [58] ولكن عندما سُئلوا عن تفسير لماذا يكون سبق تعيين الطفل الذي يموت فورًا بعد معموديته؟ لم يستطيعوا الإجابة على ذلك؛ لأنه في هذه الحالة بالأخص، لا يوجد تصوُّر مُسبق عن أية استحقاقات أو عدم استحقاقات. [59]
أخيرًا، حتى لا ينقُصنا شيئًا، نلاحظ الصرامة الشديدة التي يُعلِّم بها، لا بيلاجيوس الذي اعترض دائمًا على تهمة نشره لمثل هذا التعليم، بل كالستوس كان هو مَنْ قال إنه حتى لو أعطى وتبرع المسيحيون الأغنياء بكل ثرواتهم، لن ينالوا أي استحقاق من الخير الذي يبدو لهم أنهم يفعلونه، ولن يستطيعوا دخول ملكوت السماوات. [60] تتفق هذه المغالاة والمبالغة الشديدة تمامًا مع الصفة المتزمتة والصارمة للمبادئ الأخلاقية التي علَّم بها البيلاجيون.
هذه هي الملامح الأساسية للتعليم الذي حاول وسعى الراهب البريطانيّ ورفيقيه لنشره أثناء الربع الأول من القرن الخامس الميلاديّ. ولقد تم صياغته في ست مقترحات منسوبة إلى كالستوس التي أكَّد عليها ق. أوغسطينوس، وأثبتها عليه بعض المؤمنين في جزيرة صقلية، وهم كالتالي:
بأنَّ آدم خُلِقَ بطبيعة فاسدة. ولذلك فإنَّ الموت كان سيحدث حتى بدون السقوط في الخطية الأصلية. ولكن بحسب الرؤية الأرثوذكسية، آدم لم يكن يحمل طبيعة غير مائتة، لأنَّ الله وحده الذي له طبيعة خالدة غير مائتة. لقد خُلِقَ آدم ليسلك في مسيرة نحو الخلود. الخطية الأصلية هي فشل في الاستمرار في هذه المسيرة، ولهذا بقا في حالة الفساد، خارج حالة السعادة التي للحياة الأبدية.
وبأنَّ خطية آدم لم تؤثر مُطلقًا على نسله، فهي خطية شخصية خالصة.
وبأنَّ الأطفال يُوجدون في حالة براءة، مثل الحالة التي كان يوجد فيها آدم قبل السقوط.
وإنَّ موت آدم لم ينسحب على الإنسانية، ولا قيامة المسيح معناها أنَّ البشر سيقومون.
إنَّ الناموس يدعو إلى ملكوت الله، وهو في ذلك يماثل الإنجيل الذي يدعو لملكوت الله.
القول بأنَّ قبل مجيء المسيح في الجسد، كان هناك أُناس أبرار بلا خطية. [61]
نحتاج بضعة كلمات لعرض النزعة الطبيعية لهذا النسق اللاهوتيّ. تبدو روح المذهب العقلانيّ واضحة تمامًا بالأخص في أعمال وكتابات يوليان الذي يساوي ولعه الشديد بالفلسفة ازدرائه بالتقليد، وبمشاعر وعاطفة المؤمنين المشتركة التي تمثل الفيصل والمعيار الذي ينبغي أن يحكم المرء به على حقيقة تعليم الكتاب المقدس بالإضافة إلى تعليم الآباء. [62] ومن ناحية أخرى، إنكار الخطية الأصلية بادعاء أنه لا يوجد أي شيء فاسد في طبيعتنا، وأنَّ الحرية عبارة عن زوج من المعايير يكون بريقهما أفقيّ بالكامل. تُقدِّم البيلاجية معرفة سطحية وضئيلة جدًا عن النفس البشرية، وفشلت تمامًا وبوضوح في تبرير شذوذ الخطية في العالم. علاوة على ذلك، فور إنكار السقوط، لا يمكن فهم وإدراك الفداء. لأنه في نسق بيلاجيوس اللاهوتيّ، يحتاج الأشخاص حقًا إلى الفداء، ولكن عدم سقوط الطبيعة البشرية في أبوينا الأولين، لا يحتاج ذلك الفداء. ويصير اتحاد الكلمة بذاته مع تلك الطبيعة لاستعادتها وتجديدها فيه باطلاً، وبالنسبة للارتباط به للقداسة وعدم الموت (الخلود)؛ لن يصير يسوع فيما بعد آدم الثاني للبشرية الذي أصلح ما قد هلك. ربما ينال الطفل في المعمودية تجديد فائق بحسب البيلاجيين، ولكنه لا يمكن الحديث عن تجديد الطفل وإعادة ولادته من الموت إلى الحياة؛ وهكذا كانت اللغة المسيحية باطلة. وبالتالي لن تكون نعمة المسيح أيضًا مبدأ أساسيّ وحيويّ لهذه الحياة الجديدة. في النسق اللاهوتيّ البيلاجيّ، تعمل النعمة في المسيحيّ من الخارج، ولا تحييه وتقويه من الداخل. ويظل المسيح حقًا السيد لكل أولئك الذين ينبغي أن ينصتوا له، والنموذج والمثال لكل مَن ينبغي أن يكونوا مثله. ولكنه لن يعود فيما بعد القوة التي ترتقي بالنفس فوق ذاتها، ولن يكون اللهب الذي يغذي محبتها. وستصير الحياة في المسيح بلا معنى تمامًا وكاملةً بحسب القديس بولس الرسول.
والأدهى من ذلك، إنه في إيضاح اكتفاء الإنسان من ذاته على فعل الخير، وتمثيله بإنه مُحرَّر من قِبل الله بحرية إرادته. تُقوِّض البيلاجية فكرة الدِّين نفسه الكامنة بشكلٍ خاصٍ في حاجة الإنسان الدائمة للمعونة الإلهية. لأنَّ الخلاص هو من خلال النعمة والرحمة الإلهية، وبالتالي سيتم استبداله بمنهج أخلاقيّ عام ومبتذل. لابد على الإنسان بالطبع تمييز وطاعة الناموس وإيفائه حقه، ولكن ينبغي أن يرى الله أو لا يرى ببساطة تنفيذ الحق وإتباع الناموس، حيث هناك أمر بسيط بين الدائن والمدين من الأصول والمسئوليات. فلا يوجد مكان لمثل هذا المفهوم في محبة ورأفة وصلاح الخالق، أو بركات الفداء للبشرية بالثقة والخضوع الذاتيّ للنفس من أجل الصلاة. إنها النهاية لكل دِّين حقيقيّ. لقد رأت الكنيسة الخطر، لذلك تصدت له ودافعت حالاً ضده للقضاء عليه تمامًا.[63]
الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني الثالث 431م:
لقد كان الهدف من انعقاد المجمع المسكوني الثالث في أفسس، هو النظر في أمر الهرطقة النسطورية التي هدَّدت سلام الكنيسة ووحدتها، إلا أنَّ المجمع لم يُدن فقط الهرطقة النسطورية، لكنه أدان أيضًا الهرطقة البيلاجية. وهي من الهرطقات الخطيرة التي كما سبق وشرحنا أتت من الغرب، وكان اهتمامها مُنصبًا على الجانب الأنثروبولوجيّ في موضوع الخلاص. في البداية ينبغي الإشارة إلى آمرين أساسين:
الأمر الأول هو إنه من بين الثلاثة والأربعين أسقفًا الذين أتوا إلى المجمع تحت رئاسة يوحنا الأنطاكيّ، والذين عقدوا مجمعًا موازيًا للمجمع المسكونيّ الثالث، بسبب موقفهم المضاد من المجمع، كان بعضًا منهم من أتباع بيلاجيوس وكالستوس.
الأمر الثاني هو أنَّ النموذج الأمثل لديهم، يتمثل في تلك الروح القانونية السائدة في كنائس أفريقيا وروما.
لقد أُدِينَت التعاليم البيلاجية في مجمعين مكانين بمدينة قرطاجنة سنتي 411م و418م. حيث أدان المجمع الأول 411م التعاليم البيلاجية التي سبق عرضها، وأدان المجمع الثاني نفس التعاليم السالف ذكرها مع إصدار ثمانية قوانين ضد البيلاجية. أنتهى المجمع المسكونيّ الثالث إلى أنَّ البيلاجية هي من الهرطقات الخطيرة، والتي لها علاقة أساسية بالنسطورية، وهكذا أُدِينَت النسطورية والبيلاجية معًا. لقد أُدِينَت البيلاجية بحسب الرؤية الأرثوذكسية، لأنها تجاهلت شركة المخلوق مع الخالق. أعقب ذلك إرسال المجمع المسكونيّ رسالة إلى كلستينوس أسقف روما، لكي يبلغوه بقرار الإدانة ضد التعاليم البيلاجية، وأشاروا إلى أنَّ القانونين الأول والرابع للمجمع يحتويان على إدانة مُوجَّهة إلى كالستوس، الذي يُعد نصير قوي للهرطقة البيلاجية.
كانت إدانة البيلاجية والحكم عليها من مجمع مسكونيّ، تعني أنَّ هذه الهرطقة اكتسبت قوة كبيرة وخطيرة. كذلك فالربط بين النسطورية والبيلاجية، يُظهِر كيف أعتبر الآباء المجتمعون في مجمع أفسس 431م أنَّ البيلاجية تقضي بالأساس على عقيدة الخريستولوجيّ والنتائج المترتبة عليها. لأنها ترفض الجانب الشفائيّ لعمل المسيح الخلاصيّ. حيث ترى الرؤية الأرثوذكسية أنَّ السبب في تمتُّع الإنسان بالمجد، ونواله الشفاء، راجع إلى عمل المسيح الخلاصيَّ. بينما السائد في التعليم اللاهوتيّ الغربيّ أنَّ وضع الإنسان هو وضع قانونيّ، ويرى أنه يجب أن تتوفر الطرق والوسائل التي تُعِيد الانسجام، وتضبط تلك العلاقة القانونية بين الإنسان والله. ظهر هذا الاتجاه القانونيَّ في العلاقة بين الله والإنسان منذ القرن الثاني في كنيسة أفريقيا من خلال ظهور نظام قانونيّ صارم يُحدِّد ملامح طبيعة هذه العلاقة. هكذا صارت كنيسة أفريقيا هي النموذج الواضح للكنيسة القانونية التي يحكمها هذا القانون الصارم. ولقد تشكَّلت الأفكار اللاهوتية لهذه الكنائس من خلال تبنيها لهذه النماذج القانونية. فالتوبة كما حدَّدها العلامة ترتليانوس في كتابه ”التوبة“ تعني قيمة مدفوعة من أجل خلاص الإنسان، وعلى هذا الأساس فإنَّ المكافأة والعقاب يتوقفان على إرادة الإنسان نحو التقدم في مسيرة الكمال الأخلاقيّ. بينما التوبة في مفهومها اللاهوتيّ الصحيح هي عمل مستمر ومتكرر من أجل تصحيح المسيرة الإيمانية للإنسان المسيحيَّ. هذه الروح القانونية وجدت لها صدى في روما، رغم وجود كثير من الاختلافات بين الكنيستين. لقد تبنت كنيسة أفريقيا فكرة التعيين المُسبق، وبحسب رؤيتها فإنَّ المختارين هم فقط أولاد الله، فعندما يظهر أنَّ بعض أعضاء الكنيسة في الواقع يعيشون بشكلٍ غير لائق، فهذا يعني أنهم غير مستحقين، وغير مُعيَّنين للانضمام للكنيسة. يتحدَّد هذا التعيين المُسبق على أساس قانونيَّ، وليس من خلال المعايير الخلاصية.
وفي هذه الحالة، فإنَّ تعاليم بيلاجيوس عن الخلاص، تُمثِل اتجاهًا خاصًا يتعلق بأساسيات أو شروط التعيين المُسبق. وهذا الاتجاه التعليميّ لبيلاجيوس يتم داخل إطار نفس المناخ القانونيّ المشار إليها سابقًا. لأنَّ مطلب بيلاجيوس نحو مسئولية الإنسان تجاه القانون الإلهيّ يتطلب العمل في إطار يلتزم فيه كل عضو بوصايا وأوامر هذا القانون، ولذلك تتطلب العدالة مكافأة البار ومعاقبة الظالم. ومع هذا فإنَّ هذا المطلب يتطلب حرية كاملة للإنسان كي يُحقِّق مطالب هذه العدالة. وبناءً على ذلك، تتحدَّد العلاقة القانونية التي تربطه بالله. هذا معناه تأثُّر بيلاجيوس بالفكر الفلسفيّ (الرواقيّ) بشأن حرية الإنسان ومسئوليته الأخلاقية، الذي يرى أنَّ التقدم في الحياة الأخلاقية يعتمد أساسًا على الإرادة الإنسانية. [64]
سنتتبع الآن نتائج سقوط الإنسان عند كل أب من آباء الكنيسة في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، لنرى أهم ملامح فكر كل أب من هؤلاء الآباء حول نتائج سقوط الإنسان.
نتائج سقوط الإنسان عند آباء القرنين الرابع والخامس الميلاديين
القديس أثناسيوس الرسولي:
سنفحص معًا نتائج سقوط الإنسان عند القديس أثناسيوس الرسولي من خلال كتاباته، وينبغي الإشارة إلى أنَّ ق. أثناسيوس أحد أهم آباء ومُعلِّمي الكنيسة الجامعة عامةً وكنيسة الإسكندرية خاصةً، ويُعتبر ق. أثناسيوس هو معيار الأرثوذكسية والإيمان المسيحيّ القويم.
يتحدث ق. أثناسيوس عن نتائج سقوط الإنسان موضِّحًا فقدان النعمة الإضافية التي أعطاها الله للإنسان وسماها ”ظل اللوغوس“ أو الشركة في قوة اللوغوس، وتحدث عن فقدان الإنسان للسعادة والحياة الحقيقين، وفقدانه لحياة القديسين في الفردوس. [65] كما فقد الإنسان الحياة الفردوسية بدون حزن أو ألم أو هم، وفقد الخلود في السماء، وجلب الموت الطبيعيّ على نفسه، والموت خارج الفردوس، والبقاء الأبديَّ في الفساد والموت. [66]
كما كان مِن أثار السقوط أيضًا على الإنسان احتقار التفكير في الله ورفضه، وابتداع التفكير في الشر، تقوده أفكاره إلى الفساد وسيادة الموت عليه، كما أعاده تعدي الوصية إلى حالته الطبيعية العدمية، حتى إنه كما خُلِقَ من العدم، يلحقه الفناء هكذا أيضًا بمرور الزمن. [67]
الرجوع إلى الحالة الطبيعية أي حالة عدم الوجود والعدم بعد فقدان كل معرفة الله؛ لأنَّ كل ما هو شر فهو عدم، وكل ما خير هو موجود، وحرمان الإنسان من الوجود الأبديَّ الذي حصل عليه من الله الكائن، وهذا معناه انحلاله وبقائه في الموت والفساد (الفناء). [68] فقد الإنسان مقاومة قوة الفناء الطبيعيّ، والبقاء في عدم الفناء بفقدان معرفة الله، وفقد وجوده في حالة عدم الفساد، حيث كان ممكنًا أن يعيش منذ ذلك الحين كالله؛ أي فقد حالة التألُّه بالنعمة (مز82: 6، 7). [69]
تحويل البشر وجوهم عن الأمور الأبدية وبمشورة إبليس تحوّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وتحولوا هم أنفسهم العلة فيما يحدث لهم من فساد الموت، كما فقدوا نعمة الاشتراك في الكلمة للإفلات من الفساد الطبيعيّ، لو بقوا صالحين، كما فقدوا سكنى الكلمة فيهم، فصاروا إلى فسادهم الطبيعيّ. صارت سيادة الفساد على البشر جميعًا أقوى من سيادته الطبيعية نتيجة العصيان والمخالفة. عدم الوقوف عند حد معين في الخطايا، بل التمادي في الشر تجاوز كل الحدود، بل والأدهى من ذلك هو اختراع الشر حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد. التوغل في الظلم والمخالفة، وعدم التوقف عند شر واحد، بل يقودهم كل شر إلى شرٍ جديدٍ حتى النهم في فعل الشر. انتشار الزنا والسرقة والنهب والقتل في كل الأرض، ممارسة الشرور بكل أنواعها أفرادًا وجماعات، ونشوب الحروب، وتمزُّق المسكونة كلها بالثورات والحروب، والتنافُّس في أعمال الشر، عدم البعد عن الخطايا التي ضد الطبيعة. [70]
سيادة الموت سيادة شرعية (قانونية) على البشر بسبب التعدي والتهرب من حكم الناموس الذي وضعه الله، تنفيذ حكم الموت على الإنسان بالتعدي لئلا يكون الله كاذبًا فتبطل كلمة الله، وسيكون الله كاذبًا، لو لم يمت الإنسان بعد قول الله إنه سيموت. [71]
هلاك الخليقة ورجوعها إلى العدم بالفساد، بعدما خُلِقَت عاقلة، وكان لها شركة في اللوغوس، وفناء الخليقة هكذا بسبب غواية البشر هو ضد صلاح الله، كما حدث تلاشي صنعة الله بيد البشر بسبب إهمالهم أو غواية الشياطين، وانتزاع نعمة مشابهة ومماثلة صورة الله. [72]
كما حدث عجز كبير في قدرة المخلوقات على إدراك ومعرفة خالقها، وانحصار المعرفة في معرفة الأرضيات ومشابهة المخلوقات غير العاقلة في ذلك. [73] لقد صار البشر كالحيوانات غير العاقلة، وسادت غواية الشيطان في كل مكان حتى احتجاب معرفة الإله الحقيقيّ. [74] ضلال واضطراب نفوس البشر بسبب غواية الأرواح الشريرة، وأباطيل الأوثان. [75] ترك البشر التأمل في الله، وانحطاط نظرة البشر إلى أسفل، وغوصهم في الأعماق باحثين عن معرفة الله في عالم المحسوسات، صانعين لأنفسهم آلهةً من البشر المائتين (عبادة الأسلاف) ومن الشياطين (الوثنية). [76] نجد أن ق. أثناسيوس يستخدم مصطلح ”المعصية الأولى“ للإشارة إلى تعدي وعصيان الوصية الذي أدخل الموت والفساد على الطبيعة البشرية كما ذكرنا سلفًا، وليس بالمفهوم الأوغسطينيّ الذي سنشرحه بعد ذلك بالتفصيل. [77]
يشرح ق. أثناسيوس ماهية الشر والخطية بالتأكيد على عدم وجود الشر منذ البدء، ويستدل بوجود القديسين في عصره، لأنَّ الشر بالنسبة للقديسين غير موجود، الشر هو اختراع بشريّ حسب تصوُّرات البشر حاسبين غير الموجود كأنه موجود، وبالتالي يؤكد ق. أثناسيوس على عدمية الشر والخطية، فكيف يمكننا أن نرث شيء عدميّ ليس له وجود. [78] ثم يؤكد على المعرفة الحقيقية في مقابل معرفة الشر وهي حينما لا يفكر الذهن البشريَّ فيما هو جسديّ، ولا تؤثر عليه الشهوات الآتية من خارجه، بل يكون ساميًا بالتمام فوق كل هذا، مكتفيًا بقدرته الذاتية كما خُلِقَ في البدء، فيتجاوز كل المحسوسات والبشريات ويرتفع عاليًا فوق كل العالم الماديّ، ويرى اللوغوس ويرى فيه الآب أبو الكلمة، فيمتلئ ببهجة التأمل فيه، ويتجدَّد بانجذابه نحوه. [79]
يعود ق. أثناسيوس لعرض نتائج السقوط من الناحية السيكولوجية في الإنسان، حيث يؤكِّد على سيطرة أحاسيس الجسد على النفس كالخوف والملذات والأفكار المميتة، مثل: خوف النفس عن التخلي عن الشهوات، وخشيتها من الموت والانفصال عن الجسد، وصارت عندما تشتهي ولا تستطيع إتمام شهواتها تمارس القتل والظلم. [80] يستكمل ق. أثناسيوس أثار السقوط السيكولوجية في الإنسان بسوء استعمال النفس لحقها في حرية الاختيار مما أدى إلى انحدار النفس تدريجيًا من الحق إلى الباطل، وإلى عشق النفس للملذات والتمتع بها بطرقٍ كثيرةٍ، وابتعادها عن الخير والفضيلة ورؤية الله للتفكير في أمور لا وجود لها؛ مُحوِّلةً قوة حرية الإرادة التي تملكها في داخلها لتسيء استخدامها في شهوات تخترعها. [81]
يعاود ق. أثناسيوس لتوضيح ماهية الشر والخطية بقوله أنَّ ما له كينونة هو الخير، وما لا كينونة له فهو الشر، ويعلّل بأنَّ ما له كينونة فهو الخير، لأنه يجد له نموذجًا في الله الكائن، وما لا كينونة فهو الشر، لأنه غير موجود في الواقع، بل تم اختراعه بالخيالات داخل أفكار البشر، فكيف بناءً على ذلك، يمكن توارث ما لا كينونة له بين البشر، بل ماهية الخطية هي انحراف النفس، وابتعادها عن التأمل في الخير، والتحرك في محيط الخير، فبدأت في الانحراف والتحرك تجاه ما هو عكس الخير، [82] وهنا يؤكد ق. أثناسيوس على أن الخطية فعل إراديّ يستلزم وجود الإرادة الذاتية في النفس لتحريك النفس وانحرافها نحو الشر العدميَّ.
يعلن ق. أثناسيوس ضلال بعض اليونانيين (يقصد الغنوسيين والمانويين والأبيقوريين والأفلاطونيين) عن طريق معرفة المسيح وأوضَّحوا أن للشر كيان ووجود مستقل، ويوضح خطورة ذلك أنهم بالتالي ينكرون على الخالق خلق كل شيء، أو لو كان خالق كل شيء فسيكون خالقًا للشر، لأنَّ الشر كائن ضمن الموجودات بحسب اعتقادهم وبالتالي يمكن توارثه. يدحض ق. أثناسيوس تعليم أتباع ماركيون وباسيليدس وفالنتينوس الغنوسيين مؤكدًا على أنَّ الشر لا يمكن أن يأتي من الخير، ولا يوجد داخله ولا من خلاله، وإلا ما كان الخير خيرًا لو كانت طبيعته مختلطة بالشر، أو كان سببًا لوجود الشر. [83] كما يؤكد أيضًا بأنهم اخترعوا مثل هذه التصورات؛ لأنهم يعتقدون أنَّ مصدر الخطية هو الجسد، وليس الانحراف الذي أصاب الإرادة. [84] ويدحض أيضًا فكرة أنَّ الخطية جزءًا من تركيب أو تكوين الطبيعة البشرية، لأنَّ هذا هو نفس تجديف المانويين. [85] فالشر لم يكن من عند الله أو في الله، ولا حتى كان منذ البدء، كما أنَّ لا كيان له، لكن البشر وبسبب قصورهم عن تصوُّر معنى الخير، بدأوا يتوهمون ويخترعون لأنفسهم وبحسب رغباتهم ما لم يكن له وجود، فكرة الشر وتدبيره هو من عمل البشر منذ البداية. [86] وإن كانت الخطية ليست جزءًا من تكوين الطبيعة البشرية؛ فكيف يمكن توارثها بالتزاوج والتناسل بين البشر؟
يُعلِّق البروفيسور جون كيلي J. Kelly على تعاليم ق. أثناسيوس الخاصة بسقوط الإنسان وتشوه صورة الله في الإنسان، بأنَّ الصورة لم تختف وتضمحل أكثر منها فقدانًا للرؤية، مثل صورة مُغطاة بالتراب (تجسد الكلمة: 14). ولكن أحد نتائج معصية آدم هي أنَّ الخطية سارت إلى جميع البشر (ضد الآريوسيين 1: 51)، وهذا يتضمن هزيمة الطبيعة البشرية التي سبَّبها آدم. ولكن لم يُشِر أثناسيوس أبدًا إلى أننا قد شاركنا في ذنب آدم أي ذنبه الأخلاقيّ، ولكنه لا يستبعد إمكانية أن يعيش البشر أبرارًا. ففي فقرة ما، على سبيل المثال، ينادي بأنَّ إرميا ويوحنا المعمدان قد فعلوا ذلك بالفعل. [87]
يستطرد البروفيسور جون كيلي Kelly مُتحدثًا عن تأثير أفكار ق. أثناسيوس عن كمال وغبطة الإنسان في حالته الأولى بشكلٍ كبير وبعيد على كنيسة الشرق في القرن الرابع الميلاديّ. ويسرد أفكاره عن تشوُّه صورة الله، ويقول إنه بالجدال كذلك يحاول هؤلاء المُفكِّرون (أي الآباء اليونانيين) دحض المانوية بنفي توجيه مسئولية الشر إلى الله. ويتساءل جون كيلي J. Kelly ولكن هل شهدوا (أي الآباء اليونانيين) بإنه إلى جانب نتائج ما بعد السقوط المأساوية، هل نقل آدم إثمه الفعليّ أي ذنبه إلى ذريته؟ الإجابة المُعطاة عادةً هي بالنفي. ويستكمل يبدو أنَّ هناك أكثر من دليل للوهلة الأولى يدعم ذلك. الآباء اليونانيون في إصرارهم على بقاء حرية الإرادة الإنسانية كما هي سليمة، وإنها هي جذر وأصل الذنب الفعليّ الإراديّ (باسيليوس، عظة 8: 3: 8؛ ويوحنا ذهبي الفم، عظة لشعب أنطاكية 2: 2؛ وعظته على سفر التكوين16: 5؛ وراجع 17: 2)، كانت لديهم نظرة متفائلة أكثر من الغرب. إنه لمِن السهل جمع الفقرات من كتاباتهم وأعمالهم التي على كل حال وفي ضوء الأرثوذكسية اللاحقة، يبدو أنها تنفي أي تعليم عن وراثة الخطية الأصلية. لقد علَّم كل من ق. غريغوريوس النزينزيّ وق. غريغوريوس النيسيَّ، على سبيل المثال، بالإضافة إلى ق. يوحنا ذهبي الفم بأنَّ الطفل المولود حديثًا هو بلا خطيئة. ويُفسِّرون في الأخير، بالإضافة إلى ذلك، قول بولس الرسول (رو5: 19) بأنَّ الكثيرين قد صاروا خطاةً بمعصية الإنسان الواحد، بمعنى أنهم صاروا خاضعين للعقوبة والموت (ق. غريغوريوس النزينزي، عظة40: 23؛ ق. غريغوريوس النيسي، الموت المبكر للأطفال، PG 46, 177- 180؛ ق. يوحنا ذهبي الفم، عظة 28: 3 على إنجيل متى؛ وعظة 10: 2 على رسالة رومية). [88] يستطرد البروفيسور جون كيلي J. Kelly بأنَّ الرأي التقليديَّ المألوف والمعتاد، يبدو مع ذلك ظالمًا للآباء اليونانيين، ربما لأنه مبني على افتراض إنه لا يُعرِّض نظرية الخطية الأصلية للنقد إلا التعليم اللاتينيّ الكارثيّ للغاية. يلزمنا التخلص من الإجحاف والحكم المُسبق والانحياز. يوجد بصعوبة شديدة وعلى نحو لا يمكن إنكاره أية إشارة أو تلميح عند الآباء اليونانيين بأنَّ الجنس البشريّ ككل اشترك في خطية أو ذنب آدم أي ذنبه الأخلاقيّ. ويُفسِّر ذلك جزئيًا معارضتهم ومقاومتهم للحديث عن توريثه (أي آدم) الخطية لنا، ويجعل بالطبع سلوكهم المُتساهل والمُتسامح مع موت الأطفال بدون معمودية مفهومًا. ولكن يوجد لديهم على أقصى احتمال شعور حيال الاتحاد السريّ والوحدة السرية بين الجنس البشريّ وجده الأول. وهذا هو التعليم القديم عن انجماع الكل، والذي بسببه، قد افترضوا بما لا يدعو مجالاً للشك أنَّ سقوطنا كان في سقوط آدم. وغايتهم هي إظهار الخطية الأصلية إنها بمثابة جرح أصاب طبيعتنا. وإن وضعنا هذه النقاط في أذهاننا، وأيضًا حقيقة أنَّ تعاملهم مع الموضوع كان غالبًا عرضيّ وطارئ دائمًا، نستطيع بذلك ربما أنَّ نتفهم ونتعرف على موقفهم. أولاً، لقد قالوا بإنه ينبغي الاعتراف بأنَّ جميع البشر قد تورَّطوا في فعل آدم للعصيان. لأنَّ باسيليوس، على سبيل المثال، قال بأنَّ الغاية من شجرة المعرفة في الجنة كانت ”اختبار طاعتنا“ (عظة9: 9)، وتصوَّر ق. غريغوريوس النزينزيّ الجنس البشريّ كله كمُشارِك في خطية وسقوط آدم (عظة33: 9)، ونادى بوضوح إنه الضعف الذي أظهره الإنسان الأول في الجنة هو بمثابة ضعفه الخاص (عظة45: 8)، وق. غريغوريوس النيسيّ بعد قوله بأننا قد لبسنا الجلود ”كما عاش آدم فينا“، يضيف إنه ينبغي على البشر أن يطلبوا الغفران يوميًا، لأنهم مُشارِكون في سقوط آدم(De Or. Dom. Or. 5 PG.44, 1148). ثانيًا، بجانب اعتقادهم عن حرية الإرادة، لقد شهدوا بوضوح أنَّ السقوط أثَّر على طبيعتنا الأخلاقية. تشمل قوائمهم عن الشرور الناجمة عن السقوط الاضطرابات المنسوبة إلى إطلاق العنان للشهوة والطمع (E.g. Gregory of Nazianzen or. 14, 25; 19, 13 f). كما يُرجِع ق. غريغوريوس النزينزيّ ضعفه الموروث في الإرادة إلى السقوط (Carm., 2,1, 45, vv. 95- 107). ويقول ق. غريغوريوس النيسيّ أنَّ الطبيعة البشرية ضعيفة في عمل الصلاح، وصار الجميع عاجزين مرةً بالضعف(De Or. Dom. Or. 4 PG 44, 1164) . ويجيب ق. يوحنا ذهبي الفم بأنَّ الموت فُرِضَ كعقوبة على الجنس البشريّ الوارث للشهوة. ثالثًا، لا توجد مع ذلك أية فقرات ناقصة تُشِير إلى أنَّ آباء مُعينِّين قد تصوَّروا انتقال الخطية نفسها. ثم يستخلص البروفيسور كيلي Kelly إنه بالرغم من الفشل في تلبية احتياجات العقيدة الأوغسطينية ودعمها، لقد كان هناك نظرة لنظرية حقيقية عن الخطية الأصلية. ربما قد أشبع الآباء هذه النظرية جيدًا مُعطين إياها تعريف حاد الذي خضع للفحص الدقيق في أيامهم. النقطة التي اتفقوا عليها جميعًا هي بقاء حرية الإرادة الإنسانية، وأننا مسئولون عن أفعالنا، وهذا كان ضروريًا وحيويًا في دعاوهم ضد المانوية. [89]
يتساءل أيضًا البروفيسور جون تكسرون J. Tixeront هل يذهب الآباء اليونانيون إلى أبعد من ذلك، ويعتقدون بأنَّ آدم لم ينقل إلينا فقط المآسي التي هي عقوبة خطيته، بل نقل أيضًا خطيته نفسها؟ هل يؤمنون أننا ذريته لم نُولَد حزانى وتعساء فقط، بل ومُذنِبين أيضًا؟ بكلمة واحدة، هل يقرون ويعترفون بالخطية الأصلية كما تُدعَى كذلك بدقةٍ؟ يعرف الجميع كيف أنهم بعد ذلك، حينما واجه يوليان أسقف إكلانوم ق. أوغسطينوس بسكوتهم وصمتهم، بل وحتى تعليمهم المعارض والمضاد لهذا لسؤال، وكيف حاول ق. أوغسطينوس بدوره إثبات أنهم يشهدون لصالحه. في الحقيقة لم يكن كلاهما على حق. ويستخلص البروفيسور تكسرون Tixeront إنه بينما حقيقة أنَّ اعتقاد جميع الكُتَّاب اليونانيين في القرن الرابع الميلاديّ عن سقوط الجنس البشريّ كنتيجة زلة آدم غير قابل للتساؤل، ينبغي الاعتراف بأنَّ فكرتهم عن هذا السقوط تأتي قطعًا بشكلٍ مُوجزٍ عن فكرته المُعتادة والمُحبذة في ذلك الوقت في الغرب. وإنها أقل كمالاً وتحديدًا. ثم يُصرِّح البروفيسور تكسرون Tixeront إنه بالرغم من ذلك، تختلف تعاليم كل من ق. غريغوريوس النزينزيّ وق. يوحنا ذهبيّ الفم تمامًا وبشكلٍ واضح عن النتائج التي تبناها ق. أوغسطينوس. [90]
القديس كيرلس الأورشليمي:
يتحدث ق. كيرلس عن نتائج سقوط الإنسان في سياق عظاته للموعوظين عن ضرورة المعمودية لهم، فيُوضِّح أنه بعد السقوط صار الإنسان عبدًا للخطية، [91] ويرى أنَّ عصيان الإنسان هو مرض النفس الوبيل، وأنَّ الشر هو نتاج إرادة الإنسان، وأنَّ الخطية شر مرعب للغاية، لأنَّ الخطية مرض، والخطية هي حرق طاقات النفس، وتكسير عظام الذهن الروحية، وظلمة نور القلب. [92]
يؤكد ق. كيرلس أنَّ ماهية الخطية هي بُرعُم يبزغ في داخل نفس الإنسان، وأنَّ الشيطان هو صانع الشر والمصدر الأول للخطية وأب الأشرار، ولم يخطئ أحد من قبله، ولكنه لم يخطئ عن إلزام، كأنَّ فيه نزوع طبيعيّ، وإلا ارتدت علة الخطيئة إلى خالقه أيضًا، إنما خُلِقَ صالحًا، وبإرادته الحرة صار إبليس، مُتقبلاً هذا الاسم من عمله. [93] وهنا يتفق ق. كيرلس مع ق. أثناسيوس أنَّ الشر والخطية فعل إراديّ يستلزم الإرادة الذاتية في الكائنات العاقلة سواء ملائكةً أو بشرًا لفعله، ولو كان هناك أي نزوع طبيعيّ نحو الشر والخطية في الكائنات العاقلة سواء ملائكةً أو بشرًا، فسوف ترتد علة الخطية والشر إلى الله خالقهم حاشا!
يؤكد ق. كيرلس على غواية إبليس لأبوينا بالعصيان كسبب أدى إلى سقوط الإنسان، كما يُصرِّح أنَّ الخطية مرض مزمن، وأنَّ الله لم يفرض الموت على الإنسان فورًا، بل طرده من الفردوس في محبته العظيمة له، وأنَّ الخطية مرض يحتاج إلى الشفاء. [94] ويشدد ق. كيرلس أيضًا على أنَّ الخطية هي فعل النفس الإراديّ: ”فأنت لا تخطئ حسب تاريخ ميلادك“، ويدحض ق. كيرلس التعاليم الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة وغيرها من التعاليم الغنوسية والمانوية، والتي للأسف اندست بين التعاليم الأوريجانية بوجود النفس السابق قبل سجنها في الجسد كعقوبة لما اقترفته من خطايا في حياتها السابقة؛ موضِّحًا أنَّ النفس لم ترتكب خطيئة قبل مجيئها، بل جاءت النفس بلا خطيئة، وإنما أخطأنا بإرادتنا الحرة، وبذلك يقطع الشك حول توارث الشرور في النفوس من حياة سابقة لها، ويدحض التعليم بالقدرية والجبرية وسبق التعيين لنفوس الأبرار والأشرار في هذه الحياة لوجودها السابق في حياة سابقة قبل التصاقها بالجسد، كما أنه يؤكد على عدم وجود أنواع معينة من النفوس، نوع يخطئ بالطبيعة، وآخر يمارس البر بالطبيعة، بل كلها تعمل بحريتها.
كما يؤكد ق. كيرلس على عرض واقتراح إبليس للخطية على النفس، ولكنه لا يلزمها بشيء ضد إرادتها، ويواجه التعاليم المانوية مؤكدًا على عدم خطأ الجسد: ”أي خطأ يجدونه في هذا الجسد العجيب؟! ماذا ينقصه في كماله؟! أما يحمل تكوينه مهارة كاملة؟!“. فالجسد ليس علة الخطية، الجسد مُجرَّد آلة، والنفس هي محرِّك الجسد وراء القداسة أو الخطية. [95]
يكرر ق. كيرلس أيضًا أنَّ الشر هو شر إراديّ، [96] وأنَّ الشيطان أبًا للأشرار وفق إرادتهم الحرة، وأنَّ الاختيار بين فعل الخير أو الشر نابع من حرية إرادتنا، وليس عن سبق التعيين سواء لفعل الخير أو الشر، الفضيلة أو الرذيلة، فنحن ندخل في بنوة مقدسة لله ليس عن إلزام، بل عن اختيار. [97] يشير ق. كيرلس إلى سماح الله للشياطين بالعيش لتخزي نفسها بنفسها، ولكي يتكلَّل البشر بالنصرة عليهم، واستخدام الله نية الشرير كأساس لخلاص المؤمنين. [98]
يواجه ق. كيرلس التعاليم الغنوسية والمانوية التي تنادي بلعنة الجسد البشريّ، ثم يشير إلى وجود آدم في الفردوس بلا ملابس، فليس بسبب أعضائه طُرِدَ من الفردوس، لأنها ليست سبب الخطية، بل الاستخدام الخاطئ لها من قِبل البشر، فليس عضو من الأعضاء التي خلقها الله منذ البدء نجسًا. [99] كما يؤكد ق. كيرلس أن النفس الخاطئة هي علة مرض الجسد، وشفاء النفس سبب في شفاء الجسد وذلك من خلال المسيح الطبيب الشافي، مما يدل على أن مرض الخطية هو فعل إراديَّ يبدأ من النفس، وينعكس على الجسد بالمرض. [100]
يشير ق. كيرلس إلى الميلاد العذراويّ والبتوليّ للمسيح من العذراء مريم على أنه دَّين جنس المرأة للرجل، ودفعت العذراء مريم ذلك الدَّين وحبلت بدون رجل على أساس خلقة المرأة من جنب الرجل واحتياجها إليه، كما يؤكد على طهارة الولادة بحلول الروح القدس لتطهير أحشاء العذراء من أي فساد. [101]
يشير ق. كيرلس إلى أنَّ عصيان آدم جلب الموت على العالم (رو5: 17)، وجلب الإنسان الترابيّ الموت العام على البشرية كلها، وإنه بإنسان واحد دخل الموت، وهكذا بإنسان واحد تكون الحياة أي بالمسيح. [102] أفسد الإنسان شبه الله بالعصيان، ثم استرد الشبه ثانيةً في المسيح، طُرِدَ من الفردوس بالعصيان، وعاد إلى الفردوس بالطاعة. [103]
القديس غريغوريوس النزينزي:
يُوضِّح ق. غريغوريوس ماهية الشر إنه ابتداع من يوسيفوروس (زهرة بنت الصبح) وقواته بعد سقوطهم، حيث جلبوا الشر عليهم بابتعادهم عن الخير، وإنَّ الملائكة الأبرار لا تستطيع التحرك نحو الشر، بل نحو الخير، لأنهم طبائع صافية لا اختلاط فيها، موجودون حول الطبيعة الأولى أي الله، وبالتالي يصعُب عليهم التحرُّك نحو الشر. يشير ق. غريغوريوس إلى أسباب سقوط الإنسان بسبب حسد إبليس وغواية المرأة بسبب ضعفها وتحريضها لآدم على السقوط. كما يؤكد على انتقال الضعف من آدم لبنيه: ”ضعف أبي الأول هو ضعفي أنا الخاص“. طُرِدَ آدم من الفردوس في الحال ومن قدام الله بسبب شره، ولبس الجسد المائت، ولبس أقمصة جلدية. يشير ق. غريغوريوس أيضًا إلى نتائج سقوط الإنسان من الخزي والعار والخجل، والاختفاء من وجه الله، وربح الموت، ولذلك قام الله بقطع الخطيئة لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يكون العقاب على التعدي إحسانًا بالبشر.
كما يؤكد ق. غريغوريوس على أنَّ الخطايا غَرَسَت جذر الشر في الإنسان، ويُشبِّهها بالأمراض المُزمنة الرهيبة. [104] يُوضِّح ق. غريغوريوس حقيقة الميلاد البتوليّ للمسيح من العذراء مريم التي طهَّر الروح القدس نفسها وجسدها أولاً من الطبيعة الفاسدة. [105]
يشير ق. غريغوريوس إلى تفاوت النقاوة والقداسة بين البشر، لأنَّ الجسد الماديّ والعقل السجين فَقَدَ معاينة ورؤيا الله بعد الابتعاد والانفصال عنه. [106]
يُؤكِّد ق. غريغوريوس أنَّ سقوطنا سببه الخطية والانقياد إلى الشهوة حتى الوصول إلى عبادة الأوثان وتقديم الذبائح المُحرَّمة، وبالتالي تحتاج عودتنا إلى الحالة الأولى قبل السقوط بواسطة رحمة الله أبينا إلى العلاج القاسي لهذه الخطايا والشهوات، والشفاء من الطعنات والنقائص وأدناس الشر بواسطة المسيح الذي حَمَلَ ضعفاتنا، ولم يحتاج إلى علاج؛ لأنه القدوس بلا خطية. [107]
يشير ق. غريغوريوس إلى أنَّ الحواس هي مراكز دخول الخطية الخمسة، والتي منها جاءت الزلة، أي زلة الإنسان الأولى، وحولها تدور رحى الحرب؛ لأنها مراكز دخول الشر والخطية. يمكن منع الخطية من الدخول بغلق وفتح حركات وأفعال العقل جيدًا بالتأمل كمقياس إدراك العقل، وتجنب رخاوة وهشاشة الجسم، وختم العادة والفعل والأبواب بالروح. نحن الذين ندين أنفسنا على أسباب الخطايا، كما لو اقترفناها فعلاً ونعيش في عذابها، بسبب فضول العين والنظرة الشريرة التي تثير الشهوة. يكبح التأمل في الله الشهوات. [108]
يتحدث ق. غريغوريوس عن عدم جهل الله بسقوط الإنسان ومع ذلك خلقه، لأنه سنَّ ناموس حرية الإرادة، وبالتالي سُحِقَنا بحسد إبليس، وسقطنا بالتعدي، غلبتنا شجرة المعرفة. [109] صرنا إلى الوثنية وضبابية رؤية الله الناتجة عنها، كما أدت الشهوات إلى الوثنية وضعف رؤية الله، وخداع الشيطان الخبيث لمَن لديهم طبيعة عاقلة وتلقوا نعمة الله، وفضَّلوا الأسوأ على أنه الأفضل، لقد قاد الشيطان البشر إلى الهوة السحيقة للوثنية، بفعل انكباب العقل على المنظورات وعدم التوقف عنها. [110]
يؤكد ق. غريغوريوس على دخول الموت بالخطية إلى الإنسان جسدًا ونفسًا وروحًا، كما تدرج الله في معالجة مرض البشرية أي الخطية، ويشير ق. غريغوريوس إلى فقدان الحالة الأولى من البر والقداسة واستعادتها بالروح القدس. [111]
يشير ق. غريغوريوس إلى أنَّ هدف تجسُّد الابن هو إزالة لعنة الخطية وهي الفساد والموت مُقدِّسًا الشبيه بالشبيه، أي أتخذ طبيعة بشرية كاملة. لقد حملت الروح في آدم أعراض الشر الأولى، وتجاوزت الوصية، الروح هي التي دفعت آدم إلى الخطية. [112] يُوضِّح أيضًا أنَّ الابتعاد عن الوجود الطوباويَّ السعيد هو بسبب خطيئتنا، وأنَّ الآكل من الشجرة المُحرَّمة جلب الدينونة، ولكننا تبرَّرنا من الدينونة بآلام المسيح، ويشير إلى مرض طبيعتنا البشرية بالخطية وشفائنا وإعادة خلقتنا في المسيح. [113] ويشير إلى ماهية الخطية كمُركَّب إنسانيّ، وخاصة بطبيعة الإنسان السفلى المُركَّبة، لأنَّ التركيب هو أصل الشذوذ والفوضى. كما يؤكد أنَّ المعمودية تمنحنا الشفاء من مرض خطايانا، وأنَّ إبليس هو مخترع الشر. [114]
يرفض ق. غريغوريوس تأجيل الأمهات لمعمودية أطفالهن بحجة ضعف طبيعتهم، بل يحثهن على معمودية الأطفال لنوال نعمة الثالوث القدوس كأفضل وقاية وحماية. [115] كما يتحدث عن الأطفال المعذورين في عدم معموديتهم لأسباب فوق العادة، فيؤكد أنه ليس عليهم عقاب أمام الديان العادل، كما أنه ليس لهم مجد وبهاء بسبب حرمانهم من المعمودية، لأنَّ مَنْ يشتهي المعمودية ولم يحصل عليها لسببٍ ما، فكأنه حصل عليها. [116] وعندما سُئِلَ ق. غريغوريوس عن معمودية الأطفال الذين لا يشعرون أيضًا بنعمة المعمودية ولا بخسارتها، أجاب بأنه يجب تعميدهم خُصوصًا لو كَان هُناك خطر مِن الأخطَار عَلى حياتِهُم، فمِن الأفضل أنَّ يُعمَّدوا مِن غير أن يشعروا، مِن أنَّ يذهبوا مِن العَالمِ غير مُشارِكين في سر النعمة والكمال المقدس عابرين وغير مختونين. [117]
يشير ق. غريغوريوس إلى ولادة الإنسان بالفساد وفقدانه للباس الخلود وعدم الموت، وفساد الحواس البشرية بالشهوة والخطية، والحاجة إلى تطهيرهم للعودة إلى خلقتنا الأولى، لذا ينبغي الإسراع إلى المعمودية والميرون للتخلص من الولادة الفاسدة، وتنقية العقل المُحرِّك للمشاعر والأحاسيس، لأنَّ الهدف من المعمودية هو التمتع بشفاء المسيح لنا من جراح الخطية، والتحرُّر من عبودية إبليس، ونوال لباس الخلود بعد لباس الموت. [118]
يؤكد ق. غريغوريوس أنَّ الشيطان هو مخترع الشر، وسقوطنا كان بالابتعاد عن الله بحسد إبليس. بعدما طردنا إبليس من الفردوس، هاجم عقلنا وفتح أبواب أهوائنا، مما أدى إلى إهانة صورة الله في البشر، وفقدان الوصية، واستلام إرادة الضلال المطلقة، وهكذا صرنا منبعًا لكل أنواع الشرور، وحدث تدمير للإنسان الداخليّ (الروح). [119] كما يُوضِّح ق. غريغوريوس أنَّ الشر ليس له أصل من صُنع الله، إنما الشر منا ومن الشرير، دخل فينا بسبب إهمالنا وعدم احتراسنا، وليس له علاقة بالله البتة. الخطية هي فعل إراديّ يصدر من النفس إلى الأعضاء الجسدية لفعل الخطية. [120]
يتحدث ق. غريغوريوس عن ثلاثة أنواع من الحياة السابقة للمُعمَّدين قبل المعمودية، وهم: الأول، كانوا غرباء تمامًا عن الله والخلاص، وجرَّبوا كل أنواع الرذائل وسعوا إليها، سعوا لبلوغ الصلاح بعد المعمودية والحفاظ عليه، الثاني، أنصاف أرذال يعيشون بين الفضيلة والرذيلة، اقترفوا الشر ولكنهم لم يوافقوا ضمنًا على ما اقترفوه وهم أفضل حالاً من النوع الأول بعد المعمودية، الثالث، كانوا أنقياء بطبيعتهم وسجيتهم والبعض منهم أنقياء بالجهاد الأخلاقيّ، فهيأوا أنفسهم للمعمودية مُنقِّين أنفسهم، فصاروا بعد المعمودية أرسخ في الفضيلة وأفضل من النوعين السابقين. مما يؤكد على فكرة التآزر أو السينرجيا بين النعمة والعمل البشريّ، وهذا ما أكَّد عليه ق. غريغوريوس أنَّ الإيمان بدون أعمال ميت والعكس صحيح. [121] كما يرفض ق. غريغوريوس فكرة سبق التعيين مؤكدًا على أنه ما قيمة الأعمال الصالحة لو كان الخلاص بسبق الاختيار؟! وبالتالي يرفض فكرة الوجود السابق للنفوس قبل حلولها في الأجساد، وتناسُّخ الأرواح بانتقالها من جسد لآخر، والحكم عليها بحسب حياتها السابقة، بل يؤكد على أهمية حرية الإرادة، وضرورة حالة الجهاد ضد أهواء الجسد الطبيعية، الارتقاء بالعقل ليصير سماويًا فوق الجسد كحالة أفضل. [122]
القديس باسيليوس الكبير:
يُناقِش ق. باسيليوس ماهية الشر والخطية، فيشبه خطية الإلحاد مثلاً إنها مرض نسيان الله، ويشبه مَنْ يدَّعي أنَّ الله هو علة الشرور لا يملك عقل ولا حكمة. الإنسان هو المُتسبب في فعل الخطية أو رفضها، كما يشير إلى انخداع الخطاة بطعم لذة الخطية، الخطايا هي تلويث للنفس المخلوقة على صورة الله خالقنا، هناك شرور تتوقف علينا نحن مثل: القتل والحسد والانحلال الخلقيّ والظلم… إلخ، الشر هو كل أمر متعب كالمرض الجسديّ والجروح والعار والفضيحة، الشر الحقيقيّ هو الخطية، وارتكابها يتوقف على إرادتنا، والخطية هي بالحق شرًا، ونستطيع بإرادتنا الابتعاد عن الشر أو فعل الشر. الشر ليس له وجود خاص به؛ لأنَّ الشر ليس شيئًا موجودًا مثل أي كائن حي. الشر ليس له جوهر، الشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى هو غياب نتيجة الإبصار تلف العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص به، لكنه يأتي بعد مرض النفس. الشر ليس غير مولود كما ينادي الغنوسيون جاعلين طبيعة الشر وطبيعة الصلاح على نفس المستوى. لا يأتي السوء من الصلاح، ولا الشر من الفضيلة، الشر غير مخلوق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ، ولم تكن الأرواح المخلوقة مُمتزجة بالشرور، عندما خلقها الله وآتى بها إلى الوجود، لأنه إن كانت الأجساد المادية ليس لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة ليس لها وجود مُشترك مع الشر. [123]
يرد ق. باسيليوس على اعتراض رؤية وجود الشر وفعله الظاهر وانتشاره في العالم، بأنَّ المرض هو انحراف الأعضاء عن أداء وظيفتها الطبيعية، الله خلق الجسد وليس المرض، لقد خلق الله النفس، ولم يخلق الخطية، وبالتالي وجود الشر بسبب قبول النفس للشر وابتعادها عن حالتها الطبيعية، كان مكان النفس بجوار الله، وكان الخير بالنسبة لها هو الاتحاد بالله بالمحبة، ثم سقطت من هذا المكان، وعانت أمراض كثيرة. نفس الإنسان لها حرية إرادة لقبول أو رفض الشر بحسب خلقتها على صورة الله. نالت النفس الصلاح، وتعرف جيدًا الاستمتاع به، ولديها القدرة على الحفاظ على حياتها الطبيعية، طالما تظل في الاستمتاع بالروحيات، ولديها القدرة على رفض الصلاح. بينما تنحاز النفس إلى الجسد بسبب حب الملذات والشهوات، حيث تنفصل عن السماويات للالتصاق بمباهج العالم. [124]
لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، شعر بشبع زائف من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل مباهج العيون الجسدية عن الجمال الروحيّ، بدل الاستمتاع بالروحيات، فضَّل ملء بطنه، فطُرِدَ خارج الفردوس، وخارج ذلك المحيط الطوباويّ، وصار شريرًا لا عن إجبار، بل عن عدم استنارة، ووقع في الخطية باختياره السيء، ومات بسبب الخطية. كل مَن يبتعد عن الله الذي هو الحياة، يقترب من الموت، وغياب الحياة هو الموت. هكذا صنع الإنسان الموت بابتعاده عن الله، الله ليس خالق الموت، بل نحن جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة، ولم يوقف الله الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض (الخطية) بلا نهاية. [125]
يدحض ق. باسيليوس تعاليم القدرية وسبق التعيين بالتأكيد على أنه لا يجب تنفيذ أمر الله بالإجبار، بل بالحرية التوَّاقة إلى فعل الخير واكتساب الفضائل، تتحقق الفضيلة بالإرادة الحرة لا بالإجبار، بينما تتوقف الإرادة الحرة على مدى استعدادنا الداخليّ، وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. ثم يرد ق. باسيليوس لماذا لما يخلق طبيعتنا مُسيَّرة نحو الخير بأنَّ مَن يُفضِّل الطبيعة غير العاقلة (المُسيَّرة) مُحتقرًا الطبيعة العاقلة (المُخيَّرة) هو مَن يريد طبيعة غير ميَّالة للخطية. [126]
يُفسِّر ق. باسيليوس علة وجود الشيطان بأنَّ استعداده الشخصيّ هو الذي جعله شريرًا، كان لديه حرية بمقدرته أنَّ يظل بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح، اختيار الشيطان الحر هو الذي جعله يلقي بنفسه لأسفل؛ لأنَّ الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله الذي جعله مطرودًا. الشيطان شرير بإرادته، ولم يصر ضد الصلاح بطبيعته. [127]
يشير ق. باسيليوس أسباب سقوط الإنسان وهي حسد إبليس الذي أوقعنا، وجعل عداوة الله داخلنا، وكانت النتائج هي: اعتياد فعل الشرور الذي ينشيء في النفس شرورًا أعظم حتى لو كان الضرر غير مباشر، بالإضافة إلى التلذذ بمنظر العري والاهتمامات الجسدية الضارة. فقدان أغطية النعمة بممارسة الرذيلة تحت تأثير إبليس، أي نعمة الله التي يلتحف بها الملائكة. [128]
يؤكد ق. باسيليوس أنَّ الآب صالح والابن صالح، أما الظلام والموت والضعف تُنسَب إلى الشيطان رئيس هذا العالم والأرواح الشريرة وكل مَن يعادي قوة الطبيعة الإلهية، لا تحمل هذه الأمور في جوهرها التضاد مع الصلاح؛ لأنه هكذا ترتد الإدانة إلى الله، بل هو وحدهم في حرية إرادتهم انجذبوا إلى الشر، لأنهم فقدوا الصلاح. تتمتع المخلوقات بحرية إرادة الاتجاه نحو الخير أو الشر، وتنال القداسة كمكافأة للنمو الروحيّ. [129]
يشير ق. باسيليوس أيضًا إلى انتقال الموت إلينا من آدم الأول الساقط لأنه فينا، ولأننا تناسلنا منه، وسوف تظل الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم، لذلك قيل في آدم يموت الجميع، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا حتى مجيء المسيح آدم الثاني، وتدبير المخلص باسترجاع الإنسان من السقوط والعودة من الاغتراب بسبب المعصية إلى شركة الله، حيث نهاية الحياة الأولى الساقطة بالمعمودية، وولادة الإنسان من جديد بدفن أجساد المُعمَّدين في الماء، ودفن أعمال الإنسان العتيق، وتطهير النفس من دنس الخطايا التي تنمو داخل النفس بسبب انغماس العقل في اللذات الجسدية. المعمودية لها فاعلية مزدوجة وهي: القضاء على جسد الخطية والموت، والحياة بالروح التي تُثمِر القداسة. [130]
كما يشير ق. باسيليوس إلى إرادة الله في إعادة تجديد الإنسان ورد نعمة الروح القدس إليه التي حصل عليها بنفخة الله؛ ثم فقدها، ولذلك نفخ المسيح في وجوه تلاميذه ”اقبلوا الروح القدس […]“ (يو20: 22، 23). وهنا يؤكد ق. باسيليوس على سكنى الروح القدس في الإنسان قبل السقوط وانفصاله عن الإنسان بعد السقوط، وإعادة المسيح له بعد ذلك بنفخته في التلاميذ كباكورة البشرية المُخلَّصة، وهذا ما ذكره ق. كيرلس الإسكندريّ وأكَّد عليه كثيرًا. تمتلك النفس بجملتها الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر، وذلك بانفصال النفس عن الروح القدس. ويشير ق. باسيليوس أيضًا إلى تثبيت الروح القدس للقوات السمائية بعدم الانفصال عن الصلاح، حيث تشترك هذه القوات مع الله بالروح، وعدم التغيُّر نحو الشر، والبقاء في السعادة. بينما سبب معصية القوات السمائية هو التمرد على الخالق، وبالتالي الانفصال عن الروح. [131]
يؤكد ق. باسيليوس أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة، لذا ينبغي الصلاة لعدم التلامس مع الخطية في المرحلة الثانية، وتجنب ارتكاب الخطايا مُباشرةً. لأنَّ الألفة مع الشر وباء، والخطية مرض معديَّ، وبالتالي المسيح كطبيب صالح يوقف مرض الخطية الممتد. كما يشير إلى أنَّ العقوبة المفروضة على الإنسان هي بإرادته. ويوضح أيضًا ق. باسيليوس بركات المعمودية وهي: غسل كل الدنس السابق (الشخصيّ)، وغسل النفس من خطاياها، وتنقية الإنسان العتيق تمامًا، سكنى الله في الإنسان بالروح. [132]
يشرح ق. باسيليوس حالة الإنسان قبل وبعد السقوط، حيث كان الإنسان حسنًا وصالحًا بالطبيعة، ولكنه ضعيف؛ لأنه سقط في الموت بالخطية بخداع الحية رأس الخطية ورئيس الخطية. كما يؤكد على أنَّ الاضطراب النفسيّ هو تشوُّه وضعف نفسيّ ناتج عن الابتعاد عن الله. يُشبِّه ق. باسيليوس الخطية بالورم، حيث يستخدم المسيح الطبيب المُجتهِد المشرط معه للتخلص منه. يُرجِع ق. باسيليوس سبب الشرور والآلام في العالم إلى شهوة وإرادة فعل الخطيئة. يُشدِّد ق. باسيليوس على أنَّ الشر والخطية إراديين، حيث خلق قلوب البشر بسيطة لحفظ صورتها الخاصة، ولكننا ربطناها بالشهوات الجسدية بعد ذلك، جعل القلب مكانًا للشك، وحطَّمنا الصورة الإلهية والبساطة والوضوح والنية الخالصة. يشير إلى لزوم النعمة والأعمال للخلاص. [133]
يؤكد ق. باسيليوس ثبات الملائكة في الله بدون تغيير، ولكن الإنسان يتغيَّر بسبب تغيير جسديّ أو نفسيّ نظرًا لفساد طبيعة الإنسان الذي يُشبِّه ذبول الزهور. يوضح أيضًا نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وملك الموت على آدم حتى الناموس الموسويّ، وسكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يشبه الحيوانات. كما يشير ق. باسيليوس إلى أنَّ طبيعة الإنسان طبيعة مُركَّبة تميل وتنحني بالخطية، وبالتالي كان السقوط حتميّ بسبب الخطية. [134]
يُشدِّد ق. باسيليوس أنَّ مرض الخطية مُستوطِن في نفوس الفجار والفسقة بسبب حياتهم الشريرة، كما خلق الله في داخل الإنسان ميزانه الخاص (ميزان تمييز الخير والشر) لمعرفة طبيعة الأمور كافة، هناك طبيعتان مُتضادتان فيما بينهما هما: الخير والشر، الحياة والموت، الفضيلة والرذيلة، وعلى الإنسان التمييز بينهما بحسب ميزانه المخلوق داخله. [135]
القديس غريغوريوس النيسي:
يشير ق. غريغوريوس إلى أنَّ نتائج سقوط الإنسان هي: تشوُّه صورة الله بالخطية، وسبب الخطية الرئيسيّ هو عدم مراعاة تنفيذ الوصايا الإلهية من البشر في سعيهم لإتمام عملهم، والنفي من الفردوس، والبعد عن شجرة الحياة (أي المسيح)، والغرق في مستنقع الحياة المادية. [136]
يؤكد ق. غريغوريوس على أنَّ الله لا يصنع الشر، ولا يقتل الإنسان، بل يزيح الشر عنه كما في سفر الحكمة: ”ليس الموت مِنْ صُنع اللهِ“ (حك1: 13). الشيطان هو أبو الشر، وهو الكذَّاب، ويصير أبو الكذَّاب الناشئ في كل شخص، وهو الخطية وأبو الخطية. كما يوضِّح تخلي الإنسان عن وطنه السماويّ (الوطن الضائع) بارتكاب الخطية مما أدى إلى الحرمان من الحلة الأولى بسبب العصيان والآكل من الثمرة المُحرَّمة، فصار عريانًا. فنحن نُفضِّل الفضيلة على الشر بالعقل، وهكذا الانفصال عن الشر كامن في إرادة الإنسان فقط، ويتحقَّق بميل الرغبة واختيار الشر. كما يشير ق. غريغوريوس إلى تآزر النعمة والأعمال معًا في الإنسان، حيث يعجز الإنسان عن كسب الخير داخله، لو لم تتحقَّق القوة الإلهية للخير (النعمة) بداخله. [137]
يشرح ق. غريغوريوس كيفية سقوط الإنسان، حيث تم خداع الإنسان في الحكم على الخير بالغواية، وأخذت إرادته ميلاً نحو الشر، وسيطَّر كل شر على حياة الإنسان، وحُكِمَ بالموت على الطبيعة البشرية بطرقٍ عديدةٍ، لأنَّ كل شكل من أشكال الشر يؤدي إلى الموت، وُجِدَ الإنسان تحت نير طاغية (إبليس)، وخضع بثورة الشهوات للموت، وطغيان الشر والفساد، والأسر للخطية وقيود الخطية. فالخطية ظلمة لا تحتمل النور، ومرض لا يحتمل الصحة. وبالتالي علاج السبب المرضيَّ للخطية هو إعادة العناصر المنحرفة إلى مكانها الطبيعيّ، لأنَّ تحرُّك عنصر من العناصر بعشوائية أكبر يُضعِف بسيطرته تأثير عنصر الصحة المقابل له، لذا ينبغي التوازن بين العناصر لعودة الصحة إلى الجسد، وعدم إخلال العناصر الممتزجة بالتوازن الطبيعيّ بين المرض والصحة. [138]
يُفسِّر ق. غريغوريوس ماهية الخطية في الإنسان، حيث في البدء كان عقل الإنسان في صحة تامة، وكانت حركات الروح مُوزَّعة داخلنا باتزان حسب الفضيلة، ولكن بسيطرة الرغبات على باقي العناصر وخضوعها لها باعتبارها الأقوى، تلك الميول المعارضة له أي الطهارة والبتولية، لم يكن هناك ما يمنع الرغبة للتحرُّك نحو الأمر المُحرَّم، وتجسَّدت الخطية من الرغبة في الطبيعة الإنسانية، أي المرض الجالب للموت. لذا يعيدنا الطبيب الحقيقيّ الذي صار بشرًا إلى الصحة الروحية من جديد بانتزاعه لأسباب توليد المرض. صحة الروح هي إتمام الإرادة الإلهية (النعمة)، وبالتالي مخالفة الإرادة الإلهية هي مرض الروح الذي يقود للموت، لقد مَرِضَنا بإهمالنا لنعيم الفردوس، عندما شربنا سم العصيان، فخضعت الطبيعة البشرية لهذا المرض المميت. ولكن بجذب البشر نحو الإرادة الإلهية (عمل النعمة)، عالج الطبيب الحقيقيّ أسباب مرض الخطية بنقيضه. حيث تُوقِف الحكمة الإلهية العقل المتحرك نحو الشر والنزوات، وهكذا تختفي كل نزعة شريرة مُحرَّمة للإرادة. فالشر يكتمل تلقائيًا ضمن إرادتنا، ولا تقوى الطبيعة البشرية على صُنع الخير بسبب تجريد الشيطان لها من قواها بالشرور ومرض الخطية. [139]
كما يشير ق. غريغوريوس إلى الحياة المزدوجة للطبيعة العقلية وهما: طبيعة غير جسدية تأخذ الطوباوية السماوية نصيبًا لها، وطبيعة جسدية تدور حول الأرض لقربها منها. ولكن الرغبة في الصلاح مزروعة في صميم كل طبيعة بنفس الدرجة، لكل واحدة من الطبيعتين مُطلق الحرية أنعم الله عليها بالمنطق والفكر وحرية الإرادة لتختار سواء الحياة السماوية النقية وغير السلبية، ولا يوجد بها شر البتة، أو الحياة الأرضية المليئة بكل نزعة نحو الخطية. [140]
يُشبِّه ق. غريغوريوس الشهوات والملذات بتشبيه معتاد عنده يستخدمه في معظم كتاباته، وهو رأس الحية وجسمها. حيث الرغبة نحو الملذات عبارة عن حيوان، تختلط الملذات بحياة الإنسان مُستخدمةً الأحاسيس لهذا الهدف، وهي الحراشيف التي تغطي جسم حية الملذات، لذا الانتباه لرأس الحية كقول الرب: ”تسحقين رأسها“ أي عدم ترك مدخل للحية الزاحفة من اللحظة الأولى، لأنه لا يمكن سحب الحية بسهولة من ذيلها لإخراجها من جحر النفس الذي دخلته برأسها بسبب مقاومة حراشيف ظهرها لمَنْ يسحبونها. [141]
يُعدِّد ق. غريغوريوس نتائج سقوط الإنسان كالتالي: استبدال حريته بالعبودية الشريرة في الخطية، وتفضيله تحمُّل طغيان القوة المُفسِدة لكل شيء على القرب من الله، وتفضيله النظر في بشاعة الخطية عن التطلُّع في جمال الخالق، وتجاهُّل الخيرات الإلهية، وتفضيله الوقوع في فخ الشرير، واحتقار الصورة الإلهية، وفساد الهيئة الإلهية المصنوعة داخله منذ بدء التكوين، وعدم طهارة الطبيعة البشرية. [142]
يُؤكِّد ق. غريغوريوس أنَّ آدم يعيش فينا كلنا نحن البشر، فنرى حول أنفسنا لباس الجلد، وأوراق الحياة الجسدية التي قمنا بخياطتها بسوء عند تعرينا من الملابس الرائعة، أي المتع والأمجاد والشرف المؤقت والملذات الجسدية التي تموت سريعًا، عندما لبسناها بدلاً من الملابس الإلهية. نعيش تحت الظل الرديء بهذه الحياة لابتعادنا عن الله، واستسلامنا إلى الحية للزحف فوق الأرض، أي الملذات الجسدية، والزحف بقلوبنا وأفكارنا فوق الأمور السفلية الرخيصة، والاهتمام بحياة الملذات. طالما أننا إنسان كل منا يشارك طبيعة آدم، ويشارك بالتأكيد في المنفى والموت في آدم. [143]
يُؤكِّد ق. غريغوريوس على ارتكاب الخطايا بالنفس والإرادة، حيث تنطلق الأفكار الشريرة من داخل الإنسان، النجاسة بالنسبة للنقاء الروحيّ هي اللذة الممتزجة بالحياة الإنسانية بطرقٍ كثيرةٍ، كما تمتزج بالروح والجسد والأفكار والأحاسيس والتحركات والإرادة والأعمال الجسدية. كل مَنْ يشارك في الطبيعة فهو يشارك بالضرورة وبالكامل في خطايا الطبيعة. [144]
كما يرى ق. غريغوريوس أنَّ الأطفال يُولدون بدون أي ذنب أو خطية تستوجب العقوبة، فالطفل بمُجرَّد ولادته هو خالي من أي ذنب يستوجب العقوبات، هكذا أيضًا طفل الولادة الجديدة (المُعمَّد) تعيده الكنيسة مرة أخرى إلى براءة الطفولة. [145] كما يرى ق. غريغوريوس أنَّ الأطفال يُولدون بدون وباء الخطية، لأنَّ الطفل بريء ليس فيه مثل هذا الوباء قبل أنَّ يُغطِّي عين نفسه قياسها من النور، وهكذا تستمر في الوجود في هذه الحياة الطبيعية، ولا تحتاج إلى الصحة الآتية من التطهير، لأنها لم تسمح أبدًا بدخول الوباء إلى نفسه مُطلقًا، [146] كما يرى أنَّ مصير الأطفال سيكون الملكوت حتى لو ماتوا مُبكرًا قبل العماد؛ لأنه في حالة الأطفال الذين يموتون مبكرًا، فلا يوجد فيهم أي شيء من هذا القبيل، بل أنهم ينطلقون نحو نصيبهم من السعادة فورًا. ولكنه يُوضِّح أنَّ الطفل الذي يموت بدون معمودية لن ينال نفس القسط من السعادة التي ينالها الرجل الناضج الذي قد نال العماد، وكان بارًا طوال حياته، رغم أنَّ الاثنين قد يكونان بلا خطيئة أو ذنب؛ لأنه ليس من العدل القول بأنَّ الرجل والطفل يكونان في نفس الحالة، على الرغم من أنَّ كليهما قد يكون حرًا من أي اتصال أو احتكاك بالمرض، بل على العكس، على الرغم من غياب أي تأثير من المرض قد يُنسَب إلى الاثنين، إلا أنَّ الاثنين مُتشابِهان على حد سواء في كونهما بعيدين عن مدى تأثيره. [147] وهذا ما يؤكده أيضًا في موضع آخر، حيث تخلو الطفل حياته من كل ميل شرير، ولا يملك تمييز الخير والشر، فكيف يُعاقَب الطفل عوضًا عن الأب المُذنِب؟! الطفولة تجهل الشهوة. وهذا يؤكد على عدم وراثة الابن لأي ذنب شخصيّ من الأب، بل كل نفس تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والعكس صحيح (حز18: 20). [148]
يشير ق. غريغوريوس إلى طبيعة الأثار السيكولوجية لسقوط الإنسان، حيث أنَّ كل الانفعالات المتعلقة بالنفس كالغضب والشهوة، ولكنها ليست النفس ذاتها، هي مثل زوائد تنمو من الجانب المُفكِّر من النفس، وتُعتبر أجزاءً من النفس، ولكنها لا تمثل جوهر النفس، فالانفعالات مثل: الخوف أو الغضب أو غيرها من نزعات النفس تُعتبر بمثابة أشياء التصقت بالنفس من الخارج، لأنَّ مثل هذه السمات لا توجد في جمال الأصل. نزعات الغضب والخوف والرغبة وغيرها عندما توجد فينا، نسميها ”أهواءً“ والتي لم تُقدر للحياة البشرية لغرض شرير، لأنَّ الخالق سيكون في هذه الحالة هو علة الشر، لو غُرِسَ في طبيعتنا إكراه على ارتكاب الخطأ، في المقابل، تصبح هذه الانفعالات التي للنفس أدوات للفضيلة أو الرذيلة بناءً على طريقة اختيارنا. لو لم نُوجِّه نزعاتنا بالعقل في الاتجاه الصحيح، وطغت الأهواء على سيادة العقل، يتحوَّل الإنسان من كونه عاقلاً مشابهًا لله إلى كائن غير عاقل وغير مُفكِّر، وينحدر إلى مستوى الحيوان بقوة هذه الأهواء. [149]
يتحدث ق. غريغوريوس عن طبيعة الحياة الأولى التي خلقها الله قبل السقوط إنه لم يكن فيها شيخوخة على الأرجح، ولا طفولة، ولا أي معاناة من أمراضنا المتنوعة، ولا أي من الأوجاع الجسدية الأخرى؛ لأنه من غير المحتمل أنَّ يخلق الله مثل هذه الأمور. إنما كانت الطبيعة البشرية متألهة بدرجةٍ ما قبل استسلام البشرية لدافع الشر، فجاءت كل هذه الأشياء إلينا مع دخول الشر، وبالتالي الحياة الخالية من الشر ليست تحت ضرورة ما لتوجد في تلك الحالات التي ظهرت بسبب الشر. وهنا يدحض ق. غريغوريوس أي إشارة إلى قدرية أو جبرية أو سبق تعيين مُسبق. [150] وهذا ما يقرره أيضًا في موضع آخر، حيث أنه غير صحيح تعليق الاختلافات عند كل إنسان سواء نحو الفضيلة أو الرذيلة بقدَّر فائق الطبيعة أو بإرادة إلهية؛ لأنَّ هذا أمر يخص حرية الإرادة البشرية، فلم تُحدِث الإرادة الإلهية القسوة في نفس فرعون، بل الحرية بانحرافها نحو الشر. الله ليس سبب الآلام التي عاناها مستحقوها، بل كل واحد هو لنفسه سببًا للشقاء الذي ألَّم به، فما الشر يحدث بمعزل عن إرادتنا. [151]
يشير ق. غريغوريوس إلى مفهوم الفضيلة على أنها في الوسط، وكل شر يحدث إما بزيادة أو بنقصان بالنسبة للفضيلة، وهو مفهوم أرسطيّ محض لماهية الفضيلة والرذيلة، مثل: فضيلة الشجاعة نقصانها جُبن، وزيادتها تهور وكلاهما رذيلة. [152]
يشير ق. غريغوريوس إلى أمر بالغ الخطورة، وهو لو كانت الخطية موجودة في الحياة الجسدية، فالله هو خالق الجسد، وبالتالي لابد أن يقع عليه اللوم بالضرورة، ولكن بالعكس، الحياة المهيأة حسب الطبيعة الإلهية تليق بالبشر وطبيعية لهم، ولكن حياة الإدراك الماديَّ المعاش بنشاط الحواس ممنوحة إلى تلك الطبيعة لمعرفة العالم المرئيّ لتُرشِد النفس إلى معرفة الأمور غير المنظورة. [153]
يُوضِّح ق. غريغوريوس ماهية الشر أنه ليس له كيان؛ لأنه يأخذ كيانه من غير الموجود، ولأنه ما يأتي من العدم لا يوجد أبدًا على الإطلاق في مصطلحات طبيعته، بل يتسلط الباطل على الأشياء التي صارت مثله. ويتساءل ق. غريغوريوس كيف صارت الأرض عبدةً للعدم واللا كيان؟ وكيف تسيَّد الوهم على الكينونة؟ ولكن بذلك سيعتقد البعض أنَّ الله هو مصدر الشر المؤلم والمتعب لبني البشر؛ لأنَّ مسئولية الأمراض ستقع عليه، ولكن الله مصدر كل صلاح، ولا يصدر منه شر البتة. الشر غير موجود في حد ذاته، بل ينشأ من انعدام الخير. حيث أنَّ الخير كما هو دائمًا هو مستقر وثابت، ولا ينشأ من انعدام أي شيء سابق عليه؛ لأنَّ الشر أساسًا كشيء مُدرَك كنقيض هو عدم ولا شيء، وهو شيء غير موجود، وهكذا الفرق بين النور والظلمة، هو نفسه الفرق بين الحكمة والجهل. الشر هو اسم مُعطَى لأي شيء مُدرَك خارج الخير، الشر هو نقيض الخير، وهو عدم بالمقارنة مع الوجود. لذا عندما نبتعد عن الخير بإرادتنا الحرة وميولنا، نصير مثل الذين يغلقون عيونهم في وضح النهار، ويقولون إننا نرى الظلام- لأنَّ رؤية الظلام هي نمط رؤية العدم- تأخذ الطبيعة غير الحقيقية للشر جوهرها وكيانها في المبتعدين عن الخير، وتأخذ وجودها كلما كنا خارج الخير، فالشر يأخذ كينونته من فاعلي الشر بمُمارستهم له. [154]
يُشدِّد ق. غريغوريوس على أنَّ حرية الإرادة هي عطية صالحة من الله، ولكنها صارت تعني الخطية بسبب سوء استعمال الجنس البشريّ لها، الإرادة الحرة غير المُقيَّدة هي خير بالطبيعة، ولا يوجد أي شيء من الأمور الصالحة مُقيَّد بعبودية الحتمية والضرورة. [155]
يشير ق. غريغوريوس إلى ماهية الخطية إنها في الحقيقة سقوط لا ميزة من مميزات طبيعتنا البشرية، كما أنَّ المرض والتشوُّه لم يلازما طبيعتنا منذ البدء، ولكنهما يحدثان خلافًا للطبيعة، وكذلك الدافع الذي يدفعنا نحو الشر هو انحراف للخير في طبيعتنا، وليس له وجود ذاتيّ، وإنما هو غياب الصلاح. [156]
القديس يوحنا ذهبي الفم:
يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أنَّ الأطفال بلا خطية، وأنهم يُعمَّدون لينالوا عطايا البر والتقديس والتبني وسكنى الروح القدس فيهم، وليس بسبب وراثة الخطية الأصلية، حيث يقول:
”ولهذا السبب نفسه نُعمِّد حتى الأطفال، ولو أنهم بلا خطية، ولكن لكي ما ينالوا بقية العطايا من تقديس وبر واختبار للتبني والميراث حتى يشَّبوا إخوةً وأعضاءً، ويصيروا هيكلاً للروح“. [157]
كما يؤكد ذهبيّ الفم على حقيقة أنَّ نفوس الأطفال ليست شريرة مثلها مثل نفوس الأبرار. [158] ويشير ق. يوحنا إلى موت آدم في اليوم الذي آكل فيه الشجرة بحسب منطوق الحكم: ”لأنك يوم أنَّ تأكل منها موتًا تموت“ (تك2: 17)، ومع ذلك، بقا حيًا بالجسد، فكيف مات؟ إنه مات بمنطوق الحكم، وبطبيعة فعلته. لأنه جعل نفسه خاضعًا للعقوبة، فهو قائم إن لم يكن في الواقع الفعليّ، فعلى الأقل بمنطوق الحكم الواقع تحته. [159] يرفض ق. يوحنا وراثة الأبناء لذنوب الآباء الشخصية؛ لأنه من المستحيل إنْ أخطأ واحد يُعاقَب آخر بسببه، وبالتالي لا يمكن أن يُعاقَب أي شخص بسبب والديه، ولو سلَّمنا بهذا المبدأ فسنقبل أيضًا بالافتراض الآخر، وهو أنه قد أخطأ قبل ولادته. ويستشهد ق. يوحنا بآية (حز18: 2، 3) و (تث24: 16) ليدحض ذلك التعليم الخاطئ. [160] كما يُؤكِّد ق. يوحنا على خضوعنا لعقوبة الموت بسبب الخطية الأولى، لذلك لم يأت الروح القدس قبل انطلاق المسيح للسماء؛ لأنَّ اللعنة لم تكن قد رُفِعَت بعد، ولم تُغفَر الخطية الأولى، بل كل الناس كانوا لا يزالوا خاضعين تحت عقوبتها (أي الموت). وبالتالي ينبغي مُلاشاة العداوة، والتصالُّح مع الله، ثم نوال عطية الروح القدس. [161]
لذا يتحدث عالم الآبائيات جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) عن مفهوم الخطية الأصلية عند ق. يوحنا ذهبي الفم، موضحًا الاختلاف الشديد بين القديسين يوحنا ذهبيّ الفم وأوغسطينوس في مفهوم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:
”يشير ق. ذهبي الفم بالتفصيل في عظته «إلى المعمدين الجدد» Ad neophytos التي أعاد هايداشر اكتشافها إلى مفاعيل المعمودية قائلاً: «وبالتالي هل نعمد أيضًا الأطفال الصغار، بالرغم من أنهم ليس لديهم خطايا άμαρτήματα». وقد استخلص يوليانوس أسقف إكلانوم البيلاجيّ أن ق. ذهبي الفم قد أنكر الخطية الأصلية، ويرد ق. أوغسطينوس في (Contra Julianaum 1, 22) أن كلا من الجمع «خطايا» والسياق يثبتان أن ق. ذهبي الفم قد قصد الخطايا الشخصية propria peccata ويدعم حجته بثمان اقتباسات إضافية من أعمال أخرى للقديس يوحنا ذهبيّ الفم ليوضح بأنه قد علّم بوضوح بوجود الخطية الأصلية. ومع ذلك، ففي كل هذه الفقرات، لا يتطابق مفهوم ق. يوحنا ذهبي الفم تمامًا مع أفكار ومصطلحات ق. أوغسطينوس“. [162]
ويستطرد البروفيسور جوهانس كواستن في نفس السياق عن الفرق بين مفهوم ق. يوحنا ذهبي الفم ومفهوم ق. أوغسطينوس حول موضوع الخطية الجدية كالتالي:
”بالرغم من أن ق. ذهبي الفم يؤكد مرارًا وتكرارًا أن نتائج وعواقب خطية آدم لم تؤثر فقط على والدينا الأولين، ولكن أيضًا على نسلهما، إلا أنه لم يذكر صراحةً أن ذريتهم قد ورثوا الخطية نفسها، وأنها قد أصبحت موروثة في طبيعتهم. وهو يعلّق على (رو٥: ١٩) على سبيل المثال قائلاً: «ما هي المشكلة؟ هي القول إنه بمعصية واحد جُعل كثيرون خطاة. لأن المبدأ أنه حينما أخطأ (آدم) وأصبح فانيًا، فهؤلاء الذين من نسله يجب أن يكونوا كذلك، ليس شيئًا غريبًا. ولكن كيف يكون أنه بمعصيته (آدم) يصبح آخر (المسيح) خطية؟ لأنه في هذه الحالة، لا يستحق كهذا عقابًا، لأنه لم يصبح خاطئًا من نفسه. إذًا، ماذا تعني هنا كلمة «خطاة»؟ بالنسبة لي يبدو أنها تعني خاضعًا لحكم الدينونة ومحكومًا عليه بالموت» (Hom. 10 in Rom. 1. 2. 4, LFC)“. [163]
القديس كيرلس عمود الدين:
يدحض ق. كيرلس عمود الدين وراثة ذنوب الآباء للأبناء في سياق شرحه لآية (يو9 :2-3)، حيث يقول:
”وهو يدحض (أي المسيح) التعليم اليهوديَّ بقوله إنَّ الرجل لم يُولَد أعمى بسبب أي خطية سواء منه، أو من أجداده، ولا حتى من أبيه وأمه، وهو يطرح بعيدًا أيضًا حماقة الآخرين السخيفة؛ القائلين إنَّ النفوس تُخطِئ قبل وجودها في الجسد“. [164]
كما يشرح ق. كيرلس كيف نقل آدم اللعنة أي لعنة الفساد والموت إلى نسله من جراء مُخالفته، فيقول:
”بما أننا آتينا من (الطبيعة) الفاسدة، نحن وارثون لعنة آدم بهذه الطريقة. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية التي أُوصِيَ بها ذاك، لكن -كما قلت- لأنَّ الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة للأولاد الذين وَلدَهم؛ أي صرنا فانين من الفاني […] نستنتج إذًا، أنَّ اللعنة الجامعة والعامّة لِمُخالفة آدم هي الفساد والموت“. [165]
يُؤكِّد هنا ق. كيرلس على وراثة الفساد والموت من جراء مُخالفة آدم، ويرفض بشكلٍ واضح وراثة الذنب الشخصيَّ أو الأخلاقيّ من آدم إلى بنيه.
يسير ق. ساويرس الأنطاكيّ عَلى نفس خُطى ق. كيرلس الكبير، حيث يُؤكِّد على أنَّ الخطيئة ليس لها كيان، ولا تنتقل طبيعيًا بالتناسل من الآباء إلى أطفالهم، فيقول:
”ويترتب على كل هذا أنَّ خطيئة أولئك الذين أنجبونا؛ أي خطيئة آدم وحواء ليست مختلطة بالطبيعة مع كياننا (جوهرنا)، كمثل الرأي المُنحرِف والفاسد لجماعة المُصلِين، أو كقول غيرهم من المانيين، ولكن لأنهما فقدا نعمة الخلود بسبب الخطية والتعدي، ومن ثم فإنَّ الإدانة والأحكام قد بلغت إلينا، لذا فإنه وفقًا لقانون الطبيعة، فإننا نُولَد مائتين، باعتبار أننا وُلِدَنا من آبائنا مَائِتين، ولسنا خُطأة لأننا وُلِدَنا من آباء خَاطِئين. وذلك لأنَّ الخطية ليس لها كيان، ولا تنتقل طبيعيًا بالتناسُّل من الآباء إلى أطفالهم“. [166]
وبالتالي يتحدث البروفيسور لويس بيركهوف (لاهوتي بروتستانتي) عن مفهوم آباء الشرق اليونانيين للخطية الأصلية؛ الذي يختلف تمامًا عن المفهوم اللاتينيّ الغربيّ كالتالي:
”لقد تأثرت نظرتهم للخطية أولاً -على وجه التحديد- كثيرًا وبشكلٍ واسعٍ بمعارضتهم ومقاومتهم للغنوصية وتأكيدها على الحتمية المادية للشر؛ وإنكارها لحرية الإرادة. لقد ركزوا على حقيقة أن خلق آدم على صورة الله لم يؤثر في كماله الأخلاقيّ، بل في الكمال الأخلاقي لطبيعته فقط. يستطيع آدم أن يخطئ، ولقد فعل الخطية، وهكذا صار تحت سلطان إبليس؛ والموت؛ والفساد الشرير. لقد انتقل هذا الفساد المادي في الجنس البشريّ، ولكنه ليس الخطية نفسها، ولم يؤثر في الجنس البشريّ بالذنب. لا يوجد أي خطية أصلية بالمعنى الدقيق للكلمة. لم ينكروا اشتراك وتضامن الجنس البشريّ؛ بل اعترفوا بارتباطه المادي مع آدم. ويتعلق هذا الارتباط بالرغم من ذلك بالطبيعة المادية والحسية فقط؛ التي تنتقل بالولادة من الأب إلى الابن، ولا يتعلق بالجانب الأسمى والعاقل للطبيعة البشرية؛ الذي يكون في كل حالة هو خلق مباشر من الله. لم تمارس (الطبيعة) أي تأثير مباشر على الإرادة؛ بل تؤثر فقط على تلك (الإرادة) بشكل متوسط من خلال العقل، تنبع الخطية دائمًا من الاختيار الحر للإنسان؛ ونتيجة للضعف والجهل. وبالتبعية؛ لا يمكن اعتبار الأطفال مذنبين؛ لأنهم قد ورثوا فقط الفساد الماديّ“. [167]
البروفيسور لويس بيركهوف هو مِن أهم شُراح تاريخ العقيدة؛ الذين لهم وزنهم الكبير في العالم، ويؤكّد بكل حيادية وموضوعية على أنه لا يوجد ما يُسمى بـ ”وراثة الخطية الأصلية“ بمفهومها الغربيّ عند آباء الشرق اليونانيين.
سأستعرض أيضًا رأي واحد من أهم شُراح تاريخ العقيدة في العالم؛ وهو البروفيسور جوزيف تكسرون (ﻻهوتي كاثوليكي) عن اختلاف وجهة نظر آباء الشرق اليونانيين عن المفهوم اﻷوغسطينيّ في موضوع ”وراثة الخطية اﻷصلية أو الجدية“، حيث يقول التالي:
”من ناحية أخرى، أكّد مجمع أفسس في خطابه إلى البابا كلستينوس على الحرمان الذي أصدره زوسيموس ضد البيلاجيين (epist. XX,3, 6, PL., L, 518, 522)، وتبين هاتان الحقيقتان إنّ الشرقيين -منذ مجمع ديوبوليس- قد انتبهوا بعض الشيء إلى تلك المسألة، ولكننا بالرغم من ذلك، سنرى حالاً إنهم في العموم كانوا بعيدين جدًا عن المشاركة في آراء ق. أوغسطينوس“. [168]
يؤكد البروفيسور جوزيف تكسرون هنا على اختلاف اللاهوت الشرقي عن الغربي في موضوع ”وراثة الخطية الجدية“، بمعنى أن هذا الموضوع محسوم في اﻷوساط اﻷكاديمية، وأنه ليس ادعاءات من النيوباترستيك neo-patristics بحسب ادعاء البعض.
يكمل جوزيف تكسرون الحديث عن الفرق بين المفهومين الشرقيّ اليونانيّ والمفهوم الغربي اللاتينيّ حول موضوع ”الخطية الجدية“ وآثارها على الجنس البشريّ المنحدر من آدم قائلاً:
”ينطوي السقوط في النظرية اﻷوغسطينية واللاتينية عن الخطية اﻷصلية على مرحلتين ودرجتين، أو بكلمات أخرى، سقوطين مختلفين. حيث لم يرث أبناء آدم ببساطة المأسي المادية (الموت واﻷلم …إلخ) والمأسي اﻷخلاقية (الجهل والشهوة) التي هي عقوبات الخطية، بل يرثون الخطية نفسها: إنهم مولودون خطاةً، ﻷنه بالنسبة لهم، ﻻ يوجد سقوط فقط، بل ذنب أيضًا“. [169]
يؤكد جوزيف تكسرون هنا على أن أوغسطينوس واللاتين يؤمنون بوراثة الخطية نفسها، يعني يؤمنون بوراثة الذنب الشخصيّ ﻵدم.
ولكن يضيف البروفيسور جوزيف تكسرون عن اللاهوتيين اليونانيين قائلاً:
”ثم بناءً على هذه النقطة، ﻻ توجد أية صعوبة، بل إن نفس اللاهوتيين (اليونانيين) الذين يؤكدون بكل وضوح أننا نقاسي عقوبة خطية آدم، هم أقل تأكيدًا إلى حد بعيد جدًا في التشديد على أننا نرث تلك الخطية عينها“. [170]
يؤكد جوزيف تكسرون هنا أن اﻵباء اليونانيين ﻻ يؤمنون بوراثة الخطية اﻷصلية كما شدّدنا كثيرًا على ذلك مرارًا كثيرة. ثم يتحدث جوزيف تكسرون عن الكُتاب الانطاكيين في المدرسة اللاهوتية الأنطاكية قائلاً:
”الكُتاب الأنطاكيون -على وجه الخصوص- الذين كانوا مشغولين جدًا بدعم وتأييد حقوق وسلامة الطبيعة البشرية، ﻻ بد أنهم قد شعروا بالنفور أكثر من تبني وجهة النظر الأوغسطينية“. [171]
يؤكد البروفيسور جوزيف تكسرون هنا على أن اللاهوتيين الأنطاكيين قاوموا وعارضوا المفهوم الأوغسطينيّ حول ”وراثة الخطية الأصلية“ ويعتقد البعض أن المدرسة الأنطاكية كانت تؤمن بوراثة الخطية الأصلية كما شرحها أوغسطينوس، وهذا للأسف عكس منهجية تلك المدرسة في التشديد على عدم وراثة الخطية الأصلية.
القديس أوغسطينوس أسقف هيبو:
يتحدث ق. أوغسطينوس عن نتائج سقوط الإنسان، حيث يؤكّد على تعرض الإنسان لنوعين من الموت هما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية. [172] ويتحدث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وبرفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح. [173] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدث أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المُحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتح عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما. [174] كما يتحدث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومشابهة الله، وصولاً إلى مشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية. [175]
يشرح ق. أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المُدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ غاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المُحرَّمة. [176]
يتحدث ق. أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريَّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وقيَّد إبليس نسلهما جميعًا. [177] لقد صار البشر جميعًا أصلاً تحت سلطان إبليس أصلاً أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. وهذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان. [178]
يوضّح ق. أوغسطينوس أننا مُقيِّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة. [179] يُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أنَّ يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراويَة المُقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد. [180] يُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المُنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المُقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها لِلأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة. [181] كما يشير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المُقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ. [182] وهكذا يؤكد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريّ هو فعل إراديّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.
يتحدّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أنَّ يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن! [183] تتضح هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يوصي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يعطي إن كان الإنسان هو العامل إلا إذا كان يعطي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟! [184] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إن كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله متوسلاً. [185] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويكمل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.
يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون. [186] وهذا التعليم ضد صلاح الله. يورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويؤكد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم. [187] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو -الشيطان نفسه- لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة. [188] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليغير إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى. [189] كما يؤكد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم. [190] يتحدّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل. [191]
يتحدث ق. أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء. [192] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به. [193]
يتحدث ق. أوغسطينوس عن ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله! [194]
يوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صلبِ آدمِ عِندمَا أخطأ وأننا خَرَجنا مِن بذرة آدم المُشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية ”العلل البذرية“ الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، فيقول:
”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يمثلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطِيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أنَّ نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“. [195]
كمَا يُوضِّح أوغسطينوس سبب توارث الخطية الأصلية في موْضِع آخَر، فيَقولُ:
”لأنَّ اِسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأطفال“.[196]
يُؤكِّد القديس أوغسطينوس أيضًا في أكثر من موْضِع مِن كتاباته عَلى عدمِ دُخُولِ الأطفالِ الّذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:
”فهذا الذّنب الوَحيد فقطّ يُسري عَلى الكلّ بِما فيهِم ذلِك الطِّفل، ولِذلِك لا يُسمح له بِالدُّخول إلى ملكوت السّماوات ليْس لِأنّه غير مسيحيّ فقط، بل وحتى لأنه غير قادِر أنَ يَكُون مسيحيًا“. [198]
كما يعترف ق. أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، فيقول:
”كيْف أَمكِنَ لِهَذا الفساد أنَ يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنوضِح المسألة بِمِثل آخَر قد يقرُب المَعنّى: هل عدم أكل الطّعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا أنَّ الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنْسَانُ عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنَّ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“. [199]
نستعرض رأي البروفيسور أدولف فون هارناك Harnack (لاهوتي لوثري بروتستانتي) وهو أحد شراح العقيدة المسيحية المعتبرين في العالم؛ حيث يشرح المفهوم الأوغسطينيّ عن ”وراثة الخطية الأصلية“ كالتالي:
”رُسِم تعليم الخطية والسقوط والحالة الأولى من وجهة نظر النعمة الحرة والمسبقة، إنه يتبع تعليم النعمة؛ حيث أن الخطية تصف الجنس البشري كما هم موجودون حاليًا. تعلن الخطية عن نفسها بالأساس كوجود من دون الله (انعدام وجود الله Carentia dei) نقص إرادي في القدرة على الوجود والكينونة، والفشل في امتلاك معية الله أي انعدام الخير (Privatio boni)؛ وتمثل الخطية عدم ملازمة الله، وبالتالي يكون بالحقيقة المفهومان – المفهوم الميتافزيقي أن الخطية هي نقص الكينونة، والمفهوم الآخر الأخلاقي الذي هو نقص الصلاح- متطابقين كما نفكر فيهما؛ تمامًا كما عند فحص النعمة يتألف ويتفق دائمًا العنصران الميتافزيقي والأخلاقي الديني (أي إيجاد الوجود من العدم). تلك الخطية هي حالة: حيث تعجز الحتمية البائسة الرديئة عن الامتناع عن ممارسة الخطية. الحرية بمعنى «حرية الاختيار» لم تتلاشى تمامًا؛ بل الحرية التي مازالت موجودة دائمًا ما تقود إلى الخطية؛ وتلك الحالة هي الأكثر رهبةً وبغضةً بالتمام. حيث توجد معرفة محددة بالخير، بل وحتى رغبة ضعيفة له؛ ولكنها مستسلمة دائمًا. (نجد عند أوغسطينوس مسألتين هما: أن الخاطئ لا يريد الصلاح؛ وإنه مازال تحت تأثير حافز أعمى يسعى نحو النعم والبركات، بل وحتى نحو الخير، ولكن من دون الحصول عليهم أبدًا). الشيء الإيجابي، مع ذلك، أن حالة الخطية تعلن عن نفسها إنها بمثابة سلطان إبليس على البشر من خلال الكبرياء (الكبرياء هو الميل إلى اللا كينونة والعدم وهو دائمًا في نفس الوقت السعي نحو الاستقلالية والانفصال؛ ويعتبر شيئًا خاطئًا؛ وينتهي بلا نتيجة) والشهوة (الكبرياء هو شهوة النفس، بينما الشهوة هي بالأساس شهوة الجسد التي تسود على النفس؛ والتطور الداخلي للخطية من انعدام الخير إلى الجهل والشهوة والإثم والحزن والخوف واختيار الموت “أنظر الانخيريديون : ٢٣” وما كان يعتبره أوغسطينوس كثيرًا في الخطية هو المرض والجرح). ينتج من هذا الأساس إنه ينبغي خلاص الإنسان من الخارج بحيث يمكن مساعدته (عمل مسيح التاريخ هو بالأساس الخلاص من سلطان إبليس). الكبرياء هو فيما يتعلق بالله، وتبين الشهوة أن الإنسان خاطئ نفسًا وجسدًا؛ ومازال التأكيد إلى الآن يقع على الشهوة (يدخل هنا العنصر الجامع الشائع والمنتشر؛ ومازال يبرزه أوغسطينوس بالأكثر على الرغم من ذلك كما جاء في الانخيريديون: ١١٧). إنها الرغبة الدنيئة والشهوة الحسية التي تعلن عن نفسها فوق كل شيء في شهوة الجسد. تعلّمنا الحركة الجنسية المعتمدة على الإرادة أن الطبيعة فاسدة، ولكنها لم تصبح رذيلةً أو فسادًا؛ بل فاسدة natura vitiata. المقالات المنفرة جدًا عن الزواج والشهوة في الكتابات الجدلية ضد يوليان؛ كذلك أيضًا في مدينة الله: ١٤ هي -كما فهم الأخير (يوليان) حقًا- مستقلة بشدة عن مانوية أوغسطينوس: (أقتفى يوليان أثر النظرية التوالدية traducianism وأرجعها إلى المانوية see op.imperf.III. 172) علاوة على ذلك، تظهر المانوية بالفعل عند الحديث عن تعليم «الخلق من العدم» Ex nihilo كما لو كانت كيانًا شريرًا -وفي رأيي- لم تشرح الأفلاطونية المحدثة وحدها ذلك المفهوم؛ حيث لا يمكن إثبات الركيزة أعلاه بدقة (See Loofs, D. Gesch., 3Ed., p. 215) وليست المقالات بالتأكيد مجرد عمل في النسق الأوغسطيني؛ بل تخص محوره ومركزه. الصفة المميزة جدًا في نطاق النشاط الجنسي كانت – في رأيه- لا إرادية الحافز؛ ولكن بدلاً من استنتاج إنه لا يمكن أن يكون خاطئًا بالتالي – ولا ينبغي أن يكون ذلك هو الاستنتاج بالحفاظ على المبدأ القائل: كل خطية هي من الإرادة- يستنتج (أوغسطينوس) بالحري إنه هناك خطية خاصة بالطبيعة أي خاصة بالطبيعة الفاسدة، ولا تخص نطاق الإرادة. وتبعًا لذلك؛ يفهم الخطية على أنها متجذرة في الطبيعة بالتأكيد في الشكل الذي قد اتخذته؛ الخطية التي تنقل نفسها عن طريق الولادة في طبيعتنا، وإنه لمن السهل الآن إثبات إنه أثناء التفكير في الخطية الموروثة، كان ينظر بشكل رئيسي لتلك الخطية عينها أنها شهوة الإنجاب؛ ولكنه من غير العملي اقتباس تلك المادة هنا، وبالتالي فإنه من الواضح أن الخطية الموروثة هي أساس كل شر؛ وإنها في وضع مختلف تمامًا عن الخطايا الفعلية؛ لأنه في الخطية قد صارت الطبيعة شريرة؛ وتصيب الكيان بأكمله. ولكنه من الواضح أن هذه كانت رواية مجهولة في الكنيسة، ولابد من شرحها وتفسيرها بالرجوع إلى المانوية. لم يقصد أوغسطينوس بالطبع أن يكون مانويًا؛ إنه يميز بوضوح بين الفساد والطبيعة الفاسدة (الزواج والشهوة: ٣٦؛ op. imp. III. 188 etc., etc.,) لقد كان يحاول إدخال ”الإرادة“ حتى إلى الخطية الموروثة (الاستدراكات ١: ١٣: ٥) ولكن لم يتم التغلب ببساطة على الثنائية dualism بالاعتقاد أن الطبيعة قد صارت شريرة mala ومازالت تنقل نفسها بالتناسل كشر، والإرادة هي مجرد تأكيد. تقع الثنائية في الاعتقاد أن الأطفال لديهم خطية أصلية؛ لأن أبويهم قد أنجبوهم بالشهوة -ومن خلال هذا الاعتقاد الذي يتوقف على تعليم الخطية الأصلية (الزواج والشهوة ٢: ١٥)، وبالتالي المسيح لديه أيضًا عصمة من الخطية منسوبة إليه؛ لأنه لم يُولد من زواج (الانخيريديون ٤١: ٣٤)؛ وتصوّر أوغسطينوس الزواج الفردوسي في جنة عدن؛ حيث يُولد الأطفال بلا شهوة، أو كما يقول يوليان ساخرًا، بالاهتزاز من الأشجار. وكل ما يؤكده ويثبته هنا قد فهمه منذ زمن بعيد ماركيون والغنوسيون. حيث قد يكون المرء -في الحقيقة- فظًا جدًا وعاجزًا عن -أي من دون المانوية- الانسجام مع هذا الشعور؛ بل للتسليم به كما فعل أوغسطينوس من دون رفض الزواج بالتبعية- يمكن أن يحدث فقط في الوقت حينما كانت التعاليم مشوّشة في القرن الخامس. ولقد زاد أولئك بالحقيقة التشويش أكثر حتى الآن؛ الذين قد اعتقدوا إنهم يستطيعون الحفاظ على تعليم أوغسطينوس عن الخطية الموروثة، بينما يرفضون تعليمه بخصوص الشهوة. ولكن تاريخ العقيدة هو تاريخ المشوشات المتزايدة دائمًا والاختلافات الناجمة ليس عن الجهل فقط؛ بل وعن التناقضات أيضًا؛ لأن الكنيسة كانت قادرة بصعوبة فحسب على التخلي عن كل شيء موجود في التقليد. ويصعب القول أيضًا أن أوغسطينوس بنظريته قد عبّر ببساطة عن النزعة النسكية (قد ذهب چيروم في الحقيقة بعيدًا تمامًا في رفضه للزواج «أنظر مقالة ضد جوفينيان» See lib. Adv. Jovin.) لأن تلك كانت نزعة وليست نظرية. تقع النقطة المنطقية في تعليم أوغسطينوس في الدينونة التي يمر بها ابن الله في نفسه أي إنه يصير بائسًا من دون الله؛ وهذا البؤس هو الذنب، ولكن هذا التناقض الظاهريّ في رأي الإيمان ليس المفتاح لفهم التاريخ. وبالتالي فإنها (الطبيعة) تنقل الخطية بالولادة“. [200]
تفسير نص آية (رو5: 12)
نرى أيضًا أنه يُثار دائمًا أيضًا حول موضوع ”الخطية الجدية“ تفسير معنى نص آية (رو٥: ١٢):
“Wherefore, as by one man sin entered into the world, and death by sin; and so death passed upon all men, for that all have sinned”.
وسأورد النص اليوناني كالتالي:
“δια τουτο ωσπερ δι ενος ανθρωπου η αμαρτια εις τον κοσμον εισηλθεν και δια της αμαρτιας ο θανατος και ουτως εις παντας ανθρωπους ο θανατος διηλθεν “εφ ω” παντες ημαρτον”.
وسأورد النص اللاتيني بحسب الفولجاتا كالتالي:
“propterea sicut per unum hominem in hunc mundum peccatum intravit et per peccatum mors et ita in omnes homines mors pertransiit “in quo” omnes peccaverunt”.
ثم سأستعرض الآن تعليقات وآراء الباحثين والدارسين المعتبرين في العالم حول تفسير نص (رو٥: ١٢) واستخدام أوغسطينوس له ومن قِبله أمبروسياستير؛ الذي تأثر به أوغسطينوس في تعليمه حول ”وراثة الخطية الأصلية“ كالتالي:
يؤكد البروفيسور نورمان ويليامز N. P. Williams على ضعف الأساس الكتابي الذي ترتكز عليه رؤية ق. أوغسطينوس في تفسيره لنص (رو٥: ١٢)، حيث يقول التالي:
”حيث أن القارئ العادي يدرك أن النصوص الكتابية الخمسة التي يرتكز عليها مفهوم أوغسطينوس للخطية الأصلية ثلاثة منها على الأقل هي عبارة عن أخطاء في الترجمة اللاتينية الشعبية (Itala) الإيتالا التي كان يعتمد عليها ق. أوغسطينوس وكان دائم الشكاوى منها خاصةً في خطاباته المتبادلة مع جيروم وبالرجوع إلى التقليد نلاحظ أن أغلب الآباء الذين اعتمد عليهم أوغسطينوس في تفسيره كانوا غربيين“. [201]
كما يؤكد البروفيسور جون رايست J. M. Rist على ذلك قائلاً:
”لقد أسأ أوغسطينوس بصورة متكررة اقتباس الآيات من عند ق. بولس الرسول عن أثر الخطية على الجميع في آدم“. [202]
يتحدث البروفيسور جون كيلي J. Kelly عن أمبروسياستير الذي تأثر أوغسطينوس بعد ذلك به في تفسيره لنص (رو٥: ١٢) قائلاً:
”تعليم أمبروسياستير يستحق الملاحظة والتمعن فيه بشكل خاص ومحدد لأنه مبني على تفسير نص (رو٥: ١٢) الذي رغم ذلك خاطئ ويعتمد على قراءة خاطئة صارت المحور الأساسيّ لعقيدة الخطية الأصلية. يسير نص ق. بولس اليوناني كالتالي: وهكذا سار الموت إلى جميع البشر لأن έφ ώ الجميع ولكن الترجمة في النسخة اللاتينية القديمة التي استخدمها أمبروسياستير كانت تحتوي على ترجمة خاطئة كالتالي: فيه in quo أخطئ الجميع وبالتالي نجد تعليقه على نص (رو٥: ١٢) «فيه» أي في آدم أخطأ الجميع“. [203]
ويعلق البروفيسور جون كيلي في موضع آخر عن أوغسطينوس قائلاً:
”لقد وجد (أوغسطينوس) برهانًا كتابيًا عن الخطية الأصلية في (رو٥: ١٢) [حيث مثله مثل أمبروسياستير يقرأها فيه]“. [204]
كما يعلق البروفيسور جوزيف تكسرون J. Tixeront في نفس السياق قائلاً:
”لأنه «فيه» بعد التردد قليلاً لقد أشار (أوغسطينوس) بها إلى الإنسان لقد أصر دائمًا على ترجمتها «فيه» أي في آدم مهمِلاً المعنى الدقيق“. [205]
ويعلق البروفيسور جوزيف تكسرون في حاشية رقم ١٢٥ من ص ٤٦٣ على هذا الموضوع قائلاً:
”قُرائنا الآن يعرفون أن المفسّرين والمعلّقين لا يتفقون مع أوغسطينوس في هذه النقطة“.[206]
الخلاصة من ذلك، لقد اعتمد ق. أوغسطينوس على ترجمة خاطئة في إثبات مفهومه وطرحه وعقيدته حول وراثة الخطية الأصلية.
معمودية الأطفال
يُثار دائمًا حول موضوع ”وراثة الخطية الجدية“، ويرتبط به ارتباطًا كبيرًا موضوع سر ”المعمودية“، وبالأخص ”معمودية الأطفال“، ولماذا نعمِّد الأطفال رغم أنهم لم يفعلوا أي خطية أو ذنب فعليّ أو شخصيّ أخلاقيّ؟
يشرح ق. كيرلس الأورشليمي مفاعيل سر المعمودية في عظاته للموعوظين فيقول إن المعمودية فداء للأسرى ومغفرة للتعديات وموت الخطية والميلاد الثاني للنفس وثياب النور وختم مقدس لا ينحل مركبة إلى السماء وفرح الفردوس وعربون الملكوت ونعمة التبني فالمعمودية تعطينا عطية الروح القدس وهي أيضًا مثال كامل لآلام المسيح لأنها شركة آلام المسيح الحقيقية. [207] ولم يأت ق. كيرلس طوال عظاته للموعوظين على ذكر إزالة المعمودية للخطية الجدية الموروثة من آدم!
ويتحدث ق. يوحنا فم الذهب عن غاية ”معمودية الأطفال“ قائلاً:
”ولهذا السبب نفسه نعمَّد الأطفال ولو أنهم بلا خطية، ولكن لكي ما ينالوا بقية العطايا من تقديس وبر، واختبار للتبني، والميراث حتى يشَّبوا أخوة وأعضاء ويصيروا هيكلاً للروح“. [208]
يحدَّد ذهبي الفم هنا غاية معمودية الأطفال لنوال التقديس والبر واختبار التبني لله وميراث الحياة الأبدية ولكي يصيروا هيكلاً للروح القدس أعضاء في جسد المسيح الواحد (أي الكنيسة) ولم يتحدث عن إزالة الخطية الجدية من الأطفال بالمعمودية. يؤكد ق. يوحنا أيضًا أن العماد هو الصليب ما قد حدث بالنسبة للمسيح في الصلب والدفن يصنعه العماد معنا بنفس الطريقة. كما يؤكد ذهبي الفم على حقيقة أن نفوس الأطفال ليست شريرة مثلها مثل نفوس الأبرار. [209] ونجد ق. يوحنا في جميع عظاته للموعوظين الأثنى عشر لم يأت على ذكر إزالة المعمودية للشر الموروث من آدم بالخطية الجدية!
يتحدث ق. باسيليوس الكبير في كتابه ”المعمودية“ عن أن معمودية الماء هي مثال للصليب والموت والدفن والقيامة من الأموات؛ فالمعمودية تشمل عمل الخلاص كله في كافة أبعاده فهي التبرير والتقديس والخلق الجديد والتطهير والاغتسال والموت والدفن مع المسيح لأن المعمودية كافية للتجديد ولكن ما هو مطلوب هو الاستمرار في البقاء في إطار عمل الله في المعمودية. يقول ق. باسيليوس أن العماد ليس فقط دفن مع المسيح للاتحاد به بل هو أولاً صلب معه الأمر الذي ينبغي تعلمه أيضًا. ولكم أن تتخيلوا يا أحبائي إن ق. باسيليوس طوال كتابه عن ”المعمودية“ لم يأت أبدًا على ذكر أثر المعمودية في إزالة الخطية الأصلية الموروثة من آدم! [210]
كما يرفض ق. غريغوريوس النزينزي تأجيل الأمهات لمعمودية أطفالهن بحجة ضعف طبيعتهم بل يحثهن على معمودية الأطفال لنوال نعمة الثالوث القدوس كأفضل وقاية وحماية. [211] كما يتحدث ق. غريغوريوس عن الأطفال المعذورين في عدم معموديتهم لأسباب فوق العادة قائلاً:
”أما الأطفال والمعذورون في عدم معموديتهم (لأسباب فوق العادة) فهؤلاء ليس عليهم عقاب أمام القاضي العادل، كما أنه ليس لهم مجد وبهاء (بسبب حرمانهم من المعمودية). لأن مَنْ يشتهي المعمودية، ولم يحصل عليها لسبب ما، فكأنه حصل عليها، ولكن لماذا لا نحصل عليها فعلاً؟ ولأقل لك هذا: إذا كان يكفيك أن يكون عندك الشوق لكي تظهر فيك قوة المعمودية“. [212]
ويؤكد ق. غريغوريوس هنا على الحالة المتوسطة التي يظل فيها الطفل الذي يموت قبل المعمودية فهو لا يُعاقب من الله الديان العادل ولكنه لا يُمجّد في نفس الوقت وإنه بالرغم من ضرورة معمودية الأطفال ولكنه لوجود أسباب قهرية تمنع معمودية الأطفال (مثل الموت المبكر أو أي سبب آخر) فالرغبة في المعمودية تعادل الحصول عليها والشوق إلى المعمودية يكفي لظهور قوة المعمودية في المشتاق إليها. وعندما سُئل النزينزي عن معمودية الأطفال الذين لا يشعرون بنعمة المعمودية ولا بخسارتها أجاب بأنه يجب تعميدهم خصوصًا لو كان هناك خطر من الأخطار على حياتهم فمن الأفضل تعميدهم من غير أن يشعروا من أن يذهبوا من العالم غير مشاركين في سر النعمة والكمال المقدس عابرين وغير مختونين. [213] يشير ق. غريغوريوس إلى أنه ينبغي الإسراع في المعمودية والميرون للتخلص من الولادة الفاسدة وتنقية العقل المحرك للمشاعر والأحاسيس لأن الهدف من المعمودية هو التمتع بشفاء المسيح لنا من جراح الخطية والتحرر من عبودية إبليس ونوال لباس الخلود بعد لباس الموت. [214] لم يأت ق. غريغوريوس اللاهوتي على ذكر موضوع ”وراثة الخطية الجدية“ وإزالتها بالمعمودية في سياق حديثه عن مفاعيل وآثار سر المعمودية سواء على الأطفال أو الكبار. يتحدث ق. غريغوريوس أيضًا عن ثلاثة أنواع من الحياة السابقة للمعمدين قبل المعمودية وهم: الأول، كانوا غرباء تمامًا عن الله والخلاص وجربوا كل أنواع الرذائل وسعوا إليها ثم سعوا لبلوغ الصلاح بعد المعمودية والحفاظ عليه. الثاني، أنصاف أرذال يعيشون بين الفضيلة والرذيلة اقترفوا الشر ولكنهم لم يوفقوا ضمنًا على ما اقترفوه وهم يصيرون أفضل حالاً من النوع الأول بعد المعمودية. الثالث، كانوا أنقياء بطبيعتهم وسجيتهم والبعض منهم أنقياء بالجهاد الأخلاقي فهيأوا أنفسهم للمعمودية منقين أنفسهم فصاروا بعد المعمودية أرسخ في الفضيلة وأفضل من النوعين السابقين. [215] ونتساءل أيضًا لما لم يأت أي ذكر لموضوع إزالة الخطية الجدية الموروثة من آدم في خضم حديث ق. غريغوريوس عن المعمودية عامةً ومعمودية الأطفال خاصةً؟!
كما يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن مفاعيل المعمودية قائلاً:
”بل أن ذاك الذي تركت الخطايا أثارها عليه وتقسَّى وتوحش بسبب الأعمال الشريرة، نعيده بالمعمودية إلى براءة الطفولة مرة أخرى، أي كما أن الطفل بمجرد ولادته، هو خالي من أي ذنب يستوجب العقوبات، هكذا طفل الولادة الجديدة، فليس هناك ما يجعله يدافع به عن نفسه تجاه أي شر بعدما تخلَّص وتحرَّر بالنعمة الملوكية من كل ما يعرِّضه للمساءلة والحساب والعقاب“. [216]
ويشرح ق. غريغوريوس النيسي هنا إن الطفل ليس عليه عقوبة من خطية عند معموديته، بل هو خالي من أي ذنب يستوجب العقوبات ولكن المعمودية لازمة له من أجل الولادة الثانية والخلاص والتحرر بالنعمة. كما يرى ق. غريغوريوس أن الأطفال يُولدون بدون وباء الخطية لأن الطفل بريء ليس فيه مثل هذا الوباء قبل أن يغطي عين نفسه قياسها من النور وهكذا تستمر في الوجود في هذه الحياة الطبيعية ولا تحتاج إلى الصحة الآتية من التطهير لأنها لم تسمح أبدًا بدخول الوباء إلى نفسه مطلقًا. [217] كذلك يرى ق. غريغوريوس النيسي أن مصير الأطفال سيكون الملكوت حتى لو ماتوا مبكرًا قبل العماد لأنه في حالة الأطفال الذين يموتون مبكرًا لا يوجد أي شيء من هذا القبيل بل أنهم ينطلقون نحو نصيبهم من السعادة فورًا ولكنه يوضح أن الطفل الذي يموت بدون معمودية لن ينال نفس القسط من السعادة التي ينالها الرجل الناضج الذي قد نال العماد وكان بارًا طوال حياته رغم أن الاثنين قد يكونان بلا خطيئة أو ذنب لأنه ليس من العدل القول بأن الرجل والطفل يكونان في نفس الحالة على الرغم من أن كليهما قد يكون حرًا من أي اتصال أو احتكاك بالمرض بل على العكس على الرغم من غياب أي تأثير من المرض قد يُنسب إلى الاثنين إلا أن الاثنين متشابهان على حد السواء في كونهما بعيدين عن مدى تأثيره. [218] وهذا ما أكده ق. غريغوريوس النيسي في موضوع آخر حيث تخلو حياة الطفل من كل ميل شرير ولا يملك تمييز الخير والشر فكيف يُعاقب الطفل عوضًا عن الأب المذنب؟! الطفولة تجهل الشهوة كما يؤكد ق. غريغوريوس على عدم وراثة الابن لأي ذنب شخصي من الأب بل كل نفس تخطئ هي تموت الابن لا يحمل من إثم الأب والعكس صحيح (حز١٨: ٢٠). [219] وبالتالي أيضًا لم يأت ق. غريغوريوس النيسي على ذكر أي شر موروث من آدم تزيله المعمودية بل على العكس صرّح بدخول الطفل مباشرةً للملكوت لأنه بدون أي شر موروث أو فعليّ.
([1]) الأورفية: ديانة إغريقية سرية قديمة تركزت حول شخصية «أورفيوس» وهو بطل شبه أسطوريّ، وأكَّدت أن الروح جوهر إلهيّ، وأنها لا تبلغ إلى مرتبة الحقيقة إلا بعد مفارقتها للجسد، كما ذهبت إلى أن الأرواح تتناسخ متخذةً أشكالاً أعلى وأدنى تبعًا لأعمال صاحبها في الدنيا، وهي تزدري الجسد، وتمجد الحياة الأخرى، وتحث على النقاء الأخلاقي. أثرت الأورفية في الفيثاغورية، وأفلاطون، والغنوسية، والأفلاطونية المحدثة، كما ظهرت مكتشفات في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين توحي بوجود تقارب بين شذرات الأورفية وشذرات هيراقليطس.
([2]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص36، 37.
([3]) فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج1 (اليونان وروما)، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، إصدار المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، ص 66.
([4]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص67.
([5]) فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج1 (اليونان وروما)، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، إصدار المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، ص 167، 168.
([6]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص 111، 113.
([7]) فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج1 (اليونان وروما)، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، إصدار المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، ص 305، 306.
([8]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص 209.
([9]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص241.
([10]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص 251- 254.
([11]) فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج1 (اليونان وروما)، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، إصدار المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، ص 179- 181.
([12]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص 269، 270.
([13]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص273، 275.
([14]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص320.
([15]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، إصدار الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، طبعة 2017، ص 283، 284.
([16]) جيووايدنغرين، ماني والمانوية، ترجمة: د. سهيل ذكار، إصدار دار حسان للطباعة والنشر بسوريا، ص82.
([17]) Augustine, De peccator merit et remiss., III, 5: 1.
([18]) Liber Subnotationum, praefatio, 2; Cf. Augustine, De gratia Christ. Et de pecc. Orig., II, 3.
([19]) لقد درس القانون، وكان بحسب كلام ماريوس ميركاتور فصيح اللسان وبليغ بشكلٍ مذهلٍ (Liber Subnotationum praefatio, 4)، وكان ق. أوغسطينوس يميزه عن بيلاجيوس (De gratia Christi. Et de pecc. Orig., II, 13).
([20]) Contra Iulian, VI, 36.
([21]) P. L, V, XXI.
([22]) P. L, V, XXX also in V, XXXIII.
([23]) P. L, V, XIV also in V, XLVIII.
([24]) Julian ap. Augustine, Contra Iulian. Op. imperf., I, 78,79; Pelagius, Libell. Fidei, 13.
([25]) Augustine, De gratia Christi et de pecc. orig., I, 5.
([26]) Definitiones Caelestii apud Augustinum, De perfect. Iustitiae hominis, 4; Contra Iulian opus imperf., III, 110, 117.
([27]) Pelagius, ap. Augustine, De natura et gratia, 8; De gratia Christi et de pecc. Orig., I, 5; De gestis pelagii, 16; Etc.
([28]) De gratia Christi et de pecc. Orig., I, 5; De gestis pelagii, 16.
([29]) Ad Demetriadem, III, 7; De natura et gratia, 48.
([30]) Definitiones Caelestii, ap. Augustinum, De perfect. Iustitiae, II, 6; De gratia Christi et de pecc. Orig., II, 6; Contra Iulian op. imp., I, 48, VI, 21.
([31]) Definitiones Caelestii, ap. Augustinum, De perfect. Iustitiae, II.
([61]) د. سعيد حكيم، الآباء والعقيدة، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 198.
([62]) Julian, ap. Augustine, Contra Iulian, I, 29.
يمكن الرجوع في هذه النقطة إلى
Cf. Harnack Lehrb. Der DG, III, P.188; History of Dogma, Vol. 5, P.190, n. I.
والنصوص المقتبسة في المرجع السابق.
([63]) J. Tixeront, History of Dogmas Vol. II (From St. Athanasius to St. Augustine “318- 430”), Trans. By H. L. B., St. Louis, Mo., 1914, Pub. By B. Herder (London & U. S. A.), P. 432- 454.
([64]) د. سعيد حكيم، الآباء والعقيدة، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 196- 200.
([65]) القديس أثناسيوس، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، 3: 3، ص 8.
([66]) المرجع السابق، 3: 4، ص 9.
([67]) المرجع السابق، 4: 4، ص10، 11.
([68]) المرجع السابق، 4: 5، ص 11.
([69]) المرجع السابق، 4: 5، ص 11، 12.
([70]) المرجع السابق، 5: 1- 5، ص13، 14.
([71]) المرجع السابق، 6: 1- 3، ص15.
([72]) المرجع السابق، 6: 4- 6، ص16.
([73]) المرجع السابق، 11: 1، 2، ص28، 29.
([74]) المرجع السابق، 13: 1، ص 35.
([75]) المرجع السابق، 14: 4، ص 41.
([76]) المرجع السابق، 15: 2، ص 43.
([77]) المرجع السابق، 20: 2، ص 57.
([78]) القديس أثناسيوس، ضد الوثنيين، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، 2: 1، ص6.
([79]) المرجع السابق، 2: 3، ص 8.
([80]) المرجع السابق، 2: 3، ص 11، 12.
([81]) المرجع السابق، 4: 2، ص 13.
([82]) المرجع السابق، 4: 4، ص 14، 15.
([83]) المرجع السابق، 6: 1، 2، ص 18.
([84]) القديس أثناسيوس، ضد أبوليناريوس (تجسد ربنا يسوع المسيح)، تعريب: د. جورج حبيب بباوي، إصدار دار جذور للنشر والتوزيع بالقاهرة، طبعة 2016، 1: 12، ص39.
([85]) المرجع السابق، 1: 14، ص 43.
([86]) القديس أثناسيوس، ضد الوثنيين، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، 7: 3، ص 22.
([87]) J. Kelly, Early Christian Doctrines, Adam & Charles Black London, Fourth Edition (1968), P.347- 348.
([88]) Ibid, P. 349.
([89]) Ibid, P.350- 352.
([90]) J. Tixeront, History of Dogmas Vol. II (From St. Athanasius to St. Augustine “318- 430”), Trans. By H. L. B., St. Louis, Mo., 1914, Pub. By B. Herder (London & U. S. A.), P.140- 147.
([91]) القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، إعداد القمص تادرس يعقوب ملطي، إصدار كنيسة سبورتنج بالإسكندرية، طبعة ثانية 2006، مقالة 1: 2، ص53.
([122]) المرجع السابق، عظة على هامش الإنجيل، ص 127.
([123]) القديس باسيليوس الكبير، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. جورج عوض، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 19- 31.
([124]) المرجع السابق، ص 32، 33.
([125]) المرجع السابق، ص 34.
([126]) المرجع السابق، ص 34، 35.
([127]) المرجع السابق، ص 36.
([128]) المرجع السابق، ص 38- 40.
([129]) القديس باسيليوس الكبير، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، مقالة 2: 27 ومقالة 3: 2، ص182، 212.
([130]) القديس باسيليوس الكبير، الروح القدس، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، إصدار جذور للنشر والتوزيع بالقاهرة، 14: 31و 15: 35، ص 106- 111.
([132]) القديس باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 66- 152.
([133]) المرجع السابق، ص 171- 207.
([134]) القديس باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 22- 145.
([135]) المرجع السابق، ص 149- 151.
([136]) القديس غريغوريوس النيسي، شرح الصلاة الربانية، ترجمة: د. عصام زكي، تقديم: نيافة الأنبا غبريال، إصدار مكتبة المحبة بالقاهرة، 1: 1- 3، ص 25- 29.
([137]) المرجع السابق، 1: 5 و 2: 3، 4 و 3: 2، ص 39- 63.
([138]) المرجع السابق، 3: 4 و 4: 1، ص 67- 75.
([139]) المرجع السابق، 4: 2، ص 77، 78.
([140]) المرجع السابق، 4: 3، ص 80، 81.
([141]) المرجع السابق، 4: 3، 5، ص82- 88.
([142]) المرجع السابق، 5: 3، ص 100، 101.
([143]) المرجع السابق، 5: 3، 4، ص 101- 103.
([144]) المرجع السابق، 5: 5، ص 106.
([145]) القديس غريغوريوس النيسي، اعتمدنا لموته وقيامته (عظة عيد الأنوار)، ترجمة: د. سعيد حكيم، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 26.
([146]) Gregory of Nyssa, Early death of infants, NAPNF II, Vol. 5, Trans. By William Moore & Henry Austin Wilson, Edit by Henry Wace & Philip Schaff, T & T Clark, Edinburgh, Grand Rapids, Michigan P.698.
([147]) Ibid, P 699.
([148]) القديس غريغوريوس النيسي، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب يوحنا الفاخوري، إصدار المكتبة البولسية بلبنان، القسم الثاني، ص68.
([149]) القديس غريغوريوس النيسي، عن النفس والقيامة، ترجمة: د. عادل ذكري، إصدار دار رسالتنا بالقاهرة، 3: 30، 35، 44، 50، ص43- 48.
([150]) المرجع السابق، 10: 70، 71، ص 119.
([151]) القديس غريغوريوس النيسي، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب يوحنا الفاخوري، إصدار المكتبة البولسية بلبنان، القسم الثاني، ص 67.
([152]) المرجع السابق، ص130.
([153]) Gregory of Nyssa, Homilies on Ecclesiastes, Trans. By Stuart G. Hall & Rachel Moriarty, Edit. By Stuart G. Hall, De Gruyter, Berlin, New York (1993), 1: 12, P31- 145.
([154]) Ibid, 5: 4, 7: 26, P.31-145.
([155]) Ibid, 2: 7, P.31- 145.
([156]) القديس غريغوريوس النيسي، رسائل غريغوريوس النيسي (الرسالة إلى أوسطاثيا وأمبروسيا وبازيليسا)، ترجمة: الأب يوحنا الفاخوري، إصدار المكتبة البولسية بلبنان، ص 49.
([157]) القديس يوحنا ذهبي الفم، عظات على المعمودية، ترجمة: القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، 3: 6، ص 64.
([158]) القديس يوحنا ذهبي الفم، شرح إنجيل متى ج2، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، طبعة 1998، 28: 3، ص 51.
([159]) القديس يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، مراجعة: القمص يوحنا فوزي، إصدار مكتبة المحبة بالقاهرة، عظة 28، ص265.
([160]) القديس يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: راهب من برية شيهيت، مراجعة: القمص يوحنا فوزي، إصدار مكتبة المحبة بالقاهرة، عظة 56، ص99، 100.
([161]) القديس يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، مراجعة: القمص يوحنا فوزي، إصدار مكتبة المحبة بالقاهرة، عظة 78، ص 105.
[162]) جوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوجي“ مج ٣، ترجمة: الراهب غريغوريوس البراموسي ود. نادر مدحت، مراجعة: د. جوزيف موريس ود. عماد موريس، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي)، ص623، 624.
([164]) القديس كيرلس الإسكندري، تفسير إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، 6: 1، ص 654-655.
([165]) القديس كيرلس عمود الدين، ضد الذين يتصورون أن الله له هيئة بشرية، ترجمة: د. جورج عوض ابراهيم، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص.67، 68.
([166]) القديس ساويروس الأنطاكي، الخطية الجدية بحسب تعاليم القديس ساويرس الأنطاكي، ترجمة وتعليقات: د. جورج فرج، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، ص 45.
([167]) Berkhof, Louis, The History of christian doctrines – Anthropology of the Greek fathers, p.80.
[168] Tixeront, Joseph, History of dogmas vol.3 p198-199.
([169]) Ibid, p2oo.
([170]) Ibid, p201.
([171]) Ibid, p201.
([172]) القديس أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، 4: 3: 5، ص 250. القديس أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، دار المشرق بلبنان، 13: 23، ص143، 144.
([173]) القديس أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، 4: 13: 18، ص 271.
([174]) المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.
([175]) المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.
([176]) المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.
([177]) المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.
([178]) المرجع السابق، ص 533.
([179]) المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.
([180]) المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.
([181]) المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.
([182]) المرجع السابق، ص 548.
([183]) القديس أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، إصدار كنيسة سبورتنج بالإسكندرية، طبعة 1969، ص54.
([184]) المرجع السابق، ص 56.
([185]) المرجع السابق، ص 60.
([186]) المرجع السابق، ص 69.
([187]) المرجع السابق، ص 70.
([188]) المرجع السابق، ص 71.
([189]) المرجع السابق، ص 73.
([190])Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. By Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.
([191]) Ibid, P.184.
([192]) القديس أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، دار المشرق بلبنان، 5: 9، ص 235.
([193]) المرجع السابق، ص 236.
([194]) المرجع السابق، 9: 5، ص 427.
([195])القديس أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، دار المشرق بلبنان، 13: 14، ص 126.
([196]) القديس أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، 12: 5:5، ص 484.
([197])القديسين هيرونيموس وأوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، دار المشرق بلبنان، ص116.
([198]) القديس أوغسطينوس، الطبيعة والنعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، ص 17-18.
([199]) المرجع السابق، ص32-33.
[200] Harnack, A. V., History of dogma Vol. 5, Ch. IV, p 210-212.
([201]) The ideas of the fall and Original Sin, London 1927, P. 379.
([202]) Journal of Theological Studies XX 1969, P 430.
الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس عبد المسيح
الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب
(دراسة لاهوتية في اللاهوت اللاتيني والمدرسي حتى مجمع ترنت 1546م)
المقدمة
تُعد هذه الراسة هي الأولى من نوعها في مجال البحث الكنسي القبطي المعاصر، حيث تتناول هذه الدراسة موضوع الخطية الأصلية فيما بعد أوغسطينوس في الغرب اللاتيني.
وتحاول هذه الدراسة تتبع وتحليل مفهوم المعلمين الكنسيين الغربيين الذين جاءوا بعد أوغسطينوس للخطية الأصلية، وكيف انقسموا إلى فريقين، أحدهما مؤيد للرؤية الأوغسطينية والمفهوم الأوغسطيني للخطية الأصلية بكل ما يحمله من معاني ومفاهيم، وفريق آخر معارض للنظرة الأوغسطينية الصارمة للخطية الأصلية، وهذا الفريق بدأ ينحو نحو النصف بيلاجية في سبيل تخفيف النزعة الأوغسطينية الحادة والصارمة في تعليمه عن الخطية الأصلية.
وتناولت هذه الدراسة أيضًا مفهوم اللاهوت المدرسي للخطية الأصلية، والنعمة، وحرية الإرادة، ممثلاً في أعلامه أمثال: جون سكوت إريجينا، وأنسلم رئيس أساقفة كانتربري، وتوما الأكويني، وجون دنس سكوتس، وويليام أوكام.
وهكذا تُختتم هذه الدراسة باستعراض ما آل إليه التعليم عن الخطية الأصلية والنعمة في مجمع ترنت اللاتيني 1546م، وكيف مال المشاركون في هذا المجمع المسكوني الكاثوليكي إلى النظرة النصف بيلاجية عن النظرة الأوغسطينية الحادة للخطية الأصلية.
أصلي إلى إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح أن تكون هذه الدراسة سبب بركة واستفادة واستنارة لكثيرين، بصلوات وطلبات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات أبينا وراعينا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
د. أنطون جرجس عبد المسيح
القاهرة – نوفمبر 2022
الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب
لقد كان الدعم الذي تلقاه أوغسطينوس في الغرب، فيما يتعلق بعقائد العجز التام، والنعمة الجبرية، وسبق التعيين المطلق، أبعد عن أن يكون بالإجماع. ولم يذهب مجمع قرطاجنة العام أبعد من توضيح أن سقوط آدم هو الذي جلب الموت، وأنه ينبغي تعميد الأطفال من أجل مغفرة الخطية المستمدة من آدم، وأن النعمة تعمل داخل النفس معطيةً العون المطلوب لمنع الخطية، وأن الكمال بلا خطيئة صعب الوصول إليه في هذه الحياة.
وهكذا نما إلى علم أوغسطينوس في عام 426م أو 427م أن الرهبان في دير أدروميتم Adrumetum في شمال أفريقيا انقادوا إلى اليأس في بعض الحالات، وتحولوا في الحالات الأخرى إلى التساهُّل والتهاون مع الذات بسبب تعليمه عن العجز البشري والنعمة الجبرية. فأرسل إليهم كتابين من أجل إصلاح هذه الشرور.[1] حتى جيروم، الذي كان مؤيدًا للقضية الأوغسطينية، لم يتخل عن اعتقاده ببقاء الحرية في الإرادة، ولم يتبن حقيقةً عقائد الانتخاب المطلق والنعمة الجبرية.
وإنه لحقيقة بارزة في التاريخ العقيدي أن فينسنت الليرنزي Vincent of Lerins كتب كتابه (الأول) الجامع Commonitory (عام434م) على سبيل الاعتراض غير المباشر على آراء أوغسطينوس هذه، الذي أوضَّح فيه معايير العقيدة الكاثوليكية (الجامعة). وهكذا تم إعلان هذه المعايير بأنها تراثية وعالمية. ويساوي هذا القول بأن هذا هو الإيمان فقط، والعقيدة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية المقبولة دائمًا، في كل مكان ومن الجميع – Semper, ubique et ab omnibus.
وكان هيلاري، أسقف أرل Arles، من بين المعارضين الهادئين والمعتدلين، الذي قد عاش في دير ليرن Lerins. أما عن يوحنا كاسيان فقد كان من أبرز المعارضين. لأنه قد تعلَّم في الشرق، وكان مؤسس ومرشد دير مارسيليا. يرتبط اسمه بنوع من التعليم اللاهوتي الذي يُلقِّبه الباحثون باسم ”النصف بيلاجية“، ولكنه، كما قد قيل، قد يكون معروفًا أيضًا باسم ”النصف أوغسطينية“. حيث أعتقد بميل القلب إلى الخطية، والحاجة إلى عمل النعمة الداخلي، لأن الإنسان قاصر في نفسه.
ولكنه لم يعتقد بأن هذا الميل الموروث للشر هو ذنب بالمعنى الصحيح، بل أكَّد على القوة الباقية والفعل المتآزر للإرادة البشرية في التغيير، وبالتالي، أقر بسبق التعيين المشروط. نما تزايد هذه التحركات إلى علم بروسبر أسقف أكويتانيا Prosper of Aquitania وهيلاري آخر، علماني، فكتب أوغسطينوس مقالتين للدفاع عن آرائه.[2] وكتب هذان الصديقان في نفس الجانب، وهكذا استمر الجدال بعد نياحة أوغسطينوس. حيث أوضَّح بروسبر Prosper رأي أوغسطينوس بشأن سبق التعيين باعتدال دؤوب.
وكُتِبَ بنفس الروح عمل مجهول عن دعوة الأمم،[3] يُميِّز بين النعمة العامة والنعمة الخاصة -لقد كان العمل الأخير فقط مؤثرًا. وهناك عمل آخر مجهول بعنوان ”سبق التعيين“ Predestintus، يستعرض العقيدة بصورة أبسط، وربما قام بتأليفه نصف بيلاجي بمثابة كاريكاتير وجزء من الهجوم. لقد كان فاوستوس أسقف ريجيوم Faustus of Rhegium في النصف الأخير من القرن الخامس مُدافعًا قديرًا عن العقيدة النصف بيلاجية.
وهكذا تراجع أحد خصومه -كاهن اسمه لوسيديوس Lucidus، كان مدافعًا قويًا عن سبق التعيين- عن آرائه في مجمع أرل Arles عام 475م. كما هاجمت المقالة[4] التي كتبها فاوستوس بيلاجيوس (سبق التعيين) بنفس الطريقة، حيث وُصِفَ بأنه مُهلِك ومُضلِّل المدافعين عن سبق التعيين.
اندلع الجدال النصف بيلاجي من جديد عن طريق تشابك غريب للظروف. حيث كان هناك أساقفة من شمال أفريقيا منفيين في سردينيا Sardinia وكورسيكا Corsica، من بينهم فيلجينتيوس أسقف نوميديا Fulgentius of Numidia. وأشار بوسيسور Possessor -أسقف أفريقي- في عام 519م في مناظرة مع الرهبان السكيثيين Scythian فيما يتعلق بصيغتهم المؤلمة لله Theopaschite، إلى فاوستوس كمرجعية في صفه أثناء النقاش.
لذا سعى الرهبان إلى حكم ضد أرثوذكسية عمله، ولم ينالوا موافقة هورميسداس Hormisdas أسقف روما (عام 514-553م)، فتحولوا إلى الأساقفة المنفيين. وهكذا دُفِعَ فيلجينتيوس إلى تأليف سلسلة من الكتب للدفاع عن سبق التعيين الأوغسطيني.
ظهر آخرون من نفس الجانب في جنوب غالة Gaul، بما فيهم قيصريوس أسقف أرل Caesarius of Arles، على الرغم من ذلك، لم يُعارِض مجمع فالنس Valence في عام 529م الرأي النصف بيلاجي. ولكن بمناسبة تدشين كنيسة عام 529م في أورانج Orange بمقاطعة أرل، وافق مجمع مُكوَّن من أربعة عشر أسقفًا، بما فيهم قيصريوس، على مجموعة أقوال مُقتبَسة من أوغسطينوس وبروسبر، واعتنقوا عقيدة إضافية.
حيث أكَّد المجمع على ضرورة النعمة المانعة (الوقائية)، وضرورة النعمة في كل مرحلة من مراحل تجديد النفس، وأكَّدوا على أن النعمة غير المُستحَقة تسبق الأعمال الصالحة، وأن الصلاح كله، بما في ذلك محبة الله، هو نعمة إلهية، وأنه حتى الإنسان غير الساقط بحاجة إلى النعمة. ولم ينكروا فقط سبق التعيين للخطية، بل وعدم وجود تأكيد على الانتخاب المطلق أو النعمة الجبرية. علاوة على ذلك، يُقال عن الإرادة الحرة أنها ”ضعفت“ في آدم، ويتم تجديدها بنعمة المعمودية.
إذًا، العقيدة هي عقيدة مضادة للبيلاجية، ويبدو واضحًا حرمان العقائد النصف بيلاجية جزئيًا فقط. وهكذا صادق الأسقف الروماني بونيفاس الثاني Boniface II على ذلك.[5]
بعد مجمع أورانج Orange،[6] أصبحت النظرية الأوغسطينية عن الطبيعة البشرية -على الرغم من رفضها في الشرق- لفترة من الزمن التعليم المقبول في الكنيسة الغربية، ولكنها -كما قد رأينا-[7] لم تحظى بالقبول التام، ولم يتم التمسك بها كليةً، حتى من أولئك الذين أدَّعوا بأنهم من أتباعها ومؤيديها.
الحقيقة أن الجزء العملي (التطبيقي) من أنثروبولوجيته، أي ذلك الجزء الذي تناول فساد الجنس البشري، وعمل النعمة في تجديدها، قَبِلَه وعلَّم به آباء القرنين الخامس والسادس الأكثر تقوى، مثل: ليو (لاون)،[8] وغريغوريوس،[9] وآباء القرنين الثامن والتاسع، مثل: بيدا[10] Bede، وألكوين[11] Alcuin، بينما الجزء التأملي الذي تناول تعليم سبق التعيين (الاختيار) تم التغاضي عنه وتجاوزه غالبًا في صمت.
حيث نتج عن جهود السلطات الكنسية للتخفيف من حدة مبادئ أوغسطينوس، والتراجع العام في الرغبة والقدرة على الاشتباك، أو استيعاب المشكلات المنطقية والتأملية، القبول العام للاهوت أخف في النبرة، وبعيد تمامًا عن الأوغسطينية الجامدة المتشددة، الذي أصبح أكثر أو أقل تطابقًا مع الموقف الشبه بيلاجي.
في الواقع، اجتذبت النصف بيلاجية Semi-pelagianism دائمًا فئة هائلة من العقول، ليس فقط بسبب سمتها الأقل تأملاً بوضوح، وصمتها فيما يتعلق بالأجزاء الأكثر صعوبةً من تعاليم الخطية الأصلية، وحرية الإرادة، بل وأيضًا بسبب مقاومتها للنظرية الأوغسطينية عن سبق التعيين (الاختيار)، وبسبب تمهيدها للتعليم عن التجديد بعنصر التآزر (السينرجيا) Synergism البشري والجهاد العملي.
ولكن على الرغم من الإحلال التدريجي للأوغسطينية بالنظرية شبه البيلاجية عن التجديد التآزري (التعاوني) Synergistic ورؤيتها الأقل حدةً عن الشر الموروث، ولكنها هدأت حتى عصر الإصلاح، إلا أنه كان هناك بعض الأشخاص أثناء الفترة المدرسية الذين دافعوا عنها [أي عن الأوغسطينية] بكل حدتها المتطرفة. لقد كان هؤلاء في الأساس هم جوتشالك[12] Gottschalk، وبطرس اللمباردي[13] Peter Lombard، وبيدا Bede، وأنسلم[14] Anselm، وبرنارد[15] Bernard، والأكويني Aquinas.
وأثناء انتصار آراء أوغسطينوس في الغرب، كان من المفهوم ضمنيًا أن نظريته عن سبق التعيين ذهبت بعيدًا جدًا، لذا تغاضى مجمع أورانج Orange عن هذا التعليم في صمت. بل يمكن اعتبار هذه الطريقة في تناول التعبير غير المقنع عن علاقة الله بالإنسان أنها طريقة نهائية، وهكذا أرجأت ببساطة البحث والبت في المشكلة إلى وقتٍ لاحقٍ.
جوتشالك Gottschalk ومقاومة هينسمار Hincmar لآرائه عن سبق التعيين في مجمع كويرسي Quiercy
اندلع الجدال من جديد في القرن التاسع. جوتشالك هو راهب غالي Gallican، كان تلميذًا مخلصًا لكتابات أوغسطينوس، وكان أول مَن جلب هذه المشكلة المبهمة والصعبة إلى الصدارة مجددًا بإقراره لتعليم سبق التعيين (الاختيار) بكل حماسته وطاقته قدر استطاعته. ولكنه كان رجلاً عنيدًا ذا آراء ضيقة وطاقة محدودة.
أكَّد بشدة بعد خبرة شخصية ليست بأقل من خبرة أوغسطينوس على عقيدة سبق التعيين بكل ما أؤتي من قوة وثبات، بعد حياة ماجنة، ولكنه أهمل تمامًا جميع الجوانب الأخرى الأساسية والموازية لتعليم أوغسطينوس، وحصر نفسه في هذه السمة التي أعطاها اهتمامًا خاصًا.
وفي حماسه لعقيدة سبق التعيين، ذهب جوتشالك إلى لغة أبعد من اللغة المعتادة التي سمحت الكنيسة بها في هذا الصدد، والتي كانت أن الأبرار سبق تعيينهم مسبقًا، بينما الأشرار مجرد معروفين مسبقًا، ولكنه استخدم مصطلح ”المعيَّنين مسبقًا“ على الفئتين معًا، وهكذا مهَّد الطريق لنظرية سبق التعيين المزدوج duplex praedestinatio، أي النظرية القائلة بإشارة سبق تعيين الحياة بصورة منطقية أيضًا إلى سبق تعيين الموت، وأصبه هذا الأمر الركيزة الأساسية في الخلاف.
وهكذا تمثل الأسس الخمسة التالية تعبيرات جوتشالك عن العقائد الأساسية كالتالي:
قبل كل الأزمنة، وقبل أن يخلق الله أي شيء، سبق الله فعيَّن للحياة الأبدية أولئك الذين أرادوا ذلك، وأولئك الذين أرادوا عكس ذلك سبق فعينهم للهلاك.
يستحيل خلاص أولئك الذين سبق تعيينهم للهلاك، ويستحيل هلاك أولئك الذين سبق تعيينهم للحياة الأبدية.
لا يريد الله خلاص جميع البشر، بل يريد فقط خلاص أولئك الذين في طريق الخلاص، وبالتالي، عندما يقول الرسول: ”الذي يريد ان الجميع يخلصون“، يقصد جميع أولئك، وأولئك فقط، الذين في طريقهم إلى الخلاص.
لم يأت المسيح ليخلص جميع البشر، ولم يأت ليتألم من أجل الجميع، بل فقط من أجل أولئك الراسخين في طريق الخلاص بسر آلامه.
لا يمكن لأي أحد منا بعد سقوط الإنسان الأول بإرادته الحرة، أن يستخدم إرادته الحرة لعمل الصلاح، بل لعمل الشر فقط.[16]
تناول وأدار الجدال هينسمار[17] Hincmar رئيس أساقفة رييم Rheims من ناحية، وريمجيوس Remigius رئيس أساقفة ليون Lyons من ناحية أخرى، وعلى الرغم من إثارة الجدل بشدة لمدة سنتين (849- 850م)، إلا أن النتيجة كانت بعيدة كل البعد عن أن تكون مرضية أو حاسمة، جزئيًا بحكم الحالة الضعيفة للعلم اللاهوتي والميتافزيقي (ما وراء الطبيعة) آنذاك..
كما أخفق المجادلون في الوصول إلى جذر المشكلة، وكانوا مهتمين فقط بمجر نقاش ولغو صوتي، وجزئيًا أيضًا بسبب عزوف أنصاف البيلاجيين الغاليين تمامًا عن تقديم تنازلات فيما يخص العقيدة، مما قد تسبب في مثل هذا الاستياء في الماضي، والذي صمتت عنه المجامع، لأن الأوغسطينيين كانوا رافضين لأي تغيير في صيغهم ومصطلحاتهم، أو التزحزح قيد أنملة عن حدة آرائهم.
ونتيجة لذلك، على حد قول موزلي Mozley،[18] لم يقدم هذا الجدل مادةً أكثر قيمةً للباحث اللاهوتي. ومع ذلك، أول شيء يُصدِّره -على الرغم من أنه يستحيل القول بأنه قد قام بتسوية النقطة بصورة مرضية- أنه لفت انتباه الكنيسة في الأخير إلى السؤال حول هل يمكن تطبيق سبق التعيين على معاقبة الأشرار، وهل يمكن الحديث حقًا عن سبق تعيين البشر للموت.
وهكذا أحضر هينسمار Hincmar جوتشالك في عام 849م أمام المجمع في كويرسي Quiercy، الذي حرم وأدان آرائه، وأصدر إعلانًا مضادًا بتعليم يحصر سبق التعيين للخير فقط، ويؤكد على أنه عندما يتعلق الأمر بالشر، فهناك فقط العلم السابق في دائرة الله. وبالتالي، تم الإقرار بسبق التعيين للحياة، وتم رفض سبق التعيين للعقاب. وميَّز هينسمار Hincmar بين حياة الإنسان في حالته الآثمة، التي ستكون نتيجتها الحتمية هي العقوبة، وبين سبق تعيينه إلى هذه العقوبة.
سكوتس إريجينا Scotus Erigena ومجمع كويرسي Quiercy الثاني
جاءت المحاولة الوحيدة المبنية على حجة علمية والمساهمة القوية الوحيدة في الفكر اللاهوتي أثناء هذا الجدل من سكوتس إريجينا[19] Scotus Erigena، الذي دخل القوائم بدعوة من هينسمار، وكتب مؤلفًا ضد جوتشالك وأنصاره. حيث أقام حجته على الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، ونادى باستحالة التمييز بين سبق التعيين وسبق العلم، لأنهما واحد ونفس الشيء، وأنه لا يمكن في الله إلا أن يكونا واحدًا، ولكنهما يتعلقان بالخير فقط، ولا يتعلقان بالشر، وأن هذا الشر هو مجرَّد عدم أو سلب (الخير).
فلا يمكن لله أن يتوقع أو يفرض شيء لا وجود له. فالخطية -كما علَّم أوغسطينوس نفسه- هي مجرَّد انتفاء الصلاح، والعقوبة هي انعدام المسرة؛ وبالتالي، يستحيل وجود سبق تعيين أو سبق معرفة بهذه السوالب (العوادم). وهكذا أنكر سكوتس بهذه الطريقة بناءً على أسس علمية سبق التعيين المزدوج الذي نادى به جوتشالك وريمجيوس Remigius.
وبالتالي، أصدر مجمع كويرسي Quiercy الثاني في عام 853م أربع قرارات غالبًا نصف بيلاجية في لغتها، ورفض سبق التعيين المزدوج، وأكد على التجديد الكامل لحرية الإرادة بنعمة المسيح.
وكانت فحوى القرارات هي كالتالي: (1) يسقط الإنسان بسبب سوء استخدامه لإرادته الحرة.
(2) أختار الله بعلمه المسبق البعض الذين بنعمته، سبق فعينهم للحياة، والحياة لهم.
(3) أما بالنسبة لهؤلاء الذين تركهم بحكمه الصائب في حالتهم الضالة، لم يسبق أن عيَّنهم للهلاك.
(4) فُقِدَت حرية الإرادة بالسقوط، ولكن تمت استعادتها في المسيح.
(5) هناك حرية إرادة للخير، إذا ساندتها وحصَّنتها النعمة، علاوة على وجود حرية إرادة الشر، إذا فارقتها النعمة.
(6) أخيرًا، يريد الله خلاص جميع البشر، وقد تألم المسيح لأجل الجميع، لذلك هلاك هؤلاء الهالكين هو بسبب خطيتهم فقط.
وعلى الرغم من إضافة هذا المجمع برئاسة هينسمار فقرة خاصة[20] تفيد بإمكانية الحديث فقط عن سبق التعيين الأحادي، المتعلق سواء بعطية النعمة، أو بالقصاص العادل، إلا أنه بعد ذلك بقليل، سوف نجد أن هينسمار نفسه يكتب مقالة أعترف فيها بسبق التعيين المزدوج، بمعنى أنه بينما يتم سبق تعيين الأبرار للحياة، والحياة هي لهم، ويتم سبق تعيين العقوبة للفاسقين، إلا أنه لا يتم سبق تعيينهم مسبقًا له [أي للهلاك]. فهم مجرد محرومين من الله.
وهكذا توقف الجدال بهذا العمل، ومات جوتشالك بعد حالة مزرية جدًا في السجن في عام 869م، متمسكًا بعقيدة سبق التعيين للموت حتى النهاية، على الرغم من حرمان هذا التعليم الآن كتعليم هرطوقي. وهكذا انتهت الكنيسة اللاتينية من هذه النقطة -على الرغم من الحفاظ على اسم أوغسطينوس في أعلى مكانة- عامةً بواحدة أو اثنين من الردود الجديرة بالملاحظة إلى الموقف النصف بيلاجي.
أنسلم الكانتربري ومحاولة إرساء ”اللاهوت الطبيعي“
لم يكن هناك أية مساهمة إيجابية حتى القرن 11 من أجل الدفاع عن الأنثروبولوجي [التعليم عن الإنسان] الأوغسطيني؛ الذي فَقَدَ مصداقيته إلى حد ما، ولهذا نتحوّل إلى أنسلم، الذي كان رئيس الأساقفة لإيبارشية كانتربري غير المعروفة آنذاك. فلم تنجب الكنيسة منذ زمن أوغسطينوس نفسه معلمًا بمثل هذه السماحة والقوة مثل أنسلم، أو إنسانًا كان تأثيره على العصور اللاحقة تأثيرًا كبيرًا كذلك.
لقد وُصِفَ بأنه مؤسس ”اللاهوت الطبيعي“، الذي نفهم منه بأنه اللاهوت الذي حاول دعم الأرثوذكسية بمساعدة الفكر الفلسفي. لذا من الأفضل تلخيص بإيجاز قدر المستطاع محاولات أنسلم من أجل حل ميتافزيقي (فوق الطبيعة) للمشاكل الصعبة حول الخطية والإرادة الحرة. إنه من الصعب تمييز آراء أنسلم في موضوع الخطية الأصلية عن آراء أوغسطينوس.
ولكنه يمتلك بعض المميزات الخاصة به هو شخصيًا. فعلى سبيل المثال، يشير إلى أن خطايا الأجداد الآخرين غير آدم لا يمكن إلصاقها بذريتهم؛ لأنه لم يرتكبها إنسان يُمثِّل أو يحوي في ذاته كل الطبيعة البشرية. علاوة على أن خطايا آدم الشخصية اللاحقة لا نشترك فيها كذنب إضافي خاص بنا، ولا تؤثر في النسل إلا في كونها نماذج أخرى للخطية العامة (خطية الجنس) التي قد ارتكبها، بينما لا يزال ممثلاً عن البشرية كلها. بل تُنسَب هذه الخطية فقط إلى جميع البشر، والتي قد ارتكبها البشر جميعًا.
التمييز بين الفرد والجنس كنظرية للخطية الأصلية عند أنسلم
يسعى أنسلم أيضًا بلا شك إلى توضيح العلاقة الوثيقة بين الفرد والجنس، ولإثبات أهمية هذه العلاقة لأي نقاش حول لزوم الخطية، وتخصيص الذنب. فآدم لم يخطئ كفرد واحد فقط، بل كجد للجنس البشري كله. لقد كان نسله موجودًا فيه، ليس كأفراد كثيرين مميزين، بل بجوهرهم [أي بطبيعتهم]، سواء الروحي والجسدي، كانوا كامنين وموجودين فيه بذريًا، وطبيعتهم مساوية لطبيعته في الجوهر. لذا أفسدت خطية آدم -على الرغم من أنها تعدي فردي (شخصي)- الطبيعة البشرية كلها، التي كانت لا تزال كامنة وموجودة فيه.
لذا أفسد الفرد بفعله الواحد الجنس؛ لأن الجنس كان في ذلك الوقت موجودًا ومتضمنًا في الفرد. ولكن تعمل العملية العكسية في نسل آدم. وهنا يُفسِد الجنس الفرد. ولا يمكن أن يهرب الفرد المولود في العالم من الفساد الشامل؛ بسبب فساد وانحراف الطبيعة التي يشترك فيها بالضرورة، ولا يمكنه بسبب هذا الانحراف تجنب ممارسة الخطية كفرد. وهكذا يؤكد أنسلم بهذه الطريقة على حتمية الخطية الفعلية في الفرد، ولم يضع الله على عاتقه هذه الحتمية، بل اشترك بعلاقته الحتمية في الجنس الخاطئ الذي يُعتبر أحد أعضائه.
وبالتالي، للإيجاز، يوضح أنسلم أنه كما في حالة آدم، أفسدت المعصية الفردية أو الخطية الفعلية الطبيعة، وصارت مسئولةً عن الخطية الأصلية، كذلك في حالة النسل، تُفسِد خطية الطبيعة الفرد، وهي مسئولة عن المعصية الفردية أو الخطية الفعلية. وينتج عن ذلك، أنه في حالة آدم، يقع ذنب الطبيعة؛ أي ذنب الخطية الأصلية، على عاتق ذنب الفعل الفردي، ولكن في حالة النسل، يقع ذنب الفعل الفردي حقًا على عاتق ذنب الطبيعة، أو الخطية الأصلية. وهكذا قد أفسد آدم بفعل إرادته الخاصة الطبيعة البشرية، وجلب على نسله جميعًا الميل للخطية.
ويقع ذنب نشأة تلوث (دنس) هذا الجنس صراحةً على تعدي آدم الفردي (الشخصي). ولكن يقع أبناء آدم في حالة مختلفة عن والدهم الأول. فنحن جميعًا أعضاء فرديين في الطبيعة البشرية المشتركة (العامة)، ولكن لا يمثل أي أحد منا الطبيعة البشرية ككل، ولا يحتوي أي أحد منا على الطبيعة ككل في ذاته. لذا خطايانا الفردية هي مجرد مظاهر وتعابير عن الفساد الموروث. إنهم نتيجة الخطية الأصلية والولادة من طبيعتنا الملوثة (الدنسة).
لذا ذنب الخطية الفعلية يمكن إلى حد ما محوه وإزالته من الفرد، ويُوضَع على عاتق طبيعتنا البشرية المشتركة (العامة). بمعنى آخر، لا ينبغي البحث عن مصدر وأصل الخطية الفعلية في الحياة أو الخبرة الفردية، بل في وحدة الجنس في آدم. فالفرد فاسد بسبب الطبيعة التي نشترك فيها ونأخذها من آدم. ونتيجة لذلك، يقع ذنب الفرد -الواقع تحت الحتمية الوخيمة لممارسة الخطية- على عاتق ذنب الطبيعة، ولكن يشترك الفرد حقًا في ذلك، كما أكد أنسلم بالفعل.
وبالتالي، من الواضح أن مصدر الخطية الأصلية في نظام أنسلم هو الوجود في الوحدة الأصلية للجنس البشري. وهكذا قد نشأت الخطية -بصفتها أساس شرير- منذ بداية التاريخ الإنساني. وبالتالي، لو تم إنكار الوجود التاريخي لآدم وحواء، ورفض تعليم السقوط المُفسَّر حرفيًا، فحينئذ تسقط كل نظرية أنسلم عن الخطية الأصلية الموروثة على الأرض. حيث تشير الخطية الأصلية بالنسبة له إلى نائب أصلي، ولا بد أن يكون هذا النائب الأصلي إنسانًا واحدًا، يحوي في ذاته الجنس البشري كله غير المتأقنم (المشخصن)، والطبيعة البشرية كلها دون توزيع (تخصيص).
وهكذا تُرِكَ التغيُّر في الطبيعة الأخلاقية الناشئة بسبب انحراف آدم ورائه كميراث لا مفر منه، يُسلَّم من جيل إلى جيل. وبالتالي، لا بد أن يُولَد الفرد بالخطية؛ لأنه مولود من الطبيعة البشرية، وبسبب انتقال الخطية الأصلية من الأب إلى الابن تمامًا مع جميع الخصائص الأخرى الثابتة في الطبيعة البشرية، متدفقةً في تيار لا ينقطع عبر جميع البشر -ما عدا في حالة ربنا [يسوع المسيح] فقط الذي حُفِظَ بمعزل عن سلوك الولادة الطبيعية بسبب ميلاده المعجزي وغير الطبيعي.
نظرية أنسلم عن حرية الإرادة
يتم التعبير عن آراء أنسلم بخصوص هذا الموضوع في مقالته ”عن حرية الإرادة“ De Libero Arbitrio،[21] التي تأخذ شكل حوار بينه هو شخصيًا وبين تلميذه. وهكذا يبدأ بمناقشة معنى حرية الإرادة. حيث يوضح التعريف القديم[22] أن حرية الإرادة تتمثل في ”القدرة على ممارسة الخطية وعدم ممارسة الخطية“، فيصرح [أنسلم] أن هذا التعريف غير كافٍ تمامًا، على أساس أنه يمنع الحرية الأخلاقية عن الله وعن الملائكة، الذين لا يستطيعون ممارسة الخطية في الوقت الحالي.
فلا تمثل القدرة على ارتكاب الخطية الحرية: بل على العكس، إذا كانت هذه القدرة مرتبطة بالإرادة، فلا بد من أنها تحدَّ بالضرورة من حريتها، طالما أن استحالة فقدان الشيء تعطي حرية في امتلاك هذا الشيء بشكل أكبر منه عندما توجد إمكانية فقدانه.
ولكن إذا كانت القدرة على ممارسة الخطية لا تمثل جوهر الحرية، فلا يمكن أن تكون الخطية حتمية -لأنه يستحيل وجود طريق وسط بين الفعل الإرادي والفعل الإجباري. لا، لا ينبغي اعتبار الخطية أنها حتمية، بل إنها مجرد إمكانية. لقد كانت إمكانية، ولم تكن أكثر من ذلك سواء مع الملائكة الأشرار، كما كانت مع آدم. وبالتالي، لقد كان لديهم القدرة على فقدان حالتهم المقدسة، تمامًا مثلما يمتلك الرجل الغني القدرة على التخلي عن ثرواته، ولكنه من الخطأ الاعتقاد بأنهم يفقدون حريتهم تمامًا بفعل ذلك.
بل من الحقيقي أن الإنسان قد صار عبدًا للخطية، ولكنه لم يفقد قدرة الإرادة خاصته. فلازالت إرادته موجودة، وتظل كل خطية مُرتكَبة فعلاً إراديًا للإرادة. ولكن هل يمكن الحديث عن الإنسان بصفته نائبًا إراديًا؟ أليس مُجبرًا على الخطية بسبب القدرة الهائلة للشهوة على الإرادة، وبسبب ضعف إرادته بواسطة الخطية الأصلية؟ لا، ليست حقيقة؛ لأن الله أعطى الإنسان القدرة الكاملة للحفاظ على حالة البر الأصلية خاصته، إنْ أراد فعل ذلك، واستخدم هذه القوة.
فحقيقة فقدانه لبره الأصلي قد جعلت الإنسان بطريقة ما تحت ذنب حتمية ممارسة الخطية، ولكن هذا الشيء مختلف عن القول بأنه نائب إرادي. وبالتالي، يُميِّز أنسلم لتوضيح ذلك بين قدرة الإرادة وفعل الإرادة. فالسابقة هي الوسيلة، والأخيرة هي مجرد استخدام الوسيلة. لأن الإرادة كقوة لا تُقهَر. ولا يمكن أن تصير خاطئة ضد اختيارها. فمن ناحية أخرى، نحن نجد عادةً باستخدامها أن الإرادة مسلوبة القوة بسبب سوء استخدام القوة (الملكة) الأصلية. وبالتالي، يمكن أن تكون الإرادة مُستعبَدة وحرة في نفس الوقت.
ولكن لا ينشأ استعبادها من عملية الخلق، بل فقط من حقيقة أنها حرمت نفسها من الرباط الأصلي للبر. وهكذا لا تُغيِّر حقيقة أنها الآن لا تستطيع أن تساعد على ارتكاب الخطية، حقيقة عدم وجود ضرورة لها بسبب فقدانها لقداستها الأولى، وإنْ كانت لم تقم بفعل ذلك، فبالتالي لن يمكنها الاستمرار بسهولة في الطريق السليم، وليست مُجبَرة بأي شكل من الأشكال عليه. ولكنها لازالت بمعنى ما إرادية، لأن الإنسان يعجز عن ارتكاب الخطية؛ إنْ كان الفعل مصنوعًا ضد إرادته. فالغواية ليست أكثر جبرًا مما يكون عمل الروح القدس فينا.
وبالتالي، يشير أنسلم هنا إلى أن النهاية الحقيقية وغاية الإرادة ليست في الاختيار بين الخير والشر بلا مبالاة، بل اختيار الخير فقط. فالله قصد أن يريد الإنسان فعل الصواب، وليس أي شيء آخر. ولهذا السبب، أعطى الخالق الإنسان البر الأصلي بدلاً من إعطاءه مجرَّد شخصية محايدة أو عديمة اللون. لم يكن من المتوقع أن يُوجِد الإنسان الصلاح: بل كان عليه مجرد قبوله والحفاظ عليه. ولكن بما أنه قد خُلِقَ قديسًا، فبالتالي لم يكن هناك استحقاق أكثر في صلاحه. لأن هذا يمكن اكتسابه فقط عن طريق شيء ما كان هو نفسه صانعه.
وبالتالي، إمكانية فقدان حالة البر هذه كانت كائنة داخل قوته، لكي ما يفوز بالحفاظ عليها عن طريق الفعل الإرادي بالمديح الذي يتبع فقط فعل التقرير الذاتي. لذا من الخطأ القول بأن قصد الخالق من جهة الإنسان هو أنه ينبغي عليه امتلاك الاختيار بين الخير والشر، وهكذا تشكَّلت حرية إرادته في هذا الاختيار. فالهوى ليس حريةً. بل قصد الله أن يريد الإنسان اختيار الصواب، أو بالأحرى، الحفاظ على هذه الحالة المقدسة التي خُلِقَ بها؛ أي يجب عليه امتلاك حرية إرادة البر.
ولكن إنْ كانت حرية الإرادة كامنة بالكامل في الإنسان، وليست فرضًا عليه، فلا بد من وجود احتمالية طريق بديل؛ أي حرية إرادة ممارسة الخطية. ولكن يتم إثبات أن هذا الطريق كان مجرد إمكانية، وليس شيئًا أكثر من ذلك في الحالة، من خلال حقيقة أن الإنسان باختياره هذا البديل كان عليه اختراع الخطية.
فالخطية لم تكن استمرارية، بل تدشين (بداية) للحالة. لقد كان على الإنسان أن يصبح مخترع الخطية. حيث تُثبِت حقيقة أنه فعل ذلك، أن اختيار الخطية كان عملاً (نشاطًا) ذاتيًا. لقد كانت [الخطية] إرادية تمامًا. لا بل الأكثر من ذلك، لقد كانت انحراف إرادي عن المسار والمصير الذي كان في قصد الله للجنس البشري.
لذا يحاول أنسلم أيضًا التمييز بين الطواعية والحرية. حيث يقول إن الحرية الحقيقية هي اختيار الخير وليس الشر. يمكن للإنسان اختيار فعل الشر طواعيةً (إراديًا)، ولكن إنْ فعل ذلك، فإنه بذلك يتوقف عن أن يكون حرًا بالحقيقة. أما إذا استمر في البر، فيكون بذلك مريدًا وحرًا، وعندما يترك الطريق السليم، فيكون بذلك مريدًا، ولكنه لم يُعد حرًا فيما بعد.
علاقة الله بالخطية في نظام أنسلم هي مجرَّد أمر من السماح. فالعلاقة السببية الإلهية الوحيدة فيما يتعلق بمصدرها هي الحقيقة السلبية بعدم منع الله لها. لأن منعها من جانبه سيكون بمثابة القضاء على حرية الإرادة في الإنسان، وجعله فاعلاً لا إراديًا (مُسيَّرًا)، آلة تسير على الدوام في طريق واحد، لأنها لا تستطيع مساعدته. وهكذا يكون حق تقرير المصير في هذه الحالة غير موجود في الطبيعة البشرية، وهكذا يكون العزم الذاتي للإنسان نحو الصواب هو الشيء الوحيد الذي قصده وأراده الله للجنس البشري فوق جميع الأشياء الأخرى.
وبالتالي الملاحظة الأساسية في أنثروبولوجية أنسلم هي مصطلح ”إرادي“. لقد كانت الخطية الأصلية هي تخلي إرادي عن البر الأصلي بسبب الإرادة الذاتية للطبيعة البشرية، ولكنها لازالت حتى الآن موجودة في آدم، ومازالت غير متأقنمة (مشخصنة) حتى الآن. فالخطية الفعلية هي التكرار الإرادي لاختيار الشر هذا بسبب الإرادة الذاتية للطبيعة البشرية المُوزَّعة والمتأقنمة (المشخصنة). وبالتالي كل عملية من أولها إلى أخرها هي عملية إرادية.
وهكذا يستمر أنسلم بالنظر إلى أصل ومصدر الخطية بفحص طبيعتها. وهنا يتخلى عن آراء السابقين عليه، ويرفض الرأي القائل بأن الخطية هي عدم أو سلب. لقد علَّم سكوتس إريجينا Scotus Erigena، مثله مثل أوغسطينوس، بأن الخطية هي انعدام الصلاح. ولكن يعزو أنسلم إليها وجودًا إيجابيًا، بل ويُعرِّفها بطريقة جديدة نوعًا ما.
حيث تتمثل الخطية بالنسبة له في إهانة الله. لقد كان هناك الكثير من النقاش حول إدخال أنسلم لكرامة الله في اللاهوت. فما الذي يقصده بقوله إن الإنسان الخاطئ يسرق من الله كرامته Deum exhonorat؟ يقصد أنه عندما نخطئ، فإننا نقوم بأكثر من مجرَّد التعدي على قانون أو مبدأ: بل نحن نجرح شخص؛ نحن نسيء إلى الله. فالذي لا يستطيع تسديد دَّين الحياة المقدسة لله؛ أي الكرامة التي من حقه، فإنه يسلب من الله شيء ما خاص به. ويمكننا الحديث عن إنسان كهذا بأنه يسيء حقًا إلى الله.
ولكن يذهب أنسلم إلى أبعد من ذلك. فالخطية في ضوء ذلك عبارة عن شيء يطلب الله ترضيةً لأجله. لأنه قد تم التعدي على كرامته. وقد تم ارتكاب جريمة في حقه. العدل يطالب، والعناية الإلهية تطالب بتقديم التعويض. وبالتالي هذا هو رأي أنسلم عن الطبيعة النيابية (البدلية) للكفارة. ولأنه ينبغي العقاب على الخطية، لذا تألم المسيح بدلاً عن الخطأة. ولقد كان تقديم ذبيحته وسيلةً لإرضاء الله الذي أؤسِيَ إليه بشدة. لذا موت المسيح هو بديل عن عقوبة الإنسان كترضية تامة عن الخطية.
نقد نظرية أنسلم
يُعد أنسلم شخصية مهمة جدًا في تاريخ الفكر المسيحي، لذا يستحق لبعض الوقت أن نذكر ما يبدو أنه مميزات وعيوب نظريته.
ميزتها الأساسية هي امتلاكها للإحساس الشديد والعميق بخطورة الخطية. لم يستنكف أنسلم أبدًا من الإصرار على جسامتها. لقد أعتقد الناس في عصره أن الجميع كانوا في حالة جيدة، إذ قُدِّمَت ترضيةً عن الخطية. واعتقدوا أنه بإمكانهم القيام بذلك من دون جهد مضني للغاية. حتى أنهم اعتقدوا أنه بإمكانهم في بعض الحالات دفع الآخرين لتقديم الترضية عنهم.
ولكن الميل في يومنا هذا للتفكير في الترضية هو أمر غير مجدي. لأن العصر الذي احتضن العلم الطبيعي لا يميل إلى التقليل من جسامة الخطية -التقليل من شأنها إلى حد الوراثة، وإلى الظروف المحيطة، وإلى الدوافع الطبيعية، التي سوف تتفاقم في الوقت المناسب، وتصبح غير مهمة للغاية على كل حال.
يعود إلى أنسلم الفضل في التعريف بأن الخطية تخلق مساءلة غير محدودة، ينبغي مواجهتها بترضية غير محدودة، ولن يكون من الجرأة الشديدة القول بأنه لا يوجد تعريف عن الخطية يُعبِّر عن خطورتها وعن طبيعة الحالة البائسة الناتجة عنها يكفي حقيقة الخطية؛ لأنها تظل واضحة في الضمير المسيحي. وهكذا يقف العهد الجديد ويقين كل إنسان مُفكِّر في مواجهة جميع هذه الآراء الناقصة داعمًا لأنسلم في قوله: ”لا يمكن التفكير في ثمن ثقل الخطية“ “Nondum considerasti quanti: ponderis sit peccatum”.
الميزة الأخرى لأنسلم هي معالجته للسؤال المزعج عن حرية الإرادة بمثل هذه الطريقة التي يمكن بها تجنب ممارسة العنف سواء إلى قداسة الله، أو إلى حقيقة الشر. بمعنى آخر، إنه أول لاهوتي يحاول حل مشكلة الثيؤديسيا Theodicy [أي الدفاع عن الله وتبرئته من فعل الشر]، على الرغم من ذلك، قد يكون حله غير مقنع تمامًا، ولا يشمل الخلفية الكاملة.
تنهار ثيؤديسيه [أي دفاعه وتبرئته لله عن فعل الشر] بسبب فشله في تفسير سماح الله بالشر في العالم بصورة مقنعة، وتفويضه للقوة على جعله حقيقيًا، كما هو الحال أيضًا في تمييزه المصطنع جدًا بين ما هو ”حر“، وما هو ”إرادي“. وهكذا يُثبِت الفشل الواضح لمربط الفرس هذا أن الحل الحقيقي لمشكلة الشر لا يمكن إيجاده مطلقًا على طول هذه السياقات.
وهناك عيب لايزال خطيرًا للغاية في نظام أنسلم ألا وهو إحيائه للنظريات الأوغسطينية القديمة الفاقدة للمصداقية. لأنه إنْ كان آدم موجودًا قبل السقوط في حالة البر الأصلي، فيتعذر تفسير خطيته. وبالتالي تبتعد هذه النظرية كثيرًا جدًا عن تبيان أو تفسير أصل الخطية، لدرجة أنها ببساطة تُبعِده إلى الوراء أكثر، وتجعل من الصعب اكتشافه. لذا كان المدرسيون اللاحقون أكثر قربًا في الحقيقة، بل ويقتربون أكثر من الآراء الحديثة في وصفهم لحالة آدم الأولى كسالب أو محايد، واعتباره قادرًا على التحول سواء في اتجاه الخير أو الشر.
كما تُعتبر نظرية أنسلم عن الخطية الأصلية غير منطقية أيضًا من ناحية التفاوت الواضح الذي تعتقد بوجوده بين معصية آدم الأولى والمعاصي التالية له هو شخصيًا، وللبشر الآخرين. حيث تُثبِت تجربة الحياة أن المخالفة الأولى، على الرغم من أنها قد تكون فاصلة، إلا أنها أقل فداحةً من التكرارات اللاحقة. وهكذا يوضح أنسلم أن الأمر في حالة آدم لم يكن أكبر فقط، بل أكبر إلى درجة غير محدودة ومفجعة على الإطلاق في نتائجه.
إذًا، مرةً أخرى، لقد ناقشنا مغالطة الربط بين الخطية الأصلية والذنب الشخصي في الفصل السابق. وبالتالي أية محاولة للربط بين الجنس البشري ورأسه هي محاولة خيالية تمامًا، وعند الحكم عليها بحكم المنطق السليم، فلا بد من أنها ستكون ناقصة. فالذنب يمكن التكهن فقط بأنه فعل إرادي وفردي واحد. ولكن مازال أنسلم يذهب إلى أبعد من ذلك بشأن عدم الإقرار بأن الخطية الأصلية تشمل كل إنسان في ذنبه الشخصي فقط، بل أن الذنب الموروث كذلك أيضًا أعظم من الذنب المترتب على الخطية الفعلية.
عيب آخر عند أنسلم هو معالجته لموضوع الكفارة معتمدًا فقط على موت المسيح، وكأنه شيء منفصل عن حياته ومثاله القدوس -رأي لا يمكن إثباته. أمَّا فيما يتعلق بموت المسيح كبديل وتعويض عن عقوبة الخطية، فإنه ينسب بذلك التعسف والاستبداد لتعامل الله مع الإنسان، الذي يُعد شيئًا بشعًا بالنسبة لمفهومنا عن العدل.
نقد آخر ينبغي إقراره عن إشارة أنسلم المتكررة إلى الخطية كجريمة مُوجَّهة لكرامة الله. قد تكون كذلك، إذا كنا نعتقد حقًا بأن مثل هذا الفكر يمكن أن يدخل على الإطلاق إلى قلب الآب في السماء، فلا يوجد إله آخر صار معروفًا لدينا إلا في المسيح. يُضخِّم أنسلم تمامًا بحسب ذهنية عصره من تسامي الله، إنْ كان في الواقع يُضخِّم حقًا منه لدرجة أنه يَعتبره واقفًا في وضع الحاجة إلى تبرئته والدفاع عنه. لقد علَّم المسيح عن المحايثة (الملازمة) الإلهية، أو بكلمات أخرى، المحبة الإلهية. فالخطية تُحزِن، ولكنها لا تُحزِن الله.
عندما يضع أنسلم أصل الخطية بالكامل في الإنسان، فيبدو أنه قد نسى أن كل فرد لا يبدأ بمجرد اختيار الفعل، بل يبدأ بمثل هذه الظروف، الخارجية والداخلية، إذ يجعل هذا الاختيار اختيارًا صعبًا للغاية. فلماذا يضع الله في مثل هذا الموقف الخطير؟ لأنه لنفس السبب، يرسل الأب المحب ابنه إلى المدرسة، حيث يوجد خطر محدق دائمًا من أنه قد يتعلم الشر بدلاً من الخير. وهكذا يفعل الله ذلك -مثلما يفعل الأب- لأنه لا توجد طريقة أخرى يمكن للابن بها اختيار الخير بدلاً من الشر إلا بالوقوف في موقف يمكنه فيه اختيار الشر بدلاً من الخير.
توما الأكويني (1227- 1274 م)
اللاهوتي التالي الذي صنع تطورًا حقيقيًا نحو فهم التعليم عن الخطية كان توما الأكويني، الذي -كونه دارسًا متعمقًا للفلسفة- طبَّق تعليم أرسطو على المسيحية، وأسس نظرية عن الطبيعة البشرية مبنية على نسق الفيلسوف الأخلاقي اليوناني العظيم. لقد كان إسهامه في اللاهوت متقدم بشكل مميز عن أي شيء آخر قد تحقق من قبله.
ولكن، للأسف، كان الأكويني عاجزًا عن إزاحة نفسه بحرية متحررًا من قيود الأوغسطينية، وقيَّد بحثه من البداية بتأسيس نظامه الجديد معتمدًا على تعليم الأب الأفريقي الكبير بكل حدته الصارمة. لذا أخفق بسبب محاولته مع المستحيل. وأخفق بسبب سعيه للمصالحة بين رأيين في الطبيعة البشرية متناقضين ومتضاربين في الأساس.
ولكن إنجاز الأكويني كان يستحق الجدارة، وبسبب هذه الميزة، أصبحت الخلاصة Summa دليلاً لكثيرين من لاهوتي العصر الوسيط، ويمكن القول بأنها تعكس الفكر اللاهوتي في العصور الوسطى. لذلك، في البداية، تحتاج آرائه عن موضوع الخطية للفحص.
توما الأكويني والخطية الأصلية
العائق الكبير الذي ينبغي على كل نظام أنثروبولوجي مواجهته في البداية هو موضوع أصل الشر. وهكذا يعطي الأكويني ثلاث شروحات معقولة عنه. الشرح الأول هو السماح بالشر عن طريق التضاد والتباين لإبراز الخير كأفضل ميزة، ولجعله مقدَّرًا كما ينبغي أن يكون.[23] وإنْ كان من الحقيقي أن المكاسب الصالحة في قيمتها تعود إلى وجود الشر في العالم، إذًا، لا بد أنه من المقبول أن يكون الشر جزءًا ضروريًا في نظام الكون، ويصعُب التخلص منه.
وهذا حدس (توقع) ملحوظ جدًا للرؤية النشوئية عن الشر، ولكن ينبغي علينا تأجيل مناقشة هذا الأمر إلى الفصل التالي. الشرح الثاني مبني على ضرورة وحتمية التنوع. لأنه من الضروري وجود طبائع مختلفة في العالم. ويتطلب قانون التنوع المنظور عبر العالم المرئي ذلك. لذا يجعل تمايز الطبائع من الضروري أن يكون البعض أكثر نبلاً من الآخرين، وأن يمتلك البعض إرادة أفضل وأقوى من الآخرين، باختصار، أن يكون البعض أقوياء بالشكل الكافي لفعل الصواب بغض النظر عن كل إغراء لأي شيء آخر.
ونجد أن هذا الرأي مرتبط بالرأي السابق. لأنه سيكون أكثر وضوحًا إذا تم التعبير عنه من وجهة نظر التطور. حيث يحتاج التطور إلى النقص في مراحله الأولى، النقص الذي -كما يزعم الأسقف بتلر Butler-[24] يمكن فقط ظهور المُبرِّر منه عند وصول المُخطَّط إلى ذروة اكتماله. حيث يؤدي التطور أيضًا إلى التنوع -إنه قانون التنوع نفسه الذي أدرك الأكويني وجوده في الكون، بالرغم من جهله طبعًا بالسبب العلمي لهذا التنوع.
التفسير الثالث الذي قدَّمه الأكويني مبني على نظرية أوغسطينوس بأن الشر هو سلبي. كلاهما في هذا الشأن يتبعان الفلسفة اليونانية التي دخلت لأول مرة إلى اللاهوت الغربي من خلال الفلسفة الأفلاطونية المحدثة السكندرية. فالله هو مصدر الوجود كله. والشر هو عدم: انفصال عن الوجود الحقيقي. وبالتالي يبقى الشر بعيدًا جدًا عن أن يكون له أصل في الله، بل هو انفصال عن الله، وارتداد عن مشيئته وغايته. وبالتالي، يكون الشر خارج مقولة الجوهر، فهو لا كيان، أو بمعنى ما، لا شيء (عدم).
يستمر الأكويني أيضًا في إثبات أن هناك جانبان ينبغي اعتبار أن الشر فيهما لا شيء (عدم). أولهما، إنه عدم بمعنى النفي أو السلب التام، وإنه عدم في المقام الثاني بمعنى الفقدان أو الحرمان. فالشر هو انعدام أو انتفاء الصورة (الهيئة). إنه نقص الفعل. إنه الفشل في عمل القصد الذي كان من المقصود للإنسان فعله. إنه الفشل في الحفاظ على ذلك المصير الذي صُمِّمَ الكائن الأخلاقي لأجله. فعلى سبيل المثال، كما أن الشر في حالة الملح هو فقدان (انعدام) الملوحة، كذلك الشر في حالة الإرادة هو انعدام العمل الطبيعي الصحيح للإرادة.
وهكذا بدا هذا البرهان للأكويني عند تطبيقه على أصل الشر أنه حل مقنع للمشكلة. فالذي ليس له وجود، ليس له علة، وذاك الذي ليس له علة، يستحيل إيعازه للعلة الكونية العامة. لذا لا يمكن إرجاع الشر إلى الإرادة العلية في الله.
وكان هذا البرهان مُستمدًا من كُتَّاب سابقين، ولكن تفسير عودة اعتماده إلى الأكويني هو تداركه للإجابة المدعومة من فلسفة التطور بعد ذلك بأزمنة كثيرة. الشر هو سلبي (نفي) بمعنى أنه نشوء الفشل في جزء من الإنسان عن فعل الصواب. إنه ليس بكيانٍ؛ إنه عدم.
توما الأكويني وحرية الإرادة
أكد الأكويني على أن الله هو العلة الأولى للإرادة،[25] وأنها كانت مستمدة منه باعتباره العلة الكونية العظمى التي تحرك جميع الأشياء، وتمنح جميع الأشياء طبيعتها المميزة. وفيما يحرك الله الأشياء غير الحية بالعلل الضرورية؛ أي بالعلل الخارجية والنهائية، فإنه يحرك الأشياء الأخرى بالعلل العرضية (المشروطة)؛ أي العلل التي لم يُؤسِّسها الله، بل تعتمد على عنصر ما وسيط. لذا تتحرك الإرادة عن طريق الحركة الإرادية لصاحبها. فالإنسان سيد إرادته، ويحركها للعمل، أو يمتنع عن تحريكها للعمل كما يشأ.
فيبدو من هذه الفقرة أن الأكويني في طريقه للتحرر من عقيدة الحتمية (الجبرية). حيث يعترف بأن الإنسان في فئة مختلفة من الطبيعة، وتميل إرادته إلى الحرية. وهكذا لا يُلام الأكويني بسبب عدم اهتمامه بالموضوع أكثر من ذلك.
والمفاجأة أنه تقدم بالحري بقدر ما في استطاعته فعله، ونأى بنفسه من الانحراف في جوانب كثيرة جدًا عن الأوغسطينية، التي لا بد أنها كانت مؤثرة على عقول العلماء في العصور الوسطى، والذي من الصعب الآن تحديد مفهومه الكامل. لذا يشيد الجميع بالأكويني بسبب تأكيده الجريء على الحرية الإنسانية بالرغم من خطر اتهامه بالميول البيلاجية.
ثم يطرح الأكويني نفسه بعد ذلك السؤال: لماذا توجد النعمة في بعض الناس لمساعدة الإرادة، بينما لا توجد في البعض الآخر. وهنا يعود الأكويني مجددًا إلى موقف أوغسطينوس القديم، بأن ضعف الإرادة لم يكن خطأ فردي، بل خطأ الجنس كله. فلا يقصد الأكويني بذلك أن الإنسان بعيدًا عن اللوم.
بل تقع المسئولية على الإنسان، لأنه طالما الإنسان على كل حال هو كائن مريد، ويمتلك إرادة، على الرغم من أنها ليست إلا إرادة ضعيفة، لذلك فهو يستحق المدح أو اللوم. ولكن السبب الحقيقي وراء زوال النعمة -عندما تكون زائلة- هو نقص الرغبة في النعمة في الفرد بسبب فساد الطبيعة البشرية بواسطة خطية آدم.
إنه من الصعب علينا رؤية الأكويني يذهب إلى أكثر مما فعل بسبب تمسُّكه بالتفسير الحرفي لرواية التكوين. لقد حافظ على المسئولية الفردية بقدر جرأته.
توما الأكويني والنعمة
يمكننا رؤية الميل الفلسفي للأكويني بكل وضوح في تعليمه عن النعمة. حيث يبدأ بالتعليم الأوغسطيني عن النعمة المانعة (الوقائية)، التي لا تعتمد في عطيتها الأولى ولا في استمرارها على أي عمل من إرادة الإنسان، فيدمج مع ذلك التعليم الأرسطي عن ”العادات“، مؤكدًا على أن الله منح الصلاح في صورة عادة، وهكذا يميز بين النعمة العادية والنعمة الفعلية.[26] فالمقصود بـ ”العادة“ هو الانحياز أو الميل إلى الفعل بطريقة محددة.
وهكذا يتناول الأكويني موضوع ”العادات المغروسة“، ويقسمها إلى نوعين: (1) العادات المكتسبة بالطبيعة عن طريق الولادة، (2) والعادات المكتسبة بعد الولادة من الله. النوع الأول، يتمثل في العادات الطبيعية، [27]فيحصرها بشكل أساسي في تلك العادات المرتبطة بالجسد، مثل: العفة، والاعتدال، وما إلى ذلك، التي يمتلكها البعض بصورة طبيعية بدرجة مُميَّزة، ويبدو أنها تنقص الآخرين تمامًا.
مع ذلك، يقر الأكويني بالفضيلة الأخلاقية الطبيعية بطريقة محدَّدة (التي يدعوها أرسطو بـ φυσική άρετή أي الفضيلة الطبيعية)، ويقول إن مبادئ الأمانة، والعدالة، والاستقامة، قد تكون، أو أحيانًا تكون موروثة حتى في الوثني، على الرغم من أنها يمكنها أن توجد فقط في صورتها الحقيقية الأصح جنبًا إلى جنب مع الإيمان المسيحي.
ثم يضع الأكويني الفضائل اللاهوتية تحت عنوان النوع الثاني، أو العادات التي يغرسها الله -الإيمان، والرجاء، والمحبة- ولكن لا يمكن لهذه الفضائل، حتى عند غرسها، أن تصير عاملة من دون قوة روحية أخرى.
ونتيجةً لذلك، أضاف الأكويني إلى العادات المكتسبة مواهب الروح القدس السبعة -الحكمة، والفهم، والمعرفة، والمشورة، والطاعة، والصبر، والمخافة. وهكذا اختلف هذا النوع الثاني من العادات المغروسة بحسب الأكويني عن النوع الأول في ذلك، أي أنه كان القصد منهم هو منفعة الإنسان الروحية، بينما كان القصد من العادات السابقة هو صلاحه الدنيوي. ولكن شكَّل الاثنان معًا ما سماه بالنعمة ”العادية“، أو نعمة العادات المكتسبة.
ولكن لا تكفي النعمة العادية في حد ذاتها بسبب عجزها عن تفعيل ذاتها. لأن الميل إلى عمل الشيء لا يعني بالضرورة ممارسة العمل، ولا يشير امتلاك العادة أيضًا إلى ممارسة هذه العادة. وهكذا كانت النظرية الوحيدة هي أن القوة التي تحرك هذه العادات هي حرية الإرادة، ولكن رفض الأكويني والمدرسيون هذا على اعتبار أنه يشير إلى امتلاك حرية الإرادة على وظيفة ناشئة وسببية خاصة بها، وهذا ما رفضوه.
وبالتالي، رجعوا مجددًا إلى تفسير آخر، وافترضوا قوة خارجية، أي نوع آخر ومختلف من النعمة، الذي أطلقوا عليه اسم ”النعمة الفعلية“ gratia actvalis. وهذه النعمة بحسب الأكويني هي القوة المحركة الحقيقية والفاعلة في النعمة العادية معطيةً إياها التأثير، وتجعلها تؤتي بثمارها.
في الواقع، ”النعمة الفعلية“ هي مجرد امتداد للنظرية الأوغسطينية عن النعمة، ولكن أولها التوماويون Thomists والجانسنيون Jansenists خلفاؤهم الكثير من الاهتمام الشديد وأصروا عليها، لأنها التعليم الوحيد الذي نفى الافتخار والتباهي بالاستحقاق من جانب الإنسان، لأنه لو كان يُحرِّكه اختياره الخاص للاستفادة من النعمة العادية، فمن ثم بإمكانه أن يدَّعي الجدارة في عمله، الذي يتعارض تمامًا مع عقيدة سبق التعيين.
لذلك كانت النعمة ”الفعلية“ هي استنتاج خاص بالأكويني، ولقد دافع عن هذا التعليم بشدة على اعتبار أنه أحد أهم وأقوى المواقف في الحقيقة المسيحية.
وهكذا يمكننا رؤية أنه على الرغم من دعمه لمبادئ الأوغسطينية الأساسية، إلا أن الأكويني يقدم تعديلات مهمة، تتميز بنزعة أكثر ليبرالية (تحررية). خاصةً اعترافه الواضح بالفضائل الطبيعية حتى في الوثنيين. لقد فُرِضَت هذه الليبرالية عليه بسبب اعتماده على أرسطو، لأنه كان عليه إيجاد مكانًا في هيكل الله بمثابة واجب خاص يُلزِمه.
هذه رواية موجزة عن نظام الأكويني مبنية -كما قد أوضحنا- على أنثروبولوجية أوغسطينوس، ولكنها مالت إلى رؤية أكثر ليبرالية (تحررًا) للطبيعة البشرية بوجه عام بسبب تأثير الفكر الفلسفي اليوناني.
لقد كان هناك قلق واستياء عام من حدة الآراء الأوغسطينية المتشددة أثناء فترة العصور الوسطى كلها، حتى بين هؤلاء الذين صنَّفوا أنفسهم أنهم من بين أتباعه، علاوة على الاستعداد لقبول نظريته عن الخطية بشكل أساسي، كما نشأ تيار قوي لرأي يميل إلى أنماط أقل حدةً في التفكير ممثلاً في المدرسة النصف بيلاجية. لذا ينبغي علينا وضع هذين التيارين المتعارضين في الحسبان، عندما انعقد مجمع ترنت في عام 1546 م.
وبالتالي، أضطُرَ المصلحون التريدنتنيون Tridentine في محاولة للتوفيق بينهما إلى اللجوء إلى أسلوب غامض من العبارات والصياغات نوعًا ما، ولكن سيتضح بالفحص أنهم هم أنفسهم فضَّلوا الأنثروبولوجي النصف بيلاجي بدلاً من الأنثروبولوجي الأوغسطيني بوجه عام. فتبدو في الحقيقة صيغة قراراتهم تدعم العقيدة الأوغسطينية، إلا أنها وُضِعَت بمثل هذه البراعة، بحيث تُرِكَت آراء أوغسطينوس عن موضوع الخطية الأصلية في الحقيقة لحرية القبول أو الرفض حسب الرغبة، بينما أتخذوا بالفعل الموقف النصف بيلاجي في تفسير القوانين في بنود الحرومات.
جون دنس سكوتس John Duns Scotus
تمثل النسخة الفرنسيسكانية[28] لعقيدة السقوط تمردًا أكثر حزمًا وثباتًا على الأوغسطينية، وتُظهِر انسجام ميول واضحة مع ما قد أشارنا إليه كرأي مبدئي عن ”الميلاد الواحد“، و ”الهيليني“. لذا نتناول آراء جون دنس سكوتس[29] بالاتفاق مع الأسلوب الذي شرحنا به مسبقًا بصفته نموذجًا لمدرسته.[30]
يُحافِظ على المفهوم الأوغسطيني الرفيع عن ”البر الأصلي“ في هذا المخطَّط بحسب سياق الحديث؛ ولقد كانت فكرة كمال الإنسان الفردوسي حتى ذلك الوقت متجذرة بعمق شديد جدًا في الفكر المسيحي لدرجة تجاهُّلها صراحةً. ولكن تم تعديلها إلى مدى معين. ويؤكد على ”البر الأصلي“ بأنه قد كان عطيةً فائقةً للطبيعة donum supernaturale، وكان لها أثرًا على انتاج انسجام وتوازن كامل بين القدرات والوظائف المتنوعة في النفس الإنسانية، انسجام يتضمن إخضاع الشهوة قانونيًا للعقل.[31]
ولكن لم يكن هذا الانسجام مستقرًا تمامًا، حتى في الفردوس؛ لأن اختبار مقاومة ناجحة للغواية كان بحاجة إلى أن تكون الطبيعة البشرية ثابتة في النعمة. وهكذا حملت حالة آدم الطوباوية خاصية مشروطة بمجرد إغوائه لمرة واحدة. ولو كان قد غلب في الحادثة الأولى، عندما تم اختباره، فكان سيكتسب تعودًا أكثر ثباتًا واستمراريةً على الفضيلة؛[32] وتنطبق نفس القاعدة على كل فرد من أفراد نسله لو لم يسقط. وبالتالي، يتم اختبار كل عضو من أعضاء الجنس البشري وُلِدَ فيما بعد لمرة واحدة؛ فلو غلب سيكون ثابتًا في النعمة.[33]
وبالتالي، يمكن الاقتراح بأن سكوتس يُظهِر علامات الرغبة في الرجوع -بقدر استطاعته داخل حدود الأرثوذكسية الغربية في العصر الوسيط- إلى مفهوم القرن الثاني عن حالة الإنسان غير الساقطة كأحد مراحل ”الطفولة“ νηπιότης -على الرغم من أنها تتضمن ”نقطة الانطلاق نحو الارتقاء“ άφορμή προκοπής. ويتفق مع هذا التأكيد على أن ”عدم الموت“ الذي تمتع به آدم غير الساقط لا يتمثل في استحالة الموت، بل في إمكانية عدم الموت.[34]
وبالتالي، يكون لدينا تخمين أقل لمستوى الشر المرتبط بالسقوط طبقًا لهذا المفهوم المختلف نوعًا ما عن البر الأصلي. فلم يكن جذر خطية آدم بحسب سكوتس (كما هو الحال في رأي أوغسطينوس) نزعة غامضة وغير مبررة لتحدي خالقه، بل خلل طبيعي -كما إن جاز التعبير- يُغتفر ”لرغبة مفرطة تحت تأثير حبه لزوجته“ immoderatus amor amicitiae uxoris، رغبةً في عدم الانفصال عنها حتى بعد خطيئتها، رغبةً تحت ظروف غالبًا ما حوَّلت نفسه بصورة شبه حتمية إلى رغبة فعل ذاك الذي كان غير قانوني voluntas explendi illud quod non licuit.[35]
وطالما أن نشوء الخطية الأولى من مصدر بشري ولطيف كهذا، فيكون مبالغة واضحة وصف ”شرها“ بأنه ”غير محدود“،[36] وبالتالي تمت إزالة الأساس الذي يُبنى عليه المفهوم الأوغسطيني عن الجنس البشري الساقط ككتلة ملعونة وهالكة مُشكَّلة على مستوى الجماعة massa damnationis.
كما يبدو نفس الاتجاه إلى التخفيف من الملامح الحادة للنظام الأوغسطيني ملحوظًا في الغالب عند مناقشة موضوع الخطية الأصلية بوصفها خللاً vitium أي مرض نفسي. يتمثل جوهر الخطية الأصلية بحسب سكوتس فقط في ”فقدان البر الأصلي“ carentia originalis iustitiae، ولا يتمثل في الشهوة على الإطلاق،[37] وهذه أحد اختلافاته الأساسية عن توما (الأكويني). في الواقع، يمكن الحديث عن الشهوة بأنها أمر ”طبيعي“، على اعتبار أنها مجرد رد فعل ضروري من الجزء الحسي في النفس نحو أمور مرغوبة داخليًا.[38]
فيبدو من المرجح أن المعلم الغامض [أي سكوتس] يستخدم الكلمة هنا بمعناها الاصطلاحي، كمجرد تعبير عن ”شهوة كهذه“، وليس عن ”شهوة جامحة“؛ وبالتالي يمكننا بحق وضع اسم دنس سكوتس جنبًا إلى جنب مع اسم يوليان أسقف إكلانوم Julian of Eclanum، لأنه اسم أحد المفكرين المسيحيين القلائل الذين قد أدركوا بقوة فكرة الحيادية الأخلاقية للشهوة المادية (الطبيعية).
فبدا من المحتمل أن الإقرار ببراءة الشهوة يجلب بصورة طبيعية في طريقه النتائج الأخرى لإنكار الذنب الأصلي أو Reatus، أو إنكار الذنب على كل حال الذي يرتبط في المبادئ الأوغسطينية بالطبيعة المصابة أو الملوثة بالشهوة. ولكن يبدو هنا أن شجاعة الفرنسيسكان قد خانتهم. ويبدو أن تجاهُّل مفهوم الذنب الأصلي صراحةً يتضمن إنكار لممارسة طقس معمودية الأطفال بحسب فكر العصور الوسطى. لقد كان للممارسة الفعلية في الكنيسة -كما هو الحال في القرن الخامس- تأثيرًا لا يُقاوم على تطور الفكر.
حيث تُعمِّد الكنيسة بالفعل الأطفال المولودين حديثًا، ولا يمكننا الاعتقاد بأن الكنيسة مارست ذلك خطاءً أو بدون سبب وجيه، وبالتالي، يبقى الأطفال، حتى لو بعمر يوم واحد، في حاجة ماسة إلى المعمودية. ولكننا نعترف في قانون الإيمان ”النيقاوي“ بإيماننا بـ ”معمودية واحدة“ التي ”لمغفرة الخطايا“. فلا يوجد نوعين مختلفين من المعمودية، أحدهما للبالغين تقدم غفرانًا للخطايا، والأخرى لا تقدم غفرانًا للخطايا؛ وبالتالي، تتم معمودية الأطفال ”لمغفرة الخطايا“، ولا بد من الاعتقاد تبعًا لذلك أنهم يحملون خطية ما حقيقية بمعنى الذنب التي يمكن غفرانها.
فمن المحتمل أن المعرفة التاريخية التامة فيما يتعلق بتطور تقليد معمودية الأطفال، وما يرتبط بالعلاقة بين قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني (أو ما يُعرَف بـ ”النيقاوي“) و ”النيقية“ الأصيلة قد جعل تسلسُّل هذا الاستدلال أقل كثيرًا جدًا على الإقناع.[39] ولكن لم تكن مثل هذه المعرفة في أولوية نظام سكوتس: وبالتالي فهو يسعى إلى تفسير الذنب الأصلي بمقولة ”الدَّين“ غير الكافية نوعًا ما.
وهكذا ائتمن الله الإنسان في الفردوس على عطية البر الأصلي، ولكن الإنسان بدَّدها وفرَّط فيها؛ وبالتالي، يُعتبر الإنسان في المجمل في حالة ”مديونية“ لله، لأنه قد بدَّد الكنز الذي منحه إياه والده. وتنحدر حالة المديونية هذه من جيل إلى جيل، وهكذا تُعتبر قانونيًا بمثابة ”ذنب“ مشترك في نظر الله.[40]
ولكن مذهب الأسمية[41] Nominalism الذي كان سمة مُفكِّرين فرنسيسكان آخرين، وهكذا بإنكاره للوجود الموضوعي للكليات[42] universals، أنكر ضمنيًا أن آدم كان كلي البشرية، وبالتالي أقتلع جذر فكرة الذنب الأصلي، طالما أن هذا يشير إلى تحمُّل المسئولية عن خطية آدم من قبل المولد.
فالتناقضات التي وجد السكولائيون الفرنسيسكان اللاحقون أنفسهم مُتورِّطين فيها بمحاولة تبرير نوع من الأوغسطينية المعيبة على أساس اسمي بحت، إنْ كان من الممكن حلها بمجرد تطبيق المبدأ الشكي، الذي كان -للمفارقة الساخرة الوحيدة- المنتج العقلاني الأخير لعصر الإيمان، فالفرضيات التي قد تكون حقيقة في اللاهوت، هي خاطئة في الفلسفة، والعكس صحيح.[43]
ننتقل الآن لفحص الحالة الساقطة الحاضرة في الإنسان بحسب المفهوم السكوتي. يمكن تحديد التعليم الفرنسيسكاني بصورة طبيعية من خلال الموقف الأساسي بأن جوهر الخطية الأصلية لا يتمثل في فساد حقيقي للطبيعة البشرية، بل في مجرد فقدان عطايا فائقة محددة، كانت تمتلكها الطبيعة البشرية ذات مرة. وبالتالي يستطيع الفرنسيسكان الحفاظ على حرية إرادة حقيقية، وليست مجرد حرية اسمية.
فالإرادة بالنسبة لسكوتس حرة بالمعنى السيكولوجي (النفسي) للحرية بحكم العادة والشخصية، وأيضًا بالمعنى الميتافزيقي للحرية بحكم العلية (السببية) الإلهية الحاضنة لكل شيء. وكل من هذين الموقفين له نتائج لافتة للانتباه، والتي يمكن الإشارة إليها دون الابتعاد كثيرًا جدًا عن السياق الأساسي لبحثنا. حيث يتطلب الإقرار بالحرية السيكولوجية (النفسية) للإنسان الساقط الاعتراف بأنه يمكنه ممارسة الأعمال الصالحة في النظام الطبيعي بصورة أخلاقية، حتى من قبل نوال النعمة.
وهكذا من الواضح أنه ينبغي تمييز أعمال الفضيلة الطبيعية المجردة بشدة عن الأعمال المعجزية الفائقة للطبيعة، التي تحتاج النعمة، ولكنها على الرغم من ذلك، هي أفعال أخلاقية حقيقية، ومازالت ترضي الله حتى هذه اللحظة.
حتى أنها تستحق نعمة مقابلة congruo، أي تُعتبر بمثابة مكافأة مقابلة -على الرغم من عدم اكتسابها بالمعنى الكامل- الموقف الذي يُعتبر غير مُستساغ بشكل طبيعي مع الأوغسطينية المتطرفة لمترجمي مقالاتنا التسعة والثلاثين،[44] وهكذا يرفض سكوتس بقوة فكرة أن فضائل الوثنيين ليست أفضل من ”الفضائل الفائقة“، وبالتالي، تتفق الحرية الميتافزيقية التي ينسبها سكوتس إلى النفس الإنسانية مع شمولية العلية (السببية) الإلهية على افتراض الانسجام المُحدَّد مسبقًا بين قرارات الله الأزلية ونتائج الاختيار البشري.
فأنني أمتلكُ هنا والآن الحرية الكاملة في الاختيار بين بديلين، إما (أ) أو (ب). فإذا قررت اختيار (ب)، فأنني حر بالكامل في فعل ذلك، وأتحمل المسئولية الكاملة عن اختياري: بالرغم من ذلك، عرف الله مسبقًا منذ الأزل بأنني سأختار (ب)، وصادق على قراري بحدسٍ في مشوراته الإلهية، وهكذا يُصمَّم باقي التاريخ البشري على اعتبار أن (ب) هو اختياري بالفعل؛ وبالتالي، يمتلك الفرنسيسكان القدرة على التقارب كثيرًا جدًا مع النصف بيلاجية Semi- Pelagianism فيما يتعلق بعمل النعمة المانعة (الوقائية).
وهكذا من الطبيعي أن تصل هذه النسخة المُعدَّلة من العرض الغربي التقليدي للأنثروبولوجي المسيحي إلى ذروتها في رأي معتدل على نحو استثنائي لنتائجه الطبيعية الأسخاتولوجية (الأخروية)، أي في رأيه عن الليمبو Limbo حتى أنه أقل حدةً من رأي توما (الأكويني). وبالتالي يضطر سكوتس بسبب التقليد إلى إيعاز هذه الآراء في الليمبو Limbo إلى أنها ”آراء ملعونة“،[45] ولكن تبدو لعنتهم من النوع البالغ السعادة والهدوء.
فهؤلاء هالكون ببساطة بسبب الخطية الأصلية في طبيعتهم، ولكنهم بلا خطية فعلية أو شخصية، ولا يعانون من أي ألم أو حزن من أي نوع؛ وبالتالي فهم معافون من العقوبة الحسية poena senus، وعذابات النار الأبدية، ومن العقوبة اللعينة poena damni، أي عقوبة الانفصال عن الله.[46] فعلى الرغم من فقدانهم المعاينة الطوباوية لله في جوهره الحميم، إلا أنه من الممكن أنهم سيعرفون الله من خلال أعماله، وربما بصورة كاملة بالقدر الذي يمكن معرفته به، وسوف تمنحهم معرفة سعادة إيجابية معينة.[47]
حيث يستشهد سكوتس بقول بونافنتورا[48] Bonaventura أن أوغسطينوس تحدث بصورة مبالغة -”بمغالاة“- في إنكاره للحالة المتوسطة التي سلم البيلاجيون بها جدلاً في حالة غير المعمدين الأبرار أو الذين بلا خطية.[49]
وهكذا فازت النظرية الفرنسيسكانية على طول الخط في العصور الوسطى بقدر الاهتمام بمفهوم الليمبو Limbo. لقد كان هناك القليل من الأوغسطينيين المتشددين أمثال غريغوريوس من ريميني Rimini (1358م)، الذين تمسكوا بفكرة العذابات الحقيقية الإيجابية التي تقع على الأطفال غير المعمدين، والتي كانت تُلقَّب باستهزاء باسم تعذيب الأطفال tortores infantium. وهكذا تخصَّص كالفن Calvin في إحياء هذا الجزء من التعليم الأوغسطيني بكل هوله.
ويجب ذكر نتيجتين آخرتين للتعليم السكوتي من أجل الشمولية -أحدهما تعود إلى شخص المخلص، والأخرى تعود إلى شخص والدته. لقد كان من الصعب بشكل طبيعي على هؤلاء الذين خفَّفوا من قسوة السقوط الاعتقاد بأن حدث هائل مثل التجسُّد كان مشروطًا به [أي بالسقوط].
وبالتالي يبتعد الفكر الفرنسيسكاني في هذا الموضوع بالأساس عن التعاطف مع الفكرة المُعبَّر عنها في العبارة الشهيرة عن السماح Exultet: ”يا لَقيمة الخطية اللازمة بالطبع! يا لَخطية السعيدة التي كانت سببًا في مثل هذه المكافأة والربح باقتناء الفداء!“، وبالتالي، يأتي الرأي السكوتي على نحو خاص بأن التجسُّد كان سيحدث على كل حال، حتى لو لم يوجد السقوط، وأنه كان مُعدَّ من الله منذ كل الأزل كلحظة تتويج للتاريخ البشري.[50]
كما جعلت الفكرة السلبية أو المجردة عن الخطية الأصلية المتمثلة فقط في فقدان أو غياب نعم محددة فائقة للطبيعة من السهل الاعتقاد بأن هذه النعم كانت بمثابة امتياز خاص مُعطَى لأم المسيح لتجعل من جسدها ونفسها مسكنًا مناسبًا للكلمة الإلهي.[51]
ولكن رأي هارناك Harnack العابر بأنه من السهل على الكاثوليك الرومانيين إقرار عصمة مريم من الخطية الأصلية، لأن الخطية الأصلية لا تعني أي شيء بالنسبة لهم، هو مبالغة واضحة،[52] لأنه يتجاهل حقيقة أن التعليم اللاتيني فيما بعد المجمع التريدنتيني Tridentine عن جرح الطبيعة البشرية الموروث هو أكثر حدةً من التعليم السكوتي، على الرغم من عدم حدته للغاية مقارنةً بالتعليم التوماوي أو الأوغسطيني.[53]
وإنه من الإنصاف أيضًا الإشارة إلى الاختلاف بين توما (الأكويني) ودنس سكوتس فيما يتعلق بامتياز مريم الذي تحول، ليس بسبب السؤال حول هل كانت مريم بعد ولادتها معصومة من الخطية الأصلية -لأن كلاهما أقر بذلك- بل بناءً على السؤال حول هل مُنِحَت هذه العصمة لها في لحظة ما مجهولة أثناء حياتها داخل الرحم، كما أقر المعلم الملائكي [أي توما الأكويني] بذلك،[54] أم في اللحظة الأولى عينها من وجودها، أي في لحظة الحبل بها، كما أكد المعلم الغامض [أي دنس سكوتس].
وهكذا قد أوضحت الخلاصات السابقة للفكر الأنثروبولوجي عند المعلميِّن البارزين في العصور الوسطى، كما نرجو ذلك، أن تاريخ موضوعنا أثناء الحقبة المدرسية هو تاريخ انحدار تدريجي للأوغسطينية الصارمة. فقد وجَّه أنسلم الضربات الأولى لسطوتها في القرن الحادي عشر، عندما قدَّم مفهوم ”فقدان البر الأصلي“ كمكون أساسي من مكونات تعليم الخطية الأصلية، مُمهِّدًا بذلك الطريق أمام استبدال فكرة الضعف الموروث بفكرة الشر الموروث عند أبيلارد Abelard الذي كان أول مَن تحدى فكرة الذنب الأصلي.
وهكذا حافظ توما (الأكويني) والدومنيكان على نوع مُعدَّل من الأوغسطينية، حيث يُوصَف فقدان البر الأصلي أنه بمثابة ”الصورة“، والشهوة بمثابة ”المادة“ للخطية الأصلية. ثم طوَّر سكوتس والفرنسيسكان نسخة مُعدَّلة أكثر بكثير من الأوغسطينية (إنْ كان من الممكن أن ندعوها بذلك)، حيث تأتي الخطية الأصلية من كافة الأغراض العملية لتتمثل في فقدان البر الأصلي فحسب، وتتوقف الشهوة عن أن تكون شريرة بأي معنى.
فكان من الطبيعي أن يفترض مثل هذا المفهوم الأكثر تصنعًا وتجريدًا بفقدان نعم فائقة محدَّدة ومجرَّدة مكانًا قاصرًا خاصًا بالجد البعيد للجنس البشري، الذي كان لديه القليل من القدرة على التأثير في ضمائر البشر، أو حتى إثارة اهتمامهم الذهني: فإذا كان ميل الفرنسيسكان والاسميين إلى التخفيف من حدة عقيدة السقوط إلى لا شيء قد استمر، فيمكن بذلك رفض كل عمل أوغسطينوس فيما يتعلق بهذه الأفكار، حتى داخل دائرة وفترة الكاثوليكية في العصر الوسيط.
إنها حقيقة صادمة تجاهُّل التعليق الوافي الذي كتبه بيير من إيلي[55] Pierre d’ Ailly على كتاب ”الأحكام“ موضوع الخطية الأصلية برمته. لقد كان للرد الفعل الأوغسطيني القصير الأمد المرتبط بأسماء مثل برادفاردين Bradwardine وويكليف Wycliffe أثرًا محدودًا على الفكر العام في أوروبا. ولكن ما قد أعطى بالفعل للأوغسطينية عقدًا جديدًا للحياة كان الإصلاح. ومع ذلك، سيؤول إلى ظهور اللحظة التي ننكر فيها هذا الحدث الجلل، وهكذا تستمر قصة الانحدار التدريجي للأوغسطينية داخل المسيحية اللاتينية بالنزول إلى العصور الحديثة.
ويليام من أوكام William of Ockham
ويليام من أوكام[56] هو راهب فرنسيسكاني إنجليزي، وأحد أهم اللاهوتيين المدرسيين في القرن الرابع عشر في أوروبا العصور الوسطى. لذا سوف نبحث مفهوم الخطية الأصلية، وسبق التعيين، وحرية الإرادة، عند أوكام الذي كان له أكبر الأثر في تشكيل الفكر اللاهوتي في مجمع ترنت Trent.
نجد أن أوكام في سياق شرحه للخطية الأصلية والإرادة الحرة في الإنسان، يغالي ببساطة في الحفاظ على قدرة الله على كل شيء والحفاظ على الحرية أيضًا.[57] وهكذا يتبنى أوكام التمييز بين قوة الله المطلقة وقوته الإلزامية؛ التي قد أشار إليها بالفعل بطرس اللومباردي في الكتاب الأول من مؤلفه ”الأحكام“، التمييز 42- 43.[58]
وبالتالي أصبح هذا التمييز في القرن 13 (عند ألكسندر من هالس[59] Alexander oh Hales، وألبرت[60] الكبير Albert The Great، وتوما الأكويني Thomas Aquinas) معتادًا، على الرغم من فهم اللاهوتيين المختلفين له بطرق مختلفة بعض الشيء. حيث تشير القوة المطلقة عند توما الأكويني إلى كل شيء يمكن أن يفعله الله، بينما تشير قوته الإلزامية إلى القوة الإلهية بقدر ما ”لأنها تدفع الأمر بالمشيئة الصالحة إلى التنفيذ“.[61]
وبالتالي، يتزامن ما يفعله الله حقًا بحسب توما (الأكويني) مع قوته الإلزامية. فأفعال مثل معاقبة المصريين، وإقامة لعازر من الأموات هي أفعال قوة الله الإلزامية. وهكذا يفسر أوكام متبعًا دنس سكوتس التمييز بين القوة المطلقة والقوة الإلزامية بمصطلحات قانونية أكثر. فعلى سبيل المثال، تشير القوة الإلزامية عند دنس سكوتس إلى الفعل بحسب القانون السليم، بينما تشير القوة المطلقة إلى إمكانية فعل الشيء خارج نطاق هذا القانون أو عكسه.[62] وهكذا يحذو أوكام حذو سكوتس في منهجه الأكثر قانونيةً.
ويستطرد أوكام -بعدما شرح بعدم آخذ التمييز بين القوة المطلقة والقوة الإلزامية بمعنى وجود قوتين في الله- في شرح معناهما كالتالي: ”يجب فهم التمييز بمعنى أن ’طاقة فعل شيء ما‘ تعني أحيانًا ’قوة عمل شيء ما بحسب القوانين التي وضعها وأسسها الله‘، وبالتالي يُقال عن الله أنه يستطيع عمل هذه الأشياء بقوته الإلزامية. بمعنى آخر، يجب فهم ’القوة‘ بأنها ’القدرة على عمل أي شيء لا ينطوي فعله على تناقض‘. بغض النظر عما إذا كان الله قد فرضه فعله أولاً“.[63]
وبالتالي، تختلف النتائج المترتبة على فهم أوكام للتمييز بين القوة المطلقة والقوة الإلزامية تمامًا عن فهم توما (الأكويني).[64] ففي رأي توما (الأكويني)، يختار الله (’يفرض‘) عدد محدود من الخيارات المنطقية (التي قد تكون غير محدودة في العدد تمامًا)، وبالتالي، القوة الإلزامية عند توما (الأكويني) ليست قوة عرضية (مشروطة) -بل القوة المطلقة هي كذلك فقط. لأنه بمجرد أن يختار الله، يتوفر نوع من الغائية. وهذا نابع من منظور توما (الأكويني) باستحالة تغيُّر قوة الله الإلزامية. بينما في رأي أوكام، تمتد عرضية (شرطية) قوة الله المطلقة إلى القوة الإلزامية.
لأنه توجد العديد من الأمور التي تتوافق مع القانون الصحيح، التي يستطيع الله فعلها، ولكنه لا يفعلها. وبالتالي، هذا الشيء مستحيل في فهم توما للقوة الإلزامية. مرةً أخرى، قوة الله الإلزامية عند سكوتس وأوكام يمكنها أن تتغيَّر، لأنه على سبيل المثال، يمكن لله أن يُصدِر قوانين أخلاقية جديدة. ويستطيع الله الحكم على إلحاق الضرر بأنه مقبول في عصرٍ، وغير مقبول في عصرٍ لاحقٍ.
فلا يمكن أن تكون النتائج المترتبة على أمور لاهوتية، مثل: النعمة، وسبق التعيين (الاختيار)، والاستجابة، راديكالية (متطرفة) في فكر أوكام كما هو معتاد الحديث عنه -بل تحتوي على بذور الأخلاق الإلهية الحاكمة والكاملة النضوج، والمحسومة بشكل نهائي من أخلاق القانون الطبيعي.[65] ومع ذلك، لم يتخذ أوكام هذه الخطوة، لأن الأخلاق عنده تتضمن المنطق السليم والمشيئة الإلهية المطلقة، ولكنه من الصعب إمكانية حدوث هذا التوازن بين أخلاق المنطق السليم والأخلاق الإلزامية (الجبرية).[66]
وهكذا قد يرى أوكام أن ”الإنسان قادر على الخلاص بقوة الله المطلقة من دون نعمة مخلوقة“.[67] ومع ذلك، ”يستحيل أن يخلُص أي إنسان أو يقدر على الخلاص من دون النعمة المخلوقة“ بحسب القوانين التي فرضها الله الآن. فالله يحب بحرية مَن يحبه. وهكذا يسمح [أوكام] بإمكانية أن يقبل الله شخص ما، أو ممارسة أعمال صالحة مستحقة دون إحسان أو نعمة مغروسة. فبدا ذلك للاهوتيين المعاصرين له أنه يُشابِه بصورة خبيثة الآراء البيلاجية.[68]
يبدو جديرًا بالملاحظة أن أسباب أوكام للتمسُّك بهذا الرأي هي كالتالي: ”أعتقد بذلك بسبب الكتاب المقدس وتعاليم القديسين“.[69] مرةً أخرى، يستطيع الله بقوته المطلقة ”إذا كان يسره ويرضيه ذلك، أن يغفر جميع الذنوب […] دون غرس نعمة مخلوقة“.[70]
على الرغم من ذلك، إنه من الظلم الادعاء بأن إله أوكام -بقوته الإلزامية- يتصرف اعتباطيًا، بل من الواضح أنه يقدم تأكيدًا أقوى من تأكيد توما على حرية الله للتصرف بصورة عرضية (مشروطة). فنحن كحقيقة مسلمة لسنا في وضع لننسب الاعتباطية إلى الله. فالله وحده يقرر استحقاق الشخص أو الفعل، ولا يوجد شيء مستحق الخلاص بموافقة الله. لأن موافقة الله تقع ما بين الفضيلة والاستحقاق، ”الذي يمكن الإنعام به فقط كعطية بحرية، ولا يُنتزَع باعتباره حقًا مكتسبًا“.[71]
مجمع ترنت 1546م والنزعة النصف بيلاجية في القرارات التريدنتينية
لقد كانت مناقشة هذه التعاليم بين اللاهوتيين في النظامين النسكيين الكبيرين موضوعًا للبحث والدراسة في المدارس المختلفة على نطاق واسع. ولكن لم تؤثر الأسئلة المتعلقة بذلك في الحياة العملية بأي شكل من الأشكال،[72] ولم يكن لها اهتمام لدى طبقة من جمهور المؤمنين، أو مثل هذا الاهتمام لدى الإكليروس، لأنهم لم يكونوا خبراء لاهوتيين.
لقد انتموا إلى نفس المجادلات باعتبارها جدالات طويلة لا نهاية لها بخصوص الملائكة، هل يشغلون حيزًا أم لا، وهل يمكن لملاك واحد أن يتواجد في مكان ومكان آخر في نفس الوقت، وهل فكر الملائكة استطردي أم بديهي (حدسي). ولكن كان للإصلاح -متحديًا البنية الكلية لحياة وفكر كنيسة العصر الوسيط كما فعل ذلك- أثرًا ملحوظًا على نقل التعاليم عن السقوط والخطية الأصلية إلى خارج الدير وقاعات المحاضرات، إلى ساحة السوق، جاعلاً منها أمورًا ذات أهمية واهتمام كبيرين لحياة المئات والآلاف الدينية من الشعب العادي.[73]
لذلك عندما قامت الكنيسة اللاتينية -بعد انفصال الأمم الشمالية- بتقييم نفسها، ومضت قدمًا إلى إعادة تنظيم نفسها على أساس حربي، مثل مدينة محاصرة، بنظام صارم مُخصَّص لتأمين حياتها ضد هجمات أعدائها، كان من الضروري تقليص هذه التعاليم أيضًا بشكل صارم ومُحدَّد، للإبقاء على مسافة آمنة عن التأثير المصلح. ونتيجةً لذلك، تمت صياغة ما يزال قائمًا من العقيدة الرسمية للكنيسة الرومانية حول هذه الموضوعات في مجمع ترنت. فبغض النظر عن قلق الإمبراطور كارل الخامس، الذي كان يُفضِّل كثيرًا ترك المجمع لمثل هذه الشائكة جانبًا.
لقد كان كاترينو Catterino ودي سوتو de Soto هما الممثلين عن الدومينيكان في المجمع، وهما اثنان من أكثر اللاهوتيين علمًا في نظامهم الرهباني؛ ولكن من الجدير بالملاحظة أننا نسمع قليلاً جدًا عن الفرنسيسكان. لقد مر نظام الرهبان (الأخوة) الأصاغر بأيام شريرة، ولم يفرز لاهوتيًا كبيرًا منذ وقت ويليام أوكام William Ockham.
حيث كانت هذه الفترة مضطربة بالانقسامات بين الرهبان الكبوشيين Capuchins والرهبان الفرنسيسكان (السكوتيين/ الديريين)؛ وهكذا غطت عباءة دنس سكوتس -كداعم لتأسيس موقف مناهض للأوغسطينية- على مجتمع يسوع حديث التأسيس [يقصد اليسوعيين].
تضمنت قرارات المجمع قرارًا بخصوص الخطية الأصلية في الجلسة الخامسة، أقرته في يوم 17 يونيو 1546م، وقرارًا بخصوص التبرير في الجلسة السادسة، أقرته في يوم 13 يناير 1547م.[74] ويتضمن القرار السابق خمس قوانين مُكرَّرة شفويًا من أول قانونين من مجمع أورانج Orange الثاني، وتحتوي أيضًا على فقرة طويلة مأخوذة من القانون الثاني لمجمع قرطاجنة الثاني، الذي حرم كل من بيلاجيوس وكالستوس عام 418م. ولكن قد تبدو هاتان الحقيقتان على الرغم من القرارات التريدنتينية Tridentine أنهما قد كانا انتصارًا للأوغسطينية.
في الواقع، لقد كانت النتيجة توفيقية، لا يمكنها إرضاء أي حزب تمامًا، كما سيبين التحليل الموجز لها. (1) ”البر الأصلي“. حيث يمكن الحديث عن آدم أنه قد ”جُبِلَ“ في قداسة وبر. ولكن يصمت المجمع عن موضوع منجزاته الفكرية المفترضة (فالمقصود من كلمة ’جُبِلَ‘ بوضوح هو منع إثارة السؤال: هل خُلِقَ آدم في حالة البر الأصلي، كما أكد الدومينيكان، أن خُلِقَ في حالة الطبيعة الأصلية، ووُهِبَ القداسة الفائقة للطبيعة بعد ذلك، كما أكد الفرنسيسكان). (2) تُعتبر الخطية الأصلية بمثابة فقدانًا أو حرمانًا vitium.
ويُعتبر المجمع هنا بشكل مدروس غامضًا، راضيًا في حد ذاته ترديد الإقرار غير الواضح لمجمع أورانج Orange الثاني الذي يفيد بأن آدم قد تغيَّر بالسقوط إلى الأسوأ نفسًا وجسدًا، وجرح نسله وليس مجرد نفسه فحسب. (3) تُعتبر الخطية الأصلية بمثابة ذنب Reatus، أي ”الذنب الأصلي“. ويتم التأكيد على ذلك بقوة. فيبدو أن القانون رقم 3 (قانون خاص بموضوع الخطية الأصلية) يشير إلى نظرية ”الوحدة البذرية“ Seminal Identity، على الرغم من أن لغته غامضة للغاية.
كما يقر القانون رقم 4 بوجود خطية في الأطفال، التي لا بد من التكفير عنها في جرن التجديد [أي المعمودية]. ثم يستخدم القانون رقم 5 عبارة واضحة عن ذنب الخطية الأصلية reatus peccati originalis، ويقر بأن شيئًا غير معروف -الذي له الطبيعة الحقيقية والمناسبة للخطية- تمحوه المعمودية. (4) يؤكد المجمع بخصوص حالة الطبيعة البشرية الناتجة عن السقوط على أن الشهوة ليست خطيةً، بل مجرد نارًا fomes أو وقودًا للخطية، وأنها تُمحَى بالجهاد المستمر adagonem، وبالتالي ينبغي عليهم مقاومتها.
لذا من الواضح أيضًا أنه تم طمس إرادة الإنسان الحرة على كل حال، بل بالأحرى قد ضعفت وتشوهت، لذلك يعجز البشر عن إطلاق وتحرير أنفسهم من سلاسل الشهوة الشريرة بمعزل عن النعمة. وهكذا نلاحظ فورًا أن هذه المواقف تمثل توفيقًا بين آراء الدومينيكان وآراء اليسوعيين Jesuit، لأنه بوجه عام، حصل اليسوعيون بشكل كبير جدًا على أفضل اتفاق. ولكن يُؤمِّن الدومنيكيان التأكيد على الذنب الأصلي بتعبيرات تذهب إلى أبعد مما ذهبت إليه نظرية سكوتس عن الدَّين.
من ناحية أخرى، يُؤمِّن الحزب المناوئ للأوغسطينية التأكيد الشديد على حقيقة حرية الإرادة في الإنسان، وإنكار اعتبار الشهوة خطيةً بأي معنى حقيقي، واستثناء العذراء الطوباوية من سياق أي قرار يؤكد على شمول الخطية الأصلية لها، وإنكار الموقف الأوغسطيني باعتبار أعمال غير المؤمنين أنها خطايا. وبالتالي يمكن الحديث عن الأرثوذكسية التريدنتينية بخصوص هذا الموضوع أنها سكوتي Scotist بوجه عام، مع جزئية واحدة غير مُستوعَبة من الأوغسطينية المحضة، أي مفهوم الخطية الأصلية المرتبط بها بشكل غريب.
يمكن المرور سريعًا على التاريخ اللاحق لهذه التعاليم في الكنيسة اللاتينية في بضع كلمات. لقد مال الجدل بين الدومينيكان واليسوعيين إلى الابتعاد عن الأنثروبولوجي، وأصبح مشتبكًا أكثر فأكثر بالسؤال عن ”النعمة“، الذي -كما قد أشارنا في المحاضرة الخامسة- لم نهتم به مباشرةً. مع ذلك، لا بد من ذكر محاولة وحيدة لإحياء النظام الأوغسطيني الكامل داخل المجتمع الروماني -المحاولة التي عن طريق إفشالها وإخمادها أثَّرت تأثيرًا غير مباشر في التأكيد على الصفة السكوتية للأرثوذكسية اللاتينية المناوئة للأوغسطينية في هذه النقاط.
وهذه المحاولة مرتبطة باسم مايكل من باي Michail de Bay، أو بايوس Baius.[75] بايوس -هو بروفيسور في جامعة لوفان Louvain- قد حضر مجمع ترنت كخبير ومستشار لاهوتي، أنكر التمييز المدرسي بين العطية الفائقة donum supernatural للبر الأصلي، والطبيعة النقية pura naturalia مؤكدًا بذلك على أن العطايا الفائقة لذهن ونفس آدم كانت خاصة بجوهر الطبيعة البشرية، وهكذا بالغ من ذنب سقوطه، وأعاد التأكيد مرةً أخرى على الموقف الأوغسطيني بأن الوجود المجرد للشهوة الكامنة في الطفل حديث الولادة هي خطية مميتة في حد ذاتها.[76]
كان لحرم هذين الاقتراحين[77] من بين العديد من الاقتراحات الأخرى المجموعة من أعمال بايوس -كما يمكن القول- انعكاسًا على التعليم الحالي للاهوتيين الرومانيين. حيث قاموا بصقل وتنميط التمييز بين الطبيعة البشرية المجردة و ”العطايا الفائقة للطبيعة“؛ ودنت فكرة الخطية الأصلية من تفسيرها بنمط سكوتي من الناحية العملية باعتبارها مجرد فقدان لهذه العطايا الفائقة للطبيعة، فقط مع تضافر طفيف للعلاقات السليمة بين العقل والشهوة كنتيجة لها.
ولكن مازالت فكرة الذنب الأصلي باقية في الحديث، ولكنها تُفسَّر بمثل هذه الطريقة المتعلقة بتفريغ وتجريد مصطلح ”ذنب“ والمصطلحات القانونية المرتبطة بالطبيعة بهذا المفهوم من كل معانيها الحقيقية. وبالتالي، نحتاج من أجل توضيح ذلك إلى مجرد اقتباس تصريح حديث ذي سلطة عن وجهة النظر الرومانية الكاثوليكية موجود في مجلد من أبحاث عن ”الله والفائق للطبيعة“.[78]
حيث يقول الكاتب عن ”مشكلة الشر“ في سياق حديثه عن مصطلح ”الدنس“ كمصطلح مُستخدَم عن الخطية الأصلية التالي:
”لا يوجد دنس مادي للطبيعة مثلما تقصد الكنيسة بمثل هذه اللغة، بل مجرد الولادة فحسب في الطبيعة ذاتها المجردة من الطبيعة الفائقة التي تجعلها كاملةً. وهذه هي البراءة الشخصية الموجودة في الطفل المولود حديثًا، وهكذا تتناسب براءته في النظام الطبيعي مع ذنب طبيعته في علاقته بالنظام الفائق للطبيعة. كما أنه عزيز على الله أيضًا بسبب اتحاده جوهريًا به على اعتبار أنه بدايته ونهايته الطبيعية، ولكنه مازال ’ابنًا للغضب‘ في انفصاله ونفوره عنه باعتباره نهايته الفائق للطبيعة“.[79]
ثم يضيف في حاشية:
”لا يجب استخدام ’ولكنه مازال بالطبع بمثل هذه اللغة ابنًا للغضب‘، أو ”مرفوضًا من الله“ عن الأطفال الأبرياء بالطبيعة وبشكل شخصي دون تفسير متعقل لمعناها التقني وغير الطبيعي“.
ولذلك، نحن مهتمون في هذا الجزء من بحثنا برصد وتسجيل مسار حركة الأفكار أكثر من نقدها. ولكن يستحيل أن يمنعنا هذا من ملاحظة أنه إذا كان من المكن فقط استعمال مصطلح ”ذنب“ عن الخطية الأصلية بمعنى غير طبيعي، فيبدو من الأفضل أكثر ألا يُستعمَل هكذا على الإطلاق.[80]
وهكذا يتم التعبير عن تصريح المجمع بخصوص التعليم عن الخطية الأصلية في القوانين التالية القابلة بالطبع للتفسير الأوغسطيني:
”إنْ كان أحد لا يعترف بأن الإنسان الأول آدم، عندما قد تعدى على الوصية الإلهية في الفردوس، فقد على الفور القداسة والبر الذين خُلِقَ عليهما، وجلب غضب الله وسخطه من خلال ذنب هذا التعدي، وكذلك الموت الذي قد سبق وهدَّد الله به، وهكذا بالموت العبودية لسلطان مَنْ له سلطان الموت، أي إبليس، وتحول آدم كله، جسدًا ونفسًا، وتغيَّر بهذا العصيان إلى الأسوأ، فليكن محرومًا“.[81]
”إنْ كان أحد يقر بأن تعدي آدم أصاب نفسه فقط، وليس نسله، وأنه بفقدانه القداسة والبر الذي قد أخذه من الله، وفقده عن نفسه فقط، وليس عنا، أو أنه نقل بواسطة تلوثه بخطية التعدي الموت وعقوبة الجسد فحسب للجنس البشري كله، وليس الخطية نفسها، أي الموت الروحي، فليكن محرومًا، لأنه يخالف الرسول القائل: ”بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا سار الموت إلى جميع الناس، لأن الجميع أخطئوا فيه (أي في آدم)“.[82]
”إنْ كان أحد يقر بأن خطية آدم هذه واحدة في الأصل، وانتقلت بالتناسل وليس بالتقليد، وبالتالي فهي موروثة في الجميع، وتخص كل واحد منهم، ويمكن محوها بقوة الطبيعة الإنسانية، أو أي علاج آخر غير استحقاقات الوسيط الوحيد ربنا يسوع المسيح […]، فليكن محرومًا“.[83]
صيغة هذه القوانين حول المعضلة الصعبة للخطية الأصلية هي غامضة عن قصد، ويمكن حتى أن يقبلها أوغسطينوس نفسه بلا شك، ولكننا عندما نتحول إلى الكاتشيزم[84] الروماني Roman Catechism الملحق بالقوانين، وله نفس السلطة التي لها، نجد الحديث عن أن البر الأصلي لم يكن برًا طبيعيًا، بل نعمة فائقة للطبيعة، أي أضافها الله إلى الإنسان بعد خلقته، ولا تشكل جزءًا أصيلاً من تكوينه. وبالتالي هذا، على الرغم من ذلك، يتعارض مع القوانين -ويتعارض مباشرةً مع النظرية الأوغسطينية. ويشير إلى أن الإنسان خُلِقَ ناقصًا.
فلم يكن خاطئًا من البداية، ولم يكن قديسًا أيضًا. إضافة عطية البر الأصلي -المضافة بعد الخلق، أو على الأقل باستقلالية عن فعل الخلق- ضرورية، لكي يمكن للنفس العاقلة وغير المائتة أن تميل إلى العلو، وأن تنال النصرة على الجسد، والتي لكونها مملوءة بالشهوات المادية، تميل إلى أسفل،[85] وهكذا يمكن أن تنتهي العداوة بين الجسد والنفس، ويصير المخلوق كاملاً. من ناحية أخرى، اعتبرت نظرية أوغسطينوس الإنسان مخلوقًا كاملاً. ودخل إلى تكوينه نفسه البر الأصلي آتيًا من الخالق، ولم يكن شيئًا ينبغي إضافته بصورة فائقة بعد ذلك.
وبالتالي، يمكن القول عن اللاهوتيين التريدنتينيين بأنهم كانوا في اتجاهات نصف بيلاجية لتغيير عقيدة أوغسطينوس عن الخطية الأصلية. ولم يقبلوا بالفساد الكامل للإنسان بعد السقوط.
بل قالوا ببساطة إنه قد تغيَّر وتحول إلى الأسوأ in deterius، وبالتالي، بالتأكيد أو الإشارة إلى أن الإنسان خُلِقَ ناقصًا، فإنهم يأخذون العلة الأولى للخطية الأصلية إلى أبعد من السقوط، ويجعلون مصدرها في النزعة الطبيعية للجسد التي تتعارض مع نزعة النفس، أي في الجزء الأدنى من الطبيعة الإنسانية الذي خُلِقَ مناقضًا لجزءها الأعلى- أي في الجزء الطبيعي الذي يتعارض مع الجزء الروحي- في الجزء الأرضي مقابل الجزء الإلهي.
ولكننا يمكننا أن نرى بكل وضوح في النتيجة المنطقية لهذه النظرية نزعتها النصف بيلاجية. وبالتالي أدى التعليم أعلاه القائل بأن البر الأصلي كان عطية فائقة للطبيعة إلى التعليم القائل بأن السقوط تسبب في فقدان وضياع العطية الفائقة للطبيعة، وليس فقدان العطية الطبيعية. وهكذا نتيجةً لخطية آدم، فقد الجزء الروحي من الإنسان سلطانه وسيطرته على جسده، وارتدت الطبيعتان، أي الأعلى والأدنى، اللذين خُلِقَ بهما، إلى صراعهما الأصلي.
وبالتالي لا تعني الخطية الأصلية في هذا النظام أي شيء آخر سوى فقدان البر الأصلي. وهكذا لم يكن الإنسان فاسدًا بالكلية، بل ”تغير وتحول إلى الأسوأ“، أي أنه قد ارتد إلى الحالة السلبية التي خُلِقَ عليها.
بينما اعتبر أوغسطينوس الصراع بين الجسد والنفس بمثابة نتيجة ودليل على السقوط، ويرفض كغنوسي وجود تعارض بين الأثنين في طبيعة الأشياء بالخلق. من ناحية أخرى، تمسك اللاهوتيون التريدنتنيون متبعين الرأي النصف بيلاجي بأن هذا الصراع هو الحالة الأولى والطبيعية في الإنسان المخلوق، حيث كان الجانب الروحي في حاجة إلى مساعدته بإضافة نعمة فائقة للطبيعة.
وبالتالي، قد كانت النتيجة المنطقية لهذا الرأي هي إنكار عقيدة النعمة المانعة (الوقائية) وسلبية الإنسان في عملية التجديد، أي العقيدة التي حرمها اللاهوتيون الكاثوليك الرومانيون باعتبارها قدرية بحتة، وتبني واضح للنظرية النصف بيلاجية عن التآزر (السينرجيا)، التي دافعوا عنها بقوة شديدة، كما يتضح من الاقتباسات التالية:
”إنْ كان أحد يقر بفقدان حرية إرادة الإنسان، وأنها صارت مندثرة بعد خطية آدم […] فليكن محرومًا“.[86]
”إنْ كان أحد يقر بأن حرية إرادة الإنسان التي يحركها ويقودها الله، لا تتعاون على الإطلاق بالاتفاق مع الله، هكذا من خلال الحض والدعوة بمثل هذه الطريقة الخاصة بتهيئة وإعداد نفسها لنوال نعمة التبرير، ولكنها لم تفعل أي شيء على الإطلاق مثلها مثل أي شيء غير حي، بل إنها سلبية فحسب، فليكن محرومًا“.[87]
”إنْ كان أحد يقر بتبرير الخاطئ بالإيمان فقط، بمعنى أنه لا يوجد أي شيء آخر ضروري، الذي قد يتعاون تجاه الحصول على نعمة التبرير، وأن الخاطئ لم يكن بحاجة إلى إعداد وتهيئة عن طريق تحريك إرادته، فليكن محرومًا“.[88]
وبالتالي، يمكن أن يؤدي هذا الاتجاه من ناحية الخطية الأصلية فحسب إلى إنكار أنها تُعتبر خطيةً حقًا -الرأي الذي طرحه أولاً النصف بيلاجيين، الذين رأوا الخطية الأصلية كمرض وليست خطيةً بالمعني الحقيقي والصحيح. وهكذا انتشرت الفكرة منهم بشكل واسع، واستمر ينادي بها اللاهوتيون الذين لديهم جميع أشباه هذا الرأي، من دنس سكوتس Duns Scotus إلى زفينجلي Zwingli، والأرمينيون Arminians [أتباع جاكوب أرمانيوس]. ولم يتردد المصلحون التريدنتينون في اعتناق هذا الرأي.
طالما أن حالة الإنسان بعد السقوط هي نفس حالته عند خُلِقَ أولاً قبل إعطائه البر الأصلي، فيشير القول بأن السقوط قد ترك الإنسان في حالة الخطية إلى خلق الله للإنسان في حالة الخطية، ويتهمه بالمسئولية عن الخطية الإنسانية. لقد قارن المجمع منح الإنسان الطبيعي البر الأصلي بتغطية الإنسان العريان بالملابس. وبالتالي كان تأثير السقوط هو تعري الإنسان من ردائه الخارجي، وتركه في حالته الأصلية in puris naturalibus، ليس بحال أفضل أو أسوأ.
لذا أقر المجمع بأن الخطية الأصلية في عملية التجديد ليست خطيةً بالمعنى الصحيح. بل إنها مجرد وقود للخطية fomes peccati. وهكذا قاموا بتغيير تعليم أوغسطينوس عن الخطية الأصلية إلى التعليم عن الشر الأصلي. وإنه من الحقيقي استمرار الشهوة حتى في غير المعمدين، التي يدعونها خطيةً أحيانًا، وهكذا دعاها الرسول،[89] ولكن هذا ليس بسبب ليجعل منها خطيةً في حد ذاتها بالمعنى الحقيقي والسليم، بل بسبب أنها تأتي من الخطية، وتميل إلى الخطية.[90]
وبالتالي، أعتنق مجمع ترنت Trent بالطبع وعبَّر بدقة عن الآراء النصف بيلاجية، وتمتع بالسلطة الكاملة حتى مجيء الإصلاح، عندما أحيا البروتستانت الأنثروبولوجي الأوغسطيني، وأعادوا الأوغسطينية في كنائس الغرب.[91]
[1] De Grat. Et lib. Arbitr. And De Corrept. Et Grat.
[2] De Predest. Sanctorum & De Dono. Perseverantia.
Reginald S. Moxon, The Doctrine of Sin, (London: George Allen & Unwin LTD, 1922), p. 142-165.
[7] للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى بحثنا المنشور على صفحتنا على الفيس بوك Antoun Guirgis بعنوان ”الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي“.
[8]ليو (لاون) الكبير: لاون كان أسقف روما من 29 سبتمبر 440م إلى 10 نوفمبر 461م.
[9]غريغوريوس الأول (الكبير): (ولد 540 م – 12 مارس 604) كان بابا روما في الفترة منذ 3 سبتمبر 590 حتى وفاته. وُلد في عائلة رومانية أرستقراطية. كان من أول البابوات ذوي الخلفية الرهبانية. في عام 573، عُين غريغوريوس الأول حاكماً لمدينة روما. بعد عامين أسس دير القديس أندرو.
في عام 578 عينه البابا بندكت الأول كأحد الشمامسة السبع لروما، وبعد عام أرسله البابا بيلاجيوس الثاني سفيرًا للمحكمة الإمبراطورية في القسطنطينية. عاد غريغوريوس الأول إلى روما في عام 586 ليصبح رئيس دير القديس أندرو. وفي 3 سبتمبر 590 أصبح غريغوريوس البابا الروماني، وفي عام 593 قام بكتابة كتب ”الحوارات“ (Dialogues) الأربع. وفي عام 596 أرسل البابا غريغوريوس أوغسطينوس ورهبان آخرين لتبشير الإنجليز. توفي في 12 مارس من عام 604.
[10]بيدا: والمعروف أيضًا باسم القديس بيدا Saint Bede في الكنيسة الكاثوليكية، وبيدا المكرم Venerable Bede، وباللاتينية: Bēda Venerābilis، هو راهب إنجليزي في دير نورثمبريا التابع للقديس بطرس Saint Peter في مونكويرماوث Monkwearmouth، ورفيقه دير القديس بولس الموجود في مدينة جارو Jarrow، وهما موجودان في مملكة نورثمبريا. كان دير بيدا متصلاً بمكتبة رائعة تحتوي على كتب يوسابيوس القيصري، وأوروسيوس Orosius، والكثير غيرهم.
عُرف بيدا ككاتب وباحث، وتسبب كتابه الأشهر، Historia ecclesiastica gentis Anglorum (التاريخ الكنسي للأمة الإنجليزية) في أن يُلقَّب بيدا بـ ”مصدر التاريخ الإنجليزي“. وفي عام 1899م، اختاره ليون الثالث عشر Leo XIII ليكون ملفانًا، وهو منصب ذو أهمية لاهوتية كبيرة، وكان بيدا هو أول إنجليزي من أصول إنجليزية خالصة يتولى ذلك المنصب (كان أنسلم الكانتربري Anselm of Canterbury ملفانًا أيضًا، ولكنه كان من أصول إيطالية).
وعلاوة على ذلك، كان بيدا عالم لغويات ومترجمًا بارعًا، وكان لاشتغاله بالكتابات اللاتينية والإغريقية الخاصة بآباء الكنيسة أثرٌ كبيرٌ في المسيحية الإنجليزية، حيث سهل ذلك الأمر على أقرانه من الأنجلوسكسونيون وجعل النصوص متاحة لهم بشكلٍ أكثر.
[11]ألكوين: (724م – 804م) كان عالم لاهوت، وكاتب، وكاهن، وشاعر، ولاهوتي، وفيلسوف من نورثمبريا.
[12]جوتشالك: (808-868 م) كان من أوربايز Orbais سكسونيا. جوتشالك هو لاهوتي، وراهب وشاعر. كان جوتشالك محاميًا مبكرًا عن عقيدة سبق التعيين المزدوج التي هزت إيطاليا وفرنسا من 848م إلى 850م و860م. أدَّعى تحت تأثير تفسيره الخاص لتعاليم أوغسطينوس حول هذه المسألة أن الطبيعة البشرية خاطئة، وضرورة الرجوع إلى الله بتواضع للخلاص. رأى نفسه كوعاء إلهي يدعو كل المسيحية للتوبة لعقود من الحرب الأهلية.
فشلت محاولاته في هذا التبشير بالتعليم الجديد في فرانسيا، أُدينت عقيدته في النهاية باعتبارها بدعة في مجمع ماينز 848م، ومجمع Quierzy 849م. بعد إدانته بالهرطقة، ظل جوتشالك عنيدًا على أيديولوجيته التي خالفت التسلسل الهرمي الكنسي، مما جعله ”مهرطقًا حقيقيًا“، لأن هذا العصيان وضع جوتشالك في الحبس الرهباني؛ لكن الصدمات التي أرسلتها أيديولوجيته حول العالم المسيحي الغربي رفضت التوقف عن الارتداد، وتمكن جوتشالك من كسب المزيد من الأتباع، وظل التهديد قائماً حتى وفاته في عام 868م.
أنذرت آراء جوتشالك عن الخلاص بوجهة النظر البروتستانتية عن السولا فيدي أو الإيمان فقط.
[13]بطرس اللمباردي: (1095- 1160م). أحد علماء اللاهوت في القرون الوسطى، كتب مرجعًا لاهوتيًا بعنوان ”الأحكام“ في أربعة كتب، انتهى من كتابته عام 1158م. وقد ظل هذا الكتاب مرجعاً رئيسياً في مدارس اللاهوت طوال 300 عام. عرض لومبارد في كتابه الأحكام لآراء السابقين والمعاصرين، تلك التي تدور حول المشكلات اللاهوتية بأسلوب منهجي. وقد جمع هذه الآراء من عدد من أبرز الرجال الثقات بالكنيسة، وبخاصة أوغسطينوس.
كما قام لومبارد بتلخيص موقف الكنيسة، وكتب آراءه الخاصة حول هذه الأمور. وقد كان على طلاب اللاهوت لقرون عديدة أن يكتبوا تعليقاتهم بشأن كتاب الأحكام في شكل مقالات نقدية. وقد كانت بعض هذه المقالات هي الأعمال الكبرى المنسوبة إلى كُتابها علماء اللاهوت والفلاسفة البارزين في القرون الوسطى، ومن بينهم بونافنتورا، وجون دنس سكوتس، ووليم أوكام.
وُلد لومبارد بالقرب من نوفارا بإيطاليا، ودرس في بولندا، وذهب إلى باريس في حوالي عام 1134 م للتدريس في المدرسة التابعة لكاتدرائية نوتردام. وسرعان ما اكتسب شهرة بوصفه عالمًا في اللاهوت. وتم تعيينه مطراناً لباريس في عام 1159م.
[14]أنسلم الكانتربري: (1033- 1109م) هو لاهوتي وفيلسوف من أوائل السكولائيين المدرسيين. كان له تأثير بالغ على اللاهوت الغربي. كان أنسلم يعتقد أن الإيمان يجب أن يسبق المعرفة، فيجب أن تؤمن لتعرف، ومع ذلك يمكن للإيمان أن يبنى على المعرفة. يُستخدم البرهان الأنطولوجي (الوجودي) حتى يومنا هذا في الجدالات الفلسفية حول حقيقة وجود إله، ومارس أنسلم تأثيرًا مهمًا على المفكرين اللاحقين، بما في ذلك توما الأكويني، وويليام أوكام، وكذلك على عقيدة الكنيسة اللاحقة في مختلف الأمور. توفي أنسلم في كانتربري عام 1109 ودُفِنَ في الكاتدرائية هناك.
[15]برنارد من كليرفو: (1090- 1153م) كان رئيس الدير الفرنسي والقائد الأساسي في إصلاح الرهبنة البندكتية التي تسببت في تشكيل النظام السسترسي. في عام 1128، حضر برنارد مجمع تروي، الذي تتبع فيه الخطوط العريضة لقاعدة فرسان الهيكل. عند وفاة البابا هونريوس الثاني في 13 فبراير 1130، اندلع انشقاق في الكنيسة. عقد الملك لويس السادس ملك فرنسا مجلسًا وطنيًا للأساقفة الفرنسيين في مدينة إيتامب في 1130، واُختير برنارد للفصل بين المنافسين على الباباوية.
بحلول نهاية عام 1131، ممالك فرنسا وإنجلترا وألمانيا والبرتغال وقشتالة وأراغون دعمت ’إينوسنت الثاني‘. ومع ذلك، فإن معظم إيطاليا وفرنسا الجنوبية، وصقلية، مع البطاركة اللاتينية في القسطنطينية، أنطاكية، والقدس دعموا ’أناكليتوس الثاني‘. شرع برنارد في إقناع هذه المناطق الأخرى بالوقوف وراء إينوسنت. في عام 1139، ساعد برنار في مجمع لاتران الثاني. وفي وقت لاحق ندد بتعاليم بيتر أبيلارد إلى البابا، الذي دعا إلى مجلس في سنس في 1141 لتسوية المسألة.
بعد أن ساهم في إنهاء الانقسام داخل الكنيسة، كان برنارد الآن مدعوًا لمكافحة الهرطقة. في يونيو 1145، سافر برنارد في جنوب فرنسا وساعدت بالوعظ هناك على تقوية الدعم ضد الهرطقة. بعد هزيمة المسيحيين في حصار الرها، كلّف البابا برنارد بالدعوة بالحملة الصليبية الثانية.
كانت السنوات الأخيرة من حياة بيرنارد حزينة بسبب فشل الصليبيين، حيث تم إلقاء المسؤولية عليه بالكامل. توفي برنارد عن عمر يناهز 63 عامًا بعد 40 عامًا كراهب. كان أول سسترسي يوضع على تقويم القديسين، تم إعلان قداسته من قبل البابا ألكسندر الثالث في 18 يناير 1174. في عام 1830، منح البابا بيوس الثامن برنارد لقب ’ملفان‘ (معلم الكنيسة).
[19]جون سكوتس إريجينا: (815- 877م) فيلسوف أيرلندي المولد نال تعليماً في سن مبكرة، وعاش في فرنسا. وهكذا أبدع اريجينا مذهبه الصوفي الذي عرض جوهره في مؤلفه ”عن الطبائع الإلهية“ على أساس الأفلاطونية الجديدة.
P. Williams, The Ideas of The Fall and of The Original Sin, (London, New York, Toronto: Longsman, 1929), p. 408-419.
[29]جون دنس سكوتس: (1265 – 1308 م) هو فيلسوف ولاهوتي فرنسيسكاني أسكتلندي. تعرف فلسفته بـ ’السكوتية‘. تأثر بالنزعة الأوغسطينية، وبالقديس بونافنتورا، وأستفاد كثيرًا من أرسطو. انتقد لاهوت توما الأكويني. أكد أن الإيمان ليس شأنًا تأمليًا، بل عمل من أعمال الإرادة.
[30] يتم شرح تفسير سكوتس للتعاليم عن السقوط والخطية الأصلية بإسهاب في كتابه
Quaestiones in II. Lib. Sentent., distinct. XVII-XXXIII. (Paris edition, 1893, tom XIII. pp. 332-61.
يُفهَم من المخطط المعروض في النص بسعيه فقط لاختيار بعض من نقاطه الأكثر تميزًا، ولا يحاول نقد النقاش كله. إلا عندما يُشَار بطريقة أو بأخرى إلى الإشارة “dist” التي تشير إلى أحد هذه التمايزات.
ولكن هذا ”الثبات في النعمة“ لا يمنح الحالة المعروفة بـ “non posse peccare” أي ”عدم إمكانية ممارسة الخطية“ الممكنة فقط للأبناء المتبنين (أي المغبوطون الذين ينالون المعاينة الطوباوية)، بل هو امتياز فقط للذين لم يخطئوا أو يمارسوا الخطية، أي يليق بالمسافرين فقط (أي هؤلاء الذين مازالوا يعيشون على هذه الأرض تحت الاختبار).
[38] يميز هذا التمييز نفسه بين هذين المعنين للكلمة في dist. XXXII. 7 cp. 311 ويعترف بأن ”الشهوة هي الخطية الأصلية المادية“ “concupiscentia est materiale peccati originalis” في المعنى الأخير، وهكذا يتفق مع توما (الأكويني) شفهيًا.
ولكن لم يكن من غير المعقول اعتبار هذا الاعتراف الأخير كمجرد فعل عابر لولاء شفهي للأوغسطينية، والتمسك بالتعبير عن فكر سكوتس الحقيقي في صمته الواضح في dist. XXXI. Q. unica. حيث يعلق هنا على فقرة من كتاب الأحكام و Senti. II.، حيث يقتبس لومبارد ويصادق على فقرة من عند أوغسطينوس، تعبِّر في صورتها الصريحة عن نظرية انتقال الخطية الأصلية من الأب إلى الابن عن طريق الشهوة المصاحبة لفعل الولادة de fide ad petrum, 2. وهكذا يعبر سكوتس عن هذا الاقتباس المستهجن دون تعليق، ويخالفه صراحةً، بالرغم من أن السلطة المركبة لأوغسطينوس وصاحب كتاب الأحكام كان من الصعب جدًا التنصل منها صراحةً.
[39] See Additional Note G “Infant Baptism” (p. 550).
ولكن يغفر الله ”دَّين“ البر الأصلي (أو بمعنى آخر، الصفح عن الذنب الموروث لفقدان العطايا الفائقة للطبيعة في الطبيعة البشرية غير الساقطة) بواسطة المعمودية، لأنها تستبدل ضرورة اقتناء الفضائل المسيحية المعتادة.
[41]الأسمية: هو مذهب ينتمي أصحابه، بالمعنى الدقيق، إلى فلسفة العصر الوسيط الأوروبي، وهو بالحري حركة منطقية وابستمولوجية امتد تأثيرها الموصول إلى ميدان العلم الحديث والمعاصر. يتفق الباحثون في تاريخ المذاهب الفلسفية على أن الاسمية تنطلق من نقاط سابقة متصلة بتاريخ المنطق في العصر القديم. فقد كان المنطق لصيق الاتصال بما وراء الطبيعة. وقد تأثر بالرواقية وبالمشائية وغدا علمًا صوريًا يُعنى عناية خاصة بنظرية المفهوم أو التصور.
وبقيت كتب خطباء اللاتين المتأخرين معتَمدة في التعليم حتى القرن الثاني عشر، ومنها كتب كايوس ماريوس ف. كتورينوس Gaius Marius Victorinus ومرتيانوس كابلا Martianus Capella وهكتور بويس (470-524) Hector Boece مترجم مصنفات أرسطو المنطقية إلى اللاتينية. وقد ترجم بويس التحليلات الأولى والثانية وسواها وأطلق عليها اسم المنطق الجديد، فكان من جراء ذلك الرجوع إلى طرح مشكلة الكليات طرحاً حاداً أثار خصاماً شديداً هو إلى المعركة أدنى، وبها أشبه.
دارت هذه المعركة بين ثلاثة فرقاء يمثلون النزعات الأكثر إثارة في الفكر الفلسفي الوسيط المتضمن مشائية مشوبة ببعض من الأفلاطونية الحديثة من نمط المذاهب اللاهوتية ـ الكلامية التي عرفها من قبل الفكر اليهودي والمسيحي والإسلامي وقد انعكست تفاعلاتها المعقدة في تراكيب تتساءل عن حقيقة الكليات: هل هي كلمات، أو أفكار، أو وقائع؟ وإذ ذاك ظهرت الحلول الثلاثة الآتية. رأى الاسميون أن الكلي هو الكلمة (أو الصوت) التي تعرب عنه.
ورأى الواقعيون، على العكس، أن الكلي شيء، وأنه لا يوجد بذاته كما حسب أفلاطون، بل في الكائنات الفردية. وإلى ذلك ذهب غيوم ده شامبو (1070-1120)Guillaume de Champeaux ، أسقف شالون، قائلاً: كل إنسان هو الإنسان مضافاً إليه ما يجعله هذا الإنسان أو ذاك. ولكن خصومه انتقدوه بملاحظة أن ذلك الأمر لو صحّ لكان الإنسان الماثل في سقراط يتألم، وكذلك الإنسان الماثل في أفلاطون، أو في أي فرد من الناس.
فرجع عن رأيه، ودنا من مذهب ثالث هو الواقعية المعتدلة ويمثلها بوجه خاص أبيلارد (1078-1124) Abelard القائل بنظريات حظيت بشهرة واسعة، وهي ترى أن ثمة واقعاً في الكائنات الفردية، ولكن بين هذه الكائنات الفردية صفات مشتركة، وهذه الصفات لا تنفصل عن الصفات الفردية. غير أن الفكر يستطيع أن ينظر إليها واحدة واحدة. وبذلك تكون الأفكار العامة نتيجة عملية التجريد: إن الفكر يدرك في الموضوعات الخاصة الشكل العام مثلما يدرك بوساطة الألوان رسماً في لوحة.
والاسمية مذهب يؤكد أن الأفكار العامة لا تقابل أية حقيقة (في الذهن ولا خارج الذهن) وإنما تنحلّ الأفكار إلى إشارات عامة تعرب عنها. وقد أكد كوندياك أن واقع الأفكار المجردة والعامة وهو واقع اسم. وعلى هذا فإن الحوادث أو التصورات لا تتحلى بصفة الواقع الدالّ إلا بتسميتها مادام من اللازب تمثل هذه الحوادث تمثلاً حسياً في سبيل فهمها. ويرى كوبلو أن الاسمية مذهب ينكر وجود الأجناس سواء أكان وجودها بذاتها (كما في الواقعية) أم في الذهن (كما ترى التصورية) وأنها ليست سوى أسماء يمكن انطباقها على عدد لا محدد من الموضوعات المختلفة.
ويرى ريجيه جوليفه Régis Jolivet أن الاسمية مذهب ينطلق من التجربة وينكر الأفكار (الكليات) وينقسم إلى اسمية متطرفة يمثلها هيوم، وهي ترى أن ليس للأفكار واقع ذهني لأنها تنحل إلى صور (وهذه هي النزعة الحسية)، وإلى اسمية معتدلة أو تصورية، وقد قال بها أوكّام، وديكارت، وبركلي، وكانط، وعندهم أن الأفكار لا تنشأ من التجربة، بل إن لها واقعًا ذهنيًا خاصًا لا ينحل إلى الصور. أما لالاند فإنه يُعرِّف الاسمية بوصفها مذهباً ينكر وجود الأفكار العامة، ولا يقر إلا بوجود إشارات عامة، ومن أشهر زعمائها روسلان وأوكام وهوبز.
لقد حذا روسلان في مجال الكليات حذو بويس وسمبليقيوس Simplicius القائلين إن مقولات أرسطو والجدل الناجم عنها لا يتناولان الأشياء بل الكلمات من حيث دلالتها على الأشياء. وذهب روسلان إلى أن كل ضروب التمييز الجدلي بين الجنس والنوع والجوهر والصفة، ليست سوى تمييزات لفظية تنشأ من مجرى المقال. ”إنما التمييز الوحيد الذي يمكن قبوله في الواقع هو تمييز الجواهر الفردية. وبذا يتجلى مذهبه في قضايا ثلاث هي: إن الجواهر الكلية ليست سوى أصوات، واللون ليس سوى الجسم الملوَّن وحكمة الإنسان ليست إلا الإنسان نفسه“.
وهذا عنده يعني أن من الجائز بالكلام وحده فصل الإنسان عن سقراط، والبياض عن الجسم، والحكمة عن النفس. ولكن الإنسان المقصود هو في الواقع سقراط، والبياض جسم أبيض، والحكمة هي الحكيم نفسه. ليس ثمة شيء عن روسلان إلا رسالة موجهة إلى أبيلارد تلميذه السابق ثم خصمه. وقد نسب إليه هذا الخصم الاعتقاد بأن من باب الاعتساف والمواضعة تقسيم الأشياء بحسب الأصوات والمقولات. وكذلك تقسيم الجسم إلى أجزاء اسمية، بل الأشياء الجزئية المحسوسة هي وحدها الأشياء الواقعية.
وكل جسم، مثل البيت، لا يقبل التجزئة. وما القول إن البيت مؤلف في الواقع من أساس وجدران وسقف إلا نظرٌ إلى أحد أجزائه، وليكن السقف، على أنه، في آن واحد، جزء من كل، وشيء مميز ضمن كثرة أشياء ثلاثة. وقد قاد هذا الرأي إلى نتائج خطيرة في المجال الديني. والمعروف أن مجمع سواسون الكنسي حكم سنة 1092 على روسلان بإنكار رأيه في الثالوث المقدس، ذلك أنه جَرُؤ على تطبيق قول بويس إن الشخص يدل على جوهر عاقل. ولذا فإن في ذات الإله عددًا من الجواهر بعدد الأشخاص (الأقانيم).
وهذه عقيدة ثلاثية الإله، فالآب والابن، الوالد والمولود، واقعان متمايزان. والأقانيم الثلاثة ينفصل بعضها عن بعض انفصال ثلاثة ملائكة. وبذا ”يمكن القول بثلاثة آلهة لو كان العرف يسمح بذلك“. ولكن العرف يأبى هذه التعددية، فسعى روسلان إلى التوفيق بين الإله المثلث والواحد معًا. وأعلن أنها وحدة إرادة ومشيئة. ولكن ذلك لم يمنع أمثال أنسلم Anselm of Canterbury من أن يأخذ عليه وعلى أضرابه ”شدة انخراط الفكر في الصورة الجسمية حتى امتنع الافلات منها“ فجاءت الاسمية تهدم كل لاهوت مسيحي لأنها تميز ما لا ينبغي تمييزه.
ويؤكد راسل Russell أن ”أهم سكولائي بعد توما الأكويني هو ويليام الأوكامي (غيوم دو أوكام)“. ويذهب مؤرخو الفلسفة إلى أن الفلسفة المدرسية قد تراجعت وانحلت من جراء أمرين أحدهما هو انتصار الاسمية، والآخر ذيوع الصوفية. والحق أن راية هذا النصر إنما حملها أوكام ومدرسته. إن الحجج التي اعتمدها أوكام لإنكار وجود الكليات ترجع إلى ما عرفه سابقوه في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومَن قَبلهم إلى مناقشة أرسطو مُثُلَ أفلاطون كما نقلها بويس: إن الكلي الذي يُفرض فيه أنه موجود بذاته سيكون فرداً.
وهذا تناقض، وإن طرح الكلي لتفسير الفردي لا يؤلف تفسيرًا، بل يعني ازدواج الكائنات، وإن عدّ الكلي موجودًا في الأشياء الفردية والتي سيستخرجها العقل بالتجريد هو كذلك بمنزلة جعل الكلي فرديًا. وقد عُرِفت اسمية ويليام من أوكام بأنها حدية terminisme أنجبت صورية رهيفة جعلت المنطق علم الكلمات. وقد منعتها كلية الفنون في جامعة باريس سنة 1339م وسنة 1340م وجُدِّد هذا المنع بعد قرن بمرسوم أصدره الملك لويس الحادي عشر سنة 1473م، وفرض على الأساتذة أداء قَسَم يتعهدون فيه باعتماد الواقعية بدل الأوكامية.
ولكن اسمية أوكام حظيت بشهرة فائقة وكان لها أكبر الأثر في تاريخ العلم والفلسفة. وذاعت في ألمانية ولاسيما بجهود جابريل بيل Gabriel Biel (ت 1495) وتلاميذه الذين أطلعوا مارتن لوثر على اللاهوت الاسمي وفيه يشبه الإله نوعًا من يهوه العابث بأكثر من شبهه إلهًا تخضع إرادته لقانون النظام والخير كما يتصورهما عقله.
[42]الكليات: هو أحد أصناف الكيانات العقلية المجردة المستقلة حسب ما تعرفها الفلسفة الواقعية، حيث يفترض أن هذه الكليات هي التي تؤسس وتشرح العلاقة بين الماهيات النوعية والتشابه بين الأفراد. يمكننا أن نقول عن الأفراد انها متشابهة عن طريق تقرير تشاركهم بالكليات. فالتفاحة الحمراء والياقوتة تتشابهان بأنهما حمراوان، فتشاركهما بالاحمرار نتيجة تشاركهما في كلي (كيان عقلي) هو الاحمرار. وهذا هو ما يميز الكلي عن الأفراد والأشياء، فهو يمكن ان يتواجد في مكانين أو أكثر بنفس اللحظة.
في الفلسفة، ضرورة الكليات لشرح العلاقة بين الماهيات والأفراد المتشابهة كانت نقطة جدال مركزية لآلاف السنين بين الفلاسفة والميتافيزيقيين. ويمكن ان نلخص النزاع بين ثلاثة أطراف رئيسية: الواقعيين الذين يدعمون الكليات ويرون انها ذات وجود واقعي، الاصطلاحيون يشرحون التشابه بين الأفراد بقبول مصطلحات عامة أو أفكار، أي أشياء تتواجد فقط في العقل دون الواقع، وأخيرا الاسميون وهم يميلون إلى ترك التشابهات بين الأنواع والماهيات النوعية غير محددة وغير مؤسسة بشكل محدد بل بشكل متطور حسب السياق التاريخي.
وجدت خلال التاريخ نسخ عديدة من الاسمية، بعضها على درجة عالية من التعقيد، شهدت الساحة مؤخرا نشوء مدرسة اسمية جديدة تدعى الاسمية المجازية، وهي تعمل على استخدام نوع خاص من الجزئيات (الأفراد) يعرف بالمجاز. فالأفراد المتشابهون يملكون العديد من الخواص لكن المجاز هو حالة وحيدة الخاصية.
[43] راجع الملاحظات التالية على عقيدة السقوط عند أوكام. لقد كان أوكام مُقيَّدًا كلاهوتي كنسي بالحفاظ على هذا المفهوم [أي مفهوم الخطية الأصلية]، وبالمثل أيضًا التعريف التقليدي الخاص بها بوصفها فقدان البر الأصلي. ولكن من منظور الإمكانية […] يبدو من المستحيل بأي حال من الأحوال بحسب أوكام أن يكون الإنسان مُقيَّدًا باقتناء عطية فائقة للطبيعة بالإضافة إلى أداته الطبيعية. فليست الخطية الأصلية نقصًا حقيقيًا في طبيعة الإنسان: بل إنها الإسناد المنطقي الأفضل لخطية آدم في علاقتها بكل نسله.
ومعناها ببساطة أن جنس آدم بسبب قوة الله المنظمة potential ordinata، وبسبب معصية الآخر، تم تضمينها في عبارة الإدانة. ولا يوجد نقاش هنا حول خطية الإنسان الخاصة. لأنه من البديهي بالنسبة للاسميين عدم وجود ارتباط حقيقي بين آدم وباقي البشرية. وتبين هذه الأطروحات بكل بساطة ماهية الهوة العظيمة الفاصلة بين عقيدة الخطية الأصلية هذه وبين الدوافع التي أدت إلى صياغتها الأولى بواسطة أوغسطينوس. في الواقع، لقد تركنا فقط الصيغ الجوفاء، وذهب الآن ذاك الذي كان يعطيهم الحياة فيما سبق. فالعقيدة هي موقف لاهوتي، وبالتالي لا يوجد أي سبب آخر لوجوده سوى ما يفرضه التقليد الكنسي. ولكن كيف يمتلك فهم أوكام القليل من المغزى الأصلي للعقيدة، فنرى ذلك بوضوح في أسلوب تناوله لموضوع الشهوة […] فالشهوة أو الوقود fomes بالنسبة له بالكامل من الطبيعة الحسية هو مجرد خلل جسدي محض. وينبغي الاعتقاد بأن مقارنتها ببساطة بالأمراض الجسدية وما شابهها يرتكز على توزيع غير متساو ”للأمزجة“ في الإنسان. ويعزو للوقود أيضًا الدورة الكاملة للحياة النباتية؛ كالجوع، والعطش، والنوم، وما إلى ذلك، فهي نتائج للشيء نفسه بمقدار استحالة السيطرة عليهم. وبالتالي، لم يكن المسيح، ولا العذراء مريم بهذا المعنى الأخير، خاليين من الشهوة. وهكذا يعود أوكام إلى موقف يوليان الذي أثار مرةً استياء أوغسطينوس الشديد.
Ljunggren, op. cit. p. 248 f. (tr. G. C. Richards).
[48]بونافنتورا: (1217- 1274 م) هو عالم لاهوت وفيلسوف إيطالي سكولائي ينتمي إلى القرون الوسطى. وكان سابع كاهن عام للرهبانية الصغرى، كما كان أسقفًا وكاردينالًا لألبانو. وقام البابا سيكتوس الرابع بإعلان قداسته في 14 من إبريل 1482م، وأعلنه البابا سيكتوس الخامس معلمًا في عام 1588م. وقد عُرِف أيضًا باسم ”المعلم السيرافيمي“.
تعكس عقيدة ”الحبل بلا دنس“ العلاقة بين السبب والنتيجة المشار إليها في النص، ويُعتقد أن الحماس الشعبي لفكرة وعيد الحبل بلا دنس أضطر اللاهوت الرسمي للتخفيف من حدة مفهومه عن الخطية الأصلية، وتحديدًا إسقاط الاعتقاد بالذنب الموروث للشهوة. حيث تستبعد المبادئ الأوغسطينية الصارمة فكرة الحبل بلا دنس، لأن نفس مريم لا بد من أنها مُصابة تلقائيًا بالخطية الأصلية عن طريق الشهوة التي من المفترض وجودها أثناء ولادتها من يواقيم وحنة. ولقد عارض ق. برنارد Bernard، كما هو معروف جيدًا، إقرار العيد (ep. CLXXIV, PL CLXXXII. 332).
[52] History of Dogma (E. tr., 1899), VII. P. 100, n. 1.
[53] سيكون من اللائق هنا إضافة بعض الكلمات بخصوص تحاملنا على التعليم الكاثوليكي بحبل العذراء مريم الطوباوية بلا دنس في نقاشنا. حيث يؤكد كتاب بول Bull ”الإله غير المنطوق عنه“ Ineffabilis Deus (الذي يعود تاريخه إلى 8 ديسمبر، 1854) على أن ”التعليم الذي ينادي بأن العذراء كلية الطوبى كانت معصومة من وصمة الخطية الأصلية برمتها منذ اللحظة الأولى للحبل بها بنعمة وامتياز وحيد من الله القدير في ضوء استحقاقات ربنا يسوع المسيح مخلص الجنس البشري (abomni originalis culpae labe praeservatam immune)، قد أعلنه الله، لذلك يجب على جميع المؤمنين أن يؤمنوا بذلك بقوة وثبات“ (Denzinger-Bannwart, Enchiridion, § 1641).
وهكذا بحسب التعريف الذي أصدرته السلطة الرومانية، ويفترض على الأرجح مسبقًا المفهوم الحالي للخطية الأصلية، الذي (كما هو مشار إليه في النص) أكثر حدةً نوعًا ما من التعليم السكوتي، لأنه لا يحتوي على مجرد ذنب فقدان البر الأصلي، بل يحتوي أيضًا على ذنب ارتكاب الخطية ”في آدم“. وبالتالي لا بد أن معنى العصمة ”من وصمة الخطية الأصلية برمتها“ بين الآخرين inter alia هو عصمة من الذنب الأصلي. وهكذا يتضح من منطلق الأطروحة المقدَّمة في هذه المحاضرات أن الاعتراض الرئيس على عقيدة الحبل بلا دنس -ليس أكثر من حقيقة عدم وجود أثر لأي عقيدة كهذه في العهد الجديد، أو عند الكُتَّاب المسيحيين في القرون الأربعة الأولى، بل بالأحرى- هو حقيقة أن (إنْ كانت ادعاءاتنا سليمةً) فكرة المسئولية عن المشاركة قبل الولادة في خطية آدم هي فكرة ميثولوجية (أسطورية) وغير منطقية. فإنْ كان -كما قد قلنا من قبل- ”الذنب الأصلي“ مجرد كابوس أوغسطيني، فلا معنى من الإقرار بأن مريم كانت معصومة منه.
[54] يوجد تعليم توما الأكويني حول هذا الموضوع في الخلاصة اللاهوتية Summa theol. III. Q. XXVII تحت عنوان ”طهارة العذراء مريم الطوباوية“ (de beatae Mariae virginis sanctificatione).
[55]بيير من إيلي: (1350- 1420م) كان بالتتابع مستشارًا لنوتردام باريس، ثم أسقفًا على كامبري Cambrai، ثم أسقفًا لأورانج Orange، ثم كاردينالاً. لعب دورًا بارزًا في الحركة ”المجمعية“ في بداية القرن 15، أنظر دراسة عن حياته وكتاباته في P. Tschackert, Peter von Ailli, Gotha, 1877. وهكذا نعرض الحديث في النص بناءً على مرجعية Ljunggren, op. cit., p. 249.
[56]ويليام من أوكام: (1288م – 1348م) هو راهب فرنسيسكاني ولاهوتي مدرسي إنجليزي من أوكام، قرية صغيرة في سري. كان له أثر فكري وسياسي على مجرى الأحداث في القرن الرابع عشر.
حيث يميز بيتر لومبارد بين ما يفعله الله بشكل منطقي، وبين جميع الأشياء التي بإمكانه فعلها بشكل منطقي.
[59]ألكسندر من هالس: (1185- 1245م) هو راهب فرنسيسكاني حاصل على وسام الرهبان الصغار، وكان فيلسوفًا وعالم لاهوتٍ مهمًا في تطوير الفلسفة المدرسية والمدرسة الفرنسيسكانية.
[60]ألبرت الكبير: (1200 – 1280م)، معروف أيضًا باسم ألبرتوس ماجنوس، وألبرت من كولونيا، كاهن وراهب دومينيكي حقق شهرة واسعة لمعرفته الشاملة، ودعوته للتوفيق بين العلم والدين. يُعتبر أعظم لاهوتي وفيلسوف ألماني في العصور الوسطى. كان أول الدارسين في القرون الوسطى الذي طبَّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي. كرَّمته الكنيسة الكاثوليكية بلقب معلم الكنيسة واحدًا من أهم 33 شخصية نالوا هذا التكريم فقط.
[65] كما يلخص مويرر Maurer, (The philosophy, 263): ”لم يرسم أوكام صورة الله باعتباره حاكمً متقلبًا: تحكم عالمه قوانين طبيعية وأخلاقية تعطيه النظام والمنطقية، بل أنها قوانين عرضية (مشروطة) بناءً على تأسيسه لها بحرية“.
[71] Gordon Leff, William Ockham. The Metamorphosis of Scholastic Discourse, (Manchester University Press, 1975), 473.
[72] ولكن يعتقد G. C. Coulton في كتابه (Five Centuries of Religion, Vol. I, 1923, p. 145) أن كأبة وقتامة التعليم الأوغسطيني الصارم قد ساعدت على تشجيع تنامي عبادة العذراء الطوباوية، الفكر الذي قدمت قواه الشفاعية الناس ببعض الاعتقاد الذهني بإمكانية اللعنة والهلاك المحتمل.
[73] تفسر الاعترافات الليتورجية عن الخطية الواردة في العديد من أنظمة الكنائس البروتستانتية هذا الترويج للتعليم عن السقوط، الذي يتطلب الاجتماع على إلصاق الخطية الأصلية والخطية الفعلية إلى نفسه: أنظر بخصوص مجموعة من مثل هذه الاعترافات في الملاحظة رقم 2 الإضافية “Congregational Confessions of Original Sin in The Churches of The Reformation”, p. 443. زيادة الاهتمام الهائل بموضوع الخطية الأصلية الذي توضحه هذه الصيغ يمكن قياسه إذا ما قورنت بسابقاتها في العصر الوسيط، فالاعتراف الكاثوليكي هو اعتراف بالخطية الفعلية فقط. وربما جدير بالملاحظة أن الاعترافات الموجودة في المكاتب اليومية ومجتمع الخدمة في كنيسة إنجلترا -على الرغم من إبرازهم العلاقة الأدبية بالاعترافات على مستوى القارة- أهملت ذكر موضوع الخطية الأصلية.
[74] أنظر بخصوص نص الإجراءات المتعلقة بهذه الوثائق، الملاحظة الإضافية رقم F في “Formularies (II), Western & Roman”, p. 538.
[75] وُلِدَ عام 1513م، وتوفي عام 1589م: وهو المبشر بكورنيليوس جانسن Cornelius Jansen المعروف جدًا.
[76] شكَّل هذان الموقفان -كما سوف نشرح أدناه- الاختلاف حول نسخة عقيدة السقوط المميزة للإصلاح. لقد كان بايوس Baius في الحقيقة يسعى إلى توطين الأنثروبولوجي البروتستانتي داخل سياق الكاثوليكية اللاتينية بعد المجمع التريدينتيني. أنظر فاكنت-مانجنوت Vacant-Mangenot, DTC., art. “Baius”.
[77] حُرِمَ بمرسوم من البابا بيوس الخامس Pius V, Ex omnibus affictionibus (1567). أنظر أيضًا بخصوص الاقتراحات الأساسية المحرومة في Denzinger-Bannwart, Enchiridion, §§ 1001 ff، لاحظ بالأخص الصفحات أرقام 1021، 1023، 1025-1027، 1047، 1051.
[80] هذا الجزء من ”جون دنس سكوتس“ إلى ”مجمع ترنت“ هو ترجمة عن كتاب
P. Williams, The Ideas of The Fall & of Original Sin: A Historical & Critical Study, (London, New York, Toronto: Longmans, Green & Co., 1929), p. 408-423.
البيلاجية ولاهوت الشرق في الموضوعات مثيرة الجدل -النصف البيلاجية- غريغوريوس الأول
في عام 411، عبر بيلاجيوس وكالستوس إلى أفريكا، حيث قابل بيلاجيوس أوغسطينوس. سرعان ما وجَّه نفسه إلى الشرق. في عام 412، الكاهن باولينيس Pauliniis، من ميلان، أتهم كالستوس بالهرطقة، أمام مجمع في قرطاجنة، متهمًا إياه بستة قضايا هرطوقية.[2] قُطِعَ كالستوس من شركة الكنيسة، وإعادته مرة أخرى من الشرق. هناك جيروم، من دون فهم واضح لنقط الجدال، ومذبذبًا بصراعه مع روفينوس، الذي كان صديقًا لبيلاجيوس، دخل الحرب بشدة على معتقداته.
في عام 415م، أوروسيوس Orosius، كاهن شاب أسباني كان في زيارة إلى جيروم، وجَّه اتهامًا إلى بيلاجيوس أمام جماعة من كهنة أورشليم بقيادة أسقفهم يوحنا، الذي، عند سماع شرح المتهم، أمتنع عن الحكم ضده. طالما أن بيلاجيوس كان من الكنيسة اللاتينية، كما قال، فكان للأسقف الروماني الاطلاع على الأمر.
في نفس العام، في مجمع ديوسبوليس Diospolis في فلسطين، الذي ترأسه أولوجيوس Eulogius، أسقف قيصرية، تم اتهام بيلاجيوس مجددًا بالهرطقة من أساقفة الشرق، ولكن تمت تبرئته، بسبب، كما يزعم أوغسطينوس، عدم الإخلاص في التبرؤ منه.[3] بذلت المجامع في قرطاجنة، وميليفيه Mileve، وأوغسطينوس شخصيًا، في عام 416م، جهدًا ناجحًا لإصدار حرمان لبيلاجيوس وكالستوس من إينوسنت Innocent الأول.
ولكن، خليفته، زوسيموس Zosimus، عند استلامه اعتراف الإيمان الذي قد أرسله بيلاجيوس إلى إينوسنت، وإيضاحات معينة من كالستوس، شهد علنًا على أرثوذكسيتهما. بينما أعلن الأساقفة الأفارقة، المجتمعين في قرطاجنة، في نهاية عام 417م أو بداية عام 418م، تأييدهم لقرار إينوسنت. في مجمع عام من أساقفة شمال أفريقيا في عام 418م، تمت تمرير ثماني أو تسع قوانين، مؤكدةً على الآراء الأوغسطينية، ورافضةً للآراء البيلاجية.[4]
تم حث الإمبراطور هونوريوس Honorius على إصدار منشور يبعث بالخطر ضد المؤيدين للهرطقة الجديدة. وكانت هناك مراسيم إمبراطورية أخرى صادرة في وقت لاحق بنفس الصفة. زوسيموس، بعد مجمع ثانٍ ثم مجمع أفريقي عام في قرطاجنة، على الرغم من ذلك، قد بدأ في التردد عما سبق، وغيَّر موقفه. وفي مجمع روماني، تم حرمان بيلاجيوس وكالستوس، وأصدر زوسيموس رسالة دورية -tractoria- مصدقًا بالكامل على رد فعل كنيسة شمال أفريقيا.
وطُلِبَ من جميع الأساقفة في الغرب الموافقة على خطاب زوسيموس بموجب البيان. رفض ثماني عشر أسقفًا، كان من أبرزهم يوليان أسقف إكلانوم، الخضوع للقرار. لجأ العديد منهم إلى الشرق. أستقبل ثيؤدور الموبسويستي يوليان، الذي لم يوافق على جميع آرائه، بل رفض عقيدة الخطية الأصلية.
وجلبت علاقتهم بنسطوريوس وأتباعه على بعض البيلاجيين جزءًا من عدم شعبيتهم. بذل ماريوس ميركاتور Marius Mercator، شخص علماني من الغرب، مجهودات كبيرة لإقناع الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني بهرطقة البيلاجيين.
نتيجة لهذه التعقيدات، حرم مجمع أفسس في عام 431م، الذي حرم نسطوريوس، أيضًا كالستوس ومؤيديه، ولكن دون تحديد أخطائهم. حيث من الواضح في جميع هذه الإجراءات أن القناعات الحقيقية للكنيسة الشرقية كانت على الحياد (موقف وسط) بين أوغسطينوس وبيلاجيوس، وأن الشرق، وبالأخص اللاهوتيين الأنطاكيين، بصرف النظر عن التأثيرات من الخارج ومن الأسباب العارضة، كانوا ميَّالين للتسامح مع القادة المزعجين.
وأكد هؤلاء القادة على الدوام أن آرائهم لا تحتوي على عقائد، ولم تتلقى حرمانًا رسميًا من الكنيسة، بل تتعلق بأسئلة يجوز فيها المفاضلة والاختلاف في الحكم.
كان الدعم الذي تلقاه أوغسطينوس في الغرب، فيما يتعلق بعقائد العجز التام، والنعمة الجبرية، وسبق التعيين المطلق، أبعد عن أن يكون بالإجماع. ولم يذهب مجمع قرطاجنة العام أبعد من توضيح أن سقوط آدم هو الذي جلب الموت، وأنه ينبغي تعميد الأطفال من أجل مغفرة الخطية المستمدة من آدم، وأن النعمة تعمل داخل النفس، معطيةً العون المطلوب لمنع الخطية، وأن الكمال بلا خطيئة صعب الوصول إليه في هذه الحياة.
في عام 426م أو 427م، نما إلى علم أوغسطينوس أن الرهبان في دير أدروميتم Adrumetum في شمال أفريقيا انقادوا إلى اليأس في بعض الحالات، وفي الحالات الأخرى تحولوا إلى التساهل والتهاون مع الذات، بسبب تعليمه عن العجز البشري والنعمة الجبرية. حيث أرسل إليهم كتابين من أجل إصلاح هذه الشرور.[5]
حتى جيروم، مؤيد القضية الأوغسطينية، لم يتخل عن اعتقاده ببقاء الحرية في الإرادة، ولم يتبن حقيقةً عقائد الانتخاب المطلق والنعمة الجبرية. وإنه لحقيقة بارزة في التاريخ العقيدي أنه كان على سبيل الاعتراض غير المباشر على آراء أوغسطينوس هذه أن فينسنت الليرنزيVincent of Lerins كتب كتابه (الأول) الجامع Commonitory (عام434م) الذي أوضح فيه معايير العقيدة الكاثوليكية (الجامعة).
وتم إعلان هذه المعايير بأنها تراثية وعالمية. ويعادل هذا القول بأن هذا هو فقط من الإيمان، وهو العقيدة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، المقبولة دائمًا، في كل مكان، ومن الجميع –Semper, ubique et ab omnibus. وكان من بين المعارضين الهادئين والمعتدلين هيلاري، أسقف أرلس Arles، الذي قدد عاش في دير ليرنز Lerins. ولكن أبرز المعارضين كان يوحنا كاسيان.
لقد تم تعليمه في الشرق، وكان المؤسس والمرشد لدير مارسيليا. يرتبط اسمه بنوع من التعليم اللاهوتي الذي يلقبه الدارسون بـ ”النصف بيلاجية“، ولكنه، كما قد قيل، ربما معروف أيضًا بـ ”النصف أوغسطينية“. حيث أعتقد بميل القلب إلى الخطية، والحاجة إلى عمل النعمة الداخلي، الإنسان قاصر في نفسه. ولكنه لم يعتقد بأن هذا الميل الموروث للشر هو ذنب بالمعنى المناسب، بل أكد على القوة الباقية والفعل المتآزر للإرادة البشرية في التغيير، وبالتالي، سبق التعيين المشروط.
نما تزايد هذه التحركات إلى علم بروسبر أسقف أكويتانيا Prosper of Aquitania وهيلاري آخر، علماني، فكتب أوغسطينوس مقالتين للدفاع عن آرائه.[6] وكتب هذان الصديقان في نفس الجانب، وهكذا استمر الجدال بعد نياحة أوغسطينوس. حيث أوضح بروسبر Prosper رأي أوغسطينوس بشأن سبق التعيين باعتدال دؤوب. وكُتِبَ بنفس الروح عمل مجهول عن دعوة الأمم،[7] حيث تم التمييز فيه بين النعمة العامة والخاصة -كان العمل الأخير فقط مؤثرًا.
هناك عمل آخر مجهول بعنوان ”سبق التعيين“ Predestintus، حيث تم استعراض العقيدة بصورة أبسط، وربما قام بتأليفه نصف بيلاجي ككاريكاتير وسلام للهجوم. في النصف الأخير من القرن الخامس، كان فاوستوس أسقف ريجيوم Faustus of Rhegium مدافعًا قديرًا عن العقيدة النصف بيلاجية.
تراجع أحد خصومه، كاهن اسمه لوسيديوس Lucidus، المدافع القوي عن سبق التعيين، عن آرائه في مجمع أرليس Arles عام 475م. كما هاجمت المقالة[8] التي كتبها فاوستوس بيلاجيوس على حد السواء، حيث وُصِفَ بأنه مهلِك ومضلِّل المدافعين عن سبق التعيين.
عن طريق تشابك غريب للظروف، اندلع الجدال النصف بيلاجي من جديد. ففي سردينيا Sardinia وكورسيكا Corsica، حيث كان يوجد أساقفة معينة من شمال أفريقيا منفيين، من بينهم فيلجينتيوس أسقف نوميديا Fulgentius of Numidia.
في عام 519م، أشار بوسيسور Possessor، أسقف أفريقي، في مناظرة مع الرهبان السكيثيين Scythian فيما يتعلق بصيغتهم المؤلمة لله Theopaschite، إلى فاوستوس كمرجعية في صفه أثناء النقاش. لذا سعى الرهبان إلى حكم ضد أرثوذكسية عمله، ولم ينالوا مواقفة هورميسداس Hormisdas أسقف روما (عام 514-553م)، فتحولوا إلى الأساقفة المنفيين. وهكذا دُفِعَ فيلجينتيوس إلى تأليف سلسلة من الكتب للدفاع عن سبق التعيين الأوغسطيني.
ظهر آخرون من نفس الجانب في جنوب غالة Gaul، بما فيهم قيصريوس أسقف أرلس Caesarius of Arles، بالرغم من ذلك، لم يعارض مجمع فالنس Valence في عام 529م للرأي النصف بيلاجي. ولكن بمناسبة تدشين كنيسة عام 529م في أورانج Orange بمقاطعة أرلس، وافق مجمع مكوِّن من أربعة عشر أسقفًا، بما فيهم قيصريوس، على مجموعة من الأقوال المقتبَسة من أوغسطينوس وبروسبر، واعتنقوا عقيدة إضافية.
حيث أكد المجمع على ضرورة النعمة المانعة، وضرورة النعمة في كل مرحلة من مراحل تجديد النفس، وأكدوا على أن النعمة غير المستحَقة تسبق الأعمال الصالحة، وأن الصلاح كله، بما فيه محبة الله، هو نعمة إلهية، وأنه حتى الإنسان غير الساقط بحاجة إلى النعمة. وتم إنكار ليس فقط سبق التعيين للخطية، وبل ولا يوجد تأكيد على الانتخاب المطلق أو النعمة الجبرية.
علاوة على ذلك، يُقال عن الإرادة الحرة أنها ”ضعفت“ في آدم، ويتم استردادها بنعمة المعمودية. العقيدة هي عقيدة مضادة للبيلاجية، بل ويتم حرمان عقائد النصف بيلاجية جزئيًا فقط على نحو واضح. حيث صادق الأسقف الروماني بونيفاس الثاني Boniface II على ذلك.
تنتهي عند غريغوريوس الأول، القائد والمدبر العظيم، ولكن ليس له مكانة كمفكر لاهوتي، الحقبة الآبائية في الغرب. حيث اختلطت عنده العقائد الأوغسطينية مع الأفكار النصف بيلاجية. وهكذا بالإصرار على عقيدة النعمة المانعة، يُسقِط فكرة النعمة الجبرية والحرية المفقودة تمامًا.
حيث يتم غفران الخطية في المعمودية، ولكن الخلاص هو عمل شخصي من خلال التوبة والأعمال الصالحة، مع النعمة الداخلية كعامل مساعد. فإن كان جهنم هو عقوبة على الخطايا المميتة والآثام المميتة، التي لا يمكن الترضية عنهم من خلال التوبة هنا، بل يمكن التكفير عن الخطايا ذات الدرجة الأقل وتنقية النفس في نار المطهر. وبالتالي يتم رفع حدس أوغسطينوس إلى مرتبة التعريف كتعليم قاطع.
وهكذا يُعتبر عشاء الرب ذبيحة حرفية، لا تفيض بالنفع فقط للأحياء، بل للمتألمين في المطهر أيضًا. ولو لم يتم تحديد الكنيسة بجماعة القديسين، فإنه من خلال الكنيسة، وطقوسها، وأسرارها يتم تزويد هؤلاء بوسائط الخلاص. الأرضية الأساسية للرجاء هي شفاعة القديسين والملائكة الكاملين.
وتضامنًا مع أوغسطينوس، يتم تثمين كلمة الله والروح اللذين يجلبان تدبير الكلمة وعنايته. وفي الوقت نفسه، هذه المراسم والممارسات الأخرى التي أتبعتها الكنيسة كمسارها خلال المجتمع الوثني -التي حسمت الأمر لمسيحية ”المرتبة الثانية“، أي الكاثوليكية المعروفة التي كان يقبلها أوغسطينوس، ولكن، مع ذلك، وعلى نحو متناقض، اخترقت أفكاره العميقة والروحية إلى نقاط عدة -كل هذا كان مثمَّنًا في نسق غريغوريوس، حيث تم نقل هذه التوليفة من العقائد إلى القرون التالية القادمة.
تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
في حين يعتمد ق. أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”
كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يفسر الآية كالتالي:
“يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تكبل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويلاحظ أصل الخطيئة*، ويصرخ: ‘هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي’. هل بالآثام حُبل بداود؟ هل بالإثم حُبل بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبل به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم*. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم.
لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه*، أي وهو يُجرجر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ‘ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه’ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذا كان الأطفال يُولدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب.
فما الذي يمحوه العماد؟ أي قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة*. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أي خطيئة؟ ‘إني بالآثام حُبل بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي’. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس.
لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبل به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ‘الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك’ (لو١: ٣٥). فإذا كان البشر يُحبل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مقيم فيه على الدوام.
ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ‘في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر’ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبل به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولد متحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق.
ليس الزوج غير مائت لأن زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢).
يقول ق. بولس: ‘دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه*’ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم*. بينما وُلد واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولد من آدم”. (عظة على المزمور الخمسين/ عظته في أهل قرطاجنة/ التوبة، ١٠ على مز٥٠: ٦، ٧).
بينما عندما يفسر ق. كيرلس السكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، لو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسر هذه الآية كما فسرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس السكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسر آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:
“ويقول (داود) هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعي*، لأنه لو كان كذلك ما كان مستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق*، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة.
ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يوجهون كلامهم إلى الله قائلين: ‘إن أردت أن تحاكمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تحاكم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا معترفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد’.
لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ‘تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب’ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ‘تذكر ما هو وجودي’ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوح صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)”.
(Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092).
ونستنتج من هنا أحبائي أختلاف مفاهيم وشروحات ق. كيرلس السكندري عن الخطية الجدية عن مفاهيم وشروحات أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية، حتى أن الدليل الكتابي الواضح آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” الذي يوجهه إليك مباشرةً أي واحد يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، لم يفسره ق. كيرلس كدليل على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما فهم أوغسطينوس من نفس النص هذا المعنى.
وبالتالي نلاحظ اختلافًا جذريًا بين مفاهيم ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس حول موضوع الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على البشرية، فكيف يعتقد البعض في أيامنا إنهما كانا متفقين في المفاهيم والشروحات لموضوع الخطية الجدية؟ بالرغم من أن النصوص من القديسين كيرلس وأوغسطينوس لا تدعم هذا الاتفاق المزعوم.
تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس
هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟
هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟
التعليم بوراثة الخطية بالتناسل والتزاوج هو تعليم مانوي للأسف أدخله أوغسطينوس إلى الكنيسة في مواجهته للهرطقة البيلاجية، وانقلب على كل قناعاته المسبقة التي كان يعتنقها في كتاباته ضد المانوية، كما اتبع نظرية الروح المولودة وراء العلامة ترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي مخالفًا تعاليم أغلب الآباء بالروح المخلوقة ورغم رفضه لمنطق الروح المولودة إلا أنه تبناه في مواجهة البيلاجية.
وراثة الخطية تعليم ضد صلاح وعدل الله الذي يخلق طبيعة صالحة غير وارثة لذنب شخص لم يقترفه ابنه كقول الكتاب النفس التي تخطئ هي تموت.
التعليم بوراثة الخطية تجعل للخطية كيان مادي ينتقل بالوراثة والتناسل وهذا ضد تعاليم الآباء الشرقيين صراحة الذين نادوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان ولم يعرفوا أبدًا انتقال الخطية بالتناسل والتوالد.
التعليم بوراثة الخطية ضد الكتاب المقدس الذي قال بأن إرميا كان مقدسًا منذ البطن ومن الرحم كيف يكون مقدسًا من الرحم وهو وارث للخطية وكذلك يوحنا المعمدان كان ممتلئ بالروح القدس من البطن، كيف يكون وارث الخطية ويكون مقدس من الرحم، وهذا ما أكده ق. أثناسيوس وجميع الآباء من بعده.
التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي، بل هو تعليم مانوي صرف بشهادة جميع آباء الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.
نأتي إلي موضوع خطية الطبيعة naturalis peccati وهو تعبير مانوي استخدمه أوغسطينوس في كتابه الزواج والشهوة ليؤكد على توارث الخطية الأصلية وانتقالها في الطبيعة البشرية عن طريق التزواج والتناسل وهذه هي الهرطقة المانوية، هذا المفهوم المانوي يجعل من الخطية جزء ومكون أساسي من مكونات الطبيعة تنتقل عن طريق العلل البذرية rationale seminale أو النظرية التوالدية tradux peccati أي انتقال الخطية من خلال النفس المولودة من الآباء إلى الابناء بالتناسل وهذه كلها مفاهيم مانوية قال بها المانويون الذين انضم إليهم أوغسطينوس لمدة ٩ سنين من عمره وتأثر بمعتقداتهم عن ماهية الشر والخطية وادخلها للكنيسة، وينادي بها البعض في هذه الأيام.
نظرية الروح المولودة قال بها المانويون وترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي، واستخدمها أوغسطينوس في إثبات عقيدته عن انتقال الخطية الموروثة بالتناسل من آدم لذريته نفسًا وجسدًا مستخدمًا معها نظرية العلل البذرية الرواقية في إثبات انتقال بذرة الإنسان الأول المشوهة بالخطية إلى أبنائه.
رفض آباء الكنيسة الشرقية هذه الأفكار المانوية وقالوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان مثل الظلمة هي غياب النور والعمى هو غياب الإبصار، ونادى آباء الشرق إن الخطية فعل إرادي يتم بإرادة الإنسان العاقل المريد ولا تنتقل الخطية بالتناسل من الآباء إلى الأبناء لأن هذه هي الهرطقة المانوية، التي تجعل للشر والخطية مبدأ أزلي له صفة الأزلية وهكذا يدخلنا هذا الاعتقاد بوراثة الخطية إلى الثنائية المانوية، والاعتقادين بمبدأين أو إلهين أحدهما مبدأ أزلي للخير والآخر مبدأ أزلي للشر ينقل الشر والخطية من خلال التناسل والتزواج بين البشر وبعضهم البعض. رفض آباء الشرق جميع هذه الادعاءات المانوية الهرطوقية ودحضوها في كتاباتهم ضد المانوية.
تعليم وراثة الخطية الأصلية هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي لا يمت للكنيسة الأرثوذكسية بأي صلة.
للمهتمين بموضوع الجدل حول تعليم وراثة الخطية الأصلية يمكن الرجوع إلى هذين البحثين:
تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس
تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس
تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية
يتحدث البروفيسور لويس بيركهوف أستاذ تاريخ العقيدة عن التأثير المانوي في نظرية أوغسطينوس المتشائمة بخصوص وراثة الخطية اﻷصلية كالتالي:
“يجد البعض آثار للتأثير المانوي في نظرته المتشائمة للطبيعة البشرية باعتبارها شريرة في اﻷساس، وفي إنكاره لحرية اﻹرادة. ولكن على اﻷرجح أكثر فهمه للشر الموروث والعبودية الروحية هو بالضبط الذي جعله يميل إلى المانوية بشكل مؤقت، ﻷنه يقاوم المانويين في نفس النقاط محل الجدال، مناديًا بأن الطبيعة البشرية لم تكن بالضرورة شريرة في اﻷساس، ويصر على مقياس الحرية كأساس للمسئولية البشرية”.
Louis Berkhof, History of Christian Doctrines, (Michigen: Grand Rapids, 1949), pp. 98, 99.
وهكذا يتحدث ريجينالد موكسون رئيس مدرسة لينكولين اللاهوتية والباحث بجامعة كامبريدج في نفس السياق عن تأثر تعليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية اﻷصلية بالمانوية كالتالي:
“تعليم الدنس الفعلي للشهوة هو بالطبع تعليم مانوي في اﻷصل، وسبب إبقاء أوغسطينوس عليه هو أنه نبذ آرائه المانوية اﻷخرى، فبدا هذا له أنه يدعم مفهومه عن الخطية الموروثة”.
Reginald S. Moxon, The Doctrine of Sin, (New York: George H. Doran Co., 1922), p. 92.
ويستطرد موكسون في موضع آخر متحدثًا عن نقاط الاتفاق بين التعليم اﻷوغسطيني بوراثة الخطية اﻷصلية مع التعاليم المانوية كالتالي:
“إذن، مرةً أخرى، ينشئ فساد الجنس البشري عن سقوط آدم بسبب انتقال الشر بالتناسل، الذي يرث اﻹنسان به طبيعة فاسدة. وبالتالي، يعطي أوغسطينوس مكانًا للخطية داخل البشرية الذي هو بالفعل تعليم مانوي عن الثنائية اﻷزلية التي يؤسس لها. علاوة على ذلك، يوحي مفهومه عن الخطية الموروثة بأن فسادنا هو بسبب دنس الشهوة. فلا يضع هذا الرأي الشر فقط في الجسد، بل يربط بينه وبين الجسد أيضًا بشكل أو بآخر. وهكذا يدين الزواج في الحال على أنه دنس، بغض النظر عن محاولاته للدفاع عنه، ولا بد من الاعتراف بأنه السبب الوحيد في الانتقال المستمر للخطية. بالتالي الرهبنة هي النتيجة المنطقية الوحيدة لهذه النظرية”.
Ibid, pp. 105, 106.
تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس
الخطية الجدية عند الآباء السكندريين
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين
يتهافت البعض عن دون دراية لإثبات تعليم وراثة الخطية الأصلية بمفهومه الأوغسطيني باقتباس نصوص آبائية من عند العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير تتحدث عن وراثة الخطية الجدية، ولكنهم عن دون وعي ودراسة يعتقدون أن تعليم كل من أوريجينوس وديديموس بوراثة الخطية الجدية يتشابه مع التعليم الأوغسطيني عن وراثة الخطية الأصلية، وهكذا للأسف لا يفرقون بين مفاهيم كل من أوريجينوس وديديموس ومفهوم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية.
يتحدث العلامة السكندري أوريجينوس بالفعل عن وراثة الدنس الفطري في الإنسان من آدم في سياق تعليمه عن الخطية الجدية، ولكن مفهوم أوريجينوس مختلف تمامًا ونهائيًا عن المفهوم اﻷوغسطيني عن الخطية الأصلية. حيث يرى أوريجينوس الخطية الجدية وآثارها على البشر بسبب فتور أرواح البشر في العالم الطوباوي السابق على وجودها في أجسادها عن محبة الله والشركة معه، وبالتالي سقوطها من العالم الطوباوي المسبق وانحباسها في أجسادها كعقوبة على ذنوبها السابقة في العالم السابق. حيث يتحدث أوريجينوس عن هذا الأمر كالتالي:
“بحسب الكتاب يجدر السؤال عن لفظ النفس، ألعله لا يُشتق مجازًا من هذه البرودة، ابتداءً من حالة إلهية فضلى*، أعني أن النفس لعلها لم تفتر من حرارتها الطبيعية والإلهية*، حتى تسلمت حالتها الراهنة وتسميتها* […] ولكننا نرى أن الكتاب قد أقرن الإجرام بالنفس، وأعرض عما يجدر مدحه.
أما الآن فحري بنا أن ننظر هل النفس، كما أسلفنا القول في معنى هذه اللفظة، قد نالت اسمها لأنها فترت* فاقدةً تقوى الصديقين والشركة بالنار الإلهية*، دون التخلي مع ذلك عن قدرتها عن الانصراف ثانيةً إلى حالة الورع هذه التي وُجِدت فيها منذ البداية […] إذا صدق هذا، يخيل إليَّ أنه لا يحسن الاعتقاد بأن سقطة الإدراك هذه* وهذا الانحطاط* لديه سواء لدى الجميع، بل ينطوي هذا التبدل عن تفاوت، كما يُبقي بعض المدارك على بضع عنفوانه الأول*، فيما لا يحتفظ غيره بشيء أو قلما. ولهذا نجد مَن ذو استيعاب أحد، منذ نعومة أظفاره*، ومَن استيعابه أبطأ، وآخرين يأتون الدنيا وهم خبلون تمام الخبل*، عاصون كل العصيان على تربيتهم*.
إن ما قلناه في موضع انقلاب الإدراك نفسه، وما يمت بصلة إليه، فليناقشه القارئ باعتناء وليدرسه في قرارة نفسه، إننا لا نفوه به كأنه العقائد، بل نطرقه على سبيل الدراسة والبحث*”.
أوريجانوس، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: المكتبة البولسية، ٢٠٠٢)، ٢: ٨: ٣، ٤، ص٢١٧، ٢١٨.
أما بخصوص تعليم الخطية الجدية عند العلامة ديديموس الضرير، يمكن تتبع تعليمه من اقتباسات وتقارير العلامة الآبائي جوهانس كواستن، حيث يتحدث كواستن عن أن تعليم أوريجينوس عن الوجود السابق لأرواح البشر وسقوطها وانحباسها في أجسادها بسبب الخطية الجدية هو نفس تعليم تلميذه العلامة ديديموس. لذا يقول كواستن عن التعليم الأنثروبولوجي (التعليم عن الإنسان) عند العلامة ديديموس التالي:
“يمكننا أن نرى تأثير أوريجينوس في التعليم عن النفس الإنسانية عند ديديموس […] فهو يتبع أيضًا العلامة أوريجينوس في أفكاره عن أصل الروح. وهو مقتنع أن الروح قد خُلقت، ولكنه يشارك خطأ سابقيه في أن الروح قد وُجِدت قبل الجسد* الذي فيه سُجِنت كعقوبة على الخطايا التي اقترفتها (Ennarr. In Epist. Petr. 1, 1; De trin. 3, 1)، ويمثل نفس المعتقد بالوجود السابق للروح أساس المقالة التي أرسلها إلى روفينوس عن الموت المبكر للأطفال”.
ويستطرد كواستن في موضع آخر ناقلاً رواية ق. جيروم عن تعليم الوجود السابق للروح عند العلامة ديديموس الضرير، حيث يقول التالي:
“ويسجل جيروم أن العلامة ديديموس قد أعطى تفسيرًا أرثوذكسيًا لتعليم العلامة أوريجينوس عن الثالوث، ولكنه قَبِل بدون تردد أخطاءه الأخرى بخصوص خطيئة الملائكة*، والوجود السابق للنفس*، والخلاص الشامل للكل*… إلخ (Ad Rufin. 1, 6; 2, 16).
ويخبرنا نفس الراوي (أي جيروم) عن مقالة أخرى ذات ميول أوريجانية قد كُتِبت بناءً على اقتراح روفينوس، الذي قضى الأعوام من ٣٧١م إلى ٣٧٧م في مصر، وتجيب هذه الرسالة على السؤال لماذا يموت الأطفال بسبب الأخطاء الجسدية؟ وكان شرح العلامة ديديموس: ‘هم لم يخطئوا كثيرًا، ولذلك فإنه يكفيهم فقط أن تتلامس سجون أجسادهم بالعقاب*’ (جيروم، ضد روفينوس٣: ٢٨)”.
المرجع السابق، ص ١٢٠، ١٢١.
ويكرر العلامة الآبائي جوهانس كواستن حديثه عن تعليم ديديموس بالوجود السابق للأرواح، ويقرر حقيقة حرمان مجمع القسطنطينية الثاني عام ٥٥٣م للعلامة ديديموس لاتباعه هذا التعليم وتعاليم أخرى، حيث يقول التالي:
“ولسوء الحظ، فإن عددًا قليلاً جدًا متبقي من هذا الانتاج الأدبي الكبير، وذلك بسبب سحابة الشك التي علقت باسم العلامة ديديموس وسمعته أثناء الجدالات الأوريجانية. فبعد كل ذلك، تجاسر في الدفاع عن السكندري العظيم وكتابه ‘المبادئ’ بكونه كله أرثوذكسيًا. فلا عجب إذًا أن يُدان في القرن السادس الميلادي والقرون اللاحقة بكونه مؤمنًا بالوجود السابق للنفس وبالخلاص الشامل للكل. وقد قام الأساقفة المجتمعون في المجمع المسكوني الخامس بالقسطنطينية عام ٥٥٣م بحرم كل من العلامة أوريجينوس، والعلامة ديديموس، والشماس إيفاجروس البنطي بسبب هذه التعاليم، وبناءً على ذلك، فُقِدت تقريبًا كل أعمال العلامة ديديموس”.
المرجع السابق، ص١١٧.
وهكذا بعدما عرضنا تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، يتضح إنه تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء السكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس عمود الدين اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.
وسوف نستعرض معًا رأي ق. كيرلس السكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:
“ولكنني أفترض أنه من الحماقة الإدعاء أن النفوس وُجدت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة* أُرسِلت لكي تُحبس في أجساد ترابية*. وسوف أبرهن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ‘أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا (أم٩: ٩)”.
كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.
ويدحض ق. كيرلس السكندري هذا التعليم بالوجود السابق للأرواح مؤكدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:
“يقول بولس موضحًا أن الفساد* قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم*: ‘لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ’ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذا كان الجسد الميت قد أُعطي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إن كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأن وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدسة”.
المرجع السابق، ص ١٢١.
ويدحض ق. كيرلس السكندري أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه، حيث يقول التالي:
“ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده*، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد”.
المرجع السابق، ص ٦٥٥.
ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس السكندري بخصوص الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يعد هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من الشركة مع الله، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.
تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس