رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
6- إذًا ماذا سأقول للوثني (هكذا يقول ق. بولس)؟ أقول له الأمور التي قبلت. وإنتبه ليس فقط بخصوص ما ستقوله للوثني، بل ما ستقوله بخصوص كيف ستُصلح ذاتك. عندما يعثر وهو يفحص حياتك، هنا فلتفكر ماذا ستقول. لأنه بالطبع أنت لن تُعطي حساب عن ذاك، ولو كان يعثر بعد، لكن لو أصابه خور بسبب طريقة حياتك، فإنك ستُعاني ظفر مُخيف جدًا. عندما يرى إنك تفلسف الأمور عن ملكوت الله، وإنك ترعب من الشدائد في الحياة الحاضرة، عندئذً فلتنتبه. عندما يرى هذه الأمور، يدين ويقول، لو إنك تحب الملكوت، فلماذا لا تزدري بالأمور الحاضرة؟ لو إنك تنتظر القضاء المخوف، فلماذا لا تحتقر المصاعب الحاضرة؟ لو إنك تترجى الخلود، فلماذا لا تسخر من الموت؟ إذًا عندما يقول كل هذه الأمور، إعتني بما ستدافع به عن نفسك. عندما يرى إنك ترتعب من فقدان المال، أنت يا من تنتظر برجاء ملكوت السموات، وإنك تفرح جدًا بفلس واحد، وأنك أيضًا تٌسلم أو تعطي نفسك لقليل من المال، حينها فكّر، لماذا هذه الأمور، نعم إن هذه الأمور هي تلك التي تُعثر الوثني.
بناء على ذلك إن إعتنيت لأجل خلاصه، فلتدافع عن نفسك (من أجل هذه الأمور)، ليس بالكلام، بل بالأعمال. ولم يوجد أحد قد جدّف على الله مطلقًا بسبب ذلك الموضوع.
بينما بسبب طريقة الحياة الشريرة، تود تجاديف لا تُحصى في كل مكان. إذًا هذا ما يجب أن تُصححّه، لأن الوثني سيقول لك أيضًا، من أين أعلم أن الله أمر بأمور يمكن أن تحدث؟ لأنه ها أنت، بينما أنت مسيحي من الأسلاف، وتنشأ في هذه الديانة الحسنة، لا تضع شيء مثل هذا (أي من الأمور الحسنة). بماذا إذًا ستُجيب؟ ستُجيب على كل الأحوال، سأذكر لك آخرين يصنعون هذه الأمور الحسنة، الرهبان الذين يعيشون في الصحراء. بعد ذلك ألا تخجل أن تعترف إنك بالطبع مسيحي، بل يجب أن تُرسله لآخرين، لأنه لا يُمكنك أن تُظهر سلوك المسيحيين؟ خاصةً وأن ذاك (الوثني) سيقول على الفور، إذًا ما هي الحاجة أن أسير في الجبال وأن أسعى نحو الصحاري؟ إن كان من غير الممكن إذًا أن يؤمن المرء وهو يعيش داخل المدن، وستكون الإدانة عن هذه الطريقة من الحياة كبيرة، إن كنا نركض نحو الصحاري ونهجر المدن؟ لكن أشر لي على شخص له زوجة وأولاد ومنزل، ويحيا بالتقوى. إذًا بماذا سنُجيب عن هذا؟ ألا سنبغي أن نحني رؤوسنا إلى أسفل وأن نخجل؟ ولا المسيح أوصى بهذا، لكن بماذا أوصى؟ أوصى قائلاً: “فليضيء نوركم هكذا قدام الناس”(33)، ليس في الجبال، ولا في الصحراء ولا في الطرق غير المسلوكة.
وأقول هذه الأمور، لا لكي أُسيء لأولئك الذين سكنوا الجبال بل لكي أُرثي لحال أولئك الذين يسكنون المدن، لأنهم طردوا الفضيلة منها. ولهذا، من فضلكم، فلنسلك بالفضيلة، التي يحيا بها الرهبان في الجبال، هنا في المدن، لكي نصبح المدن بالحقيقة مدن. هذا السلوك يمكن أن يُصلح الوثني، ويحرره من عثرات لا حصر لها. حتى إنه إن أردت، وذاك أيضًا تحرره من العثرة. وأنت نفسك أن تتمتع بمكافأت عديدة، وتُصلح حياتك، وتجعلها مشرقة من كل جانب “لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات”(34). لأنه هكذا سنتمتع نحن أيضًا بالمجد المدخّر لنا والعظيم، والذي ليتنا نناله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الداهرين أمين.
” وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان لله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد أمين” رو24:14-26.
1- اعتاد الرسول بولس أن يختم نصيحته بتمنيات وتمجيدات، لإنه يعرف كيف أن الأمر يحمل نتيجة عظيمة. وأعتاد أن يضع هذا بحنو وورع. خاصةً وأن ملمح المعلّم الذي يحب التلاميذ، ويحب الله، هو ألا يُعلّم فقط بالكلام، بل وبالطلبات أيضًا، وأن يُدخل إلى تلاميذه مسألة العهد مع الله، الأمر الذي صنعه هنا أيضًا. لكن الصلاة هي هذه: “وللقادر أن يُثبتكم. له المجد إلى الأبد أمين”. أي إنه مرة أخرى يعود إلى الضعفاء، ويوجه حديثه إليهم. لأنه حين وّبخ، جعل التوبيخ عام، لكن الآن عندما يطلب أو يتمنى، فإنه يتفرغ من أجل الضعفاء. لكن بعدما قال “أن يثبتكم”، أضاف، وبأي طريقة “حسب إنجيلي”. هذا بالطبع كان يعني، إنهم لم يكونوا بعد ثابتين في الإيمان، لكن كانوا قائمين بالطبع في الإيمان، لكنهم كانوا مهتزين. بعد ذلك لكي يجعل كلامه موضع تصديق، أضاف “والكرازة بيسوع المسيح”، أي الكرازة التي كرز بها ق. بولس. لكن إن كان ق. بولس قد كرز بهذه الكرازة، فإن التعاليم ليست لنا، بل إن القوانين (قوانين الكرازة) هي له.
لكن بعد ذلك يقدم رؤية حكيمة للكرازة، ويُظهر أن هذه العطية هي دليل إنعام كبير، وكرامة فائقة. وأولاً يُدلل على هذه من خلال ذاك الذي كرز به (أي ربنا يسوع المسيح)، ثم بعد ذلك من تلك التي كُرز بها ذاتها. (لأنها كانت أناجيل)، وأيضًا من خلال إنه لم يكرز بها لأي أحد آخر قبلنا. وهذا قد أشاروا قائلاً: “حسب إعلان السر”، الأمر الذي هو دليل على محبة عظيمة جدًا، أي بأن يجعلنا شركاء في الأسرار، والتي لم يُطلع عليها أحد آخر قبلنا. “الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الآن”. أي إنه منذ القديم سبق وتقرر، لكنه الآن أُعلن. كيف أُعلن “بالكتب النبوية”. هنا أيضًا يُذيل خوف الضعيف في الإيمان. إذًا ماذا تخاف؟ هل تخاف أن تبتعد عن الناموس؟ هذا ما يريده الناموس؟ هذا ما بُشر به منذ البداية لكن إن كنت تفحص لماذا أعلن السر الآن، فإنك تضع أمر خطير، بأن تفحص بتدقيق في أسرار الله، ونُلقي عليه المسئولية. لأنه لا ينبغي أن نبحث كثيرًا في الأمور المشابهة، بل أن نجلها، وأن نقبلها بفرح. ولهذا فإن ق. بولس أيضًا يُعيق هذه الرغبة، أضاف “حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان، لأن الإيمان يحتاج إلى طاعة، وليس إنشغال كثير، وعندما يأمر الله، فيجب أن نخضع، وليس أن ننشغل كثيرًا.
فيما بعد يُعطيهم شجاعة من مكان آخر، قائلاً: “وأُعلم به جميع الأمم”. أي ليس أنت وحدك، بل أن كل المسكونة هكذا تؤمن، لأنه إتخذ الله معلمًا وليس شخص آخر. ولهذا أضاف “بيسوع المسيح”. وليس فقط صار معلومًا، بل وتأكد بعد. ولهذا يجب أن يُقرأ هكذا أيضًا، “وللقادر أن يُثبتكم بيسوع المسيح”. لأنه كما سبق وأشرت، أن الأمرين أيضًا (أي التثبيت وإعلان السر) يُشير إليهما من جهة يسوع المسيح، أو من الأفضل أ ن تقول، ليس فقط هذين الأمرين، بل والمجد الذي يُعطى للآب. ولهذا قال: “له المجد إلى الأبد أمين”. يُمجد مرة أخرى أيضًا. متعجبًا لهذه الأسرار غير المدركة. لأنه ولا حتى الآن حيث ظهر (في الجسد) يمكن أن نفهم هذه الأسرار بواسطة الأفكار، بل أن نختبرها بالإيمان، لأنه بغير ذلك لا يمكننا فهمها. وحسنًا جدًا قال : ” لله الحكيم وحده”. أي إنه عندما تدرك، كيف إنه قاد الأمم وفرجهم بأولئك الذين سلكوا بإستقامة منذ سنوات عديدة، فبينما كانوا يائسين أنقذهم، كيف بينما كانوا غير مستحقين لأرضهم أصعدهم إلى السموات، وبينما قل شأنهم في الحياة الحاضرة، قادهم إلى تلك الحياة الخالدة السرية، وبينما داس عليهم الشياطين، جعلهم مساويين للملائكة في الإستحقاق، وفتح لهم الفردوس، ومحى كل الشرور القديمة، وكل هذا صار في زمن قصير، وبطريقة سهلة وسريعة جدًا، حينئذًا ستعرف الحكمة، عندما ترى أن الملائكة ورؤساء الملائكة لم يعرفوه، هذا عرفه فجأة أولئك الذين آتوا من الأمم بواسطة يسوع.
إذًا بينما كان يجب عليك أن تُدهش حكمته، وأن تمجدّه، لكنك تتحول وتدور حول الأمور الصغيرة، وتجلس بعد في الظل، الأمر الذي ليس ملمحًا لذلك الذي يُمجدّ بالحقيقة، لأن ذاك الذي ليست لديه ثقة في المسيح، ولا في الإيمان، لا يشهد لعظمة الأحداث. لكن ق. بولس أشار إلى المجد من أجلهم، حاثًا هؤلاء أيضًا على الغيرة ذاتها. لكن عندما تسمعه وهو يقول: “لله الحكيم وحده”، لا تعتقد كيف أن هذا يُقال لرفض الإبن. لأنه إن كان كل هذا، والذي من خلاله تبرهن على حكمة الإبن، والذي صار عن طريق المسيح، والذي بدونه لم يكن ليصير حتى واحدة، فإنه من الواضح جدًا، أن حكمته هي مساوية لحكمة الآب. إذًا لأي سبب قال “وحده؟” قاله من جهة التمييز عن كل الخليقة.
رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
4- “ألك إيمان؟ فليكن لك بنفسك أمام الله” رو 14-22.
يبدو لي هنا إنه يُلمَّح بطريقة هادئة للمجد الباطل أو للزهر لذاك الذي هو كامل في الإيمان. ما يقوله يعني الآتي: أتريد أن تُظهر لي، إنك كامل وتام؟ لا تظهر هذا لي، بل لتحتفظ به في ضميرك. لكن الإيمان الذي يقصده هنا، ليس هو الإيمان عن العقائد، بل الإيمان عن الموضوع الذي يجري الحديث بشأنه. لأنه يقول عن ذلك الإيمان: “الفم يعترف به للخلاص”(30) و “من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي إبن الإنسان”(31). لأن ذلك الإيمان حين لا يعترف به، فإن ذلك يؤدي على الهلاك، بينما هذا الإيمان (أي الإيمان الذي يُحتفظ به في الضمير) حين يُعترف به، فهو غير ملائم. “طوبى لمن لا يريد نفسه فيما يستحسنه”. مرة أخرى يُصيب الأكثر ضعفًا، ويعطيه تاج مرضي، تاج ضميره. لأنه حتى وإن لم يراك إنسان، يكفيك ضميرك، لكي تصير مطوبًا. إذًا فقد قال “فليكن لك بنفسك” حتى لا تعتبر هذا القضاء (قضاء الضمير) أمرًا بسيط، ما يقوله هو بالنسبة لك، هو أفضل من المسكونة كلها. وحتى وأن كان الجميع بعد يدينونك، لكن أنت لا تُدين نفسك، وضميرك لا يعذبك، فأنت مُطوب. وهم لم يُشر إلى هذا الأمر، متكلمًا بشكل عام للجميع. لأن هناك كثيرون لا يُدينون أنفسهم، على الرغم من إنهم يصنعون أخطاء كثيرة جدًا، والذين هم أكثر تعاسة من الجميع. لكنه يُشير أولاً إلى الموضوع الذي يجري الحديث بشأنه.
وأما الذي يرتاب فإن أكل يُدان” رو14-23. يقول هذا مرة أخرى، راجيًا ذاك أن يتألم لمن هو أكثر ضعفًا. لأن من هو الأخ الذي إن أكل مرتابًا، يدين نفسه؟ لأنني أقبل ذاك الذي يأكل ولا يُدين نفسه. أرأيت كيف إنه يُحثه ليس فقط أن يأكل، بل وأن يأكل، بل وأن يأكل بضمير نقي؟ بعد ذلك يتحدث عن السبب الذي من أجله أُدين، فيضيف قائلاً: “لأن ذلك ليس من الإيمان” ليس لأنه نجس، بل لأنه لا يأتي من الإيمان. لأنه لم يؤمن (الذي يأكل) إنه طاهر، لكن أكله كعظام نجس. لكن من خلال هذه الأمور، يُظهر مقدار الضرر الذي يثيرونه عندما يُلزمون، ولا يُقنعون هؤلاء أن يأكلوا تلك الأطعمة التي تبدو أولاً إنها نجسة بالنسبة لهم، لكي يتجنبوا على الأقل التأنيب من خلال هذا. “وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية”. إذا عندما يقول، ليس لديه ثقة (أي يرتاب)، ولا يؤمن بأنه طاهر، فكيف لا يكون قد فعل خطية؟ كل هذا قد قاله ق. بولس بخصوص الموضوع الذي جرى الحديث بشأنه، وليس للجميع. وإنتبه كم هو يعتني (في حديثه) حتى لا يُعثر أحد. لأنه قال سابقًا “فإن كن أخوك بسبب طعامك يحزن فلست تسلك بعد حسب المحبة”. لكن إن كان لا يجب أن تُثير حزن، فكم بالأولى لا ينبغي أن تُعثر أحد.
وأيضًا “لا تنقض لأجل الطعام عمل الله”. لأنه إن كان أمرًا مخيفًا وأحمق أن تهدم كنائس، فبالأكثر جدًا هو أمر مخيف أن تهدم هيكل روحي خاصة وأن الإنسان هو أكثر تقديرًا من الكنيسة (كمبنى). لأن المسيح لم يمت من أجل الحوائط، بل من أجل هذه الهياكل الروحية.
5- إذًا لنفحص كل أمورنا من كل الجوانب، وألا نعطي أقل دافع “للإدانة”. خاصة وأن الحياة الحاضرة هي مرحلة، ويجب أن يكون لنا أعين كثيرة من كل جانب (أي أن نكون مُتيقظين دومًا)، ولا نتصور أن عدم المعرفة هي كافية كمبرر (للخطية). لأنه من الممكن، نعم من الممكن أن تُدان عن عدم المعرفة، عندما تكون عدم المعرفة أمر غير قابل للصفح. كذلك فإن اليهود أظهروا جهلاً، لكن لم يكن جهلهم مستحقًا للصفح، واليونانيين جهلوا، لكن لم يكن لهم مبرر (لجهلهم). لأنه بالطبع عندما تجهل تلك الأمور التي من غير الممكن أن تعرفها، فإنك لن تتُهم عن أي شيء، لكن عندما تجهل الأمور السهلة، وتلك التي من الممكن أن تصير معروفة، فإنك سُتعاقَب بأشد العقاب. من ناحية أخرى، إن لم تنقصنا الشجاعة، بل ونُقدم كل مالنا، فإن الله سيمد لنا يده، في تلك الأمور التي نجهلها أيضًا، الأمر الذي قاله ق. بولس إلى أهل فيلبي “فليفتكر هذا جميع الكاملين منّا وإن افتكرتم شيئًا بخلافه فالله سيُعلن لكم هذا أيضًا”(33). لكن عندما لا نُريد أن نُصلح كل شيء من تلك الأمور التي تُسيطر عليها، فإننا ولا حتى في هذه سنتمتع بتوافق، وهو الأمر الذي حدث لليهود. “من أجل هذا أكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين لا تبصرون”(34). كيف بينما أبصروا لم يُبصروا؟ أبصروا كيف أن الشياطين يُطردون، وقالوا أن به شيطان، أبصروا كيف أُقيموا الأموات ومع ذلك لم يسجدوا له، بل وحاولوا أن يقتلوه. لكن كرنيليوس لم يكن هكذا. ولهذا تحديدًا، لأنه صنع برغبة حسنة كل تلك الأمور التي تعتمد عليه، فإن الباقي قد أكلمه الله.
إذًا لا تقل أن فلان قد سمح له الله، أن يكون بسيط وصالح، على الرغم من إنه كان عابد للأوثان؟ لأنه أولاً، لو أن شخص هو بسيط، فمن غير الممكن لدى الناس أن يعرفوا هذا جيدًا، بل هو معروف فقط لدى ذاك الذي خلق القلوب. بعد ذلك نستطيع أن نقول أيضًا، إنه مرات كثيرة لم يهتم، ولا حاول. وكيف يقول، إستطاع، بينما كان بسيط إلى حد كبير جدًا؟ لاحظ إذًا من فضلك، هذا البسيط والتلقائي أيضًا، كيف إنه لاحظ الأشياء الحسنة في الأمور الحياتية، وسترى إنه يُظهر دقة كبيرة، والتي إن أراد بالطبع أن يظهرها في الأمور الروحية أيضًا، فإنه لن يتغافل عنها. خاصة وأن تلك الأمور التي تضبط الحقيقة هي أكثر إشراقه من الشمس، وفي أي مكان أو حيثما وصل الإنسان، من السهل أن ينال خلاصه أو يتمم خلاصه، إن كان بالطبع يريد أن يحترس، ولا يعتبر هذا عمل ثانوي أو غير مهم. إذًَا هل الأمور إنحصرت في فلسطين؟ هل أنحصرت في زاوية صغيرة في المسكونة؟ ألم تسمع النبي الذي يقول: “كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم”(35). ألا ترى أن الأمور تصدق؟ إذًا كيف سينال هؤلاء الصفح، عندما يرون أن مبدأ الحقيقة منتشرة في كل مكان، ولا ينشغلون بهذا، ولا يهتمون أن يتعلموها؟
وهذه الأمور تطلبها من شخص فظ وبربري، بل وإن كان هناك بعد شخص هو أكثر بربرية من البربر الذين هم موجودون الآن. لأنه، أخبرنيـ لأي سبب عندما يتعلق الأمر بالأمور الحياتية يعرف أن يعارض عندما يُظلم، ويقاوم عندما يُجبر على فعل شيء، ويفعل كل شيء، ويُدبر كل شيء، حتى إنه لا يريد أن يُضار مطلقًا ولا حتى لأجل أمر قليل أو يسير، بينما في الأمور الروحية لا بعمل بنفس هذا التعقل تحديدًا؟ وعندما يسجد لحجر ما، ويعتبره إله، ويقيم إحتفالات، وينفق أموال، ويظهر خوف كثير، ولا يظهر أبدًا عدم مبالاة من جهة سذاجته، لكن عندما يطلب الإله الحقيقي، حينما تذكر لي السذاجة والبساطة. هذه الأمور ليست صحيحة، الإتهامات تتعلق فقط بعدم المبالاة. لأنه مَن تعتقد إنهم سذج وأفظاظ أكثر، هل هم أولئك الذين عاشوا في عصر أبرآم، أم الذين يعيشون الآن؟ من الواضح جدًا إنك تعتقد أن الأكثر سذاجة وفظاظة هم أولئك الذين عاشوا في عصر إبرآم. وفي أي وقت نجد من السهل أن تجد التقوى، الآن، أم في عصر إبرآم؟ من الواضح جدًا إنه الآن. لأن الجميع الآن ينادون بإسم الله، والأنبياء بشروا، والأمور إكتملت، وأفكار اليونانيين نُقضت، لكن في عصر إبرآم، الكثيرين كانوا بعد جهلاء، وقد سادت الخطية، ولم يكن هناك ناموس لكي يُعلم، ولا أنبياء، ولا معجزات، ولا تعليم، ولا ذلك الجمع الذي يعرف الأمور جيدًا، ولا أي أمر آخر مشابه، بل أن كل الأمور كانت قائمة كما لو إنها داخل ظلام دامس، وليل غير مُقمر وشتوي.
لكن ذلك الرجل المدهش والسخي (أي إبراهيم)، بالرغم من إنه كانت توجد عوائق كثيرة، فإنه عرف الله، ومارس الفضيلة، وقاد الكثيرين إلى غيرة مشابهة، وكل هذا قد حدث دون أن يعرف الحكمة الإنسانية، لأنه كيف كان له أن يعرفها في اللحظة التي لم تكتشف فيها المعارف والعلوم؟ لكن لأنه قدّم كل ما يتعلق به، فإن الله قدّم له بعد ذلك كل ما له. وبالطبع لا يمكنك أن تقول أن إبراهيم قد قبل التقوى من آبائه، لأن ذاك كان عابد للأوثان، وعلى الرغم من إنه وُلد من أسلاف مثل هؤلاء (أي الوثنيين)، وكان بربري ونمى وسط بربر، ولم يكن له معلم للتقوى، إلا إنه عرف الله، وقد نال كرامة أكثر بكثير من كل نسله الذي تمتع بالناموس وبالأنبياء أيضًا، بصورة لا يمكن التعبير عنها. لماذا يا ترى؟ لأنه لم يهتم بالأمور الحياتية بشكل مبالغ فيه، لكنه كرّس نفسه بالكامل للأمور الروحية وماذا عن ملكيصادق؟ ألم يولد في تلك الأزمنة، ألم يتميز جدًا، حتى إنه عمل ككاهن الله؟ خاصة هو أمر ضعيف، بل وضعيف جدًا، أن يُغلق على هذا الإنسان الوديع أبدًا أو أن يظل مجهولاً.
إذًا يجب ألا تقلقكم هذه الأمور، بل تعرفون أن القيمة في كل مكان ترتبط بالرغبة، فلنفحص أمورنا، كي نصير أفضل. وعلينا ألا نطلب أو نلقي المسئولية على الله، ولا أن نفحص لماذا ترك أو أهمل فلان، ودعى فلان. خاصةً ونحن نصنع نفس الأمر، مثلما لو فعل خادم ما، وفحص بالتدقيقي في تدبير سيده، لأنه سخط عليه. أيها التعس والشقي، بينما كان يجب عليك أن تهتم بتحمل مسئولياتك، وكيف تتصالح مع السيد الرب، تُلقي بالمسئوليات بشأن تلك الأمور التي لن تقدم عنها حساب، وتركض نحو تلك الأمور هذه التي أنت مُلزم أن تقدم عنها حساب.
رسالة رومية الأصحاح14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
” إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسًا بذاته إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس” رو14-14.
1- بعدما وبخّ أولاً ذاك الذي يُدين أخيه، وبعدما أبعده هكذا بالتأنيب، وقتها تكلّم عن العقيدة (الإيمان) أيضًا، وبهدوء بدأ يُعلم عن الأكثر ضعفًا في الإيمان، مُظهرًا هنا أيضَا كثير من الوداعة. لأنه لم يقول، إنه سُيدان، ولا أي شيء من هذه الأمور، بل أن الخوف وحده هو الذي يحل الأمر، حتى يقتنع ذاك بصورة أكثر سهولة كلامهن ويقول: “إني عالم ومتيقن”. بعد ذلك لكي لا يقول أحد من غير المؤمنين، وماذا يهمنا نحن، إن كنت أنت متيقن؟ لأنه لستَ موضع ثقة لتحل محل الناموس عظيم بهذا القدر، ووصايا نافعة نزلت من السماء، أضاف: “في الرب يسوع” أي إنني تعلّمت هذه الأمور من السماء، وأخبرت بها من الرب يسوع. وبناء عليه فإن الحكم لا يتعلق بفكر إنساني. إذًا فلتقل ما هو يقينك وماذا تعرف؟ “أن ليس شيء نجسًا بذاته”. أي إنه يقول، إنه لا يوجد شيء نجسًا بطبيعته، لكنه يصير نجسًا بواسطة إدارة ذاك الذي يفحصه. هكذا يصبح نجسًا لذاك وحده، وليس لآخرين. لأنه يقول: “من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس”.
إذًا لماذا لا تُصلح أو تُصحح الأخ، حتى لا يعتبره نجسًا؟ ولماذا لا تُبعده عن عادة مثل هذه، وفكر مثل هذا، بكل الحق الذي لك، لكي لا يجعل هذا الشيء نجسًا؟ هكذا يقول أخشى (من فعل هذا) ربما أُحزنه. ولهذا أضاف: “فإن كان أخوك بسبب طعامك يُحَزن فلستَ تسلك بعد بمحبة” رو14-15.
أرأيت كيف غنه إنتزع أولاً قبوله، فظهرا كيف إنه تحدث طويلاً لأجل ذاك (الأخ)، حتى لا يُحزنه، ولا أن يأمره من البداية أن يتجرأ على فعل الأمور الضرورية جدًا، بل أن يجذبه بالأكثر بالغفران والمحبة؟ لأنه لا يستميله، ولا يُلزمه بعد نزع خوفه، بل يتركه سيد نفسه. وبالطبع ليس هو نفس الشيء أن يُبعده عن الطعام، وأن يحاصره بالحزن. أرأيت كم هو مهتم بالمحبة؟ لأنه يعرف أن المحبة تستطيع أن تُصحح كل شيء ومن أجل هذا هو هنا أيضًا يطلب من هؤلاء شيئًا أكبر. لأنه لا يقول فقط، لا ينبغي أن تبعدوهم إجباريًا، بل إن إحتاج الأمر أن تظهروا تسامحن ولا أن تترددوا في فعل هذا. ولهذا فقد أضاف قائلاً: “لا تهلك بطعامك ذاك الذي مات المسيح لأجله”.
أم إنك لا تعتقد أن أخوك مستحق لمثل هذا الأمر الكبير، حتى لا تفدي خلاصه، ولا حتى بإبتعادك عن الطعام؟ وبالطبع المسيح لم يتجنب أن يصير عبدًا، ومات لأجله، لكن أنت لا تزدري بالطعام، لكي تخلّصه؟ وإن كان المسيح لم يربح الجميع على كل حال، لكنه مات لأجل الجميع، مُتممًا كل ما يتعلق به. بينما أنت تعرف إنه بسبب الطعام، تُقصيه عن الأمور العظيمة، تتشاجر بعد؟ وذاك الذي يُعد مهم للمسيح، هل تعتبره أن لا أهمية له مطلقًا، وذاك الذي أحبه المسيح، هل أنت تحتقره؟ والمسيح مات ليس فقط لأجل الضعيف، بل ولأجل العدو أيضًا، المسيح أيضًا أظهر الأمر الأعظم، بينما أنت لم تظهر أقل شيء، وإن كان بالطبع هو الرب، بينما أنت تُدعى الخ. هذا الكلام كان كافيًان لأن يلوم ذاك (الذي تجاهل أخوه)، لأنه يُظهر كيف إنه صغير النفس، فبينما تمتع بأشياء عظيمة من الله، لكنه لم يُبادل هذا العطاء الإلهي ولا حتى بأشياء بسيطة.
2- “فلا يفتر على صلاحكم. لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا” رو16:14-17. يقصد بالصلاح هنا، إما الإيمان، وإما الرجاء المستقبلي للمكافآت، وإما التقوى الكاملة. إذًا ليس فقط لن تفيد الأخ، بل تجعل الإيمان ذاته يُساء إليه، وكذلك نعمة الله وعطيته. لأنه عندما تعارك، وعندما تتشاجر، وعندما يُثير ألم، عندما تجزأ الكنيسة، وعندما تهين الأخ وتبغضه، فإن من هم خارج الكنيسة يجدفون (علينا). وبناء على ذلك ليس فقط لن يتحقق شيء من وراء هذا، بل العكس تمامًا (سيحدث). لأن الصلاح بالنسبة لكم هو المحبة، محبة الأخوة الوحدة، الترابط فيما بينكم، أن تحيوا بالسلام، وبالرأفة. وبعد ذلك أيضًا، يُذيل خوف هذا، وعداوة ذاك، فيقول “لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا”. إذًا هل نستطيع أن نُسّر أو ننمو بهذه الأمور (الأكل والشرب)؟ هذا بالضبط ما يقوله في موضع آخر “لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص30، وهو ليس في حاجة لدليل، لكنه يكتفي بالحكم. ما يقوله يعني الآتي: هل لو أكلت، سيقودك هذا الأكل إلى ملكوت الله؟ ولهذا يزدرى بهؤلاء، لأنهم تباهو من جهة هذا الأمر (أنهم يأكلون ويشربون)، ولم يقل فقط أكل، بل وشرب.
إذًا ما هي تلك الأمور التي تقود إلى الملكوت؟ هي البر، والسلام، والفرح، الحياة الفاضلة، السلام تجاه الأخ، والذي فيه يتم التصدي لهذه العداوة، الفرح الناتج عن الوفاق، والذي به يزول هذا التوبيخ. لكنه لم يتكلم بهذه الأمور في مواجهة واحد فقط، بل في مواجهة أثنين أيضًا، لأن تجاه الأثنين، لديه فرصة أن يقول هذا الكلام. بعد ذلك، ولأنه تكلّم عن السلام، والفرح، إلا إنه يوجد بعد سلام وفرح في الأمور الشريرة، ولذلك أضاف: “في الروح القدس”. حتى أن ذاك الذي يُحكم أخوه، فإنه يكون قد قضى على السلام، وتعّدى على الفرح، والأكثر من ذاك هو ذلك الذي يسلب المال. والأكثر سوءًا من هذا، إنه أنقذ الآخر، وأنت تظلم وتُحطم. إذًا عندما لا يستطيع الطعام والكمال الظاهري أن يُدخل (إلى النفس) هذه الأمور (البر، السلام، الفرح)، بلى يُدخل تلك الأمور التي تُزيل (البر، السلام، الفرح)، فكيف لا يجب أن نزدري بالأمور البسيطة، حتى ننال أو نُمنِّن الأمور العظيمة؟ بعد ذلك لأن هذا التوبيخ قد صار رويدًا رويدًا بسبب المجد الباطل، أضاف قائلاً: “لأن من خدم المسيح في هذه فهو مرضِ عند الله ومزكى عند الناس” رو14-18.
لأن الجميع لن يُعجبوا بك لأجل بهذا القدر لأجل الكمال، بقدر ما سيُعجبوا بك لأجل السلام والوفاق. بالطبع هذا الخير سيتمتع به الجميع، بينما ذاك (أي من يتجاهل أخوه)، لن يتمتع ولا حتى بواحدة من هذه الخيرات.
3- “فلنعكف إذًا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض” رو14-19. هناك أمر يتوجه به لذاك، لكي يهتم بالسلام، والأمر الآخر يتوجه به لهذا (الذي يحيا لنفسه)، لكي لا يحطم أخوه. لكن هذين الأمرين، جعلهما مشتركين فيما بينهما أيضًا، قائلاً “بعضنا لبعض”، واظهر إنه بدون السلام ليس من السهل أن نبني.
“لا تنقض لأجل الطعام عمل الله” رو14-20. داعيًا خلاص الأخ هكذا “عمل الله” ، ويُزيد من مقدار الخواف جدًا، ومُظهرًا إنه يفعل عكس ما يسعى نحوه. لأنه ليس فقط لا تبني ما تعتقد فيه، بل وتحظم أو تنقض، وليس فقط تنقض بناء إنساني، بل تنقض بناء الله، وليس من أجل أمر عظيم، بل من أجل أمر زهيد أو تافه. “لأجل الطعام” هكذا يقول ق. بولس. بعد ذلك ولكي لا يُرسخون كل هذه المسامحات لمن هو أكثر ضعف في الفكر الشرير، يضع مبدأ مرة أخرى قائلاً: “كل الأشياء طاهرة لكنه شر للإنسان الذي يأكل بعثرة” أي شر لذاك الذي يأكل بضمير شرير.
حتى وإن ألزمته بعد (على السلوك بمحبة)، وأكل، فإن المنفعة ستكون لا شيء. لأنه أن يأكل أحد فإن الأكل لا يجعله نجسًا، بل إن ما يجعله نجسًا هو الضمير الذي يأكل به. إذًا إن لم تُصلح هذا الضمير، فإنك تفعل كل شيء سدى، وبالأكثر قد صنعت ضررًا، لأنه ليس هو نفس الشيء أن تعتقد في شيء إنه نجسًا، وبرغم من إنك تعتبره كذلك، فإنك تأكله. إذًا فأنت تصنع خطتين هنا، تُزيد من المعوقات بالتشاجر، وتجعله يأكل أكل نجس. وبناء على ذلك إلى أن تُقنعه، لا تجبر أخيك (على فعل شيء).
“حسن أن لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا ولا شيئًا يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف” رو14-21. مرة أخرى يطلب ما هو أكثر، حتى إنه ليس فقط يجب ألا نُلزمه، بل أيضًا تظهر تسامح نحوه. كذلك وإن ذاك في مرات كثيرة قد صنع هذا الأمر، مثلما حدث عندما مارس الختان، وعندما حلق رأسه، وعندما قدم تلك الذبيحة اليهودية. ولم يقل الرسول بولس لذاك أصنع هذا الأمر، بل يتوجه به كرأي، لكي لا يجعل بالأكثر ذاك الذي هو ضعيف في الإيمان، متراخي أو غير مبالي وماذا يقول؟ “حسن أن لا تأكل لحمًا”. ولماذا أقول لحمًا؟ فسواء كان نبيذ، أو أي شيء آخر مثل هذا يمكن أن يُعثر، فلنتجنبه.
إذًا لا يوجد شيء يمكن أن يعادل خلاص الأخ. وهذا ما أظهره المسيح، بعدما آتى من السموات (تجسد)، وتألم بكل ما تألم به من أجلنا. لكن لاحظ من فضلك، كيف يصل إلى ذاك، قائلاً: “يصطدم أو يعثر أو يضعف”. لا تقل لي، هكذا يقول ق.بولس، أن هذا الأمر غير معقول، لكنني أقول لك، كلما أمكنك (أن تصحح هذه الأمور) فلتصححها. خاصة وأن ذاك (الضعيف في الإيمان) له كل الحق أن تُقَدم له المساعدة في ضعفه” ومن جهتك لن يُصيبك أي ضرر، وبالطيع فإن هذا الملاك لا يُعد نفاق، بل هو بناء وتدبير. لأنه لو ألزمته، وتحطم، فإنه سيتهمك أنت، وبالأكثر سيتشجع في الأكل، بينما لو إنك تُظهر ترفق أو سامحه، أولاً سيُحبك، ولن يتشكك فيك حين تُعلم وستأخذ السلطة في أمر دقيق جدًا أن تزرع داخله التعاليم المستقيمة. لكن لو إنه أبغضك مرة واحدة، فإنك تكون قد أغلقت المدخل للحديث (معه). إذًا لا تجبره، بل أنت نفسك فلتبتعد (عن كل ما يعثره) لأجله (أي لأجل خلاصه، تبتعد لا لأنه نجس، بل لأنه يعثر ذاك (الأخ))، وبهذا سيُحبك بالأكثر. هذه الوصية هي التي أعطاها الرسول بولس، قائلاً: “حسن أن لا تأكل لحمًا” ، لا لأن أكل اللحم نجس، بل لأنه يُعثر ويضعف أخوك.
رسالة رومية الأصحاح14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
7-أتكلم عن هذه الأمور، لا لكي أحزنكم، بل لكي أأُمنّكم، ولكي لا أسليكم بلا نفع، وأن أعدكم لتصبروا بأكثر مخافة. إذًا لماذا، أخبرني لا تقبل أن تُدان، حين تُخطيء؟ ألم يخبرك بكل هذا من قبل؟ ألم يهددك؟ الم يُساعدك؟ ألم يضع أمور لا تُحصى من أجل خلاصك؟ ألم يهبك معمودية الميلاد الجديد؟ وغفر لك كل خطاياك السابقة؟ ألم يعطيك أيضًا بعد هذا الغفران، وهذه المعمودية، المساعدة عن طريق التوبة، عندما نخطيء؟ وبعد هذا الغفران لخطاياك ألم يجعل لك الطريق سهلاً؟ إسمع إذًا أي وصية قد أعطى “إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي”(21)، هكذا يقول، وأية صعوبة في هذا الأمر، “أطلبوا الحق إنصفوا المظلوم أقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة ” ثم يقول “إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيّض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف”(22). وأي جهد يحمل هذا الأمر؟ يقول “ذكّرني فنتحاكم معًا. حدث لكي تتبرر”(23). أية صعوبة في هذا الأمر؟ يقول “ليطلبوا المراحم من قبل إله السموات”(24). أية متاعب في هذا الأمر؟ لقد قال العشار “أللهم أرحمني أنا الخاطئ”(25)، ونزل مبررًا. أيه جهد تحتاج لكي تحاكي العشار؟
لكنك لا تريد أن تقنعك، ولا حتى بعد كل هذه الأمور الكثيرة المشار إليها، إنه يوجد جحيم وعقاب؟ حينئذ سيمكنك أن تقول، إنه ولا الشيطان يُعَاقَب. لأنه يقول “إذهبوا عني….إلى النار الأبدية المعدة لأبليس وملائكته”(26). إذًا إن لم يوجد جهنم، ولا الشيطان يُعَاقَب (كان لك الحق فيما تقول)، لكن إن كان الشيطان يُعَاقَب، فمن الواضح إننا سنُعَاقَب نحن أيضًا. لأنه بالتأكيد نحن أيضًا قد عصّينا، وإن كان ليس لذات الأمور. لكن كيف لا ترتعب، متكلمًا بكل هذه الجرأة؟ لأنه عندما نقول، بإن الله محبًا للبشر، ولا يُعَاقِب، فإن عَاقِب، سيكون وفقًا لكم، إنه ليس بعد محبًا للبشر. أرأيت على أي حديث يقودكم الشيطان؟ ماذا إذًا؟ هل الرهبان الذين سكنوا الجبال، وأظهروا نسكً فائقًا، سيرحلون عن هذا العالم غير متوجين؟ إذَا فإن كان الأشرار لا يُدانون، ولا يوجد تعويض لأي أحد، فربما يقول شخص آخر، إنه ولا الأتقياء أيضًا سُتوجون. يقول نعم، لأن هذا يليق بالله، أن يوجد ملكوت فقط، ولا يوجد جهنم. وبناء على ذلك هل العاهر والزاني، وذلك الذي صنع شرور لا حصر لها، سيتمتع بنفس الهبات، مع ذاك الذي أظهر تعقل وقداسة، وهل بولس سيقف (على نفس المستوى) مع نيرون، أو من الأفضل القول هل سيقف الشيطان (على نفس المستوى) مع بولس (أمام الله)؟
إذًا إن كان لا يوجد جهنم، وهناك قيامة للجميع، حينئذ فإن الأشرار أيضًا سينالوا نفس الهبات مع الصالحين. ومن يستطيع أن يقول هذا الكلام، حتى وإن كان بعد من الناس الذين يتسمون بجنون شديد؟ أو من الأفضل أن نقول مَن من الشياطين يستطيع أن يقول بهذا؟ خاصة وإن الشياطين يعترفون بإنه يوجد جهنم، ولهذا يصرخون قائلين: “أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا”(27)، إذًا كيف لا نخاف ولا نرتعب، فحين تعترف الشياطين (بوجود جهنم)، أنت ترفض هذا الأمر؟ وكيف لا تنتبه لمعلم هذه العقائد الخبيثة؟ لأن ذاك (أي الشيطان) الذي خدع الإنسان منذ البداية، وحرمه من الخبرات التي كانت بين يديه، بواسطة إقتراح فيه رجاء كبير، هذا هو الذي يمنع الآن أن يقولوا وأن يفكروا في هذه الأمور، ولهذا فإنه يقنع البعض أن يستنتجوا إنه لا يوجد جهنم، لكي يلقيهم في جهنم. بينما الله على العكس من ذلك، يهدد بجهنم، وقد أعّدها، حتى إنه بعدما تعرف (طبيعة جهنم)، أن تحيا في تقوى، حتى لا تقع داخل جهنم. لكن إن كان الشيطان يُقنعك بهذه الأمور، بينما في الحقيقة يوجد جهنم، فكيف بدون أن يوجد جهنم، قد إعترف الشياطين بوجودها، هؤلاء الذين يُعننون جدًا ألا نرتاب في شيء مشابه، حتى إنه بعدما نصير بالأكثر غير مبالين، من خلال عدم الخوف، أن نسقط معهم في تلك النار (نار جهنم)؟ إذًا كيف يقول، إنهم إعترفوا بجهنم وقتها، لأنهم لم يحتملوا العقوبة التي هُددوا بها.
إذًا بعدما فهمنا كل هذا، لنُوقف هؤلاء الذين يتكلمون بهذا الكلام، هؤلاء الذين يخدعون أنفسهم أيضًا، ويخدعون الآخرين، لأنهم سيُعَاقَبون عن هذا الكلام، إذ يسخرون من تلك الأشياء المخوفة (أي العقاب الأبدي)، ويضعفون إهتمام الكثيرين الذين يريدون أن يعطوا إهتمام لهذه الأمور، ولا يُحاكموا ولا حتى البربر(28). لأن أولئك (أي أهل نينوى) بالرغم من إنهم كانوا عديمي الخبرة جميعًا، إلا إنهم عندما سمعوا أن المدينة ستدمر أو ستهلك، ليس فقط قد قبلوا أو آمنوا، بل أيضًا تنهدوا ولبسوا مسوح، وإضطربوا، ولم يتوفقوا عن أن يصنعوا كل شيء، حتى أوقفوا غضب الله(29). بينما أنت الذي عرفت أمور كثيرة بهذا القدر، هل بالكلام تُسفه الأمور السابقة، إذًا ستحدث المتضادات. لأنه تمامًا كما أن هؤلاء (أي أهل نينوى)، لأنهم خافوا من الكلام (أي كلام يونان النبي)، لم يُعَاقَبوا عن الأمور التي فعلوها، هكذا أنت أيضًا، لأنك إحتقرت التهديد بالكلام، ستنال العقاب أو سُتعاني العقاب عن الأمور التي صنعتها. وإن كان الكلام الآن يبدو لك خرافه، لكنه لن يبدو لك كذلك، عندما سُتقنعك الأمور ذاتها في حينها.
ألا ترى هنا أيضًا ماذا صنع؟ كيف أخذ لصين، ولم يعتبرهما مستحقين لنفس الأشياء، بل أن الواحد قاده إلى ملكوت السموات، بينما أرسل الآخر إلى جهنم؟ ولماذا أتكلم عن لص وقاتل؟ لأنه يحزن حتى على الرسول (أي يهوذا)، لأنه صار خائن، بل ناظرًا إليه وهو يندفع إلى حبل ويشنق نفسه ويمزن جسده في المنتصف (لأنه بالحقيقة فتح بطنه وإنسكبت كل أحشاءه)، لكن بالرغم من إنه عرف كل شيء من قبل، تركه ليعاني كل هذا الأشياء، لكي يُقنعك من خلال الأمور الحاضرة، بكل ما سيحدث هناك (أي في الدهر الآتي). إذًا لا تخدعوا أنفسكم، بأن تقتنعوا بكلام الشيطان، لأن هذه الأفكار هي له. لأنه إن كان القضاة والسادة، والمعلمين، والبربر يكرمون الصالحين، بل ويعاقبون الأشرار فكيف سيمكن أن يكون هناك مبرر لأن يصير ما هو عكس ذلك في الله، ونُقيّم نفس الأمور، للصالح وللشرير أيضًا؟
لكن حتى سيتخلصون من الشرور؟ إذًا الآن حين ينتظرون العقوبة ويُقيمون بين مخاوف كثيرة جدًا والتي تأتي من القضاة ومن القوانين، إلا إنهم لا يبتعدون عن الشرور ولا حتى بهذه الطريقة، وعندما ينتقلون على هناك (إلى الحياة الأخرى)، ويطردون هذا الخوف، وليس فقط لا يسقطون وسط جهنم، بل وينالوا ملكوت السموات أيضًا، متى سيتوقفون أن يكونوا أشرارًا؟ أخبرني إذًا هل هذا هو علامة محبة للبشر، ألا يُعَاقِب الشر، أن يُعطي مكافأة للشر، لأن يعتبر العفيف والفاسق، والمؤمن والجاحد، بولس والشيطان، مستحقًا (للكرامة) من أجل نفس الأمور؟ إذًا على أي مدى سنهذي نحن أيضًا؟ ولهذا من فضلكم بعدما تتخلصوا من هذا الجنون، وبعدما تصبحون أسياد أنفسكم، إن تقنعوا أنفسكم أن تخاف وأن ترتعد، لكي تُنقذ من جهنم المستقبلية، وطالما تحيا بالتعقل في الحياة الحاضرة، تنال خيرات الدهر الآتي، والتي ليتنا جميعًا ننالها بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى الأبد أمين.
رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
4-إذًا ماذا يعني قوله: “ليس أحد منا يعيش لذاته؟” يعني إننا لسنا أحرار، لنا رب يريد لنا أن نحيا، ولا يريد لنا أن نموت، والذي فيه هذان (أي إرادة الحياة وعدم إرادة الموت) يختلفان أكثر عن توجهاتنا نحن. لأنه بهذا يُظهر أن الله يعتني بنا أكثر جدًا من إعتناءنا بأنفسنا، ويعتبر حياتنا غنى، والموت ضياع. لأننا لا نموت لأنفسنا فقط، بل ونموت للرب، لو تصادف ومتنا. لكن الموت الذي يعنيه هنا، هو الموت الذي يأتي من الأيمان. بالطبع كان هذا كافيًا لكي يُقنع، إنه يعتني بنا، وإننا نحيا له، ونموت له. لكنه لم يكتف بهذا، بل يضيف أمرًا أخر لأنه بعدما قال: “فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن” وبعدما ذهب من موت الإيمان إلى الموت الطبيعي، لكي لا يبدو إنه يُقسّي كلمته، يقدم دليل أخر كبير جدًا لعنايته (نحونا). إذًا ما هو هذا الدليل؟ يقول: “لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات” رو14-9.
حتى أن هذا يُقنعك أيضًا، أي إنه يعتني لخلاصنا وإصلاحنا. لأنه إن لم يعتني بهذا القدر الكبير، فهل كانت هناك حاجة للتدبير؟ إذًا فذاك الذي أظهر هذا القدر الكبير من الإهتمام، لكي تصير ملكًا له، يزدري بنا؟ هذا أمر غير ممكن، ولن يكون، ولن يُفضل أن يترك هذه الرسالة العظيمة. من أجل هذا يقول: “لهذا مات”. مثلما يمكن للمرء أن يقول، إن فلان لن يحتمل أن يحتقر عبده، لأنه يهتم بمدخراته أو خزينته. كذلك نحن لا نحب المال بهذا القدر، بقدر ما يشتهي هو خلاصنا. وبالطبع هو لم يدفع مال من أجل خلاصنا، بل دفع دمه. ومن أجل هذا لن يحتمل أن يترك هؤلاء، الذي من أجلهم دفع هذا الثمن الكبير جدًا (أي دمه). لكن إنتبه لقوته أيضًا، كيف يُظهر إنها قوة لا يُعبر عنها. “لهذا مات وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات”. وفيما سبق قال: “فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن”.
أرأيت سلطة مطلقة (مثل هذه)؟ أرأيت قوة (مثل هذه)؟ أرأيت إهتمام تام وكامل (مثل هذا)؟ ولكي لا تقل لي إنه يتكل عن الأحياء، يُشير إلى إنه يهتم أو يعتني بالأموات أيضًا. لكن إنه كان يعتني بالأموات، فمن الجليّ إنه يعتني بالأحياء أيضًا. إذًا لا شيء قد غاب عن هذه السيادة مزودًا نفسه بالحقوق أكثر من البشر، لكي يعتني بنا، دون النظر للأمور الأخرى. لأن الإنسان بالطبع يدفع أموال، ولهذا فإن عبده يحتمل بصورة كبيرة جدًا، بينما المسيح دفع موت، ولن يقدم حساب لأي أحد، من أجل الخلاص ذاك الذي إشتُرى بهذا الثمن الباهظ، والذي ربح السلطان بواسطة هذا الإهتمام الكبير، ومثل هذا العمل. وهو يتكلم عن هذه الأمور مُبكتًا المتهود ومُقنعًا إياه أن يتذكر حجم العمل، وإنه وإن كان ميتًا، فقد عاش، وإن لا شيء قد ربحه من الناموس، وكان نموذج لأسوء أنواع الجحود، أن يعود للناموس، ذاك الذي تركه، وإن كان قد نال الكثير لأجل خلاصه.
5-إذًا بعدما إنتقده بشكل كاف (أي عن اليهودي)، مرة أخرى يتركه قائلاً: “وأما أنت فلماذا تدين أخاك أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟” رو14-10. ومن الواضح إنه يتكلم عن هذه الأمور، كأمور متساوية، لكن من خلال الكلام يُظهر أن الفرق أو الإختلاف كبير. أولاً من خلال التسمية للأخ، يُبطل كل عداوة، ثم بعد ذلك بأن يُذكر بذلك اليوم المخوف (يوم الدينونة). لأنه بعدما قال: “لماذا تزدري بأخيك؟” أضاف: “لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح”. ومن الواضح أيضًا إنه يقول هذه الأمور، لكي يُوبخ من هو أكثر كمال في الإيمان، بينما يهز ذهن المسيحي المتهود بشدة، ليس فقط مؤنبًا إياه، بسبب الإحسان الذي صار له، بل ويخيفه من العقاب الآتي. لأنه يقول: “لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح”. كذلك فإنه “مكتوب أنا حي يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله. فإذًا كل واحد منّا سيُعطي عن نفسه حسابًا لله” رو11:14-12. أرأيت كيف إنه مره أخرى يهز ذهنه، بينما من الواضح إنه يوبخ الأخر؟ لأنه يقصد شيئًا مثل هذا، كما لو إنه قال، ما هو هدفك؟ هل تنوي أن تُعَاقب من أجل ذاك؟ لكنه بالطبع لم يقل هذا، لكن قد ألمح إليه، وأورده بصورة هادئة، قائلاً: “لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح” و “فإذًا كل واحد منا سُيعطي عن نفسه حسابًا لله”.
ويُشير إلى النبي (أي أشعياء)، الذي يؤكد على خضوع الجميع لله، وهو خضوع تام، خضوع البشر الذين عاشوا في العهد القديم، وبشكل عام جميع البشر. لأنه لم يقل فقط أن كل واحد سيسجد” بل “وسيحمد”، أي سُيعطي حسابًا عن أعماله. إذًا كان لديه قلق ناظرًا إلى إلهنا وهو يجلس على العرش ورغبة في أن لا تشتت وتفرق الكنيسة، معزولاً عن النعمة، وراكضًا نحو الناموس، خاصة وأن الناموس هو ملكًا له. وعن ماذا أتكلم، أأتكلم عن الناموس؟ وأولئك الذين عاشوا بالناموس، وأولئك الذين عاشوا قبل الناموس. ولن يطلب الناموس منك أن تُعطي حسابًا، بل المسيح سيطلب منك ومن كل الجنس البشري، أرأيت كيف إنه أبطل الخوف من الناموس؟ بعد ذلك لكي لا يبدو إنه يقول هذه الأمور عمدًا، لكي يخيف ذاك (أي المتهود)، بل إنه أُقتيد إلى هذا، من خلال ترتيب الأمر، هزة أخرى يأتي إلى نفس الموضوع قائلاً: “فلأني كم أيضًا بعضًا بعضًا. بل بالحري أحكموا بهذا أن لا يُوضع للأخ مصدمة أو معثرة”رو14-13. لكن هذه الأمور لا تُذكر بهذا القدر الكبير من جهة ذاك (أي الغير كامل في الإيمان)، بقدر ما تُذكر من جهة هذا (أي الكامل في الإيمان). ولهذا فمن الممكن أن يطبقها الأثنين، الكامل في الإيمان الذي يُعثر من أجل التمييز في الأطعمة، وأيضًا الغير كامل الذي يُصدم بالتوبيخ الشديد.
6-لكن إنتبه من فضلك، كم سنُعَاقَب نحن الذين نُعِثر (غيرنا) بشكل عام. لأنه إن كان الأمر مخالف، بسبب إنهم وّبخوا في وقت غير مناسب، وأعاق أن يحدث هذا، حتى لا يُعثر أو يُصدم الأخ، فعندما نُعثر (الآخر)، دون أن نُصلح شيء، أي عقاب سنكون مستحقين؟ إذًا إن كان حين لا نخلص شخص، هو أمر يستحق الإدانة، وقد برهن عليه ذاك الذي حفر الأرض وأخفى الوزنة (الفضة)(7)، هذا ونحن نُعثره أيضًا، ما الذي لن يحدث لنا؟ ماذا إذًا، إن كان يُعثر وحده، هكذا يقول، هل لأنه ضعيف في الإيمان؟ ولهذا تحديدًا ستكون عادل، مظهرًا إحتمال. لأنه إن كان قوي ، ما كان ليحتاج كل هذه العناية لذاك، لكن الآن لأنه أكثر ضعفًا، من أجل هذا فهو يحتاج لعناية كثيرة. لنمنحه إذًا هذه الرعاية ولنحميه من كل جهة. لأننا لن نعطي حسابًا عن شرورنا فقط، بل عن سلوكنا الذي به أعثرنا آخرين. لكن إن كانت تلك العقوبات هي في حد ذاتها فرعية، عندما تضاف إليها هذه العقوبات، فمتى سنخلص؟ لا تعتقد إذًا إن لدينا مبرر، إن وجدنا مشاركين لنا في خطايانا، لأن هذا بالنسبة لنا، يعني عقاب إضافي أيضًا خاصة وأن الحية قد عُوقبت أكثر من المرأة (أي حواء)، تمامًا مثلما أن المرأة قد عُوقبت أكثر من الرجل (أي آدم). وبينما أختطف آخاب الكرم، عُوقبت إيزابل بأكثر قسوة، لأنها كانت هي تلك التي إبتدعت كل الأمر، وأعثرت الملك. لأن الخطية لا تحطم بهذا القدر، بقدر ما نقود آخرين أيضًا للخطية. ولهذا يقول الرسول بولس: “لا يفعلونها فقط بل أيضًا يسرّون بالذين يعملون”(8)، حتى إنه عندما نرى أن البعض يُخطئون، فإننا ليس فقط لا ندفعهم (نحو الخطية)، بل لنخرجهم أيضًا من وحل الشر، لكي لا نعاني نحن أنفسنا العقاب، من أجل هلاك الآخرين. ولنتذكر بإستمرار المنصة المخوفة (أي منصة العدل الإلهي)، نهر النار، القيود التي لا تُحل، الظلام الحالك، صرير الأسنان، الحشرة السامة.
لكن الله هو مُحب للبشر. وبناء على ذلك، فإن هذه الأمور (التي تكلمنا عنها) هي مجرد كلام. فلا ذلك الغني الذي إزدرى بلعازر سُيعَاقب، ولا العذارى الجاهلات سيُطردون من العرس، ولا الذين لم يطعموه يذهبون إلى النار التي أُعدت للشيطان، ولا ذاك اللابس ملابس دنسه، بعدما يُقيد من الأيدي والأرجل، سيهلك، ولا ذاك الذي طلب المائة دينار، سُيسلم للمعذبين، ولا ما قيل عن الزُناة هو أمر حقيقي، “حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ”(9)، بل أن كل هذا هو فقط تهديدات. نعم هكذا يقول، أخبرني من أين، تتجرأ أن تبرهن على أمر بهذا الحجم، وأن تستخرج أو تصدر الحكم، من خلال حجج خاصة بك؟ لماذا أنا من خلال كل ما قاله، وكل ما فعله، سيمكنني أن أبرهن على العكس. إذًا لو إنك لا تؤمن من خلال ما سيحدث في المستقبل، فعلى الأقل آمن بتلك الأمور التي حدثت بالفعل، خاصة وأن تلك الأمور التي حدثت وتحققت، ليست تهديدات وكلام.
إذًَا من غمر كل المسكونة، وأحدث ذلك الطوفان المخيف، وتدمير كل جنسنا البشري؟ من بعد كل هذا ألقي تلك الصواعق المخيفة والنار من السماء على سدوم؟ من أنهك كل مصر؟ من أهلك الستمائة ألف في البرية؟ من ….. صـ567 ، من أَمر الأرض أن تفتح فاها لتبتلع أولئك الذين كانوا مع قورح وداثان؟ من أهلك سبعين ألف في لحظة واحدة، في زمن داود؟ وهل أتكلم عن أولئك الذين عوُقبوا بشكل منفصل؟ هل أتكلم عن قايين الذي سُلّم لعقاب دائم؟ عن كرمي (Χαρμι) الذي رُجم مع كل النسل وعن ذاك الذي عانى نفس الأمر تحديدًا، لأنه جمع خشب يوم السبت؟ هل أتكلم عن الأربعين شابًا الذين إفُترسوا من مهلك الوحوش ولم ينالوا عفوًا أو مسامحة، ولا حتى بسبب أعمارهم؟ لكن لو إنك بعد النعمة، تريد أن ترى نفس الأمور، ففكر كم عانوا اليهود، كيف إلتهمت النساء أولادهن، بعضهن شوا الأولاد، وبعضهن أكلوهم بطريقة أخرى. كيف برغم إنهم سُلّموا إلى مجاعة لا تحتمل، وغلى حروب متنوعة ومخيفة، فقد طغت على كل المآسي السابقة، بكوراتهم التي فاقت الحد.
إذًا من حيث أن المسيح قد آثار هذه الأمور، إسمعه إذ سبق وقال هذا بأمثله، بأسلوب واضح وقاطع. بأمثلة، مثلما يقول: “أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي”(10)، وبمثل الكرم، وبمثل العرس(11).وبطريقة واضحة، عندما يهدد: “ويقعون بفم السيف ويُسبون إلى جميع الأمم وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكملي أزمنة الأمم. وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم وعلى الأرض كرب أمم بحيرة. البحر والأمواج تضج، والناس يُغشى عليهم من خوف”(12)، و “يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ إبتداء العالم إلى الآن ولن يكون”(13). وتعرفون جميعكم كيف عُوقبا حنانيا وسفيرة، لأنهما اختلسا فلوسًا قليلة ولكن ألا ترى الكوارث اليومية؟ أم ربما هذه لم تحدث؟ ألا ترى اليوم أيضًا، أولئك الذين يهلكون من الجوع؟ ألا ترى أولئك الذين يسود عليهم داء الفيل والجذام؟ ألا ترى أولئك الذين يحيون على الدوام في الفقر؟ ألا ترى أولئك الذين يُعانون من شرور لا حصر لها غير قابلة للشفاء؟ إذًا كيف يمكن أن يتبرر البعض، أن يُدان البعض، وألا يُدان البعض الآخر؟ لأنه إن كان الله غير ظالم، وهو بالحق كذلك، فإنك على كل حال ستُدان أنت أيضًا، طالما تُخطأ، لكن لو إنه بإعتبار إنه مُحب البشر، لا يُعاقب، فإنه ولا هؤلاء ينبغي أن يُعَاقَبون.
لكن الآن بسبب كلامكم هذا، فإن الله سيُعاقب كثيرين هنا( أي في هذه الحياة)، لكي تؤمنوا على الأقل بالأمور المختصة بالعقاب، عندما لا تؤمنوا بالكلام الخاص بالتهديد. ولأن الأمور القديمة أو المختصة بالعهد القديم لا تخيفكم، فإنه يُصحح اللامبالين في كل عصر، بواسطة تلك الأمور التي تحدث في كل نسل. ولأي سبب، يقول، إنه لا يُعاقب الجميع هناك (أي في هذه الحياة)؟ يقول هذا لكي يُعطي للآخرين فرصة أو مهلة للتوبة. إذًا لأي سبب يُعاقب الجميع هناك (أي في الدهر الآتي)؟ لكي لا يتشككوا تمامًا في عناية الله. كم عدد اللصوص الذين قبضوا عليهم، وكم عدد الذين ماتوا دون أن يُعّاقَبون؟ أين هي إذًا محبة الله للبشر؟ هو دوري الآن أن أسألك أنا أيضًا. بمعنى إنه، إن لم يُعاقب أحد بشكل عام، أيمكنك أن تلجأ إلى هذا الأمر، لكن عندما يُعاقب البعض، والبعض الآخر لن يُعاقب، على الرغم من إنهم صنعوا أسوأ الخطايا، فكيف يمكن أن يكون هناك مبرر لنفس الخطايا، وإلا يكون هناك نفس العقوبات. وكيف لا تنصح، أن أولئك الذين عُوقبوا، قد ظلموا؟ إذا لأي سبب لابد أن الجميع هنا (أي في هذه الحياة)؟ إسمعه وهو يدافع عن نفسه، لأجل هذه الأمور. إذًا لأن البعض ماتوا، عندما سقط فوقهم البرج، يقول لأولئك الذين يتشككون من جهة هؤلاء، “أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس؟ كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون”(14)، ناصحًا إيانا، ألا تأخذنا الجرأة، عندما يُدان البعض، نحن لا نُدان، على الرغم من إننا نصنع خطايا كثيرة. لأنه إن لم نتغير، فإننا سُندان على كل الأحوال.
وكيف يقول، إننا سُندان إلى الأبد، بينما نخطيء هنا “في هذه الحياة الحاضرة) لفترة زمنية قصيرة؟ كيف يُحكم على الإنسان الذي يرتكب حادثة قتل في لحظة زمنية قصيرة بالأعمال الشاقة المؤبدة؟ لكن الله، هكذا يقول، لا يصنع هذه الأمور. إذًا فكيف أمسك المشلول لمدة 38 سنة في هذه العقوبة الكبيرة؟ من جهة إنه عاقبه لأجل خطاياه، إسمع ماذا يقول “ها أنت قد برئت فلا نخطيء أيضًا”(15). لكنه شُفي، هكذا يقول. لكن الأمور ليست هكذا في الحياة الأخرى، ومن جهة أن العقوبات لن يكون لها حل مطلقًا في الدهر الآتي، إسمعه حين يقول: “حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ”(16)و “يمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية”(17). إذًا إن كانت الحياة هي أبدية، والجحيم سيكون أبدي، ألا ترى إلى أي مدى هدد اليهود؟ هل يا ترى إذًا قد تحققت التهديدات، في الكلام الذي سبق؟ بقول: “لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض”(18). هل يا ترى إذًا تُرك (صخر)؟ وماذا حين قال “يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله”(19). هل يا ترى لم يحدث هذا؟ أقرأ تاريخ يوسيبوس(20) ،ولن تتمكن حتى من أن تتنفس، وأنت تسمع فقد تلك الأمور التي عاناها اليهود فيما يتعلق بتلك الأمور التي حدثت.
رسالة رومية الأصحاح14 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
“من هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه لا لمحاكمة الأفكار. واحد يؤمن أن بأكل كل شيء وأما الضعيف فيأكل بقولاً” رو1:14-2.
1-أعرف إن ما قيل هو أمر غير مفهوم لدى الكثيرين. ولهذا يجب أولاً أن أتكلم عن موضوع هذا الجزء في مجمله، وماذا يُريد أن يُصحح وهو يكتب عن هذه الأمور. إذًا ماذا يريد أن يصحح؟ هناك كثيرون من اليهود قد آتوا إلى الإيمان وهم لم يتحرروا بعد من الضمير الناموسي، هؤلاء حتى بعد الإيمان حفظوا مسألة التمييز بين الأطعمة، دون أن يتجرأوا بعد على الإبتعاد بشكل نهائي عن الناموس. ثم بعد ذلك وحتى لا يصيروا مفهومين، تجنبوا فقط أكل لحم الخنزير، ثم تجنبوا بعد ذلك كل اللحوم وأكلوا بقول فقط. حتى يبدوا أن ما يحدث، هو صوم، وليس حفظًا للناموس. البعض الآخر أيضًا كانوا أكثر كمالاً، دون أن يصنعوا تمييزًا مشابهًا، وقد صاروا سبب ضيق وحزن لأولئك الذين يحفظون هذه الأمور بتدقيق، مُبكتين، ومُدينين، ومُثيرين للضيق .
إذًا فخشية الرسول بولس، هي ربما وهم يريدون أن يصححوا شيءً بسيطًا، يحطمون كل شيء، وفي محاولتهم أن يقودوهم إلى عدم الإهتمام بالأطعمة، يجعلونهم يخسرون الإيمان أيضًا، مبادرين إلى تصحيح كل شيء قبل الوقت المناسب، فيثيروا الخسارة في الأوقات المناسبة، ويبلبلوا أفكار هؤلاء في إعترافهم بالمسيح، بأن يوبخونهم بإستمرار. فيبقوا هكذا بلا تصحيح أو إصلاح في الاثنين أي الحياة الجسدية والحياة الروحية، أنظر إلى رؤية ق. بولس وكيف إنه يعتني بالجانبين، بحكمته المعتادة. لأنه لا يريد أن يقول لأولئك الذين وُبخّوا، إنكم سلكتم بصورة سيئة، حتى لا يبدو إنه يدعم أولئك في حفظهم للناموس، ولا أيضًا يقول لهم إنكم صنعتم حسنًا، حتى لا يجعل عمل المُدنيين أكثر قسوة، لكنة يؤنب بحكمة. ومن الواضح إنه يؤنب من هم أكثر قوة على المستوى الروحي، لكن مجمل حديثه كله موجه لأولئك (الذين يحفظون الناموس)، وبعد ذلك يحوّله تجاه هؤلاء (الذين يؤنبونهم) لأن هذا النصح هو على كل الأحوال يزعج بصورة أقل، وذلك حين يتحول المرء بحديثه لآخر، فيصيب شخصًا آخر. لكن ولا ذاك الذي يُوَبخ، يتركه لكي يصل لمرحلة الغضب، وفي نفس الوقت ودون أن يشعر به أحد، يقدم دواء التصحيح.
لاحظ إذًا كيف إنه يصنع هذا بتعقل وفي اللحظة المناسبة. لأنه بعدما قال: “ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات”(1)، حينها حّول كلمته نحو هؤلاء، لكي لا يبدو إنه يتكلم مدافعًا عن أولئك الذين يوبخون، ويحرضون على أن يأكلوا جميع الأطعمة. خاصةً وأن العضو الضعيف، يحتاج دومًا لرعاية أكثر. ولهذا يتوجه مباشرة نحو العضو القوي قائلاً: “ومن هو ضعيف في الإيمان”. أرأيت أن أول ضربه أعطيت مباشرة لذاك (أي للقوي) ؟ لأنه يقول “من هو ضعيف”، لقد أظهر كيف أن ذاك هو مريض. ثم بعد ذلك أضاف ضربة ثانية، قائلاً: “فاقبلوه” إذًا فقد أظهر مرة أخرى كيف أن (الضعيف) يحتاج على رعاية كثيرة، الأمر الذي يعني إنه عيّنه لأسوء مرض. “لا لمحاكمة الأفكار”، وها هي الضربة الثالثة التي يضيفها. لأن من هنا يوضح أن هذه هي خطيئته، حتى أن أولئك الذين لا يفعلون نفس الخطية، يتميزون عنه، لكن من هم أصدقاء يقبلون علاجه. أرأيت كيف إنه يعطي الإحساس بإن كلامه موجه لهؤلاء (أي الضعفاء)، لكنه في الحقيقة يوبخ أولئك (الأقوياء)، دون أن يشعر به أحد، ودون أن يزعج أحد؟. بعد ذلك، بعدما ما أشار للأثنين في ذلك الوقت، أشار لواحد بالمديح، بينما أشار للآخر بالإتهامات. لأنه أضاف قائلاً: “واحد يؤمن أن يأكل كل شيء”، يحكم عليه من خلال الإيمان، “أما الضعيف فيأكل بقولاً”، ويؤنب ذاك أيضًا لأجل ضعفه.
2-فيما بعد، لأنه وجّه ضربة مؤثرة، يعزي ذاك مرة أخرى قائلاً: “لا يزدر من يأكل بمن لا يأكل” رو14-3. لم يقل “ليترك”، لم يقل “لا يُدين”، لم يقل “لا يصحح”، بل قال لا يسخر منه، لا يزدري به، لكي يُظهر إنهم صنعوا أمر مستحق لكثير من السخرية لكن من جهة ذاك (أي الذي لا يأكل)، لا يتكلم هكذا، لكن كيف يتكلم؟ يقول “ولا يدين من لا يأكل من يأكل”. لأنه تمامًا مثلما أن الكاملين في الإيمان قد قللوا من شأنهم كقليلي الإيمان ومرائين ومزَيفين، ومتهودين بعد، هكذا فإن هؤلاء (أي من لا يأكلون) أدانوا من يأكلون كمخالفين، أو كشرهين. ومن الطبيعي أن يكون من بين هؤلاء الذين يأكلون، أمميين. ولهذا أضاف أيضًا “لأن الله قبله”. لكن من جهة ذاك، أي الذي يأكل لا يتكلم هكذا. وإن كان بالتأكيد الإزدراء قد أرتبط بذاك الذي يأكل، لأنه كان شره. لكنه أبدل هذه الأمور، لكي يُظهر إنه ليس فقط لا يستحق للإزدراء، بل ويمكنه أن يدين. بل ويقول وهل أنا أدينه؟ مطلقًا، ولهذا أضاف أن “الله قبله”.
إذًا لماذا تدينه لأنه خالف الناموس؟ فالله قبله، إذ يقول، “لأن الله قبله”. أي أن الله أظهر لذاك (أي الذي يأكل) نعمته غير الموصوفة، وخلّصه من كل الإدانات. ثم بعد ذلك أيضًا يقول للقوي.
” من أنت الذي تدين عبد غيرك” رو14-4. وبناء عليه فمن الواضح أن هؤلاء (الذين لا يأكلون) قد أدانوهم، وليس فقط قد إزدروا بهم. “هو لمولاه يثبت أو يسقط”، ها هو جرح آخر أيضًا. ومن الواضح أن الغضب موجه للقوي، لكنه أيضًا موجه لذاك (للضعيف). لأنه عندما يقول “ولكنه سيثبت”، أظهر إنه ما زال بعد مهتز (من جهة الإيمان)، ويحتاج لكثير من الإهتمام وقدر كبير من العناية، حتى إنه يدعو الله طبيب لهذه الأمور، لأنه يقول “لأن الله قادر أن يثبته”، الأمر الذي نقوله لأولئك الذين هم في حالة يأس شديد. بعد ذلك، لكي لا ييأس، يدعوه عبد، على الرغم من إنه ضعيف، قائلاً: ” من أنت يا من تدين عبد غيرك؟”. وهنا أيضًا هو يوبخ ذاك (أي الضعيف) خفية أو بصورة غير معلنة. والتوبيخ هنا غير مرتبط بأنه يصنع غير مستحقة للإدانة، ولهذا بحث على عدم إدانته، لأنه عبد للغير، لكنه ليس عبد لك، بل هو عبد لله.
بعد ذلك يعزيه مرة أخرى، فلم يقل، إنه “يسقط”، لكن ماذا قال؟ قال: “يثبت أو يسقط”. سواء حدث هذا أو حدث ذاك، فإن الرب يهتم بالأثنين، والخسارة تتجه إلى هناك، عندما يسقط، تمامًا مثلما يحدث مع الثراء، عندما يثبت. بالطبع فإن هذه الأمور، إن لم نفهم أيضًا هدف القديس بولس منها، والذي يريد ألا يوّبخ هؤلاء قبل الوقت الملائم، تكون غير جديرة بالمرة بالإهتمام الذي يناسب المسيحيين. لكنه وهو الأمر الذي أقوله دائمًا، ينبغي أن نفحص القصد، والدافع من وراء قول هذا الكلام، وماذا يريد أن يحقق من وراء هذا الكلام. وهو لم يحيد هذا عن الموضوع . لأنه إن كان الله، الذي أحتمل الضرر، لم يضع شيئًا في البداية، فكيف لا تكون فضوليًا أكثر مما ينبغي، ومتثاقلاً عليه، وسببًا في ضيقه، حين تتكلم في الوقت غير المناسب؟
3-“واحد يعتبر يومًا (أكثر قداسة) دون يوم، وآخر يعتبر كل يوم (مقدس) رو14-5.
هنا يبدو لي إنه رويدًا رويدًا يلمح إلى الصوم. خاصة وإنه كان أمرًا طبيعيًا أن يُدين البعض ممن كانوا يصومون، وبإستمرار كل من كان لا يصوم، أو كان أمرًا طبيعيًا بحسب هذه التمييزات، أن البعض كانوا يأكلون في بعض الأيام، وفي بعض الأيام لا يأكلون. ولهذا قال “فليتيقن كل واحد في عقله”. هكذا إذًا بدد خوف أولئك الذين صنعوا هذه التمييزات، قائلاً أن الأمر لا يستحق الإهتمام، وأبطل عداوة أولئك الذين شنوا هجومًا شديدًا على هؤلاء، مظهرًا إنه غير مُستحب بالمرة أن يكونوا مزعجين بإستمرار من أجل هذه الموضوعات. وهذا الأمر غير مستحب بالمرة، لا بسبب طبيعته، بل بسبب الزمن ومن أجل أنهم حديثي الإيمان. كذلك وهو يكتب إلى أهل كولوسي بإهتمام كبير، يمنع هذا الأمر، قائلاً “أنظروا أن لا يكون أحدكم يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح”، وأيضًا “فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت” و “لا يُخسّركم أحد الجعالة”(2). بل وإلى أهل غلاطية يكتب بدقة كبيرة ويطلب من هؤلاء الإيمان والكمال في موضوعات مثل هذه. لكنه هنا لا يستخدم هذه النغمة بسبب إنهم كانوا حديثي الإيمان. إذًا ينبغي ألا نقل في كل شيء “فليتيقن كل واحد في عقله”. لأنه حين يكون الكلام عن العقائد أسمع ماذا يقول: “إن كان أحد يبشركن بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”(3). وأيضًا “أخاف إنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح”(4). ويكتب إلى أهل فيلبي قائلاً: “أنظروا الكلاب أنظروا فعلة الشر أنظروا القطع”(5). لكن إلى أهل رومية، لأنه لم يكن وقت أن يصحح هذه الأمور الآن، يقول : “فليتيقن كل واحد في عقله”. خاصة وأن الكلام كان عن الصوم أيضًا، وهو قد تكلم عن هذه الأمور لكي يمحو تباهي أولئك ولكي يبدد الخوف عند هؤلاء.
“الذي يهتم باليوم فللرب يهتم والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم. والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله. والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله”. رو14-6. وهو مستمر في الإهتمام بهذه الأمور. بالطبع ما يقوله يعني الآتي، أن الأمر لا يتعلق بالأشياء التي تأتي في الأوقات المناسبة. لأن المطلوب هو إن كان هذا الأمر يفعله هذا وذاك لأجل الله، إن ما يُطلب هو إن كان الأثنان ( أي الذي يهتم والذي لا يهتم والذي يأكل والذي لا يأكل) يختمان بالشكر على ما يقومان به. خاصة أن هذا وذاك يشكران الله. إذًا فإن كان الإثنان يشكران الله، فالفرق ليس كبيرًا. لكن لاحظ من فضلك، كيف إنه هنا أيضًا، دون أن يُشعر به، يضرب المتهود. لأنه إن كان المطلوب هو هذا، أي الشكر ، فإنه من الجليّ أن ذاك الذي يأكل هو الذي يشكر، وليس ذاك الذي لا يأكل، لأنه كيف يكون من الممكن هذا (أن يشكر الذي لا يأكل)، طالما إنه بعد، متجه نحو الناموس! هذا ما قاله بالضبط لأهل غلاطية: ” أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة” غلا5-4. بالطبع هو هنا يشير إلى هذا، لكنه لا يوضحه هكذا (لأنه لم يكن وقته بعد)، بل إنه يُقيّمه أولاً، ثم يوضحه أكثر بالكلام اللاحق. قائلاً: “لأن ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته. لإننا إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن” رو7:14-8. هنا هو يُشير على هذا (أي للحياة مع المسيح) بأكثر وضوح من خلال هذه العبارات. لأن ذاك الذي يحيا للناموس، كيف يمكن أن يحيا للمسيح؟ لكنه لا يبرهن على هذا (أي الحياة للمسيح) من خلال ما قاله فقط، بل إن ذاك الذي يشرع في التصحيح، يضبطه ويُقنعه أن يكون طويل الأناة، موضحًا إنه من المستحيل أن يُزدرى بهم الله، لكنه سيُصلحهم في الوقت الملائم.
رسالة رومية الأصحاح13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
3 ـ إذًا فلنتخلص من هذا النوم الخبيث. لأنه إن كان يومنا قد كرّس للنوم، فسيتبعه موت أبدي. بل أننا قبل ذلك اليوم، سنكون ضعفاء أمام كل الأعداء، الذين يأتون من هنا (من النوم أو الكسل) وأمام الناس، وأمام الشياطين، وإن أرادوا أن يهلكونا، فلن يوجد يمنعهم من ذلك. لأنه إن كان الساهرون (أي اليقظون) هم كثيرين فإن الخطر لن يكون كبيراً بهذا القدر، لأن واحد، وربما اثنين، أشعل سراجاً وظل ساهراً، بينما ينام الآخرون، تمامًا مثلما يحدث في منتصف الليل، ولذلك يُفرض علينا الكثير من اليقظة والكثير من الأمان، حتى لا نُصاب بشرور لا تُصحح. ألا يبدو لنا الآن كيف أن النهار مشرق؟ ألا نعتقد جميعنا، أننا استيقظنا وأننا هادؤن؟ لكننا جميعاً (ربما تسخرون من الكلام، لكنني سأقوله)، نشبه أولئك الذين يغطون في نوم عميق ويشخرون. وإن كانت هناك إمكانية أن نرى كائناً جوهراً غير جسداني، فيكون معنى ذلك أن الأكثرية تغط في نوم عميق، بينما الشيطان يثقب الأسوار ويفترس كل النائمين، وسلب كل ما يوجد في الداخل، صانعًا كل هذا بكل اطمئنان كمن يعمل في ظلام دامس. أو من الأفضل أن نقول، أن الشيطان يعرف أنه يستحيل على أحد أن يراه، إلا أننا نراه عن طريق الكلام الرديء ولنفكر في كم هم الذين يحاربون بالرغبات الشريرة، والذين سيطر عليهم المخدر المخيف الناتج عن الفجور، وكم عدد الذين يطفئون نور الروح تمامًا. ولهذا إذًا يرون، أن الإنسان عندما يكون مستغرقاً في حلم يري ويسمع ولكن ليس بطريقة واقعية، ولذلك فهو لا يصغي إذا ما تكلم أحد مستيقظ.
لكن إن كنت أنا أكذب عندما أتحدث عن هذه الأمور، وإذ كنت أنت يقظًا، أخبرني، ماذا حدث اليوم هنا، إن لم قد حدث كما لو كان في حلم؟ وأنا أعرف بالطبع أن البعض سيقولوا لماذا لم أتحدث عن هذه الموضوعات في مواجهة الجميع. لكن أنت يا من أنت مُذنب فيما يختص بالأمور السالفة، والذي دخلت هنا بلا فائدة، تكلم، أى نبي، وأى رسول حدّثنا اليوم، وعن أى الأشياء تحدث. أنت لا تستطع أن تقول، لأنك تكلمت عن أمور كثيرة هنا، كما في حلم، دون أن تستمع للأمور الحقيقية. لكن لنتكلم عن هذه الأمور بالنسبة للنساء، خاصةً وأن النوم عندهن كثير، وليته وهو نوم لأن من ينام لا يتكلم بالشر، ولا بالصلاح، بينما اليقظ مثلكم يتكلم كثيراً عن شره، يعد الفوائد، ويحسب الأرباح ويعد لحسابات القروض يحمل في ذاكرته خمراً (سكراً) فاسداً، يزرع شوكاً كثيفاً في نفسه، لا يترك البذرة قليلاً حتى تثمر عليك أن تستيقظ تمامًا، وانزع هذا الشوك من الجذور، وتحرر من السكر، لأن من هنا يأتي النوم. لكنني لا أقصد بالسكر، سكر الخمر فقط، بل الاهتمامات الحياتية أيضًا، ومع سكر هذه الاهتمامات، يأتي السكر من الخمر أيضًا.
وأنا لا أنصح الأغنياء فقط بهذه الأمور، بل والفقراء أيضًا، وبخاصةً أولئك الذين يصنعون موائد الأغابي. لأن هذا لا يُمثل متعة، ولا تجلب راحة، بل جزاءاً وعقوبة. لأن المتعة ليست أن نتكلم كلاماً وقاحاً، بل أن نتكلم بوقار، أن نشبع، لا أن نتشاحن. أما إن اعتقدت أن في هذا لذة، فاظهر لي في المساء هذه اللذة. أنك لا تستطيع أن تظهرها. وأنا لم أتكلم بعد عن الأضرار التي تأتي من هنا (أى من السكر)، بل أكلمك أولاً عن اللذة التي تذبل على الفور. لأنه في لحظة واحدة تنفض المائدة ويختفي الفرح. لكن عندما أشير إلى القيء، وأوجاع الرأس، والأمراض التي لا تُعد، وأسر النفس، ماذا ستقول في كل هذه الأمور؟ فهل لأننا فقراء، يجب أن نسلك بلا وقار؟ أنني أتكلم عن هذه الأمور، لا لكي أمنعكم أن تعدوا موائد مشتركة، ولا لكي أمنعكم عن أن تقيموا طعام مشترك، بل لكي أمنعكم أن تسلكوا بلا وقار، ولأنني أريد للمتعة أن تكون متعة حقيقية، وألا تكون جزاء وعقاباً، وسكراً، وتسلية. ولعلم الأمم، أن المسيحيين يعرفوا على أية حال كيف يستمتعوا ويتمتعوا، وأن يتمتعوا بوقار. يقول المرنم “افرحوا في الرب بخوف”[1]. وكيف يكون ممكنًا أن نفرح؟ نفرح ونحن نقول التسابيح، ونرفع الصلوات، ولتحل المزامير محل تلك الأناشيد السفيهة.
وهكذا فإن المسيح سيوجد بجوارنا على المائدة، وسيمتلئ بالبركة الطعام والشراب، عندما تصلي، وعندما ترنم روحيًا، وعندما تدعو فقراء إلى الشركة في الطعام المقدم، وعندما تفرض طاعة كبيرة ووقاراً على المائدة. هكذا أيضًا ستصنع الكنيسة الطعام والشراب، ويسبح الجميع الرب، ويحل هذا التسبيح مكان الصياح والمديح غير اللائق. ولا تقل لي، إنه قد ساد ناموس آخر، بل عليك أن تصحح الأوضاع الشريرة التي تصاحب السلوكيات هكذا يقول: “فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شئ لمجد الله”[2]. خاصةً وأن الرغبات الشريرة تتولد من هذه الموائد ومنها يأتي الفجور، ومن هنا (أى من هذه الموائد) تُحتقر نساءكم، بينما تُكرَّم العاهرات، من هنا يأتي انحلال أو تفكك العائلات، وتأتي شرور لا حصر لها، وتعم الفوضى كل شيء، وبعدما تركتم النبع النقي، ركضتم إلى مجرى الوحل. ومن حيث أن جسد الزانية هو وحل، فإنني لا أسأل أحداً في هذا الأمر، بل أسألك أنت يا من تتمرغ في الوحل، إن لم تخجل من نفسك، إن لم تتصور كيف أنك دنس بعد الخطية.
4 ـ ولهذا أتوسل إليكم أن تتجنبوا الزنا، ومصدره الذي هو السكر. لماذا تغرس حيث لا يمكن أن تحصد، أو ربما حتى وإن حصدت بعد، فإن الثمر يحمل لك كثيراً من الخجل؟ لأنه، حتى وإن وُلد ولد من هذه العلاقة الآثمة، فإن هذا يخجلك، ويكون (الولد) قد ظُلم بسببك، طالما أنه يعتبر أبناً شرعي، ومن أصل سيء. حتى وإن كنت بعد تترك له أموالاً طائلة، فهو يصير محتقراً في البيت، ومحتقر في المدينة، ومحتقر في القضاء.
هذا هو المولود من زانية، هذا هو المولود من سفاح أو خداع، بل وأنت أيضًا تكون، مُحتقراً حين تعيش، وحين تموت. لأنه حتى وإن مت بعد، تظل ذكريات أعمالك المشينة باقية. لماذا إذًًا تُخجل كل شئ؟ لماذا تبذر، حيث تحاول الأرض أن تبيد الثمر؟ تبذر حيث الأجزاء المجدبة أو القاحلة كثيرة؟ حيث قبل الولادة يوجد قتل أو اغتيال؟ خاصةً وأن الزانية لا تتركها تبقى زانية فقط، بل تجعلها قاتلة أيضًا. أرأيت، كيف أن العهر يأتي من السكر، والزنا يأتي من العهر والقتل من الزنا؟ بل وربما شئ أسوأ من القتل، لأنني لا أستطيع أن أسمى هذا الأمر. لأنه لا يقتله بعدما يولد، بل ويمنعه أن يولد. إذًا لماذا تحتقر عطية الله، وتحارب نواميسه، وهذا الذي يُعد لعنة، تسعى أنت نحوه كبركة، ومستودع الولادة، تجعله مستودع قتل، والمرأة التي أُعطيت لك لولادة الأبناء، تعدها للقتل؟ كما أنك لا ترفض أن هذه المرأة مبهجة ومرغوباً فيها لدى العشاق، وتجمع أموال أكثر، فتجمع بسبب هذا ناراً حارقة فوق رأسك. لأنه على الرغم من أن الإباحية تُنسب لها، لكن السبب يرجع إليك.
من هنا تأتي عبادة الأوثان. لأن كثيرات، لكي يصرن جذابات يبتدعن تمتمات (صلوات)، وأحجبة، وطرقاً أو وسائل سحرية جنسية وأشياء أخرى لا تُعد. لكن بعد هذا القُبح الكبير وبعد حالات قتل كثيرة، وبعد عبادة أوثان، فقد بدى الأمر للكثيرين أنه لا يستحق الاهتمام، على الرغم من ان الكثيرين لديهم نساء. وهنا يظهر بالأكثر حجم الشرور لأنهم يلجأون إلى الشعوذة، ليس في بطن الزانية بل لدى المرأة المظلومة، وإلى آلاف المكائد، وستدعون الشياطين، ويتصلون بالموتى (عن طريق العرافة)، ويشنوا حروباً يومية، ومعارك وحشية، ونزاعات يومية. ولذلك فإن القديس بولس، بعدما قال ” لا بالمضاجع والعهر” أضاف ” لا بالخصام والحسد”، لأنه يعرف الحروب التي تأتي تنشب عن طريق هذه الأمور، وتفكك العائلات، والظلم الذي ينال من الأولاد المهذبين، والشرور التي لا حصر لها. ولكي نتجنب إذًا كل ذلك، فلنلبس المسيح، ولنكن دومًا معه. وألا نتركه أبدًا، فإن معنى كلمة “لبس” هو أن يظهر المسيح من داخلنا من كل الجوانب من خلال قداستنا، من خلال صلاحنا. هكذا نقول لأصدقائنا أن فلاناً قد لبس فلاناً، قاصدين المحبة الكبيرة، والعشرة المستمرة. لأن من لبس، يبدو هو ذاك الذي لُبس.
إذًا ليظهر المسيح من داخلنا من كل جانب. وكيف سيظهر؟ إن فعلت ما يفعله. وماذا فعل هو؟ ” أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه “[3]. هذا ما يجب أن تتشبه به أنت أيضًا. كان يجب أن يحيا متمتعًا بالطعام، فأكل خبز الشعير. كان يحتاج للسفر فلم يجد خيولاً، ودواباً، فمشى مسافات طويلة جدًا، حتى أنه تعب أيضًا. كان يحتاج أن ينام، لكنه تمدد (نام) وجعل من مقدمة السفينة وسادة لرأسه. احتاج أن يُجلسهم للطعام، وأمر أن يجلسوا فوق العشب. بل وملابسه أيضًا كانت زهيدة، وفي حالات عديدة بقى وحده، دون أن يُحضر أحد معه، وطالما أنك تعرف كل ما حدث في الصليب، والإهانات، وكل شئ بشكل عام، فلتفعل كل هذا، وتكون قد لبست المسيح، إن لم تهتم بإشباع شهوات الجسد. لأن هذا الأمر لا يحمل أى فرح. خاصةً وأن هذه الشهوات تلد أيضًا أشياء أخرى مؤلمة، ولن تشبع أبدًا. إن الذي يعيش في الشهوات يعطش دائماً يشبه من يظل عطشاناً، وحتى وإذا وجدت بالقرب منه آبار مياه لا حصر لها، فإنه لن يربح شيئاً من ذلك، طالما أنه لا يستطيع أن يطفئ شهوته، هكذا ذاك الذي يعيش دومًا بالشهوات.
أما إذا تدرب الجسد على الحرمان، فلن يصاب مطلقًا بهذه الحمى (أى حمى الشهوات)، بل سيفارقك السكر، والعهر. إذ عليك أن تأكل بقدر ما توقف الجوع، وتلبس، بقدر ما تتغطى فقط، ويجب ألا تزين الجسد بالملابس لكي لا تهلكه. خاصةً وأنك بهذا تجعله أكثر ضعفًا، وتضر بالصحة، بعدما تضعفه بكثير من الحماقة. لكي يكون لك إذًا عربة حسنة للنفس، لكي يجلس القائد بأمان أمام عجلة القيادة، ولكي يستخدم الجندي الأسلحة بسهولة، فعليك ممارسة كل ذلك كما ينبغي. لأن ما يجعلنا لا نقبل الهزيمة، ليس هو أن نمتلك الكثير، بل هو أن نحتاج للقليل. لأن ذاك (أى الذي يمتلك الكثير)، حتى وإن لم يُظلم بعد، يخاف، بينما ذاك (الذي لا يحتاج إلاّ للقليل)، حتى وإن ظُلم بعد، سيكون في حالة أفضل من أولئك الذين لم يُظلموا بعد، ولهذا سيوجد في بهجة أكثر. إذًا يجب ألا نطلب هذا (أى الكثير)، أى يجب ألا يصيبنا أحد بالضرر، بل وحتى إذا كان يريد بعد أن يؤذينا، فإنه لن يستطع. وهذا لن يحدث بأي حال على الإطلاق، حين نحتمل الحرمان، ولا نشتهي المزيد. لأنه هكذا إنطلاقًا من هذا السلوك، سنستطيع أن نحيا حياة مملوءة بالمتعة، وسننال خيرات الدهر الآتي، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الدهور آمين.
رسالة رومية الأصحاح13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
” هذا وإنكم عارفون الوقت أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم ” (رو11:13).
1 ـ بعدما أوصى بكل ما ينبغي فعله، يحثهم مرة أخرى أن يتمموا الأمور الصالحة على وجه السرعة. لأن وقت الدينونة هو قريب جدًا، تمامًا كما كتب إلى أهل كورنثوس، قائلاً: ” الوقت منذ الآن مُقصر “[1]. وأيضًا كتب إلى العبرانيين ” لأنه بعد قليل جدًا سيأتي الآتي ولا يُبطئ “[2]. لكنه في هاتين الرسالتين قال هذا لكي يُشدد الذين تعبوا، ولكي يُعزيهم لأجل المتاعب، والتجارب المتوالية، بينما هنا (أى في رومية)، قال هذا لكي يوقظ أولئك الذين ناموا (أى المتغافلين). كذلك فإن هذا الكلام نافع للاثنين أيضًا. لكن ما معنى قوله: ” أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم “؟ يعني أن القيامة قريبة، أن الدينونة الرهيبة قريبة، أن اليوم الذي يحرق مثل كمين النار هو قريب، ويجب بالأكثر أن نتخلص من اللامبالاة. لأن ” خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا “.
أرأيت كيف أنه يقدم الآن موضوع القيامة لهؤلاء؟ لأنه بينما يمر الزمن، يُنفق وقت الحياة الحاضرة، ويأتي زمن الحياة الأبدية قريب جدًا. إذًا لو أنك مستعد وتتمم كل ما أوصى به، يصير اليوم يوم خلاص، لك، أما إذا حدث العكس، فإن اليوم لن يكون بعد يوم خلاص.
لكنه لم يعظ في البداية عن الأمور المحزنة، بل عن النافعة، لكي يُخلّصهم بذلك من شهوة الأشياء الحاضرة. لكنه تحدث عن ما هو محزن بعد ذلك، لأنه كان من الطبيعي أن يُظهروا استعداد أكثر في البداية، طالما كانت رغبتهم شديدة. إلاّ أن الرغبة تتلاشي تماماً مع مرور الزمن، وهنا يبدأ يوصيهم بأنهم لا
لكن مع مرور الزمن، تبدأ تنمحي تمامًا كل غيرة، فيقول
يجب أن يفعلوا العكس، فلا يتراخوا كلما عبر الزمن، بل بالأكثر يكثفوا من محاولاتهم. لأنه كلما أقترب موعد الملك، كلما زاد الاستعداد وكلما أقترب موعد المكافئة، بقدر ما ينبغي بالأكثر أن نُزيد استعدادنا للجهاد. لأن هذا ما يفعله العدائون، حين يصلون بالقرب من نهاية الطريق واستلام الجائزة، فهم يشددون بالأكثر من بذل جهد قوي ولهذا قال ” خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا “.
2 ـ ” قد تناهى الليل وتقارب النهار ” (رو12:13).
إذًا إن كان الليل ينتهي، فالنهار يقترب. فلنصنع بالأولى تلك الأعمال (أى أعمال النور)، وليست هذه الأعمال (أى أعمال الظلمة). خاصةً وأن هذا هو ما يحدث في الأمور الحياتية. حين نرى أن الليل يركض نحو السحر، ونسمع شدو العصفور، فإن كل واحد يوقظ قريبه، وإن كان بالطبع مازال ليل. ونظراً لأن الليل يرحل بالفعل فنحن نتصرف في عجالة ونتمم كل شيء تلو الأخر فالنهار قد طلع عندئذٍ ونصنع كل ما يليق بالنهار، أى نرتدي ملابسنا، نفيق من الأحلام، ونودع النوم، لكي يجدنا اليوم مستعدين، حتى لا نبدأ وقت أن نستيقظ مباشرة بل ونشدد أنفسنا حين تشرق الشمس. إذًا ما نصنعه في حياتنا اليومية، فلنصنعه هنا أيضًا. فلنتجاوز الخيال، ولنتخلص من أحلام الحياة الحاضرة، ولنترك النوم العميق، ولنلبس الفضيلة بدلاً من الملابس. لكي يعلن عن كل هذا، قال ” فلنخلع أعمال الظلمة. ولنلبس أسلحة النور “. خاصةً وأن يومنا يدعو للإصطفاف والمعركة.
لكن لا نخاف حين نسمع إصطفاف ومعركة. لأن التسلح بالأسلحة المادية، يُعتبر أمراً ثقيلاً وغير مرغوب فيه، بينما هنا هو أمر مرغوب فيه ويستحق أن نطلبه، لأن الأسلحة هى أسلحة النور. ولهذا فإنها تظهر لك أكثر بهاءً من أشعة الشمس، لأنها تشع نوراً كثيراً، وتؤمّنك، وتجعلك تشرق بشكل فائق، لأنها أسلحة النور. ماذا إذًا؟ هل هناك حاجة لنحارب؟ نعم بالطبع لا ولكن لنجهد أنفسنا، وأن نتعب، لأن هذه ليست حرب حرباً، بل فرحاً واحتفالاً. هذه هي طبيعة هذه الأسلحة (أسلحة النور)، وهذه هى قوة القائد. وتمامًا مثل العريس الذي يتزين ويخرج من غرفة العرس، هكذا أيضًا ذاك الذي هو مُدَعَم بهذه الأسلحة (أسلحة النور). خاصةً وأن كل من الجندي والعريس، يتزين بها في مسيرته. لكن فبعدما قال إن النهار اقترب، لم يتركه يقترب، بل يقدمه على الفور، لأنه يقول:
” لنسلك بلياقة كما في النهار ” (رو13:13).
إذًا الآن بلغ النهار. عن وأخذ يجذب هؤلاء طريق الأمور التي يُنصح بها الكثيرين، يجذب هؤلاء، أى اللياقة. لأن الكثيرين تحدثوا مع هؤلاء كثيرًا عن المجد. ولم يقل “أن نسلك”، بل قال “لنسلك”، لكي يجعل النصح بلا ضجر، ولتخفف من التوبيخ.
” لا بالبطر والسكر”، لا أن يمنع المرء عن أن يشرب، بل يوصيه بألا يشرب بشكل مبالغ فيه، ولا يمنعه من أن يستمتع بالخمر، بل يمنعه أن يستمتع بفجور، تمامًا مثل الكلام اللاحق أيضًا، إذ يُشير إليه بنفس المعيار قائلاً: ” لا بالمضاجع والعهر “. وبالطبع هو هنا لا يبطل الإتحاد الجسدي بالنساء، لكنه يرفض الزنا. ” لا بالخصام والحسد”. أي يحرم الأشياء القاتلة من الأهواء، والشهوة والغضب. ولهذا تحديدًا لا يبطل هذه الأمور فقط، بل ويُبطل مصادرها أيضًا. لأنه لا يوجد شئ يُشعل الشهوة بهذا القدر الكبير، ويجعل الغضب أمراً لا مفر منه، سوى السكر والفجور. ولذلك بعدما قال أولاً “لا بالبطر والسكر”، أضاف لا بالمضاجع والعهر. لا بالخصام والحسد”. ولم يتوقف عن هذا الحد، بل بعدما نزع عنا الملابس المدنسة، اسمع كيف يزيّننا فيما بعد قائلاً: ” بل البسوا الرب يسوع المسيح “. لم يشر بعد إلى الأعمال، بل حثهم (عليها) إلى أقصى درجة. لأنه حين كلمهم عن الشر، أشار للأعمال، بينما حين تكلم عن الفضيلة، لم يشر بعد للأعمال بل للأسلحة، مظهرًا أن الفضيلة تقود من يقتنيها إلى الأمان وإلى كل بهاء. ولا هنا أيضًا توقف، بل استمر بالحديث إلى ما هو أعظم، والذي هو أمر مُرعب جدًا، يُقدم لنا الرب نفسه كملبس، الملك ذاته يقدمه كملبس. لأن ذاك الذي هو لابس الرب، يملك كل الفضيلة.
لكن عندما يقول “البسوا” يأمر أن نلبسه من كل جانب، تمامًا كما يقول في موضع آخر ” إن كان المسيح فيكم “[3]، وأيضًا ” ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم “[4]. كذلك يريد أن نكون أنفسنا مسكنًا للمسيح، ونلبسه كملبس، لكي يكون لنا كل شئ من الداخل ومن الخارج. لأنه هو كما لنا، إذ هو ” ملء الذي يملأ الكل في الكل “[5]. وهو طريق، وزوج، وعريس، لأنه يقول ” خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح “[6]، وهو الأصل أو الجذر، والماء وطعام الحياة ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ “[7]، وهو رسول، ورئيس كهنة، ومعلّم، وأب، وأخ، ووارث، وشريك في قبرنا وصليبنا ” فدفنا معه .. للموت .. صرنا متحدين معه بشبه موته “[8]، متوسل ” نسعى كسفراء عن المسيح “[9]، وشفيع عنا أمام الآب ” بالحرى يشفع فينا “[10]، وهو المسكن والساكن ” يثبت فيّ وأنا فيه “[11]، وهو مُحب ” أنتم أحبائي “[12]، وهو الأساس وحجر الزاوية، ونحن أعضائه، ونحن الحقل، والبناء، والأغصان، ونحن عاملون معه.
ومن هو الذي لا يريد أن يصير منا، لكي يربط فيما بيننا ويوحدنا معًا بكل طريقة؟ الأمر الذي هو سمة ذاك الذي يُحب بشكل فائق. إذًا لتخضع، وبعدما تستيقظ من النوم، فلتلبس المسيح، وبعدما تلبسه، أن تهب جسدك له بالطاعة. لأن هذا هو ما أشار له قائلاً:
فكما أنه لم يمنع شرب الخمر، بل منع السكر، ولم يمنع الزواج، بل منع الفجور، هكذا لم يحرم الاعتناء بالجسد، بل أنه قد حزر من إشباع شهوات الجسد، أى الشعور بالاحتياج المبالغ فيه. فمن حيث أنه يأمر بالاهتمام بالجسد، اسمع ماذا يقول لتيموثاوس ” استعمل خمرًا قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة “[13]. هكذا هنا أيضًا، فهو يوصي بالاهتمام بالجسد، ولكن من اجل سلامة الصحة، وليس من أجل الفجور. إن تتوفر الظروف التي تساعد على إشعال النار بشكل مخيف لا يمكن اعتباره رعاية أو اهتمام ولكي تعلموا جيدًا، ماذا يعني، على أية حال، أن يعتني المرء بالجسد بالنسبة لإشباع شهواته، ولتدركوا كيف يمكن تجنب الأهتمام الخاطئ عليكم أن تتذكروا السكارى، والذين هم عبيد لبطونهم، والذين يفتخرون بملابسهم، والفاسقين، وأولئك الذين يحيون حياة اللذة، حياة مملوءة بالمتع، وستعرفوا معنى ما قيل.
لأن أولئك الذين يفعلون كل شئ، هم يفعلون ذلك، لا من أجل أن يصيروا أكثر صحة، بل لكي يشعروا بالمتعة، لكي يشعلوا الشهوة. لكن أنت يا من تلبس المسيح، عندما تنقض كل هذا، لتطلب شيئًا واحدًا فقط، كيف يكون لك جسدًا صحيحاً. وتعتني به إلى هذا الحد فقط، وليس أكثر من ذلك، بل أن تخصص كل رغبتك لاقتناء الصلاح الروحي أو الخيرات الروحية. إذًا هكذا سيمكنك أن تستيقظ من هذا النوم، دون أن تشعر بثقل من هذه الشهوات المتنوعة. كذلك فإن الحياة الحاضرة، هى نوم، وكل ما يحدث في هذه الحياة، لا يختلف أبدًا عما يحدث في الأحلام. وتمامًا مثل هؤلاء الذين ينامون، ويهذون، ومرات كثيرة لا يرون شيئًا صحيحًا، هكذا نحن أيضًا، وربما تكون أسوأ بكثير. من يرتكب أفعالاً فادحة أثناء الحلم فهو لا يُعاقب عليها عندما يسقط بل يتخلص منها. أما بالنسبة لما يحدث بالفعل فإن عقابه لا ينتهي وهكذا الخجل الذي يتبعه هذه الأفعال. أيضًا كل من صار غني في الحلم، عندما يشرق النهار، يُوبخون، لأنهم اغتنوا مصادفةً، بينما هنا قبل أن يطلع النهار، فإنهم يلقوا أكثر من التوبيخ، وقبل أن ننتقل إلى هناك، تكون هذه الأحلام قد تبددتْ.
رسالة رومية الأصحاح13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
4 ـ إذًا فليحب الواحد الآخر، لكي نحب بهذه الطريقة أيضًا الله الذي أحبنا. إن ما يحدث بين البشر هو أنك إذا أحببت من هو موضع محبة، فإن الذي يُحبه سيقاومك، أما هنا فإنه يعتبرك مستحقًا أن تصير شريكًا له في المحبة، وحين ترفض أن تصير شريكًا، فإنه يُبغضك. لأن العشق الإنساني مملوء بالبغضة والحسد، بينما المحبة الإلهية متحررة من كل معاناة عاطفية، ولهذا فإنها تطلب شريكًا للمحبة. إذًا فلتحب بالاشتراك معي، هكذا يقول، وحينها سأحبك بالأكثر. أرأيت عاشقاً يتكلم بهذه القوة؟ فكأنه يقول: إن كنت تحب الذين أحبهم أنا فحينئذٍ أتصور أنني أنا ذاتي، أكون محبوبًا بشكل فائق منك. خاصةً وأنه يشتهي خلاصنا جدًا، وقد أظهر ذلك منذ البداية. اسمع ماذا يقول حين خلق الإنسان: ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا “[1]، وأيضًا: ” ليس جيدًا أن يكون آدم وحده. فأصنع له معينًا نظيره “[2]. وحين وبّخه، عندما خالف الوصية، لاحظ كيف وبّخه بكل حنو. لأنه لم يقل له أيها الدنس والملوث، برغم من أنك قد نلت إحسانات كثيرة، فإنك آمنت بالشيطان، بعد كل هذه الإحسانات، وهجرت من أحسن إليك، وكرست ذاتك للشيطان الخبيث، بل ماذا قال: “من أعلمك أنك عريان. هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها “[3]. إن ذلك يشبه أباً أوصى أبنه بألاّ يمسك بالسيف فرفض الابن سماع النصيحة فمسك بالسيف وأصيب بجراح. وعندما أصيب أخذ يصرخ قائلاً عن سبب إصابته. فأجابه الأب قائلاًَ: أنك جرحت يا أبني بسبب عدم طاعتك لي ولأنك لم تسمعني.
أرأيت أن الكلام هو من صديق أكثر منه رب؟ لصديق قد احتقر، لكنه برغم ذلك لم يبتعد. إذًا فلنتشبه به حتى عندما نُوبخ أيضًا، ولنتبع هذه الرأفة. كذلك المرأة أيضًا (أي حواء) وبّخت بنفس الرقة. أو من الأفضل أن نقول، إن ما حدث لا يُعد توبيخاً بل كان نصيحة، وتصحيح (للمسيرة)، وتأمين للمستقبل. ولهذا تحديدًا لم يقل شيئًا للحية، لأنها كانت هي المخططة للشرور، ولم تستطع أن تنقل السبب إلى شخص آخر، ولذلك فقد عاقبها بشدة، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل جعل الأرض مشتركة في اللعنة. وإذ أن الله قد طرد آدم من الفردوس، وحكم عليه بالعمل الشاق، ولذلك يجب أن نسجد له ونُمجده. لأن الشهوة قادت إلى الخمول والإهمال في تنفيذ الوصية، وحاصرت الفرح، وساد الحزن الناتج عن عدم اللامبالاة، وهذا ما يدفعنا إلى الرجوع إلى محبته.
ماذا حدث أيضًا في حالة قايين؟ ألم يستخدم معه نفس أسلوب الرأفة؟ كذلك برغم من أنه أُهين منه، لم يرد الإهانة، لكنه تجدث معه برجاء وقال: “لماذا سقط وجهك”[4]. وإن كان ما حدث خال بالطبع من أية مقدرة على صفح، وقد برهن الأخ الأصغر على ذلك. لكن ولا هكذا وبّخ، ماذا قال: ” إن أحسنت أفلا ترفع. وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها “[5]، ويعني بذلك أخاه. إذًا وإن كنت تخاف، هكذا يقول، ربما بسبب ذبح هابيل سأنزع عنك سلطة البكر، فلتتشجع (أى لا تخف). فكل سلطته سأضعها في يدك. فقط أريد أن تصير أفضل، وأن تحب الذي لم يظلمك أبدًا. خاصةً وإني أعتني بكما معاً، على أن ما يفرحني هو ألا تتشاجروا فيما بينكما. ومثلما تفعل الأم الحنون، هكذا يفعل الله، كل شئ يصنعه ويبدعه، حتى لا ينفصل أحد عن الآخر.
لكن لكي تعلم ما أقوله جيدًا، سأذكر لك مثالاً: غليك أن تتذكر رفقة التي أصابها القلق وركضت في كل مكان، عندما حارب ابنها الأكبر، الابن الأصغر. لأنه برغم من أنها كانت تحب يعقوب، إلاّ أنها لم تُبغض عيسو. ولهذا قالت: ” لماذا أعدم أثنيكما في يوم واحد “[6]. ولهذا تحديدًا قال الله آنذاك لقايين: “عند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها”، لكي يجنبه القتل لأنه كان يطلب سلام الاثنين. وحتى عندما ذبحه دون حزن أو أسى، لم تتوقف عنايته لذاك لقايين، بل برأفة، يسأل قاتل أخيه قائلاً: ” أين هابيل أخوك “[7]. لكي بهذه الطريقة على الأقل يقدم توبة. لكن ذاك جادل في الأمور السابقة، جاعلاً السفاهات أكبر وأفظع. ولا هذا أيضاً جعل الله يبتعد عنه بل حدّثه أيضًا بكلام يليق بمن يحب بقوة، على الرغم من أنه أُهين واُحتقر، فيقول “صوت دم أخيك صارخ إليّ “[8]. وأيضًا لعن الأرض مع قاتل أخيه، تاركًا غضبه للأرض، قائلاً: ” ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك “[9]، وقد فعل مثلما يفعل أولئك الذين يدعون شخصاً للرجوع.
هذا ما صنعه داود، عندما سقط شاول. خاصةً وأن ذاك (أى داود) لعن الجبال التي حدث عليها جريمة القتل الذبح (أى ذبح شاول)، قائلاً: ” يا جبال جلبوع لا يكن طل ولا مطر عليكن .. لأنه هناك طُرح مجن الجبابرة “[10]. هكذا فإن الله كمن رنم بصوت فردي، يقول: ” صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك “. وقال هذا لكي يضبط غضبه الذي كان محتداً، ولكي يُقنعه على الأقل بأن يحبه حتى وإن لم يكن حيًا. هكذا يقول لقد محوت حياته، فلماذا لم تمحو البغضة؟ لكن ماذا يفعل؟ إنه يُحب هذا وذاك، لأنه خلق الاثنين. ماذا إذًا؟ هل سيترك قاتل أخيه بلا عقاب. لكنه في هذه الحالة سيصير أسوأ؟ فهل سيعاقبه؟ إلاّ أنه أكثر حنو من أى أب. لاحظ إذًا كيف أنه يُعاقب ويُظهر رحمة لنفس الشخص، أو من الأفضل أن نقول، لا يُعاقب بل يُصحح فقط. لأنه لم يُميته، بل قيده بالرعب، حتى يطرد العار منه، ليعود على الأقل إلى حنوه وعطفه، لكي يُقيم عهداً على الأقل مع ذاك الذي مات، لأنه لم يُرد لقايين أن يرحل من هناك وهو لازال عدواً، لهابيل الذي قتله.
إن الذين يحبون يكون مثل هؤلاء. فعندما يصنعون إحسانات، لا يكونون موضع محبة، يصيرون قساة، ويهددون، بالطبع دون أن يريدوا ذلك بل ينقادوا بالمحبة إلى هذه القسوة لكي يجذبوا، على الأقل بهذه الطريقة، أولئك الذين يحتقرونهم. وإن كانت مثل هذه المحبة، تصير نتيجة الحاجة، لكن هذا أيضًا يُعزيهم بسبب محبتهم الفائقة. وبناء عليه فإن العقاب أيضًا يصير بالمحبة. لأن أولئك الذين لا يتضايقوا حين يُبغضوا، لا يفضلوا أن يعاقبوا. ولك أن تلحظ ما يقوله القديس بولس، في هذا الأمر لأهل كورنثوس: “لأنه إن كنت أحزنكم أنا فمن هو الذي يُفرحني إلاّ الذي أحزنته “[11]. وبناء على ذلك، فعندما يزيد حجم العقوبة جدًا، عندئذٍ يُظهر المحبة الفائقة. هكذا فإن زوجة فوطيفار المصرية عاقبت يوسف بقسوة بسبب المحبة الفائقة. لكنها بالطبع عاقبته بدافع أمر سيء، خاصةً وأن المحبة كانت قد أخذت شكل الفجور ولكن الله يعاقب من أجل أمر حسن، لأن محبته أيضًا كانت بالقدر الذي يستحق الذي أحب. ولهذا لم يتجنب أيضًا أن يستخدم كلاماً ثقيلاً، وأن يقدم كلمات الميول الإنسانية، وأن يدعو نفسه، غيور ” لأني أنا الرب إلهك إله غيوراً”[12]، يقول هذا لكي تعلم مدى قدر المحبة.
إذًا فلنحب الله كما يريد هو، لأنه يعتبر هذا الأمر، هاماً جدًا. وإن تحولنا عنه، فيظل يدعو، وإن لم نُرد أن نعود، يُعاقب بمحبة، وليس لأنه يريد العقاب. لاحظ إذًا ماذا يقول في سفر حزقيال، عن المدينة التي أحبها، وأهانته ” هاأنذا أهيج عليك عشاقك وأسلمك إلى أيديهم وسيرجمونك وسيحطمونك. وسأنزع غيرتي عنك. وسأستريح ولن أهتم بعد بك “[13]. هل هناك قسوة أكثر قسوة من ذلك، يمكن لعاشق أن يقوله يظهرها عندما يُحتقر من معشوقته، وحين يحترق بالنار لأجلها، بعد كل هذا؟ إن الله يصنع كل شئ، لكي يصير محبوباً لنا، ولهذا لم يُشفق على ابنه. لكننا قساة ومتوحشون. ويجب علينا أن نصير ودعاء، ولنحب الله، كما ينبغي أن نحبه، لكي نتمتع بالفضيلة، بفرح، لأنه إن كان أحد يحب أو يعشق امرأة، لا يشعر بأى أمر من الأمور اليومية المحزنة، فكّر في كم السعادة التي سيتمتع بها ذاك الذي يشتهي جدًا، هذا العشق الإلهي النقي.
إن هذا العشق الإلهي لأمر عظيم جداً هو ملكوت السموات، هو تمتع بالخيرات، هذه هى المسرة، هذا هو الابتهاج، هو الفرح، هو السعادة. أو من الأفضل أن نقول، أنه مهما تكلمت فلن أستطيع أن أعرض شيئاً يستحق أن يعادله، لكنني بالخبرة أعرف مدى عظمة هذا العشق الإلهي.
ولهذا قال النبي ” ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب “[14]. لنخضع إذًا ولنتمتع بمحبته. لأنه هكذا (من هذه المحبة)، سنرى ملكوت السموات، وسنحيا حياة ملائكية، وعلى الرغم من أننا نحيا على الأرض، إلا أننا ننقص شيئاً عن أولئك الذين يسكنون السماء، وبعد انتقالنا من هنا، سنمثل أمام عرش المسيح أكثر بهاءً من الجميع وسنتمتع بمجده الذي لا يعبر عنه، والذي ليتنا نناله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد إلى أبد الدهور أمين.
رسالة رومية الأصحاح13 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح13 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
” لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة” (رو1:13).
1 ـ لقد تحدث (القديس بولس) كثيرًا عن هذا الأمر في رسائل أخرى، إذ يطلب من المواطنين أن يخضعوا للرؤساء، تمامًا مثلما يخضع الخدام للأسياد. وهو يوصي بذلك لكي يظهر أن المسيح لم يضع قوانينه للتحريض على القيام بالانقلاب على الدولة، بل من أجل إصلاح أفضل لها، ولكي يُعلّم بألاّ نشن حروباً مدمرة وبلا داعي. لأن الدسائس التي تُحاك ضدنا بسبب أظهار عن الحقيقة، هى كافية ولا ينبغي أن تُضاف تجارب لا داعي لها ولا تفيد شيئاً. لكن انتبه كيف أنه في اللحظة المناسبة حوّل كلمته إلى هذه الأمور. إذًا بعدما طلب السلوك بتلك الحكمة العظيمة أو تلك الفلسفة العظيمة (أى مواجهة الإساءة بالإحسان) وجعل الجميع يتآلفوا مع الأصدقاء والأعداء في حالة تآلف جعلهم نافعين لمن هم في سعادة، وللذين هم في حالة أسى وحزن، وللمحتاجين، وبشكل عام تجاه الجميع. وأسس المدينة التي تليق بالملائكة، لقد عالج غضبهم ووبخ افتخارهم، وفي كل شئ جعل نفوسهم رقيقة، حينها قدم النصيحة من جهة هذه الأمور. لأنه إن كان أولئك الذين يظلموننا يجب أن يُكافأوا بصورة عكسية، فبالأولى جدًا يليق بنا أن نخضع لأولئك الذين يُحسنون إلينا.
إلاّ أنه أوصي بذلك في نهاية النصيحة، ولم يشر إلى هذه الأفكار التي قالها في البداية، بل أشار إلى الأفكار التي تحث على فعل هذا كدين عليهم. ولكي يُبيّن أن هذه الوصية موجهة للجميع، للكهنة وللرهبان أيضًا، وليس للعلمانيين فقط، لقد جعل هذا الأمر واضحًا منذ البداية، قائلاً: ” لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة “، سواء كان رسولاً، أم كان مبشرًا، أم نبيًا، أو كان أى شيئًا آخر، لأن هذا الخضوع لا يؤثر في التقوى. ولم يقل “لتطيع” بل قال “لتخضع”. وأول تقييم لهذا التشريع، وهذا الفكر الذي يليق بالمؤمنين، هو أنهم قد أُمروا به من الله. ” لأنه ليس سلطان إلاّ من الله “. ماذا تقول؟ هل كل حاكم هو مرسوم من الله؟ يُجيب بأنني لا أقصد هذا، ولا كلامي الآن هو موجه للحكام بشكل منفصل، لكنه يختص بالسلطان. لأنه أن يوجد سلاطين فهذا يعني أن هناك بالطبع من يَحكم، وهناك من يُحكم، ويجب عليهم ألا يسلكوا في كل شئ بلا هدف وبلا ضابط، وأنه يجب على الشعوب ألا تتأرجح هنا وهناك مثل الأمواج، فهذا السلطان هو عمل حكمة الله.
لهذا لم يقل، إذًا ليس حاكم إلاّ من الله، لكن يتكلم بشكل عام عن هذا الأمر (أى السلطان)، ويقول ” لأنه ليس سلطان إلاّ من الله. والسلاطين الكائنة هى محددة من الله “. هكذا قال الحكيم ” الزوجة المتعقلة فمن عند الرب “[1]، هذا ما يقصده، أى أن الله صنع الزواج، وليس أن ذاك يوّحد أي أحد يقيم في علاقة جسدية مع امرأة. خاصةً ونحن نرى أن كثيرين قد ارتبطوا فيما بينهم بالشر، وبزواج غير شرعي، ولا يمكن أن نعتبر ذلك من الله. لكن ذاك الذي قال: “الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى وقال: “من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكونان الاثنان جسدًا واحدًا”[2]، نفس الأمر قاله ذلك الحكيم حين فسّره. إذًا نظراً لأن المساواة في الكرامة، تدفع في مرات كثيرة للتصادم، فقد أوجد الله سلاطين وأنواع كثيرة ومتنوعة من الخضوع على سبيل المثال، الخضوع بين الرجل والمرأة، الابن والأب، الشيخ والشاب، العبد والحر، الحاكم والمواطن، المعلّم والتلميذ. ولماذا تتحير لأنه تحدث عن الخضوع بين البشر، مع أنه فعل هكذا أيضاً بالنسبة
لنفس الشيء في الجسد؟ إن الله لم يخلق الجسد بأعضائه المتساوية في الكرامة، بل خلق عضواً أصغر، والعضو الآخر أسمى، وجعل بعض الأعضاء تسود، وبعضها يُساد عليها. بل وفي الحيوانات يستطيع المرء أن يرى نفس الشيء، كما في النحل، وفي طيور الكركر، وفي قطيع الخراف المتوحشة. ولا البحر أيضًا حُرم من هذا النظام الحسن، بل هناك أيضًا كثير من الأجناس البحرية، توضع تحت سلطان بعض الأسماك، وهى تُساق أو تُدار هكذا عندما توشك القيام برحلاتها البعيدة. خاصةً وأن الفوضى في أي موضع هى أمر سيء، وتسبب للاضطرابات.
2 ـ إذًا بعدما تكلّم عن السلاطين ومن أين تأتي، أضاف:
“حتى أن من يقاوم السلطان يُقاوم ترتيب الله” (رو2:13).
أرأيت إلى أين يقود هذا الأمر، وممن قد أخافهم، وكيف أنه بيّن، أن هذا قد صار كدين عليهم؟ إذًا لكي لا يقول المؤمنون أنه يُهيننا، ويجعلنا مُحتقرين، مُخضعًا الذين سيتمتعون بملكوت السموات للحُكام، يُظهر أنه لا يُخضعهم للحكام، بل هو يُخضع لله أيضًا، وهذا يتم حين يخضعوا للحكام. لأن كل من يخضع للسلاطين، يطيع الله. لكنه لم يقل هذا، أى أن من يُطيع الله، هو من يخضع للسلاطين، لكنه يُخيفهم من الوجهة العكسية، ويُدلل على هذا بدقة كبيرة، قائلاً أن من لا يخضع للحاكم يُقاوم الله الذي رتب هذه الأمور. وقد حرص على إظهار هذه الحقيقة في كل موضع، أننا لا نمنح هؤلاء الطاعة، بل نحن مدينين بها. وهكذا سيُمكنه أن يجذب الحكام غير المؤمنين للتقوى، والمؤمنين للطاعة.
لقد كثر الكلام في هذا الشأن في كل مكان، وانتشرت النميمة على الرسل حول موقفهم من التجديد أو التحدث، وتردد أن هدف كل ما قالوه وفعلوه، يكون تغيير القوانين العامة. وحين اتضح أن إلهنا يؤكد على هذا الأمر لكل أخصائه، فعليك عندئذٍ أن كسرة أفواه الذين وشوا بالرسل كمتمردين، وتتكلم بجرأة كبيرة عن المبادئ الحقيقية. إذًا لا تخجل من مثل هذا الخضوع خاصةً وأن الله هو الذي أمر به، وهو يعاقب بشدة عندما تحتقر ما يوصي به. لأنه لن يعاقبك بعقوبة بسيطة عندما لا تخضع لهذه الأمور، بل بعقوبة كبيرة جدًا، ولن تفلت من العقاب، عندما تقاوم، بل ستنال من البشر عقوبة مُخيفة للغاية، ولن يحميك أحد، وسيغضب منك الله بدرجة كبيرة جدًا. كل هذا ما يعنيه تحديداً عندما يقول: “والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة”.
ولكي يُبيّن بعد ذلك فوائد الخضوع فبعدما أخافهم، يحاول أن يقنع بالمنطق، قائلاً:
“فإن الحكام ليسوا خوفًا للأعمال الصالحة بل الشريرة” (رو3:13). إذًا لأنه واجهتهم ضربة قوية وأخافتهم، عاد وظهر شيئاً من المرونة وكطبيب حكيم أعطاهم دواء مناسباً، وأخذ يعزيهم قائلاً: ماذا تخشى؟ لماذا ترتعب عندما تعمل أعمالاً حسنة؟ هل يُقلل هذا من شأنك هل اهتمامك بالفضيلة يقلل من شأنك؟ أمر مخيف؟ ولهذا أضاف: ” أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه “. أرأيت كيف أنه صالح ذاك مع الحاكم، بعدما أظهر أنه يمتدحه؟ أرأيت كيف أنه فرّغ الغضب؟
“لأن الحاكم هو خادم الله للصلاح” (رو4:13).
بعيد كل البعد عن إخافتك، لأنه يمتدحك أيضًا، ويبتعد تماماً عن أن يُعيقك، طالما أنه يعينك أيضًا. إذًا حين يكون لديك هذا المادح وهذا المعين، فلماذا لا تخضع؟ خاصةً وأنه يجعل الفضيلة بطريقة أخرى أكثر سهولة بالنسبة لك، أي بمعاقبة الأشرار، ويحسن ويكرم الأبرار، وهكذا يكون السلطان متفقًا مع إرادة الله عندما يفعل ذلك دعاه بولس الرسول خادم الله. لكن انتبه، فإني أنصح بالتعقل، والحاكم أيضًا ينصحنا بنفس الشيء من خلال تطبيق القوانين، فهو يحثنا على أنه ينبغي علينا ألا نكون طامعين، ولا خاطفين، ولذلك فهو يجلس ويحاكم، حتى أنه بهذا المسلك يكون عاملاً معنا ومعينًا لنا، ومُرسلاً من الله من أجل ذلك. إذًا فهو من الوجهتين محل تقدير، لأنه مُرسل من الله، ولأنه مُرسل من أجل تحقيق هذا الأمر. ” ولكن إن فعلت الشر فخف “. وبناء على ذلك فإن الحاكم لا يبث الخوف، بل أن مصدر الخوف هو ارتكابنا الشرور. “لأنه لا يحمل السيف عبثًا”. أرأيت كيف أقامه بعدما سلّحه جيدًا، مثل الجندي الذي يثير الخوف لدى الذين يخطئون؟ ” إذ هو خادم الله منتقم بالغضب من الذي يفعل الشر ” إذًا وحتى لا تتمرد حين تسمع أيضًا عن إدانة، وعقوبة، وسيف، يقول مرة أخرى، أنه يُتمم ناموس الله. وما هى الأهمية، إن كان ذاك لا يعرف؟ إن الله عيّنه ليتمم ذلك.
إذًا إن كان يعاقب، يكرم بصفته خادم، وينتقم من أجل أن تسود الفضيلة، مُبعدًا الشر، الأمر الذي يريده الله، فلأي سبب تقاومه طالما أنه يحمل كل هذه الخيرات، ويُمهد الطريق من أجلك؟ لأنه يوجد بالحقيقة كثيرون بعدما سلكوا بالفضيلة خوفاً من الحكم أولاً قد سعوا إليها فيما بعد بمخافة الله. وبالنسبة للضعفاء روحيًا لا تُخيفهم الأمور المستقبلية، بقدر ما تخيفهم الأمور الحاضرة. إذًا فذاك الذي بواسطة الخوف والتكريم يُعد أنفس الكثيرين لكي لتقبل التعليم يكون تعيينه خادم الله أمرًا مُبررًا.
3 ـ “لذلك يلزم أن يُخضع له ليس بسبب الغضب فقط. بل أيضًا بسبب الضمير” (رو5:13).
ما معنى ليس بسبب الغضب فقط؟ يقول أنه يجب عليك أن تخضع ليس فقط لأنك تقاوم ترتيب الله إن لم تخضع وليس لأنك تُسبب لنفسك أضرار كبيرة من قِبل الله ومن قِبل الحكام أيضًا، بل لأنه صار مُحسنًا لك في الخيرات الوفيرة، طالما أنه باعث على السلام وعلى التدبير السياسي. خاصةً وأنه بواسطة هؤلاء السلاطين تتحقق خيرات لا حصر لها في المدن. وإن أبطلت سلطة هؤلاء فإن كل شئ سينتهي، ولن يكون هناك وجود لمدينة ولا لقرية، ولا لبيت ولا لسوق ولا يمكن لأي شئ أن يثبت على حالة بل ستقلب كل الأشياء، إذ أن من هم أكثر قوة سيبتلعوا الضعفاء. وبناء على ذلك فحتى إن لم يصيبك غضب بسبب تمردك، فإنه هكذا أيضًا كان ينبغي أن تخضع، حتى لا تبدو وكأنك بلا ضمير وناكرًا لجميل من أحسن إليك.
“فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضًا. إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه ” (رو6:13).
بعدما تجنب الكلام بشكل منفصل عن الإنجازات التي يحققها الحكام في المدن مثل الإدارة الحسنة، ونشر السلام، وتقديم الخدمات الأخرى للجنود، ولأولئك الذين يهتمون بالأمور العامة، وأوضح أن الخدمة الواحدة من هذه الأمور، تبين حجم الخدمات التي تُقدم للكل. إذًا فإنك إن تثبت رضاك ومساندتك للحاكم عندما تدفع الجزية.
لاحظ حكمة وتعقل المطوب بولس. لأن ما كان يبدو مُزعجًا ومُحزنًا أى المطالب (التي طلبها)، هذا يجعله دليل اهتمام وعناية نحو هؤلاء. إذًا لماذا يطلب أن نعطي الجزية للملك؟ ألا يجب علينا أن ندفع أجر الوكالة (أى وكالته عنا في إدارة الدولة)، لأنه يعتني بنا، ولأنه يحمينا؟ إلاّ أننا نرفض ذلك إن لم نعرف من البداية أننا نستفيد كثيراً من هذا السلطان. ولهذا فق أقر الجميع من البداية أننا يجب أن نساهم في توفير معيشة الحكام لا يبالون بأنفسهم من أجل الاهتمام بالصالح العام، حتى أنهم ينشغوا بذلك حتى في فترات إجازتهم لكي يتمموا كل ما يخصنا، وبعدما تكلّم عن تلك الأمور التي تأتي من الخارج، يعود مرة أخرى بحديثه إلى الأمور السابقة (لأنه هكذا كان ممكنًا بالأكثر أن يُحرك المؤمن)، ويُظهر مرة أخرى أن هذا يبدو أمرًا حسناً أمام الله، وفي هذا يختم النصيحة، قائلاً: “ولكي يبين ما يبذلونه من جهد وتعب، أضاف: ” مواظبون على هذا بعينه”. إذًا هذه هى حياتهم، هذا هو اهتمامهم، أى كيف تتمتع أنت بالسلام. ولهذا في رسالة أخرى، لا يأمر فقط بأن نخضع، بل وأن نُصلي من أجل هؤلاء (أى الحكام). ومبينًا في تلك الرسالة أن الربح الفائدة عامة، أضاف: “لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار”[3].
لأنه بالنسبة لنا ليس هو بالأمر القليل ما يقدموه لنا من منافع في الحياة الحاضرة، إذ هم يأخذون السلاح ويحاربون، يُبعدون الأعداء، يمنعون أولئك الذين يثورون على المدن، يقدمون حلولاً للمشاكل في كل شئ، إذًا لا تحدثني عن إذا كان يوجد من يُسيء استخدام السلطة، بل عليك أن تلاحظ لياقة هذا الترتيب، وسترى عظمة حكمة الذي قنن هذه الأمور منذ البداية.
” فاعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له الجزية الجباية لمن له الجباية. والخوف لمن له الخوف والإكرام لمن له الإكرام. لا تكونوا مديونين لأحد بشئ إلاّ بأن يحب بعضكم بعضًا ” (رو7:13ـ8).
ولازال يقيّم نفس الأمور، طالبًا من هؤلاء ليس فقط أن يدفعوا أموالاً، بل وأن يقدموا كرامة واحتراماً. وكيف يقول من قبل “أفتريد ألا تخاف السلطان افعل الصلاح ” وهنا يقول ” الخوف لمن له الخوف ” يقول هذا وهو يقصد الكرامة الفائقة، وليس الخوف الذي يأتي من الضمير الشرير، الذي أشار إليه سابقًا. ولم يقل(δώστε) أى امنحوا بل (αποδώστε) أى اعطوا، وأضاف “حقوقهم”. وبالطبع فإنك لا تصنع خدمة، حين تفعل هذا الأمر. لأنه حق، وإن لم تفعله، ستُدان كناكر للمعروف أو كغير معترف للجميل.
إذًا لا تتصور أنك تُحتقر، وتُضار، فيما يختص بقيم إيمانك، إذا وقفت احترامًا، حين يعبر الحاكم من أمامك، أو إذا خلعت قبعتك عن رأسك. لأنه إن كان قد حدد هذا الأمر في ذلك الحين الذي كان فيه الأمم حكامًا فبالأولى كثيرًا الآن ينبغي أن يسري هذا على المؤمنين. ولكن إذا كنت تزعم أنه استأمنك على الأمور الأعظم، فلتعلم أن الآن ليس هو وقتك، لأنك غريب ووجودك مؤقت. سيأتي الوقت الذي سيظهر فيه “لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ مَتَى اظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أنْتُمْ أيْضاً مَعَهُ فِي الْمَجْدِ”[4]. إذًا يجب ألا تطلب المكافأة في هذه الحياة الحاضرة، بل إن احتاج الأمر، ولتشعر بهيبة ووقار الحاكم عندما تمثل أمامه، لا يتلائم مع أصلك النبيل. لأنه هكذا يريد الله، حتى أن الحاكم الذي أُعطى من الله، تكون له قوته. لأنه حين يقف ذاك الذي لم يقترف أى شر بخوف أمام القاضي، فبالأولى يخاف من يقترف الشر. لكنك هكذا ستصير أكثر بهاءً، لأن الخضوع لا يأتي من الكرامة، بل من الإهانة، والحاكم أيضًا سيكرمك إلى أقصى درجة، وسيمجدك إلهك لهذا السبب، حتى إن كنت غير مؤمن.
” لا تكونوا مديونين لأحد إلاّ بأن يُحب بعضكم بعضًا ” (رو8ك13).
يلجأ مرة أخرى إلى منبع الصالحات (أى المحبة)، إلى تلك التي ما تُعلّم ما سبق الإشارة إليه، والتي تنشئ كل الفضيلة، ويقول كيف أنها نافعة، لكن ليست مثل الضريبة، والجزية، بل بصفة دائمة. لأنه لا يريد مطلقًا بهذه المحبة تُسترجع، أو من الأفضل أن نقول دومًا هو يريد أن تُرد، لا أن تُعوض، فهي فافعة على الدوام. لأن هذا هو الدين، أننا نظل نُعطي، ونبقى مديونين على الدوام. إذًا بعدما قال كيف أنه ينبغي علينا أن نحب، يُظهر فائدة ذلك، قائلاً: “لأن مَن أحب غيره فقد أكمل الناموس”. إذًا لا تعتبر هذا العمل أنه معروفاً، خاصةً أنه دين. لأنك مدين لأخيك بالمحبة بسبب القرابة الروحية. وليس فقط لهذا السبب، بل ولأننا نحن أعضاء بعضًا لبعض. وإن مُحيت منا هذه أي المحبة، فإن كل شئ سيفنى. إذًا فلتحب أخاك. لأنه إن كان بمحبته ستربح الكثير، فحتى تتمم كل الناموس، فإنك مدين له بالمحبة، بعدما تنعم بالإحسان منه.
” لأن لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تشته وإن كانت وصية أخرى هى مجموعة في هذه الكلمة أن تحب قريبك كنفسك ” (رو9:13).
لم يقل، تُتّمم، بل قال “مجموعة “، أى موجزة وفي كلمات قليلة، يكتمل كل عمل الوصايا. لأن بداية ونهاية الفضيلة، هى المحبة. لأن هذه المحبة لها جذور، هذه هى الأساس، والقمة. إذًا فإن كانت المحبة هى البداية والنهاية، فهل يوجد ما هو مساوٍ لها؟ لكنه لا يطلب فقط محبة، بل محبة فائقة. لأنه لم يقل فقط ” تحب قريبك ” بل قال تحبه “كنفسك”. ولهذا قال المسيح عنها، أن بها يتعلق الناموس والأنبياء[5]. وبعدما أشار المسيح إلى نوعين من المحبة، لاحظ إلى أين قد سما بها. لأنه بعدما قال إن الوصية الأولى هى أن “تحب الرب إلهك” أضاف الثانية، قائلاً: ” والثانية مثلها. تُحب قريبك كنفسك “[6].
هل هناك ما يتساوى مع محبة الله للبشر؟ هل هناك ما يتساوى مع هذا الصلاح؟ فبرغم الفارق الشاسع بيننا وبين جعل محبتنا بعضنا لبعض مساوية لمحبتنا له ويقول إن محبة الرب إلهك هى مثل محبة القريب. لهذا تحديدًا حدد معايير متساوية تقريبًا في الحالتين، فمن حيث محبتنا لله، قال “من كل قلبك. من كل نفسك”، أما بالنسبة لمحبة القريب قال: “كنفسك”. والقديس بولس، أشار إلى أنه عندما لا توجد لدينا محبة للقريب، فإننا لن ننتفع من محبتنا لله. تمامًا فكما يحدث معنا، عندما نحب شخصاً، نقول: إن أحببت ذاك، فإنك تحبنا نحن، هكذا المسيح أيضًا، لكي يُعلن عن هذا، قال ” والثانية مثلها”. هكذا قال أيضًا لبطرس ” أتحبني .. ارع غنمي”[7]. إذًا:
“المحبة لا تصنع شرًا للقريب. فالمحبة هى تكميل الناموس” (رو10:13).
أرأيت كيف أنه يحمل الفضيلتين، أولاً الابتعاد عن الشرور، لأنه يقول ” لا تصنع الشر”، ثانياً ممارسة الصلاح، لأنه يقول ” فالمحبة هى تكميل الناموس”، دون أن يهمل الاستفاضة في شرح التعليم الخاص بالفضائل ينبغي أن نفعلها، بل جعل ممارستها أسهل. لأنه لم يهتم فقط بكيف سنتعلم الأمور التي تعود بالفائدة علينا، الأمر الذي هو عمل الناموس، بل أن يساعدنا أيضاً على ممارستها أيضًا سيساعدنا جدًا، طالما أنه يجعلنا نتمكن من ممارسة ليس فقط من جزء واحد من الوصايا، بل من كل الفضيلة.