ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم
ميلاد المخلص للقديس ايرونيموس (جيروم) – د. سعيد حكيم
مقدمة
القديس ايرونيموس (جيروم)
ولد ايرونيموس من أبوين مسيحيين ببلدة ستريدون قرب أكويلا بإيطاليا حوالى سنة 345م. وفى حداثته ذهب إلى روما حيث درس الخطابة واشتغل فترة بالمحاماة. ويقول عن نفسه إنه سقط فى الخطية ولكنه انجذب بعدها إلى صداقة مجموعة من الشبان المسيحيين الذين أثروا فى حياته وكان يزور معهم قبور الشهداء فى سراديب روما. وفى سنة 366 اعتمد بيد البابا ليباريوس.
كان جيروم منذ شبابه مغرمًا بالدراسة وبدأ يكوّن لنفسه مكتبة خاصة منذ شبابه المبكر. وقال بجولة فى بلاد الغال (فرنسا) عن طريق شمال إيطاليا، وفى أثنائها تعرّف بروفينوس، وقضى فترة فى تريف، وكان يقوم بنسخ المخطوطات، وكتب تفسيرًا رمزيًا لسفر عوبديا. ثم رجع إلى إيطاليا، وقضى هناك ثلاثة سنوات فى أكويلا حيث بدأ فى السير نحو هدفى حياته وهما. دراسة الكتاب المقدس، وممارسة الجهاد النسكى.
فى 373 سافر ايرونيموس إلى الشرق مع بعض أصدقائه من النساك عن طريق شمال اليونان ….. وغلاطية وكبادوكية وكيليكيا إلى أن وصل إلى أنطاكية حيث استراحوا لبعض الوقت، وهناك أصيب ايرونيموس بحمى شديدة قارب الموت بسببها، وأثناء هذه الأزمة قرر ترك كل الاهتمامات والقراءات الرومانية وتكريس نفسه للدراسات المسيحية وخاصة الكتاب المقدس.
تعلم ايرونيموس اللغتين اليونانية والعبرية. وقام بترجمة العهد القديم من العبرية إلى اللاتينية لغته الأم، وهذه أول مرة تترجم فيها التوراة من العبرية إلى اللاتينية مباشرة بعد أن كانت الكنيسة اللاتينية تستخدم النسخة السبعينية اليونانية. وهذه الترجمة هى المعروفة باسم الفولجاتا Volgate.
ومن أشهر كتب القديس ايرونيموس كتاب “مشاهير الرجال” (Viris Illustratus) الذى أشرنا إليه فى كتاب “مدخل إلى علم الآباء” كأحد المراجع عن عدد كبير من الآباء بعد كتاب “تاريخ الكنيسة ” لأوسابيوس.
وقضى ايرونيموس 40 سنة فى بيت لحم يعيش الحياة النسكية مع عدد من الأصدقاء والتلاميذ والتلميذات. وترجم نصوصًا كثيرة لبعض المعلمين السابقين من بينهم أوريجينوس إلى اللاتينية، وكتب تفسيرات لعدد كبير من أسفار الكتاب المقدس خاصة العهد القديم. وتنيح ايرونيموس سنة420 م ودُفن فى بيت لحم.
العظة على ميلاد الرب:
لم يستطع العلماء أن يحددوا تاريخًا دقيقًا لإلقاء هذه العظة. وكل ما وُجد عنها فى هوامش كتابات ايرونيموس باللاتينية أنها أُلقيت فى عيد الميلاد 25 ديسمبر فى حضور الأسقف ودون تحديد من هو الأسقف الذى ألقى ايرونيموس العظة فى حضوره. ويرجع العلماء أنها أُلقيت فى إحدى السنوات بين 394 ـ 405.
ونود أن نشكر الأخ ريمون يوسف الذى ساهم فى ترجمة هذه العظة عن اللغة الإنجليزية.
فليبارك المسيح مخلصنا المتجسد لأجل خلاصنا فى هذه العظة لبنيان المؤمنين بشفاعة العذراء والدة الإله، وصلوات الآباء القديسين، والقديس ايرونيموس، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث وشركائه الآباء المطارنة والأساقفة. والسجود والتسبيح والتمجيد للآب والابن والروح القدس الإله الواحد الآن وإلى الأبد. آمين.
“ اضجعته فى المذود، إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” (لو7:2) “ اضجعته أمه فى المزود“. لم يجرؤ يوسف على أن يلمسه، لأنه كان على يقين تام، أن الطفل لم يكن ابنه بالجسد. ابتهج يوسف بالطفل وهو مندهش، بيد أنه لم يجرؤ على أن يلمسه. اضجعته أمه فى المذود. فلماذا فى مذود؟ لكى تتم النبؤة التى قيلت على لسان إشعياء النبى ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” (إش3:1) وقيل أيضًا فى موضع آخر “ الناس والبهائم تخلّص يارب” (مز6:36). فإذا كنت إنسانًا تناول الخبز؛ وإذا كنت حيوانًا فتعال إلى المذود.
وبسبب أنه لم يكن لهم موضع هناك، لذلك قال لوقا الإنجيلى بصواب: “ إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” وذلك لأن عدم إيمان اليهود قد امتد إلى كل شئ. لم يجد موضعًا فى قدس الأقداس الذى يتألق بالذهب، والأحجار الثمينة، والحرير الطبيعى والفضة. لم يولد المسيح وسط الذهب والثروة، بل وُلد وسط روث الحيوانات فى حظيرة للبهائم، “وحيث توجد الحظيرة، يوجد الروث، بينما خطايانا هى أقذر بكثير من ذلك الروث. وُلد الرب فى مزبلة، كى يرفع أولئك الذى أتوا منها، كما يقول المرتل: “ الرافع البائس من المزبلة” (مز7:113) وُلد الرب فى المزبلة، حيث جلس أيوب الصديق أيضًا، وتُوّج بعد ذلك.
“لم يكن لهم موضع فى المنزل” هنا تعزية عظيمة للفقراء فيوسف ومريم، أم الرب، لم يكن لهما خادم أو خادمة. أتوا بمفردهم من الناصرة التى فى الجليل، ولم يكن لهما دابة تحملهما. فلقد كانا لنفسيهما سادة وعبيدًا. توجد هنا ملاحظة أخرى وهى أنهما قد ذهبا إلى الفندق الذى بجانب الطريق، وليس إلى داخل المدينة، فحيث كان الفقر كان يجعل الإنسان أجبن من أن يتجرأ للدخول وسط الأغنياء. أتلاحظون مدى شدة عوزهما. فقد ذهبا إلى الفندق الذى على الطريق. لم يقل الكتاب المقدس إن الفندق كان على الطريق، بل كان جانبًا خارج الطريق؛ ليس على طريق الناموس، بل على طريق الإنجيل. لم يكن هناك فى ذلك الوقت مكان آخر خاليًا لكى يولد فيه المخلص سوى مذود، مذود للماشية والحمير. فإنى أتمنى لو كان يُتاح لى أن ألقى بنظرة إلى ذلك المذود الذى وُلد فيه المسيح. ولكى نكرِّم المسيح الآن، نأخذ مذود الطين ونستبدله بسلة فضية، ولكن ذاك الذى وُلد فيه المسيح نفيس جدًا بالنسبة لى. الفضة والذهب يتناسبان مع عبادة الأوثان، أما الإيمان بالمسيح فإنه يستحق ذلك المذود المصنوع من الطين. وُلد المسيح فى ذلك المذود فهو لا يبالى بالذهب أو الفضة. لذلك فإنى لا ألوم أولئك الذين باعوا ممتلكاتهم فى سبيل إكرام الآلهة، ولا أنظر بازدراء إلى أولئك الذين صنعوا أوعية من الذهب فى الهيكل، ولكنى أتعجب من الرب خالق الكون. الذى وُلد وهو غير مُحاط بالذهب والفضة، بل مُحاط بالطين والروث.
“وكان فى تلك الكورة رعاة متبدّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو8:2). إنهم لن يجدوا المسيح إن لم يسهروا، إذ أن هذا هو واجب الرعاة. فلن يجد المسيح إلا الإنسان اليقظ الساهر. فلهذا تقول عروس النشيد: “ إنى نائمة ولكن قلبى يقظ” (نش2:5) حقًا “ لا ينعس ولا ينام حارس إسرائيل” (مز4:120).
كان هناك فى نفس الكورة رعاة، وكان هيرودس ورؤساء الكهنة والفريسيون هناك أيضًا فى نفس الكورة، وبينما هم نيام، وجد الرعاة المسيح مضجعًا فى مغارة منعزلة.
“ كان الرعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم“. لقد كان الرعاة يحرسون قطيعهم، لئلا تفترسه الذئاب أثناء نومهم. كانوا يحرسون القطيع بحرص وعناية؛ ولقد كان الخطر بالنسبة للقطيع من غدر الوحوش سببًا كافيًا لكى يسهروا لحراسة قطيعهم. كانوا يحرسونه، كما لو كان قطيع الرب، ولكنهم لم يستطيعوا حفظه؛ ولهذا طلبوا من الرب أن ينقذ القطيع. ” وإذا ملاك الرب وقف بهم” (لو9:2). والذين كانوا يقظين هكذا استحقوا أن يأتى إليهم ملاك الرب: “ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفًا عظيمًا” (لو9:2). إن خوف الإنسان سببه هو عدم قدرته أن يتفرس فى منظر مهيب وسامٍ جدًا. وبسبب خوفهم خوفًا عظيمًا، قال لهم الملاك “لا تخافوا” (لو10:2)، فكان كلامه كالمرهم الذى يداوى الجروح لكى يطمئنوا. فشدة الخوف تجعلك عاجزًا عن فهم ما أقوله.
“ إنه وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو11:2) يا لها من كلمات عظيمة جدًا وبينما هم فى حالة دهشة عظيمة “ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين” (لو13:2). ملاك واحد أعلن ميلاد الرب، ولكى لا يبدو أنه هو الوحيد الشاهد لهذه الحادثة، ردد كل جمهور الملائكة تسبحة تمجيد واحدة: “المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبين أناس المسرة” (لو14:2).
إذا كانت الخطايا بحسب ما يقوله الهراطقة، تحدث يوميًا فى السماء، فكيف يكون هناك إذًا مجد فى السماء، ولماذا نصلى من أجل السلام على الأرض؟ لاحظوا ما يقوله الإنجيل فى السماء حيث لا يوجد خصام، يسود المجد، وعلى الأرض، حيث كل يوم هو يوم حرب يملك السلام.
“ على الأرض السلام” يحل السلام على مَنْ؟ يحل السلام بين الناس. فلماذا كانت الأمم الوثنية تحيا بدون السلام؟ ولماذا كان اليهود أيضًا ليس عندهم سلام؟ هذا هو بالضبط الذى يجعل السلام يحل بين أناس محددين: والسلام يحل بين الناس ذوى الإرادة الصالحة، بين هؤلاء الذين رحبوا بميلاد المسيح.
قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: “لنذهب الآن إلى بيت لحم” (لو15:2) فلنترك الهيكل المهجور ولنذهب إلى بيت لحم. “وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب” (لو15:2). وإذ كانوا منتبهين فهم لم يقولوا، لنذهب ونرى الطفل، أو لنذهب لنكتشف ما قد أعلنه الملاك لنا، بل قالوا لنذهب “ وننظر الأمر الواقع” (الكلمة).
“ فى البدء كان الكلمة” (يو1:1) “ والكلمة صار جسدًا” (يو14:1) الكلمة كائن دائمًا منذ البدء، فلننظر إذًا كيف صار من أجلنا. “وننظر هذا الكلمة الذى صار، الذى صنعه الرب والذى أعلمنا به الرب” (لو15:2).
بقدر هذا نفسه صار، إذ أن هذا الكلمة نفسه هو الرب، فلننظر إذًا كيف أن هذا الكلمة نفسه، الرب ذاته، جعل نفسه يظهر، وجعل جسده معروفًا لنا. ولأننا لا نقدر أن نراه، مادام هو الله الكلمة الذى لا يُرى، دعنا نرى جسده، لأنه جسد (يُرى)؛ دعنا نرى كيف أن الكلمة صار جسدًا.
“لذا فقد جاءوا مسرعين” (لو16:2). إن غيرة أرواحهم المتلهفة صارت أجنحة لأرجلهم؛ فلم يستطيعوا أن يمسكوا سرعتهم بسبب لهفتهم على رؤية الطفل، لذلك قال الإنجيلى: “ جاءوا مسرعين” (لو16:2) ووجدوا من يبحثون عنه، لأنهم ركضوا بحماس شديد.
دعنا نرى ماذا وجدوا “وجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا فى المذود” (لو16:2). إذا كانت مريم زوجة يوسف حقًا، لكان من الخطأ القول ” وجدوا الزوجة والزوج”، ولكن ذكر لنا الإنجيل المرأة أولاً ثم الرجل. فماذا قال الكتاب “ وجدوا مريم ويوسف” وجدوا مريم الأم ويوسف الحارس “ والطفل مضجعًا فى المذود“. ولما أبصروا فهموا ما قاله الملاك لهم عن الصبى.
“ وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها” (لو19:2) ماذا تعنى كلمة “متفكرة” إنها تعنى بالتأكيد أن العذراء كانت تتأمل مليًا فى قلبها وفى أعماق نفسها وتفكر داخلها، فيما قد صنعه الرب.
“ متفكرة به فى قلبها” لأنها كانت امرأة قديسة، وقرأت الكتب المقدسة وتعرف الأنبياء وتتذكر أن ما قاله الملاك جبرائيل لها هو نفس الأمور التى سبق وتنبأ بها الأنبياء. كانت تتأمل فى قلبها ما إذا كان الأنبياء قد سبق وأشاروا للكلمات: “ الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك، لذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يدعى ابن الله” (لو35:1). لقد قال الملاك جبرائيل للعذراء نبؤة إشعياء فى بشارته لها “ ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (إش14:7). لقد قرأت العذراء نبؤة إشعياء وسمعت بشارة الملاك لها.
تطلعت العذراء إلى الطفل وهو مضجع أمامها؛ ونظرت الطفل وهو يبكى فى المذود، رأت العذراء هناك ابن الله، ابنها، ابنها الواحد والوحيد؛ وتطلعت إليه، وفى تأملها، كانت تقارن ما سمعته بما قرأت وبما أدركته هى نفسها. وحيث إن العذراء كانت تتأمل فى قلبها، فلنتأمل بالمثل، نحن فى قلوبنا إنه فى هذا اليوم وُلد المسيح. ولكن هناك البعض يعتقدون أن المسيح وُلد فى يوم “الابيفانيا”، بيد أننا لا ننتقد رأى الآخرين، ولكننا نتبع مسار نتائج دراستنا الخاصة. “ فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئًا بخلافه، فالله سيعلن لكم هذا أيضًا” (فى15:3) فمن يقول إن الله قد سبق ووُلِدَ فعلاً، ونحن نقول إن الله وُلد اليوم، فكلانا على حدٍ سواء نعبد ربًا واحدًا، ونعترف بطفل واحد. دعونا نستعرض بعض الحقائق القليلة، وذلك ليس لتوبيخ الآخرين ببراهيننا الخاصة، إنما لكى ندعم ونعزز موقفنا. نحن لا ننشر آراءنا الخاصة ولكننا نؤيد التقليد. فالرأى الشائع فى العالم يتعارض مع تفكير هذه المنطقة. قد يعترض أحد ويقول: “إن المسيح وُلد هنا، فهل أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن هذا المكان لهم دراية أكبر من أولئك الذين يعيشون فى بلد ميلاده؟ من أخبرك بهذا؟ إن أولئك الذين كانوا من تلك المقاطعة، هم بالطبع الرسولان بطرس وبولس وبقية التلاميذ. بذلك أنت قد رفضت التقليد؛ وأما نحن فقبلناه. فبطرس الذى كان هنا مع يوحنا، الذى عاش أيضًا هنا مع يعقوب، علّمنا أيضًا نحن الذين فى الغرب. فالرسل هم معلموك ومعلمونا.
توجد هنا حقيقة أخرى، وهى أن اليهود كانوا يحكمون اليهودية فى ذلك الوقت، وعلاوة على ذلك يقص لنا أعمال الرسل هذه الحادثة “ وحدث فى ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل” (أع1:8). ذهبوا إلى قبرص وأنطاكيا، وانتشر اليهود الذين تشتتوا فى العالم كله. لقد كان اليهود يحكمون لمدة 42 سنة بعد صعود الرب، وكان هناك سلام فى كل مكان، ولكن هنا فقط توجد حرب. ولذا لقد كان من الممكن أن يُحفظ التقليد بسهولة فى الغرب أكثر من اليهودية حيث يوجد نزاع. وبعد 42 سنة، وصلت جيوش فيسبيان وتيطس، ودمروا أورشليم وخربوها (70 م)؛ وطردوا منها كل اليهود والمسيحيين. وحتى عصر هادريان ظلت أورشليم مقفرة؛ ولم يكن فى تلك المنطقة بأسرها يهودى واحد أو مسيحى واحد. ثم جاء هادريان وقام بتدمير ما بقى من المدينة، بسبب اندلاع ثورة أخرى لليهود فى الجليل. وبعد ذلك أصدر قانون بعدم السماح لأى يهودى أن يقترب من أورشليم. ثم أتى بمستوطنين من مقاطعات مختلفة ليقيموا فى أورشليم. وأذكر أن اسم هادريان هو أيليوس هادريان وبعد أن أخرب أورشليم أطلق على المدينة الجديدة اسم أيليا.
لماذا أقول كل هذه الأمور؟ أقول هذا لأنهم يقولون لنا إن فى ذلك المكان عاش الرسل؛ وأقيم التقليد. ونحن نقول الآن إن المسيح وُلد اليوم؛ ووُلد ثانية فى الابيفانيا (عيد الظهور) وأنت يا من تدافع وتقول إن المسيح وُلد فى عيد الغطاس، فاثبت لنا الولادة والتجديد (إعادة الولادة). ومتى نال المسيح صبغة المعمودية، وإلا ستواجه النتيجة وهى أنه فى نفس اليوم وُلد وتجدد؟ فحتى الطبيعة تتفق مع رأينا؛ والعالم نفسه شاهدًا لرؤيتنا هذه. حتى هذا اليوم تزداد الظلمة على الأرض، أما منذ ذلك اليوم الذى وُلد فيه تتناقص الظلمة ويزداد النور، النهار يطول، ويتضاءل الإثم؛ يرتفع الحق. أما بالنسبة لنا، ففى هذا اليوم وُلد شمس البر. والخلاصة، خذ بعين الاعتبار نقطة أخرى؛ وهى أنه بين الرب ويوحنا هناك ستة أشهر، فإذا درست ميلاد يوحنا المعمدان بالنسبة إلى ميلاد المسيح، فإنك ستجد أن هناك ستة شهور بينهما.
وبعد حديثنا هذا عن كثير من الأمور، وبعد سماعنا للطفل وهو يبكى فى المذود، وبعد أن كرمناه هناك، فلنستمر فى تكريمنا له اليوم. فلنحمله على أيدينا اليوم ونمجده كابن الله. الإله القدير الذى طالما أرعد فى السماء لوقت طويل جدًا ولم ينقذ الإنسان، نجده اليوم يبكى وكطفل رضيع يخلص الإنسان. فلماذا أقول كل هذه الأمور؟ لأن الكبرياء لا يجلب الخلاص أبدًا ولكن التواضع يصنع الخلاص. وطالما كان ابن الله كائنًا فى السماء، لم يعبده إنسان، ولكن لما نزل على الأرض صار معبودًا. ذلك الذى له تحت قدميه الشمس والقمر والملائكة، لم يُعبد على الأرض، لقد وُلد إنسانًا كاملاً، إنسانًا صحيحًا كاملاً، لكى يشفى العالم كله. أى عنصر من طبيعة الإنسان لا يتخذه لنفسه لا يقدر أن يخلصه. فلو أنه كان قد اتخذ الجسد فقط ولم يتخذ النفس أيضًا، لما كان قد خلّص النفس. فهل يخلص ما هو ذا قيمة أقل ولا يخلص ما هو أهم وأعظم؟ وإذا قالوا إنه خلّص النفس التى اتخذها، فخذ بعين الاعتبار كما أن النفس أسمى من الجسد هكذا بالمثل فإن العقل هو القوة الحاكمة فى النفس ذاتها. فلو أن المسيح لا يخلص العقل الإنسانى فلا يكون قد خلص النفس التى هى أقل. وأنت تجيب إنه لم يتخذ لنفسه عقلاً بشريًا لكى يكون قلبه حرًا من الرذائل الإنسانية والأفكار الشريرة والشهوات. أتعنى إذًا بذلك أنه لو كان لم يستطع أن يضبط ما خلقه هو فإنى يجب أن أعتبر نفسى بغير جدارة إن كنت لا استطيع أن أغلب ما كان ينبغى أن يغلبه هو.
لقد نسينا ما عزمنا عليه وتكلمنا أكثر مما نقصد فى نفس الوقت. فالعقل خطط أنه يفعل شيئًا ما، ولكن اللسان فى حماسة انزلق وسبق العقل. فلنستعد الآن لكى نصغى بعناية إلى الأسقف ونخبئ باجتهاد فى قلوبنا ما سيقوله عن ما لم أتطرق إليه أنا، فلنبارك الله الذى له المجد إلى أبد الأبد آمين.
خضوع الابن للآب – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب
خضوع الابن للآب – ق. غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب
”خضوع الابن للآب”
(1كو28:15)
(شرح المعنى الصحيح للآية)
للقديس غريغوريوس النيسى
ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب
”خضوع الابن للآب”
(1كو28:15)
(شرح المعنى الصحيح للآية )
جميع ” كلام الرب كلام نقى” كما يقول النبى[1]. وعندما يكون العقل نقيًا من كل فكر هرطوقى، مثلما تتنقى الفضة بالنار، تكون له هذه النقاوة إنعكاسًا لكلام الرب النقى وتشرق الحقيقة داخله إشراقة طبيعية. وعلى أية حال أعتقد أنه ينبغى أن نُظهر تعاليم القديس بولس بإشراقها الكامل ونقاوتها، فهو قد أدرك الأسرار الخفيّة، وتكلّم المسيح فيه. لقد علّم بتلك الأمور التي كان من الطبيعى أن يعرفها ذاك الذي تعلّم من هذا المعلّم، أى الكلمة الذي كان يقوده ويعلّمه. إن الخبثاء الغاشين يحاولون أن يجعلوا الفضة الإلهية بلا نفع، ويطفئوا وهج الكلمة الإلهية عن طريق مزجها بمعانى هرطوقية ومزّيفة، ويحرّفون المعانى السرية التي تكلّم بها الرسول بولس، فهم إما لا يفهمونها، وإما أنهم يشرحونها بحسب رؤيتهم بشكل مُزّيف، لكى يصيروا مدافعين عن شرورهم، ثم يدّعون أن الكلمة الرسولية التي تقول: ” فحينئذٍ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل” تتفق مع رؤيتهم، وذلك لكى يُجردوا الابن الوحيد الجنس من مجده. لأن تعبير كلمة “الخضوع”، بحسب فكرهم، يُظهر نوعًا من العبودية فى استكانة وخنوع، ولهذا كما يبدو لى أننا نحتاج أن نفحص هذا الكلام بالتدقيق، حتى أقدِّم الفضة الرسولية نقية وحقيقية، وغير مزّيفة، بل وخالية من كل معنى دنس وهرطوقى.
لقد تأكدت من خلال قراءة الكتاب المقدس، أن لهذه التعبير أهمية كبيرة ولا يُعبّر عن معنى واحد في كل الأحوال، لكنه تارة يعنى شيئًا، وتارة أخرى يعنى شيئًا آخر. على سبيل المثال يقول الكتاب: ” والعبيد أن يخضعوا لسادتهم“[2]. وبالنسبة للطبيعة غير العاقلة، فقد وضعها الله تحت سلطان الإنسان، يقول عنها النبى: “جعلت كل شئ تحت قدميه“[3]. ومن جهة هؤلاء الذين خضعوا في الحروب يقول ” نُخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا“[4]. وأيضًا عندما أشار إلى أولئك الذين خَلصوا بالمعرفة يقول: “الذى يُخضِع الشعوب”[5] كمن يتكلّم من نحو الله. وما نفحصه يتفق كما هو واضح مع ما ورد بالمزمور الثانى والستون ” انتظرت نفسى (الرب) من قِبله خلاصى“[6]. وبالإضافة إلى كل هذا، نجد أن أعدائنا يشيرون إلى ما جاء بالرسالة إلى كورنثوس: ” فحينئذٍ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل“. ولأن هذه الكلمة تُستخدم بمعانى كثيرة، من المفيد أن نفصل كل معنى على حده، لكى نفهم المعنى الذي يقصده الرسول بولس في كلامه عندما يتكلّم عن “الخضوع”.
لقد قلنا إنه في حالة أولئك الذين خضعوا بالقوة للمنتصرين في فترات الحروب، إن معنى “الخضوع” هنا يعلن عن خضوع لا إرادى وإجبارى للمنتصرين، وهذا يعنى لو أن الأسرى اكتسبوا قوة ما تعطيهم رجاءً فى أن يتفوقوا على أعدائهم، فإنهم سوف يثورون مرة أخرى ضد المحتلين، مُعتبرين أن الخضوع للأعداء هو هوان وخزى. أيضًا الكائنات غير العاقلة تخضع للكائنات العاقلة بطريقة أخرى، إذ أن طبيعة الكائنات غير العاقلة خالية من الصلاح الأعظم أى العقل. وكون أن هناك خضوع من جانب من هو أقل فهذا يعتبر أمرًا تتميز به الطبيعة. وكل من هم يخضعون بنير العبودية لأسباب قانونية، حتى لو كان لهم نفس الكرامة في الطبيعة، فإنهم لا يستطيعون أن يقاوموا القانون، ولذلك فإنهم يقبلون وضع الخاضعين، مُجبرين على الخضوع للضرورة التي لا مفر منها. إلاّ أن هدف خضوعنا نحن والذى نقدمه لله، هو الخلاص كما تُعلّمنا النبوة التي تقول: ” إنما الله انتظرت نفسى. من قبله خلاصى“[7].
إذًا عندما يستشهد خصومنا بكلام الرسول بولس الذي يقول إن الابن سيخضع للآب، فستكون النتيجة الطبيعية وفقًا للمعنى الدقيق لهذا الكلام، هى أن نسألهم عن معنى الخضوع الذي يرونه ويعتقدون أنه ينبغى أن يُنسب للابن الوحيد الجنس من خلال هذه الآية (1كو28:15). ولكنهم من الواضح لن يستطيعوا أن يقولوا بخضوع الابن من خلال أى شرح لهذه الكلمات. لأنه لم يكن هو عدو خضع عن طريق الحرب حتى يكون له رجاء التخلّص من الأَسر والثورة ضد المحتل، ولا بحسب الرؤية الخاصة بالحيوانات غير العاقلة والتي بسبب غياب العقل، تكون مُلزمة بحسب طبيعتها بالخضوع، مثلما تخضع الخراف والأبقار للإنسان. ولا هو مثل العبيد الذين يُشترون، أو مثل العبيد الذين يعملون في البيوت والذين يخضعون بحكم القانون وينتظرون عطف ورضا أسيادهم لكى يُحررونهم من نير العبودية، بل ولا بهدف الخلاص أيضًا يمكن أن يقول أحد إن الابن الوحيد الجنس يخضع للآب، لأنه لا يصح من أجل هذا الهدف أن يكون مثل البشر يترجى ويطلب خلاصه من الله. لأن بالنسبة للطبيعة الإنسانية المتغيّرة التي تصل إلى الصلاح بإشتراكها في الصلاح الإلهى، فإن الخضوع لله هو أمر ضرورى، لأن من هنا يأتى إشتراكنا في الصلاح، لكن لا مكان للخضوع بالنسبة للقوة غير المتغيّرة وغير المتحولة، إذًا ما قصدنا هو تحديد المعنى الكامل للصلاح، أى الصلاح المطلق، الذي لا يفنى، المطوب، الدائم إلى الأبد، هذا الذي لا يمكن أن يصير أفضل ولا أن يصير أسوأ. لأنه من جهة الصلاح لا يقبل الإضافة وليس فيه توجه نحو الأسوأ. فذاك الذي يُعطى الخلاص للآخرين لا يحتاج لمَن يُخلّصه.
إذًا ما هى الفحوى الدقيقة التي يدّعون بحسب منطقهم نسبتها إلى معنى الخضوع، كل ما فحصناه لا يمكن أن يُقال تحديدًا على الابن الوحيد الجنس. ولو إحتاج الأمر (لتوضيح) سأضيف لما قلناه نوعًا آخر للخضوع هذا الذي ذُكر في إنجيل لوقا أنه ” جاء إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما“[8]. وذلك حتى سن الثانية عشر، لكن ولا هذا أيضًا من المناسب أن يُقال عن الابن المولود قبل كل الدهور، الإله الحق من الإله الحق. أما هنا على الأرض فقد جُرّب في كل شئ مثل البشر وهو بلا خطية[9]، وقَبِل أن يعبر في كل مراحل عمرنا. وكما أنه صار طفلاً وأكل الطعام الخاص بالطفل، زبد وعسل، هكذا فعندما صار شابًا لم يهمل السلوك اللائق والمناسب لهذا السن، بأن يصير مثالاً للخضوع في هذه الحياة. لأنه بالنسبة للآخرين يكون الذهن غير كامل في مثل هذه الأمور، والشباب يحتاج أن يُقاد إلى الأفضل عن طريق الإقتداء بالمثال الأكمل، ولهذا السبب فإن (يسوع) ابن الاثنى عشر عامًا خضع لأمه. إن من الصواب بالنسبة لمن يكتمل وهو يتقدم في النعمة بصفة دائمة أن يقبل “الخضوع” ليكون مثالاً له فى طريق الصلاح. أما بالنسبة لذاك الذي هو على الدوام كامل في كل صلاح، والذي من غير الممكن أن يقبل في ذاته تقدمًا ولا تراجعًا، لأن طبيعته لا تعرف النقص أو العجز، فإن أولئك الذين يتكلّمون بعدم تبصر لن يستطيعوا أن يذكروا سببًا يدعوه للخضوع. أى أنه وهو في الجسد وهو مختلط بالناس قد شرّع الخضوع من خلال سلوكه وهو في مرحلة الطفولة حتى يقتدى به الأحداث، وهذا صار واضحًا من حيث إنه لم يهتم فيما بعد بسلطة أمه وذلك عندما وصل سن البلوغ. لأنها عندما حثته أن يُظهر قوته في عرس قانا الجليل، ويكمّل مائدة العرس الغنية، بتوفير الخمر الذي كان قد فرغ، من المؤكد أنه لم يرفض أن يُقدم الخدمة لهؤلاء الذين ترجوه، ولكنه لم يقبل نصيحة أمه، لأنها (أى النصيحة) لم تأتِ في الوقت المناسب، قائلاً: “ما لى ولك يا إمرأة“[10]. وكأنه أراد أن يقول هل تريدين أن توجهينى وأنا فى مثل هذا السن؟ ألّم يحن الوقت الذي يُمنح فيه المرء قيادة وحرية ذاتية؟
فإذا كان بحسب حياته الجسدية، قد رفض الخضوع لأمه في هذه المرحلة المناسبة من العمر، فإنه لا يمكن لأحد أن يتكلّم عن الخضوع في حياة ذاك الذي يسود على العالم بقوة غير محدودة. إن من خصائص الحياة الإلهية الطوباوية احتفاظها بهويتها التي لا تقبل أى تحلّل أو تحوّل. إذًا طالما أن الكلمة الذي هو من البدء الابن الوحيد الجنس، بعيد عن كل تقدم أو تحوّل، فكيف يمكن لهذا الخضوع غير الموجود الآن أن يكون موجودًا فيما بعد، لأن الرسول لم يكتب أن الابن كان خاضعًا على الدوام للآب، لكن سيخضع عند الإكتمال النهائى لكل شئ. لكن إن كان الخضوع هو أمر حسن ويحق أن يُقال عن الله، فكيف غاب هذا الأمر الحسن عن الله في هذه الحياة الحاضرة؟ لأنه على كل حال هو حسن للاثنين، للابن الذي يخضع وللآب الذي يقبل خضوع الابن. وبناء على ذلك فإن هذا الأمر الحسن في هذا الزمن الحاضر يغيب عن الآب وعن الابن، وهذا “الخضوع” الذي لم يكن لدى الآب ولا لدى الابن منذ الأزل، سيتحقق حين تكتمل الأزمنة، فيخضع الابن كإنسان وهو يأخذ بهذا “الخضوع” إضافة وزيادة لمجده، وهى إضافة لم تكن له حتى ذلك الحين. فهل يمكن أن يكون هناك خضوع في وقت ما، ولا يوجد خضوع في وقت آخر؟ فالخضوع الذي يصير فيما بعد، وليس موجودًا الآن، هو خاص بالطبيعة المتغيّرة[11]. إذًا إن كان الخضوع هو أمر حسن، فيجب أن نثق أن هذا الأمر الحسن هو في الله الآن (أى في الزمن الحاضر)، أما إن كان الخضوع هو أمر غير لائق بالله، فإنه لن يكون موجودًا لا الآن ولا مستقبلاً. لكن الرسول بولس يقول إن الابن سيخضع، وليس أنه خاضع الآن.
إذًا هل هذا الكلام (عن الخضوع) له هدف آخر، ومعنى آخر بعيد عن سفسطات الهراطقة؟ نعم. إذًا ما هو هذا الكلام؟ ربما يستطيع أحد أن يفهم المعنى أفضل إذا ربط بين كل ما كُتب في هذا الجزء. فهو يوجه إنتقادًا إلى أهل كورنثوس، الذين قبلوا الإيمان بالرب، لكنهم اعتبروا عقيدة القيامة من الأموات، أسطورة، لذلك قال لهم: ” يقول قائل كيف يُقام الأموات؟ وبأى جسم يأتون“[12]، أولئك الذين بعد الموت قد فنت أجسادهم بطرق كثيرة ومختلفة، سواء بالتحلل، أم بواسطة الطيور الجارحة آكلة اللحوم، أو بواسطة الأسماك والطيور وذوات الأربع؟ ولهذا فقد عبّر لهم بأفكار كثيرة، محاولاً أن يُقنعهم بألا يساوون بين قوة الله وقوتهم، ولا أن ينسبوا إلى الله ضعف البشر، بل أن يفكروا في القدرة الإلهية الفائقة، بالأمثلة المعروفة لدينا. وهكذا يعرض لهم العمل العجيب الخاص بنمو البذور، في علاقتها بالأجساد التي تتجدّد بصفة دائمة بواسطة القوة الإلهية، ويبيّن أن حكمة الله لم تُستنفذ، فهى تُستعلن في هذا الكون عن طريق عشرات الآلاف من الأجساد المتنوعة العاقلة وغير العاقلة الموجودة في الجو وعلى الأرض، وكل ما يُقدم لنا من السماء، الشمس والنجوم الأخرى والتي كل واحدة منها بعدما خُلقت بواسطة القوة الإلهية تصير دليلاً على أنه في القيامة سنلبس الجسد مرة أخرى. أى أنه لو أن الكائنات لم تُخلق من مادة كانت موجودة سابقًا، بل إنها أتت إلى الوجود بواسطة الإرادة الإلهية، فهذا معناه أن هناك إمكانية أكبر لأن يعيد الإنسان إلى الحياة مرة أخرى بالشكل الذى كان عليه بالفعل، على أن يعطى كيان وجوهر لما لم يكن موجودًا من البداية.
إذًا بعدما أوضح لهؤلاء، بأن الإنسان الأول انحلّ أو فسد في الأرض من خلال خطيته، ولهذا دُعى أرضيًا، فإن النتيجة التالية وفقًا لذلك هى أن يصير بالتتابع جميع أحفاده أرضيين وفاسدين لأنهم ولدوا من إنسان أرضى، ثم أضاف بحسب الضرورة، التتابع الثانى والذي بحسبه انتقل الإنسان مرة أخرى من الفناء إلى الخلود قائلاً بنفس الطريقة إن الصلاح زُرع داخل الطبيعة فانتقل من الواحد إلى آخرين، مثلما انتشر الشر من الواحد إلى الجميع، بتتابع الأحفاد. ولكى يُبرهن على هذا التعليم يستخدم الكلمات الآتية: ” الإنسان الأول من الأرض ترابى. الإنسان الثانى الرب من السماء كما هو الترابى هكذا الترابيون أيضًا. وكما هو السماوى هكذا السماويون أيضًا. وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس أيضًا صورة السماوى“[13]. بهذه الأفكار، وأفكار أخرى مشابهة يكون قد أكّد حديثه عن القيامة، وأبطل حجج الهراطقة بواسطة أفكار أخرى برّهن بها على أن مَن لا يؤمن بقيامة البشر، فلن يقبل قيامة المسيح. وبرّهن من خلال أولئك الذين إتحدوا معًا في نسيج واحد على النتائج التي لا مفر منها، أى أنه: ” إن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضًا إيمانكم “[14]. وطالما أن قيامة المسيح من الأموات هى حقيقة، فينبغى أن يتحقق في كل الأحوال، الأمر الذي يعقب ذلك والمرتبط به وهو أنه توجد قيامة للأموات. لأنه بإقامة الدليل على الأمر الجزئى، يُقام الدليل على الأمر الأعم. وبشكل عكسى إن قال أحد إن الأمر الأعم أو الشامل هو أكذوبة، أى الذي يختص بقيامة الأموات عمومًا، فإن الأمر الجزئى لن يكون حقيقيًا، أى فيما يتعلق بقيامة المسيح من الأموات. لأن ما يستحيل تحقيقه بشكل عام، لن يكون أمرًا ممكنًا لأى أحد. ولكن بالنسبة لأولئك الذين قبلوا “الكلمة“، فإن قيامة المسيح من الأموات هى أمر يثقون به ولا يقبلون الشك فيه، وبناءً على ذلك يكون بالضرورة أن الإيمان بالجزء فيما يتعلق بقيامة المسيح سينسحب على الإيمان بالقيامة العامة.
هكذا فإنه يُلزمهم منطقيًا أن يقبلوا الإيمان (بالقيامة)، قائلاً ” إن لم تكن قيامة أموات”، (لأن هذا الذي لا يسرى بشكل عام، لن يكون جزئيًا أمرًا ممكنًا، فإن كنا نؤمن أن المسيح قد قام فإن الإيمان بقيامته يصير برهانًا على القيامة العامة للبشر). ثم يُقدم الدليل الكامل على هذا الإيمان (بالقيامة)، فيقول ” كما في آدم يموت الجميع. هكذا في المسيح سيحيا الجميع “[15]. فهو يكشف بوضوح عن كل ما يتعلق بهذا السر، والذي يعلنه في الآيات اللاحقة، موجهًا حديثه لكل مَن له رجاء القيامة، في تتابع حتمى حتى يصل إلى هذه النتيجة. فالقيامة إذًا هى القصد النهائى من كل تغيير يحدث فينا.
سأعرض أولاً لمعنى ما كتبه الرسول بولس، حتى نصل إلى الهدف من وراء كتابة هذا الجزء من الرسالة. إذًا ما هو الهدف الذي يُعلّم به الرسول بولس في هذا الجزء؟ إنه يهدف إلى شرح أن طبيعة الشر ستتحول في يوم ما وستختفى بالكامل وأن الصلاح الإلهى الدائم إلى الأبد سيحوى داخله كل طبيعة عاقلة ولن يسقط من ملكوت الله أى شئ مما خلقه الله وذلك عندما يزول كل الشر الذي اختلط بالكائنات وينحل بالنار مثلما تذوب المادة المغشوشة، وكل شئ أخذ وجوده من الله سيصير مثلما كان في البداية عندما كان نقيًا من الشر. وهذا الأمر صار بالطريقة الآتية: أن الألوهة الحقيقية النقية التي للابن الوحيد الجنس أتت إلى طبيعة البشر الفاسدة والفانية. إذًا إلى هذه الطبيعة الإنسانية قد جاء الكلمة، وصار هناك اتحادًا بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية كبداية لعجين[16] واحد، هكذا اتحدت الطبيعة الإنسانية بالطبيعة الإلهية.
إذًا طالما أنه لا يوجد شر في طبيعة ذاك الذي لم ” يعمل ظلمًا ” كما يقول النبى: ” ولم يكن في فمه غش “[17]، فقد أُبيدت فيه الخطية ونتائجها أى الموت (لأن الموت لا يأتى من أى شئ آخر سوى الخطية). لقد كانت البداية في تلاشى الشر وإنحلال الموت، هى من المسيح، وبعد ذلك فإن ما حدث قد استوجب نظامًا معينًا وفقًا لتتابع محدد. هذا يعنى أن علاقة المرء بالصلاح، سواء وجد على مسافة بعيدة أم قريبة من الأول (أى آدم الأول)، هى علاقة مرتبطة بالكائن الذى كان (أى الكلمة) من حيث القدرة والقوة التي له. حتى تكون حياة الإنسان فيما بعد بحسب المسيح، هذا الذي صار ” باكورة طبيعتنا“[18]، بعدما إتحد ناسوته بلاهوته وصار “باكورة الراقدين“[19]، و “بكر من الأموات“[20]، الذي ” نقض أوجاع الموت“[21]، وبعد ذلك فإنه من جهة إنسانيته التي هى بلا خطية تمامًا، فهو الذي ” أباد سلطان الموت“[22] و” أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة“[23]، ولو أن هناك شخصًا ـ بحسب كلام الرسول بولس ـ اقتفى آثار المسيح على قدر ما يستطيع، من جهة بُعده عن الشر، فإن هذا الإنسان سيلحق بالباكورة (أى المسيح) في مجىء المسيح.
وأقول الآتى بشأن هذا الأمر: فإن كان تيموثاوس قد اقتدى بمعلّمه بكل ما يملك من قوة، وإن كان أى شخص آخر مثله قد حاكى معلّمه، وأى أحد تالى يأتى فيما بعد ويكون أقل في الصلاح سيقتفى آثار معلّمه، وهكذا على التوالى فإن أولئك الذين هم أقل في الصلاح والذين بسبب زيادة الشر فيهم، يكون نصيبهم من الصلاح قليل، يقتفون آثار أولئك الذين يتقدمون في الصلاح حتى يصلوا إليهم بدورهم ، وعلى نفس النسق فإن الذي يحقق هذا الأمر هو الترتيب الذي يحتله أولئك الذين ينتهون إلى الصلاح بالنسبة لهؤلاء الذين ينمون في النعمة ويبتعدون عن الشر بالنسبة لأولئك الذين قد استحوذ عليهم الشر، وعندما يصل الشر إلى أقصى درجاته، يتحقق الصلاح ويختفى الشر. وهذا بكل تأكيد هو تاج الرجاء، ألاّ يبقى شئ مُضاد للأتقياء، لكن الذي يبقى هو الحياة الإلهية، فبعدما تسود على كل شئ سيختفى الموت بالكامل من البشر، طالما أنه قد مُحيت الخطية، تلك التي بها ساد الموت على الجميع كما قيل.
عندما تبطل كل سلطة وكل سيادة للشر علينا، وعندما لا تُسيطر أى شهوة على طبيعتنا، فهناك إحتياج مطلق لأن يخضع الكل لمن هو أصل وبداية الكل. والخضوع لله هو التغرب الكامل عن الخطية. إذًا عندما نوجد جميعًا بحسب محاكتنا للباكورة، خارج دائرة الشر أو الخطية، فحينئذٍ ستخضع طبيعتنا كلها لسيادة الصلاح، طالما أنها قد إتحدت بالباكورة، وصارت واحدة معها على الدوام. وهكذا بعدما إتحدت طبيعتنا الإنسانية بالطبيعة الإلهية غير المائتة، فى شخصه المبارك يتحقق فينا مقولة “خضوع الابن”، طالما أن الخضوع الذي يتحقق بالجسد تم في الابن، الذي وضع فينا نعمة الخضوع.
هذا هو المعنى كما أتصور، فيما علّم به الرسول بولس. لكن من المناسب الآن أن أعرض كلام الرسول بولس نفسه وهو الآتى: ” لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. ولكن كل واحد في رتبته المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه. وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه. آخر عدو يبطل هو الموت. لأنه أخضع كل شئ تحت قدميه. ولكن حينما يقول إن كل شئ قد أُخضع فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل. ومتى أخضع له الكل فحينئذٍٍ الابن نفسه أيضًا سيخضع للذي أخضع له الكل كى يكون الله الكل في الكل“[24]. والملاحظ فى هذه العبارة الأخيرة يصور أو يصف بالكلمة وبوضوح إختفاء الخطية، قائلاً إن الله سيسود على كل شئ ويصير الكل لكل أحد. أى من الواضح أنه في ذلك الوقت سيتحقق حضور الله في الكل عندما لا يكون هناك أية خطية داخل البشر. فمن المؤكد أنه ليس أمرًا طبيعيًا أن يأتى الله وسط الخطية أو وسط الشر. ولن يوجد الله في الكل عندما تبقى بقية للخطية في البشر، فإن كان ينبغى علينا أن نؤمن أن الله يوجد حقًا في الكل، فحينئذٍ سيتضح أنه لا مكان للخطية فى هذه الحالة. لأنه من غير الممكن أن يوجد الله وسط الشر.
وأيضًا أن يصير الله الكل في الكل، هو برهان على بساطة وفرادة الحياة التي نترجاها. من حيث إن هذه الحياة التى نترجاها ستكون مختلفة تمامًا عن الحياة الحاضرة، وهذا ما قصده بعبارة: ” يكون الله الكل في الكل“، وفيما يختص بهذه الحياة يُعد التحول نحو الأمور الإلهية أمرًا ضروريًا لكل أحد، حيث يكون الله هو طعامنا وشرابنا، وأيضًا يصير لنا الملبس والغطاء والهواء والمكان والغنى والمتعة والجمال والصحة والقوة والفكر والمجد والسعادة وكل شئ يختص بالصلاح باعتباره مُعد لنا. إذًا أهمية هذا الكلام تظهر حين يتحد الإنسان بالله، حتى أننا بهذا نتعلم أن كل من هو مُتحد بالله، يمتلك كل شئ بإعتباره يحيا بالله. وأن يحيا أحد بالله، ليس هو أمر آخر سوى أنه اتحد بالله. ولا توجد طريقة أخرى لإتحاد أحد بالله إن لم يصر جسدًا واحدًا معه، كما يقول القديس بولس. بمعنى أننا عندما نتحد معًا فى جسد واحد، نصير جميعًا جسد المسيح الواحد. إذًا عندما يسود الصلاح على الجميع، فحينئذٍ كل جسد الإنسان سيخضع للقوة المحيية، وهكذا فإن خضوع جسده يُقال عنه بأنه خضوع للابن الذي إتحد بالكنيسة التي هى جسده، الأمر الذي يشير إليه الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسى بقوله: ” الذي الآن أفرح في آلامى لأجلكم وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمى لأجل جسده الذي هو الكنيسة“[25] وإلى كنيسة كورنثوس يكتب: “ وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا“[26]. هذا التعليم ذَكره بوضوح في رسالته إلى أهل أفسس حيث يقول: ” بل صادقين في المحبة ننمو في كل شئ إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح الذي منه كل الجسد مُركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو للجسد لبنيانه في المحبة“[27]. لأن المسيح يكمّل بنيان جسده (أى الكنيسة) بواسطة هؤلاء الذين ينضمون باستمرار إلى الإيمان، وسيتوقف عن بنيان جسده عندما يصل نمو وكمال هذا الجسد إلى قياسه هو، ولا يصبح هناك شيئًا ناقصًا من هذا الجسد، بعدما يكون كل البشر قد تأسسوا على أساس الأنبياء والرسل[28]، وإتحدوا في الإيمان عندما: ” ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح “[29].
فإذا كان المسيح هو الرأس، وهو يبنى جسده بأولئك الذين ينضمون باستمرار (إلى هذا الجسد)، مؤلفًا الجميع معًا ومحددًا لكل واحد بحسب طبيعته وفق معيار طاقته ما هو مناسب له، حتى يصير هو اليد والرِجل والعين وكل ما يؤلف الجسد، على حسب إيمان كل واحد، فإنه بهذا، يبنى جسده كما قيل. لقد صار واضحًا من خلال كل هذا، أنه بواسطة حضوره في الجميع يقبل في نفسه كل من إتحد به عن طريق الشركة في الجسد الواحد، ويجعل الجميع أعضاء جسده وبرغم أنهم أعضاء كثيرون فهم جسد واحد. إذًا فإن ذاك الذي وحّدنا معه وإتحد بنا، وصار واحدًا معنا، جعل كل ما هو لنا هو له. وتاج صلاحنا هو في الخضوع للأمور الإلهية، وذلك عندما تتوافق كل الطبيعة مع نفسها: ” وتجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب“[30]. حينئذٍ بعدما يصير الكل جسدًا واحد، وبعدما يتحد الجميع فيما بينهم في المسيح من خلال الخضوع، فإنه هنا يشير إلى خضوع جسده (أى الكنيسة) للآب. إذًا لا ينبغى أن يشك أحد فيما قيل. لأننا نحن أيضًا في كل ما يصير لجسدنا، من خلال عادة ما، ننسبها للنفس. مثل ذاك الذي تحدث إلى نفسه، عندما صار في وطنه رخاء، قائلاً لها: ” كلى واشربى وافرحى“[31]، فهو يُشير إلى النفس حين يتحدث عن شبع الجسد، هكذا هنا خضوع جسد الكنيسة ينسب إلى الابن الذي اتحد بالطبيعة الإنسانية. لأن كل من هو متحد به يخلص، والخلاص يُفسر بالخضوع، كما تفرض علينا مزاميرنا أن نفكر. نتعلّم بحسب التتابع المنطقى لهذا الجزء من كورنثوس، أن نؤمن أنه لا يوجد أى شئ خارج أولئك الذين يخلصون. وهذا المعنى هو الذي يُعلن عنه كلام الرسول بولس من خلال بطلان الموت وخضوع الابن. لأنهما يتفقان فيما بينهما من حيث أن الموت لن يوجد، وأن الكل سيوجد داخل الحياة. الحياة هى الابن، والذي به صار ـ بحسب الكلمة الرسولية ـ إحضار كل البشرية أمام الآب بواسطة جسده. وجسده كما قيل مرات كثيرة، هو كل الطبيعة الإنسانية التي إتحد بها. وبهذا المعنى دُعى السيد وسيط بين الله والناس[32]. بمعنى أن ذاك الذي كان في الآب وأتى وحلّ داخل البشر قد إكتملت فيه الوساطة، أى يوجد الجميع فيه، ومن خلاله يتحد الجميع بالآب، كما يقول: ” كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا “[33]. وهذا يُظهره الرسول بولس بوضوح، فطالما أن الابن الذي هو في الآب قد وحّدنا به، فإن بواسطته يتحقق إرتباطنا بالآب.
بل والآيات اللاحقة في إنجيل يوحنا تتفق مع كل ما قاله: ” وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى“[34]. وأنا أعتقد أن الحديث عن المجد هنا هو حديث عن الروح القدس، الذي أعطاه للتلاميذ حين نفخ في وجوههم. لأنه بكل تأكيد من غير الممكن أن تحدث وحدة فيما بين أولئك الذين تفرقوا، إن لم يتحدوا بواسطة الروح القدس. لأنه: ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له“[35]. الروح القدس هو المجد، مثلما يقول في موضع آخر حين يتوجه إلى الآب قاائلاً: ” مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لى عندك قبل كون العالم“[36]. لأن الله الكلمة الذي كان له مجد الآب قبل خلق العالم، صار في الأيام الأخيرة جسدًا وكان ينبغى مع اتحاد الكلمة بالجسد أن ما هو للكلمة يصير للجسد، وهذا قد صار بالفعل، فقد أخذ الجسد هذا الذي كان للكلمة قبل إنشاء العالم. وهذا الذي كان للابن هو الروح القدس. لأنه لا يوجد أحد قبل الدهور سوى الآب والابن والروح القدس. ولهذا يقول هنا: ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى ليكونوا واحد كما أننا واحد“. لنرى الكلام اللاحق لذلك مباشرةً في الإنجيل (أى إنجيل يوحنا) ” ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد“[37]. إننى أتصور أن هذه الأمور لا تحتاج إلى أى توضيح، ما تحتاجه هو الإتفاق مع المعنى المطروح، لأن الكلمات ذاتها تعرض بوضوح التعليم الخاص بهذه الأمور ” ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد“. وبالتأكيد من غير الممكن أن يصير الجميع واحدًا، مثلما نحن واحد، إن لم يتخلصوا من كل ما يفصلهم الواحد عن الآخر، وإن لم يتحدوا بنا لكى يكونوا واحدًا، كما نحن واحدًا. وكيف أكون أنا فيهم؟ لأنه ليس ممكنًا أن أوجد أنا فقط فيهم، لكن يجب على كل حال أن تكون أنت فيهم، لأننا نحن واحد. وهكذا سيكمّلون إلى واحد، هؤلاء الذين إكتملوا فينا. هذه النعمة يُعلن عنها الابن بوضوح في الكلام اللاحق قائلاً الآتى ” وأحببتهم كما أحببتنى “[38]. أى أن الآب يحب الابن فإن كنا نوجد في الابن، نحن الذين صرنا جسده من خلال الإيمان به، فبالنتيجة من يُحب الابن يُحب جسده، ونحن جسده. إذًا قد صار واضحًا من خلال كل ما قلناه، أن المعنى الذي يقصده الرسول بولس في هذا الجزء من الرسالة إلى كورنثوس بخصوص خضوع الابن للآب، هو الاعلان بكل وضوح عن معرفة الله والخلاص الذي تحقق لكل الطبيعة الإنسانية.
ولكن يمكن أن يصير كلام الرسول بولس في هذا الجزء من كورنثوس أكثر وضوحًا من خلال بعض المعانى الرسولية في مواضع أخرى، والتي سأشير إلى واحدة فقط منها، وسأتجاوز عن شهادات أخرى كثيرة، وذلك لكى لا أعطى لحديثى إمتدادًا أكثر. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: “مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ “[39]. إذًا لو أن بولس الذي صلب مع المسيح لا يحيا هو بل يحيا بالمسيح، فإن كل ما يصنعه كما يقول بولس يكون بالطبع من خلال المسيح الذي يحيا فيه. لأن الرسول بولس يقول إن كلامه هو كلام المسيح: ” إذ أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ “[40]. ويؤكد الرسول بولس على أن كل إنجازات فى العمل الكرازى ليست بقوته هو، لكنه ينسبها إلى نعمة المسيح الساكن فيه. إذًا إن كان يقال ـ تبعًا لهذه الرؤية ـ إن المسيح الساكن فيه هو الذي يعمل ويتكلم بما يقوله القديس بولس، فإن هذا قد حدث بعدما تحرر من كل قيود الفساد والموت، إذ كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا[41]، وقد صار هدفه هو الصلاح الحقيقي فقط، وفي هذا خضع وأطاع، وبناء على ذلك فإن خضوع القديس بولس لله يتحقق بالمسيح الذي يسكن فيه، والذي يتكلّم داخله بالصلاح، ويعمل من داخله، وقمة الصلاح كله هو في “الخضوع” لله. والآن فإن ما تبرهن عليه بالنسبة لشخص واحد، سيسرى منطقيًا على كل الطبيعة الإنسانية، عندما يحدث كما يقول الرب: ” ويُكرز بالإنجيل للخليقة كلها“[42]. لأنه عندما يتخلص الجميع من إنسانهم العتيق بأعمالهم ورغباتهم، ويقبلون الرب داخلهم، فبالضرورة يكون ذاك الذي يحيا فيهم هو الذي يفعل كل صلاح يصنعونه. والسعادة العظمى التي تفوق كل شئ، هو في الصلاح الذي وُهب لنا بالإبتعاد عن فعل الشر. ولا توجد طريقة أخرى بها نستطيع أن نبتعد عن الشر إن لم نتحد بالله من خلال الخضوع له. وبناء على ذلك فإن الخضوع لله يتم في الابن الذي يسكن فينا. فإن كان هناك شئ حسن فهو منه، وإن كان هناك صلاح ما فإنه يأتى منه كما يقول أحد الأنبياء. إذًا طالما قد تبرهن أن الخضوع هو أمر حسن وصالح ويأتى من الابن، فعلى كل الأحوال الابن هو الصلاح الكامل الذي منه ينبع كل صلاح، كما يقول النبى. ولا ينبغى لأحد أن يحتقر كلمة “الخضوع” واضعًا في إعتباره المعنى السئ للكلمة كما يراه الكثيرون. لأن حكمة بولس العظيم تعرف أن تستخدم الكلمات بحرية، كما يعتقد هو أن ذلك حسن ويلائم بين معانى الكلمات من خلال ترابط أفكاره، حتى ولو كانت العادة تقود إلى استخدام هذه الكلمات تجاه معانى أخرى مختلفة. فمن أين أخذ إستعمال عبارات ” أخلى نفسه“[43]، “عطيته التي لا يعبر عنها “[44]، و” تعطل الإيمان“[45] و”لئلا يتعطل صليب المسيح”[46]. وعندما استخدم هذه الكلمات في رسائله بأى كيفية قد إستخدمها؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يتهمه لأنه قال “حانين إليكم“[47]، وهى كلمة تبيّن علاقة محبة؟ وكيف استخدم عبارة: ” لا تنتفخ“[48]، لكى يُبيّن أن الإنتفاخ لا علاقة له بالمحبة؟.
أيضًا الرغبة في النزاع وحب المشاجرة، كيف يقدمها الرسول بولس بكلمة (erqe…a) وهى تعنى عمل مقابل أجر، وهو معروف للجميع أن الكتاب المقدس أخذ كلمة (šriqoj – eriqe…a) من كلمة (eriourg…a) وهى تعنى صناعة الصوف، وقد إعتدنا أن نعرض لكلمة (eriqe…a) بمعنى الإنشغال بالمنازعات.
لكن بولس لا يبالى بالجذور الجامدة للكلمات، ويُعبّر عما يعتقد أنه مناسب للمعنى الذي يريده بأى كلمات. ويمكن لمَن يفحص كلام الرسول بولس بدقة وهو غير مُستعبد للإستخدام المعتاد للكلمات، بل يستخدمها بحرية بالمعنى الذي يراه، ودون مراعاة مطلقًا للعادة، أن يجد فيه أمور أخرى كثيرة. هكذا هنا أيضًا فإن الرسول بولس فيما يختص بمعنى “الخضوع”، يُعطى معنى مختلف عن المعنى العام المعتاد.
والدليل على ما أقوله، أنه ولا حتى فيما يختص بخضوع الأعداء، فى علاقته بهذا الجزء من الرسالة، هو خضوع إضطرارى وغير إرادى، مثلما يقول كل مَن هو عبد للعادة، لكن من خلال كلمة “الخضوع” يُستعلن الخلاص في هؤلاء. الدليل على هذا هو التمييز الذي صنعه الرسول بولس فيما يتعلق بكلمة عداوة في هذا الجزء من خلال معنيين. لأنه يقول إن من الاعداء مَن سيخضع ومنهم مَن سيُبطلون. سيبطل العدو الطبيعى أى الموت، وستُبطل الخطية وسلطانها وقوتها. وسيخضع لسبب آخر المدعون أعداء الله، أولئك الذين فضّلوا السلوك في الخطية على ملكوت الله، هذا ما أشار إليه في الرسالة إلى أهل رومية قائلاً: ” لأنه وإن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله“[49]. الخضوع الذي يتحدث عنه هنا يُسميه هناك (أى في رسالة رومية) “صلح” وكلا الاسمين يعلن عن الخلاص. لأنه مثلما يأتى الخلاص من الخضوع، هكذا فإنه في موضع آخر يقول ” فبالأولى كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته “[50].
إذًا هؤلاء الأعداء ـ كما يقول الرسول بولس ـ سيخضعون لله، والموت لن يوجد بعد وسيبطل سلطانه. هذا ما تعنيه كلمة “سيبطلون” حتى أنه يصير واضحًا من خلال هذا أن سيادة الشر ستُستأصل بالكامل، بينما أولئك الذين عصوا، دُعوا أعداء الله، هؤلاء بالخضوع سيصيرون أحباء المسيح، حين يقتنعون بذاك الذي يقول: ” نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله “[51]. بحسب وعد الإنجيل عندما يتصالحون سيُحصَون مع الأصدقاء وليس مع الأعداء. وهو (أى الابن) أيضًا: ” لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه“[52]. وكما أعتقد سيكون أمرًا صالحًا أن نفهم بكلمة “يملك” أنه “يمتاز”. حينئذٍ يتوقف القوى عن أن يمتاز في الحرب، عندما يختفى كل شئ مقاوم للصلاح، عندما يجمع كل مُلكه ويقدمه لله الآب، موحدًا كل شئ فيه. والقول بأنه يُسلم ملكه لأبيه، نفس المعنى يحمله القول بأنه يقود الجميع إلى الله، ذاك الذي فيه لنا قدوم لدى الآب. إذًا فهؤلاء الذين كانوا ذات مرة أعداءً له، ثم صاروا تحت أقدام الله، عندما يبطل الموت (طالما أنه لن يوجد أموات، فبالطبع لن يوجد موت)، عندئذٍ من خلال خضوعنا جميعًا، والذي لا يُفهم بالتأكيد على أنه خضوع عبودية، بل هو ملكوت لا يفنى وسعادة دائمة، عندها كما يقول الرسول بولس فإن ذاك الذي يحيا داخلنا (أى الابن) سيخضع لله، ذاك الذي به يكتمل صلاحنا ويصنع بنا ما هو مُسر أمام الله.
على قدر قدراتنا الذهنية، قد فهمنا على قدر ما نستطيع هذا الجزء (أى المتعلق بخضوع الابن) والخاص بحكمة بولس العظيم، وقد أردنا أن نُبيّن أن المقاومين للإيمان من الهراطقة، لم ينتبهوا إلى هدف الرسول بولس الذي من أجله كتب هذا الكلام. أخيرًا إن كان التفسير الذي قدمته لك بشأن هذا الموضوع يكفيك، فلنعطِ المجد لله. أما إن إتضح لك أن هناك شيئًا ناقصًا في هذا الإيضاح، فسأقبل برغبة كاملة أن تكمل ما نقص، لو أوضحت لنا ذلك برسالة منك، وأصلي أن تُستعلن المعانى المختفية بالروح القدس.
إن كانت هناك بركة أبوية قد تأكدت بروح الله، وإن كان هناك أى صلاح للناموس الروحي، قد ترّجى المجاهدون بالروح أن يحصلوا عليه، مؤمنين بالوعد، وإن كنا نؤمن بأن الحقيقة قد صيغت مُسبقًا من خلال تلميحات التاريخ، وإن كان هناك صوت نبوي قد بشّر بالأمور السمائية، فإن كل هذه الأمور مجتمعة تُمثّلها النعمة الحاضرة ” التي نحن فيها مقيمون“. ووفقًا لهذا المشهد الذي يمتد أمام أعيننا ويبهر أبصارنا من كل جهة، كما من نور مُركّز ينبثق من عشرات الألوف من المشاعل، هكذا هى بركة المسيح التي تُشرق، فتبعث فينا هذا النور العظيم والذي يتشكل من أشعة الكتاب المقدس الكثيرة والمتنوعة. لأنه يمكن للمرء أن يأخذ من كل واحد من أولئك الملهمين بالروح، نماذج تناسب احتفال هذا اليوم. اطلب البركة التي نالها إبراهيم (تك4:26). إذا كان لديك إيمانًا بما تطلبه ستراه في الحاضر. هل ترى نجوم السماء؟ أعني بها تلك النجوم التي جعلها الروح تُشرق لأجلنا، والتي حوّلت الكنيسة فجأة إلى سماء، والتي بها استُعلنت النعمة المبهرة للنفس، من خلال أشعة النور الروحية. إن قال أحد بأن هؤلاء هم بالحقيقة أبناء لإبراهيم، والذين وهبهم الله له بالوعد الإلهي، والذين هم مثل نجوم السماء، فهذه حقيقة، والحقيقة لا تُخطئ. يجب أن تندهش لموسى النبي الذي وصف كل خليقة الله بالتفصيل، بقوة المعرفة. وأن تضع أمامك السبت المبارك الذي حدده الله لأول مرة عندما خلق العالم، ولتدرك من خلاله، يوم التوقف عن العمل، الذي باركه الله أكثر من الأيام الأخرى. لأن في هذا اليوم بالحقيقة قد استراح ابن الله الوحيد الجنس من أعماله، بتدبير موته، الذي بحسبه قد استراح بالجسد. وبعدما قام من بين الأموات، أقام معه كل الأموات، وأصبحت هناك حياة، وقيامة، وشروقًا، وفجرًا جديدًا، ونورًا لكل من كان يحيا في الظلمة وظلال الموت.
سر الموت والقيامة:
والتاريخ المقدس ملئ بالبركة، إبراهيم لم يشفق على ابنه المحبوب وحيده، الذي صار تقدمة وذبيحة، ثم أرسل له الله الخروف الذي ذبح بدلاً منه (تك13:22). أى أنه يمكن للمرء أن يرى سر إيماننا في أحداث التاريخ المقدس. الخروف علّقوه من قرنيه على الخشب، بينما الابن الوحيد الجنس حمل خشب ذبيحته على كتفه (تك6:22). أرأيت كيف أن ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب3:1)، هو نفسه يحمل ثقل أحمالنا، ليرفعها على الصليب الذي حمله كإله، وأيضًا الذي حمل الخشبة كحمل، قسّم الروح القدس للاثنين أُعطى للابن المحبوب، وللخروف الذي أشار إليه الله نصيبًا من الروح القدس، وهذا سر عظيم، حتى يُظهر أنه بالخروف يُستعلن سر الموت، وبالابن الوحيد تُستعلن الحياة التي لا تنقطع بالموت؟ وإن أردت سأوضح لك هذا، من خلال موسى النبي الذي برفع يديه، رَسم شكل الصليب، وبهذا الشكل هزم عماليق (خر11:17)، إنك تستطيع أن ترى المثال وهو يتحقق في الواقع، فعماليق يُهزم بالصليب. أمامك أيضًا إشعياء النبي الذي يقدم لك تقدمة كبيرة، توضح لك مقدار عطية الله في هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة). لأنني تعلّمت منه أمور كثيرة، عن الأم العذراء، عن الطفل الذي بلا أب، عن المخاض الذي بلا ألم، عن الميلاد غير الدنس، يقول النبي: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل والذي تفسيره الله معنا” (إش14:7، مت21:1 ـ22). من جهة أن المخاض لم يصاحبه ألم، فهذا ما يُعلّمك إياه المنطق أولاً، فمن المحتم أن كل شهوة يصاحبها ألم، وإذا غاب عامل من العوامل المصاحبة لبعضها البعض فلن يكون هناك وجود للجانب الآخر. إذًا فحيث إن الولادة يسبقها ألم، فبالضرورة لن يلحقها ألم. هذا ما يؤكده النبي بقوله: ” قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا” (إش7:66)، وعن هذه الأم العذراء يقول: ” لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مُشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام” (إش6:9). هذا هو الوعد، هذا الابن ” سيق للذبح كشاه. وكنعجة صامتة أمام جازيها” (إش7:53). أو من الأفضل كما يقول إرميا ” كخروف داجن يُساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد اسمه” (إر9:11). لكن ما هو أفضل وأكثر جلاء ووضوح من كل شئ، نأخذه من النبوة التي سبقت وصوّرت السر (سر الموت والقيامة) بكل وضوح. أقصد يونان النبي الذي كان في بطن الحوت، دون أن يُصاب بأى أذى، وخرج من بطن الحوت دون أن يعتريه أى شئ، وبقى في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهى إشارة لبقاء الرب في القبر (ثلاثة أيام وثلاث ليال) (يونان1:2).
نعمة الحياة الجديدة:
هذه وأمور أخرى شبيهة بها، ينبغي أن تختارها من كل سفر لتفحصها. لأن كل هذه الأمور، تراها متحققة في فرح هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة). لأن “الناموس كله والأنبياء”، يتعلق بهذه الرؤية، كما يقول الإنجيل في موضع ما (مت40:22). وأيضًا ” كل الكتاب هو موحى به من الله” (2تى16:3). كل هذا يتجمع ويتلخص وفقًا لكلام الرسول بولس في هذه النعمة (أى نعمة الحياة الجديدة التي نلناها بالقيامة). إذ أن نهاية الأحزان، وبداية الخيرات قد تحققت بالقيامة. ما أعنيه هو الآتي، أن الموت قد ساد على الجميع، وجعل بداية طغيانه المدمر اعتبارًا من آدم، وظل سلطانه البائس حتى موسى نفسه (رو14:5). لأن الناموس لم يستطع مُطلقًا أن يُقلل أو يحد من سلطان الموت. ولكن ملكوت الحياة قد أتى، وبطل سلطان الموت، وصار هناك ميلادًا آخر، وحياة أخرى، ونوعية أخرى للحياة، لقد حدث تغيير في طبيعتنا ذاتها.
وما هو هذا الميلاد؟ هو ميلاد ” ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل. بل من الله” (يو13:1). وكيف حدث هذا؟ سأشرح لك الأمر بعروض. إن هذه الولادة تأتي بالإيمان، تأتي إلى النور بميلاد المعمودية الثاني (يو5:3)، فالكنيسة هى المرضعة، والتعاليم هى الثدي، والخبز السمائي (يو31:6ـ33) هو الغذاء، والمدينة السمائية هى تمام أو كمال العمر، زواج وحياة مشتركة بالحكمة، البيت هو الملكوت، الميراث والغنى هو حياة الفردوس الهنيئة، وأخيرًا الحياة الأبدية المطوبة التي تنتظر المستحقين بدلاً من الموت. هذه الأمور كلها يراها زكريا النبي العظيم كبداية للتغيير نحو الصلاح،ويتشكك فيما يتعلق بنطق الاسم الذي ينبغي أن يدعو به هذه النعمة. أى أنه بعدما روى المعجزات الأخرى المتعلقة بالألم، قال عن هذه اللحظة الآتي: ” لا نهار ولا ليل بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور” (زك7:14) ، وهذا يعني أنه لا يمكنه أن يدعو تلك اللحظة نهارًا، طالما أنه لا توجد شمسًا، بل ولا يستطيع أن يدعوها ليلاً، طالما أنه لا يوجد ظلامًا. لأن الله دعى الظلمة ليلاً (تك3:1)، كما يقول موسى.
السماء الجديدة والأرض الجديدة:
إذًا لأنه بحسب الزمن فالظلام ليل، أما بالنسبة للنور فهو نهار، ولهذا السبب يقول النبي ” لا نهار ولا ليل“. إذًا إن كانت تلك اللحظة لا هى نهار ولا هى لليل، بحسب كلام النبي، حينئذٍ فإن هذه النعمة على كل الأحوال تُدعى شيئًا آخر. أتريدون أن تعرفوا فيما أفكر؟ أفكر فيما قاله المرنم ” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب“ (مز24:118)، يوم مختلف عن سائر الأيام التي صارت من بداية الخليقة، والتي بها نقيس الزمن. هذا اليوم هو بداية خليقة أخرى. لأن الله في هذا اليوم يخلق سماءً جديدة وأرضًا جديدة (إش17:65)، كما يقول النبي. أى سماء هذه؟ هى الثبات في الإيمان بالمسيح (لو15:8). وأى أرض؟ هى القلب الصالح (إش11:61)، أقول كما قال الرب، الأرض التي تشرب المطر الذي يسقط عليها، وتجعل السنابل حاملة الثمار تنضج. في هذه الخليقة الجديدة، الشمس هى الحياة النقية، النجوم هى الفضائل، الهواء هو المدينة الطاهرة، البحر هو عمق غنى الحكمة والمعرفة، الخضرة والعشب هى التعاليم الصالحة الإلهية، حيث يرعى شعب مرعاه (مز7:95)، أى رعية الله، الشجر الذي يثمر هو تتميم الوصايا. في هذا اليوم خُلق الإنسان الحقيقي الذي صار بحسب صورة الله ومثاله (تك26:1). رأيت أى خليقة قد صارت في “ هذا اليوم الذي صنعه الرب“، والذي عنه يقول النبي ” لا نهار ولا ليل” أى لأنها مثل الأنهُر الأخرى، ولا ليل مثل الليالي الأخرى (زك1:14ـ11). ولم يحدث أن بُشر أحد بالعطايا المتميزة لهذا اليوم. في هذا اليوم نقض أوجاع الموت (أع24:2)، أصبح هذا اليوم بمثابة استقبال للبكر من بين الأموات (كو18:1)، في هذا اليوم سُحقت أبواب الموت الحديدية (مز16:107)، وكُسرت مصاريع الجحيم النحاسية. اليوم فُكّت أربطة الموت، اليوم يُكرز بإطلاق المأسورين (إش7:42)، اليوم العميان يُبصرون (لو79:1)، اليوم يُشرق النور السمائي على الجالسين في الظلمة وظلال الموت (إش2:9).
ليس بعد موت:
أتريدون أن تعرفوا شيئًا عن مدة الثلاثة أيام؟ يكفي أن أقول هذا فقط، أنه في مدة زمنية قصيرة استطاعت الحكمة كلية القدرة أن تصل إلى قلب الأرض (مت40:12)، ويُجّهل عظمة قلب ذلك الذي كان يحيا هناك (1كو20:1). لأنه هكذا قد دعاه النبي، داعيًا إياه ” عظمة قلب ملك أشور” (إش12:10)، لأن القلب يعني موطن الذهن، ولهذا ذهب الرب إلى قلب الأرض، الذي يعتبر بمثابة مسكن القلب الخبيث (إش11:19) لكي يُجّهل فكره (أى13:5)، كما تقول النبوة ” الآخذ الحكماء بحيلتهم فتتهور مشورة الماكرين“. ولأنه كان من المستحيل أن يهين رئيس الظلام حضور النور المبهر، طالما أنه لم يرى فيه أى أثر للجسد، لذلك بمجرد أن رأى الجسد الإلهي، ورأى العجائب التي صنعتها الألوهية فيه، تمنى لو أنه هزم هذا الجسد بالموت، لأنه بهذا كان سيهزم كل قوة الألوهية. ولذلك فقد ابتلع طعم الجسد، أُمسك في صنارة الألوهية وهكذا سحب التنين بالصنارة كما يقول أيوب، الذي سبق وتكلم عما سيحدث قائلاً: “يثقب فمه بخزامه” (أى24:40).
الآن لنستمع إلى صوت النبي الذي تكلم عن هذه الأمور وفحصها، إذ تحدث عن قلب الأرض الذي فتح فمه ضد جسد الرب. ماذا قال عنه إشعياء حتى يوضح أفكاره؟ قال: ” وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسيّ فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العليّ” (إش13:14ـ14). هذا ما يفكر فيه القلب الخبيث. أيضًا ماذا قال القلب المليء بالشرور في داخله أى ملك أشور الخبيث، لنستمع مرة أخرى إلى صوت إشعياء القائل: ” بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائر وحطمت الملوك كبطل. فأجابت يدي ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أيأكل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف” (إش13:10ـ14).
لقد قبل السيد المسيح ـ بسبب محبته للبشر ـ أن يفتقد عالم الأموات، فماذا أصاب رئيس الظلام؟ تروي النبوة بوضوح أن ما أصابه كان عكس ما ترجاه، تقول النبوة ” كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قُطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم” (إش12:14). وأمور أخرى كثيرة رويت عن هلاكه. ومن يريد التعرف عليها بالتدقيق يعود إلى الكتاب المقدس. الآن يجب عليّ أن أعود إلى موضوعنا. من أجل هذا نزلت الحكمة الحقيقية إلى الفم الواسع لقلب الأرض، لكي تمحو من هذا القلب الفكر الموغل في الشرور، وأن تُنير خفايا الظلام (1كو5:4)، وأن ” يُبتلع المائت من الحياة” (2كو4:5)، وينتهي إلى العدم، بعدما يبطل العدو الأخير الذي هو الموت (1كو26:15). هذه الأمور جميعها هى عطية فترة الثلاثة أيام التي قضاها الرب في القبر من أجلك. هل جاءت النعمة متأخرة؟ هل هذا الصلاح قد تحقق في مدة قصيرة جدًا؟ أتريد أن تعرف كم الأمور الضخمة التي تحققت في زمن قصير جدًا؟ أحصي كل أجيال البشر، من بداية دخول الشر حتى بطلانه، كم عدد البشر في كل جيل، وكيف يمكن إحصاء أعداد لا تُحصى. تُرى هل هناك رقم يمكن أن يُحدد أعداد تلك الجموع التي لا تُحصى، والتي في تتابعها بجموع أخرى، يتسع الشر معها أيضًا بل ويزيد بقدر ما يتوزع على كل واحد من هذه الأعداد؟ وهكذا فقد تزايد الشر خلال مسيرة طويلة وعامة في أجيال متعاقبة، حتى وصل إلى أقصى حد له، إذ أُخضعت الطبيعة الإنسانية، وهذا ما أثاره النبي، مؤكدًا على سيادة الشر على الجميع، بقوله: ” الكل زاغوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد” (مز3:14ـ رو12:3).
إذًا هل يعتبر تراكم هذا القدر الكبير من الشرور التي تجمعت من وقت خلق العالم، حتى وقت آلام الرب، والتي أبطلت في ثلاثة أيام، دليلاً بسيطًا على قوته الفائقة، أم هو أقوى من كل عجائب التاريخ المقدس؟ إن كل هذا الشر تلاشى بعمل الرب دون أى صعوبة، الأمر الذي يعد برهانًا عظيمًا جدًا على قوته الفائقة (أف19:1). ويمكن تشبيه ذلك بشمشون (قض6:14)، الذي بهر كثيرين بقوته، لا لأنه هزم الأسد فقط، بل لأنه قتله بسهولة بأيدي مجردة، ومزّقه بدون سلاح، مزّق هذا الوحش الكبير القوي، كما لو كان يلهو أو يمزح معه. وما صنعه الرب لم يتطلب طوفانًا ضخمًا تسقط فيه مياه غزيرة من شلالات السماء لتغمر الأرض، ولا بحارًا عميقة تفيض المياه على جانبيها فتغطي وجه الأرض، ولا صارت المسكونة كلها كقارب يغوص ويغرق ويستقر في القاع، ولا جبال تغمرها المياه، ولا قمم جبال تختفي في أعماق البحار (تك17:7ـ20)، ولا أمورًا شبيهة بسدوم (تك24:19)، التي أُمطرت بالنار لكي يصنع تطهيرًا من الفساد بلهيبها، ولا يأتي شئ آخر مشابه لذلك. إن عمل الرب هذا هو فكر بسيط وغير مُدرك في إشراق متفرد للحياة والنور على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، أدى إلى تلاشي وفناء تام للظلام والموت.
ثلاثة أيام في القبر:
هل لي أن أقول شيئًا قريبًا مما قلته؟ لقد نبت الشر داخل الحية، هُزمت المرأة من تجربة الحية، ثم بعد ذلك هُزم الرجل من المرأة (تك1:3ـ6). لقد وُلد الشر في ثلاث مراحل. فما الهدف الذي ترمي إليه الملاحظة؟ نستطيع من خلال التتابع الذي سار فيه الشر، أن نفهم ترتيبًا ما في مراحل الصلاح. أرى أن هناك ثلاث مُستقبلين للشر. المرحلة الأولى هى التي فيها تكوّن الشر، الثانية هى التي انتقل إليها الشر، والثالثة هى التي فيها تقدم الشر فيما بعد. إذًا لأنه في المراحل الثلاث هذه، ملأ الشر أعني الطبيعة الشيطانية، جنس النساء والرجال، ولهذا تحديدًا، فإن المرض اختفى في ثلاثة أيام، من الجنس البشري، أى من هؤلاء الذين مرضوا بالخطية، وحُرموا من الشفاء يومًا ما. ففي اليوم الأول تحرّر الرجال من مرضهم. وفي اليوم الثاني شُفى جنس النساء، وفي اليوم الثالث بطل العدو الأخير أى الموت، وتلاشى مع رئيس الموت والرئاسات والسلاطين وكل القوات المضادة التي وضعها لمساندته (1كو26:15، 24). لا تتحير إذا رأيت الصلاح يتم على فترات زمنية متعاقبة. فالقوة الإلهية لم تكن عاجزة بكل تأكيد على أن تُكمّل كل شئ بالتمام عند بداية خلقة العالم. إن خلق الكائنات تم في إطار زمني حتى أن تنتهي مرحلة من خلق الكون في اليوم الأول، والمرحلة الثانية في اليوم الثاني، وبنفس الطريقة تم خلق المراحل المتبقية فيما بعد، إلى أن اكتملت الكائنات، طالما أن الله قد أكمل الكون في عدة أيام. هكذا هنا أيضًا، عن طريق حكمته التي لا يُعبر عنها، أبطل الشر وابتعد عن الكائنات في ثلاثة أيام، عن الرجال، عن النساء، وعن نسل الحية، حيث ولد الشر أولاً.
هذا ما كنت أُفكر فيه بخصوص الأيام الثلاثة. وما إذا كان هذا الفكر فكرًا صحيحًا أم لا، فهذا أتركه لتقييم السامعين. لأن كلامي ليس قانونًا، بل تمرينًا للذهن وبمثابة بحث. وإن أردت أن ترى بالتدقيق مدة الأيام الثلاثة في إطار الآلام (آلام المسيح)، انتظر قليلاً، وربما يوضح حديثي لك هذا، (لأن ما يتبقى من الرقم ثلاثة أيام ليس زمنًا قليلاً، إذا حسبته بعد الساعة التاسعة يوم الجمعة، بعد أن أسلم الروح بين يدي الآب). إذًا ما هو فحوى كلامي؟ أقول حوّل نظرك نحو عظمة القدرة الإلهية، وعندئذٍ لن تجهل هذا الذي نطلبه هنا. تذكّر كلام الرب، وماذا أعلن عن نفسه، ذاك الذي له السيادة على كل شئ، كيف أنه بقوة سلطانه الذاتي، يستطيع أن يفصل النفس عن الجسد، قائلاً: ” ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا” (يو18:10). ليكن هذا مفهومًا، وقد اتضح المطلوب. لأن من يدبر كل شئ بسلطانه الإلهي، فبكل تأكيد لا يمكن أن يصير رئيسًا وسببًا لخلاص كل البشر مجبرًا، بسبب خيانة وهجوم اليهود وحكم بيلاطس. لقد عرف مسبقًا وبطريقة معجزية لا يُعبر عنها، أن هذا الهجوم سيحدث، وقدم نفسه للبشر، تقدمة غير مرئية، ليصير ذبيحة لأجلنا. وهو الكاهن وفي نفس الوقت هو حمل الله، الذي يرفع خطية العالم (يو29:1). متى حدث هذا؟ عندما جعل جسده مأكلاً لتلاميذه وجعل دمه مشربًا لهم. لأنه من الواضح لكل واحد، أن الإنسان لا يمكنه أكل الخروف ما لم يسبق ذبحه. إذًا فذاك الذي قدم جسده مأكلاً لتلاميذه، أظهر بكل وضوح، أن ذبيحة الحمل كانت قد اكتملت بالفعل. لأنه بالتأكيد لن يكون جسد الذبيح مناسبًا للأكل، لو كان حيًا. إذًا فعندما أعطى لتلاميذه أن يأكلوا من جسده ويشربوا من دمه، بشكل لا يُدرك وسلطان من دبّر السر بصورة لا يُعبر عنها، وبشكل غير مرئي، يكون بهذا قد قدم جسده ذبيحة بالفعل.
إذًا طالما أن رئيس الكهنة الأعظم قد قدم ذبيحته لله بشكل غير مرئي ولا يُعبر عنه، من أجل خطايانا جميعًا، فلن يحيد المرء عن الحقيقة إذا حسب الوقت الذي أمضاه الرب في أعماق الأرض. بدءً من الخميس مساء حين أكلوا ذلك الجسد المقدس، وأعقبه الليل الذي قبل يوم الجمعة. ثم بعد ذلك نهار الجمعة مع الليل الذي انتصف وقسّم إلى نصفين، أى يُحسب هذا ليل واحد ونهاران. لأنه إن كان الله قد دعا الظلام ليلاً (تك5:1)، إذ أن الظلمة قد حلت على الأرض لمدة ثلاث ساعات (مت45:27). هذه الظلمة تعتبر ليل يعرف كسابقة حدثت لأول مرة في منتصف النهار وحددت قسمّي اليوم، الأول من الشروق حتى الساعة السادسة (الظُهر)، والثاني من الساعة التاسعة حتى المساء، وقد كان ذلك الوقت، ليلين ونهارين. ثم بعد ذلك جاء الليل الذي قبل السبت، وفيما بعد نهار السبت، وسيكون لديك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. إذًا أرجو أن تبحث في وقت حدوث القيامة، وستجد الحقيقة فيما أقوله. إذًا متى حدثت؟ يقول متى الإنجيلي ” وبعد السبت” (مت1:28). هذا هو وقت القيامة بالوضوح الذي يقدمه الإنجيل، هذا هو الحد الفاصل لبقاء الرب في أعماق الأرض. أى أنه بينما كان المساء متقدمًا كثيرًا (والمساء كان بداية لتلك الليلة الذي أعقبه نهار أول السبت)، ففي هذا الوقت حدثت الزلزلة، وفيه أيضًا ظهر الملاك الذي كان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج، والذي دحرج الحجر عند باب القبر (مت2:28ـ3). لكن النسوة اللائي استيقظن باكرًا جدًا، وعند بزوغ نور النهار، الذي بدأ يلوح في الأفق علامة لشروق الشمس، عندئذٍ بدأن يُخبرن التلاميذ بالقيامة التي حدثت، حيث تأكدن بالفعل من المعجزة، لكنهن لم يتكلمن عن وقت القيامة. أما كونه قام، فهذا ما أخبرهن به الملاك، لكنه لم يخبرهن بتوقيت القيامة، متى حدثت. لكن متى العظيم وحده من بين الإنجيليين، أعلن بدقة وقت القيامة، قائلاً إن وقت القيامة كان بعد السبت. بما أن هذه الأمور قد صارت بهذه الطريقة، فالمسافة الزمنية التي عرضها من مساء الخميس إلى مساء السبت مع حساب الوقت والليل الذي توسط كما قلت، والذي قسم يوم الجمعة إلى نهارين وليل واحد. لأنه لا توجد ضرورة تُجبر ذاك الذي له سلطان على هذا الدهر أن تدخل أعماله في إطار بعض المقاييس الزمنية، بل أن هذا قد حدث لإرساء معايير جديدة للزمن، طالما أن القوة الإلهية تختصر (الزمن) لتحقيق الأعمال الصالحة بحيث تُخطط المقاييس الزمنية بشكل مُنفصل، حتى أنه لا يُحصى الزمن بأقل من ثلاثة أيام وثلاث ليال، لأن الحديث السري غير المعلن يشير إلى هذا العدد، فالقوة الإلهية لن تُعاق عن تنفيذ عملها بسرعة، ولن تنتظر المعايير المعتادة لعدد الأيام والليالي. فذاك له السلطان وحده أن يضع ذاته وأن يأخذها، عندما يريد، له السلطان كخالق للدهور، لا أن يُخضع ذاته وأعماله للزمن، بل بالحرى يُحرك الزمن وفقًا لأعماله.
كيف وجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد:
لكن الحديث لم يتناول بعد النقطة الأكثر أهمية. لأنه من الطبيعي أن يبحث محبو المعرفة، عن كيفية تسليم الرب ذاته لثلاثة في الوقت نفسه، أى لقلب الأرض، وللفردوس مع اللص، وليدي الآب. لأنه قال للفريسيين: ” لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان” (مت40:12)، وقال للص ” اليوم تكون معي في الفردوس” (43:23)، وقال للآب: ” في يديك أستودع روحي” (لو23:46). وبالتأكيد لا يستطيع أحد أن يضع الفردوس كمكان في بطن الأرض. ولا أن يضع قلب الأرض في الفردوس، حتى يُقصد بالاثنين نفس الشئ، أو أن يقال عن هذين الاثنين (قلب الأرض والفردوس)، أنهما هما يدي الآب. بل أن هذا الأمر ربما لا يستحق ولا حتى أن يُناقش لمن يفكر تفكيرًا منطقيًا. لأن من هو حاضر في كل مكان بقوته الإلهية يكون موجودًا في كل موضع ولا يغيب عن أى مكان. عندما حلّ الروح القدس على العذراء وظلّلتها قوة العلي (لو35:1)، لكي يحل فيها أقنوم الإنسان الجديد وقد دُعى جديدًا، لأنه تكوّن كما أراد الله، وليس بالطريقة المعتادة لدى البشر، حتى أن العذراء أصبحت مسكنًا لله، غير مصنوع بالأيدي. ” لأن القدير لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيدي” (أع24:17)، وأقصد التي تصنع بالأيدي الإنسانية، وعندما بنت الحكمة لنفسها بيتًا (أم1:9)، وبقوتها الفائقة قبلت داخلها شكل المخلوق كنموذج متكامل وموثوق في صحته، عندئذٍ اتحدت الطبيعة الإلهية بالعنصرين المؤلفين للطبيعة الإنسانية، أى النفس والجسد، متحدة بشكل مناسب بكل عنصر. أى أنه كان ينبغي لهذين العنصرين اللذين ماتا بالعصيان (لأن موت النفس هو فقدانها للحياة الحقيقية، وموت الجسد هو سبب الفساد والتحلل)، كان ينبغي أن يُطرد الموت من خلال الإتحاد بالحياة. إذًا عندما اتحدت الألوهية بشكل مناسب بكل واحدة من عنصري الإنسان فإن ملامح الطبيعة السامية قد اتضّحت تمامًا في هذين العنصرين. فبالنسبة للجسد، تتضح الألوهية العاملة فيه بالشفاء باللمس، بينما بالنسبة للنفس، قد عبّرت عن القوة الإلهية (الحالة فيها) من خلال إرادتها القوية. أى أنه كما أن هناك إحساس خاص باللمس بالنسبة للجسد، هكذا تكون هناك إرادة للنفس أيضًا. لقد اقترب من المسيح مريض بالبرص وهو يحمل جسدًا مشوهًا وعلى وشك الانهيار، فكيف شفاه الرب؟ النفس تريد والجسد يُلمس، فيذهب المرض من الاثنين. لأنه يقول: ” وللوقت ذهب عنه المرض” (لو13:5، مت3:8). أيضًا آلاف الناس الذين أحاطوا بالرب في الجبل، لم يُرد أن يتركهم صائمين، بل قسّم لهم الخبز بيديه (مت32:15). أرأيت كيف أنه من خلال الاثنين (النفس والجسد) تُستعلن الألوهية والتي تُرافق كل منهما، تعمل مع الجسد، ومع الإرادة القوية التي تُخلق في النفس. ربما يجب أن أروي المعجزات التي تحققت بنفس الطريقة، وأن أنشغل في حديثي بأشياء واضحة. ولكني سأنتقل إلى ذلك الأمر الذي لأجله أشرت إلى كل هذا.
كيف وُجد الرب في الجحيم وفي الفردوس في آن واحد؟ التفسير الأول لهذا الموضوع، أنه لا يوجد شيئًا غير ممكن لدى الله، الذي ” فيه يقوم الكل” (كو17:1)، والتفسير الثاني الذي يتجه إليه الحديث الآن هو: بعدما أعاد الله بقوته صياغة الإنسان كله في شخصه، وجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لم ينفصل في وقت الآلام بحسب التدبير عن هذا العنصر الآخر (أى الجسد) الذي اتحد به مرة واحدة، لأن هبات الله ودعوته هى بلا ندامة (رو29:11). فإن كانت الألوهية بإرادتها فصلت النفس عن الجسد، إلاّ أنها أوضحت أنها هى ذاتها بقيت في النفس والجسد. في الجسد الذي يعتريه الفساد بالموت كما جاء بالمزمور ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا” (أع27:2)، وهكذا أبطل ذاك الذي له سلطان الموت (عب14:1)؛ بينما بالنفس فتح الطريق للص للدخول إلى الفردوس. وهذا الأمران تحققا في آن واحد. أى أن الألوهية تُحقق الصلاح للاثنين، فقد تحقق بطلان الموت بعدم فساد الجسد، وبعودة النفس إلى موضعها، يُفتح الطريق لعودة البشر مرة اخرى إلى الفردوس.
إذًا فلأن التركيبة الإنسانية لها عنصران، بينما طبيعة الألوهية بسيطة، ففي وقت انفصال النفس عن الجسد، لم ينفصل الغير المنقسم (أى الألوهية)، والمركب (أى الإنسان)، بل صارا أيضًا واحدًا. لأنه من خلال الطبيعة الإلهية الواحدة الموجودة بالتساوي في الاثنين (في الجسد والنفس) توحدت من جديد الطبيعة التي انفصلت. وهكذا فقد حدث الموت بانفصال العنصرين المتحدين، بينما القيامة قد صارت باتحاد الطبيعة التي انفصلت. وإذا سألت، كيف أن ذاك الذي في الفردوس، يُسلّم نفسه في يدي أبيه، فسيبدد لك إشعياء النبي والرائي حيرتك هذه. لأنه قال على فم الله، عن أورشليم السمائية التي نؤمن بها، أنها ليست سوى الفردوس. ” هوذا على كفيّ نقشتك. أسوارك أمامي دائمًا” (إش16:49). إذًا إن كانت أسوار أورشليم في يدي الآب، والتي هى الفردوس، فمن الواضح أن من هو في الفردوس، هو في كل الأحوال في أيدي الآب، حيث هناك أسوار المدينة الإلهية. لكن يلزم أن يشمل حديثنا أيضًا ما يقوله اليهود، فهم يهاجمون إيماننا بإتهامات حادة. فهم يقولون من جهة البصخة أنها شُرعت لليهود بواسطة موسى (خر6:12ـ8)، في اليوم الرابع عشر من الشهر في فترة اكتمال القمر، حيث يؤكل الفطير غير المختمر لمدة سبعة أيام، ويكون الأكل مع أعشاب مرة. إذًا حفظ اليوم الرابع عشر، كما يقول اليهودي، يستتبع معه حفظ الأعشاب المرة والفطير غير المختمر. فإن كانت هذه الأمور موضع ازدراء، فأي معنى يحمله الاهتمام بالأول (أى حفظ اليوم الرابع عشر)؟ لأنه بحسب أوامر المشرع ذاته، لا يُحكم على شريعة بأنها نافعة، والأخرى بلا نفع ومرفوضة، (وكأنهم يقولون لنا) حتى انه يصير إلزاميًا إما أن تمارسوا كل ما قد تحدد للبصخة، وإما ألا تحفظوا أى شئ، وأنتم ماذا تفعلون؟ (نجيب بالقول): فلنتذكر ذاك الذي أوصانا ألا نخاف اتهامات البشر، حتى لا نسقط في فخ السفهاء منهم (إش7:51). نحن نعرف فائدة حفظ شريعة أكل الفطير غير المختمر كما نعرف معنى الأعشاب المرة، وفائدة اليوم الرابع عشر. سنوضح حديثنا في عجالة، إن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة (عب1:10)، له هدف أساسي، هو كيف يتنقى الإنسان، بواسطة الوصايا المختلفة من الخطايا التي اختلطت بطبيعته. هذا يتم بالختان، بحفظ السبت، بالتدقيق في أنواع الأطعمة، بذبائح الحيوانات المختلفة، وهكذا. والأمر يحتاج لزمن أطول كي تذكر كل ما يُشير إليه الناموس، فيما يتعلق بنا من جهة كل واحدة من هذه الأمور، من أجل نقاوة حياتنا. مثلما يحدث في الختان الروحي، فإننا نتجنب الشهوات وننفصل عن الحياة الجسدية، أما حفظ السبت فيعني الامتناع عن الشر، وأما تقديم ذبيحة الحيوانات فتُشير إلى ذبح الشهوات، وكذلك التمييز بين الأطعمة. فإن الأطعمة النجسة توضح لك ضرورة الابتعاد عن الحياة الدنسة، هكذا فإن هذا الاحتفال (بعيد القيامة) أيضًا، يقدم لك الاحتفال المشار إليه، والذي لأجله تستعد النفس بالفطير غير المختمر، مبتعدة سبعة أيام عن الخبز المختمر، وحل اللغز هو هذا. رقم السبعة أيام يظهر الزمن الفاني أو الزائل الذي يتكرر أو يعود أسبوعيًا، والذي طبقًا له ينبغي أن نحرص على ألا تبقى أى بقية من خطية الأمس في اليوم التالي، لكي لا يُفسد ويُحمض عجين اليوم، بسبب اختلاطه بخطية أو شر أول أمس ” لا تغرب الشمس على غيظكم“(أف26:4) هكذا يقول الرسول بولس، والذي يوصينا قائلاً: ” إذًا لنُعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة للشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق“(1كو8:5). إن ما نعرفه هو نوع واحد للشر، وهذا ما نتعلمه عن الأنواع الأخرى للشر. العشب المر يُبعد كل حماقة وفجور عن حياتنا، ويضع مكانها حياة العفة والنسك الشديد، الذي يرتفع على مستوى الحس البشري، لأنه يبدو أن كل معرفة أو علم لا تجلب فرحًا في الوقت الحاضر بل حزنًا. إذًا كل من يُحقق في حياته مباهج هذا اليوم (الاحتفال بالقيامة) وبصفة دائمة في كل يوم من أيام أسبوع الحياة، بدون خمير، ودون أن يخلط به الشر القديم ثابتًا في العفة كطعام للحياة، فهذا يعزل نفسه عن كل ما هو ظلمة (لو35:11ـ36). لأن الأيام التي يحددها مدار القمر في الفلك، هى تسعة وعشرون ونصف، والتي فيها يظهر القمر بداية من أول الشهر ثم يستدير تدريجيًا حتى يصل إلى اكتماله بدورانه، ثم يقل حجمه مرة أخرى ويرجع حتى لا يعطي نورًا البتة. ومن الواضح أن نصف عدد الأيام الذي ذكرته هو أربعة عشر يومًا مع إضافة قليلة. وبناء عليه، حين يحدث ويكون القمر في هذا الشكل ويتقدم في طريقه خلال فترة الليل، يُضيف للدائرة الجزء الذي ينقصها، حتى أنه مع اكتمال قرص القمر، يوّحد لمعانه مع نور شمس النهار، ولا يمكن لأي تسلل للظلام، ولا المساء، ولا السحر أن يقطع استمرارية النور (نور القمر)، بل يبقى النور غير منقسم أو غير متجزئ خلال تعاقب ظهور النجوم (لأنه تحديدًا قبل أن تشرق الشمس، يظهر القمر في الطرف الآخر للأفق، على الطرف المقابل لقطر الدائرة مع الشمس، وبنوره يُنير العالم. ومرة أخرى قبل أن يختفي كل قرص القمر في الأفق مع بقية نوره، يتوحد مع نور النهار). وهكذا فإن اليوم الذي يكون فيه القمر مكتملاً، يختفي الظلام، والسحر، والمساء، كذلك تكف النجوم الكبيرة عن الظهور تباعًا[2].
إذًا هذا الذي يحدث مع النور المحسوس في اليوم الرابع عشر، من حيث إن الارتباط بالظلمة أمر مرفوض طوال الليل والنهار، هذا الحدث هو ما يريد الناموس الروحي أن يجعله رمزًا لكل الذين يحتفلون روحيًا، حتى يشمل كل الأسبوع، أى أن يجعلوا كل أوقات حياتهم بصخة مُشرقة غير مُظلمة. هذه هى الوصايا التي تُوّجه للمسيحيين بالنسبة للبصخة. ولهذا يمكننا أن نرى ونتخيل في اليوم الرابع عشر، بالإضافة إلى هذا النور المادي المحسوس، رؤية النور غير المادي الذي يُدرك بالعقل فقط، هكذا يتضح لنا كيف أننا نطلب أو نبحث عن القمر المكتمل الذي يهبنا نوره طوال الليل، بل وبصفة دائمة. وعلينا أن نحفظه على الدوام، ويصير هذا ناموسًا لنا، وألا نسمح للأعمال المظلمة أن تختلط بالنور.
سر الآلام المحييّة:
يكفي الكلام من جهة هذا الأمر. الآن كل المعاني التي طُرحت تتجلى في الصليب الذي به يكتمل سر الآلام، ومن يستطيع أن يشرح هذه الآلام بالكلام؟ ترى، ألا توجد طرق عديدة تقود للموت، كان من الممكن أن يُتمم بها الله تدبير الموت لأجلنا؟ لكنه اختار الصليب من كل هذه الطرق، ليجوز الآلام بإرادته الكاملة. لأنه يقول ” ينبغي أن ابن الإنسان ” ولم يقل إن هذه الأمور وتلك سيُعانيها ابن الإنسان مثلما يمكن لشخص أن يتنبأ عن المستقبل، لكنه أراد أن يؤكد وبطريقة سرية، أنه بالضرورة ينبغي أن يجوز الآلام، وأن هذه الآلام لابد أن تحدث، إذ يقول: ” ينبغي أن ابن الإنسان يتألم ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم” (لو22:9، 7:24، مر31:8). لاحظوا المعنى في كلمة “ينبغي” إنها تؤكد على أن الآلام لن تتم بطريقة أخرى إلاّ بواسطة الصلب فقط، وما هو السبب في ذلك، السبب قد عرفه العظيم بولس، الذي صارت لديه الإمكانية أن يشرح لنا هذا الأمر، بواسطة تلك الكلمات السرية (2كو4:12)، التي سمعها حين اختطف إلى أعماق الفردوس، إذ سمع كلمات لا يُنطق بها، هو وحده الذي يشرح لنا هذا السر أيضًا، وقد أشار إليه في رسالته إلى أهل أفسس ” وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف18:3ـ19). بالحقيقة إن نظرة الرسول بولس الإلهية، جعلته حين يُقدم صورة للصليب، لا يقدمها بصورة باهتة أو مهتزة، وهو بهذا قد أظهر بوضوح أنه بعدما سقطت من عينيه كل قشور الجهل (أع18:9)، بدأ في رؤية الحقيقة بكل وضوح. أى أنه رأى صورة الصليب لها أربع امتدادات، تنطلق من المركز، والذي يُشير إلى القوة، والمحبة التي تشمل كل المسكونة، ولهذا فكل امتداد يطلق عليه اسم خاص. العمق هو الامتداد من المنتصف إلى أسفل، والعلو هو الامتداد إلى أعلى، بينما العرض والطول هما الامتدادان من الجهتين. يتضح لي من كل ذلك أن الرسول بولس، يقصد بكلامه هذا، أنه لا يوجد كائن في الخليقة كلها لا تسود عليه الألوهية، الذين فوق السموات، أو في أعماق الأرض، ومن هم في كل الاتجاهات (من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب). ويُشير بالارتفاع إلى الذين في السماء، وبالعمق إلى من هم تحت الأرض، والطول والعرض إلى ما هو تحت سلطان القوة التي تسود على كل شئ. وبرهان كلامي، هو ما يحدث داخل نفسك، فيما يختص بمعنى كلمة الله. ارفع نظرك إلى السماء، وفكر في الأعماق السفلى، اطلق ذهنك إلى أطراف العالم المخلوق، وحاول أن تدرك مقدار القوة التي تضبطه، كقوة تشمل كل المسكونة، وسترى أنه سيُحضر في ذهنك تلقائيًا شكل الصليب، من الارتفاع ننزل إلى الأعماق، وتمتد إلى الجانبين من ذلك الطرف إلى الطرف الآخر.
هذا الشكل (شكل الصليب) قد ترنم به العظيم داود في مزاميره قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب وإن صعدت إلى السموات (هذا هو الارتفاع) فأنت هناك. وإن فرشت في الهاوية (هذا هو العمق) فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح والذي هو شروق الشمس (وهذا هو العرض) وسكنت في أقاصي البحر (هكذا يتكلم عن الغروب ـ وهذا هو الطول)” (مز7:139ـ10).
أرأيت كيف أنه بكلامه هذا، يرسم الصليب أمامنا؟ وهكذا يتضح أنك أنت يا من تعبر داخل كل شئ، وصرت تجمع كل شئ، فإنك تحتوى داخلك كل الكمالات. أنت يا من أنت فوق، أنت حاضر في العمق، ذراعك في أحد الأطراف، ويمينك تقود الطرف الآخر. ولهذا فإن الرسول العظيم بولس، بعدما تأكد أن معرفة الله قد امتدت إلى العالم كله، قال ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (فى10:2). وبهذا أيضًا يُحدّد السجود بحسب شكل الصليب. فالذين هم في السماء يخصهم بالجزء العلوي من الصليب، ومن هم على الأرض، يخصهم بمنتصف الصليب، أما من هم تحت الأرض، فيخصهم بالجزء السفلي من الصليب. هذه هى الجزئية التي أشير إليها أنا بالحرف (…) يوتا، والذي هو أكثر استقرارًا من السماء، وأكثر ثباتًا من الأرض، وأكثر استمرارًا من كل النظم الخاصة بالكائنات المخلوقة كما هو مكتوب: ” إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (مت35:24، 1كو31:7، مت18:5). الخط العمودي للصليب والذي يأتي من فوق إلى أسفل يقال له حرف (…) يوتا، والخط الذي يتقدم أفقيًا من الجانبين يُسمى صاري، وهذا ما يمكن أن نعرفه من البحارة. أى الخشبة التي هى في الجنب في الصاري حيث يمدون منه قطعة قماش، وهذا الشكل يدعونه صاري. ولهذا أرى أن هذا هو ما تعنيه كلمة الإنجيل، أنه هو ذاك ” الذي فيه يقوم الكل” (كو17:1)، من حيث إنه يسود على كل شئ، هو أزلي، وهو يُظْهِر، كما في لغز في مرآه، من خلال شكل الصليب، قوته التي ترعى كل الكائنات. ولهذا تحديدًا قال ” إن ابن الإنسان ينبغي ليس فقط أن يموت، بل أن يُصلب“، لكي يصير الصليب لأكثر اللاهوتيين فطنة هو ذلك الذي يكرز به من خلال شكله بسلطان القوة الكامل لذاك الذي صعد عليه، وهو الكل في الكل (كو11:3). وينبغي ألا نتجاهل أن نُشير يا اخوتي إلى ذلك التقي يوسف الذي من الرامة، الذي أخذ الجسد المقدس كعطية ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد (مت57:27ـ60).
ليكن لنا، هذا العمل الذي أقدم عليه ذلك التقي (يوسف الرامي) بمثابة قانون لكي نُفكر نحن أيضًا بنفس الطريقة، عندما نأخذ عطية ذلك الجسد. فلا يجب أن نلفه في كتان ضميرنا غير النقي، وألا نسمح بوضعه في قبر قلوبنا الذي تفوح منه رائحة عظام ورائحة كل شئ دنس. بل كما يقول الرسول بولس ليمتحن كل واحد نفسه لكي لا تصير النعمة التي ينالها بدون استحقاق دينونة له (1كو27:11ـ29). بل الآن وأنا أتكلم أشعر أن لباس الملاك الأبيض يُنيرنا ويهز قلبي ذلك الزلزال الحلو الذي يُحرك الحجر الثقيل عن القبر الإنساني، والذي به تُفتح بوابة القيامة مرة أخرى.
فلنسرع نحن أيضًا لنرى المعجزة العجيبة (لأن السبت قد عبر)، ربما نصل بعد النسوة. فلنُعطر أيدينا بالأطياب، وضمائرنا بالإيمان. هذه هى رائحة المسيح الزكية (أف2:5). يجب ألاّ نطلب الحيّ بين الأموات. الرب يصد كل من يطلبه بهذه الطريقة، قائلاً: ” لا تلمسني” (يو17:20). فعندما أصعد إلى أبي، عندئذٍ أسمح لك أن تلمسني. يريد أن يقول لا يجب ان يكون إيمانك بعد في شكله الجسدي الضعيف، بل أنك الآن تسجد لذاك الذي يوجد في مجد الآب، وهو في صورة الله، وهو كلمة الله.
لنستمع إلى بشارة المرأة التي سبقت الرجال في الإيمان، حتى أنها حين تبدأ في الحياة الصالحة، يكون لديها ما تُعبر به عن نفسها، بعد أن كانت قد عاشت في الشر.
إذًا ما هو الخبر المفرح الذي تريد المجدلية أن تبشر به؟ إنه خبر حقيقي لا ” من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح” (غل1:1). لأنها تتكلم عن الخبر الذي طلب الرب منها أن تنقله للتلاميذ، والذين يدعوهم اخوته ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو17:20). كم هو رائع هذا الخبر المُفرح المملوء بالرجاء! هذا الذي صار إنسانًا مثلنا، حتى يصير قريبًا لنا ويجعلنا اخوة له، فهو يقدم لأبيه ذبيحة جسده، لكي يجذب إليه بواسطة نفسه كل أقربائه. هكذا كل من استعبدوا للذين ليسوا بالطبيعة آلهة (غل8:4)، يرجعون مرة أخرى للإله الحيّ الحقيقي، ولا يكون عليهم أى دينونة، ولا يُحرموا من ميراث الآب. لقد صاروا بالتبني اخوة للابن، هذا الذي صار بكر بين إخوة كثيرين (كو15:1)، وتعهد الطبيعة الإنسانية التي أخذها حين تجسد. أما الخبز غير المختمر قبل الفصح الذي يؤكل على أعشاب مرّة، لنرى بأي شئ حلو، يُحلى الخبر بعد القيامة. ألا ترى أن الرب بعد أن قام ناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل (لو42:24). انظر كيف تتحول مرارة الحياة إلى حلاوة. إذًا لننهض نحن أيضًا ولنركض الآن نحو الخبر الذي يعطيه شهد عسل الرجاء الصالح، مذاقًا حلوًا للغاية في المسيح يسوع ربنا،الذي يليق به المجد والقوة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.
لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.
الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا“[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته“[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.
لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية. وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.
إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة. ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة. ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.
هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل. فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.
افهم ذاتك لتفهم الله:
ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.
النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا. لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.
ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.
وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله“[8]. النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.
حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى. فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”. لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هى في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هى في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.
طبيعة النفس العاقلة:
إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9]. أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا. أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.
لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس. ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.
وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة. مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله. ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة. ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.
خلق الإنسان وإدراك سر الثالوث:
حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟ فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟ وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل. وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟
إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.
الانتقال من الأصل إلى الصورة:
ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون. لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].
فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.
وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله. ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.
ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.
لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس. ولأن نفوسنا هى مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هى بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.
[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.
[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.
1ـ منذ قليل أحدثنا جروحًا غائرة لدى الخاطفين، ولدى الذين يريدون أن يكونوا طماعين لا بقصد جرحهم بل لكي نصلحهم لا ككارهين أو مبغضين للناس ولكن لكي نُجنّبهم فعل الشر لأن الطبيب قد يجرى عملية لبعض الجروح، ليس لإيذاء جسد المريض، بل ليقضى على المرض ويعالج الإصابة التي لحقت بذلك الجسد. إذًا لنتقدم ونظهر تسامحًا تجاه هؤلاء حتى يستريحوا من الألم، ولا يتشككوا في الشفاء من الإصابات التي يتعرضون لها. نفس الأمر يصنعه الأطباء أنهم يضعوا ضمادة لاصقة على الجرح الذي يعالجونه ويصفوا للمريض نوع الدواء، ثم ينتظروا عدة أيام ويلجأوا إلى كل ما من شأنه أن يخفف الآلام. ونحن اليوم نحاكى هؤلاء الأطباء، فلنظهر قدرًا من التسامح تجاه هؤلاء الهراطقة حتى يستفيدوا من كلامنا، ولنتحدث عن العقائد، ونحول الحديث إلى الأمور التي قرأت، لأنني أعتقد أن الكثيرين يتحيروا في السبب الذي دفع المسيح مخلّصنا ليقول هذا الكلام ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” ومن الطبيعي أن يهاجم الهراطقة هذا الكلام، وهكذا يخدعوا الكثيرين من الأخوة البسطاء.
إذًا فبهدف التصدي الكامل لهجوم هؤلاء الهراطقة، ولإنقاذ الذين أصابتهم الحيرة والقلق والاضطراب، فاحصين ما قيل بدقة، فلنعتني بشرح هذه الكلمات، لكي تفهموا معانيها بعمق، لأن مجرد قراءة هذه الآيات وحدها لا تكفى بدون المعرفة[2]. فالخصي الحبشي قرأ ولكنه لم ينتفع كثيرًا حتى جاء الذي علمه المعنى الدقيق للجزء الذي قرأه[3]. ولكي لا تعانوا أنتم أيضًا نفس الشئ، انتبهوا إلى الكلام، ركزوا اهتمامكم ولتكن عيونكم محدقة نحوي، وعقلكم مُركّزًا غير مشتت، ولتكن نفوسكم متحررة من هموم الحياة، لكي لا نلقى بكلامنا بين الأشواك، ولا على الصخور، ولا بجانب الطريق، بل نلقى بذارًا لتثمر في أرض خصبة، ونحصد سنابل ممتلئة لأنه إن انتبهتم هكذا للكلام فسوف تجعلوا جهدنا أقل، وتجعلوا الفهم أكثر سهولة بالنسبة لكم.
إذًا، ما معنى الجزء الذي قرأ ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عن هذه الكأس” ماذا يقصد بهذا القول؟ لأنه ينبغي أن نفسر هذا بكل وضوح إذًا ما معنى يا أبتاه إن أمكن أن تبعد عنى الصليب؟ هل تجهل إن كان هذا ممكنًا أم مستحيلاً؟ ومن يستطيع أن يقول هذا الكلام الذي يشير إلى شخص يجهل المعنى المقصود؟ إن الإضافة (αν είναι δυνατόν) بمعنى “إن أمكن” تشير إلى شخص يشك، لكنة كما قلت لا يجب أن ينظر المرء إلى الكلام فقط، بل يدخل إلى المعنى، كي يعرف هدف المتكلم، ويعرف السبب والحالة، أو الظرف، ويجمع كل هذا، وهكذا يحاول أن يفهم المعنى المقصود من هذا الكلام. إذًا كيف يكون ممكنًا لذلك الابن الذي يعرف الآب، مثلما يعرف الآب الابن أن يجهل حتمية الصليب؟ لأن معرفة الآلام ليست أصعب من معرفة جوهر الآب الذى يعرفه الابن وحده معرفة دقيقة كاملة ” كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب“[4].
حتمية الصليب كما جاء بالأنبياء:
ولماذا أتكلم عن ابن الله وحيد الجنس؟ السبب هو إنه من الواضح أن الأنبياء أيضًا لم يكونوا يجهلوا هذا (أى حتمية الصليب)، بل كانوا يعرفون هذا الأمر جيدًا، وتنبأوا به وأكدوا عليه بشكل قوى، إنه كان لابد أن يحدث هذا (أى أن يصلب) وأن الصلب سيتم على أي حال. اسمع إذًا كيف أن الجميع يخبرون بالصليب بطرق مختلفة. أولاً أب الآباء يعقوب، الذي تكلّم عن الابن يقول: ” من زرع نبت يا ابني“[5] مشيرًا بالزرع، إلى العذراء، إلى نقاوة مريم، ولكي يشير إلى الصليب قال بعد ذلك: ” رقدت ونمت كأسد وكلبؤة من ينهضه؟” دعا موته إذًا رقادًا ونومًا، وربط بين الموت والقيامة، قائلاً من ينهضه؟” بالتأكيد لا يوجد أحد آخر ينهضه، لكنه هو نفسه ينهض ذاته. ولهذا فإن المسيح أيضًا قال: “ لي سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها“[6] وأيضًا: ” انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمة “[7].
وما معنى ” رقدت ونمت كأسد” كما أن الأسد مرعب ليس فقط حين يكون مستيقظًا، بل أيضًا حين ينام، هكذا المسيح أيضًا كان مرهوبًا ليس فقط قبل الصليب، بل ساعة الصلب، وساعة الموت، وصنع في تلك الساعة المعجزات الكبرى، وذلك حين أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وتزلزلت الأرض، وتفتحت القبور، وامرأة بيلاطس ارتعبت، ويهوذا بكى لأنه في ذلك الوقت قال ” قد أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا“[8]. وامرأة بيلاطس أرسلت إليه رسالة قائلة: ” إياك وذلك البار لأني تألمت كثيرًا في حلم من أجله“[9] ولف الظلام المسكونة كلها في ساعة الصلب، ومنتصف النهار صار ليلاً وبطل الموت وبطل سلطانه وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.
هذه الأمور تنبأ بها منذ البداية يعقوب أب الآباء، ولكي يبيّن كيف سيكون المسيح مرهوبًا عندما يُصلب قال: ” جثا وربض كأسد” ولم يقل سيربض، ولكن قال ” ربض” لأنه متأكد أن ذلك سيحدث حتمًا. لأن الأنبياء اعتادوا في مرات عديدة أن يتنبأوا بالأمور المستقبلية كما لو كانت قد حدثت بالفعل. فكما أن تلك الأمور التي حدثت، من غير الممكن أن نقول إنها لم تحدث، هكذا أيضًَا حادثة الصليب، التي تنبأ يعقوب بأنها ستحدث من غير الممكن عدم حدوثها، ولهذا قد تنبأ بالأمور المستقبلية في صيغة الزمن الماضي، لكي يؤكد بذلك على حدوث تلك الأمور، وأنها ستصير على أي حال.
هكذا أيضًا داود النبي عندما أراد أن يشير إلى الصليب، قال ” ثقبوا يدي ورجلي“[10] فهو لم يقل “سيثقبوا” لكن “ثقبوا” ثم قال ” وأحصوا كل عظامي“[11] ولم يقل ذلك فقط بل تحدث عما فعلة معه الجنود “ يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون“[12] وليس هذا فقط، بل أعطوه علقمًا ليأكل، وسقوه خلاً ” ويجعلون في طعامي علقماً وفى عطشى يسقونني خلاً“[13] نبي آخر، لكي يتنبأ بأنهم سيطعنوه بحربة يقول: ” فينظرون إلى الذي طعنوه“[14]. وإشعياء أيضًا تنبأ عن الصليب بطريقة مختلفة، قال ” ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه من الضغطة ومن الدينونة أُخذ“[15].
النبوات وتفاصيل رحلة الآلام:
2ـ أرجوك أن تنتبه كيف أن كل واحد من الأنبياء يتكلم كما لو كانت هذه الأحداث قد حدثت في الماضي، معلنًا بهذا الزمن (أي زمن الماضي) أن هذه الأحداث ستحدث وأنها ستتحقق قطعًا. وهكذا فإن داود النبي يصف تلك المحاكمة قائلاً: ” لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل فقام ملوك الأرض وتأمر الرؤساء معًا على الرب ومسيحه“[16]. ولم يتحدث فقط عن المحاكمة والصليب وكل ما حدث فوق الصليب، بل تكلم عن ذاك الذي خانه، فقد كان يأكل نفس الطعام وجلس على نفس المائدة. لأنه يقول: “آكل خبزي رفع علىَّ عقبه“[17] وتنبأ أيضًا عن الصرخة التي سيصرخها على الصليب قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتني “[18]. وتنبأ أيضًا عن القبر: “ وضعتني في الجب الأسفل في ظلمات في أعماق “[19]. وتنبأ عن القيامة: ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا“[20] وتنبأ عن الصعود ” صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور“[21]. وعن جلوسه عن يمين الآب: “ قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك“[22]. وإشعياء من ناحية أخرى أورد سبب الموت قائلاً: ” قُطع من أرض الأحياء من أجل ذنب شعبي وكلنا كغنم ضللنا“[23]. ولهذا ذُبِحَ. ثم بعد ذلك يذكر العمل الذي أتمه قائلاً: ” مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا . تأديب سلامنا عليه وبجبره شفينا وهو حمل خطية كثيرين“[24].
إذًا الأنبياء قد عرفوا موضوع الصليب وسببه والبركات التي تحققت بواسطته. كما عرفوا القبر والقيامة والصعود وخيانة يهوذا والمحاكمة، ووصفوا كل شيء بمنتهى الدقة. فهل يمكن أن الذي أرسلهم وأوصاهم أن يقولوا كل هذا ألا يكون عالمًا بما سيحدث؟ أى إنسان عاقل يستطيع أن يدّعى هذا؟ أرأيت أنه لا ينبغي أن نفهم الكلمات بمثل هذه السطحية (أى ينبغي أن ندقق فيها)؟ لأن هذا لا يثير الجدل فقط، بل إن الكلام الذي يأتي بعد ذلك يسبب حيرة أقوى، فما المعنى الذي يقصده بقوله: “ يا أبتاه إن أمكن فلتبعد عنى هذه الكأس“، هذه الكلمات توحي بأنه ليس فقط يجهل ما سيحدث، بل توحي أيضًا بأنه يريد أن يتجنب الصليب. إن ما يقوله يعنى الآتي: لو كنت تسمح فإنني لا أريد أن أصلب ولا أن أموت برغم أن بطرس المتقدم بين الرسل عندما قال له: ” حاشاك يا رب لا يكون لك هذا“، انتهره بشدة حتى أنه قال له: ” اذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس“[25] على الرغم أنه منذ قليل كان قد طوّبه.
الابن يبذل ذاته بكامل إرادته:
إذًا، كونه لا يريد أن يُصلب فهذا أمر غير معقول بالنسبة للمسيح له المجد، حتى أنه قد دعا ذاك (بطرس) الذي نال الاستعلان من الآب (أى أن الله قد أعلن له أن المسيح هو ابن الله الحي)، والذي أخذ مفاتيح السموات دعاه “شيطانًا ومعثرة” وأنه لا يفكر بحسب مشيئة الله لأنه قال له “ حاشاك يا رب أن يكون لك هذا“. أي حاشاك أن تصلب. إذًا فذاك الذي أدان تلميذه إلى هذا الحد ووجه له هذا التوبيخ الشديد حتى أنه بعد هذا المديح السابق، دعاة شيطانًا، لأنه قال له حاشاك أن تصلب، فكيف إذًا يُتصوّر أن تكون رغبة المسيح ألاّ يُصلب؟ وكيف لا يريد أن يُصلب بعد أن وصف نفسه بالراعي الصالح وحدد النموذج الأمثل لذلك الراعي إذ أوضح إن الدليل الذي يثبت صلاحه، هو أن يبذل نفسه عن الخراف قائلاً: ” أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف“[26] ولم يكتفِ بذلك لكنه أضاف: “ وأما الذي هو أجير وليس راعياً فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب“[27].
إذًا لو أن سمات الراعي الصالح هى أن يبذل نفسه عن الخراف وأن الأجير لا يحتمل هذا فكيف يكون لذاك الذي يقول إنه الراعي الصالح أن يرفض، أن يبذل نفسه؟ وكيف قال: ” أضعها أنا من ذاتي“[28]. إذًا لو أنك من ذاتك بذلت نفسك كيف تسأل الآب ألاّ تبذل نفسك؟ وكيف كان هذا البذل دافعًا لافتخار بولس، عندما قال: ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبة الناس وإذ وُجِد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب“[29]. وأيضًا هو نفسه قال: ” لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذهاأيضًا “[30]. إذًا إن كان لا يريد أن يُصلب بل ويرغب أن يفلت من الصليب ويطلب هذا من الآب، فكيف يجب أن يبذل ذاته، لأن المحبة تظهر مما يكمن في أرادة كل أحد. وأيضًا كيف يقول القديس بولس “ اسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا“[31]. والمسيح ذاته عندما جاء ساعة الصلب قال: ” أيها الآب قد آتت الساعة مجد ابنك“[32]. دعا الصليب مجدًا فكيف يريد هنا أن ينجو منه، بينما هناك يطلبه سريعًا؟ ومن حيث إن الصليب هو مجد اسمع ماذا يقول القديس يوحنا الإنجيلي: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجِد بعد “[33]. ما يقوله يعنى أن النعمة لم تكن قد أُعطيت بعد لأن العداوة تجاه البشر لم تكن قد انحلّت بعد، طالما أن الصليب لم يكن قد تحقق بعد.
بركات الصليب:
فالصليب هدم خصومة الله مع البشر، وصنع الصلح، وجعل الأرض سماءً، وجمع البشر بالملائكة، وأنقذ الأرض من الخداع، وأعاد الحقيقة مرة أخرى، طرد الشياطين، وهدم معابد، ونقض هياكل، ولاشى الدخان الكثيف، وزرع الفضيلة، وأسس الكنائس.
الصليب هو إرادة الله، مجد الابن، فرح الروح، افتخار بولس، لأنه يقول: ” حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح“[34]. الصليب هو أكثر إشراقًا وبهاءً من الشمس، أكثر ضياءً من أشعة النور لأنه عندما أظلمت الشمس عندئذ أضاء الصليب، ولم تظلّم الشمس آنذاك لأنها اختفت بل لأنها هُزِمت من بهاء الصليب. الصليب مزق الصك الذي كان علينا، وأبطل سجن الموت. الصليب هو دليل محبة الله ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به“[35]. وأيضًا يقول القديس بولس : ” إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه“[36].
الصليب هو الحائط الثابت، سلاح من لا يُقهر، أمان الأغنياء، ثراء الفقراء، سد يحمي الذين تُحاك ضدهم الدسائس، وسلاح الذين يحاربون ضد الشهوات، المربح للفضيلة، علامة الإعجاز، والإعجاب، ” لأن هذا الجيل يطلب آية ولا تعطى له إلاّ آية يونان النبي“[37]. وأيضًا يقول القديس بولس لأن اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة ولكننا نكرز بالمسيح مصلوبًا[38]. الصليب فتح الفردوس، ووضع اللص داخله، قاد الجنس البشرى إلى ملكوت السموات بعد أن كان مصيره الهلاك، ذلك الذي لم يكن مستحقًا ولا حتى للأرض.
اخبرني إذًا، هل بعد كل هذه الخيرات التي تحققت وتتحقق بالصليب، ولا يريد الابن أن يُصلب؟ من يستطيع أن يقول ذلك؟ وإن لم يكن يريد الصليب فمن أجبره عليه ومن يقدر أن يلزمه به؟ ولماذا أرسل الأنبياء قبل مجيئه لكي يخبروا بصلبه، إن كان لا يريد أن يصلب، ولا يريد أن يعانى آلام الصلب؟ ولأي سبب يدعو الصليب بالكأس، إن لم يكن يريد أن يُصلب؟ بل هذا يوضح رغبته الأكيدة في أن يصلب، كما أن الكأس يعتبر مبهجًا لأولئك الذين يعطشون، هكذا الصليب بالنسبة للابن، ولهذا قال: ” شهوة اشتهيت أن أكل الفصح معكم“[39]. ولم يقل هذا مصادفةً بل بسبب رغبته في الصليب. وهكذا، فإن الصلب قد حدث بعد تلك الليلة التي قال فيها ذلك.
3ـ إذًا فالذي دعا الصليب مجدًا ووبخ تلميذه (أي بطرس) لأنه أراد أن يعوقه عن تتميم الصلب، وبرهن على أن الراعي الصالح هو الذي يبذل نفسه عن الخراف، وأنه اشتهى جدًا هذا الأمر، وأتى إلى الصليب بكامل إرادته. كيف يترجى ألاّ يحدث هذا؟ وإن لم يكن يرغب في أن يصلب، ما الصعوبة التي كان يمكن أن تعوق الذين أتوا لتحقيق هدفهم؟ ها أنت تراه يركض نحو الصليب. وعندما اقترب هؤلاء منه مواجهة، قال لهم عندئذٍ: ” من تطلبون؟”، أجابوا ” يسوع”، قال لهم: ” أنا هو“، ” فرجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض“[40]. وبعدما أعماهم أولاً، وبرهن على أنه كان يمكنه أن يهرب، إلا إنه سلَّمَ نفسه آنذاك، لكي تعلم أنه لا بإجبار ولا بعنف ولا بضغط من أعدائه، قد عانى الصلب، فهذا لم يكن بدون إرادته بل بكامل إرادته، لأنه كان يرغب أن يجتاز الصليب، وأراده، وأنه منذ زمن بعيد كان يعد كل شئ للصلب.
ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت:
والكلام الذي يلي ذلك يخلق حيرة أكبر لأنه بعدما قال: ” فلتعبر عنى هذه الكأس“، أضاف: ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، فربما يبدو من العبارة أن هناك إرادتين متعارضتين فيما بينهما؛ أي أن الآب يريد للابن أن يُصلب، بينما الابن نفسه لا يريد. إلا أننا نراه في كل موقف يريد ما يريده الآب، ويفضل ما يفضله، لأنه عندما يقول: ” كما أنك أنت أيها الآب فىّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا“[41]، لم يقل شيئًا آخر سوى إن للآب والابن رأى واحد أو فكر واحد، وعندما يقول ” الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ يعمل الأعمال “[42]، فهذا ما يريد أن يؤكده. وعندما يقول: ” من نفسي لم آت” و” أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا“[43]، فهو لا يقول هذا باعتبار أن ليس له سلطان أن يتكلم أو أن يعمل (حاشا) لكنه أراد أن يوضح بكل دقة بأنه واحد مع الآب في الكلام وفى الأعمال وفى كل الأفعال كما بيّنا ذلك مرات عديدة. لأن عبارة ” لست أتكلم من نفسي” لا تبطل سلطانه، بل هي عبارة تبرهن على وجود توافق. إذًا كيف يقول هنا ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت؟“.
ربما أكون قد وضعتكم في حيرة كبيرة، ولكن انتبهوا لأنه إن كنّا قد تكلّمنا عن أمور كثيرة، لكنى أعرف جيدًا أن استعدادكم ورغبتكم قوية جدًا، لأن الكلام يتجه بسرعة نحو شرح هذا الأمر انتبهوا جيدًا للكلام عن التجسد، لقد كان صعب القبول. فمحبة الله الفائقة للبشر والاقتناع بالتجسد وقبوله قبولاً كاملاً كان مملوء رعبًا، وكان يحتاج إلى استعداد كبير. فكّر إذًا كم كان أمرًا عظيمًا أن يسمع الإنسان ويعلم كيف أن الله الذي لا يمكن التعبير عنه، غير الفاني، غير المُدرك، غير المرئي، غير المفحوص، ” الذي بيده مقاصير الأرض“[44]، ” الناظر إلى الأرض فترتعد يمس الجبال فتدخن“[45]. الذي لا يحتمل الشاروبيم مقدار تنازله العظيم، بل يغطون وجوههم بأجنحتهم. ذاك الذي يفوق كل عقل ويعلو على كل فكر، هذا الذي يفوق الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات السمائية، قَبِلَ أن يصير إنسانا، وأن يدخل إلى الأحشاء البتولية وأن يُحمل به تسعة أشهر وأن يتغذى باللبن وأن يعانى كل ما يختص بالإنسان.
إذًا، لأن هذا الأمر كان أمرًا فريدًا للغاية، حتى أنه عندما حدث لم يؤمن به الكثيرون، لذلك أرسل أولاً الأنبياء لكي يخبروا بهذا التجسد تحديدًا، لأن يعقوب أب الآباء تنبأ عن التجسد عندما قال ” من زرع نبت يا ابني جثا وربض كأسد“، وإشعياء أيضًا عندما قال ” ها العذراء تحبل وتلد أبنا وتدعوا أسمة عمانوئيل“[46]، وفى موضع آخر يقول أيضًا: ” أرض يابسة”، هنا يتكلم عن الأم البتول لأنها لم تستقبل بذرة إنسانية؟ لكنها ولدته بدون زواج. وأيضًا: ” يولد لنا ولد ونعطى ابنًا“، وأيضًا: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله“[47].
وباروخ يقول: ” هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه بكماله وجعل ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر“[48]. وداود النبي يشير إلى التجسد بقوله: ” ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوم الذارفة إلى الأرض“[49]. لأنه دخل كعبد إلى الأحشاء البتولية بهدوء وبلا اضطراب.
حقًا جاز الآلام:
4ـ إلا أن كل هذا لم يكن كافيًا، بل عندما أتى ـ ولكي لا يعتبر هذا الحدث خياليًا أو وهميًا ـ لم يؤكد على هذا الأمر فقط من خلال الشكل، لكن من خلال الزمن الطويل، واجتاز كل المراحل الإنسانية، لأنه لم يدخل فقط أو لم يصر فقط إنسانًا كاملاً، ولكنه دخل إلى الأحشاء البتولية، حتى أن الصبر على الحمل والولادة والرضاعة والنمو ومرور الزمن واختلاف مراحل العمر، كل هذه تؤكد على هذا الحدث. والدليل لم يقتصر على ذلك فقط، لكنه تحمل جسديًا نقائص الطبيعة، أى أن يجوع ويعطش وينام ويتعب، وأخيرًا عندما أتى إلى الصليب عانى آلام الجسد. ولهذا خرج من الجسد عرق يتصبب وأتى إليه ملاك لكي يقويه. ويسوع يحزن ويكتئب لأنه بالحقيقة قال من قبل: ” نفسي حزينة جدًا حتى الموت“[50].
إذًا إن كان كل هذا قد حدث، فإن فم الشيطان الخبيث المتكلم في ماركيون الذي ينحدر من بنطس،[51] وفالنس،[52] ومانى الفارسى،[53] بالإضافة إلى هرطقات أخرى كثيرة، (من اختراع الشيطان) فهو يهدم التعليم عن التدبير الإلهي وينادي قائلاً: إن الابن لم يتجسد ولا لبس جسدًا، بل كان هذا وهمًا وخيالاً ومظهرًا مصطنعًا، على الرغم من أن الآلام والموت والقبر والجوع هي أمور قد حدثت بالفعل. فلو كانت هذه الأمور لم تحدث لكان يحق له أن ينشر هذه الأفكار الخبيثة: ولذلك فكما أنه جاع ونام وتعب وأكل، وشرب، هكذا تجنّب أيضًا الموت لكي يُظهر البعد الإنساني وضعف الطبيعة التي لا تريد أن تموت وتغادر الحياة الحاضرة .
المسيح يُعلّم بالأعمال:
لأنه لو لم يقل شيئًا من كل هذا لكان من الممكن أن يقال: لو كان إنسانا لكان ينبغي أن يعانى الأمور الإنسانية، وما هى الأمور الإنسانية لذاك الذي سيُصلب ولم يجبن، وجاهد ولم ينفصل عن الحياة الحاضرة؟ لأن الطبيعة الإنسانية تميل إلى محبة الأمور الحاضرة، ولهذا تحديدًا ولأنه أراد أن يظهر حقيقة تجسده ويؤكد التدبير الإلهي، فهو يعرض بآلامه دليلاً قويًا وبشكل واضح؟ هذا هو أحد الأسباب ولكن يوجد سبب آخر لا يقل أهمية عن هذا السبب.
وما هو هذا السبب؟ عندما أتى المسيح، أراد أن يُعلّم الناس كل فضيلة. والمعلّم لا يُعلّم بالكلام فقط، بل بالأعمال أيضًا، فهذا هو التعليم المتميز للمعلّم. لأن (قائد السفينة) أيضًا، عندما يضع تلميذه بجواره، يوضح له كيف يجب عليه أن يمسك بعجلة القيادة، لكنه بعد فترة يتحول الكلام إلى عمل، ولا يتكلم فقط بل أنه يعمل أيضًا. وهكذا أيضًا بالنسبة لمن يعمل في حقل البناء، بعدما يضع إلى جواره من يريد أن يتعلم كيفية بناء الحائط، يُبيّن له ذلك عمليًا، بالإضافة إلى الشرح بالكلام أيضًا. نفس الشئ يصنعه النساج، والطرّاز، وصانع الذهب، وصانع النحاس وهكذا، فكل فن أو عمل له معلّمه الذي يُعلّمه بالكلام والعمل. لأن المسيح أتى لكي يُعلّمنا كل فضيلة، فهو يقول كل ما ينبغي أن نفعله، كما إنه يفعل كل ما يُعلّم به، كما قال هو نفسه: ” من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات“[54]. لكن لاحظ أنه أوصى أن نكون متضعين وودعاء، وقد علّم هذا بالكلام. وأوضح كيف أنه علّم هذه الأمور بالأعمال أيضًا. لأنه يقول ” طوبى للودعاء ـ طوبى للرحماء “[55]. مُظهرًا كيف ينبغي أن نُحقق هذه الفضائل. أنظر كيف علّمها؟ أخذ منشفة واتزر بها وغسل أرجل تلاميذه “[56] هل هناك شئ يُعادل هذا الإتضاع؟ لأنه لم يعلّمه بالكلام فقط، بل بالأعمال أيضًا. أيضًا الوداعة والتسامح يعلّمها بالأعمال. كيف؟ لقد لُطم من عبد رئيس الكهنة، وقال: ” إن كنت تكلّمت رديًا فاشهد على الردي وإن حسنًا فلماذا تضربني“[57]. وقد أمر أن نصلي من أجل أعدائنا. وهذا أيضًا علّمه بالأعمال، لأنه عندما كان على الصليب قال: ” يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون“[58]. فكما أوحى أمرًا أن نصلي (من أجل أعدائنا)، وهو نفسه صلى لأجل صالبيه، فهو لم يتوقف عن أن يُسامح في أي وقت.
وقد أوصانا أيضًا أن نُحسن إلى كل مَن يبغضنا، وأن نصنع ما يعود بالفائدة على كل من يؤذينا. وهذا فعله بالأعمال. لأنه طرد الشياطين من اليهود، هؤلاء الذين قالوا إن به شيطان[59]. أحسن إلى من اضطهدوه، أطعم أولئك الذين دبروا له المكائد، قاد أولئك الذين أرادوا أن يصلبوه إلى ملكوت السموات. قال أيضًا لتلاميذه: ” لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم“[60]. وكان مثلاً أعلى لهم في التجرد. هذا أيضًا قد علّمه بالأعمال قائلاً: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه“[61]. ولم يكن له مائدة، ولا بيتًا، ولا أى شئ مما شابه ذلك. ليس لأنه كان فقيرًا، بل لأنه علّم الناس أن يتبعوا هذه الطريقة في الحياة.
وبنفس هذه الطريقة، علّمهم أيضًا أن يُصلّوا، عندما قالوا له ” علّمنا أن نصلي“[62]. ولهذا قد صلّى، لكي يعلّمهم أن يُصلّوا. لكن ليس فقط أن يُصلّوا، بل كان عليهم أن يتعلّموا أولاً كيف يجب أن يصلّوا. ولهذا سلّمهم أيضًا الصلاة كالآتي ” أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض خبزنا كفافنا أعطنا اليوم واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة“[63]، أى لا تدخلنا في أخطار ومكائد.
إذًا لأنه أمرهم أن يصلّوا ” ولا تدخلنا في تجربة” هذا بالتحديد ما علّمهم إياه بالعمل، قائلاً: ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس“، مُعلّمًا إياهم ألا يندفعوا نحو الأخطار والتجارب، ولا أن يفقدوا شجاعتهم، بل أن يحتملوها أو يصبروا عليها عندما تأتي، ويظهروا كل شجاعة، لكن دون أن يركضوا نحوها قبل أن تأتي، ولا أن يندفعوا أولاً نحو المصاعب[64]. لكن لماذا؟ لكي يُعلّمهم الإتضاع، ولكي يُحررهم من إتهامات المجد الباطل. ولهذا تحديدًا، هنا أيضًا عندما قال هذا ” ابتعد وصلّى” وبعد الصلاة قال لتلاميذه ” أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة. اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة“[65]. أرأيت أنه لا يصلى فقط، بل وينصح أيضًا “ أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف“، وهذا قد قاله، لكي يطرد الإفتخار من نفوسهم، ولكي يحررهم من الكبرياء، ويجعلهم حذرين ومتواضعين.
إذًا فهذا ما أراد أن يُعلّمه لهم، لكي يُصلّوا. وفعل الابن نفس هذه الأشياء، فقد صلى كإنسان، ليس بحسب الطبيعة الإلهية (لأنه من حيث الطبيعة الإلهية هو لا يعاني أى شئ)، لكنه كان يعاني بحسب الطبيعة الإنسانية. إذًا فقد صلى لكي يعلّمنا كيف نصلي، وأن نطلب دومًا الخلاص من المصاعب. ولكن إن لم يكن هذا ممكنًا بالنسبة لنا، فلنحتمل كل ما هو حسنًا أمام الله. لهذا قال: ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، بالتأكيد ليس لأن إرادته شئ وإرادة الله هى شئ آخر، بل لكي يُعلّم البشر، أنهم حتى في الحالة التي يجاهدون فيها أو يرتعدون، أو التي يأتي فيها خطر ما، أو عندما لا يريدون أن يغادروا الحياة الحاضرة، فليفضلوا إرادة الله على إرادتهم. هذا بالضبط ما تعلّمه ق. بولس وأظهر الاثنين بالأعمال. لأنه طلب أن تبتعد عنه التجارب، قائلاً: “ من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني“[66]. ولأن هذا لم يكن حسنًا أمام الله، يقول:” لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات“.
ربما يكون ما قيل غير واضح، إذًا سأجعله أكثر وضوحًا. لقد تعرض الرسول بولس لمخاطر كثيرة مرات عديدة، وصلى ألاّ يتعرض لمخاطر. اسمع ماذا قال له المسيح آنذاك ” تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل“[67]. إذًا فبعدما رأى أن هذه هى إرادة الله، أخضع إرادته لهذه الإرادة بعد ذلك. إذًا هذان الأمران قد علم بهما بواسطة هذه الصلاة، أى ألا نلقي بأنفسنا في الأخطار، بل ونصلي ألا نغامر بالدخول فيها. أما إذا أتت فلنحتملها بشجاعة وأن نفضل إرادة الله على إرادتنا.
إذًا ونحن نعرف هذه الأمور، علينا أن نصلي ألا ندخل أبدًا في تجربة. وإن دخلنا نتوسل إلى الله أن يعطينا الإحتمال والشجاعة، وأن نفضل إرداته على كل إرادة أخرى. لأنه هكذا سنعبر هذه الحياة الحاضرة في أمان، وسننال خيرات الدهر الآتي، والتي أرجو أن ننالها جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.
1 العناوين الجانبية من وضع المُترجِم.
2 في هذا الصدد يقول العلاّمة أوريجينوس في تفسيره لسفر العدد عند قراءة الإنجيل أو تعاليم الرسول بولس يبدو عليك الإعجاب بها وتعتقد أنك قد وجدت الطعام الأفضل موافقة والأكثر مناسبة لك. ولكنك لم تعرف بعد الأسرار التي ينبغي أن تعرفها إذا درست وتعمقت في أحكام الله .. وعلينا بالحرى أن نحوّل عيون قلوبنا نحو الذي أمر بهذه الكتابة ونطلب منه فهم المعنى. (تفسير سفر العدد للعلاّمة أوريجينوس، الجزء الثاني، عظة رقم 27 إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية). صـ186.
3 أع26:8ـ40
4 يو15:10.
5 تك9:49 (س).
6 يو18:10.
7 يو19:2.
8 مت4:27.
9 مت19:27.
10 مز16:22.
11 مز17:22.
12 مز 18:22.
13 مز21:69.
14 زك10:12.
15 إش7:53ـ8.
16 مز1:2ـ2.
17 مز9:41.
18 مز1:22.
19 مز6:88.
20 مز10:16.
21 مز5:47.
22 مز1:110.
23 إش8:53و6.
24 إش5:53و12
25 مت22:16ـ23.
26 يو11:10.
27 يو12:10.
28 يو18:10.
29 فى6:2ـ8.
30 يو17:10.
31 أف2:5.
32 يو1:17.
33 يو39:7.
34 غل14:6.
35 يو16:3.
36 رو10:5.
37 مت39:12.
38 انظر 1كو22:1ـ23.
39 لو15:22.
40 يو4:18ـ6.
41 يو21:17.
42 يو10:14.
43 يو30:5.
44 مز4:95.
45 مز32:104.
46 إش14:7.
47 إش1:11.
48 باروخ36:3ـ38.
49 مز6:72.
50 مت8:26.
51 ماركيون هو هرطوقى ظهر في القرن الثاني وهو أحد معلمي البدعة الغنوسية المشهورين، ونادى بأن التجسد كان خياليًا.
52 فالنس هو أحد الهراطقة الذين ظهروا في القرن الثاني أيضًا.
53 ماني مؤسس هرطقة، نادت بوجود مبدأين أزليين للكون وهما غير مخلوقين النور والظلمة. النور هو إله الخير، والظلمة هي إله الشر. والمادة بحسب رؤيتهم هي ظلمة، ولذلك فهي شر.
54 2كو9:12.
55 مت3:5ـ5.
56 يو4:13ـ5.
57 يو23:18.
58 يو34:23.
59 أنظر يو48:8.
60 مت9:10.
61 مت20:8.
62 لو1:11.
63 مت9:6ـ13.
64 هكذا يقول ق. كيرلس في تفسيره لإنجيل لوقا “فلنصل أن لا نجرب، لأنه أمر صعب أن نفر من التجربة، كما أنه أمر صعب بالنسبة لمعظم الناس أن يصمدوا إلى النهاية. ولكن إذا ما دعت الضرورة وألُقينا فيها رغمًا عنا، فلابد أن ندخل المعركة باذلين أقصى جهدنا ونصارع من أجل نفوسنا، غير هيابين البتة…. وكما كتب أيضًا الرسول القديس الذي قال: “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال أكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه” يع1ـ12. تفسير إنجيل لوقا، للقديس كيرلس الأسكندري، ج3، ترجمة د.نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.
65 مت40:26ـ41.
66 2كو8:12ـ10.
67 2كو9:12.
فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
” فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة، فعروه والبسوه رداءً قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزأون به قائلين السلام يا ملك اليهود” (مت27:27ـ29).
لقد رقص الشيطان في الجميع دلالة على أن الحسد والشر قد سادا على اليهود، وتعاملوا مع المسيح بقسوة وعدم حياء. لكن من أين ولأي سبب كان تعامل الجنود سيئ هكذا؟ أليس من الواضح جدًا في ذلك الوقت أن الشيطان هو الذي وضع في الجميع هذا الهوس المملوء حنقًا؟ ومن أجل هذا تلهوا هؤلاء المفترسين والمتوحشين بالشتائم التي وجهوها للمسيح. وكان ينبغي أن يخجلوا ويبكوا، كما فعل الجمع، إلا أنهم لم يفعلوا هذا، بل بالعكس أهانوه، ورقصوا بنشوة، ربما لكي يشكروا اليهود، أو أنهم فعلوا كل هذا، بسبب طبيعتهم الخاصة التي تتسم بالسلوك الشرير. وإهاناتهم كانت كثيرة ومتنوعة، لأنهم تارة كانوا يضربون رأس المسيح المقدسة، وتارة أخرى يعاملوه بإهانة بوضع أكليل الشوك على رأسه، ومرة يضربونه بالقصبة، إنهم حقًا رجال يوصفون بالخسة والوحشية.
إذًا هل يحق لنا أن نتذمر إذا تعرضنا للإهانة، بعد كل ما عاناه المسيح و تألم به؟ لأن ما حدث كان أقصى حد يمكن أن تصل إليه الإهانة. وكما ترون لم يُضرب عضوًا واحدًا، بل كل الجسد بكل ما فيه أُهين، الرأس يوضع عليه إكليل الشوك، ويتلقى الضربات، والوجه تعرض للبصق، والخد لُطم. كل الجسد جُلد، ألبسوه ثوبًا إرجوانيًا، وكانوا يسجدون له بتهكم، وضعوا في يده قصبة، بدلاً من صولجان، والفم أيضًا سقوه خلاً بواسطة أسفنجة. وهل كان يمكن أن ينال ما هو أكثر بشاعة من كل هذا؟ وهل هناك ما هو أكثر وضاعة من هذه (الإهانات)؟ لأن ما حدث يتجاوز كل وصف. لقد صنعوا كل شيء، كأنهم يخشون من أنهم يبدون وكأنهم قد فاتهم شيء من عملهم المشين، بعدما قتلوا الأنبياء بنفس الأيدي. أما بالنسبة للمسيح فقد صاروا قتلة بحكم القضاء، وأصدروا حكم محكمة، وشاركوا بيلاطس في إصداره، قائلين: “دمه علينا وعلى أولادنا”[2]، ورقصوا بهوس وعاملوه بإهانة، وهم أنفسهم الذين قيدوا يسوع وقادوه، وصاروا سببًا في إهانات الجنود، وسمروه على الصليب، وجدفوا، وكانوا يبصقون عليه ويسخرون منه. إذ لا شيء هنا قد فعله بيلاطس، بل إن كل شيء قد فعله هؤلاء. لقد صاروا ممثلي إتهام، وقضاه، وشعب، وكل شيء.
إتضاع لا مثيل له:
وهذه الأمور نقرأها نحن، حين يكون الكل مجتمعين. حتى لا يقول الأمم أننا نهدف إلى الإشارة إلى الأمور الحسنة والبهية فقط، مثل الآيات والمعجزات التي حدثت للجموع والشعوب، وأننا نخفي الإهانات. فإن نعمة الروح القدس رتّبت أن تُقرأ كل هذه الإهانات في هذا الإحتفال العام، عندما يكون جموع الرجال والنساء حاضرين، وبشكل عام عندما يكون الجميع حاضرين في مساء يوم البصخة العظيم. فعندما تكون كل المسكونة حاضرة، عندئذ يُبشر بهذه الأمور بصوتٍ عالٍ. وبرغم أن هذه الأمور الصعبة تُقرأ وتصير معروفة للجميع، فإن الإيمان بأن المسيح هو الله، يقوى ويزيد ويُسجَد للمسيح، لأنه قَبِل أن يتضع إلى هذا الحد الكبير، من أجلنا، حتى أنه جاز كل هذه الآلام، لكي يُعلّمنا كل الفضائل.
إذًا هذه الأمور نقرأها على الدوام، لأن الربح من وراء هذا كثير جدًا، وعظيمة هي الفائدة. لأنه حين تراه وهو يُستهزأ به بإشارة اليد، أو بالفعل، وأن يُسجد له بسخرية شديدة، ويُلطم، وأن يتألم من كل هذه الأمور الرديئة، فإنك ستذوب أسرع من أي شمع حتى إن كنت متحجر القلب، وستنزع من نفسك كل غضب.
اسمع إذًا ماذا حدث بعد ذلك. ” مضوا به للصلب” (مت31:27) بعدما عروه، أخذوا ثيابه وأقتسموها مقترعين عليها، وجلسوا منتظرين موته، الأمر الذي يحدث لأكثر المتهمين حقارة وإجرامًا، والذين ليس لهم أي أحد (ليُعينهم)، ويعيشون في وحدة تامة. إقتسموا تلك الثياب التي جرت منها معجزات كثيرة. لكنه لم يفعل أي شيء وقتها، رغم أن المسيح له المجد يملك قوة فائقة. وهذا الأمر لم يكن عيَّنة بسيطة لفقدان الوعي أو لعدم الإتزان. لأنهم (أي اليهود) تجرأوا على فعل كل شيء، كأن الأمر متعلق بشخص فاسق ومجرم، كما قلت، ومحتقر بالأكثر. أنهم لم يتصرفوا هكذا مع اللصين، أما بالنسبة للمسيح فقد تجرأوا على فعل كل شيء بل وصلبوه بين هذين اللصين، لكي يكون معدودًا مع اللصوص.
” وأعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب، ولم يرد أن يشرب” (مت34:27).
فعلوا هذا لكي يتهكموا عليه، لكن يسوع لم ينطق بكلمة، والإنجيلي الأخر (أي يوحنا) يقول ” فلما أخذ يسوع الخل” قال ” قد أكمل“[3]. ماذا يعني بعبارة ” قد أُكمل”؟ أي تمت النبوة عن المسيح، التي تقول: “ ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقوني خلاً“[4]. لكن ولا يوحنا، قد بيّن أنه شرب (الخل) لأنه لا يوجد إختلاف بين حقيقة أنه قد ذاق فقط، وحقيقة وأنه لم يشرب، بل يعني أن هذا الأمر وذاك هو شيء واحد.
بل إن هذا السلوك الإجرامي لهؤلاء المهووسين، لم يتوقف عند هذا الحد بل إنهم بعدما عرّوه، وصلبوه، وقدموا له خلاً، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ قد تهكموا عليه وهم ينظرونه مُسمّرًا فوق الصليب، سواء حدث هذا من قِبَل هؤلاء أو من قِبل المجتازين أمام الصليب، وهذا يعد أسوأ ما يمكن أن يحدث لبشر، بمعنى أنهم رأوا أن معاناته لكل هذه الآلام تعد أمرًا مُبررًا، وأنه مخادع ومحتال، وكمتباهي غير متعقل قد أفتخر بكل ما قاله. من أجل هذا صلبوه بشكل علني، وتهكموا عليه أمام الجميع، ولهذا صلبوه بأيدي العسكر، ولكي يطيلوا من أعمالهم المجنونة، تجرأوا على فعل هذه الأمور في محاكمة علنية.
ومَن ذا الذي لن يجعل العامة التي تبعته وناحت عليه أن تشفق عليه؟ أما هؤلاء الوحوش فلا يشفقون. ومن أجل هذا، فإن يسوع يعتبر أن هؤلاء العامة مستحقون أن تُسمع تضرعاتهم بينما الذين عذبوه فهم غير مستحقين. لأنه بعدما فعلوا كل ما أرادوه، شرعوا يلوثون سيرته، لأنهم خافوا من قيامته من الأموات. من أجل هذا أخذوا يتهكمون عليه علانية، وصلبوا معه لصيّن، راغبين في أن يُظهروا أنه مُحتال فقالوا “يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك إن كنت ابن الله فأنزل عن الصليب”[5]، ولأن بيلاطس لم يسمع لهم عندما طلبوا منه أن يحطم العلة التي كان مكتوب عليها هذا هو يسوع ملك اليهود، بل رفض، قائلاً: “ما كتبت قد كتبت”، فحاولوا بتهكمهم أن يُظهروا بأنه ليس ملكًا ولهذا قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب”، وقالوا ” خلّص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلّصها“[6]، مُحاولين بهذا أن يُشهّروا ويشككوا بالمعجزات التي صنعها، ثم قالوا ” قد إتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده“[7].
حقًا هؤلاء يتسمون بالخسة ويثيرون الإشمئزاز! لماذا يا ترى كل هذا الافتراء؟ هل الأنبياء لم يكونوا أنبياء، أو أن الأبرار لم يكونوا أبرارًا، لأن الله لم يجنبّهم الأخطار؟ بالتأكيد كانوا أنبياء وابرار، بل وحين عانوا كل تلك الآلام (كانوا أنبياء وأبرارًا). إذًا هل هناك حماقة مثل حماقاتهم؟ لأنه إن كانت معرفة الإضطهادات والآلام التي تحملها الأنبياء لم تلوث سيرتهم، بل وحين تألموا ظلوا أنبياء، فبالأكثر جدًا ما كان ينبغي أن يتعثر أحد في المسيح، في كل ما عمل وتكلّم به، من أجل أن يغيّر أذهاننا.
لكن رغم كل ما قالوه وصنعوه، لم يتمكنوا من أن يفعلوا أي شيء، ولا في ذلك الوقت (أي في القديم). هكذا فإن ذاك (أي اللص اليمين) الذي فسد في الشر، وأمضى حياته كلها في القتل والسرقة، عندما قيلت هذه الأمور تحديدًا، وقتها إعترف به أنه إله، وتذكّر الملكوت[8]. وناحت الجموع بأنين على المسيح له المجد، برغم أنه بات واضحًا أن كل ما حدث كان سيتأكد بطريقة عكسية بالنسبة للذين لم يفهموا سر التدبير الإلهي، والذين كانوا يروا أنه من المستحيل أن يحدث شيء، سوى ما شاهدوه، تأكدوا بأن العكس هو الحقيقة التي ثبت صحتها.
فلنتمثل بالمسيح:
إذًا ونحن نسمع كل ذلك، فلنسلح أنفسنا ضد كل غضب. حتى ولو كان قلبك مشتعلاً، إختم صدرك واضعًا عليه الصليب، تذكّر شيئًا من تلك الأمور (الآلام) التي تعرض لها المسيح وستشعر وكأنك تلقي ترابًا على غضبك (المشتعل)،. فكّر في أقواله وأفعاله، فكّر في أن المسيح كان سيدًا، بينما أنت عبد، وأنه تألم من أجلك، بينما أنت تحيا لأجل نفسك، تألم من أجل الذين صلبوه وأحسن إليهم، بينما أنت تحيا لنفسك، تألم من أجل الذين أهانوه، بينما أنت مرات عديدة، تحيا على حساب أولئك المظلومين، لقد تألم أمام أنظار المدينة كلها. أو ربمّا أمام أعين كل اليهود والأغراب وأهل المدينة الذين كلمهم كلامًا مملوءًا رحمة، بينما أنت تتألم أمام قليلين، بل والأسوأ بالنسبة له أنه تُرِكَ من قِيل تلاميذه. لأن هؤلاء الذين سبق وأظهروا له كل وقار وتقدير تركوه، أمام أعدائه ومقاوميه. بعدما أخذوه، سمروه على الصليب في الوسط (أي بين لصّين)، أهانوه، جدّفوا عليه، سخروا منه، إستهزوا به، تهكم عليه اليهود من أسفل، والجنود من أعلي، وتهكم عليه اللصان من الجانبين، لأن اللصان كليهما قد أهناه وسخرا منه.
إذًا كيف يقول لوقا أن واحدًا قد جدّف عليه[9]؟ الأمران قد حدثا لأن الاثنين تهكما عليه في البداية، لكن بعد ذلك لم يحدث هذا. لكي لا تعتقد أن الأمور صارت بخلاف ذلك، وأن اللص بقى لصًا، فوق الصليب ومن خلال الإهانة (التي وجهها للمسيح) يظهر لك بأنه لص وعدو. إذًا فكّر في كل هذا، وواجه بصبر وإحتمال كل الصعوبات. لأنه بماذا تألمت من كل ما تألم به سيدك؟ هل أُهنت علانيةً؟ بل إن الأمر لم يقتصر على ذلك. هل إستُهزأ بك؟ قد يحدث، لكن بدون آلام تصيب جسدك كله، ولا بسياط على جسد عاري.
ويمكنك أن تُضيف أشياء أخرى، من قِبل مَن عانى كل هذه الآلام، ولماذا، بل والأسوأ من كل هذا، أن لا أحد إعترض على كل ما حدث أو أدانه. بل بالعكس إمتدحوا ما حدث، وإستهزوا به، وضايقوه وجدفوا عليه كمتباهي وكمخادع، وغاش، ولا يقدر أن يُبرهن في الحال على تلك الأمور التي تكلّم عنها. أما المسيح له المجد فقد صمت في كل شيء، وصنع أدوية فعالة من أجلنا بطول الأناة.
لكن نحن الذين نسمع كل هذا، لا نظهر صبرًا ولا حتى تجاه العبيد، بل نثور ونركل أكثر من الحمير المتوحشة. إذا كان الأمر يخصنا نصير قساة ومتوحشين، بينما إذا كان يخص الله، لا نُعطي أهمية كبيرة. ونسلك بطريقة مماثلة في مواجهة الأصدقاء، وعندما يُسبب لنا أحد ألمًا فإننا لا نحتمله، وإن أهاننا نتحول إلى متوحشين أكثر من الوحوش، نحن الذين نطالع هذه الأمور يوميًا. أما بالنسبة للمسيح، فقد خانه التلميذ (أي يهوذا)، والآخرون تركوه ورحلوا، والذين أحسن إليهم بصقوا عليه. عبد رئيس الكهنة لطمه، الجنود تهكموا عليه، والمارة إستهزأوا به وجدّفوا عليه، اللصان اتهماه، ولم ينطق بشيء في واحدة من تلك التهم، لكنه واجه الجميع بالصمت، مُعلمًا إياك أنه قدر ما تعاني بهدوء، بقدر ما ستنتصر بالأكثر على كل مَن يصنع بك شرًا، وستنال تقدير الجميع.
لأنه مَن ذا الذي لا يُعجب، بمن يتألم ويعاني بهدوء، تجاه أولئك الذين يعذبونه؟ مثلما لو أن أحد برغم من أنه يُعَاقَب بعدل، مُتحملاً العقاب بهدوء، فيعتقد الكثيرون أنه عُوقب ظلمًا، هكذا فعندما يتألم ظلمًا، لكنه يعترض بوقاحة، فإنه سيُعطي إنطباعًا أنه بعدل عُوقب، وسيصير مثارًا للسخرية، لأنه ينجرف نحو الخطأ بسبب الغضب، ويقع أسيرًا (لغضبه)، ويفقد وقاره. هذا لا يمكن أن يدعوه أحد حرًا، حتى ولو كان سيدًا لآلاف العبيد. لكنك ستعترض بأن فلان سخط عليك كثيرًا. وما معنى هذا؟ يعني تحديدًا أنه ينبغي عليك أن تُظهِر احتمالاً، فالوحوش أيضًا يمكن أن نراها مستأنسة أو أليفة. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الوحوش ليست في حالة هياج مستمر، إلا إذا آثارها أحد. إذًا إن كان هدوءنا مرتبطًا فقط بعدم إثارة أحد لنا، فماذا فعلنا أفضل (من الحيوانات المتوحشة)؟ وتلك الوحوش في مرات كثيرة تثور بشكل مُبرر، لأنها حين تتحرك وتتصادم تهيج. وبالإضافة إلى ذلك فإنها لا تملك عقلاً، وفي طبيعتها أن تثور وتهيج. أما أنت، كيف يمكنك أن تعتذر أو تطلب المسامحة، عندما تثور وتصبح متوحشًا؟ ما هو الألم الذي عاينته؟ هل وقعت ضحية خطف؟ من أجل هذا تحديدًا يجب أن تحتمل، لكي تربح أكثر. هل خسرت مجدًا ما؟ وماذا يكون هذا؟ لأنك إذا فكرت فيه جيدًا، فستجد أن ما تملكه لا ينقص شيئًا، بفقدان هذا المجد. أما إذا كنت لا تُعاني من أي سوء أو شر، فلماذا تغضب وتثور على مَنْ لم يصنع بك أي شر؟ لأن الذين يشيدون بالغاضبين، يجعلونهم بالأكثر متباهين، بينما الذين يشتمون ويحتقرون كل مَن يلاحظون أنفسهم، يجعلونهم بالأكثر مُحتملِين. فلو أننا اتّسمنا بالهدوء، فإن هؤلاء سيصيرون بالنسبة لنا سبب إحتمال. أما أولئك فإنهم يُثيرون فينا أنانيتنا، ويملؤننا بالزهو وبالمجد الباطل، والحماقة، ويجعلون نفوسنا أكثر ضعفًا.
والآباء يؤكدون هذه الأمور، فهم لا يتملقون أبناءهم كثيرًا، بل يجعلونهم متضعين، خوفًا من احتمال تعرضهم للخسارة بسبب التملق. بل والمعلمون يستخدمون نفس العلاج تجاه من يتملقونهم. وحتى إن كان يجب أن نتوجه بالإرشاد للبعض فينبغي أن نوجهّه للذين يتملقوننا، أكثر من هؤلاء الذين يهينوننا. لأن هذا الُطعم (أي التملق) بسّبب ضررًا أكثر من الإهانة، هذا ومن الصعوبة بمكان أن تنحصر في هذا الأمر. والأكثر صعوبة هو احتمال الإهانة .
إحتمال الإهانة يجلب الخيرات:
إن مكافئة احتمال الإهانة هي كبيرة جدًا، والإعجاب بالإحتمال أكثر عظمة. لأنه بالحق هو أمر يستحق الإعجاب أكثر من أي شيء، أن ترى إنسانًا يُهان ولا يرد الإهانة، أو يُضرب ولا يُقاوم. وكيف يمكن إلا يدافع عن نفسه؟ هل أهانك أحد؟ إذًا فإرشم على صدرك علامة الصليب. تذكّر كل ما حدث للمسيح وعندئذٍ سيُمحَى كل شيء. لا تنظر فقط إلى الإهانات، فهي قد تجلب لك خيرًا، وتجعلك وديعًا ومترفقًا. أو من الأفضل أن نقول تذكّر في كل الأحوال مخافة الله، وسرعان ما تصبح لطيفًا ورقيقًا.
بالإضافة إلى هذا، تعلّم من عبدك كيف يكون الاحتمال وبذلك يمكن أن ترى نفسك فيه وهو يُهان، ويصمت. فكّر فيما يُظهره من إحتمال كبير، وأَدنْ نفسك، وتعلّم كيف لا ترد الإهانة، وبهذه الطريقة فإنك لن تتألم حتى حين تُهان. فكّر أن الذي يهينك أصابه الخبل وكأنه قد فقد صوابه، وعندئذٍ لن تغتاظ. لأن الذين ساد عليهم الشيطان، يضربوننا، أما نحن فإننا ليس فقط لا ندافع عن أنفسنا، بل ونترفق بهم.
وأنت أيضًا إفعل هذا، تراءف على من ٍيُهينك، فهو خاضع تحت سيطرة وحش جبار، وهو الغضب، وسيطرة شيطان مخيف، وهو الحنق أو السخط. حرر ذاك الذي يأسره شيطان مرعب، وسيتحطم تمامًا خلال فترة قصيرة. لأن هذا المرض له طبيعة خاصة، حتى أنه لا يحتاج إلى وقت طويل، حتى يهلِك مَنْ يسيطر عليه. أردت من كل هذا أن أبيّن، وبشكل أساسي، طغيان أو إستبداد الغضب، أي أنه في وقت قصير يمكن أن يُثير شرورًا كبيرة، أي أن تأثيره المدمر يظهر سريعًا.
أردت أن أبيّن أيضًا مَن هو الذي يُهين، ومَن الذي يحتمل، وأن أظهر نفس كل واحد عارية. سترى حينئذٍ، أن هناك نفسًا تشبه عرض البحر الذي يضطرب بالأمواج، والأخرى تشبه ميناء هادئًا خاليًا من اضطرابات البحر. إذ أن تلك النفس لا تضطرب من الشياطين، بل بالحري تغلبها بسهولة. لأن الذين يهينون يصنعون كل شيء حتى وكأنهم ينهشون غيرهم. وعندما يفقدون رغبتهم ينسحبون، ويتراجعون بتعقل. لأنه من غير الممكن للإنسان الذي يغضب، أن لا يدين نفسه، مثلما أنه من غير الممكن لإنسان لا يغضب أن يدين نفسه. لأنه حتى وإن كان يتحتم عليك أن تهاجم، فيمكنك أن تفعل ذلك بدون غضب، بل بهدوء وتعقل، ودون أن تُصاب بأي شيء كريه. لأنه إن أردنا (أن نفعل هذا)، فستأتي الخيرات بنعمة الله، وسنُصبح مكتفين في أماننا وكرامتنا.
لنسلك باستقامة ضمير:
لماذا إذًا تطلب المجد من آخر؟ عليك فقط أن تسلك بكرامة، ولن يستطيع أحد أن يهينك. لكن إن أهنت نفسك، فلن تُكرّم، حتى وإن كان الجميع بعد يكرمونك، لأنه كما أننا حين لا نرغب أن نضع على أنفسنا شرورًا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يُصيبنا بشر؛ هكذا حين لا نهين أنفسنا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يهيننا. فلنفترض أن هناك رجل له مكانته ووقاره، وأن الجميع يدعونه زانيًا، وسارقًا، ونابشًا للقبور، وقاتلاً، ولصًا، لكنه لا يغضب ولا يغتاظ، ولا يصدق أي شيء من ذلك عن نفسه. فأي إهانة ستلحقه من جرّاء هذا؟ لا شيء، وبناء على ذلك فهل ستتأثر مكانته إذا كان هذا هو رأي الكثيرين عنه؟ لن تنقص مكانته في شيء بهذا الرأي، بل بالعكس هؤلاء سيخجلون من أنفسهم، لأنهم يظنون أنه هكذا، بينما هو ليس كذلك. أخبرني، لو أن شخصًا يعتقد أن الشمس مظلمة، هل هو يدين معارفه أم يدين نفسه؟ من الواضح جدًا أنه يدين نفسه، لأنه يعطي إنطباعًا عن نفسه أنه أعمى أو مجنون. هكذا أولئك الذين يعتقدون أن الأشرار صالحون، هم أنفسهم يشمئزون من أنفسهم.
من أجل هذا يجب أن نحاول أكثر أن ننقي ضميرنا، وألا نعطي أي دافع (للإدانة)، ولا مجرد شكوك خبيثة. فلو أن البعض يريدون أن يكونوا مجانيين، عندما نسلك نحن هكذا (أي بإستقامة ضمير )، فيجب ألا نعطى لهم أهمية، وأن لا نتضايق.لأن ذاك الذي خرجت عنه سمعة سيئة، بينما هو صالح، لن يُعاق مطلقًا عن أن يكون هو مَن هو (أي صالحًا). وذاك الذي صار موضع شك ظلمًا وبطلانًا، لن يتعرض لأي ضرر. هكذا تمامًا هو الشرير، فهو موضع شك (عن حق)، برغم ما يظهره من صلاح مزيف، فهو لن يربح شيئًا من وراء هذا، بل بالعكس سيُحّمل بخطية كبيرة، وسيوؤل به الأمر إلى وضع أسوء.
لأن ذاك الذي هو شرير، يمكن أن يتّضع ويعترف بخطاياه ولكن عندما يخرج عن طريقة الصحيح، فإنه يسقط في القسوة والعنف. وإن كان الخطاة الذين يدينهم الجميع، بمجرد أن يتأثروا ويرجعوا عن خطاياهم، فهم ليس فقط لن يكونوا موضع إدانة، بل إن البعض يمتدحونهم أيضًا، فمتى يفهم ذلك هؤلاء الذين يعيشون في الخطية؟ ألم نسمع أن بولس أدان الخطية، وأن أهل كورنثوس ليس فقط لم يدعوا الذي زنى مع أمرأة أبيه أن يشعر يخطيته، بأن إستحسنوه وكرموه، بل إنهم بهذه الطريقة دفعوه نحو الخطية[10]؟
من أجل هذا أترجاكم، بعدما نترك شكوك الكثيرين والإهانات، ومظاهر التكريم، فلنسعَ نحو أمر واحد فقط، ألا نملأ ضميرنا بأي شيء خبيث أو شرير مرة أخرى، وألا نهين نحن أنفسنا. لأنه هكذا سواء هنا أو في الدهر الآتي سنتمتع بمجد كثير، والذي نرجو نواله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الأبدين آمين.
هذا هو الجزء الذي كان المسيح قد أشار إليه عندما طلب منه اليهود من قبل أن يصنع آية. فقال لهم: ” جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي” (مت39:12). وكان يعني بهذا الكلام، الصلب، والموت، والدفن في القبر، والقيامة.
ولكي يوضح قوة الصليب قال: ” متى رفعتم إبن الإنسان فحينئذٍ تفهمون إني أنا هو” (يو28:8). ما يقصده، هو الآتي: عندما تصلبونني وتعتقدون أنكم سببتم لي آذىً أو ضررًا، حينها بالضبط ستعرفون قوتي. لأنه بعد الصلب حُطِمَّتْ المدينة، أُبطلتْ العادات والتقاليد اليهودية، فقد اليهود حياتهم وحريتهم، إنتشرت البشارة، وإمتدت كلمة الصليب إلى أقاصي المسكونة. لقد كرز (الرسل) على الدوام بقوة المصلوب، في اليابسة، وفي البحر، في المناطق الآهلة بالسكان، والمناطق غير المأهولة بالسكان.
هذه الأمور إذًا هي ما كان يقصدها، والتي حدثت لحظة الصلب. لأن العجائب التي حدثت أثناء صلبه قد أثارت الدهشة والتعجب أكثر مما حدث أثناء دفنه على أن ما جعل كل ذلك أمرًا يثير الدهشة والتعجب هو أن هذه الأمور قد حدثت من السماء. وما طلبه الرسل، قد تحقق لهم، الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق في الماضي في أي مكان، إلا في مصر فقط، عندما كانوا سيقيمون الفصح. وهذا لأن تلك الأمور التي حدثت قديمًا كانت نموذجًا لهذه الأمور. ولاحظ متى حدثت. حدثت في منتصف النهار حينما كان في كل المسكونة نهار، لكي يعلم بها كل الساكنين على الأرض، الأمر الذي كان كافيًا، لكي يحولهم (أي اليهود إلى الإيمان)، ليس فقط لعظم المعجزة، بل لأنها حدثت في اللحظة المناسبة.
لقد حدثت بعد كل أعمال السكر والتهكم غير اللائق، عندما هدأ الغضب وتوقفوا عن السخرية، وشبعوا من الازدراء، وقالوا كل ما أرادوا أن يقولوه. عندئذٍ ساد الظلام منتصف النهار ويا ليتهم كانوا قد انتفعوا من هذه المعجزة بعدما هدأ غضبهم. هذا بحد ذاته كان أمرًا يستحق الدهشة بالأكثر، أن يصنع هذا وهو على الصليب. فلو كانوا قد آمنوا بأن هذه المعجزات قد صنعها المسيح، لكان ينبغي عليهم أن يؤمنوا وأن يخافوا، أما إن كانوا لم يصدقوا أن المسيح صنعها، بل صنعها الآب، فكان عليهم أيضًا أن يتأثروا بعمق، لأن ذلك الظلام كان تعبيرًا عن غضبه على كل ما تجرّأوا على عمله.
وهذا الظلام لم يكن حجبًا للشمس أو اختفاء لها، بل غضبًا وسخطًا وهذا يتضح من المدة التي ساد فيها الظلام كل المسكونة، لأنه ظل ثلاثة ساعات، بينما الإحتجاب يحدث في فترة زمنية قصيرة، ويعرفه الذين سبق أن نظروه، لأنه حدث في جيلنا. ويتساءل المرء كيف لم يندهش الجميع (أمام هذه المعجزة)، وكيف لم يؤمنوا بأنه هو الله؟[11] لأن جنس البشر كانوا مُصابين آنذاك بأمراض وشرور كثيرة. وبعدما حدثت هذه المعجزة، فإنها عبرت على الفور، ولم يهتم أحد أن يفحص أو يبحث عن السبب، لأن الشك كان كبيرًا والإعتقاد الباطل مع عدم التقوى، كان سائدًا وهو الأمر الذي جرت عليه العادة. وهكذا لم يعرفوا سبب الظاهرة، وربما اعتقدوا أن هذا الظلام الذي ساد، حدث كإحتجاب للشمس، أو لِسبب طبيعي آخر (مرتبط بالطبيعة الكونية).
الابن يكرّم الآب:
ولماذا تشك، فيما يتعلق بالأمم الذين لم يعرفوا شيئًا، ولا سعوا أن يتعلموا بسبب لا مبالاتهم الشديدة، بينما أولئك الذين عاشوا في اليهودية، وبعد كل هذه المعجزات (التي صنعها المسيح)، لا زالوا يهينوه، على الرغم من أنه قد أظهر لهم بكل وضوح، أنه هو الذي صنع هذه المعجزة؟ ولهذا يتكلم بعد ذلك، لكي يعرفوا أنه لا يزال حيًا، وأنه هو الذي صنع المعجزة، حتى يجعلهم هكذا أكثر رأفة. يقول “إلهي إلهي لماذا شبقتني”، لكي ينظروا أنه كان يكرم الآب حتى النفس الأخير، وإنه لم يكن ضد إرادة الآب. ولهذا صرخ هذه الصرخة النبوية، مؤكدًا حتى اللحظة الأخيرة على ما جاء بالعهد القديم. ولم تكن صرخة نبوية فحسب، بل وصرخة عبرانية أيضًا، لكي يظهر لهم (ما حدث) بكل وضوح. وبشكل عام فقد أظهر، من خلال كل ما حدث، مدى طاعته واتفاق إرادته مع إرادة أبيه.
لكن انظر إلى فسقهم وفجورهم. يقول الكتاب لقد ظنوا أنه يُنادي إيليا، وعلى الفور سقوه خلاً. بينما جاء آخر وطعن جنبه بالحربة. هل يوجد سلوك لا معقول وأكثر وحشية مما لأولئك الذين وصل بهم الهوس إلى هذا الحد، أن يهينوا جسدًا قد فارق الحياة؟ أرجوك إذًا أن تلاحظ الأسلوب الذي نفذ به هؤلاء إجرامهم، من أجل تتميم خلاصنا. لأنه بعد هذا الجرح، تفجرت من هناك ( من الصليب) ينابيع خلاصنا.
” فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح” (مت50:27). هذا هو ما قاله: ” لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو18:10). وأيضًا “وأضعها أنا من ذاتي”. ومن أجل هذا صرخ، لكي يظهر أن الموت حدث بسلطانه الذاتي، وق. مرقس يقول إن بيلاطس تعجب كيف مات هكذا سريعًا، وإن قائد المئة من أجل هذا تحديدًا، قد آمن، لأنه مات بسلطانه ” ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (مر39:1).
أسلم الروح فأقام الموتى:
هذه الصرخة شقت حجاب الهيكل، وفتحت القبور، وجعلت الهيكل خرابًا. وقد صنع ذلك، لا لكي يظهر عدم تقدير للهيكل، لأنه كيف يصنع هذا، وهو الذي قال: ” لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” (يو6:2). بل لكي يُظهر أن هؤلاء اليهود غير مستحقين بعد، أن يقيموا هناك، تمامًا كما حدث من قبل عندما سلم الهيكل للبابليين. لكن هذه الأمور لم تحدث لأجل هذا السبب فقط، أي أنها صارت تحقيقًا لنبوة مستقبلية عن خراب الهيكل وبطلانه أمام ما هو أعلى وأسمى.
بالإضافة إلى هذه الأمور، فإنه أظهر ذاته كإله، وذلك بقيامته من الأموات ومن خلال الظلمة التي سادت في وضح النهار واضطراب عناصر الطبيعة. كما حدث في عصر إليشع، عندما ” مس ميت عظام إليشع عاش وقام على رجليه” (2ملو21:13).
هكذا أقامت صرخة المسيح هؤلاء (الموتى)، بينما كان جسده فوق الصليب. من ناحية أخرى فإن ما حدث في الماضي كان مثالاً، لما سيحدث في المسيح. لأن ما حدث في حادثة إليشع كان لأجل أن يؤمن اليهود بالمسيح. إن الموتى لم يقوموا فحسب، بل الصخور تشققت، والأرض تزلزلت، لكي يدركوا أن المسيح استطاع أن يستأصلهم ويقطعهم، لأن ذاك الذي شقق الصخور، وأظلم المسكونة، سيمكنه بالأحرى جدًا أن يصنع هذه الأمور في هؤلاء، إن أراد ذلك. لكنه لم يرد، بل بعدما أظهر غضبه في عناصر الطبيعة، أراد أن يخلّصهم، بسبب رأفاته ومحبته.
قوة المصلوب:
لكنهم لم يقللوا من هوسهم. لأن الحسد والغيرة لا يتراجعان بسهولة. بل سلكوا بطريقة مُثيرة للاشمئزاز وسفيهة تجاه نفس الظواهر. فبعد أن قام المسيح، بينما كان القبر مختومًا وعليه حراسة من الجنود، أعطى رؤساء الكهنة فضة للحراس لكي يفسدوهم ويُكذّبون بشارة القيامة.
إذًا لا تشك إن كانوا وقتها قد أظهروا جحودًا، ما داموا قد تخلوا عن كل معاني اللياقة والحياة تجاه كل شيء. لاحظ فقط مقدار المعجزات الكبيرة التي صنعها، بعضها من السماء، وبعضها على الأرض، والبعض الآخر داخل الهيكل، وهي تظهر غضبه، ومن ناحية أخرى صارت الطرق الغير مسلوكة، مسلوكة، وهكذا ستُفتح السماء، وكل الأمور ستؤول إلى قدس الأقداس الحقيقي. وهؤلاء قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب” (مت42:27). وبينما أظهر المسيح أنه ملك كل المسكونة، خاطبه هؤلاء قائلين: ” يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك” (مت39:27)، بينما أعلن المسيح أن الهيكل سيخرب تمامًا. أيضًا هؤلاء (أي رؤساء الكهنة) قالوا ” خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها” (مت43:27)، بينما وهو باق فوق الصليب، أعطي بركة عظيمة لأجساد الموتى. لأنه إذا كانت إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام في القبر، تعتبر معجزة فائقة، فإن الأكثر أهمية من ذلك بكثير، هو أن يظهر الأموات الذين ماتوا من سنوات طويلة، مع بعضهم البعض الأمر الذي كان دليلاً على القيامة الآتية. لأن الكتاب يقول: ” والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.. ودخلوا المدينة المقدسة” (مت52:27ـ53). ولكي لا يُعتقد أن هذا الحدث خيالي، ظهروا أمام كثيرين في المدينة.
بل إن قائد المئة مجّد الله وقتها، قائلاً: ” بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا. وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان رجعوا وهم يقرعون صدورهم“[12]. هكذا كانت عظيمة هي قوة المصلوب، حتى أنه بعد كل هذا التهكم والسخرية، والإستهزاء، فإن قائد المئة والجموع تأثروا بعمق. والبعض قالوا أن قائد المئة هذا قد إستُشهد، بعد أن قَبِل الإيمان، بعد كل ما رآه.
” وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم أبني زبدي” (مت55:27ـ56). بينما كانت هذا الأحداث تُجرى، فقد تتبعتها هؤلاء النسوة، واللاتي نُحن كثيرًا. ولاحظ كم كان صبرهن وإصرارهن كبيرًا. تبعنه حتى الصليب، واعتنين به، وكن حاضرات وتعرّضن للأخطار. ومن أجل هذا فقد رأين كل شيء، رأين كيف صرخ بصوت عظيم، وكيف أسلم الروح، وكيف تشققت الصخور، ورأين كل الأمور الأخرى. وهؤلاء أولاً رأين يسوع، وهذا الجنس (أي جنس النساء) الذي إتهم بإتهامات كثيرة، هذا الجنس يتمتع أولاً، بامتياز أن يرى الأمور المفرحة. هذا الجنس برهن بالأكثر على مدى الشجاعة. فبينما هرب التلاميذ، بقيت النساء. مَن هن هؤلاء؟ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب، والنساء الأخريات.
والإنجيلي الآخر (أي لوقا) يقول: ” والنساء اللواتي كن يلطمن وينحن عليه، هؤلاء تبعنه حتى الصليب”. ما يُظهر قسوة اليهود، هو أن الأمور التي من أجلها ينوح البعض، تجعل هؤلاء يسعدون ولم تتحرك مشاعرهم ويشفقون عليه، ولم يرتعدوا بالخوف (من الله). لأن كل ما حدث كان عّينه لغضب شديد. وليس فقط عّينه للغضب، بل علامة للسخط، وهكذا كان أيضًا الظلام، وتشقق الصخور، وإنشقاق حجاب الهيكل إلى اثنين، وزلزلة الأرض، كل هذا يظهر غضب الله الشديد.
القبر الجديد:
“ جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف..وطلب جسد يسوع” (متى57:27ـ58). هذا هو يوسف الذي إختبأ من قبل. أما الآن فبعد موت يسوع، أظهر جرأة كبيرة. لأنه كان شخصًا له مكانته المرموقة، وليس في عداد المهمشين، بل كان واحد من أعضاء المجمع ومن المعروفين جدًا. وقد تجلّت شجاعته، لأنه حكم على نفسه بالموت عندما أعلن إشمئزازه من الجميع، من خلال محبته ليسوع، وتجرأ أن يطلب جسده، وظل هناك حتى حقق ما أراد. وقد أظهر محبة وشجاعة، ليس فقط بأنه أخذ جسد المسيح ودفنه بكرامة وإجلال، بل بأن دفنه في قبره الجديد الخاص به. وهذا لم يحدث هكذا مصادفةً، بل لكي لا يكون هناك أدنى شك، في أن الذي قام كان هو المسيح ولم يكن شخصًا آخر.
النساء يظهرن شجاعة نادرة:
” وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر” (مت61:27). لماذا جلستا تجاه القبر؟ أنهما لم تعلما بعد أي شيء عظيم وسامي، كما ينبغي عن يسوع. ومن أجل هذا أحضرتا أطيابًا وانتظرتا بصبر أمام القبر، وبعد هدأ هوس اليهود؛ بدأتا تتحركان وتدهنان الجسد بالأطياب.
أرأيت مدى شجاعة النساء؟ أرأيت مقدار المحبة؟ أرأيت عظمة النفس ، والتي تصل إلى حد قبول التعرض لخطر الموت؟ فلنتمثل نحن الرجال بالنساء، وألا نهجر يسوع في تجاربه. لأن هؤلاء النسوة، عندما مات يسوع، أنفقن الكثير وعرّضن حياتهن للخطر، بينما نحن ولا حتى حين يجوع نُطعمه، ولا نكسوه حين يكون عريانًا، بل على العكس حين نراه وهو يمد يده، نعبر عنه. أنا متأكد إن رأيتم الرب نفسه موجودًا، فإن كل واحد منكم سيُعطي كل ما يمتلكه. بل والآن، هو نفسه موجود (في الفقير والعريان). فضلاً عن ذلك فقد قال “أنا هو”.
إذًا لماذا لا تقدم كل شيء؟ ومن أجل هذا، الآن تسمعه بقول: “فبي قد فعلتم”، وليس هناك فرق أبدًا أن تعطي ليسوع، أو تعطي للفقير. إن مكافأتك لن تكون أقل من هؤلاء النسوة اللاتي أطعمن يسوع في ذلك الحين، بل العكس ستكون أعظم. لكن حين تصنعون هذا فلا يجب أن تُحدِثون صخبًا. لأنه ليس هو نفس الأمر أن تطعموا يسوع عندما يظهر بسلطانه، الأمر الذي يؤثر حتى في النفوس المتحجرة، وأن تطعموا الفقير، والعاجز، والأحدب، من خلال تنفيذ وصية المسيح فقط. بينما هنا (في هذه الحياة) عمل الإحسان هو خاص بك، وما يُعد برهانًا كبيرًا على إكرامك للمسيح هو أن تريح شريكك في العبودية، من خلال وصية المسيح، وتعتني به في كل لحظة.
البر بالمحتاجين يفتح أبواب الملكوت:
إذًا أرح المحتاجين، مؤمنًا بذاك الذي يأخذ ( إحسانك)، إذ يقول ” فبي قد فعلتم”. لأنه إن لم تعطِ لذاك، فلن تكون مستحقًا للملكوت. إن لم تتحول عن ذاك (المسيح)، فلن يرسلك إلى جهنم حيث النار المتقدة. لكن ذاك الذي أُحتقر، من أجل هذه الخطية هو ممجد الآن. هذا هو مَن إضطهده بولس، عندما إضطهد أتباعه. ولهذا قال له ” لماذا تضطهدني”[13]. لنسلك إذًا بهذه الطريقة، حتى أنه عندما نعطي شيئًا للمحتاج، فإننا نكون قد أعطينا للمسيح. لأن كلامه جدير بالتصديق أكثر من رؤيته.
إذًا عندما ترى في طريقك فقير، تذكّر الكلمات التي تؤكد أن هذا الفقير الذي تطعمه هو يسوع. لأنه على الرغم من أن الذي تراه أمامك (أي الفقير) ليس هو المسيح، إلا أنه بظهوره يكون المسيح هو الذي يأخذ ما تقدمه وهو الذي يمد يده. لكن هل تخجل حين تسمع أن المسيح هو الذي يمد يده؟ يجب أن تخجل بالأكثر، حين تراه وهو يمد يده، ولا تعطيه شيئًا. لأن هذا هو الخجل، هذا هو العقاب والجحيم. لأنه من جهة أن يمد يده، فهذا مرتبط بنقائه ، ومن أجل هذا يجب علينا نحن أن نفتخر، بما يقوم به. إن امتناعك عن العطاء يظهر قسوتك أنت. فإن كنت لا تؤمن أنك بإهانتك للفقير، تهين المسيح، فإنك ستؤمن حينئذٍ، عندما تُقاد إلى المحاكمة يوم الدينونة، ويقول لك: “فبما أنكم فعلتم بهؤلاء الأصاغر فبي قد فعلتم”. ولكن ليتنا لا نحتاج نحن بهذه الطريقة أن نتعلم (طريقة التهديد بالعقاب)، بل بعدما نؤمن الآن، نجني الثمار، ونسمع ذلك الصوت الطوباوي، الذي سيدخلنا إلى الملكوت.
لكن ربما يقول أحد، إنك تُكلّمنا كل يوم عن عمل الرحمة والإحسان ومحبة الناس، وأنا من جانبي لن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، لأنه إن نجحتم في تحقيقه، يجب أيضًا أن لا أتوقف عن الحديث فيه، حتى لا أجعلكم كسالي أو متوانين، لكن ما عدا ذلك، لو حققتم وأنجزتم هذا العمل (عمل الرحمة)، يمكنني أن أرتبط بكم أو إتحد بكم. ولكن إن لم تصلوا حتى ولو إلى المنتصف، فلا تدعوني للتوقف عن الحديث عن عمل الرحمة. لأنك عندما تتهمني، فإنك تفعل ما يفعله الطفل الذي يسمع باستمرار حرف الألف (A) ولا يتعلمه، فيتهم المعلم بأنه يكرر نفس الحرف باستمرار، مذكرًا به. لأنه مَن هو الذي صار بواسطة هذا الكلام، أكثر رحمة (تجاه المحتاجين)؟ هل ألقى أموالاً (في الصندوق)؟ ومَن الذي وهب نصف ثروته (للفقراء)؟ لا أحد. كيف إذًا لا يكون أمرًا غير مقبول، بينما أنتم لم تتعلموا (كيف تعطون)، توصوننا أن نتوقف عن التعليم بهذا الأمر؟ كان يجب عليكم أن تفعلوا عكس ذلك. فإذا أردت أن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، عليكم أن تقولوا لي، إننا لم نتعلم بعد كيف نعطي، لماذا تتوقف عن أن تُذكّرنا؟
فإن حدث وكان أحد يُعاني من ألم في عينه، وكنت أنا طبيب، وبعدما اعتنيت بالعين ودهنتها (بالمراهم)، وصنعت لها كل ما يجب من عناية، دون أن تحدث فائدة كبيرة، ألا يأتي ذلك المريض إلى باب عيادتي ، ويصرخ وينسب لي الخمول والتقصير الكبير، لأنني تركته، وهو لا يزال يعاني من المرض؟ وإن أجبت في مواجهة هذه الإتهامات، بأنني إعتنيت بها ودهنتها بالمراهم، فهل سيقتنع بهذه الإجابة؟ بالطبع لا، بل سيُجيب، وما المنفعة، ما دمت لا أزال أتألم؟ هذا ما ينبغي أن تفكر فيه عندما يتعلق الأمر بالنفس. ماذا سيحدث، إن سكبت مرات عديدة ماء على يد يابسة وبها وخزات، دون أن أتمكن أن أجعلها مرنة؟ ألا أسمع نفس الكلام؟
والآن اليد اليابسة والتي بها وخزات، إن لم تعالج وإن لم تعد صحيحة تمامًا، فلن أتوقف عن الكلام. أتمنى منكم أنتم أيضًا، ألا تتكلموا إلا عن هذا الموضوع (عمل الرحمة)، سواء في البيت، أو في السوق، أو على المائدة، وسواء كان ذلك في المساء، أو في أحلامكم. لأنه إن إعتنينا بهذا الموضوع باستمرار، بالنهار وفي أحلامنا، فإننا سننشغل به على الدوام. هل تقول إنني أتكلم باستمرار عن عمل الرحمة؟ وأنا أريد ألا أضطر كثيرًا أن أنصحكم بالاهتمام والعناية بالفقراء، وأن أتكلم عن مواجهة أو مقاومة اليهود والوثنيين والهراطقة، لكن كيف يمكن للمرء أن يُسلّح أُناسًا، ليسوا أصحاء؟ كيف يمكن للمرء أن يأمر أُناسًا بالدخول إلى المعركة، وهم لا يزالون مجروحين، وجراحاتهم لا تزال ساخنة؟ بينما لو كنت قد رأيتكم أصحاء تمامًا، لكنت قد دفعتكم لتلك المواجهة، وسترون آلافًا يسقطون صرعى، وآلافًا منكسي الرؤوس.
لقد تحدث معكم في كتب كثيرة لكم عن هؤلاء. لكن ولا هكذا نستطيع أن نحتفل إحتفالاً تام بالنصر، بسبب نقيصة الكثيرين. لأنه لو إنتصرنا عليهم آلاف المرات، في إثبات صحة العقائد، فسيتهموننا بالعنف الذي يمكن أن يمارسه الكثيرون مما يؤمنون بعقائدنا، وسيقولون إننا مصابون بالأمراض النفسية. كيف إذًا نتجرأ أن ندفعكم إلى المواجهة، في اللحظة التي فيها تؤثّرون فينا معنويًا، وأنتم موضع سخرية من الخصوم؟ لأن أيدي البعض قد تتألم، وتعاني من الوخزات، حين تنوي أن تعطي. كيف إذًا يستطيع هذا الذي يتألم، أن يمسك درعًا ويحارب به، وألا يُصاب من قسوة السخرية؟ وقد تفسد أرجل البعض الآخر، ونعني بهم أولئك الذين يرتادون المسارح الهزلية، ومواضع التسلية لدى الساقطات. كيف لهؤلاء أن يقفوا في المعركة، وألا يُصابوا من آثام الفسق والفجور؟ البعض الأخر يعاني في رؤيته وهو عاجز، ولا يرى بشكل صحيح، لكنه مملوء فسقًا، ويعثر النساء المتعقلات. كيف له إذًا أن يقاوم الأعداء، ويحرك الرمح، ويرمي السهم، ما دام يُواجه بالإستهزاء من كل ناحية؟ من الممكن أن يرى المرء كثيرين من هؤلاء الذين يشبهون مرضى الاستسقاء وهم يعانون على الأقل من آلام البطن، عندما تسود عليهم الشراهة، والسكر. إذًا كيف لي أن أدفع بهؤلاء إلى الحرب، بينما هم سكارى؟
البعض الآخر لهم فم فاسد، هؤلاء هم سريعو الغضب، وشتامون ومجدّفون. إذًا كيف لذاك أن يصمت في المعركة، وأن يحقق شيئًا هامًا، طالما أنه ثمل بنوع أخر من السُكر، ومثار سخرية لدى الأعداء؟ من أجل هذا آتى كل يوم إلى هذا المعسكر (الكنيسة)، وأداوي هذه الجروح، وأعالج القروح. وعندما تعودون إلى رشدكم، وتصيرون قادرين على الانتصار على آخرين، حينئذً سأعلّمكم هذه الخطط أو هذه الفنون، وسأدربكم على كيفية استخدام هذه الأسلحة. وربما تكون (أعمال الرحمة) هي أسلحتكم، وعندئذٍ سيخضع الجميع، على الفور لو كنتم تصنعون إحسانًا، وتتراءفون، وإذا صرتم ودعاء، ومتسامحين، وأظهرتم كل الفضائل الأخرى. لكن إن كان لدى البعض اعتراض، حينئذً يجب أن نضيف ما يختص بنا، عارضين الأمور التي تختص بكم، طالما أنكم تعطلونني، على الأقل الآن، عن السير في هذا الطريق.
ولكن انتبه: يُقال أن المسيح صنع أعمالاً عظيمة، منها أن يجعل البشر كالملائكة. وعندما يطلبون منا مبادئ محددة، وأتحفز لأقدم من بين هذه الجموع دليلاً يثبت ما أقول فإنني أصمت. وأخاف أن أقدم بدلاً من ملائكة، خنازير، وخيولاً. أعرف أنكم متضايقون، لكن هذا الكلام لا يخص جميعكم، بل يخص المسئولين، وقد لا يكون هؤلاء هم المقصودين، إذا عادوا إلى رشدهم. لأن كل شيء قد فُقد الآن، والكنيسة فسدت، ولا تختلف في شيء عن إسطبل (بهائم)، أو زريبة حمير وجمال. وأجول أطلب خرافًا ولا أجد. فالجميع يرفسون مثل بعض الخيول والحمير المتوحشة، ويملأون المكان هنا بنجاسات كثيرة. وأعني بها حواراتهم المتبادلة فيما بينهم.
وإذا تمكنت من سماع كل ما يُقال في كل اجتماع، من الرجال ومن النساء، سترى أن كلامهم هو أكثر قذارة من روث البهائم. من أجل هذا أترجاكم أن تغيروا من هذه العادة الرديئة، لكي تستنشق الكنيسة طيبًا. فأنا الآن أنثر في الكنيسة بخور الأحاسيس الروحية المتميزة.
إذًا ما هي المنفعة (من وراء هذا)؟ لأنهم على قدر ما يُسيئون للكنيسة بهذه الأحاديث، فيحملون داخلها قذارة، بقدر ما نشمئز عندما يتحدثون بيننا عن الربح، وعن المشروعات التجارية، والتجارة الصغيرة، وعن أمور لا تعنينا مطلقًا. أريد أن يكون المكان هنا مكانًا، للملائكة، وأجعل الكنيسة سماء، ولا يجب أن نعرف شيئًا آخر سوى الصلوات، والهدوء التام. هذا يمكن أن نطبقه الآن حتى ننقي حياتنا، وننال الخيرات التي وُعدنا بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي له المجد إلى الأبد آمين.
1 العناوين الجانبية من وضع المُترجم.
2 مت25:27.
3 يو30:19.
4 مز21:69.
5 مت40:27.
6 مت42:27.
7 مت43:27.
8 حين قال ” أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو42:23).
9 لو40:23.
10 1 كو1:5ـ2.
11 هكذا يتساءل القديس أثناسيوس قائلاً “فأي إنسان أظلّمت الشمس وتزلزلت الأرض عند موته؟ فأي من البشر الذين يموتون كل يوم منذ القديم وإلى الآن، حدثت عند موته عجيبة كهذه؟” “تجسد الكلمة”، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. جوزيف موريس، الفصل التاسع والأربعون، ص146.
12 لو 47:23ـ48.
13 أع4:9.
الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب
قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب
إن الفقراء الذين يحرصون على حضور الاحتفالات، يكرّمون هذه المناسبات بنفس مستعدة وباعتزاز كبير، حتى ولو لم يكن لديهم الإمكانيات لهذا الاحتفال المنشود، فإنهم يطلبون أفضل ما عند الأقارب والمعارف من أشياء تجعلهم يظهرون بأفضل صورة وأبهى منظر، من أجل المشاركة في مثل هذه المناسبات[1]. وكما أعتقد فإن هذا يحدث لى اليوم، فليس لدىّ أى شئ ثمين يمكن تقديمه في أمجاد هذا اليوم، لكنى سألجأ إلى نص التسبيح المقدس، الذي رتلناه منذ قليل.
من هناك سآخذ الدافع وسأسدد دينى من خلال هذا الترابط الذي يجمع بين كلماتى والكلمات الكتابية، على الرغم من أن العبد الفقير كان قد رتب بعض الأوقات، لكى يقدم كلمات الإمتنان والشكر للرب. هكذا قال داود وقلنا نحن معه ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب “[2]. فهو يدعو للتسبيح كل أحفاد آدم ، وهو لا يترك أحد خارج هذه الدعوة، سواء في الغرب أو في الشرق، من هذا المكان أو من ذاك، في الشمال أو الجنوب، فهو يُنهض الجميع معًا للتسبيح.
وفي مواضع أخرى يتوجه لمجموعات من البشر، داعيًا إياهم أبرارًا، حاثًا الأطفال على التسبيح[3]. لكن الآن هو يجمع كل الأمم والشعوب من خلال هذا المزمور ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب “. أى عندما ” تزول هيئة هذا العالم “[4] كما يقول الرسول بولس.
ويظهر المسيح كملك وإله، مسكتًا أيضًا كل فم، وواضعًا لجامًا على كل كلمة مجدفة، وعندما يتوقف عبث اليونانيين وخداع اليهود، وهذيان الهراطقة المنفلت، حينئذٍ فإن كل الأمم وكل الشعوب في كل العصور سيقدمون طوعًا، سجودًا بلا اضطرار، وسيمجد الأبرار والجاحدون اسم الله القدوس بحرارة. حينئذٍ سيُرتل الجميع تسبحة النصرة، المنهزمون والمنتصرون. حينئذٍ سيرى الجميع المسئول عن القلاقل (أى الشيطان) الذي حلم بعرش الرب، والملائكة تجره للعقاب المحتوم، هو وأعوانه وخدامه الأشرار، وسيُقَدمونهم للدينونة العادلة.
وسيُستعلن الملك والديان الواحد، الرب الذي يعترف له الجميع، وسيسود العالم الهدوء، عندما يجلس الديان على عرشه، والمبشر يلتزم الصمت، والشعوب بأعين وآذان مفتوحة تنتظر سماع صوت الخليقة.
ولهذا نقول مع المرنم ” سبحوا الرب يا كل الأمم، مجدوه يا كل الشعوب ” سبحوه كقادر، مجدوه كمحب البشر، لأنه حينما سقطنا ومتنا، أعطانا حياة وجعل إناءنا الضعيف جديدًا وشابًا، وغيّر الرفات الكريهة داخل القبر إلى حياة خالدة بسبب محبته غير المحدودة للبشر، والنفس التي تركت الجسد منذ آلاف السنين، كما لو كانت في رحلة بعيدة، أعادها إلى بيتها، دون أن يجد أى صعوبة في ذلك، على الرغم من عنصر الزمن وانفصال النفس عن الجسد منذ وقت بعيد، لكنه يصنع هذا، بطريقة أكثر سهولة من طيران طائر نحو عشه.
لنتحدث إذن عن الأمور الخاصة بهذا الإحتفال (القيامة)، لكى نحتفل بما يتناسب مع طبيعة هذا الإحتفال. لأن كل ما هو غير لائق وبلا هدف، هو بلا نظام كما أنه يتسم بالغرابة، بجانب أنه لا ينفع في شئ، ليس فقط من جهة العقيدة والإيمان، ولكن أيضًا فيما يختص بالأمور المتعلقة بالحكمة الخارجية العالمية.
لأنه أين هو الخطيب، الذي يحمل هذا القدر من الحماقة والمثير للهزل، الذي عندما يدعونه في احتفال زواج، يترك الحديث المناسب واللائق الملىء بفرح الاحتفال، ويبدأ في الرثاء بأغنيات حزينة وينوح داخل قاعة الفرح لأجل مصائب هذه الكارثة، أو العكس عندما يُعهد إليه أن يرثى إنسان توفى، فينسى الأسى ويبدو عليه الفرح وسط أناس مملوئين بالحزن؟ فإن كان النظام والمعرفة في الأمور العالمية هو أمر حسن، فبالطبع يكون الأمر أكثر ملاءمة في الأمور الأعظم والأسمى.
إذن فقد قام المسيح اليوم، وهو الحى إلى الأبد، هذا الذي لم يُجبر على الآلام، ولم يلزمه أحد أن ينزل عن سمائه، ولم تكن قيامته بمثابة إحسان عليه من آخر أو كأمر غير متوقع وغير مأمول، لكنه كان يعرف سير الأحداث كلها حتى النهاية. فهو بعينه الإلهية لديه المعرفة بكل الأمور التي ستحدث، فقد رأى قبل أن ينزل من السموات، اضطرابات الأمم، وقساوة إسرائيل، وبيلاطس وهو يجلس على عرشه، وقيافا وهو يمزق ثيابه، رأى الشعب وهو يثور بحدة، ويهوذا يخون، وبطرس يدافع عنه، ورأى إستعلان قيامته المجيدة قبل أن تحدث.
فقد كان يعرف مسبقًا كل المستقبل، ولم يؤجل إحساناته للإنسان، ولم يجعل التدبير بعيدًا، لكن مثلما يصنع أولئك الذين ينظرون شخصًا ضعيفًا تسحبه المياه المتدفقة إلى الأخوار أو الوديان الضيقة، فعلى الرغم من معرفتهم أنهم قد ينزلقون في الوحل الكثيف ويتعرضون للإصطدام بالحجارة التي تحركها المياه المندفعة، لكنهم لا يترددون عن الدخول في هذه الوديان الضيقة، لأجل محبتهم لذاك الذي تهدده الأخطار، هكذا مخلّصنا محب البشر لقد قَبِل السباب والشتائم، من أجل محبته لذاك الذي خُدع، وسار نحو الضياع.
أتى إلى العالم، لأنه تنبأ بصعوده الممجد قبل أن يموت كإنسان، وعرف مسبقًا بقيامته. لم يخاطر مثل إنسان عادى لا يُدرك ما يحمله له المستقبل من عواقب، لأنه يعرف كل التفاصيل الخفية لهذا المستقبل، ولهذا فقد دبر خطته بطريقة حاسمة ومعروفة.
” هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه “[5] لا بسكر وضحكات، لا برقص ومشروبات، لكن ” نبتهج ونفرح ” بأفكار إلهية. اليوم نستطيع أن نرى كل المسكونة كعائلة واحدة، تجمعت من أجل هدف واحد. فقد تجمعت تحت شعار واحد، وهو الرغبة في التسبيح والصلاة.
ولهذا فإن الطرق الكبيرة قد خلت من مسافريها، والبحر اليوم يفتقد المراكب والبحارة، الفلاح ترك الفأس والمحراث وتزين بملابسه الإحتفالية، البيع والتجارة توقفا، الأحزان تراجعت، مثلما يتراجع الشتاء عندما يظهر الربيع، الضوضاء والاضطرابات ومتاعب الحياة تراجعت أيضًا أمام سلام الاحتفال.
الفقير تزّين مثل الغنى، والغنى يظهر أكثر إشراقًا مما إعتاد عليه، الشيخ يركض كشاب، لكى يأخذ نصيبه من الفرح، المريض يتجاوز مرضه، الطفل يبدل ملابسه ويحتفل بأحاسيسه لأنه لا يستطيع بعد أن يحتفل ذهنيًا. ونفس العذراء تستضئ، لأنها ترى أن رجاءها المنتظر يشرق لقبول مثل هذه الكرامة.
المتزوجة تحتفل وتفرح مع كل ملء بيتها. لأن الجميع يفرحون اليوم، الزوج والأولاد والخدم وكل أهل البيت. ومثلما يحدث مع مجموعات النحل المولودة حديثًا والتي تطير لأول مرة خارجة من الخلية ومن ثقوبها نحو الهواء والنور، متحدين جميعًا الواحدة مع الأخرى مجتمعين بفروع الأشجار، هكذا نرى في هذا الاحتفال أن كل العائلات تجتمع معًا في المدينة الأم.
وبالصواب يُقال إن هذا اليوم هو حقًا انعكاس لليوم المنتظر. لأن في الحالتين يجتمع الناس، في اليوم المنتظر، الجميع بشكل عام يجتمعون، وفي هذا اليوم تجتمع مجموعات مختلفة. ولكى نقول الحقيقة الأكثر وضوحًا، من جهة التساؤل عن أيهما يثير بهجة وفرح أكثر، فإن هذا اليوم (المحتفل به) هو أكثر فرحًا من اليوم المنتظر. لأن في اليوم المنتظر بالضرورة سنشاهد أولئك الذين ينوحون، وأولئك الذين تُستعلن خطاياهم، بينما سعادة اليوم لا يعتريها أى كآبة.
البار يبتهج، والذي لا يحمل ضمير نقى، ينتظر تقويمه بالتوبة، ويختفى كل أسى في هذا اليوم، ولا أحد ينتابه أى حزن، بل يشعر بالراحة بسبب عظمة هذا الاحتفال. اليوم يُفك المربوط من قيوده، والمدين يُسدد عنه دينه، والعبد يُحرر بدعوة الصلاح ومحبة البشر التي للكنيسة، لا يُهان بصفعات على وجهه ولا بضربات، ويُسامح لأجل ضربات أعطاها، ولا يصنع استعراضًا أمام الشعب من فوق منصة عالية كبداية لتحرره، وهو مُهان ويشعر بالخجل، لكن كما هو معروف يُسامح بكرامة كبيرة، وذاك الذي مازال بعد في العبودية يُنعم عليه بالحرية. لأنه وإن كانت الخطايا كثيرة وثقيلة، تلك التي تتجاوز حدود الصفح والغفران، فإن السيد (الذي يملك العبد) يقدس قيم السلام ومحبة البشر التي يحملها هذا الاحتفال، ويعفو عن المنحرف والآثم، كما عفى فرعون عن رئيس السقاة، ورده إلى سقيه[6]. ولأننا نحتفل اليوم بالقيامة، والتي هى عربون قيامتنا العتيدة، فهو يدرك (أى السيد) أنه هو أيضًا في ذلك اليوم في احتياج لغفران وصلاح الرب. لذلك فإنه يُظهر هنا أحشاء رأفة، ويترجى المجازاة في يوم القيامة العتيدة. اسمعوا هذا أيها السادة، احفظوا إرشادى كأمر نافع، لا تتهموننى باطلاً من أجل دفاعى عن العبيد، كأننى أمتدح كذبًا هذا اليوم (أى يوم الاحتفال بعيد القيامة) اطردوا حزن النفوس المغتمة، كما محاه الرب من النفوس، غيروهم من أناس بلا كرامة، واجعلوهم مكرمين، ادخلوا الفرح لقلوب الحزانى وشجعوا الضعفاء ليصيروا أقوياء، وأخرجوهم من عزلتهم، كما يخرج الأموات من القبر، وليشرق بهاء هذا الاحتفال في الجميع، كما لو كان زهرة يانعة. فإن كانت السجون تُُفتح في احتفالات عيد ميلاد الملك أو الإحتفال بانتصار ما، ألا يُخلّص المسيح القائم، أولئك الحزانى؟ أيها الفقراء، احتضنوا مرضعتكم، وكل مَن يحمل جسد ضعيف ومهان، فإن هذه (الكنيسة) هى التي تشفى أوجاعكم. لأن رجاء القيامة يخلق فينا، شهوة الفضيلة وبغضة الخطية، لكن عندما تُنكر القيامة، سيكون هناك شئ واحد لدى الجميع ” فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت “[7].
في هذا اليوم، نجد الرسول بولس يستهين بهذه الحياة الحاضرة، ويترجى حياة الدهر الآتى. مُقللاً من شأن الأمور الظاهرة قائلاً ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس “[8]. وبسبب هذا اليوم، فإن الناس، هم ورثة الله وورثة مع المسيح. في هذا اليوم، الأجزاء الجسدية التي التهمتها الطيور الجارحة منذ آلاف السنين ستكتمل، وأيضًا التي التهمتها الحيتان وكلاب البحر والحيوانات البحرية عندما يقوم الإنسان، ستقوم معه أيضًا هذه الأجزاء. الأجساد التي أحرقتها النيران والتي أكلتها الحشرات داخل القبور، وبشكل عام كل الأجساد التي أبادها الفساد، ستقوم بلا فساد، وكما يُعلّم القديس بولس، فإن القيامة ستحدث في طرفة عين[9]. لكن أنت تفكر كإنسان، وبحسب قدرتك، تحسب كم يحتاج الأمر من السنين لكى يتحقق هذا؟ أولاً: لكى يمكن أن تتجمع العظام التي فسدت، لكى تتحد مرة أخرى، في صلة طبيعية وترابط منسجم بعد أن كانت متفرقة. ثانيًا: تفكر في تغطية العظام بالأجساد، والتشابكات المعقدة للأعصاب، والأوعية الدموية الدقيقة والشرايين الممتدة تحت الجلد، بعددها الذي لا يحصى والذي ينتشر في الخلايا الدفينة، ومن أين تعرف كل واحدة مكانها المحدد، كزى خاص بها، وتتحد مباشرةً مرة أخرى بهذا الجسد وتختاره بدون خطأ، وسط هذا العدد الضخم من الأجساد المتشابهة. تأّمل النفوس والأجساد منذ آدم، أعداد غير متناهية من الأجساد تحللت، ثم عودة أصحابها بعد أحقاب زمنية طويلة، كل هذا يتم بأسلوب عجيب. فلا هذا الجسد يتأخر عن أن يُسكن، ولا ساكنه يضل عنه، ويسهر على الباب طالبًا سكنه الخاص به. لكنها تتقدم نحوه مباشرةً، كما تتجه الحمامة إلى عشها، حتى ولو كان هناك أبراج كثيرة ومتتابعة في نفس المكان، ولها تصميم واحد. كيف تتشكل الذاكرة والتفكير التي للحياة السابقة وبهذا القدر من السرعة، بينما الجسد الحى قد تحلل منذ قرون طويلة، على الرغم من أنه عندما يستيقظ الإنسان من نوم ثقيل، ينسى للحظة مَن هو وأين يوجد، وينسى أموره المعتاد عليها، إلى أن يفيق من غفلته، وتنشط الذاكرة مرة أخرى وتصير أكثر حيوية. هذه الأمور، وأخرى مماثلة، تمر في أفكار الكثيرين، وتملأ الذهن بأشياء مثيرة، ومع ذلك لا يؤمنون بالمعجزة. لأن الذهن لا يجد حلاً لكل ما يحيّره، ولا يستطيع أن يُشبع فضوله من جهة الاكتشاف والفهم، فيُقاد إلى عدم الإيمان، ومخالفة الحقيقة بسبب ضعف أو مرض في طريقة التفكير ذاتها. ولأن موضوع الاحتفال محبب لدينا، فلنحاول قليلاً، طالما أتينا بموضوعنا إلى البداية المناسبة، أن نُعلّم هؤلاء الذين يرتابون بلا مبرر في أمورًا واضحة.
عندما أراد الله أن يخلق الإنسان، أوجده لا ككائن بلا قيمة، لكن ككائن مكرم أكثر من أى خليقة أخرى، وأعطاه سلطان على كل الخليقة التي تحت السماء. هذه هى إرادته، فقد خلقه حكيمًا، وشبيهًا بالله، وزينه بنعمة غنية. فهل يا ترى قد أحضره إلى الحياة، بهذا القصد، أى أن يولد، ويفسد ويختفى كليةً؟ هذا القصد لا وجود له، فإنه أمر شائن جدًا، أن ننسب هذا القصد لله. لأن الله بهذه الصورة، يعكس صورة أطفال يصنعون بيوتًا صغيرة بحماس كبير، وبسرعة يهدمون ما يصنعوه، دون أن ينتهى تفكيرهم إلى أية نتيجة مفيدة. لكن نحن قد تعلمنا العكس تمامًا، إن الله خلق الإنسان الأول (آدم) خالدًا، وعندما خالف وصيته، وعوقب بسبب خطيته، حُرِم من الخلود[10]. بعد ذلك فإن الله منبع كل صلاح ـ من فيض محبته للبشر ـ قد رفع الدين عن أولئك الذين أراد لهم التجديدحتى لا يسيروا نحو الفناء، وأعادهم إلى حالتهم الأولى. هذه الأمور كلها جديرة أن تُنسب بالحقيقة إلى الله. لأنه بجانب أنها تُظهر صلاحه فهى أيضًا تؤكد قدرته. فإن كان من غير المقبول أن يتعامل المرء بقسوة وبلا رحمة مع تلاميذه ومع مَن يرعاهم، ويوصف هذا السلوك بأنه سلوك غير سوى، فبالأولى كثيرًا جدًا لا يمكننا أن ننسب هذا السلوك لله الذي هو منبع المحبة والرحمة والرأفة وكل صلاح. فالراعى على سبيل المثال يريد قطيعه صحيحًا معافًا تدب فيه الحياة، ويطمح في زيادة أبقاره وأغنامه برعايتها بطرق متنوعة، وبشكل عام فإن كل مَن يرعى قطعان يتمنى أن تُحفظ سالمة وأن تتزايد وهو يرمى بلا شك إلى هدف نافع ومفيد. فإن كانت هذه الرؤية هى رؤية صحيحة، وأن ما قلناه منذ قليل، يؤكد على مشيئة الله، خالق جنسنا البشرى، بأن يعيد خليقته التي فسدت للحياة، فإنه من الواضح أن أولئك الذين لا يقتنعون بما سبق وقلناه، يستمدون في آرائهم المعارضة هذه من فكرة استحالة أن الله يُقيم الذي مات وتحلل. غير أن كل مَن ينسب الضعف والحيرة إلى الله هو بالحقيقة من الأموات وبلا احساس، إذ ينسب ضعفه الشخصى إلى الله كلّى القدرة والقوة.
ولكى نُوبّخ حماقتهم بكلمات دقيقة، يجب أن نؤكد على هذا الذي سيحدث ونسأل، كيف يمكن أن لا نؤمن بالقيامة؟ لقد سمعت أن الطينة صُنعت وصارت إنسانًا. أخبرنى إذن من فضلك أنت يا من تظن أن لديك حكمة تشمل كل شئ، كيف جُمع هذا التراب الدقيق المتفرق، وكيف صار أجسادًا، ومن نفس المادة صُنعت العظام والجلد والدهن والشعر؟ وكيف تكون هناك أعضاء متميزة عن بعضها مع انها تكوّن جسدًا واحدًا؟ كيف أتت حواء من عضو صغير من جنب آدم وصارت كيانًا كاملاً مثل آدم الذي خُلق من التراب. بمعنى أن الضلع الذي أُخذ من الجنب صار رأسًا، ويدين ورجلين. انظر إلى شكل الأمعاء بالتوائاتها المتشابكة، الجسد والشعر، العين والأنف والفم، وكل شئ بشكل عام، ولكى لا أسترسل في الكلام، فإن كل شئ فينا نحن الصغار هو عجيب ومدهش.
إن الكلام عن الخلق، هو أمر يمكن فهمه وقبوله بسهولة. إذن أولئك الذين يقبلون أن من الجنب صار إنسان، بينما لا يؤمنون بإعادة خلق الإنسان مرة أخرى كيف يدّعون بأنهم مفكرين؟ بالتأكيد ليس من السهل إدراك القدرات الإلهية من خلال التصورات الإنسانية. فإن كنا ندرك كل شئ فلن يكون هناك فارق بين الخالق والمخلوق. ولماذا أتكلم عن المقارنة بيننا وبين الله؟ لأنه في بعض الخواص لا يمكننا أن نقارن أنفسنا ولا حتى مع الحيوانات الغير العاقلة، لكننا (في بعض الأمور) نحن أقل منها. على سبيل المثال في الجرى، فإن الخيول وأيضًا الكلاب، وحيوانات أخرى تفوقنا في ذلك. أما في القوة، فإن الجِمال والبغال تتفوق علينا، وفي البصر الحاد، التيس أشد بصرًا. ولهذا فإن مَن لديه عقل عليه أن يؤمن بكلام الله، ولا يطلب معرفة الطرق والأسباب المختصة بالقدرات الإلهية، لأن هذه القدرات، تتجاوز إمكانياتهم الذهنية. اشرح لى كيف أخذ هذا العالم المرئى كيانًا ووجودًا؟ أخبرنى عن الفن الذي به تحقق هذا العمل متعدد الأشكال. ومع أنك تعرف أن هذه الأمور هى فوق قدرتك، إلاّ أنك تُظهر حيرة وغضب، لأنك تجهل موضوع إعادة تجديد الإنسان بحسب الميلاد الجديد، أنت يا مَن تجيد الكلام عن الميلاد. وإن كانت هذه الأمور، بالنسبة لك هى حلم، وخيال، وإدراكها من كل النواحى أمر مستحيل، فلا تغضب، إن كنت تجهل موضوع إعادة الخلق، أو أنك لا تستطيع أن تفهم اصلاح ذاك الذي فسد، فالفنان الذي أوجد الخليقة الأولى، هو نفسه الذي يُعيد الخلق مرة أخرى[11]. فهو يعرف كيف يُعيد مرة أخرى عمله الذي أصابه فساد. هل يحتاج إلى حكمة؟ هو نفسه مصدر كل حكمة وكل قدرة وليس في احتياج لمساعد أو معين. هذا هو الذي بحسب كلمات النبى الحكيم ” من كال بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكيل تراب الأرض “[12]. انتبه إلى الصور، التي تعطى معانى واضحة للقدرة التي لا يُعبر عنها، والتي تجعل الحيرة تتملك على أفكارنا، باعتبار أننا لا نستطيع أن نتخيل شيئًا مساويًا في القيمة لطبيعة الله. فهو ضابط الكل، ولا يوجد شئ مستحيل وغير ممكن تحقيقه لدى الله لأنه يستطيع كل شئ.
إذًا فأمامك أمور كثيرة تقود إلى الإيمان وتفرض عليك أن تقبل الأمور التي تكلمت عنها. أولاً وقبل كل شئ، إن هذا الكون كثير التنوع والتراكيب، يُعلن بجلاء وأكثر من أى عظة، أن ذاك الذي أبدع كل ما تراه[13] هو إله عظيم، وخالق حكيم. لقد تعهد الله الخليقة بالرعاية، واهتم بنفوس غير المؤمنين الضعيفة، وأكد قيامة الأموات عمليًا، بأن أعطى حياة لكثير من الأجساد التي ماتت. ولهذا فإن لعازر قام بعد أربعة أيام من بقائه في قبره[14]. والابن الوحيد للأرملة، أُقيم من موته وسُلم لأمه، وبعد أن كانوا يحملونه ليُدفن، عاد حيًا[15]. وآلاف آخرين من الصعب أن أحصيهم الآن. لكن لماذا أتطرق بحديثى عن الله، وعن المخلّص عند الحديث عن القيامة؟ لكى يخجل بالأحرى كل مَن يشك، وأقول ألم يُعطِ لعبيده الرسل، القدرة أن يقيموا أمواتًا؟ إذن فالدليل واضح على قدرته الإلهية، ولماذا أيها المتشاحنون، تُثيرون هذه الموضوعات، وهل نحن نتكلم بكلام غير مفهوم؟ فكما قام شخص من بين الأموات ، هكذا سيقوم عشرة أشخاص، ومثلما قام عشرة، هكذا سيقوم ثلاثمائة، وكما قام ثلاثمائة، هكذا سيقوم الكثيرون. النحات الذى ينحت تمثالاً ما على سبيل المثال، يستطيع بسهولة أن ينحت عددًا كبيرًا من التماثيل. ألم تروا كيف يُشكل الصناع بقليل من الشمع، الأشكال والنماذج للمبانى الكبيرة والرائعة؟
انظر إذًا إلى السماء التي لا نهاية لها، هى إبداع عمل الله، وقد خلق الله الإنسان، كائنًا عاقلاً، لكى يدرك الإبداعات الإلهية ويمجد الخالق الحكيم والمبدع، وها أنت ترى دائرة عالم الفلك، التي هى صغيرة، لكنها تتحرك بيد عَالِم الفلك، هكذا تتحرك السماء بيد الله. هكذا فإن الأعمال الفنية الصغيرة، تصير صورة للإبداعات الكبيرة، والكلمات القليلة، تُفسر الأعمال الضخمة. لماذا أذكر هذه الأمور؟ لكى تعرف، إذا ما سألتنى كيف ستحدث قيامة الأجساد التي رقدت منذ بداية الخليقة؟ سأُجيب متساءلاً، كيف قام لعازر بعد أربع أيام في القبر؟ فعندما تؤمن أن ذاك الذي يعمل، هو الله، فلن تقول إنه يوجد شئ مستحيل أمامه، ولا تعتقد أن ذهنك يستطيع أن يستوعب حكمة ذلك الذي هو غير مُدرك. لأنه لا يوجد شئ غير محدود أمام الله، أما بالنسبة لك، فغير المحدود هو أمر لا ينبغى الفحص فيه. غير أننا يُمكننا أن نفهم هذا بطريقة أفضل لو أننا أضفنا إلى ما قلناه، الطريقة التي خُلقنا بها. لا أتكلم عن بداية جبلتنا الأولى من الله، لأنها غير مدركة ولا يمكن للذهن الإنسانى أن يصل إليها، لكنى أتكلم عن الخلق الذي يظهر من خلال الطبيعة ومن خلال الإنسان. كيف أن البويضة المخصبة والتي هى مادة سائلة، وبلا شكل، تصير جامدة، ثم تصبح رأسًا، وعضلات ساق، وتصير أضلاعًا متينة، كما أن المخ وهو لين وخفيف، تصير الجمجمة التي تحتويه، جامدة جدًا وخشنة، بالإضافة إلى الأعضاء الأخرى متعددة الأشكال؟ وهذا أقوله باختصار ولا أسترسل شارحًا تفاصيل الأمور الجانبية. إذن فكما أن البويضة المخصبة في البداية، تكون بلا شكل، ثم بعد ذلك تأخذ شكلاً، وحجمًا، كما يُبدعها العمل الإلهى بشكل معجزى، هكذا يكون مقبولاً أكثر، أن الرفات التي توجد داخل القبور، والتي كان لها في وقت ما شكل محدد، تتجدد مرة أخرى. والتراب يصير مرة أخرى إنسانًا، مثلما حدث بالضبط في بداية الخلق، حيث خُلق الإنسان من تراب الأرض.
لنتقدم في الكلام عن الله، ولنفكر فيما لصانع الخزف من إمكانيات، ماذا يعمل الخزّاف؟ يأخذ قطعة من الطين، ويُعطيها شكل إناء معين، ويُعرّضه للشمس، لكى يُجففه ويجعله متينًا، ليصبح فيما بعد جرة، أو بلاطة أو إناء تخزين. لكن أحيانًا يدخل إلى داخل معمله إنسان آخر، بشكل مندفع وبلا نظام يقلب كل شئ، فيُلقى الإناء إلى أسفل، ويسحقه فيصير ترابًا لا شكل له. لكن إذا رغب الخزاف في إصلاح ما حدث على الفور، فإنه يُشكل الخزف من جديد، ويصنع بفنه إناء ليس بأقل جودة أبدًا من الإناء القديم. مع أن الخزاف هو بالتأكيد مخلوق صغير، إذا ما قورن بالقدرة الإلهية، فإننا لا نصدق الله عندما يَعد أن يُجدد ويحيي ما تلاشى. وهذا بالتأكيد هو فكر أحمق. ومن ناحية أخرى، لنر ماذا يقول لنا بولس الرسول باستخدامه مثال القمح، والذي يُعلّم به هؤلاء الأغبياء قائلاً: ” يا غبى الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرع لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى. ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد “[16]. فلنفحص بعناية، كيف يصير نبات القمح، وستفهمون كلامى. فبذور القمح يلقونها في الأرض، وبعدما تتعفن بالرطوبة، بعد موتها، تنتهى إلى حالة معينة، مثلما يحدث في اللبن، الذي إذا تخمر، صار مثل مادة بيضاء، لها مذاق حامضى. وعندما تنمو البذور وتمتد في الأرض، تتحول شيئًا فشيئًا من اللون الأبيض إلى اللون الأخضر. ثم بعد ذلك تصير خضراء وتتشعب في الكتل الطينية، وعندما تكبر إلى فوق، وتتغَذى هذه الأعواد الكثيرة من أسفل، من مكان معين من الجذر، فإن الجذر يُعَد بهذا لحمل الثقل الذي سيصير في المستقبل. وكما يُضبط سارى المركب من كل اتجاه، بحبال كثيرة، لكى يبقى ثابتًا وفي حالة توازن، من خلال الجذب المناوئ للحبال، هكذا نتوءات الجذر، مثل الحبال، تصير دُعامات وحماية للساق الحامل للسنابل. وعندما يصير القمح أعوادًا وينمو مرتفعًا إلى أعلى، فإن الله يسنده ويشدّده ويقوى ساقه، ليؤّمنه، من أجل ثقل السنبلة عند نضجها، فيكون مثل بيت مبنى بحجارة مترابطة. فهكذا عندما تصل قوة الساق إلى أقصى مداها، نجد أن البراعم تتشقق وتخرج السنابل. وهذه (السنابل) نجد فيها أيضًا عجائب أخرى عظيمة. إذ نجد الحبوب الصغيرة في صفوف مرتبة متراصة بجانب بعضها وكل حبة منها لها غلاف خاص، وفي النهاية تخرج هذه السنبلة أشواك دقيقة وحادة، أتصورها كأسلحة ضد الطيور التي تريد أن تلتقط هذه الحبوب، فتمنعها من الاقتراب والتقاط حبات القمح. أرأيت كم معجزة، تخفيها بذرة متعفنة، بينما هى حبة واحدة تسقط في الأرض، عندما تنمو وتثمر، تصير حبات كثيرة؟ أما من جهة الإنسان، فإنه لا يأخذ شيئًا أكثر مما له، لكنه يأخذ ما يخصه فقط، فالإنسان الواحد الذي يموت، هو نفسه الواحد الذي يقوم. ولهذا فإن تجديدنا، يظهر أنه أسهل من زراعة القمح. من هنا اتجه إلى ما يحدث للأشجار، كيف أنها تفتقر إلى الحياة في فصل الشتاء من كل عام، أى تموت الثمار، وتسقط الأوراق، وتبقى الأخشاب جافة خالية من كل جمال. لكن عندما يأتى فصل الربيع، تزدان بالزهور اليانعة ثم تكسوها الأوراق الخضراء لتصبح في أبهى منظر يخلب الأنظار وتصبح مأوىً للطيور المغردة التي تعلوا فوق الأغصان، ويُستعلن هناك جمال رائع، حتى أن كثيرين من الناس هجروا بيوتًا مُزينة بالذهب والمرمر، واعتبروا أن بقائهم تحت الأشجار الوارفة هو أمر أكثر سعادة (من البقاء في البيوت). لهذا فإن إبراهيم أقام خيمته تحت أشجار البلوط[17]. وهذا بالطبع، لا لأنه لا يملك بيتًا بل لأنه يشعر بالارتياح والبهجة تحت ظلال الأشجار. وحياة الزواحف تقودنى لقبول هذا الكلام. لأن قدرة هذه الزواحف على الحياة تتوقف في فترة الشتاء، وخلال فترة ستة أشهر، تكون في بياتها الشتوى، وتبقى في مخابئها بلا حركة. لكن عندما يأتى الزمن المحدد ويدوى الرعد في الأفق، ويُسمع الرعد كعلامة حياة، على الفور تنطلق كما لو لم يكن قد مر كل هذا الوقت، وتبدأ في تأدية أعمالها المعتادة.
ماذا يعنى هذا الكلام؟ ليقل لي الفاحص والعارف بأعمال الله وليخبرنى، كيف يقبل أن تقوم الثعابين من مخابئها بصوت الرعد، بينما هى في حالة موت، لكنه لا يؤمن بعودة الحياة للأموات، عندما يُدوى صوت البوق الإلهى من السماء، كما تقول الكلمة الإلهية ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات “[18]. وفي موضع آخر، يقول أيضًا بكل وضوح ” فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه “[19]. إذن يجب أن نكون مؤمنين بالتجديد. لأن حياة النباتات والحيوانات على اختلاف أنواعها، وحياة البشر أنفسهم، تُعلّمنا أنه لا يوجد شئ من المخلوقات يستطيع أن يحتفظ بكيانه، لكنه يتبدل ويتحول.
ولو أردنا التأكد من ذلك، علينا أن ننظر إلى التغيير الذي يطرأ علينا في مراحل أعمارنا المختلفة. إننا نعرف كيف يكون الطفل الرضيع. فبعد مرور وقت قليل، يبدأ في اكتساب قوة لكى يحبو، وهو في هذا لا يختلف في شئ عن الكلاب الصغيرة، يسير بالأربعة (أيدى وأرجل). في العام الثالث يقف منتصب ويتمتم ببعض العبارات غير الواضحة. بعد ذلك يبدأ في تصحيح كلامه، ويصير طفلاً لطيفًا. من هذا السن يتقدم نحو المراهقة، ثم نحو سن الشباب. ونلاحظ أن بعض الشعيرات البسيطة تغطى وجهه في البداية، وبعد وقت قليل تظهر له ذقن كثيفة ويصير شخصًا آخر تمامًا. ثم بعد ذلك يصير رجلاً قويًا، صلبًا يتحمل الأتعاب. وبمرور أربعين عامًا، تبدأ مسيرة عكسية. يبيّض فيها الشعر تدريجيًا في الرأس، وتبدأ القوة تخور، وفي النهاية يصل إلى مرحلة الشيخوخة، وإنهاك القوة تمامًا، وينحنى الجسد نحو الأرض، كما يمتلئ الوجه الناعم بالتجاعيد، ويصبح الشاب الذي كان قبلاً متميزًا، مرة أخرى كالطفل المتلعثم الغير مدرك، ثم يسير بالأرجل والأيدى كما كان يفعل سابقًا. وأسألك كيف تبدو لك كل هذه الأمور؟ أليست هى تغييرات، أليست هى تحولات تليها تحولات؟ أليست هذه تجديدات مختلفة هى التي تغير هذا الوجود الفانى، فيما قبل الموت؟ كيف لا يصير نومنا واستيقاظنا درسًا للحكيم، ومدخلاً لفهم حقيقة القيامة؟ لأن النوم هو صورة للموت، بينما الاستيقاظ شبيه بالقيامة. ولهذا فإن بعض حكماء العالم، يدعون النوم توأم الموت، لأجل التشابه الذي يحدث في كلتا الحالتين (أى النوم والموت). لأنه في الحالتين يسود نسيان للأمور الماضية، وفقدان القدرة على إدراك الأمور الآتية. هكذا نجد أن الجسد في حالة النوم يرقد بلا أحاسيس، دون أن يُميَّز بين الصديق والعدو، يبدو شبيهًا بالموتى في القبور. الآن لو أن هذا الكائن الحىّ مازال يعيش، وتعبر بحياته أيام وليالى، وأمور تُثير الدهشة، تغيرات وتحولات، نسيان وتذكر، فإنه يُعد حماقة شديدة، ألاّ نؤمن بالله الذي وعد بالتجديد في الدهر الآتى، لأنه هو الذي خلق جبلتنا الأولى.
فإن كان هو أمر في غاية السهولة بالنسبة الله، أن يخلق من العدم (لأنه هكذا قد خُلقت كل الأشياء في البداية). فبكل تأكيد هو أمر أكثر سهولة أن يُعيد الخلق من العناصر الموجودة.
إذن فلا ينبغى أن نُجرد الناس من رجائهم المبارك، وأن نتجاوز ضعفاتنا، وأن نتحرر من كل الأفكار الغريبة. ودعونا ألا نتجاهل الوعد الإلهى من جهة محبة الله للبشر، لأن إنغماسنا في الشهوات الجسدية الجارفة، يجعلنا نتجاهل هذه الوعود الإلهية. إننى أرى أن المعارضين لهذا الموضوع (قيامة الأجساد) هم رفقاء للشر، وأعداء للفضيلة، يتصفون بالشراهة، لا يضبطون عيونهم وأسماعهم، ولا أنوفهم، ويستمتعون بالشهوة التي تأتى إليهم عن طريق كل الحواس. ولأن الكلام عن القيامة مرتبط بالدينونة، وهم يسمعون الكتب المقدسة التي تعلن بشكل قاطع، بأننا سنُحاسب عن أعمالنا (فعندما نتجدد فى القيامة، سنقف جميعًا أمام منبر المسيح، وسننال المجازاة التي نستحقها عن أعمالنا)، ولأنهم يدركون أنهم سلكوا سلوكًا شائنًا ويستحق لعقوبات كثيرة. وبسبب كرههم للدينونة، ينكرون القيامة، مثل العبيد المخادعين أو الغشاشين، الذين يبددون ثروة سيدهم، ويخططون لموته، متفكرين في خيالات فاسدة تتفق ورغباتهم. لكن لا يوجد إنسان عاقل، يُفكر بمثل هذه الطريقة.
فما هو النفع من البر والحق والصلاح، ومن كل شئ حسن، ولأى سبب يتعب الناس ويحيون حياة الفضيلة ويقمعون شهوة الأكل، ويمارسون ضبط النفس، ويأخذون قسطًا يسيرًا من النوم، مقاومين البرد والحر، إن لم توجد قيامة؟ هذا ما يشير إليه الرسول بولسقائلاً:“فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نمـوت“[20]. فإن لم توجد قيامة، فنهاية حياتنا هى الموت، إذن فلتُمحَ الإدانات والنقائص، ولتُطلق يد القاتل في إرتكاب الجرائم، وليُترك الزانى غارقًا في ممارسة آثامه، وليلهو الجَشِعْفي جشعه، ولا ينتهر أحد الشتّام ومَن تعود على نقض القسم، ليستمر في نقض قسمة مع أن المؤمن بقسمه ينتظره موت. والآخر فليقل ما يريد من الكذب، لأنه لا يوجد أى ربح من وراء الحقيقة، وإذن فلا يرحم أحد الفقير، لأن أحشاء الرأفة ليس لها مكافأة! إن هذه الأفكار الغريبة تختلط وتتداخل بصورة أصعب من الطوفان الذي يأخذ أمامه كل شئ، وتطرد كل كلمة مُهذبة، وتدعم كل فكر مهووس ومرذول.
لو لم تكن هناك قيامة، فلن تكون هناك دينونة، ستضيع مخافة الله. وحيث لا يوجد تهذيب بالترهيب، فهناك يرقص الشيطان فرحًابالخطية. ويناسب هؤلاء ما كتبه داود في المزمور القائل ” قال الجاهل في قلبه ليس إله فسدوا ورجسوا بأفعالهم“[21]. إن لم توجد قيامة، فإن قصة لعازر والغنى والهوة العظيمة، والنار التي لا تُطفأ، واللسان المشقق، والعطش الشديدلنقطة الماء واصبع الفقير المبلل بالماء، ستكون أسطورة[22]. من الواضح، أن كل هذا يعطى صورة للقيامة العتيدة. بالتأكيد اللسان والاصبع، لا تُعتبر أعضاء النفس غير المتجسدة، بل أعضاء الجسد. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن هذا قد حدث، لكن كل هذا يُشكل صوتًا صارخًا يلفت الإنتباه لما سيحدث في المستقبل. وعند قيامتنا من الموت، سيُقدِم كل أحد حسابًا عن أعماله التي عملها في هذه الحياة، وسيكون مكونًا من جسد ونفس كما كان أولاً. وأيضًا حزقيال النبى، الأعظم بين الرائين، ما الذى فكر فيه عندما رأى البقعة العظيمة المملوءة بالعظام الإنسانية، التي أخذ أمرًا إلهيًا ليتنبأ من نحوها؟ إذ أن هذه العظام قد لبست أجسادًا على الفور، وبينما كانت متفرقة ومطروحة بلا نظام، بدأت تنضم بعضها لبعض بنظام وتوافق. أليس واضحًا، بهذه الكلمات، أنه يبرز الدليل الجاد لإعادة إحياء الجسد؟ وأنا أعتقد أن كل من يتشكك في هذا الكلام الخاص بالقيامة، هو ليس فقط من الجاحدين، ولكنه بلا منطق أو عقل. لأن القيامة، والتجديد، والتجلى وكل الأسماء المشابهة تُذّكر المستمعين بالجسد الذي يخضع للفناء. لأن النفس عندما تُفحص في حد ذاتها، فهى لا تتحلل كما يتحلل الجسد ولا تتعرض للفناء، فهى غير قابلة للموت بسبب قوة الحياة التي أخذتها من المسيح. بينما نجد أن الجسد الذي يحملها يفنى، ويتوقف إتصاله بالأشياء المحيطة. إن النفس ستسكن مرة أخرى في جسدها لتقدم حسابًا أمام الديان العادل. أو من الأفضل، لكى يصير حديثنا مُتسمًا بالدقة ومنطقيًا، لنفحص الأمر كالآتى. ماذا تقول، مَن هو الإنسان؟ هل هو مكون من النفس والجسد معًا أم أنه واحد من هذين الاثنين؟ من الواضح أن الكائن الحىّ، يتكون من الاثنين معًا. لا ينبغى أن نُطيل الحديث في أمور معروفة ولا تقبل الشك. فلو إن الأمر هكذا، فلنُفكر أى من الاثنين (الجسد أم النفس)، عندما يرتكب الناس على سبيل المثال زنا، قتل، سرقة، أو أى شئ له علاقة بهذه الأمور، أو العكس أيضًا عندما يُمارس العفة، ضبط النفس، وكل عمل حسن، هل نقول إن هذه الأمور هى نتائج لعمل الاثنين (النفس والجسد)، أم تنحصر في أعمال النفس؟
وهنا تتضح الحقيقة، فمن المحال أن تشرع النفس وهى منفصلة عن الجسد في السرقة، أو في تدنيس المقدسات، ولا أيضًا تقدم وحدها خبزًا للجائع ولا تعطى ماءً للعطشان، ولا تداوم على زيارة المسجونين، بلا كلل، لكى ترعى البائسين، لكن في كل الأمور، يعملان معًا بلا انفصال، الواحد مع الآخر يشاركان في الأفعال والأعمال.
بما أن الأمر هكذا، ولأنك مقتنع بالدينونة عن الأعمال التي عملناها في هذه الحياة، فكيف إذن تفصل النفس عن الجسد وتُقصر الدينونة على النفس فقط، بينما كل ماحدث قد تم بإشتراكهما معًا في كل فعل؟ لكن إذا صار شخصًا ما قاضيًا عادلاً من جهة خطايا البشر، وفحص بعناية، من أين تنبت الأسباب الأولى للخطية، ربما يكتشف أن أول مَن يعبث ويصنع مخالفة هو الجسد. لأنه يحدث مرارًا، بينما النفس هادئة وغير مضطربة وفي سكون، تلقى العين نظرة اشتهاء إلى أمور كان من الأفضل ألا تنظر إليها، وتنقل المرض إلى النفس، فتتبدل حالة الهدوء إلى رعود وأنواء، وأيضًا الآذان عندما تسمع بعض الكلمات النابية والمنفّرة، فإنها تصب في الأفكار أمورًا تُثير الإضطراب والبلبلة. وفي بعض الأحيان تجلب الأنف على صاحبها شرورًا كبيرة لا شفاء منها عن طريق حاسة الشم، فتثير إنساننا الداخلى. وتستطيع الأيدى عن طريق اللمس، أن تُزعزع صلابة النفس. هكذا نتقدم قليلاً قليلاً ونفحص الأمر، سنجد أن الجسد مسئول عن كثير من الخطايا. لكنه أيضًا يعانى المشاق من أجل الفضيلة، ويتعب في جهاده من أجل الصلاح، وذلك عندما يُقطع بالسيف، ويحرق بالنار، ويُمزّق بالسياط، ويُثقل بأحمال ثقيلة، ويصبر على كل تعذيب، لكى لا يخون الوصية الإلهية. إذن لو أن الجسد يُشارك في أفعال النفس ولا ينبذ الآثام، فمن أين تأخذ الدافع، وتقول أن النفس غير المتجسدة وحدها هى التي تُقاد إلى الدينونة؟ بالتأكيد هذا الحديث لا يتعلق لا بأبرار ولا بعاقلين. لو أخطأت النفس وحدها وهى عارية (أى من لباس الجسد)، فلنعاقبها وحدها، لكن لو كان لديها شريك واضح، فلن يتركه الديان العادل وأنا أعرف أن هذا الأمر يقوله الكتاب، أن المذنبين سيخضعون لعقوبات عادلة[23]، نار، ظلمة، دود لا يموت. كل هذه هى عقوبات الأجساد المادية، لأن النفس وحدها لن تمسّها النار أبدًا، ولا الظلام سيُثير لديها حزن، طالما ليس لديها أعين جسدية. وماذا يستطيع أن يفعل الدود الذي يأكل الجسد وليس النفس؟ إذًا فالنفس لن تُدان وحدها بمعزل عن الجسد، لكن الإنسان كله (نفسًا وجسدًا) سيخضع للدينونة.
إن الأفكار العاقلة والرؤى المستنيرة هى التي تقود لقبول قيامة الأموات، والتي ستتحقق في أزمنة محددة، لأن الله حقق وعوده بالأعمال. إذن فلنؤمن بهذا: ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير“[24]. وأيضًا ” لا تتعجبوا من هذا. فإنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة “[25]. لأنه لا يقدم وعوده بالكلام فقط، لكن بالأعمال التي يحققها كل يوم، يُعلم ويُظهر بوضوح أنه كلّى القدرة. فعندما خلقنا في البداية لم يتعب، ولا عندما يُغيّرنا ستغيب عنه الحكمة. فلننظر إلى الأمور الحالية، حينئذٍ سوف لا نتشكك في الأمور المستقبلية. لأن كل عمل لله يُثير لدينا الآن أحاسيس مُفرحة وإعجاب لا يُعبر عنه، عندما نتأكد أن ملامح الآباء والأجداد تورث بالتمام في ملامح الأحفاد، والأولاد يصيرون انعكاسًا للأجداد. وعندما تُخلق التشابهات التي تعكس النماذج الأصلية، التي لم يعد لها وجود، وقتها تصل المفاجأة من نحو عمل الحكمة الفائقة لله مخلّصنا، الفنان الأعظم، إلى قمتها، وكل هذا يحدث بطريقة سرية لا يستطيع أحد إدراكها، فيُقيم الأموات، من خلال إعادة خلقه للملامح الخاصة بالنماذج الأصلية، والتي تظهر في الأبناء والأحفاد. وفي كثير من الأحيان، تظهر في جسد ما الملامح التي تحمل نفس الصورة، الخاصة بأنف الأب، وعيون الجد، وخطوة العم، وطريقة كلام الأم، وإنسان واحد يُعتبر مثل نبات تأثر من أشجار كثيرة تُثمر ثمارًا كثيرة لكل مَن يُحبها. كل هذا يستحق الاعجاب، ومع أننا نجهل كيفية حدوثها، إلاّ أننا نعرف قدرة الخالق على إبداعها. إنه لأمر غريب ويكشف عن جهل كبير، من جهة كل ما يظهر في الأجساد التي تولد كل يوم، تلك الملامح الخاصة بالأجساد التي تعفنت وفسدت، وأن صفاتًا غير مألوفة تنتقل إلى أجساد أخرى، لكنهم لا يقبلون أن كل ما لهم من صفات أو ملامح خاصة مميزة، تتجدد وتحيا مرة أخرى. تمامًا كما كانت في أولئك الذين كانوا يحملون هذه الملامح في زمن ما. بل أننا نرفض كل هذا ونتشاجر ونتصور أن الوعد الإلهى خرافة، في حين أن الله هو ذاك الذي أعطى وجودًا لهذا العالم وزيّنه كما أراد. أما من جهتنا نحن فقد آمنا بالقيامة ونعطى المجد للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.
[1] حيث كان المناخ الإجتماعى في تلك الفترة يسمح، بل ويُشجع على تغطية إحتياجات مَن هم في حاجة إلى عون وعضد. هذا ما يؤكده القديس يوحنا ذهبى الفم في عظة له عن “المعمدين الجدد” قائلاً: ” إن المدعوين لأفراح عالمية، حتى ولو كانوا هم أكثر فقرًا من الجميع، فإنه في مرات كثيرة يستعيرون من الآخرين أفضل الملابس للظهور بالشكل اللائق. وأنت يا مَن دُعيت للفرح الروحى والعشاء الملوكى فكر في أى نوع من الملابس ينبغى أن ترتدى “. مجموعة آباء الكنيسة اليونانيين (EPE) 89، جزء30، ص555.
[10] يظهر هذا في صلاة الصلح، عندما يصلى الأب الكاهن قائلاىً: ” يا الله العظيم الأبدى الذي جبل الإنسان على غير فساد … وعندما خالفنا وصيتك بغواية الحية سقطنا من الحياة الأبدية ونفينا من فردوس النعيم “.
[11] يورد القديس أثناسيوس هذا التشبيه في مجال حديثه عن تجسد الكلمة، انظر كتاب “تجسد الكلمة” فصل1، فقرة 4. ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار مركز دراسات الآباء، سنة 2003.
لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.
الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا“[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته“[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.
لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية. وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.
إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة. ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة. ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.
هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل. فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.
افهم ذاتك لتفهم الله:
ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.
النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا. لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.
ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.
وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله“[8]. النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.
حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى. فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”. لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هى في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هى في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.
طبيعة النفس العاقلة:
إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9]. أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا. أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.
لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس. ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.
وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة. مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله. ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة. ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.
خلق الإنسان وإدراك سر الثالوث:
حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟ فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟ وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل. وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟
إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.
الانتقال من الأصل إلى الصورة:
ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون. لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].
فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.
وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله. ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.
ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.
لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس. ولأن نفوسنا هى مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هى بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.
[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.
[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.
رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
6- إذًا ماذا سأقول للوثني (هكذا يقول ق. بولس)؟ أقول له الأمور التي قبلت. وإنتبه ليس فقط بخصوص ما ستقوله للوثني، بل ما ستقوله بخصوص كيف ستُصلح ذاتك. عندما يعثر وهو يفحص حياتك، هنا فلتفكر ماذا ستقول. لأنه بالطبع أنت لن تُعطي حساب عن ذاك، ولو كان يعثر بعد، لكن لو أصابه خور بسبب طريقة حياتك، فإنك ستُعاني ظفر مُخيف جدًا. عندما يرى إنك تفلسف الأمور عن ملكوت الله، وإنك ترعب من الشدائد في الحياة الحاضرة، عندئذً فلتنتبه. عندما يرى هذه الأمور، يدين ويقول، لو إنك تحب الملكوت، فلماذا لا تزدري بالأمور الحاضرة؟ لو إنك تنتظر القضاء المخوف، فلماذا لا تحتقر المصاعب الحاضرة؟ لو إنك تترجى الخلود، فلماذا لا تسخر من الموت؟ إذًا عندما يقول كل هذه الأمور، إعتني بما ستدافع به عن نفسك. عندما يرى إنك ترتعب من فقدان المال، أنت يا من تنتظر برجاء ملكوت السموات، وإنك تفرح جدًا بفلس واحد، وأنك أيضًا تٌسلم أو تعطي نفسك لقليل من المال، حينها فكّر، لماذا هذه الأمور، نعم إن هذه الأمور هي تلك التي تُعثر الوثني.
بناء على ذلك إن إعتنيت لأجل خلاصه، فلتدافع عن نفسك (من أجل هذه الأمور)، ليس بالكلام، بل بالأعمال. ولم يوجد أحد قد جدّف على الله مطلقًا بسبب ذلك الموضوع.
بينما بسبب طريقة الحياة الشريرة، تود تجاديف لا تُحصى في كل مكان. إذًا هذا ما يجب أن تُصححّه، لأن الوثني سيقول لك أيضًا، من أين أعلم أن الله أمر بأمور يمكن أن تحدث؟ لأنه ها أنت، بينما أنت مسيحي من الأسلاف، وتنشأ في هذه الديانة الحسنة، لا تضع شيء مثل هذا (أي من الأمور الحسنة). بماذا إذًا ستُجيب؟ ستُجيب على كل الأحوال، سأذكر لك آخرين يصنعون هذه الأمور الحسنة، الرهبان الذين يعيشون في الصحراء. بعد ذلك ألا تخجل أن تعترف إنك بالطبع مسيحي، بل يجب أن تُرسله لآخرين، لأنه لا يُمكنك أن تُظهر سلوك المسيحيين؟ خاصةً وأن ذاك (الوثني) سيقول على الفور، إذًا ما هي الحاجة أن أسير في الجبال وأن أسعى نحو الصحاري؟ إن كان من غير الممكن إذًا أن يؤمن المرء وهو يعيش داخل المدن، وستكون الإدانة عن هذه الطريقة من الحياة كبيرة، إن كنا نركض نحو الصحاري ونهجر المدن؟ لكن أشر لي على شخص له زوجة وأولاد ومنزل، ويحيا بالتقوى. إذًا بماذا سنُجيب عن هذا؟ ألا سنبغي أن نحني رؤوسنا إلى أسفل وأن نخجل؟ ولا المسيح أوصى بهذا، لكن بماذا أوصى؟ أوصى قائلاً: “فليضيء نوركم هكذا قدام الناس”(33)، ليس في الجبال، ولا في الصحراء ولا في الطرق غير المسلوكة.
وأقول هذه الأمور، لا لكي أُسيء لأولئك الذين سكنوا الجبال بل لكي أُرثي لحال أولئك الذين يسكنون المدن، لأنهم طردوا الفضيلة منها. ولهذا، من فضلكم، فلنسلك بالفضيلة، التي يحيا بها الرهبان في الجبال، هنا في المدن، لكي نصبح المدن بالحقيقة مدن. هذا السلوك يمكن أن يُصلح الوثني، ويحرره من عثرات لا حصر لها. حتى إنه إن أردت، وذاك أيضًا تحرره من العثرة. وأنت نفسك أن تتمتع بمكافأت عديدة، وتُصلح حياتك، وتجعلها مشرقة من كل جانب “لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات”(34). لأنه هكذا سنتمتع نحن أيضًا بالمجد المدخّر لنا والعظيم، والذي ليتنا نناله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الداهرين أمين.
” وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان لله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد أمين” رو24:14-26.
1- اعتاد الرسول بولس أن يختم نصيحته بتمنيات وتمجيدات، لإنه يعرف كيف أن الأمر يحمل نتيجة عظيمة. وأعتاد أن يضع هذا بحنو وورع. خاصةً وأن ملمح المعلّم الذي يحب التلاميذ، ويحب الله، هو ألا يُعلّم فقط بالكلام، بل وبالطلبات أيضًا، وأن يُدخل إلى تلاميذه مسألة العهد مع الله، الأمر الذي صنعه هنا أيضًا. لكن الصلاة هي هذه: “وللقادر أن يُثبتكم. له المجد إلى الأبد أمين”. أي إنه مرة أخرى يعود إلى الضعفاء، ويوجه حديثه إليهم. لأنه حين وّبخ، جعل التوبيخ عام، لكن الآن عندما يطلب أو يتمنى، فإنه يتفرغ من أجل الضعفاء. لكن بعدما قال “أن يثبتكم”، أضاف، وبأي طريقة “حسب إنجيلي”. هذا بالطبع كان يعني، إنهم لم يكونوا بعد ثابتين في الإيمان، لكن كانوا قائمين بالطبع في الإيمان، لكنهم كانوا مهتزين. بعد ذلك لكي يجعل كلامه موضع تصديق، أضاف “والكرازة بيسوع المسيح”، أي الكرازة التي كرز بها ق. بولس. لكن إن كان ق. بولس قد كرز بهذه الكرازة، فإن التعاليم ليست لنا، بل إن القوانين (قوانين الكرازة) هي له.
لكن بعد ذلك يقدم رؤية حكيمة للكرازة، ويُظهر أن هذه العطية هي دليل إنعام كبير، وكرامة فائقة. وأولاً يُدلل على هذه من خلال ذاك الذي كرز به (أي ربنا يسوع المسيح)، ثم بعد ذلك من تلك التي كُرز بها ذاتها. (لأنها كانت أناجيل)، وأيضًا من خلال إنه لم يكرز بها لأي أحد آخر قبلنا. وهذا قد أشاروا قائلاً: “حسب إعلان السر”، الأمر الذي هو دليل على محبة عظيمة جدًا، أي بأن يجعلنا شركاء في الأسرار، والتي لم يُطلع عليها أحد آخر قبلنا. “الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الآن”. أي إنه منذ القديم سبق وتقرر، لكنه الآن أُعلن. كيف أُعلن “بالكتب النبوية”. هنا أيضًا يُذيل خوف الضعيف في الإيمان. إذًا ماذا تخاف؟ هل تخاف أن تبتعد عن الناموس؟ هذا ما يريده الناموس؟ هذا ما بُشر به منذ البداية لكن إن كنت تفحص لماذا أعلن السر الآن، فإنك تضع أمر خطير، بأن تفحص بتدقيق في أسرار الله، ونُلقي عليه المسئولية. لأنه لا ينبغي أن نبحث كثيرًا في الأمور المشابهة، بل أن نجلها، وأن نقبلها بفرح. ولهذا فإن ق. بولس أيضًا يُعيق هذه الرغبة، أضاف “حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان، لأن الإيمان يحتاج إلى طاعة، وليس إنشغال كثير، وعندما يأمر الله، فيجب أن نخضع، وليس أن ننشغل كثيرًا.
فيما بعد يُعطيهم شجاعة من مكان آخر، قائلاً: “وأُعلم به جميع الأمم”. أي ليس أنت وحدك، بل أن كل المسكونة هكذا تؤمن، لأنه إتخذ الله معلمًا وليس شخص آخر. ولهذا أضاف “بيسوع المسيح”. وليس فقط صار معلومًا، بل وتأكد بعد. ولهذا يجب أن يُقرأ هكذا أيضًا، “وللقادر أن يُثبتكم بيسوع المسيح”. لأنه كما سبق وأشرت، أن الأمرين أيضًا (أي التثبيت وإعلان السر) يُشير إليهما من جهة يسوع المسيح، أو من الأفضل أ ن تقول، ليس فقط هذين الأمرين، بل والمجد الذي يُعطى للآب. ولهذا قال: “له المجد إلى الأبد أمين”. يُمجد مرة أخرى أيضًا. متعجبًا لهذه الأسرار غير المدركة. لأنه ولا حتى الآن حيث ظهر (في الجسد) يمكن أن نفهم هذه الأسرار بواسطة الأفكار، بل أن نختبرها بالإيمان، لأنه بغير ذلك لا يمكننا فهمها. وحسنًا جدًا قال : ” لله الحكيم وحده”. أي إنه عندما تدرك، كيف إنه قاد الأمم وفرجهم بأولئك الذين سلكوا بإستقامة منذ سنوات عديدة، فبينما كانوا يائسين أنقذهم، كيف بينما كانوا غير مستحقين لأرضهم أصعدهم إلى السموات، وبينما قل شأنهم في الحياة الحاضرة، قادهم إلى تلك الحياة الخالدة السرية، وبينما داس عليهم الشياطين، جعلهم مساويين للملائكة في الإستحقاق، وفتح لهم الفردوس، ومحى كل الشرور القديمة، وكل هذا صار في زمن قصير، وبطريقة سهلة وسريعة جدًا، حينئذًا ستعرف الحكمة، عندما ترى أن الملائكة ورؤساء الملائكة لم يعرفوه، هذا عرفه فجأة أولئك الذين آتوا من الأمم بواسطة يسوع.
إذًا بينما كان يجب عليك أن تُدهش حكمته، وأن تمجدّه، لكنك تتحول وتدور حول الأمور الصغيرة، وتجلس بعد في الظل، الأمر الذي ليس ملمحًا لذلك الذي يُمجدّ بالحقيقة، لأن ذاك الذي ليست لديه ثقة في المسيح، ولا في الإيمان، لا يشهد لعظمة الأحداث. لكن ق. بولس أشار إلى المجد من أجلهم، حاثًا هؤلاء أيضًا على الغيرة ذاتها. لكن عندما تسمعه وهو يقول: “لله الحكيم وحده”، لا تعتقد كيف أن هذا يُقال لرفض الإبن. لأنه إن كان كل هذا، والذي من خلاله تبرهن على حكمة الإبن، والذي صار عن طريق المسيح، والذي بدونه لم يكن ليصير حتى واحدة، فإنه من الواضح جدًا، أن حكمته هي مساوية لحكمة الآب. إذًا لأي سبب قال “وحده؟” قاله من جهة التمييز عن كل الخليقة.
رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
4- “ألك إيمان؟ فليكن لك بنفسك أمام الله” رو 14-22.
يبدو لي هنا إنه يُلمَّح بطريقة هادئة للمجد الباطل أو للزهر لذاك الذي هو كامل في الإيمان. ما يقوله يعني الآتي: أتريد أن تُظهر لي، إنك كامل وتام؟ لا تظهر هذا لي، بل لتحتفظ به في ضميرك. لكن الإيمان الذي يقصده هنا، ليس هو الإيمان عن العقائد، بل الإيمان عن الموضوع الذي يجري الحديث بشأنه. لأنه يقول عن ذلك الإيمان: “الفم يعترف به للخلاص”(30) و “من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي إبن الإنسان”(31). لأن ذلك الإيمان حين لا يعترف به، فإن ذلك يؤدي على الهلاك، بينما هذا الإيمان (أي الإيمان الذي يُحتفظ به في الضمير) حين يُعترف به، فهو غير ملائم. “طوبى لمن لا يريد نفسه فيما يستحسنه”. مرة أخرى يُصيب الأكثر ضعفًا، ويعطيه تاج مرضي، تاج ضميره. لأنه حتى وإن لم يراك إنسان، يكفيك ضميرك، لكي تصير مطوبًا. إذًا فقد قال “فليكن لك بنفسك” حتى لا تعتبر هذا القضاء (قضاء الضمير) أمرًا بسيط، ما يقوله هو بالنسبة لك، هو أفضل من المسكونة كلها. وحتى وأن كان الجميع بعد يدينونك، لكن أنت لا تُدين نفسك، وضميرك لا يعذبك، فأنت مُطوب. وهم لم يُشر إلى هذا الأمر، متكلمًا بشكل عام للجميع. لأن هناك كثيرون لا يُدينون أنفسهم، على الرغم من إنهم يصنعون أخطاء كثيرة جدًا، والذين هم أكثر تعاسة من الجميع. لكنه يُشير أولاً إلى الموضوع الذي يجري الحديث بشأنه.
وأما الذي يرتاب فإن أكل يُدان” رو14-23. يقول هذا مرة أخرى، راجيًا ذاك أن يتألم لمن هو أكثر ضعفًا. لأن من هو الأخ الذي إن أكل مرتابًا، يدين نفسه؟ لأنني أقبل ذاك الذي يأكل ولا يُدين نفسه. أرأيت كيف إنه يُحثه ليس فقط أن يأكل، بل وأن يأكل، بل وأن يأكل بضمير نقي؟ بعد ذلك يتحدث عن السبب الذي من أجله أُدين، فيضيف قائلاً: “لأن ذلك ليس من الإيمان” ليس لأنه نجس، بل لأنه لا يأتي من الإيمان. لأنه لم يؤمن (الذي يأكل) إنه طاهر، لكن أكله كعظام نجس. لكن من خلال هذه الأمور، يُظهر مقدار الضرر الذي يثيرونه عندما يُلزمون، ولا يُقنعون هؤلاء أن يأكلوا تلك الأطعمة التي تبدو أولاً إنها نجسة بالنسبة لهم، لكي يتجنبوا على الأقل التأنيب من خلال هذا. “وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية”. إذا عندما يقول، ليس لديه ثقة (أي يرتاب)، ولا يؤمن بأنه طاهر، فكيف لا يكون قد فعل خطية؟ كل هذا قد قاله ق. بولس بخصوص الموضوع الذي جرى الحديث بشأنه، وليس للجميع. وإنتبه كم هو يعتني (في حديثه) حتى لا يُعثر أحد. لأنه قال سابقًا “فإن كن أخوك بسبب طعامك يحزن فلست تسلك بعد حسب المحبة”. لكن إن كان لا يجب أن تُثير حزن، فكم بالأولى لا ينبغي أن تُعثر أحد.
وأيضًا “لا تنقض لأجل الطعام عمل الله”. لأنه إن كان أمرًا مخيفًا وأحمق أن تهدم كنائس، فبالأكثر جدًا هو أمر مخيف أن تهدم هيكل روحي خاصة وأن الإنسان هو أكثر تقديرًا من الكنيسة (كمبنى). لأن المسيح لم يمت من أجل الحوائط، بل من أجل هذه الهياكل الروحية.
5- إذًا لنفحص كل أمورنا من كل الجوانب، وألا نعطي أقل دافع “للإدانة”. خاصة وأن الحياة الحاضرة هي مرحلة، ويجب أن يكون لنا أعين كثيرة من كل جانب (أي أن نكون مُتيقظين دومًا)، ولا نتصور أن عدم المعرفة هي كافية كمبرر (للخطية). لأنه من الممكن، نعم من الممكن أن تُدان عن عدم المعرفة، عندما تكون عدم المعرفة أمر غير قابل للصفح. كذلك فإن اليهود أظهروا جهلاً، لكن لم يكن جهلهم مستحقًا للصفح، واليونانيين جهلوا، لكن لم يكن لهم مبرر (لجهلهم). لأنه بالطبع عندما تجهل تلك الأمور التي من غير الممكن أن تعرفها، فإنك لن تتُهم عن أي شيء، لكن عندما تجهل الأمور السهلة، وتلك التي من الممكن أن تصير معروفة، فإنك سُتعاقَب بأشد العقاب. من ناحية أخرى، إن لم تنقصنا الشجاعة، بل ونُقدم كل مالنا، فإن الله سيمد لنا يده، في تلك الأمور التي نجهلها أيضًا، الأمر الذي قاله ق. بولس إلى أهل فيلبي “فليفتكر هذا جميع الكاملين منّا وإن افتكرتم شيئًا بخلافه فالله سيُعلن لكم هذا أيضًا”(33). لكن عندما لا نُريد أن نُصلح كل شيء من تلك الأمور التي تُسيطر عليها، فإننا ولا حتى في هذه سنتمتع بتوافق، وهو الأمر الذي حدث لليهود. “من أجل هذا أكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين لا تبصرون”(34). كيف بينما أبصروا لم يُبصروا؟ أبصروا كيف أن الشياطين يُطردون، وقالوا أن به شيطان، أبصروا كيف أُقيموا الأموات ومع ذلك لم يسجدوا له، بل وحاولوا أن يقتلوه. لكن كرنيليوس لم يكن هكذا. ولهذا تحديدًا، لأنه صنع برغبة حسنة كل تلك الأمور التي تعتمد عليه، فإن الباقي قد أكلمه الله.
إذًا لا تقل أن فلان قد سمح له الله، أن يكون بسيط وصالح، على الرغم من إنه كان عابد للأوثان؟ لأنه أولاً، لو أن شخص هو بسيط، فمن غير الممكن لدى الناس أن يعرفوا هذا جيدًا، بل هو معروف فقط لدى ذاك الذي خلق القلوب. بعد ذلك نستطيع أن نقول أيضًا، إنه مرات كثيرة لم يهتم، ولا حاول. وكيف يقول، إستطاع، بينما كان بسيط إلى حد كبير جدًا؟ لاحظ إذًا من فضلك، هذا البسيط والتلقائي أيضًا، كيف إنه لاحظ الأشياء الحسنة في الأمور الحياتية، وسترى إنه يُظهر دقة كبيرة، والتي إن أراد بالطبع أن يظهرها في الأمور الروحية أيضًا، فإنه لن يتغافل عنها. خاصة وأن تلك الأمور التي تضبط الحقيقة هي أكثر إشراقه من الشمس، وفي أي مكان أو حيثما وصل الإنسان، من السهل أن ينال خلاصه أو يتمم خلاصه، إن كان بالطبع يريد أن يحترس، ولا يعتبر هذا عمل ثانوي أو غير مهم. إذًَا هل الأمور إنحصرت في فلسطين؟ هل أنحصرت في زاوية صغيرة في المسكونة؟ ألم تسمع النبي الذي يقول: “كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم”(35). ألا ترى أن الأمور تصدق؟ إذًا كيف سينال هؤلاء الصفح، عندما يرون أن مبدأ الحقيقة منتشرة في كل مكان، ولا ينشغلون بهذا، ولا يهتمون أن يتعلموها؟
وهذه الأمور تطلبها من شخص فظ وبربري، بل وإن كان هناك بعد شخص هو أكثر بربرية من البربر الذين هم موجودون الآن. لأنه، أخبرنيـ لأي سبب عندما يتعلق الأمر بالأمور الحياتية يعرف أن يعارض عندما يُظلم، ويقاوم عندما يُجبر على فعل شيء، ويفعل كل شيء، ويُدبر كل شيء، حتى إنه لا يريد أن يُضار مطلقًا ولا حتى لأجل أمر قليل أو يسير، بينما في الأمور الروحية لا بعمل بنفس هذا التعقل تحديدًا؟ وعندما يسجد لحجر ما، ويعتبره إله، ويقيم إحتفالات، وينفق أموال، ويظهر خوف كثير، ولا يظهر أبدًا عدم مبالاة من جهة سذاجته، لكن عندما يطلب الإله الحقيقي، حينما تذكر لي السذاجة والبساطة. هذه الأمور ليست صحيحة، الإتهامات تتعلق فقط بعدم المبالاة. لأنه مَن تعتقد إنهم سذج وأفظاظ أكثر، هل هم أولئك الذين عاشوا في عصر أبرآم، أم الذين يعيشون الآن؟ من الواضح جدًا إنك تعتقد أن الأكثر سذاجة وفظاظة هم أولئك الذين عاشوا في عصر إبرآم. وفي أي وقت نجد من السهل أن تجد التقوى، الآن، أم في عصر إبرآم؟ من الواضح جدًا إنه الآن. لأن الجميع الآن ينادون بإسم الله، والأنبياء بشروا، والأمور إكتملت، وأفكار اليونانيين نُقضت، لكن في عصر إبرآم، الكثيرين كانوا بعد جهلاء، وقد سادت الخطية، ولم يكن هناك ناموس لكي يُعلم، ولا أنبياء، ولا معجزات، ولا تعليم، ولا ذلك الجمع الذي يعرف الأمور جيدًا، ولا أي أمر آخر مشابه، بل أن كل الأمور كانت قائمة كما لو إنها داخل ظلام دامس، وليل غير مُقمر وشتوي.
لكن ذلك الرجل المدهش والسخي (أي إبراهيم)، بالرغم من إنه كانت توجد عوائق كثيرة، فإنه عرف الله، ومارس الفضيلة، وقاد الكثيرين إلى غيرة مشابهة، وكل هذا قد حدث دون أن يعرف الحكمة الإنسانية، لأنه كيف كان له أن يعرفها في اللحظة التي لم تكتشف فيها المعارف والعلوم؟ لكن لأنه قدّم كل ما يتعلق به، فإن الله قدّم له بعد ذلك كل ما له. وبالطبع لا يمكنك أن تقول أن إبراهيم قد قبل التقوى من آبائه، لأن ذاك كان عابد للأوثان، وعلى الرغم من إنه وُلد من أسلاف مثل هؤلاء (أي الوثنيين)، وكان بربري ونمى وسط بربر، ولم يكن له معلم للتقوى، إلا إنه عرف الله، وقد نال كرامة أكثر بكثير من كل نسله الذي تمتع بالناموس وبالأنبياء أيضًا، بصورة لا يمكن التعبير عنها. لماذا يا ترى؟ لأنه لم يهتم بالأمور الحياتية بشكل مبالغ فيه، لكنه كرّس نفسه بالكامل للأمور الروحية وماذا عن ملكيصادق؟ ألم يولد في تلك الأزمنة، ألم يتميز جدًا، حتى إنه عمل ككاهن الله؟ خاصة هو أمر ضعيف، بل وضعيف جدًا، أن يُغلق على هذا الإنسان الوديع أبدًا أو أن يظل مجهولاً.
إذًا يجب ألا تقلقكم هذه الأمور، بل تعرفون أن القيمة في كل مكان ترتبط بالرغبة، فلنفحص أمورنا، كي نصير أفضل. وعلينا ألا نطلب أو نلقي المسئولية على الله، ولا أن نفحص لماذا ترك أو أهمل فلان، ودعى فلان. خاصةً ونحن نصنع نفس الأمر، مثلما لو فعل خادم ما، وفحص بالتدقيقي في تدبير سيده، لأنه سخط عليه. أيها التعس والشقي، بينما كان يجب عليك أن تهتم بتحمل مسئولياتك، وكيف تتصالح مع السيد الرب، تُلقي بالمسئوليات بشأن تلك الأمور التي لن تقدم عنها حساب، وتركض نحو تلك الأمور هذه التي أنت مُلزم أن تقدم عنها حساب.