عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري [1] ترجمة: آرثر دانيال

لتحميل البحث بصيغة PDF

 

الملخص: منذ أن نشر العالِم (جون ميل) نُسخته من العهد الجديد اليوناني عام ١٧٠٧، أبدى الباحثون اهتمامًا متكررًا بعدد الاختلافات النصية (variants) في الشواهد النصية المتوفرة لدينا. إلا أن التقديرات السابقة لم تُوضّح مَن الذي قدّم هذه التقديرات، أو كيف تم التوصّلُ إليها، أو حتى ما الذي تم تقديره تحديدًا. تهدف هذه الدراسة إلى معالجة هذه الإشكالات الثلاثة، وتقديم تقدير حديث يستند إلى أوسع قاعدة بيانات مقارنة نصية متاحة. وتظهر النتائج عددًا من المتغيرات أعلى من أغلب التقديرات السابقة. ومع ذلك، تُظهر المقارنة الدقيقة أن هذا العدد يعكس تكرار النسخ أكثر مما يعكس أخطاء النُسّاخ أو عدم أمانتهم.

الكلمات المفتاحية: النقد النصي، نقل نص العهد الجديد، عدد المتغيرات النصية.

Keywords: textual criticism, transmission of the New Testament, number of variants

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال
  1. مقدمة

في شهر يونيو عام ١٧٠٧، نشر (جون ميل)، زميل كلية كوين بجامعة أكسفورد، العهد الجديد اليوناني. كانت هذه النسخة ثمرة عملٍ استمر ثلاثين عامًا من حياته، وقد نُشرت قبل وفاته بأسبوعين فقط. لم تكن أهمية هذه الطبعة في نصها ذاته، إذ لم تكن سوى إعادة طباعة لنص (ستيفانوس) الصادر عام ١٥٥٠. اللافت في عمل (ميل) كان ما أرفقه تحت النص [أي الهامش]. إذ جمع، خلال عمله الطويل، ما يُقدّر بنحو ٣٠,٠٠٠ قراءة مختلفة بين المخطوطات. وكانت هذه المتغيرات النصية هي التي أثارت الجدل لاحقًا، إذ رأى بعضهم أن وجود هذا الكمّ من الاختلافات قد يُضعف ثبات النص، ومن ثم يطال سلطة العهد الجديد ذاته.[2]

لكن (ريتشارد بنتلي)، عميد كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، قدّم الرد الأكثر أهمية على هذه المخاوف في عمله ملاحظات على خطاب حديث عن حرية التفكير، الذي نُشر لأول مرة عام ١٧١٣ واستمر في ثماني طبعات. وقد أشار (بنتلي) إلى العلاقة المباشرة بين عدد المخطوطات وعدد المتغيرات النصية، موضحًا أن “كلما قارنتَ نُسخًا أكثر، ازداد عدد القراءات المختلفة”، وأنه “كلما زاد عدد النسخ التي تستعين بها، زادت المتغيرات التي تظهر لك”.[3]

بعد مرور ثلاثمئة عام على كتابة (بينتلي) لتلك الكلمات، ازداد عدد مخطوطات العهد الجديد المعروفة بشكل كبير. فبينما كانت طبعة (ميل) تعتمد على أقل من مئة مخطوطة يونانية، يقوم معهد أبحاث نص العهد الجديد (Institut für Neutestamentliche Textforschung – INTF) في مدينة مونستر بألمانيا اليوم بفهرسة أكثر من ٥٦٠٠ مخطوطة.[4] ورغم هذا الازدياد الذي يبلغ ستة وخمسين ضعفًا، فإن العدد الفعلي للاختلافات النصية التي أشار إليها بنتلي لم يرتفع بنفس النسبة، وذلك لسبب بسيط (وغالبًا ما يُنسى): “لا أحد حتى الآن تمكن من عدّها جميعًا”.[5] لكن ما ازداد بشكل مستمر منذ زمن (بنتلي) و(ميل) هو التقديرات المتعلقة بعدد الاختلافات النصية في العهد الجديد.

تنتشر هذه التقديرات في الكتب الأكاديمية، ومقدمات العهد الجديد، والكتب التفسيرية، وخصوصًا في كتب النقد النصي. وغايتها غالبًا إبراز الحاجة إلى النقد النصي.  أحيانًا يُطرح الأمر بنبرة تشاؤمية، كما يفعل غونتر تسونتس(Günther Zuntz) حين يصف العدد بأنه “كتلة لا يمكن تخيّلها أو التعامل معها”.[6] وفي حالات أخرى، تلعب هذه التقديرات الدور ذاته الذي لعبته في زمن (ميل)، إذ تُثير القلق لدى البعض وتستدعي ردًا من آخرين.[7]

وفي بعض الأحيان، تؤدي محاولات وضع هذه التقديرات في سياقها الصحيح إلى استنتاجات غير متوقعة حول نقل نص العهد الجديد، كما في حالة ستانلي بورتر(Stanley Porter) الذي يقترح أن إنتاج المخطوطات القديمة “يكاد يُضاهي أحيانًا ما نراه اليوم في الطباعة الحديثة”، أو كما يقول كريغ بلومبرغ(Craig Blomberg) إن متوسط عدد القراءات المختلفة قد لا يتجاوز ثمانية قراءات لكل مخطوطة.[8]

رغم الجاذبية المستمرة لمثل هذه التقديرات، فإن (إلدون إيب) محق في قوله: “لا يوجد حتى الآن تقدير موثوق لعدد الفروق النصية الموجودة في الشواهد المتوفرة لدينا”.[9] تهدف هذه الدراسة إلى تقديم مثل هذا التقدير، مع بعض التعليقات الموجزة حول كيفية الاستفادة منه. وقبل الانتقال إلى التقدير المقترح، سيكون من المفيد تتبُّع التقديرات السابقة بإيجاز، وبيان أوجه قصورها.

  1. التقديرات السابقة ومشكلاتها

1.2. عرض للتقديرات

تُظهر مراجعة للكتب والمقالات المنشورة خلال الـ ١٥٠ سنة الماضية مدى التكرار الذي يُستند فيه إلى هذه التقديرات (انظر المرجع 7). نقطة البداية، أو على الأقل نقطة المقارنة في العديد من هذه التقديرات، هي تقدير (جون ميل) لعدد٣٠,٠٠٠ اختلاف نصي في نسخته[10].

واحدة من أولى المحاولات لتحديث هذا الرقم ظهرت في كتاب (Plain Introduction) لـ (F. H. A. Scrivener)، الذي نُشر أول مرة عام ١٨٦١. بعد أن كرر نفس ملاحظة (بنتلي) عن أن ازدياد عدد المخطوطات يؤدي إلى ازدياد عدد المتغيرات، يقترح (سكرينر) أنه إذا كان (ميل) قد أحصى ٣٠,٠٠٠ اختلاف في زمانه، فإن العدد “لا بد أن يبلغ على الأقل أربعة أضعاف هذا الرقم” في زمنه، أي نحو ١٢٠,٠٠٠.[11]

ورغم أنه لم يقدّم أي تفسير لسبب هذه الزيادة، فقد تبنّى آخرون تقديره، بل وسرعان ما وسّعه فيليب شاف (Philip Schaff)، الذي كتب عام ١٨٨٣ أن العدد “الآن لا يمكن أن يقل عن ١٥٠,٠٠٠، إذا ما شملنا الاختلافات في ترتيب الكلمات، وطريقة التهجئة، وغيرها من الأمور الطفيفة التي تتجاهلها حتى أوسع النسخ النقدية انتشارًا”.[12] ويُبرز التحفظ الذي أضافه (شاف) على تقديره أهمية مسألة التعريفات، وهي نقطة سنعود إليها لاحقًا.

الزيادة التالية في التقديرات جاءت من (B. B. Warfield) من جامعة برينستون، حيث أضاف أكثر من ٣٠,٠٠٠ قراءة متنوّعة إضافية.[13] فبعد ست سنوات فقط من تقدير )شاف(، كتب )وارفيلد( أنَّه “وبصورة تقريبية، تم عدّ ما يقرب من ١٨٠ إلى ٢٠٠ ألف ‘قراءة متنوّعة’ في العهد الجديد، أي اختلافات فعلية في القراءة بين المخطوطات الموجودة”.[14]

ما يميّز تقدير (وارفيلد)، إلى جانب كونه أول من يدّعي تقديم “عدّ” وليس مجرد “تقدير”، هو أنه أول من شرح الطريقة التي أُجري بها هذا العد، رغم أن شرحه بدا غريبًا، فبدلًا من عدّ عدد الاختلافات الفعلية بين المخطوطات، قدّم وارفيلد عدًّا لعدد المخطوطات التي تختلف عن معيار معيّن غير مذكور. ويُوضح أن العد يتم بحيث “يتم احتساب كل موضع تظهر فيه قراءة متنوّعة بعدد مرّات تكرارها، ليس فقط حسب عدد الاختلافات المميزة فيه، بل أيضًا حسب عدد المرات التي تظهر فيها نفس القراءة المختلفة في مخطوطات مختلفة“.[15] وهذا يعني أنه إذا اتفقت ١٠٠ مخطوطة على قراءة ضد النص المعياري [الغير مذكور]، فسيُحسب ذلك على أنه ١٠٠ قراءة متنوّعة.[16]

على مدار الـ ٤٥ عامًا التالية، تراوحت التقديرات بين رقم (سكرڤنر) ورقم (وارفيلد)، مع ميل، وأضح نحو الأرقام الأعلى التي طرحها (وارفيلد) رغم طريقته الغريبة في “العدّ”. اقترح (عزرا أبوت) في عام ١٨٩١ رقم ١٥٠,٠٠٠. وأعطى (إيبرهارد نيستله) في عام ١٨٩٧ تقديراً يتراوح بين ١٢٠,٠٠٠ و١٥٠,٠٠٠. أما (مارڤن ڤنسنت) فقد قدّر العدد بين ١٥٠,٠٠٠ و٢٠٠,٠٠٠ بعد عامين فقط.[17] وحده (أدولف يوليشَر) قدّم رقماً أقل، مقترحاً إما ٣٠,٠٠٠ أو ١٠٠,٠٠٠، لكنه رأى أن هذا الاختلاف لا يغيّر لاهوتياً شيئاً لأن الكنيسة لم تمتلك يوماً نسخة خالية من الأخطاء تعتمد عليها.[18] بحلول عام ١٩١٥،  قدَّم (تشارلز سيتيرلي) التقدير الأعلى الذي طرحه (وارفيلد) أي ٢٠٠,٠٠٠، مع توضيحه أنه لا يشير إلى المخطوطات اليونانية فقط.[19]

في عام ١٩٣٤، قفز التقدير قفزته الكبيرة التالية على يد لويس بيرو (Louis  Pirot) ليون ڤاجاني (Léon Vaganay) حيث قدّرا العدد بما يصل إلى ٢٥٠,٠٠٠ متغيّر.[20] يُعتبر بيرو أول من أشار إلى أن عدد المتغيرات النصية قد يفوق عدد كلمات العهد الجديد نفسه. وبعد ١٥ سنة، أضاف Vaganay إرفين نيستله (Erwin Nestle)٥٠,٠٠٠ متغيّر إضافي، مقدّراً في عام ١٩٥١ أن عدد المتغيرات يتراوح بين ٢٥٠,٠٠٠ و٣٠٠,٠٠٠، هذا الرقم يتعلق بالمخطوطات اليونانية وحدها حسب كلامه.[21]

بعد ما يقرب من مئة عام على تقدير (سكرينفر)، نجد ثاني تقدير  —بعد تقدير فون ميستريخت (von Maestricht) القائم على عمل (ميل)— يستند إلى بيانات مُحددة. فمع عمل مشروع العهد الجديد اليوناني الدولي (International Greek New Testament Project – IGNTP) على إنجيل لوقا، كتب كينيث كلارك (Kenneth Clark) عام ١٩٦٦ أن الباحثين باتوا قادرين الآن على “تقدير مدى وطبيعة الحالة النصية للعهد الجديد اليوناني بدقة أكبر.”[22] استنادًا إلى هذه البيانات، خَلُص ميريل بارفيس (Merrill Parvis) إلى أن العدد الفعلي للمتغيرات ربما يفوق بكثير التقديرات السابقة التي تراوحت بين ١٥٠,٠٠٠ و٢٥٠,٠٠٠. وقد أوضح (كينيث كلارك) هذا الفارق الكبير حين قَدّر بنفسه العدد بـ٣٠٠,٠٠٠ متغير.[23]

بعد ذلك، استمر تكرار التقديرات الأقدم في الأدبيات، لكن تقدير (كلارك) البالغ ٣٠٠,٠٠٠ بدأ تدريجيًا في الهيمنة. استُشهد بهذا الرقم في أعمال كتبها كل من (J. K. Elliott) و (Ian Moir)و (Eldon Epp)وBart) (Ehrman و(Eckhard (Schnabel .[24] ومع ذلك، شأنه شأن جميع هذه التقديرات، لم يُكتب له الاستمرار طويلًا.

في عام ٢٠٠٧، عدّل (إلدون إب) تقديره السابق البالغ ٣٠٠,٠٠٠ اختلاف نصي إلى “ثلث مليون”. لكن (بارت إرمان) هو أول من ذكر في كتابه الأكثر مبيعًا سوء اقتباس يسوع أن “بعض العلماء” يقدّرون العدد بأنه يصل إلى ٤٠٠,٠٠٠.[25] لا شك أن شهرة الكتاب لعبت دورًا في ذلك، وبما يتماشى تمامًا مع الاتجاه التاريخي، فقد تبنّى عدد من الكتّاب الرقم الأعلى الذي عرضه (إرمان)، ومن بينهم (J. Harold Greenlee)، و(Daniel B. Wallace)، و(Lee Martin McDonald). [26]

ومع ذلك، يبدو أن هذا الرقم بات مرشحًا للتجاوز، وفقًا لما أشار إليه (إلدون إيپ) في تقديره الأخير، والذي وصفه بأنه “تخمين غير مبني على أدلة wild guess“، حيث اقترح أن عدد الفروق النصية قد يتراوح بين ٤٠٠,٠٠٠ و٧٥٠,٠٠٠ متغير. يُمثّل هذا التقدير أعلى رقم مقترح حتى الآن، كما يُعدّ أكبر قفزة عددية مفردة مقارنة بجميع التقديرات السابقة. [27]

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

2.2. المشاكل

في دليله التحليلي والنقدي لكشف الإحصاءات المشكوك فيها، يلخّص جويل بست (Joel Best) نصيحته الأساسية في الملاحظة التالية: “علينا أن نكون حذرين للغاية عندما لا نعرف من الذي قدّم الأرقام، أو لماذا قُدِّمت، أو كيف تمّ التوصل إليها، وعندما لا يمكننا التأكد من تطبيق منهجيات متّسقة في القياس عبر أزمنة وأماكن مختلفة”.[28] ولسوء الحظ، فإن جميع تقديرات عدد المتغيرات النصية في مجال نقد نص العهد الجديد التي قُدِّمت خلال المئة وخمسين عامًا الماضية تعاني من هذه العيوب المنهجية نفسها.

في المقام الأولى، غالبًا لا نعرف من الذي قدّم التقدير أصلًا. يُستخدم الأسلوب المبني للمجهول بشكل واسع في عرض هذه الأرقام. عبارات مثل: “يقول البعض…”[29] أو “يُقال إن…”[30] أو “تقدّر بعض المصادر أن…”[31] أو “تم إحصاء…”[32] مثل هذه العبارات تُمثّل سلسلة طويلة من التقديرات غير المُحققة. من خلال استخدام هذه الصيغة، يستطيع الناقلون لهذه الأرقام الاستفادة منها دون تحمّل أي مسؤولية حقيقية تجاه دقتها. تتفاقم المشكلة عندما يُعرض الرقم باعتباره “أحد أفضل التقديرات”[33] أو “تقديرًا موثوقًا” (بالألمانية [34]kundiger Schätzung) أو ما شابه. ينطبع في ذهن القارئ أن هناك جهة ما قد بذلت جهدًا حقيقيًا لصياغة منهج موثوق للتقدير، ولكن لا يظهر أي مصدر فعلي يدعم ذلك.

ليس من الغريب أن تكون المشكلة الثانية هي أن من يورد هذه الإحصاءات لا يشرح أبدًا كيف توصل إلى تقديره، رغم تكرار هذه الأرقام مرارًا في المراجع. وإذا حكمنا على هذه التقديرات وفقًا لدليل جامعة شيكاغو لكتابة الأرقام (The Chicago Guide to Writing about Numbers)، والذي يؤكد أن “جزءًا أساسيًا من كتابة الأرقام هو وصف البيانات والأساليب المستخدمة في إنتاجها”،[35] فإن جميع التقديرات السابقة تعتبر غير كافية.

معظم التقديرات لا تُقدَّم معها أي مبررات على الإطلاق. وحتى القليل الذي يتضمن شرحًا ما يظل إشكاليًا. بعض التقديرات تُبنى ببساطة على مضاعفات رقم (ميل) البالغ ٣٠٠,٠٠٠ اختلاف نصي، لكن دون مبرر لمعدل هذه المضاعفة. والأسوأ من ذلك أن تلك التقديرات تتجاهل أن الرقم الأصلي نفسه (٣٠٠,٠٠٠) هو مجرد تقدير. وحده (وورفيلد) قدّم شرحًا لكيفية “عدّه” لهذه الأرقام، لكن توجد أسباب كثيرة تدعو إلى رفض طريقته في العد.

أما أكثر التقديرات الواعدة فهي تلك التي قدمها (بارفيس) و(كلارك)، إذ استندت إلى مراجعات حديثة لعدد كبير من مخطوطات إنجيل لوقا. ومع ذلك، يتضح أن أيًا من هذين التقديرين لم يُبن على عدّ فعلي للاختلافات النصية، بل على تقدير لها، وهنا يظهر التباين بينهما. فـ(بارفيس) يقترح وجود ٣٠٠,٠٠٠ اختلاف في ١٥٠ مخطوطة من أصل ٣٠٠ تمت مراجعتها، بينما يقدّر (كلارك) وجود ٢٥٠,٠٠٠ اختلاف في جميع المخطوطات الـ٣٠٠ مخطوطة.[36] واللافت أن (كلارك) استخرج عددًا أقل من الاختلافات رغم استخدامه لعدد أكبر من المخطوطات، ما يشير إلى وجود خلل. وهذه المسألة تعكس المشكلة الأوسع المتمثلة في بناء تقدير على تقدير آخر.

المشكلة الثالثة هي أن ما يتم تقديره ليس واضحًا دائمًا. هل المقصود بعض الفروقات بين بعض الشواهد؟ أم بعض الفروقات بين جميع الشواهد؟ أم جميع الفروقات بين جميع شواهد العهد الجديد؟ على سبيل المثال، ميّز (إلدون إِب) بدقة في مواضع أخرى بين “القراءات النصية” و”الاختلافات النصية”، حيث تستبعد الأخيرة [أي الاختلافات النصية] كل “القراءات غير المعقولة”، و”أخطاء النسّاخ الواضحة”، و”الاختلافات الإملائية”، و”القراءات الشاذة”.[37] لكن عندما قدّم تقديره التقريبي بـ ٤٠٠,٠٠٠ إلى ٧٥٠,٠٠٠ اختلاف، ما الذي كان يقصده تحديدًا؟ كما هو الحال مع العديد من التقديرات السابقة، لا نجد إجابة واضحة.

  1. اقتراح تقدير جديد

1.3. منهج ونطاق البحث

مثل كثير من الدراسات التي تستعرض إحصائيات غير دقيقة، قد تعطي هذه الدراسة انطباعًا سلبيًا بأن الأرقام كلها غير موثوقة، لكن هذا ليس صحيحًا. الواقع أن أهم ميزة في الإحصاءات الجيدة بسيطة جدًا: أن تكون معلنة وواضحة، أي أن نعرف من أين جاءت هذه الأرقام، وكيف تم الوصول إليها. وأن تكون طريقة الحساب قابلة للنقاش، بحيث يستطيع باحثون آخرون تقديم ملاحظات تساعد في تحسين التعريفات وطريقة القياس،[38] وهذا بالضبط ما نحاول تقديمه في التقدير الجديد الذي سنعرضه لاحقًا.

1.1.3. من الذي قام بالتقدير؟

إذا أردنا لأي تقدير أن يكون ذا فائدة حقيقية، فلا بد أن يُوَضِح بشكل دقيق ثلاث نقاط أساسية تميز أي إحصاء جيد: “من” الذي قام بالتقدير، و”ما” الذي يتم تقديره، و”كيف” تم التوصل إلى الرقم. النقطة الأولى هي الأسهل. التقدير المعروض أدناه هو من عملي الشخصي، وبالتالي فإن الفضل أو الخطأ في دقته يقع على عاتقي وحدي.

2,1,3. ما الذي يتم تقديره؟

فيما يخص النقطة الثانية، أقتصر في تقديري على عدد الاختلافات النصية (variants) الموجودة في المخطوطات اليونانية فقط، أي البرديات، ومخطوطات الأحرف الكبيرة (majuscules)، ومخطوطات الأحرف الصغيرة (minuscules)، وكتب القراءات .(lectionaries) لا يعني هذا التقليل من أهمية الشواهد الأخرى مثل الترجمات القديمة، والاقتباسات الآبائية، والنقوش، وغيرها، بل يعود السبب ببساطة إلى صعوبة تقنيات الترجمة، وتعقيد أساليب الاقتباس، وفي كثير من الأحيان، إلى ندرة البيانات الدقيقة والموثوقة.

السؤال المتعلّق بما نقوم بعدّه هو في آنٍ واحدٍ مسألة معقّدة وبسيطة. هي معقّدة لأنّ كل قرار يتعلّق بتحديد ما يُعدّ فرقًا بين نَصَّين يستلزم حكمًا بشريًّا فيه قدر من الذاتيّة. وهي بسيطة في هذا السياق تحديدًا، لأنّي سأعتمد اعتمادًا كاملًا على جداول نصية (collations) أعدّها باحثون آخرون. ولأجل اختيار جداول موثوقة أُقيم عليها الدراسة، اخترت تلك التي تتضمّن أكبر كمّ من البيانات، من أكبر عدد من الشواهد النصية، وبطريقة أسهل منالًا للاطّلاع والاستخدام.[39]

المصادر الثلاثة الأساسية التي اعتمدتُ عليها في هذا التقدير هي: أطروحة (Bruce Morrill) حول يوحنا 18، وأطروحةMatthew)   (Solomonحول رسالة فيليمون، وعمل (Tommy Wasserman) حول رسالة يهوذا.[40] كل واحد من هذه الأعمال يوفّر أكثر بيانات التقابل (collation data) شمولًا المتوفرة حاليًا للنص اليوناني للعهد الجديد. أما المصدر الرابع الذي تم أخذه بعين الاعتبار فهو سلسلة Text und Textwert، التي نُشرت في الفترة بين 1987 و2005 على يد (كورت ألاند) وزملائه في معهد أبحاث نص العهد الجديد لاحقًا. Institut für neutestamentliche Textforschung)).[41] ومع ذلك، ونظرًا لأن مجلدات Text und Textwert) ) تقدّم بيانات التقابل في مقاطع محددة فقط (تُعرف بـ Teststellen)، فيجب استخدامها بحذر، كما سيتم توضيحه للمقارنة، تم عرض الخصائص المشتركة لكل واحد من هذه المصادر الأربعة في الجدول رقم 1أدناه.[42]

مصدر مقارنة النصوص المخطوطات المشمولة الاختلافات المشمولة النص مدى التغطية
بروس موريل جميع مخطوطات النص المستمر[43] جميع الاختلافات ما عدا أكثر الاختلافات الإملائية شيوعًا يوحنا 18 اصحاح كامل
ماثيو سولومون جميع مخطوطات النص المستمر جميع الاختلافات فيليمون سفر كامل
تومي واسرمان جميع مخطوطات النص المستمر + نصف كتب القراءات جميع الاختلافات ما عدا أكثر الاختلافات الإملائية شيوعًا يهوذا سفر كامل
Text und Textwert جميع مخطوطات النص المستمر جميع الاختلافات ما عدا القراءات الغير منطقية والاختلافات الإملائية العهد الجديد كامل باستثناء الرؤيا أجزاء مختارة فقط (مثلاً 11 جزء في يهوذا)

جدول 1. مقارنة شاملة لكل مجموعة

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

أهم جانب في تقديرنا هو بالطبع تعريف مصطلح «المتغير النصي». حتى الآن، استخدمنا مصطلحات «متغير»، «قراءة»، و«اختلاف» بشكل متبادل وبصورة غير دقيقة إلى حد ما. ولكن لكي يكون تقديرنا ذا فائدة، يجب أن نكون واضحين تماماً بشأن ما نقوم بتقديره. في مجال النقد النصي للعهد الجديد، جرت عدة محاولات للتمييز بين مصطلحي «متغير» و«قراءة»، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح بعد.[44] لهذا الغرض، سأقتصر على استخدام مصطلح «المتغير النصي» والذي أعرفه بأنه: “كلمة أو مجموعة كلمات في أي مخطوطة تختلف عن أي مخطوطة أخرى ضمن مقطع نصي مماثل، مع استثناء ما يلي فقط: فروق التهجئة والطرق المختلفة لاختصار الأسماء المقدسة(nomina sacra) “.[45]

قبل المتابعة، يجب التوقف عند ملاحظتين مهمتين بخصوص هذا التعريف. أولًا، هذا التعريف قائم على المقارنة بين المخطوطات نفسها، وليس على  أي نص نقدي معياري.[46] هذا يعني أن أي موضع في النص يحتوي على قراءتين على الأقل، تُعَدّ كل واحدة منهما «اختلافًا نصيًا«، بما في ذلك تلك القراءة التي يعتقد الجامع أو المحرر أنها الأصل الذي انحدرت منه القراءات الأخرى. في هذا السياق، لا يُعتبَر مصطلح «أصلي» و«اختلاف» وصفين متعارضين، بل يمكن أن يُطلَق كلاهما على نفس القراءة. التباين

ثانيًا، يجب الانتباه إلى القيد المهم في تعريفنا، وهو عبارة “مقطع نصي قابل للمقارنة” (comparable segment of text). هذه العبارة تشير ببساطة إلى ما يُعرف في النقد النصي بوحدة الاختلاف/ (variant unit) .[47] تحديد الموضع الدقيق لحدود هذه المقاطع يخضع لتقدير بشري، وهو أمر قد يؤثر بشكل ملحوظ، في سياق دراستنا، على عدد المتغيرات الناتجة.[48] مدى تأثير هذا العامل على النتائج الكلية يصعب تحديده بدقة، لكن من خلال عملي في مجموعات بيانات متعددة، ألاحظ أن كلما كانت عملية التجميع النصي أكثر شمولًا، قلّ تأثير هذه القرارات على العدد الإجمالي للمتغيرات. على أي حال، يجب التنويه إلى أن التقدير المقدم في هذه الدراسة يعتمد بالكامل على تقديرات باحثين آخرين في تحديد حدود تلك المقاطع النصية.

3.1.3. كيف وصلنا إلى هذا التقدير؟

بناءً على مصادر التجميع النصي (collation) التي أشرنا إليها، وتعريفنا لما يجب عَدُّه ضمن المتغيرات النصية، يبقى أن نوضّح كيف سنصل إلى تقديرنا العام لعدد المتغيرات في العهد الجديد كاملًا. أول ما يجب ملاحظته هو أن تقديرنا لا يعتمد على تقدير سابق، بل على عَدٍّ فعليّ للمتغيرات النصية. وهذا يميز هذا التقدير عن كل التقديرات السابقة. ومع ذلك، يبقى مجرد تقدير، وجوهر كل تقدير هو عملية استقراء (extrapolation) من مجموعة بيانات إلى أخرى.

أبسط نقطة يمكن الانطلاق منها في هذه الاستقراء هي عدد الكلمات في كل سفر من أسفار العهد الجديد. من الواضح أن هذا العدد يتوقف على الطبعة المستخدمة، ولكن ما دام نفس الإصدار يُستخدم في طرفَي المعادلة، فإن النتائج ستكون متسقة. ونظرًا للعلاقة الوثيقة بين هذه الطبعة وسلسلة(Text und Textwert) ، فقد اخترت الإصدار السابع والعشرين من (Nestle-Åland Novum Testamentum Graece)، والذي يحتوي على 138,020 كلمة، بما في ذلك الكلمات الموضوعة بين أقواس مزدوجة ومفردة.[49]

إذا كنا نعرف عدد المتغيرات النصية لكل كلمة في جزء معيّن من النص، أو ما يمكن أن نطلق عليه “معدل الاختلاف “(rate of variation)، يمكننا الاستقراء بناءً عليه لتقدير عدد المتغيرات في كامل العهد الجديد. الصيغة الحسابية كالتالي:[50]

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري ترجمة: آرثر دانيال

بما أننا مهتمون بعدد المتغيرات في العهد الجديد (س)، يمكننا ترتيب المعادلة على الشكل التالي:

 

 

2.3. البيانات المستخدمة في التقدير

للوصول إلى معدل الاختلاف في كل مجموعة نصية (corpus)، قمت بفحص دقيق للمواضع التي تم جمع قراءاتها في المصادر المُختارة، وعددتُ المتغيرات النصية في كلٍ منها، مع تسجيل القراءات التي بلا معني (nonsense) أو القراءات الشاذة (singular) حيثما أمكن. في بعض الحالات، استخدمت قواعد بيانات إلكترونية ساعدت في العد، وفي حالات أخرى أجريت العد يدويًا. تُعرض

السفر/الاصحاح عدد المخطوطات التي أُجريَت عليها المقارنة النصية وحدة الاختلاف

 

 

المُتَغَيِّرات القراءات التي لا معني لها/غير مفهومة القراءات الشاذة
يوحنا 18 (م) 1659 524 3,058 1360 1768
فليمون (س) 572 293 1,185 218 409
يهوذا (و) 560 324 1,694 502 859

البيانات الأولية من المصادر الثلاثة الأساسية في الجدول 2.

جدول 2. البيانات المستخرجة من المقارنات النصية التي أجراها موريل (و)، وسولومون (س)، وواسّرمان (و).

يمكننا أن نضيف إلى هذه البيانات عددًا من نقاط المقارنة المفيدة، مثل عدد الكلمات وعدد وحدات الاختلاف.  كما يمكننا عرض النسبة المئوية للقراءات الغير مفهومة والقراءات الشاذة من إجمالي القراءات. تُعرض هذه المقارنات في الجدول 3 (وقد تم تقريب المعدلات لأقرب جزء من المئة، والنسب المئوية لأقرب جزء من العشرة).

السفر/الاصحاح عدد الكلمات (NA27) متوسط المتغيرات لكل وحدة اختلاف متوسط المتغيرات لكل كلمة النسبة المئوية للقراءات الغير مفهومة النسبة المئوية للقراءات الشاذة
يوحنا 18 (م) 791 5.84 3.87 44,5% 57.8%
فليمون (س) 335 4.04 3.54 18.4% 42.3%
يهوذا (و) 461 5.23 3.67 29.6% 50.7%
المتوسط 5.04 3.69 30.8% 50.3%

جدول 3. مقارنة بين عدد المتغيرات وعدد وحدات الاختلاف وعدد الكلمات. العمود الأخير يوضّح النسبة المئوية للمتغيرات التي تُعدّ بلا معنى أو التي تظهر في مخطوطة واحدة فقط من بين المخطوطات التي تم تجميعها.

قبل الانتقال إلى التقدير، هناك بعض الملاحظات الهامة: أولًا، نسبة المتغيرات الشاذة مرتفعة بشكل كبير، إذ تُشكّل في المتوسط أكثر من نصف المتغيرات في الجداول الثلاثة، وتقترب من60٪ في يوحنا 18. أما المتغيرات التي لا معني لها أقل، لكنها لا تزال ملحوظة، إذ تتجاوز في المتوسط 30٪، وتصل إلى حوالي 45٪ في يوحنا 18. ومن غير المفاجئ أن هاتين الفئتين تتقاطعان بدرجة كبيرة؛ فـ 86.3٪ من المتغيرات الغير مفهومة في يوحنا 18 هي متغيرات شاذة، بينما تصل هذه النسبة إلى 64.2٪ في فيلمون، و84.7٪ في يهوذا. تؤكد هذه المعطيات أن الأخطاء الواضحة كانت النوع الأسهل الذي تمكن النساخ من ملاحظته وتصحيحه.

ثانيًا، يجب أن ننظر في العلاقة بين عدد المتغيرات وعدد المخطوطات. من الصحيح، كما أدرك (بنتلي)، أن زيادة عدد المخطوطات المُقارنة يؤدي إلى زيادة عدد المتغيرات. لكن يمكننا أيضًا القول إن هذه الزيادة ليست خطية (linear) ولا أُسّية (exponential)، بل لوغاريتمية (logarithmic). والسبب في ذلك أن الغالبية العظمى من المخطوطات بيزنطية، لأنها متشابهة إلى حد كبير، وبالتالي، كلما زاد عدد المخطوطات البيزنطية المُقارنة، قلّ عدد المتغيرات التي تضيفها كل مخطوطة تتضاف للمقارنة.

يتضح هذا أولًا إذا لاحظنا أن معدل الاختلاف (أو نسبة الكلمات إلى المتغيرات) متقارب جدًا بين المُقارنات الثلاث، رغم أن يوحنا 18 يضم تقريبًا ثلاثة أضعاف عدد المخطوطات. السبب في ذلك هو أن الكثير من هذه المخطوطات الإضافية هي بيزنطية. يمكن ملاحظة التأثير نفسه عند مقارنة تجميع (واسرمان) لرسالة يهوذا مع تجميع [51] .Editio Critica Maior (ECM) فعلى الرغم من أن (واسرمان) قارن أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الشواهد، إلا أن النتيجة كانت أقل من ضعف عدد المتغيرات.[52] والسبب واحد: عند التعامل مع المخطوطات البيزنطية وعدد المتغيرات النصية، يبدأ قانون تناقص العائد بالظهور.[53]

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال

3.3. التقدير المُقترح

استنادًا إلى هذه الأرقام، أصبح بإمكاننا الآن تقدير العدد الكلّي للاختلافات النصية في العهد الجديد اليوناني. وصيغة الحساب التي نعتمدها هي: “(عدد المتغيرات في العيّنة ÷ عدد الكلمات في العيّنة) × عدد كلمات نص العهد الجديد (NA27) = العدد التقديري للاختلافات في العهد الجديد بأكمله.”

موريل (791 ÷ 3058) × 138.020 = 533,584
سولومون (335 ÷ 1185) × 138.020 = 488,220
واسرمان (461 ÷ 1694) × 138.020= 507,171

نظرًا لأن هذه التقديرات تستند إلى بيانات من مجموعة متنوعة من أسفار العهد الجديد (الأناجيل، رسائل بولس، والرسائل الجامعة)، فإنها متقاربة بشكل ملحوظ. ومع ذلك، فإن ما يمكن اعتباره قصورًا فيها هو افتراضها لثبات معدل الاختلاف النصي عبر كامل العهد الجديد. ولكي نمنح خصوصية تداول كل سفر حقها، يمكننا استخدام البيانات المتوفرة في سلسلةText und Textwert ، مع العلم بأنها تغطي فقط 920 مقطعًا اختبريًا(Teststellen) ، ولا تشمل أي قراءات غير منطقية.[54] تُعرض هذه البيانات في الجدولين 4 و5.

السفر المخطوطات

المُجمعة

مقاطع الاختبار المتغيرات المتغيرات الشاذة
متى 1657 64 720 346
مرقس 1660 196 2431 1144
لوقا 1672 54 862 413
يوحنا 1-10 1683 153 1306 439
أعمال 486 104 1260 616
رومية 601 47 475 223
1 كورنثوس 605 59 660 260
2 كورنثوس 612 26 392 201
غلاطية 609 17 235 99
أفسس 607 18 181 80
فيلبي 609 11 146 71
كولوسي 612 10 127 59
1 تسالونيكي 598 5 53 26
2 تسالونيكي 598 4 58 24
1 تيموثاوس 597 9 90 40
2 تيموثاوس 586 5 43 19
تيطس 574 3 67 35
فليمون 563 4 65 35
العبرانيين 595 33 307 127
يعقوب 517 25 174 60
1 بطرس 519 13 121 46
2 بطرس 511 14 141 55
1 يوحنا 504 23 205 84
2 يوحنا 490 8 52 24
3 يوحنا 500 4 22 8
يهوذا 499 11 170 84
الرؤيا

جدول 4. يُؤخذ عدد المخطوطات من مقطع الاختبار في كل سفر، وهو المقطع الذي يحتوي على أكبر عدد من الشواهد المخطوطية المُدرجة. تُحتسب الحذوفات الناتجة عن التماثل في نهايات الأسطر (homoeoteleuton) أو بداياتها (homoeoarchton)، والتي يُشار إليها بالحرفين “U” أو “V” في الجهاز النقدي، فقط إذا نتج عنها قراءة مميزة داخل وحدة الاختلاف. وعندما تحدث حذوفات متعددة من هذا النوع ضمن وحدة التغاير نفسها، لا تُعد قراءات شاذة.  أما المخطوطات التي تُسقط بالكامل مرقس 16: 9–20 أو يوحنا 7: 53–8: 11، فلا يُعاد احتسابها في وحدات التغاير اللاحقة داخل هذه المقاطع. يُستخدم الخط (-) للدلالة على البيانات غير المتوفرة.

عدد كلمات العهد الجديد  في مقاطع الاختبار متوسط المتغيرات لكل مقطع اختبار متوسط المتغيرات لكل كلمة النسبة المئوية للقراءات الشاذة السفر
156 11.25 4.62 48.1% متى
506 12.40 4.80 47.1% مرقس
167 15.96 5.16 47.9% لوقا
377 8.54 3.46 33.6% يوحنا 1–10
310 12.12 4.06 48.9% أعمال الرسل
126 10.11 3.77 46.9% رومية
201 11.19 3.28 39.4% 1 كورنثوس
108 15.08 3.63 51.3% 2 كورنثوس
48 13.82 4.90 42.1% غلاطية
46 10.06 3.93 44.2% أفسس
40 13.27 3.65 48.6% فيلبي
24 12.70 5.29 46.5% كولوسي
10 10.60 5.30 49.1% 1 تسالونيكي
15 14.50 3.87 41.4% 2 تسالونيكي
17 10.00 5.29 44.4% 1 تيموثاوس
9 8.60 4.78 44.2% 2 تيموثاوس
9 22.33 7.44 52.2% تيطس
14 16.25 4.64 53.8% فليمون
74 9.30 4.15 41.4% العبرانيين
61 6.96 2.85 34.5% يعقوب
21 9.31 5.76 38.0% 1 بطرس
44 10.07 3.20 39.0% 2 بطرس
81 8.91 2.53 41.0% 1 يوحنا
9 6.50 5.78 46.2% 2 يوحنا
7 5.50 3.14 36.4% 3 يوحنا
51 15.45 3.33 49.4% يهوذا
رؤيا يوحنا
11.57 4.33 44.4% المتوسط

جدول 5. مقارنة بين عدد المتغيرات وعدد الكلمات ووحدات الاختلاف (variation units) في سلسلة Text und Textwert. تم أخذ عدد الكلمات من النص الأساسي في كل مقطع اختبار، وهو ما يتم تمييزه بخط سفلي في سلسلة TuT.

لضمان التعامل مع عملية نقل كل سفر من أسفار العهد الجديد بشكل مستقل، قمنا بتطبيق المعادلة الحسابية على كل سفر على حدة، ثم جمعنا الناتج النهائي،[55] وكانت النتيجة أعلى تقدير حتى الآن: 591,044 قراءة مختلفة في كامل العهد الجديد. وعند مقارنة هذا الرقم مع التقديرات الثلاثة الأخرى، يبرز بوضوح أن التجميعات النصية الأوسع نطاقًا تؤدي إلى تقديرات أقل.

 كيف يمكن تفسير ذلك؟ أحد الاحتمالات هو أن يوحنا 18، وفليمون، ويهوذا قد تم نسخها بدقة أكبر من غيرها من أسفار العهد الجديد، ولذلك تظهر معدلات أقل من التغيير النصي مقارنة ببقية العهد الجديد. إلا أن التفسير الأرجح يكمن في الطبيعة الانتقائية لمقاطع الاختبار (Teststellen) المستخدمة في سلسلة Text und Textwert، والتي قد لا تمثل حجم التغيّرات النصية تمثيلًا دقيقًا كما كنا نأمل. فهذه المقاطع لم تُختَر عشوائيًا، بل تم “اختيارها بعناية” لغرض محدد، وهو تقييم القيمة النصية للمخطوطات [56].(Textwert) وفي الواقع، لسنا بحاجة إلى افتراض هذا التفسير، بل يمكننا إثباته من خلال مقارنة البيانات المتداخلة المعروضة في الجدول 6.

التجمعية المخطوطات عدد كلمات NA 27 وحدات الاختلاف المتغيرات متوسط المتغيرات للوحدة متوسط الاختلافات للكلمة
يوحنا 1-10 (TuT) 1683 377 153 1570 10.26 4.16
يوحنا 18 (م) 1659 791 524 3058 5.84 3.87
فليمون (TuT) 563 14 4 65 16.25 4.64
فليمون (س) 572 335 293 967 3,30 2.89
يهوذا (TuT) 499 51 11 170 15,45 3.33
يهوذا (و) 560 461 324 1192 3.68 2,59

جدول 6. مقارنة بين بيانات “Text und Textwert” (TuT) وبيانات موريل(م)، وسولومون (س)، وواسرمان (و) تستثني هذه المقارنة القراءات التي لا معنى لها  (nonsense readings) من بيانات سولومون وواسرمان، بينما تشمل هذه القراءات ضمن بيانات TuT الخاصة بيوحنا 1–10 فقط.

في جميع الحالات الثلاث، تُظهر مقاطع الاختبار في سلسلة Text und Textwert معدلات اختلاف أعلى من المتوسط. في حالة إنجيل يوحنا، يوجد 0.29 متغيرًا أكثر لكل كلمة في مقاطع يوحنا 1–10 مقارنةً بتجميع موريل ليوحنا 18. في رسالة يهوذا، المعدل يزيد بمقدار 0.74 متغيرًا لكل كلمة. أما في فليمون، فالمعدل يزيد بشكل لافت بمقدار 1.75 متغيرًا لكل كلمة.

هذا يعني أنه إذا استخدمنا مقاطع Text und Textwert لتقدير عدد المتغيرات في فليمون ويهوذا بالكامل، فسوف نبالغ في التقدير بأكثر من 580 متغيرًا في فليمون و350 متغيرًا في يهوذا. قد يبدو هذا الفارق بسيطًا، لكن إذا تكرر نفس هذا المعدل على مستوى العهد الجديد كله، فسنحصل على تقدير زائد بمقدار يتراوح بين 100,000 و240,000 متغير. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، لن يكون تقديرنا بعيدًا تمامًا عن الواقع. وفائدة توفر بيانات من كل سفر على حدة تجعلنا لا نرفض تقدير Text und Textwert كليًا.

نقترح أن يكون التقدير المعقول لعدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني — باستثناء اختلافات الإملاء — حوالي نصف مليون متغير. هذا الرقم — ونؤكّد مجددًا أنه مجرد تقدير — يستند إلى عيّنة تمثّل تقريبًا 3% من كامل نص العهد الجديد اليوناني، وتشمل مخطوطات الأحرف الكبيرة، ومخطوطات الأحرف الصغيرة، وبعض كتب القراءات الكنسية. باستثناء سفر الرؤيا، يعتمد هذا التقدير على بيانات مأخوذة من أجزاء من كل سفر في العهد الجديد، وبالتالي لا يفترض أن جميع الأسفار نُسخت بنفس التكرار أو بنفس الدقة. كما لا يشمل التقدير المتغيرات المأخوذة من اقتباسات الآباء، الترجمات القديمة، التعاويذ، أو النقوش.

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري – ترجمة: آرثر دانيال
  1. قيمة هذا التقدير

إذا كان التقدير السابق معقولًا، فما قيمته؟ قد يرى البعض أنه لا فائدة منه على الإطلاق، على سبيل المثال، كان (كينيث كلارك) مقتنعًا بأن “عدّ الكلمات مقياس لا معنى له للتنوع النصي، وأن جميع هذه التقديرات تفشل في نقل الأهمية اللاهوتية للاختلافات النصية”.[57] يمكننا أن نتفق مع الادعاء الثاني دون أن نتفق مع الأول، لأنه لا يوجد سبب للتشاؤم لدرجة الاعتقاد بأن العدّ والتقدير لا يمكن أن يقدّما شيئًا عن انتقال نص العهد الجديد؛ علينا فقط أن نكون دقيقين في كيفية استخدامنا للبيانات.

على ذكر الأمثلة السلبية، قد نميل إلى مقارنة تقديرنا بعدد المخطوطات اليونانية الموجودة، كما فعل (كريغ بلومبرغ) و(ستانلي بورتر).[58] في هذه الحالة، قد نستنتج أن كل واحدة من المخطوطات البالغ عددها 5,600 تُنتج في المتوسط 90 متغيرًا فقط. لكن قليلًا من التفكير يُظهر أن هذا الاستنتاج لا معنى له، لأن المخطوطات اليونانية تختلف اختلافًا كبيرًا في الطول؛ إذ لا يمكن مقارنة 90 متغيرًا في المخطوطة السينائية الضخمة بنفس العدد في قصاصة P52 الصغيرة.

فماذا لو استخدمنا عدد الصفحات بدلًا من عدد المخطوطات كوحدة مقارنة؟ تُشير الصفحة الرئيسية لموقع غرفة المخطوطات الافتراضية للعهد الجديد (NTVMR) إلى أن عدد الصفحات المفهرسة لمخطوطات العهد الجديد اليونانية يبلغ حاليًا 2,111,770 صفحة.[59] وهذا يعني، في المتوسط، متغيرًا واحدًا لكل أربع صفحات، أو 0.25 متغيرًا لكل صفحة. لا تزال لدينا مشكلة أن “الصفحة” ليست وحدة مقارنة ثابتة، لأن الصفحات تختلف في الحجم وفي كمية النص التي تحتويها، من دون وجود علاقة ضرورية بين العاملين. فالاختلافات النصية لا تنشأ أثناء تقطيع الصفحات أو تجليدها، بل تنشأ أثناء عملية نسخ الكلمات نفسها.

كمثال إضافي، كثيرًا ما يُقارن عدد الاختلافات النصية بعدد كلمات العهد الجديد (في إصدار معيّن على الأرجح).[60] وهذه المقارنة تؤدي إلى نتيجة تفيد بأن عدد الاختلافات يفوق عدد الكلمات، وهي نتيجة يراها بعضهم جذّابة لما تحمله من “أثر صادم”. لكن رغم شيوع هذه المقارنة، فإنها قد تكون الأكثر إثارة للشك، على الأقل إذا كان المقصود منها إخبارنا بشيء ذي معنى عن نقل نص العهد الجديد.

السبب هو أنها تتجاهل تمامًا أن العملية التي تُدخل الاختلافات إلى التقليد النصي (أي النسخ) تزيد أيضًا من إجمالي عدد الكلمات التي تشهد على نفس التقليد النصي. وكما هو الحال مع المقارنات الأخرى التي تمت دراستها، تفشل هذه المقارنة في إدراك أن النساخ يُدخلون اختلافات فقط أثناء عملية الكتابة. وكما في السابق، النتيجة هي مقارنة خاطئة.[61]

هل يمكننا إذًا أن نقول شيئًا ذا معنى بشأن نقل نص العهد الجديد بناءً على عدد المتغيرات المقدَّرة؟ نعم، إذا قارنا عدد المتغيرات الموجودة في مخطوطاتنا، لا بعدد المخطوطات، أو الصفحات، أو كلمات العهد الجديد، بل بعدد الكلمات الموجودة في المخطوطات التي أُخذت منها تلك المتغيرات. المشكلة أن لا أحد يعرف عدد الكلمات الموجودة في مخطوطاتنا الباقية، ويبدو أن لا أحد سيعرف لفترة.

مع ذلك، يمكننا إجراء هذه المقارنة على نطاق صغير باستخدام بياناتنا المستخرجة من المصادر الثلاثة الرئيسة. فمثلًا، إذا افترضنا أن المخطوطات الـ 1659 التي جُمِّعَت في يوحنا 18 تحتوي كل منها على عدد كلمات يتراوح بين 791 كلمة كما في نسخة NA27 و801 كلمة كما في نص روبنسون-پيربونت، فإن هذا يعني أن الكتبة أضافوا، في المتوسط، متغيرًا جديدًا واحدًا كل 430 كلمة منسوخة.

هذا المعدل قريب من الذي حسبه ديفيد باركر لعضوين متقاربين من العائلة 1 (Family 1) في متى، وهو متغير واحد كل 550 كلمة.[62] أما في رسالتي فليمون ويهوذا، فينخفض المعدل بشكل ملحوظ ليصل إلى متغير واحد كل 150 كلمة منسوخة. ومثلما لاحظنا سابقًا، فإن السبب يعود على الأرجح إلى قلة عدد المخطوطات البيزنطية [المستخدمة] لهاتين الرسالتين. في جميع الحالات الثلاث، تؤكد البيانات أن العدد الكبير من المتغيرات يعكس تكرار النسخ من قبل الكتبة أكثر مما يعكس عدم أمانتهم في النسخ.[63]

هناك فائدة إضافية لتقديرنا المقترح، وهي أنه يستند إلى بيانات نوعية، وليس كمية فقط .فيمكننا القول إن نحو 50٪ من المتغيرات التي قدّرناها هي من النوع الذي يعتبره كثير من نُقّاد النصوص الأقل احتمالًا لأن يكون أصليًا، أي “القراءات الشاذة”(singular readings) . يمكننا أيضًا أن نلاحظ أن في يوحنا 18، حوالي 44٪ من جميع المتغيرات هي من النوع الذي لم يتمكن المحرر من فهمه منطقيًا أو نحويًا، أي ما يُعرف بالقراءات “غير المفهومة”(nonsense variants). 
أما في رسالتي فليمون ويهوذا، فالنسب أقل لكنها لا تزال تصل إلى 18٪ و29٪ على التوالي. هذا يثبت ببساطة ما كان نُقّاد النصوص المتمرّسون يعرفونه دائمًا، وهو أن نسبة كبيرة من المتغيرات الموجودة في مخطوطاتنا لا تملك، أو تملك احتمالية قليلة، لأن تكون أصلية.

  1. الخاتمة

بعد نحو 150 عامًا من إصدار(ميل) نسخته التي قدّر فيها عدد المتغيرات النصية بنحو 30,000، اقترح (سكريفنر) أن يُضرب هذا الرقم في أربعة. واليوم، بعد أكثر من 150 عامًا من (سكريفنر)، يمكننا أيضًا أن نضاعف تقديره أربع مرات على الأقل، مع الإشارة إلى أن هذا التقدير يقتصر على المخطوطات اليونانية وحدها. ويمكن القول أيضًا إن جميع التقديرات السابقة كانت أقل من الواقع، ولا سيما تلك التي زعمت أنها تشمل قراءات نُقلت عن الترجمات القديمة أو عن آباء الكنيسة. الاستثناء الوحيد هو “التخمين الجريء” لـ (إلدون إيب) الذي يصل إلى 750,000 متغير، وهو على الأرجح مبالغ فيه، حتى مع احتساب الأدلة الأبائية والترجمية.

الأهم من ذلك، أن هذا التقدير يتيح للباحثين عدم إلقاء مسؤولية تقديراتهم على مصادر غير مذكورة أو غير مرئية. فالتقدير الحالي يستند إلى بيانات واضحة ومنهجية محددة، وكلاهما متاح للفحص العلني. ويُؤمَل أن تكون هاتان الميزتان كافيتين لردعنا جميعًا عن إعادة تكرار معلومات غير موثقة أو لا يمكن التحقق منها بشأن انتقال نص العهد الجديد اليوناني.[64]

  1. الملحق: مسح للتقديرات السابقة

تتضمن القائمة التالية مسحًا للتقديرات الواردة في كتب مقدمات العهد الجديد، ومقالات، والقواميس، والموسوعات، والدلائل التفسيرية، وكتب نقد نص العهد الجديد، وكتب تتناول أصل وتكوين الكتاب المقدس خلال الـ150 سنة الماضية. وعندما يكون المؤلف قد تم الاستشهاد به في هذه المقالة، يُكتفى هنا بذكر بيانات ببليوغرافية جزئية فقط.

المصدر التاريخ التقدير العالم

Plain Introduction, 3

1861 على الأقل 120,000

Scrivener, F. H. A.

Companion, 176

1883

150,000

Schaff, Philip

New Testament,’ The Imperial Bible-Dictionary: Historical  Biographical, Geographical, and Doctrinal (ed. Patrick Fairbairn; London: Blackie & Son) 370

1886

120,000

Dickson, William P.

Introduction, 13

1889

180,000 – 200,000

Warfeild, B. B.

‘Bible Text—New Testament,’ I.278

1891

150,000

Abbot, Ezra, C. von Tischendorf, and O. von Gebhardt

Einführung, 14

1897

120,000 – 150,000

Nestle, Eberhard

History of the Textual Criticism, 6

1899

150,000-200,000

Vincent, Marvin

Introduction to the New Testament, 589

1904 30,000 أو 100,000

Jülicher, Adolf

The Ancestry of Our English Bibles: An Account of Manuscripts, Texts, and Versions of the Bible (New York: Harper & Brothers) 201

1907

150,000

Price, Ira Maurice

‘Text and MSS (NT),’ V.2955

1915

200,000

Sitterly, Charles

Critique textuelle,’ II.262

1934 ‘حوالي 250,000’

Pirot, Louis and H. J. Vogels

Initiation, 9

1934

150,000-250,000

Vaganay, Léon

Text of the Epistles, 58

[1946]

1953

“كتلة لا يمكن تصورها ولا يمكن التحكم بها”

Zuntz, Günther

‘How to Use a Greek New Testament,’ 54

1951

250,000-300,000

Nestle, Erwin

‘Text, NT,’ 595

1962 أكثر بكثير من 150,000-250,000

Parvis, Merrill M.

‘The Textual Criticism of the New Testament,’ Peake’s Commentary on the Bible (ed. Matthew Black and H. H. Rowley; London: Thomas Nelson) 669

1962

300,000

Clark, Kenneth W.

‘Theological Relevance,’ 3, 12

1966

300,000

Clark, Kenneth W.

Introduction to the New Testament (New York: Doubleday) 77

1983

200,000

Collins, Raymond F.

Introduction to New Testament Exegesis (Grand Rapids: Eerdmans) 13–14

1993

[1987]

250,000

Stenger, Werner

‘Textual Criticism,’ New Testament Criticism and Interpretation (ed. David Alan Black and David S. Dockery; Grand Rapids: Zondervan) 128 n. 21

1991 عشرات أو حتى مئات الآلاف

Holmes, Michael W.

Introduction, 2

1991

150,000-250,000

Vaganay, Léon and C.-B. Amphoux

Manuscripts and the Text, 21

1995

300,000

Elliott, Keith and Ian Moir

‘Textual Criticism in the Exegesis of the New Testament, with an Excursus on Canon,’ A Handbook to the Exegesis of the New Testament (ed. Stanley E. Porter; Leiden: Brill) 52–53

1997

300,000

Epp, Eldon J.

Kenneth W. Clark Lectures, ‘Lecture One,’ §8

1997

300,000

Ehrman, Bart D.

‘Multivalence,’ 277

1999

300,000

Epp, Eldon J.

The Study of the New Testament: A Comprehensive Introduction (Leiden: Deo, 20033) 84

2003

250,000

Piñero, Antonio and Jesús Sáenz

‘Textual Criticism,’ 59

2004

300,000

Schnabel, Eckhard J.

‘All About Variants,’ 275, 291

2007 ثُلثُ مليونٍ

Epp, Eldon J.

Misquoting Jesus, 89

2005

200,000-400,000

Ehrman, Bart D.

‘Laying a Foundation: New Testament Textual Criticism,’ Interpreting the New Testament Text: Introduction to the Art and Science of Exegesis (ed. Darrell L. Bock and Buist M. Fanning; Wheaton: Crossway) 34

2006

300,000-400,000

Wallace, Daniel B.

Text of the New Testament, 38

2008

400,000

Greenlee, J. Harold

‘Factor Analysis,’ 29

2010

300,000

Baldwin, Clinton

‘Textual Criticism and New Testament Interpretation,’ 87

2011

400,000-750,000

Epp, Eldon J.

‘Textual Criticism of the New Testament,’ np

2012

400,000

Wallace, Daniel B.

Formation of the Bible, 129, 144

2012

200,000-400,000

McDonald, Lee Martin

How We Got the New Testament, 23, 65

2013 أكثر من 100,000

وقد تصل إلى 400,000

Porter, Stanley E.

Can We Still Believe the Bible?, 16–17, 27

2014

200,000-400,000

Blomberg, Craig L.

‘Why Does New Testament Textual Criticism Matter?,’ 419

2014

400,000-750,000

Epp, Eldon J.

[1] Peter J. Gurry, “The Number of Variants in the Greek New Testament: A Proposed Estimate,” New Testament Studies 62, no. 1 (2016): 97–121.

شكر خاص للأستاذ جرجس مخلص حنا على المراجعة اللغوية.

[2] رُوِيَت هذه القصة في:

 Adam Fox, John Mill and Richard Bentley: A Study of the Textual Criticism of the New Testament 1675 1729 (Oxford: Basil Blackwell, 1954) 105–15.

[3] Adam Fox, John Mill and Richard Bentley: A Study of the Textual Criticism of the New Testament 1675 1729 (Oxford: Basil Blackwell, 1954) 105–15.

[4] للاطلاع على قائمة المخطوطات التي كانت متاحة لـ (ميل)، انظر: Fox, Mill and Bentley، الصفحات 143–146. أما القائمة التي يحتفظ بها معهد أبحاث نص العهد الجديد (INTF) فهي متوفرة على الرابط: http://ntvmr.uni-muenster.de/liste. وفي وقت كتابة هذا البحث، كانت الأعداد كالتالي: 127 بردية(papyri) ، و286 مخطوطة بحروف كبيرة(majuscules) ، و2841 مخطوطة صغيرة(minuscules) ، و2384 مخطوطة قراءات كنسية .(lectionaries)

[5] Bart D. Ehrman, ‘Text and Interpretation: The Exegetical Significance of the “Original” Text,’ Studies in the Textual Criticism of the New Testament (NTTS 33; Leiden: Brill, 2006) 309; originally published as Bart D. Ehrman, ‘Text and Interpretation: The Exegetical Significance of the “Original” Text,’ TC: A Journal of Biblical Textual Criticism (2000), available athttp://rosetta.reltech.org/TC/v05/Ehrman2000a.html (accessed September 22, 2014). No estimate today ‘represents the sum total of all analyzed manuscripts’ as claimed by K. Martin Heide in ‘Assessing the Stability of the Transmitted Texts of the New Testament and the Shepherd of Hermas,’ The Reliability of the New Testament: Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace in Dialogue (ed. Robert B. Stewart; Minneapolis: Fortress, 2011) 157.

[6] Günther Zuntz, The Text of the Epistles: A Disquisition upon the Corpus Paulinum (Schweich Lectures 1946; London: Oxford University Press, 1953) 58.

[7] See especially Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace, ‘The Textual Reliability of the New Testament: A Dialogue,’ The Reliability of the New Testament: Bart D. Ehrman and Daniel B. Wallace in Dialogue (ed. Robert B. Stewart; Minneapolis: Fortress, 2011) 13–60, esp. 21–2, 32–4; Daniel B. Wallace, ‘Lost in Transmission: How Badly Did the Scribes Corrupt the New Testament Text?,’ Revisiting the Corruption of the New Testament: Manuscript, Patristic, and Apocryphal Evidence (Grand Rapids: Kregel, 2011) 26–40.

[8] Stanley E. Porter, How We Got the New Testament: Text, Transmission, Translation (Grand Rapids: Baker Academic, 2013) 66; Craig L. Blomberg, Can We Still Believe the Bible? An Evangelical Engagement with Contemporary Questions (Grand Rapids: Brazos, 2014) 17.

[9] Eldon Jay Epp, “Why Does New Testament Textual Criticism Matter? Refined Definitions and Fresh Directions,” ExpT 125, no. 9 (2014): 419.

[10] غالبًا ما لا يُدرك أن هذا الرقم (30,000 اختلاف) لم يصدر عن جون ميل نفسه، بل هو تقدير قدمه (Gerard von Maestricht) في المقدمة التمهيدية لإصداره للعهد الجديد اليوناني عام 1711 (انظر Fox, Mill and Bentley, صـ 105).

[11] F. H. A. Scrivener, A Plain Introduction to the Criticism of the New Testament for the Use of Biblical Students (Cambridge: Deighton, 1861) 3.

[12] Philip Scha8f, A Companion to the Greek Testament and the English Version (New York: Harper & Brothers, 1883) 176.

[13]كتب إلدون إيپ مؤخرًا أن “هورت (Hort) في عام 1882 تكلّم عن وجود 300,000 قراءة متنوّعة في الشواهد المعروفة”، لكن لم أجد أي دليل يدعم هذا الادعاء. انظر:  

Eldon Jay Epp, “Textual Criticism and New Testament Interpretation,” in Method and Meaning: Essays on New Testament Interpretation in Honor of Harold W. Attridge (ed. Andrew B. McGowan and Kent H. Richards; Resources for Biblical Study 67; Atlanta: SBL, 2011), 87; cf. Epp, “Why Does New Testament Textual Criticism Matter?”, 419.

[14] B. B. Warfield, An Introduction to the Textual Criticism of the New Testament (London: Hodder & Stoughton, 1889) 13.

[15] وارفيلد، Introduction، صـ 13 (التأكيد مني). لا تزال نفس طريقة العد مستخدمة، على سبيل المثال، في: نيل آر. لايتفوت، How We Got the Bible (غراند رابيدز: إيردمانز، 2003³)، صـ 96: “إذا وُجد اختلاف بسيط واحد في 4000 مخطوطة مختلفة، فسيُعد ذلك 4000 ‘خطأ”.

[16] طريقة العدّ هذه غير مستخدمة في الدراسات الحديثة، ولا يُعتدّ بها في الأوساط الأكاديمية، وليس من الأمانة استخدامها في الأعمال الدفاعية عربيةً كانت أو اجنبيةً، وقد نبّه الكاتب إلى ذلك بوضوح في مواضع أخرى من أعماله—المترجم.

[17] Ezra Abbot, C. von Tischendorf, and O. von Gebhardt, ‘Bible Text—New Testament,’ A Religious Encyclopedia or Dictionary of Biblical, Historical, Doctrinal, and Practical Theology (ed. Philip Scha8f; 4 vols.; New York: Funk & Wagnalls, 1891) I.278; Eberhard ٥, Einführung in das Griechische Neue Testament (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 18971) 14; Marvin R. Vincent, A History of the Textual Criticism of the New Testament (London: Macmillan, 1899) 6.

[18] Adolf Jülicher, An Introduction to the New Testament (London: Smith, Elder & Co., 1904) 589–90.

[19] Charles F. Sitterly, ‘Text and MSS (NT),’ The International Standard Bible Encyclopedia (ed. James Orr; 5 vols.; Chicago: Howard-Severance, 1915) V.2,955.

[20] H. J. Vogels and L. Pirot, ‘Critique textuelle du Nouveau Testament,’ Dictionnaire de la Bible: Supplément (ed. Louis Pirot; 13 vols.; Paris: Librairie Letouzey, 1934) II.226; Léon Vaganay, Initiation à la critique textuelle néotestamentaire (BCSR 60 ; Paris: Bloud et Gay, 1934) 9.

[21] Erwin Nestle, ‘How to Use a Greek New Testament,’ The Bible Translator 2, no. 2 (1951) 54.

[22] Kenneth W. Clark, ‘The Theological Relevance of Textual Variation in Current Criticism of the Greek New Testament,’ JBL 85, no. 1 (1966) 12.

[23] Merrill M. Parvis, ‘Text, NT,’ The Interpreter’s Dictionary of the Bible: An Illustrated Encyclopedia (ed. George Arthur Buttrick; 5 vols.; New York: Abingdon, 1962) IV.595; Clark, ‘Theological Relevance,’ 3.

[24] J. K. Elliott and Ian Moir, Manuscripts and the Text of the New Testament: An Introduction for English Readers (Edinburgh: T&T Clark, 1995) 21; Eldon Jay Epp, ‘The Multivalence of the Term “Original Text” in New Testament Textual Criticism,’ HTR (1999) 52; Ehrman, ‘Text and Interpretation,’ §8; Eckhard Schnabel, ‘Textual Criticism: Recent Developments,’ The Face of New Testament Studies: A Survey of Recent Research (ed. Scot McKnight and Grant R. Osborne; Grand Rapids: Baker Academic, 2004) 59.

[25] Eldon Jay Epp, ‘It’s All about Variants: A Variant-Conscious Approach to New Testament Textual Criticism,’ HTR 100, no. 3

[26] 4 J. Harold Greenlee, The Text of the New Testament: From Manuscript to Modern Edition (Grand Rapids: Baker, 2008) 38; Daniel B. Wallace, ‘Textual Criticism of the New Testament,’ Lexham Bible Dictionary (ed. John D. Barry and Lazarus Wentz; Bellingham, WA: Lexham, 2012); Lee Martin McDonald, Formation of the Bible: The Story of the Church’s Canon (Peabody, MA: Hendrickson, 2012) 144.

[27] Epp, ‘Textual Criticism and New Testament Interpretation,’ 87; Epp, ‘Why Does New Testament Textual Criticism Matter?,’ 419.

[28] Joel Best, Stat-Spotting: A Field Guide to Identifying Dubious Data (Berkeley: University of California Press, 2013) 124.

[29] Léon Vaganay and Christian-Bernard Amphoux, An Introduction to New Testament Textual Criticism (Cambridge: Cambridge University Press, 19912) 2; Ehrman, Misquoting Jesus, 89.

[30] 28 Heide, ‘Assessing,’ 157.

[31] Elliott and Moir, Manuscripts, 21.

[32] Warfield, Introduction, 13.

[33] Ehrman, ‘Text and Interpretation,’ §8; Wallace, ‘Lost in Transmission,’ 20.

[34] Eberhard Nestle, Einführung in das Griechische Neue Testament (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1897) 14.

[35] Jane E. Miller, The Chicago Guide to Writing about Numbers (Chicago: University of Chicago Press, 20041) 200.

[36] Parvis, ‘Text,’ 595; Clark, ‘Theological Relevance,’ 3, 12. For comparison, David Parker estimates 11,000 variants in the nearly 2,000 Greek manuscripts of the Gospel of John. See David C. Parker, Textual Scholarship and the Making of the New Testament: The Lyell Lectures (Oxford: Oxford University Press, 2012) 84.

[37] Eldon Jay Epp, ‘Textual Criticism (NT),’ The Anchor Bible Dictionary (ed. David Noel Freedman; 6 vols.; New York: Doubleday, 1992) IV.413–14. For an extended discussion, see Eldon Jay Epp, ‘Toward the Clarification of the Term “Textual Variant,”’ in Studies in the Theory and Method of New Testament Textual Criticism (Studies and Documents 45; Grand Rapids: Eerdmans, 1993)

[38] Best, Stat-Spotting, 124.

[39] وقد أدّى هذا المعيار الأخير، للأسف، إلى استبعاد عمل H. C. Hoskier المهم بعنوان:

Concerning the Text of the Apocalypse: Collations of All Existing Available Greek Documents with the Standard Text of Stephen’s Third Edition, Together with the Testimony of Versions, Commentaries and Fathers. A Complete Conspectus of All Authorities, (2 vols.; London: Bernard Quaritch, 1929).

[40] M. Bruce Morrill, ‘A Complete Collation and Analysis of All Greek Manuscripts of John 18’ (PhD diss.; University of Birmingham, 2012); S. Matthew Solomon, ‘The Textual History of Philemon’ (PhD diss.; New Orleans Baptist Theological Seminary, 2014); Tommy Wasserman, The Epistle of Jude: Its Text and Transmission (Coniectanea Biblica New Testament Series 43; Stockholm: Almqvist & Wiksell, 2006).

[41] Kurt Aland et al., eds., Text und Textwert der griechischen Handscriften des Neuen Testaments (16 vols.; ANTF; Berlin: Walter de Gruyter, 1987–2005).

[42] For details, see Morrill, ‘Complete Collation,’ 63; Solomon, ‘Textual History,’ 29–37; Wasserman, Jude, 129–130; Kurt Aland, Barbara Aland, and Klaus Wachtel, eds., Text und Textwert der griechischen Handschriften des Neuen Testaments: V. Das Johannesevangelium: 1. Teststellenkollation der Kaptiel 1–10: Band 1,1: Handschriftenliste und vergleichende Beschreibung (ANTF 35; Berlin: Walter de Gruyter, 2005) 7*–8*.

[43] مخطوطات النص المستر هي: البرديات، ومخطوطات الأحرف الكبير، ومخطوطات الأحرف الصغير دون كتب القراءات (lectionaries) — المترجم.

[44] For representative discussions, see E. C. Colwell and Ernest W. Tune, ‘Method in Classifying and Evaluating Variant Readings,’ Studies in Methodology in Textual Criticism of the New Testament (NTTS 9; Leiden: Brill, 1969) 96–105; Epp, ‘Clarification’; Gordon D. Fee, ‘On the Types, Classification, and Presentation of Textual Variation,’ Studies in the Methodology in Textual Criticism of the New Testament (Studies and Documents 45; Grand Rapids: Eerdmans, 1993) 62–79; David C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008) 4–5; Barbara Aland et al., eds., Novum Testamentum Graecum: Editio Critica Maior IV: Catholic Letters (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 20132) 26*–7*.

[45] يجدر التنويه هنا إلى أن سولومون، على عكس موريل وواسرمان، يصنف الاختلافات بين الضمائر مثل ὑµῶν/ἡµῶν و αὐτοῦ/ἑαυτοῦ  ضمن فئة “فروق التهجئة” (Solomon, ‘Textual  History,’ (33 لقد قمتُ بحساب 18 حالة من هذه الاختلافات وأدرجتها فيما يلي، لأنني أرى أنه لا ينبغي تصنيفها كفروق تهجئة.

[46] For this distinction, see especially, Epp, ‘Clarification,’ 50. Precisely because this definition is oriented to manuscripts rather than reconstructed texts, it avoids completely the debates about the identification of the ‘original’ text, on which see Michael W. Holmes, ‘From ‘Original Text’ to ‘Initial Text’: The Traditional Goal of New Testament Textual Criticism in Contemporary Discussion,’ The Text of the New Testament in Contemporary Research: Essays on the Status Quaestionis (ed. Bart D. Ehrman and Michael W. Holmes; NTTSD 42; Leiden: Brill, 20132) 637–88.

[47] حول أهمية التمييز بين “variant” (الاختلاف النصي) و”variant unit” (وحدة الاختلاف)، انظر:

Colwell and Tune, ‘Method in Classifying,’ 99 100; Epp, ‘Clarifucation,’ 49–50, 60–1.

[48]  An excellent discussion of the problem is given in Morrill, ‘Complete Collation,’ 55–65. For a good illustration, see Parker, Introduction, 4–5. For an explanation of how software can segment texts in the process of collation, see Peter Robinson, ‘Rationale and Implementation of the Collation System Used on This CD-ROM,’ The Miller’s Tale on CD-ROM (Leicester: Scholarly Digital Editions, 2004), now available at http://www.sd-editions.com/AnaServer/?millerEx+3344574+text.anv (accessed October 2, 2014).

[49] تم إجراء هذا الإحصاء إلكترونيًا باستخدام برنامج Logos Bible Software. وللمقارنة، يحتوي النص الإلكتروني لإصدار Westcott and Hort على 137,655 كلمة، بينما يحتوي نصRobinson-Pierpont البيزنطي على 140,155 كلمة. استخدام الإصدار الأحدث Nestle-Aland 28 لن يُحدث فرقًا كبيرًا، لأنه أقصر من إصدار NA27 بـ سبع كلمات فقط. أنظر:

Barbara Aland et al., eds., Novum Testamentum Graece (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 2012) 50*–1*).

[50] عدد كلمات العَـيِّـنَـة وعدد كلمات العهد الجدي هي وفقًا لنص نستله ألاند الطبعة السابعة والعشرين — المترجم.

[51] أشكر كلاوس فاختل (Klaus Wachtel) على تزويدي بالملفات الرقمية التي تقف خلف الإصدار الثاني من ((ECM2.

[52] واسيرمان: 560 مخطوطة و1,694 متغير؛ :ECM2 156 مخطوطة و798 متغير.

[53] كما يلاحظ الباحث المتخصص في دراسات العصور والوسطى باولو تروفاتو: “يبدو أن عدد المتغيرات يتناسب طرديًا مع عدد الشواهد الباقية، لكن هذا الازدياد يميل إلى الاستقرار، متبعًا منحنى تشبّع(saturation curve) ، بمجرد أن تكون غالبية الشواهد قد جُمعت.

Everything You Always Wanted to Know about Lachmann’s Method: A Non-Standard Handbook of Genealogical Textual Criticism in the Age of Post-Structuralism, Cladistics, and Copy-Text (Storie e linguaggi; Padova: Libreriauniversitaria.it, 2014) 62.

[54] الاستثناء الوحيد هو المجلد الأخير المتعلق بإنجيل يوحنا 1–10، إذ يسجّل كلًّا من القراءات غير المنطقية (nonsense variants) والقراءات الإملائية .(orthographic variants) باستثناء الجدول 6، سنستبعد هذه القراءات حفاظًا على التناسق في البيانات.

[55] تقديرات عدد القراءات المختلفة  في كل سفر هي كما يلي: متى: 84,759، مرقس: 54,259، لوقا: 100,527، يوحنا:  54,097، أعمال الرسل: 74,907 رومية: 26,808 كورنثوس الأولى: 22,402 كورنثوس الثانية: 16,252 غلاطية: 10,927 أفسس: 9,518 فيلبي: 5,946 كولوسي: 8,369 تسالونيكي الأولى: 7,849 تسالونيكي الثانية: 3,185 تيموثاوس الأولى: 8,416 تيموثاوس الثانية: 5,918 تيطس: 4,903 فليمون: 1,554 عبرانيين: 20,555 يعقوب: 4,965 بطرس الأولى: 9,700 بطرس الثانية: 3,517 يوحنا الأولى: 5,417 يوحنا الثانية: 1,416 يوحنا الثالثة: 688 يهوذا: 1,535 الرؤيا: 42,655.  وبسبب عدم توفّر بيانات لسفر الرؤيا في سلسلة Text und Textwert، قمنا باحتساب المتوسط العام لمعدل التغيّر في الأسفار الستة والعشرين الأخرى، والذي بلغ 4.33.

[56] Kurt Aland and Barbara Aland, The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Editions and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism (Grand Rapids: Eerdmans, 19892) 318. This would also explain the much higher rate of variants per variation unit.

[57] Clark, ‘Theological Relevance,’ 5. In a similar vein, Bart Ehrman says of his ‘Orthodox corruptions’ that ‘it is pointless … to calculate the numbers of words of the New Testament a8fected by such variations’ (Bart D. Ehrman, The Orthodox Corruption of Scripture: The E9fect of Early Christological Controversies on the Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 2003) 276). For a response, see Heide, ‘Assessing,’ 125–59, esp. 155.

[58] Porter, How We Got the New Testament, 66; Blomberg, Can We Still Believe?, 17.

[59] See http://ntvmr.uni-muenster.de (accessed 5 February, 2015).

[60] Examples are found in Eberhard Nestle, Einführung, 14; Vogels and Pirot, ‘Critique textuelle,’ II.262; Erwin Nestle, ‘How to Use,’ 54; Otto Stegmüller, ‘Überlieferungsgeschichte der Bibel,’ Die Textüberlieferung der antiken Literatur und der Bibel (München: Deutscher Taschenbuch, 19751) 195; Ehrman and Wallace, ‘Textual Reliability,’ 21, 32–3; Clinton S. Baldwin, ‘Factor Analysis: A New Method for Classifying New Testament Greek Manuscripts,’ Andrews University Seminary Studies 48, no. 1 (2010) 29.

[61] المقصود هنا أنه عدد الاختلافات بين كامل مخطوطات العهد الجديد يجب أن يُقارن بإجمالي عدد الكمات في تلك المخطوطات، وليس بعدد كلمات العهد الجديد نفسه البالغة حوالي 138020 كلمة، قارن هذا مع اعمال أخرى للكاتب عبر فيها عن هذا بتفصيل:

Peter J. Gurry, “Myths About Variants: Why Most Variants Are Insignificant and Why Some Can’t Be Ignored,” in Myths and Mistakes in New Testament Textual Criticism, ed. Peter J. Gurry and Elijah Hixson (Downers Grove, IL: IVP Academic, 2019), 191-210.

[62] مخطوطتي الأحرف الصغير 1 و1582. أنظر Parker, Introduction, 137 .

[63] كما يوضح )ديفيد باركر(: “إن مدى الاختلاف مرتبط بتكرار النسخ، بحيث يمكن أن تؤدي تغييرات نادرة نسبيًا، عبر عدد كبير من المخطوطات، إلى حجم الاختلاف الموجود”.

Variants and Variance,’ Texts and Traditions: Essays in Honour of J. Keith Elliott (ed. Peter Doble and Je8fery Kloha; NTTSD 47; Leiden: Brill, 2014) 34.

وقد أوضح )صموئيل تريجيليس( السبب ذاته، حيث فسر العدد الكبير من المتغيرات بأنه يعود “جزئيًا إلى تكرار نسخ العهد الجديد، وجزئيًا إلى العدد الكبير من النسخ التي وصلت إلينا”.

Thomas H. Horne, John Ayre, and Samuel P. Tregelles, An Introduction to the Critical Study and Knowledge of the Holy Scriptures (4 vols.; London: Longmans, Green, & Co., 1869) IV.48)

[64] من بين الذين قرأوا مسودات هذا البحث، يستحق كل من بيتر إم. هيد (Peter M. Head)، ديرك يونغكيند (Dirk Jongkind)، بيتر دي. مايرز (Peter D. Myers)، ودانيال ب. والاس (Daniel B. Wallace) تنويهاً خاصاً على ملاحظاتهم وتعليقاتهم.

 

عدد المتغيرات النصية في العهد الجديد اليوناني: تقدير مقترح – بيتر جوري [1] ترجمة: آرثر دانيال

رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

6- إذًا ماذا سأقول للوثني (هكذا يقول ق. بولس)؟ أقول له الأمور التي قبلت. وإنتبه ليس فقط بخصوص ما ستقوله للوثني، بل ما ستقوله بخصوص كيف ستُصلح ذاتك. عندما يعثر وهو يفحص حياتك، هنا فلتفكر ماذا ستقول. لأنه بالطبع أنت لن تُعطي حساب عن ذاك، ولو كان يعثر بعد، لكن لو أصابه خور بسبب طريقة حياتك، فإنك ستُعاني ظفر مُخيف جدًا. عندما يرى إنك تفلسف الأمور عن ملكوت الله، وإنك ترعب من الشدائد في الحياة الحاضرة، عندئذً فلتنتبه. عندما يرى هذه الأمور، يدين ويقول، لو إنك تحب الملكوت، فلماذا لا تزدري بالأمور الحاضرة؟ لو إنك تنتظر القضاء المخوف، فلماذا لا تحتقر المصاعب الحاضرة؟ لو إنك تترجى الخلود، فلماذا لا تسخر من الموت؟ إذًا عندما يقول كل هذه الأمور، إعتني بما ستدافع به عن نفسك. عندما يرى إنك ترتعب من فقدان المال، أنت يا من تنتظر برجاء ملكوت السموات، وإنك تفرح جدًا بفلس واحد، وأنك أيضًا تٌسلم أو تعطي نفسك لقليل من المال، حينها فكّر، لماذا هذه الأمور، نعم إن هذه الأمور هي تلك التي تُعثر الوثني.

بناء على ذلك إن إعتنيت لأجل خلاصه، فلتدافع عن نفسك (من أجل هذه الأمور)، ليس بالكلام، بل بالأعمال. ولم يوجد أحد قد جدّف على الله مطلقًا بسبب ذلك الموضوع.

بينما بسبب طريقة الحياة الشريرة، تود تجاديف لا تُحصى في كل مكان. إذًا هذا ما يجب أن تُصححّه، لأن الوثني سيقول لك أيضًا، من أين أعلم أن الله أمر بأمور يمكن أن تحدث؟ لأنه ها أنت، بينما أنت مسيحي من الأسلاف، وتنشأ في هذه الديانة الحسنة، لا تضع شيء مثل هذا (أي من الأمور الحسنة). بماذا إذًا ستُجيب؟ ستُجيب على كل الأحوال، سأذكر لك آخرين يصنعون هذه الأمور الحسنة، الرهبان الذين يعيشون في الصحراء. بعد ذلك ألا تخجل أن تعترف إنك بالطبع مسيحي، بل يجب أن تُرسله لآخرين، لأنه لا يُمكنك أن تُظهر سلوك المسيحيين؟ خاصةً وأن ذاك (الوثني) سيقول على الفور، إذًا ما هي الحاجة أن أسير في الجبال وأن أسعى نحو الصحاري؟ إن كان من غير الممكن إذًا أن يؤمن المرء وهو يعيش داخل المدن، وستكون الإدانة عن هذه الطريقة من الحياة كبيرة، إن كنا نركض نحو الصحاري ونهجر المدن؟ لكن أشر لي على شخص له زوجة وأولاد ومنزل، ويحيا بالتقوى. إذًا بماذا سنُجيب عن هذا؟ ألا سنبغي أن نحني رؤوسنا إلى أسفل وأن نخجل؟ ولا المسيح أوصى بهذا، لكن بماذا أوصى؟ أوصى قائلاً: “فليضيء نوركم هكذا قدام الناس”(33)، ليس في الجبال، ولا في الصحراء ولا في الطرق غير المسلوكة.

وأقول هذه الأمور، لا لكي أُسيء لأولئك الذين سكنوا الجبال بل لكي أُرثي لحال أولئك الذين يسكنون المدن، لأنهم طردوا الفضيلة منها. ولهذا، من فضلكم، فلنسلك بالفضيلة، التي يحيا بها الرهبان في الجبال، هنا في المدن، لكي نصبح المدن بالحقيقة مدن. هذا السلوك يمكن أن يُصلح الوثني، ويحرره من عثرات لا حصر لها. حتى إنه إن أردت، وذاك أيضًا تحرره من العثرة. وأنت نفسك أن تتمتع بمكافأت عديدة، وتُصلح حياتك، وتجعلها مشرقة من كل جانب “لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات”(34). لأنه هكذا سنتمتع نحن أيضًا بالمجد المدخّر لنا والعظيم، والذي ليتنا نناله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الداهرين أمين.

” وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان لله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد أمين” رو24:14-26.

1- اعتاد الرسول بولس أن يختم نصيحته بتمنيات وتمجيدات، لإنه يعرف كيف أن الأمر يحمل نتيجة عظيمة. وأعتاد أن يضع هذا بحنو وورع. خاصةً وأن ملمح المعلّم الذي يحب التلاميذ، ويحب الله، هو ألا يُعلّم فقط بالكلام، بل وبالطلبات أيضًا، وأن يُدخل إلى تلاميذه مسألة العهد مع الله، الأمر الذي صنعه هنا أيضًا. لكن الصلاة هي هذه: “وللقادر أن يُثبتكم. له المجد إلى الأبد أمين”. أي إنه مرة أخرى يعود إلى الضعفاء، ويوجه حديثه إليهم. لأنه حين وّبخ، جعل التوبيخ عام، لكن الآن عندما يطلب أو يتمنى، فإنه يتفرغ من أجل الضعفاء. لكن بعدما قال “أن يثبتكم”، أضاف، وبأي طريقة “حسب إنجيلي”. هذا بالطبع كان يعني، إنهم لم يكونوا بعد ثابتين في الإيمان، لكن كانوا قائمين بالطبع في الإيمان، لكنهم كانوا مهتزين. بعد ذلك لكي يجعل كلامه موضع تصديق، أضاف “والكرازة بيسوع المسيح”، أي الكرازة التي كرز بها ق. بولس. لكن إن كان ق. بولس قد كرز بهذه الكرازة، فإن التعاليم ليست لنا، بل إن القوانين (قوانين الكرازة) هي له.

لكن بعد ذلك يقدم رؤية حكيمة للكرازة، ويُظهر أن هذه العطية هي دليل إنعام كبير، وكرامة فائقة. وأولاً يُدلل على هذه من خلال ذاك الذي كرز به (أي ربنا يسوع المسيح)، ثم بعد ذلك من تلك التي كُرز بها ذاتها. (لأنها كانت أناجيل)، وأيضًا من خلال إنه لم يكرز بها لأي أحد آخر قبلنا. وهذا قد أشاروا قائلاً: “حسب إعلان السر”، الأمر الذي هو دليل على محبة عظيمة جدًا، أي بأن يجعلنا شركاء في الأسرار، والتي لم يُطلع عليها أحد آخر قبلنا. “الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الآن”. أي إنه منذ القديم سبق وتقرر، لكنه الآن أُعلن. كيف أُعلن “بالكتب النبوية”. هنا أيضًا يُذيل خوف الضعيف في الإيمان. إذًا ماذا تخاف؟ هل تخاف أن تبتعد عن الناموس؟ هذا ما يريده الناموس؟ هذا ما بُشر به منذ البداية لكن إن كنت تفحص لماذا أعلن السر الآن، فإنك تضع أمر خطير، بأن تفحص بتدقيق في أسرار الله، ونُلقي عليه المسئولية. لأنه لا ينبغي أن نبحث كثيرًا في الأمور المشابهة، بل أن نجلها، وأن نقبلها بفرح. ولهذا فإن ق. بولس أيضًا يُعيق هذه الرغبة، أضاف “حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان، لأن الإيمان يحتاج إلى طاعة، وليس إنشغال كثير، وعندما يأمر الله، فيجب أن نخضع، وليس أن ننشغل كثيرًا.

فيما بعد يُعطيهم شجاعة من مكان آخر، قائلاً: “وأُعلم به جميع الأمم”. أي ليس أنت وحدك، بل أن كل المسكونة هكذا تؤمن، لأنه إتخذ الله معلمًا وليس شخص آخر. ولهذا أضاف “بيسوع المسيح”. وليس فقط صار معلومًا، بل وتأكد بعد. ولهذا يجب أن يُقرأ هكذا أيضًا، “وللقادر أن يُثبتكم بيسوع المسيح”. لأنه كما سبق وأشرت، أن الأمرين أيضًا (أي التثبيت وإعلان السر) يُشير إليهما من جهة يسوع المسيح، أو من الأفضل أ ن تقول، ليس فقط هذين الأمرين، بل والمجد الذي يُعطى للآب. ولهذا قال: “له المجد إلى الأبد أمين”. يُمجد مرة أخرى أيضًا. متعجبًا لهذه الأسرار غير المدركة. لأنه ولا حتى الآن حيث ظهر (في الجسد) يمكن أن نفهم هذه الأسرار بواسطة الأفكار، بل أن نختبرها بالإيمان، لأنه بغير ذلك لا يمكننا فهمها. وحسنًا جدًا قال : ” لله الحكيم وحده”. أي إنه عندما تدرك، كيف إنه قاد الأمم وفرجهم بأولئك الذين سلكوا بإستقامة منذ سنوات عديدة، فبينما كانوا يائسين أنقذهم، كيف بينما كانوا غير مستحقين لأرضهم أصعدهم إلى السموات، وبينما قل شأنهم في الحياة الحاضرة، قادهم إلى تلك الحياة الخالدة السرية، وبينما داس عليهم الشياطين، جعلهم مساويين للملائكة في الإستحقاق، وفتح لهم الفردوس، ومحى كل الشرور القديمة، وكل هذا صار في زمن قصير، وبطريقة سهلة وسريعة جدًا، حينئذًا ستعرف الحكمة، عندما ترى أن الملائكة ورؤساء الملائكة لم يعرفوه، هذا عرفه فجأة أولئك الذين آتوا من الأمم بواسطة يسوع.

إذًا بينما كان يجب عليك أن تُدهش حكمته، وأن تمجدّه، لكنك تتحول وتدور حول الأمور الصغيرة، وتجلس بعد في الظل، الأمر الذي ليس ملمحًا لذلك الذي يُمجدّ بالحقيقة، لأن ذاك الذي ليست لديه ثقة في المسيح، ولا في الإيمان، لا يشهد لعظمة الأحداث. لكن ق. بولس أشار إلى المجد من أجلهم، حاثًا هؤلاء أيضًا على الغيرة ذاتها. لكن عندما تسمعه وهو يقول: “لله الحكيم وحده”، لا تعتقد كيف أن هذا يُقال لرفض الإبن. لأنه إن كان كل هذا، والذي من خلاله تبرهن على حكمة الإبن، والذي صار عن طريق المسيح، والذي بدونه لم يكن ليصير حتى واحدة، فإنه من الواضح جدًا، أن حكمته هي مساوية لحكمة الآب. إذًا لأي سبب قال “وحده؟” قاله من جهة التمييز عن كل الخليقة.

 

(33) مت16:5.

(34) مت16:5.

رسالة رومية الأصحاح14 ج6 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

4- “ألك إيمان؟ فليكن لك بنفسك أمام الله” رو 14-22.

يبدو لي هنا إنه يُلمَّح بطريقة هادئة للمجد الباطل أو للزهر لذاك الذي هو كامل في الإيمان. ما يقوله يعني الآتي: أتريد أن تُظهر لي، إنك كامل وتام؟ لا تظهر هذا لي، بل لتحتفظ به في ضميرك. لكن الإيمان الذي يقصده هنا، ليس هو الإيمان عن العقائد، بل الإيمان عن الموضوع الذي يجري الحديث بشأنه. لأنه يقول عن ذلك الإيمان: “الفم يعترف به للخلاص”(30) و “من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي إبن الإنسان”(31). لأن ذلك الإيمان حين لا يعترف به، فإن ذلك يؤدي على الهلاك، بينما هذا الإيمان (أي الإيمان الذي يُحتفظ به في الضمير) حين يُعترف به، فهو غير ملائم. “طوبى لمن لا يريد نفسه فيما يستحسنه”. مرة أخرى يُصيب الأكثر ضعفًا، ويعطيه تاج مرضي، تاج ضميره. لأنه حتى وإن لم يراك إنسان، يكفيك ضميرك، لكي تصير مطوبًا. إذًا فقد قال “فليكن لك بنفسك” حتى لا تعتبر هذا القضاء (قضاء الضمير) أمرًا بسيط، ما يقوله هو بالنسبة لك، هو أفضل من المسكونة كلها. وحتى وأن كان الجميع بعد يدينونك، لكن أنت لا تُدين نفسك، وضميرك لا يعذبك، فأنت مُطوب. وهم لم يُشر إلى هذا الأمر، متكلمًا بشكل عام للجميع. لأن هناك كثيرون لا يُدينون أنفسهم، على الرغم من إنهم يصنعون أخطاء كثيرة جدًا، والذين هم أكثر تعاسة من الجميع. لكنه يُشير أولاً إلى الموضوع الذي يجري الحديث بشأنه.

وأما الذي يرتاب فإن أكل يُدان” رو14-23. يقول هذا مرة أخرى، راجيًا ذاك أن يتألم لمن هو أكثر ضعفًا. لأن من هو الأخ الذي إن أكل مرتابًا، يدين نفسه؟ لأنني أقبل ذاك الذي يأكل ولا يُدين نفسه. أرأيت كيف إنه يُحثه ليس فقط أن يأكل، بل وأن يأكل، بل وأن يأكل بضمير نقي؟ بعد ذلك يتحدث عن السبب الذي من أجله أُدين، فيضيف قائلاً: “لأن ذلك ليس من الإيمان” ليس لأنه نجس، بل لأنه لا يأتي من الإيمان. لأنه لم يؤمن (الذي يأكل) إنه طاهر، لكن أكله كعظام نجس. لكن من خلال هذه الأمور، يُظهر مقدار الضرر الذي يثيرونه عندما يُلزمون، ولا يُقنعون هؤلاء أن يأكلوا تلك الأطعمة التي تبدو أولاً إنها نجسة بالنسبة لهم، لكي يتجنبوا على الأقل التأنيب من خلال هذا. “وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية”. إذا عندما يقول، ليس لديه ثقة (أي يرتاب)، ولا يؤمن بأنه طاهر، فكيف لا يكون قد فعل خطية؟ كل هذا قد قاله ق. بولس بخصوص الموضوع الذي جرى الحديث بشأنه، وليس للجميع. وإنتبه كم هو يعتني (في حديثه) حتى لا يُعثر أحد. لأنه قال سابقًا “فإن كن أخوك بسبب طعامك يحزن فلست تسلك بعد حسب المحبة”. لكن إن كان لا يجب أن تُثير حزن، فكم بالأولى لا ينبغي أن تُعثر أحد.

وأيضًا “لا تنقض لأجل الطعام عمل الله”. لأنه إن كان أمرًا مخيفًا وأحمق أن تهدم كنائس، فبالأكثر جدًا هو أمر مخيف أن تهدم هيكل روحي خاصة وأن الإنسان هو أكثر تقديرًا من الكنيسة (كمبنى). لأن المسيح لم يمت من أجل الحوائط، بل من أجل هذه الهياكل الروحية.

5- إذًا لنفحص كل أمورنا من كل الجوانب، وألا نعطي أقل دافع “للإدانة”. خاصة وأن الحياة الحاضرة هي مرحلة، ويجب أن يكون لنا أعين كثيرة من كل جانب (أي أن نكون مُتيقظين دومًا)، ولا نتصور أن عدم المعرفة هي كافية كمبرر (للخطية). لأنه من الممكن، نعم من الممكن أن تُدان عن عدم المعرفة، عندما تكون عدم المعرفة أمر غير قابل للصفح. كذلك فإن اليهود أظهروا جهلاً، لكن لم يكن جهلهم مستحقًا للصفح، واليونانيين جهلوا، لكن لم يكن لهم مبرر (لجهلهم). لأنه بالطبع عندما تجهل تلك الأمور التي من غير الممكن أن تعرفها، فإنك لن تتُهم عن أي شيء، لكن عندما تجهل الأمور السهلة، وتلك التي من الممكن أن تصير معروفة، فإنك سُتعاقَب بأشد العقاب. من ناحية أخرى، إن لم تنقصنا الشجاعة، بل ونُقدم كل مالنا، فإن الله سيمد لنا يده، في تلك الأمور التي نجهلها أيضًا، الأمر الذي قاله ق. بولس إلى أهل فيلبي “فليفتكر هذا جميع الكاملين منّا وإن افتكرتم شيئًا بخلافه فالله سيُعلن لكم هذا أيضًا”(33). لكن عندما لا نُريد أن نُصلح كل شيء من تلك الأمور التي تُسيطر عليها، فإننا ولا حتى في هذه سنتمتع بتوافق، وهو الأمر الذي حدث لليهود. “من أجل هذا أكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين لا تبصرون”(34). كيف بينما أبصروا لم يُبصروا؟ أبصروا كيف أن الشياطين يُطردون، وقالوا أن به شيطان، أبصروا كيف أُقيموا الأموات ومع ذلك لم يسجدوا له، بل وحاولوا أن يقتلوه. لكن كرنيليوس لم يكن هكذا. ولهذا تحديدًا، لأنه صنع برغبة حسنة كل تلك الأمور التي تعتمد عليه، فإن الباقي قد أكلمه الله.

إذًا لا تقل أن فلان قد سمح له الله، أن يكون بسيط وصالح، على الرغم من إنه كان عابد للأوثان؟ لأنه أولاً، لو أن شخص هو بسيط، فمن غير الممكن لدى الناس أن يعرفوا هذا جيدًا، بل هو معروف فقط لدى ذاك الذي خلق القلوب. بعد ذلك نستطيع أن نقول أيضًا، إنه مرات كثيرة لم يهتم، ولا حاول. وكيف يقول، إستطاع، بينما كان بسيط إلى حد كبير جدًا؟ لاحظ إذًا من فضلك، هذا البسيط والتلقائي أيضًا، كيف إنه لاحظ الأشياء الحسنة في الأمور الحياتية، وسترى إنه يُظهر دقة كبيرة، والتي إن أراد بالطبع أن يظهرها في الأمور الروحية أيضًا، فإنه لن يتغافل عنها. خاصة وأن تلك الأمور التي تضبط الحقيقة هي أكثر إشراقه من الشمس، وفي أي مكان أو حيثما وصل الإنسان، من السهل أن ينال خلاصه أو يتمم خلاصه، إن كان بالطبع يريد أن يحترس، ولا يعتبر هذا عمل ثانوي أو غير مهم. إذًَا هل الأمور إنحصرت في فلسطين؟ هل أنحصرت في زاوية صغيرة في المسكونة؟ ألم تسمع النبي الذي يقول: “كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم”(35). ألا ترى أن الأمور تصدق؟ إذًا كيف سينال هؤلاء الصفح، عندما يرون أن مبدأ الحقيقة منتشرة في كل مكان، ولا ينشغلون بهذا، ولا يهتمون أن يتعلموها؟

وهذه الأمور تطلبها من شخص فظ وبربري، بل وإن كان هناك بعد شخص هو أكثر بربرية من البربر الذين هم موجودون الآن. لأنه، أخبرنيـ لأي سبب عندما يتعلق الأمر بالأمور الحياتية يعرف أن يعارض عندما يُظلم، ويقاوم عندما يُجبر على فعل شيء، ويفعل كل شيء، ويُدبر كل شيء، حتى إنه لا يريد أن يُضار مطلقًا ولا حتى لأجل أمر قليل أو يسير، بينما في الأمور الروحية لا بعمل بنفس هذا التعقل تحديدًا؟ وعندما يسجد لحجر ما، ويعتبره إله، ويقيم إحتفالات، وينفق أموال، ويظهر خوف كثير، ولا يظهر أبدًا عدم مبالاة من جهة سذاجته، لكن عندما يطلب الإله الحقيقي، حينما تذكر لي السذاجة والبساطة. هذه الأمور ليست صحيحة، الإتهامات تتعلق فقط بعدم المبالاة. لأنه مَن تعتقد إنهم سذج وأفظاظ أكثر، هل هم أولئك الذين عاشوا في عصر أبرآم، أم الذين يعيشون الآن؟ من الواضح جدًا إنك تعتقد أن الأكثر سذاجة وفظاظة هم أولئك الذين عاشوا في عصر إبرآم. وفي أي وقت نجد من السهل أن تجد التقوى، الآن، أم في عصر إبرآم؟ من الواضح جدًا إنه الآن. لأن الجميع الآن ينادون بإسم الله، والأنبياء بشروا، والأمور إكتملت، وأفكار اليونانيين نُقضت، لكن في عصر إبرآم، الكثيرين كانوا بعد جهلاء، وقد سادت الخطية، ولم يكن هناك ناموس لكي يُعلم، ولا أنبياء، ولا معجزات، ولا تعليم، ولا ذلك الجمع الذي يعرف الأمور جيدًا، ولا أي أمر آخر مشابه، بل أن كل الأمور كانت قائمة كما لو إنها داخل ظلام دامس، وليل غير مُقمر وشتوي.

لكن ذلك الرجل المدهش والسخي (أي إبراهيم)، بالرغم من إنه كانت توجد عوائق كثيرة، فإنه عرف الله، ومارس الفضيلة، وقاد الكثيرين إلى غيرة مشابهة، وكل هذا قد حدث دون أن يعرف الحكمة الإنسانية، لأنه كيف كان له أن يعرفها في اللحظة التي لم تكتشف فيها المعارف والعلوم؟ لكن لأنه قدّم كل ما يتعلق به، فإن الله قدّم له بعد ذلك كل ما له. وبالطبع لا يمكنك أن تقول أن إبراهيم قد قبل التقوى من آبائه، لأن ذاك كان عابد للأوثان، وعلى الرغم من إنه وُلد من أسلاف مثل هؤلاء (أي الوثنيين)، وكان بربري ونمى وسط بربر، ولم يكن له معلم للتقوى، إلا إنه عرف الله، وقد نال كرامة أكثر بكثير من كل نسله الذي تمتع بالناموس وبالأنبياء أيضًا، بصورة لا يمكن التعبير عنها. لماذا يا ترى؟ لأنه لم يهتم بالأمور الحياتية بشكل مبالغ فيه، لكنه كرّس نفسه بالكامل للأمور الروحية وماذا عن ملكيصادق؟ ألم يولد في تلك الأزمنة، ألم يتميز جدًا، حتى إنه عمل ككاهن الله؟ خاصة هو أمر ضعيف، بل وضعيف جدًا، أن يُغلق على هذا الإنسان الوديع أبدًا أو أن يظل مجهولاً.

إذًا يجب ألا تقلقكم هذه الأمور، بل تعرفون أن القيمة في كل مكان ترتبط بالرغبة، فلنفحص أمورنا، كي نصير أفضل. وعلينا ألا نطلب أو نلقي المسئولية على الله، ولا أن نفحص لماذا ترك أو أهمل فلان، ودعى فلان. خاصةً ونحن نصنع نفس الأمر، مثلما لو فعل خادم ما، وفحص بالتدقيقي في تدبير سيده، لأنه سخط عليه. أيها التعس والشقي، بينما كان يجب عليك أن تهتم بتحمل مسئولياتك، وكيف تتصالح مع السيد الرب، تُلقي بالمسئوليات بشأن تلك الأمور التي لن تقدم عنها حساب، وتركض نحو تلك الأمور هذه التي أنت مُلزم أن تقدم عنها حساب.

(30) رو10:10.

(31) لو16:9.

(33) في3-15.

(34) مت13-13.

(35) ار31

رسالة رومية الأصحاح14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

” إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسًا بذاته إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس” رو14-14.

1- بعدما وبخّ أولاً ذاك الذي يُدين أخيه، وبعدما أبعده هكذا بالتأنيب، وقتها تكلّم عن العقيدة (الإيمان) أيضًا، وبهدوء بدأ يُعلم عن الأكثر ضعفًا في الإيمان، مُظهرًا هنا أيضَا كثير من الوداعة. لأنه لم يقول، إنه سُيدان، ولا أي شيء من هذه الأمور، بل أن الخوف وحده هو الذي يحل الأمر، حتى يقتنع ذاك بصورة أكثر سهولة كلامهن ويقول: “إني عالم ومتيقن”. بعد ذلك لكي لا يقول أحد من غير المؤمنين، وماذا يهمنا نحن، إن كنت أنت متيقن؟ لأنه لستَ موضع ثقة لتحل محل الناموس عظيم بهذا القدر، ووصايا نافعة نزلت من السماء، أضاف: “في الرب يسوع” أي إنني تعلّمت هذه الأمور من السماء، وأخبرت بها من الرب يسوع. وبناء عليه فإن الحكم لا يتعلق بفكر إنساني. إذًا فلتقل ما هو يقينك وماذا تعرف؟ “أن ليس شيء نجسًا بذاته”. أي إنه يقول، إنه لا يوجد شيء نجسًا بطبيعته، لكنه يصير نجسًا بواسطة إدارة ذاك الذي يفحصه. هكذا يصبح نجسًا لذاك وحده، وليس لآخرين. لأنه يقول: “من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس”.

إذًا لماذا لا تُصلح أو تُصحح الأخ، حتى لا يعتبره نجسًا؟ ولماذا لا تُبعده عن عادة مثل هذه، وفكر مثل هذا، بكل الحق الذي لك، لكي لا يجعل هذا الشيء نجسًا؟ هكذا يقول أخشى (من فعل هذا) ربما أُحزنه. ولهذا أضاف: “فإن كان أخوك بسبب طعامك يُحَزن فلستَ تسلك بعد بمحبة” رو14-15.

أرأيت كيف غنه إنتزع أولاً قبوله، فظهرا كيف إنه تحدث طويلاً لأجل ذاك (الأخ)، حتى لا يُحزنه، ولا أن يأمره من البداية أن يتجرأ على فعل الأمور الضرورية جدًا، بل أن يجذبه بالأكثر بالغفران والمحبة؟ لأنه لا يستميله، ولا يُلزمه بعد نزع خوفه، بل يتركه سيد نفسه. وبالطبع ليس هو نفس الشيء أن يُبعده عن الطعام، وأن يحاصره بالحزن. أرأيت كم هو مهتم بالمحبة؟ لأنه يعرف أن المحبة تستطيع أن تُصحح كل شيء ومن أجل هذا هو هنا أيضًا يطلب من هؤلاء شيئًا أكبر. لأنه لا يقول فقط، لا ينبغي أن تبعدوهم إجباريًا، بل إن إحتاج الأمر أن تظهروا تسامحن ولا أن تترددوا في فعل هذا. ولهذا فقد أضاف قائلاً: “لا تهلك بطعامك ذاك الذي مات المسيح لأجله”.

أم إنك لا تعتقد أن أخوك مستحق لمثل هذا الأمر الكبير، حتى لا تفدي خلاصه، ولا حتى بإبتعادك عن الطعام؟ وبالطبع المسيح لم يتجنب أن يصير عبدًا، ومات لأجله، لكن أنت لا تزدري بالطعام، لكي تخلّصه؟ وإن كان المسيح لم يربح الجميع على كل حال، لكنه مات لأجل الجميع، مُتممًا كل ما يتعلق به. بينما أنت تعرف إنه بسبب الطعام، تُقصيه عن الأمور العظيمة، تتشاجر بعد؟ وذاك الذي يُعد مهم للمسيح، هل تعتبره أن لا أهمية له مطلقًا، وذاك الذي أحبه المسيح، هل أنت تحتقره؟ والمسيح مات ليس فقط لأجل الضعيف، بل ولأجل العدو أيضًا، المسيح أيضًا أظهر الأمر الأعظم، بينما أنت لم تظهر أقل شيء، وإن كان بالطبع هو الرب، بينما أنت تُدعى الخ. هذا الكلام كان كافيًان لأن يلوم ذاك (الذي تجاهل أخوه)، لأنه يُظهر كيف إنه صغير النفس، فبينما تمتع بأشياء عظيمة من الله، لكنه لم يُبادل هذا العطاء الإلهي ولا حتى بأشياء بسيطة.

2- “فلا يفتر على صلاحكم. لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا” رو16:14-17. يقصد بالصلاح هنا، إما الإيمان، وإما الرجاء المستقبلي للمكافآت، وإما التقوى الكاملة. إذًا ليس فقط لن تفيد الأخ، بل تجعل الإيمان ذاته يُساء إليه، وكذلك نعمة الله وعطيته. لأنه عندما تعارك، وعندما تتشاجر، وعندما يُثير ألم، عندما تجزأ الكنيسة، وعندما تهين الأخ وتبغضه، فإن من هم خارج الكنيسة يجدفون (علينا). وبناء على ذلك ليس فقط لن يتحقق شيء من وراء هذا، بل العكس تمامًا (سيحدث). لأن الصلاح بالنسبة لكم هو المحبة، محبة الأخوة الوحدة، الترابط فيما بينكم، أن تحيوا بالسلام، وبالرأفة. وبعد ذلك أيضًا، يُذيل خوف هذا، وعداوة ذاك، فيقول “لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا”. إذًا هل نستطيع أن نُسّر أو ننمو بهذه الأمور (الأكل والشرب)؟ هذا بالضبط ما يقوله في موضع آخر “لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص30، وهو ليس في حاجة لدليل، لكنه يكتفي بالحكم. ما يقوله يعني الآتي: هل لو أكلت، سيقودك هذا الأكل إلى ملكوت الله؟ ولهذا يزدرى بهؤلاء، لأنهم تباهو من جهة هذا الأمر (أنهم يأكلون ويشربون)، ولم يقل فقط أكل، بل وشرب.

إذًا ما هي تلك الأمور التي تقود إلى الملكوت؟ هي البر، والسلام، والفرح، الحياة الفاضلة، السلام تجاه الأخ، والذي فيه يتم التصدي لهذه العداوة، الفرح الناتج عن الوفاق، والذي به يزول هذا التوبيخ. لكنه لم يتكلم بهذه الأمور في مواجهة واحد فقط، بل في مواجهة أثنين أيضًا، لأن تجاه الأثنين، لديه فرصة أن يقول هذا الكلام. بعد ذلك، ولأنه تكلّم عن السلام، والفرح، إلا إنه يوجد بعد سلام وفرح في الأمور الشريرة، ولذلك أضاف: “في الروح القدس”. حتى أن ذاك الذي يُحكم أخوه، فإنه يكون قد قضى على السلام، وتعّدى على الفرح، والأكثر من ذاك هو ذلك الذي يسلب المال. والأكثر سوءًا من هذا، إنه أنقذ الآخر، وأنت تظلم وتُحطم. إذًا عندما لا يستطيع الطعام والكمال الظاهري أن يُدخل (إلى النفس) هذه الأمور (البر، السلام، الفرح)، بلى يُدخل تلك الأمور التي تُزيل (البر، السلام، الفرح)، فكيف لا يجب أن نزدري بالأمور البسيطة، حتى ننال أو نُمنِّن الأمور العظيمة؟ بعد ذلك لأن هذا التوبيخ قد صار رويدًا رويدًا بسبب المجد الباطل، أضاف قائلاً: “لأن من خدم المسيح في هذه فهو مرضِ عند الله ومزكى عند الناس” رو14-18.

لأن الجميع لن يُعجبوا بك لأجل بهذا القدر لأجل الكمال، بقدر ما سيُعجبوا بك لأجل السلام والوفاق. بالطبع هذا الخير سيتمتع به الجميع، بينما ذاك (أي من يتجاهل أخوه)، لن يتمتع ولا حتى بواحدة من هذه الخيرات.

3- “فلنعكف إذًا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض” رو14-19. هناك أمر يتوجه به لذاك، لكي يهتم بالسلام، والأمر الآخر يتوجه به لهذا (الذي يحيا لنفسه)، لكي لا يحطم أخوه. لكن هذين الأمرين، جعلهما مشتركين فيما بينهما أيضًا، قائلاً “بعضنا لبعض”، واظهر إنه بدون السلام ليس من السهل أن نبني.

“لا تنقض لأجل الطعام عمل الله” رو14-20. داعيًا خلاص الأخ هكذا “عمل الله” ، ويُزيد من مقدار الخواف جدًا، ومُظهرًا إنه يفعل عكس ما يسعى نحوه. لأنه ليس فقط لا تبني ما تعتقد فيه، بل وتحظم أو تنقض، وليس فقط تنقض بناء إنساني، بل تنقض بناء الله، وليس من أجل أمر عظيم، بل من أجل أمر زهيد أو تافه. “لأجل الطعام” هكذا يقول ق. بولس. بعد ذلك ولكي لا يُرسخون كل هذه المسامحات لمن هو أكثر ضعف في الفكر الشرير، يضع مبدأ مرة أخرى قائلاً: “كل الأشياء طاهرة لكنه شر للإنسان الذي يأكل بعثرة” أي شر لذاك الذي يأكل بضمير شرير.

حتى وإن ألزمته بعد (على السلوك بمحبة)، وأكل، فإن المنفعة ستكون لا شيء. لأنه أن يأكل أحد فإن الأكل لا يجعله نجسًا، بل إن ما يجعله نجسًا هو الضمير الذي يأكل به. إذًا إن لم تُصلح هذا الضمير، فإنك تفعل كل شيء سدى، وبالأكثر قد صنعت ضررًا، لأنه ليس هو نفس الشيء أن تعتقد في شيء إنه نجسًا، وبرغم من إنك تعتبره كذلك، فإنك تأكله. إذًا فأنت تصنع خطتين هنا، تُزيد من المعوقات بالتشاجر، وتجعله يأكل أكل نجس. وبناء على ذلك إلى أن تُقنعه، لا تجبر أخيك (على فعل شيء).

“حسن أن لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا ولا شيئًا يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف” رو14-21. مرة أخرى يطلب ما هو أكثر، حتى إنه ليس فقط يجب ألا نُلزمه، بل أيضًا تظهر تسامح نحوه. كذلك وإن ذاك في مرات كثيرة قد صنع هذا الأمر، مثلما حدث عندما مارس الختان، وعندما حلق رأسه، وعندما قدم تلك الذبيحة اليهودية. ولم يقل الرسول بولس لذاك أصنع هذا الأمر، بل يتوجه به كرأي، لكي لا يجعل بالأكثر ذاك الذي هو ضعيف في الإيمان، متراخي أو غير مبالي وماذا يقول؟ “حسن أن لا تأكل لحمًا”. ولماذا أقول لحمًا؟ فسواء كان نبيذ، أو أي شيء آخر مثل هذا يمكن أن يُعثر، فلنتجنبه.

إذًا لا يوجد شيء يمكن أن يعادل خلاص الأخ. وهذا ما أظهره المسيح، بعدما آتى من السموات (تجسد)، وتألم بكل ما تألم به من أجلنا. لكن لاحظ من فضلك، كيف يصل إلى ذاك، قائلاً: “يصطدم أو يعثر أو يضعف”. لا تقل لي، هكذا يقول ق.بولس، أن هذا الأمر غير معقول، لكنني أقول لك، كلما أمكنك (أن تصحح هذه الأمور) فلتصححها. خاصة وأن ذاك (الضعيف في الإيمان) له كل الحق أن تُقَدم له المساعدة في ضعفه” ومن جهتك لن يُصيبك أي ضرر، وبالطيع فإن هذا الملاك لا يُعد نفاق، بل هو بناء وتدبير. لأنه لو ألزمته، وتحطم، فإنه سيتهمك أنت، وبالأكثر سيتشجع في الأكل، بينما لو إنك تُظهر ترفق أو سامحه، أولاً سيُحبك، ولن يتشكك فيك حين تُعلم وستأخذ السلطة في أمر دقيق جدًا أن تزرع داخله التعاليم المستقيمة. لكن لو إنه أبغضك مرة واحدة، فإنك تكون قد أغلقت المدخل للحديث (معه). إذًا لا تجبره، بل أنت نفسك فلتبتعد (عن كل ما يعثره) لأجله (أي لأجل خلاصه، تبتعد لا لأنه نجس، بل لأنه يعثر ذاك (الأخ))، وبهذا سيُحبك بالأكثر. هذه الوصية هي التي أعطاها الرسول بولس، قائلاً: “حسن أن لا تأكل لحمًا” ، لا لأن أكل اللحم نجس، بل لأنه يُعثر ويضعف أخوك.

30 -1كو 8:8.

رسالة رومية الأصحاح14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

7-أتكلم عن هذه الأمور، لا لكي أحزنكم، بل لكي أأُمنّكم، ولكي لا أسليكم بلا نفع، وأن أعدكم لتصبروا بأكثر مخافة. إذًا لماذا، أخبرني لا تقبل أن تُدان، حين تُخطيء؟ ألم يخبرك بكل هذا من قبل؟ ألم يهددك؟ الم يُساعدك؟ ألم يضع أمور لا تُحصى من أجل خلاصك؟ ألم يهبك معمودية الميلاد الجديد؟ وغفر لك كل خطاياك السابقة؟ ألم يعطيك أيضًا بعد هذا الغفران، وهذه المعمودية، المساعدة عن طريق التوبة، عندما نخطيء؟ وبعد هذا الغفران لخطاياك ألم يجعل لك الطريق سهلاً؟ إسمع إذًا أي وصية قد أعطى “إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي”(21)، هكذا يقول، وأية صعوبة في هذا الأمر، “أطلبوا الحق إنصفوا المظلوم أقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة ” ثم يقول “إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيّض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف”(22). وأي جهد يحمل هذا الأمر؟ يقول “ذكّرني فنتحاكم معًا. حدث لكي تتبرر”(23). أية صعوبة في هذا الأمر؟ يقول “ليطلبوا المراحم من قبل إله السموات”(24). أية متاعب في هذا الأمر؟ لقد قال العشار “أللهم أرحمني أنا الخاطئ”(25)، ونزل مبررًا. أيه جهد تحتاج لكي تحاكي العشار؟

لكنك لا تريد أن تقنعك، ولا حتى بعد كل هذه الأمور الكثيرة المشار إليها، إنه يوجد جحيم وعقاب؟ حينئذ سيمكنك أن تقول، إنه ولا الشيطان يُعَاقَب. لأنه يقول “إذهبوا عني….إلى النار الأبدية المعدة لأبليس وملائكته”(26). إذًا إن لم يوجد جهنم، ولا الشيطان يُعَاقَب (كان لك الحق فيما تقول)، لكن إن كان الشيطان يُعَاقَب، فمن الواضح إننا سنُعَاقَب نحن أيضًا. لأنه بالتأكيد نحن أيضًا قد عصّينا، وإن كان ليس لذات الأمور. لكن كيف لا ترتعب، متكلمًا بكل هذه الجرأة؟ لأنه عندما نقول، بإن الله محبًا للبشر، ولا يُعَاقِب، فإن عَاقِب، سيكون وفقًا لكم، إنه ليس بعد محبًا للبشر. أرأيت على أي حديث يقودكم الشيطان؟ ماذا إذًا؟ هل الرهبان الذين سكنوا الجبال، وأظهروا نسكً فائقًا، سيرحلون عن هذا العالم غير متوجين؟ إذَا فإن كان الأشرار لا يُدانون، ولا يوجد تعويض لأي أحد، فربما يقول شخص آخر، إنه ولا الأتقياء أيضًا سُتوجون. يقول نعم، لأن هذا يليق بالله، أن يوجد ملكوت فقط، ولا يوجد جهنم. وبناء على ذلك هل العاهر والزاني، وذلك الذي صنع شرور لا حصر لها، سيتمتع بنفس الهبات، مع ذاك الذي أظهر تعقل وقداسة، وهل بولس سيقف (على نفس المستوى) مع نيرون، أو من الأفضل القول هل سيقف الشيطان (على نفس المستوى) مع بولس (أمام الله)؟

إذًا إن كان لا يوجد جهنم، وهناك قيامة للجميع، حينئذ فإن الأشرار أيضًا سينالوا نفس الهبات مع الصالحين. ومن يستطيع أن يقول هذا الكلام، حتى وإن كان بعد من الناس الذين يتسمون بجنون شديد؟ أو من الأفضل أن نقول مَن من الشياطين يستطيع أن يقول بهذا؟ خاصة وإن الشياطين يعترفون بإنه يوجد جهنم، ولهذا يصرخون قائلين: “أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا”(27)، إذًا كيف لا نخاف ولا نرتعب، فحين تعترف الشياطين (بوجود جهنم)، أنت ترفض هذا الأمر؟ وكيف لا تنتبه لمعلم هذه العقائد الخبيثة؟ لأن ذاك (أي الشيطان) الذي خدع الإنسان منذ البداية، وحرمه من الخبرات التي كانت بين يديه، بواسطة إقتراح فيه رجاء كبير، هذا هو الذي يمنع الآن أن يقولوا وأن يفكروا في هذه الأمور، ولهذا فإنه يقنع البعض أن يستنتجوا إنه لا يوجد جهنم، لكي يلقيهم في جهنم. بينما الله على العكس من ذلك، يهدد بجهنم، وقد أعّدها، حتى إنه بعدما تعرف (طبيعة جهنم)، أن تحيا في تقوى، حتى لا تقع داخل جهنم. لكن إن كان الشيطان يُقنعك بهذه الأمور، بينما في الحقيقة يوجد جهنم، فكيف بدون أن يوجد جهنم، قد إعترف الشياطين بوجودها، هؤلاء الذين يُعننون جدًا ألا نرتاب في شيء مشابه، حتى إنه بعدما نصير بالأكثر غير مبالين، من خلال عدم الخوف، أن نسقط معهم في تلك النار (نار جهنم)؟ إذًا كيف يقول، إنهم إعترفوا بجهنم وقتها، لأنهم لم يحتملوا العقوبة التي هُددوا بها.

إذًا بعدما فهمنا كل هذا، لنُوقف هؤلاء الذين يتكلمون بهذا الكلام، هؤلاء الذين يخدعون أنفسهم أيضًا، ويخدعون الآخرين، لأنهم سيُعَاقَبون عن هذا الكلام، إذ يسخرون من تلك الأشياء المخوفة (أي العقاب الأبدي)، ويضعفون إهتمام الكثيرين الذين يريدون أن يعطوا إهتمام لهذه الأمور، ولا يُحاكموا ولا حتى البربر(28). لأن أولئك (أي أهل نينوى) بالرغم من إنهم كانوا عديمي الخبرة جميعًا، إلا إنهم عندما سمعوا أن المدينة ستدمر أو ستهلك، ليس فقط قد قبلوا أو آمنوا، بل أيضًا تنهدوا ولبسوا مسوح، وإضطربوا، ولم يتوفقوا عن أن يصنعوا كل شيء، حتى أوقفوا غضب الله(29). بينما أنت الذي عرفت أمور كثيرة بهذا القدر، هل بالكلام تُسفه الأمور السابقة، إذًا ستحدث المتضادات. لأنه تمامًا كما أن هؤلاء (أي أهل نينوى)، لأنهم خافوا من الكلام (أي كلام يونان النبي)، لم يُعَاقَبوا عن الأمور التي فعلوها، هكذا أنت أيضًا، لأنك إحتقرت التهديد بالكلام، ستنال العقاب أو سُتعاني العقاب عن الأمور التي صنعتها. وإن كان الكلام الآن يبدو لك خرافه، لكنه لن يبدو لك كذلك، عندما سُتقنعك الأمور ذاتها في حينها.

ألا ترى هنا أيضًا ماذا صنع؟ كيف أخذ لصين، ولم يعتبرهما مستحقين لنفس الأشياء، بل أن الواحد قاده إلى ملكوت السموات، بينما أرسل الآخر إلى جهنم؟ ولماذا أتكلم عن لص وقاتل؟ لأنه يحزن حتى على الرسول (أي يهوذا)، لأنه صار خائن، بل ناظرًا إليه وهو يندفع إلى حبل ويشنق نفسه ويمزن جسده في المنتصف (لأنه بالحقيقة فتح بطنه وإنسكبت كل أحشاءه)، لكن بالرغم من إنه عرف كل شيء من قبل، تركه ليعاني كل هذا الأشياء، لكي يُقنعك من خلال الأمور الحاضرة، بكل ما سيحدث هناك (أي في الدهر الآتي). إذًا لا تخدعوا أنفسكم، بأن تقتنعوا بكلام الشيطان، لأن هذه الأفكار هي له. لأنه إن كان القضاة والسادة، والمعلمين، والبربر يكرمون الصالحين، بل ويعاقبون الأشرار فكيف سيمكن أن يكون هناك مبرر لأن يصير ما هو عكس ذلك في الله، ونُقيّم نفس الأمور، للصالح وللشرير أيضًا؟

لكن حتى سيتخلصون من الشرور؟ إذًا الآن حين ينتظرون العقوبة ويُقيمون بين مخاوف كثيرة جدًا والتي تأتي من القضاة ومن القوانين، إلا إنهم لا يبتعدون عن الشرور ولا حتى بهذه الطريقة، وعندما ينتقلون على هناك (إلى الحياة الأخرى)، ويطردون هذا الخوف، وليس فقط لا يسقطون وسط جهنم، بل وينالوا ملكوت السموات أيضًا، متى سيتوقفون أن يكونوا أشرارًا؟ أخبرني إذًا هل هذا هو علامة محبة للبشر، ألا يُعَاقِب الشر، أن يُعطي مكافأة للشر، لأن يعتبر العفيف والفاسق، والمؤمن والجاحد، بولس والشيطان، مستحقًا (للكرامة) من أجل نفس الأمور؟ إذًا على أي مدى سنهذي نحن أيضًا؟ ولهذا من فضلكم بعدما تتخلصوا من هذا الجنون، وبعدما تصبحون أسياد أنفسكم، إن تقنعوا أنفسكم أن تخاف وأن ترتعد، لكي تُنقذ من جهنم المستقبلية، وطالما تحيا بالتعقل في الحياة الحاضرة، تنال خيرات الدهر الآتي، والتي ليتنا جميعًا ننالها بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى الأبد أمين.

(21) 14:6.

(22) أش17:1-18 .

(23) إش26:49.

(24) 18:3.

(25) لو13:18.

(26) مت41:25.

(27) مت29:8.

(28) الإشارة هنا إلى نينوى (Νινευιτες).

(29) يونان 1:3-10.

رسالة رومية الأصحاح14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

4-إذًا ماذا يعني قوله: “ليس أحد منا يعيش لذاته؟” يعني إننا لسنا أحرار، لنا رب يريد لنا أن نحيا، ولا يريد لنا أن نموت، والذي فيه هذان (أي إرادة الحياة وعدم إرادة الموت) يختلفان أكثر عن توجهاتنا نحن. لأنه بهذا يُظهر أن الله يعتني بنا أكثر جدًا من إعتناءنا بأنفسنا، ويعتبر حياتنا غنى، والموت ضياع. لأننا لا نموت لأنفسنا فقط، بل ونموت للرب، لو تصادف ومتنا. لكن الموت الذي يعنيه هنا، هو الموت الذي يأتي من الأيمان. بالطبع كان هذا كافيًا لكي يُقنع، إنه يعتني بنا، وإننا نحيا له، ونموت له. لكنه لم يكتف بهذا، بل يضيف أمرًا أخر لأنه بعدما قال: “فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن” وبعدما ذهب من موت الإيمان إلى الموت الطبيعي، لكي لا يبدو إنه يُقسّي كلمته، يقدم دليل أخر كبير جدًا لعنايته (نحونا). إذًا ما هو هذا الدليل؟ يقول: “لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات” رو14-9.

حتى أن هذا يُقنعك أيضًا، أي إنه يعتني لخلاصنا وإصلاحنا. لأنه إن لم يعتني بهذا القدر الكبير، فهل كانت هناك حاجة للتدبير؟ إذًا فذاك الذي أظهر هذا القدر الكبير من الإهتمام، لكي تصير ملكًا له، يزدري بنا؟ هذا أمر غير ممكن، ولن يكون، ولن يُفضل أن يترك هذه الرسالة العظيمة. من أجل هذا يقول: “لهذا مات”. مثلما يمكن للمرء أن يقول، إن فلان لن يحتمل أن يحتقر عبده، لأنه يهتم بمدخراته أو خزينته. كذلك نحن لا نحب المال بهذا القدر، بقدر ما يشتهي هو خلاصنا. وبالطبع هو لم يدفع مال من أجل خلاصنا، بل دفع دمه. ومن أجل هذا لن يحتمل أن يترك هؤلاء، الذي من أجلهم دفع هذا الثمن الكبير جدًا (أي دمه). لكن إنتبه لقوته أيضًا، كيف يُظهر إنها قوة لا يُعبر عنها. “لهذا مات وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات”. وفيما سبق قال: “فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن”.

أرأيت سلطة مطلقة (مثل هذه)؟ أرأيت قوة (مثل هذه)؟ أرأيت إهتمام تام وكامل (مثل هذا)؟ ولكي لا تقل لي إنه يتكل عن الأحياء، يُشير إلى إنه يهتم أو يعتني بالأموات أيضًا. لكن إنه كان يعتني بالأموات، فمن الجليّ إنه يعتني بالأحياء أيضًا. إذًا لا شيء قد غاب عن هذه السيادة مزودًا نفسه بالحقوق أكثر من البشر، لكي يعتني بنا، دون النظر للأمور الأخرى. لأن الإنسان بالطبع يدفع أموال، ولهذا فإن عبده يحتمل بصورة كبيرة جدًا، بينما المسيح دفع موت، ولن يقدم حساب لأي أحد، من أجل الخلاص ذاك الذي إشتُرى بهذا الثمن الباهظ، والذي ربح السلطان بواسطة هذا الإهتمام الكبير، ومثل هذا العمل. وهو يتكلم عن هذه الأمور مُبكتًا المتهود ومُقنعًا إياه أن يتذكر حجم العمل، وإنه وإن كان ميتًا، فقد عاش، وإن لا شيء قد ربحه من الناموس، وكان نموذج لأسوء أنواع الجحود، أن يعود للناموس، ذاك الذي تركه، وإن كان قد نال الكثير لأجل خلاصه.

5-إذًا بعدما إنتقده بشكل كاف (أي عن اليهودي)، مرة أخرى يتركه قائلاً: “وأما أنت فلماذا تدين أخاك أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟” رو14-10. ومن الواضح إنه يتكلم عن هذه الأمور، كأمور متساوية، لكن من خلال الكلام يُظهر أن الفرق أو الإختلاف كبير. أولاً من خلال التسمية للأخ، يُبطل كل عداوة، ثم بعد ذلك بأن يُذكر بذلك اليوم المخوف (يوم الدينونة). لأنه بعدما قال: “لماذا تزدري بأخيك؟” أضاف: “لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح”. ومن الواضح أيضًا إنه يقول هذه الأمور، لكي يُوبخ من هو أكثر كمال في الإيمان، بينما يهز ذهن المسيحي المتهود بشدة، ليس فقط مؤنبًا إياه، بسبب الإحسان الذي صار له، بل ويخيفه من العقاب الآتي. لأنه يقول: “لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح”. كذلك فإنه “مكتوب أنا حي يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله. فإذًا كل واحد منّا سيُعطي عن نفسه حسابًا لله” رو11:14-12. أرأيت كيف إنه مره أخرى يهز ذهنه، بينما من الواضح إنه يوبخ الأخر؟ لأنه يقصد شيئًا مثل هذا، كما لو إنه قال، ما هو هدفك؟ هل تنوي أن تُعَاقب من أجل ذاك؟ لكنه بالطبع لم يقل هذا، لكن قد ألمح إليه، وأورده بصورة هادئة، قائلاً: “لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح” و “فإذًا كل واحد منا سُيعطي عن نفسه حسابًا لله”.

ويُشير إلى النبي (أي أشعياء)، الذي يؤكد على خضوع الجميع لله، وهو خضوع تام، خضوع البشر الذين عاشوا في العهد القديم، وبشكل عام جميع البشر. لأنه لم يقل فقط أن كل واحد سيسجد” بل “وسيحمد”، أي سُيعطي حسابًا عن أعماله. إذًا كان لديه قلق ناظرًا إلى إلهنا وهو يجلس على العرش ورغبة في أن لا تشتت وتفرق الكنيسة، معزولاً عن النعمة، وراكضًا نحو الناموس، خاصة وأن الناموس هو ملكًا له. وعن ماذا أتكلم، أأتكلم عن الناموس؟ وأولئك الذين عاشوا بالناموس، وأولئك الذين عاشوا قبل الناموس. ولن يطلب الناموس منك أن تُعطي حسابًا، بل المسيح سيطلب منك ومن كل الجنس البشري، أرأيت كيف إنه أبطل الخوف من الناموس؟ بعد ذلك لكي لا يبدو إنه يقول هذه الأمور عمدًا، لكي يخيف ذاك (أي المتهود)، بل إنه أُقتيد إلى هذا، من خلال ترتيب الأمر، هزة أخرى يأتي إلى نفس الموضوع قائلاً: “فلأني كم أيضًا بعضًا بعضًا. بل بالحري أحكموا بهذا أن لا يُوضع للأخ مصدمة أو معثرة”رو14-13. لكن هذه الأمور لا تُذكر بهذا القدر الكبير من جهة ذاك (أي الغير كامل في الإيمان)، بقدر ما تُذكر من جهة هذا (أي الكامل في الإيمان). ولهذا فمن الممكن أن يطبقها الأثنين، الكامل في الإيمان الذي يُعثر من أجل التمييز في الأطعمة، وأيضًا الغير كامل الذي يُصدم بالتوبيخ الشديد.

6-لكن إنتبه من فضلك، كم سنُعَاقَب نحن الذين نُعِثر (غيرنا) بشكل عام. لأنه إن كان الأمر مخالف، بسبب إنهم وّبخوا في وقت غير مناسب، وأعاق أن يحدث هذا، حتى لا يُعثر أو يُصدم الأخ، فعندما نُعثر (الآخر)، دون أن نُصلح شيء، أي عقاب سنكون مستحقين؟ إذًا إن كان حين لا نخلص شخص، هو أمر يستحق الإدانة، وقد برهن عليه ذاك الذي حفر الأرض وأخفى الوزنة (الفضة)(7)، هذا ونحن نُعثره أيضًا، ما الذي لن يحدث لنا؟ ماذا إذًا، إن كان يُعثر وحده، هكذا يقول، هل لأنه ضعيف في الإيمان؟ ولهذا تحديدًا ستكون عادل، مظهرًا إحتمال. لأنه إن كان قوي ، ما كان ليحتاج كل هذه العناية لذاك، لكن الآن لأنه أكثر ضعفًا، من أجل هذا فهو يحتاج لعناية كثيرة. لنمنحه إذًا هذه الرعاية ولنحميه من كل جهة. لأننا لن نعطي حسابًا عن شرورنا فقط، بل عن سلوكنا الذي به أعثرنا آخرين. لكن إن كانت تلك العقوبات هي في حد ذاتها فرعية، عندما تضاف إليها هذه العقوبات، فمتى سنخلص؟ لا تعتقد إذًا إن لدينا مبرر، إن وجدنا مشاركين لنا في خطايانا، لأن هذا بالنسبة لنا، يعني عقاب إضافي أيضًا خاصة وأن الحية قد عُوقبت أكثر من المرأة (أي حواء)، تمامًا مثلما أن المرأة قد عُوقبت أكثر من الرجل (أي آدم). وبينما أختطف آخاب الكرم، عُوقبت إيزابل بأكثر قسوة، لأنها كانت هي تلك التي إبتدعت كل الأمر، وأعثرت الملك. لأن الخطية لا تحطم بهذا القدر، بقدر ما نقود آخرين أيضًا للخطية. ولهذا يقول الرسول بولس: “لا يفعلونها فقط بل أيضًا يسرّون بالذين يعملون”(8)، حتى إنه عندما نرى أن البعض يُخطئون، فإننا ليس فقط لا ندفعهم (نحو الخطية)، بل لنخرجهم أيضًا من وحل الشر، لكي لا نعاني نحن أنفسنا العقاب، من أجل هلاك الآخرين. ولنتذكر بإستمرار المنصة المخوفة (أي منصة العدل الإلهي)، نهر النار، القيود التي لا تُحل، الظلام الحالك، صرير الأسنان، الحشرة السامة.

لكن الله هو مُحب للبشر. وبناء على ذلك، فإن هذه الأمور (التي تكلمنا عنها) هي مجرد كلام. فلا ذلك الغني الذي إزدرى بلعازر سُيعَاقب، ولا العذارى الجاهلات سيُطردون من العرس، ولا الذين لم يطعموه يذهبون إلى النار التي أُعدت للشيطان، ولا ذاك اللابس ملابس دنسه، بعدما يُقيد من الأيدي والأرجل، سيهلك، ولا ذاك الذي طلب المائة دينار، سُيسلم للمعذبين، ولا ما قيل عن الزُناة هو أمر حقيقي، “حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ”(9)، بل أن كل هذا هو فقط تهديدات. نعم هكذا يقول، أخبرني من أين، تتجرأ أن تبرهن على أمر بهذا الحجم، وأن تستخرج أو تصدر الحكم، من خلال حجج خاصة بك؟ لماذا أنا من خلال كل ما قاله، وكل ما فعله، سيمكنني أن أبرهن على العكس. إذًا لو إنك لا تؤمن من خلال ما سيحدث في المستقبل، فعلى الأقل آمن بتلك الأمور التي حدثت بالفعل، خاصة وأن تلك الأمور التي حدثت وتحققت، ليست تهديدات وكلام.

إذًَا من غمر كل المسكونة، وأحدث ذلك الطوفان المخيف، وتدمير كل جنسنا البشري؟ من بعد كل هذا ألقي تلك الصواعق المخيفة والنار من السماء على سدوم؟ من أنهك كل مصر؟ من أهلك الستمائة ألف في البرية؟ من ….. صـ567              ، من أَمر الأرض أن تفتح فاها لتبتلع أولئك الذين كانوا مع قورح وداثان؟ من أهلك سبعين ألف في لحظة واحدة، في زمن داود؟ وهل أتكلم عن أولئك الذين عوُقبوا بشكل منفصل؟ هل أتكلم عن قايين الذي سُلّم لعقاب دائم؟ عن كرمي (Χαρμι) الذي رُجم مع كل النسل وعن ذاك الذي عانى نفس الأمر تحديدًا، لأنه جمع خشب يوم السبت؟ هل أتكلم عن الأربعين شابًا الذين إفُترسوا من مهلك الوحوش ولم ينالوا عفوًا أو مسامحة، ولا حتى بسبب أعمارهم؟ لكن لو إنك بعد النعمة، تريد أن ترى نفس الأمور، ففكر كم عانوا اليهود، كيف إلتهمت النساء أولادهن، بعضهن شوا الأولاد، وبعضهن أكلوهم بطريقة أخرى. كيف برغم إنهم سُلّموا إلى مجاعة لا تحتمل، وغلى حروب متنوعة ومخيفة، فقد طغت على كل المآسي السابقة، بكوراتهم التي فاقت الحد.

إذًا من حيث أن المسيح قد آثار هذه الأمور، إسمعه إذ سبق وقال هذا بأمثله، بأسلوب واضح وقاطع. بأمثلة، مثلما يقول: “أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي”(10)، وبمثل الكرم، وبمثل العرس(11).وبطريقة واضحة، عندما يهدد: “ويقعون بفم السيف ويُسبون إلى جميع الأمم وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكملي أزمنة الأمم. وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم وعلى الأرض كرب أمم بحيرة. البحر والأمواج تضج، والناس يُغشى عليهم من خوف”(12)، و “يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ إبتداء العالم إلى الآن ولن يكون”(13). وتعرفون جميعكم كيف عُوقبا حنانيا وسفيرة، لأنهما اختلسا فلوسًا قليلة ولكن ألا ترى الكوارث اليومية؟ أم ربما هذه لم تحدث؟ ألا ترى اليوم أيضًا، أولئك الذين يهلكون من الجوع؟ ألا ترى أولئك الذين يسود عليهم داء الفيل والجذام؟ ألا ترى أولئك الذين يحيون على الدوام في الفقر؟ ألا ترى أولئك الذين يُعانون من شرور لا حصر لها غير قابلة للشفاء؟ إذًا كيف يمكن أن يتبرر البعض، أن يُدان البعض، وألا يُدان البعض الآخر؟ لأنه إن كان الله غير ظالم، وهو بالحق كذلك، فإنك على كل حال ستُدان أنت أيضًا، طالما تُخطأ، لكن لو إنه بإعتبار إنه مُحب البشر، لا يُعاقب، فإنه ولا هؤلاء ينبغي أن يُعَاقَبون.

لكن الآن بسبب كلامكم هذا، فإن الله سيُعاقب كثيرين هنا( أي في هذه الحياة)، لكي تؤمنوا على الأقل بالأمور المختصة بالعقاب، عندما لا تؤمنوا بالكلام الخاص بالتهديد. ولأن الأمور القديمة أو المختصة بالعهد القديم لا تخيفكم، فإنه يُصحح اللامبالين في كل عصر، بواسطة تلك الأمور التي تحدث في كل نسل. ولأي سبب، يقول، إنه لا يُعاقب الجميع هناك (أي في هذه الحياة)؟ يقول هذا لكي يُعطي للآخرين فرصة أو مهلة للتوبة. إذًا لأي سبب يُعاقب الجميع هناك (أي في الدهر الآتي)؟ لكي لا يتشككوا تمامًا في عناية الله. كم عدد اللصوص الذين قبضوا عليهم، وكم عدد الذين ماتوا دون أن يُعّاقَبون؟ أين هي إذًا محبة الله للبشر؟ هو دوري الآن أن أسألك أنا أيضًا. بمعنى إنه، إن لم يُعاقب أحد بشكل عام، أيمكنك أن تلجأ إلى هذا الأمر، لكن عندما يُعاقب البعض، والبعض الآخر لن يُعاقب، على الرغم من إنهم صنعوا أسوأ الخطايا، فكيف يمكن أن يكون هناك مبرر لنفس الخطايا، وإلا يكون هناك نفس العقوبات. وكيف لا تنصح، أن أولئك الذين عُوقبوا، قد ظلموا؟ إذا لأي سبب لابد أن الجميع هنا (أي في هذه الحياة)؟ إسمعه وهو يدافع عن نفسه، لأجل هذه الأمور. إذًا لأن البعض ماتوا، عندما سقط فوقهم البرج، يقول لأولئك الذين يتشككون من جهة هؤلاء، “أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس؟ كلا أقول لكم. بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون”(14)، ناصحًا إيانا، ألا تأخذنا الجرأة، عندما يُدان البعض، نحن لا نُدان، على الرغم من إننا نصنع خطايا كثيرة. لأنه إن لم نتغير، فإننا سُندان على كل الأحوال.

وكيف يقول، إننا سُندان إلى الأبد، بينما نخطيء هنا “في هذه الحياة الحاضرة) لفترة زمنية قصيرة؟ كيف يُحكم على الإنسان الذي يرتكب حادثة قتل في لحظة زمنية قصيرة بالأعمال الشاقة المؤبدة؟ لكن الله، هكذا يقول، لا يصنع هذه الأمور. إذًا فكيف أمسك المشلول لمدة 38 سنة في هذه العقوبة الكبيرة؟ من جهة إنه عاقبه لأجل خطاياه، إسمع ماذا يقول “ها أنت قد برئت فلا نخطيء أيضًا”(15). لكنه شُفي، هكذا يقول. لكن الأمور ليست هكذا في الحياة الأخرى، ومن جهة أن العقوبات لن يكون لها حل مطلقًا في الدهر الآتي، إسمعه حين يقول: “حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ”(16)و “يمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية”(17). إذًا إن كانت الحياة هي أبدية، والجحيم سيكون أبدي، ألا ترى إلى أي مدى هدد اليهود؟ هل يا ترى إذًا قد تحققت التهديدات، في الكلام الذي سبق؟ بقول: “لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض”(18). هل يا ترى إذًا تُرك (صخر)؟ وماذا حين قال “يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله”(19). هل يا ترى لم يحدث هذا؟ أقرأ تاريخ يوسيبوس(20)   ،ولن تتمكن حتى من أن تتنفس، وأنت تسمع فقد تلك الأمور التي عاناها اليهود فيما يتعلق بتلك الأمور التي حدثت.

(7) أنظر مت14:25-30.

(8) رو32:1.

(9) مر44:9.

(10) لو27:19.

(11) أنظر مت 33:12-46 ،1:22-15.

(12) لو24:21-26.

(13) مت21:24

(14) لو4:13-5 .

(15) يو14:5 .

(16) مر44:9.

(17) مت46:25.

(18) مت2:24.

(19) مت21:24.

(20) يوسيبوس هو مؤرخ يهودي كبير عاش في القرن الأول الميلادي.

رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

“من هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه لا لمحاكمة الأفكار. واحد يؤمن أن بأكل كل شيء وأما الضعيف فيأكل بقولاً” رو1:14-2.

1-أعرف إن ما قيل هو أمر غير مفهوم لدى الكثيرين. ولهذا يجب أولاً أن أتكلم عن موضوع هذا الجزء في مجمله، وماذا يُريد أن يُصحح وهو يكتب عن هذه الأمور. إذًا ماذا يريد أن يصحح؟ هناك كثيرون من اليهود قد آتوا إلى الإيمان وهم لم يتحرروا بعد من الضمير الناموسي، هؤلاء حتى بعد الإيمان حفظوا مسألة التمييز بين الأطعمة، دون أن يتجرأوا بعد على الإبتعاد بشكل نهائي عن الناموس. ثم بعد ذلك وحتى لا يصيروا مفهومين، تجنبوا فقط أكل لحم الخنزير، ثم تجنبوا بعد ذلك كل اللحوم وأكلوا بقول فقط. حتى يبدوا أن ما يحدث، هو صوم، وليس حفظًا للناموس. البعض الآخر أيضًا كانوا أكثر كمالاً، دون أن يصنعوا تمييزًا مشابهًا، وقد صاروا سبب ضيق وحزن لأولئك الذين يحفظون هذه الأمور بتدقيق، مُبكتين، ومُدينين، ومُثيرين للضيق .

إذًا فخشية الرسول بولس، هي ربما وهم يريدون أن يصححوا شيءً بسيطًا، يحطمون كل شيء، وفي محاولتهم أن يقودوهم إلى عدم الإهتمام بالأطعمة، يجعلونهم يخسرون الإيمان أيضًا، مبادرين إلى تصحيح كل شيء قبل الوقت المناسب، فيثيروا الخسارة في الأوقات المناسبة، ويبلبلوا أفكار هؤلاء في إعترافهم بالمسيح، بأن يوبخونهم بإستمرار. فيبقوا هكذا بلا تصحيح أو إصلاح في الاثنين أي الحياة الجسدية والحياة الروحية، أنظر إلى رؤية ق. بولس وكيف إنه يعتني بالجانبين، بحكمته المعتادة. لأنه لا يريد أن يقول لأولئك الذين وُبخّوا، إنكم سلكتم بصورة سيئة، حتى لا يبدو إنه يدعم أولئك في حفظهم للناموس، ولا أيضًا يقول لهم إنكم صنعتم حسنًا، حتى لا يجعل عمل المُدنيين أكثر قسوة، لكنة يؤنب بحكمة. ومن الواضح إنه يؤنب من هم أكثر قوة على المستوى الروحي، لكن مجمل حديثه كله موجه لأولئك (الذين يحفظون الناموس)، وبعد ذلك يحوّله تجاه هؤلاء (الذين يؤنبونهم) لأن هذا النصح هو على كل الأحوال يزعج بصورة أقل، وذلك حين يتحول المرء بحديثه لآخر، فيصيب شخصًا آخر. لكن ولا ذاك الذي يُوَبخ، يتركه لكي يصل لمرحلة الغضب، وفي نفس الوقت ودون أن يشعر به أحد، يقدم دواء التصحيح.

لاحظ إذًا كيف إنه يصنع هذا بتعقل وفي اللحظة المناسبة. لأنه بعدما قال: “ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات”(1)، حينها حّول كلمته نحو هؤلاء، لكي لا يبدو إنه يتكلم مدافعًا عن أولئك الذين يوبخون، ويحرضون على أن يأكلوا جميع الأطعمة. خاصةً وأن العضو الضعيف، يحتاج دومًا لرعاية أكثر. ولهذا يتوجه مباشرة نحو العضو القوي قائلاً: “ومن هو ضعيف في الإيمان”. أرأيت أن أول ضربه أعطيت مباشرة لذاك (أي للقوي) ؟ لأنه يقول “من هو ضعيف”، لقد أظهر كيف أن ذاك هو مريض. ثم بعد ذلك أضاف ضربة ثانية، قائلاً: “فاقبلوه” إذًا فقد أظهر مرة أخرى كيف أن (الضعيف) يحتاج على رعاية كثيرة، الأمر الذي يعني إنه عيّنه لأسوء مرض. “لا لمحاكمة الأفكار”، وها هي الضربة الثالثة التي يضيفها. لأن من هنا يوضح أن هذه هي خطيئته، حتى أن أولئك الذين لا يفعلون نفس الخطية، يتميزون عنه، لكن من هم أصدقاء يقبلون علاجه. أرأيت كيف إنه يعطي الإحساس بإن كلامه موجه لهؤلاء (أي الضعفاء)، لكنه في الحقيقة يوبخ أولئك (الأقوياء)، دون أن يشعر به أحد، ودون أن يزعج أحد؟. بعد ذلك، بعدما ما أشار للأثنين في ذلك الوقت، أشار لواحد بالمديح، بينما أشار للآخر بالإتهامات. لأنه أضاف قائلاً: “واحد يؤمن أن يأكل كل شيء”، يحكم عليه من خلال الإيمان، “أما الضعيف فيأكل بقولاً”، ويؤنب ذاك أيضًا لأجل ضعفه.

2-فيما بعد، لأنه وجّه ضربة مؤثرة، يعزي ذاك مرة أخرى قائلاً: “لا يزدر من يأكل بمن لا يأكل” رو14-3. لم يقل “ليترك”، لم يقل “لا يُدين”، لم يقل “لا يصحح”، بل قال لا يسخر منه، لا يزدري به، لكي يُظهر إنهم صنعوا أمر مستحق لكثير من السخرية لكن من جهة ذاك (أي الذي لا يأكل)، لا يتكلم هكذا، لكن كيف يتكلم؟ يقول “ولا يدين من لا يأكل من يأكل”. لأنه تمامًا مثلما أن الكاملين في الإيمان قد قللوا من شأنهم كقليلي الإيمان ومرائين ومزَيفين، ومتهودين بعد، هكذا فإن هؤلاء (أي من لا يأكلون) أدانوا من يأكلون كمخالفين، أو كشرهين. ومن الطبيعي أن يكون من بين هؤلاء الذين يأكلون، أمميين. ولهذا أضاف أيضًا “لأن الله قبله”. لكن من جهة ذاك، أي الذي يأكل لا يتكلم هكذا. وإن كان بالتأكيد الإزدراء قد أرتبط بذاك الذي يأكل، لأنه كان شره. لكنه أبدل هذه الأمور، لكي يُظهر إنه ليس فقط لا يستحق للإزدراء، بل ويمكنه أن يدين. بل ويقول وهل أنا أدينه؟ مطلقًا، ولهذا أضاف أن “الله قبله”.

إذًا لماذا تدينه لأنه خالف الناموس؟ فالله قبله، إذ يقول، “لأن الله قبله”. أي أن الله أظهر لذاك (أي الذي يأكل) نعمته غير الموصوفة، وخلّصه من كل الإدانات. ثم بعد ذلك أيضًا يقول للقوي.

 ” من أنت الذي تدين عبد غيرك” رو14-4. وبناء عليه فمن الواضح أن هؤلاء (الذين لا يأكلون) قد أدانوهم، وليس فقط قد إزدروا بهم. “هو لمولاه يثبت أو يسقط”، ها هو جرح آخر أيضًا. ومن الواضح أن الغضب موجه للقوي، لكنه أيضًا موجه لذاك (للضعيف). لأنه عندما يقول “ولكنه سيثبت”، أظهر إنه ما زال بعد مهتز (من جهة الإيمان)، ويحتاج لكثير من الإهتمام وقدر كبير من العناية، حتى إنه يدعو الله طبيب لهذه الأمور، لأنه يقول “لأن الله قادر أن يثبته”، الأمر الذي نقوله لأولئك الذين هم في حالة يأس شديد. بعد ذلك، لكي لا ييأس، يدعوه عبد، على الرغم من إنه ضعيف، قائلاً: ” من أنت يا من تدين عبد غيرك؟”. وهنا أيضًا هو يوبخ ذاك (أي الضعيف) خفية أو بصورة غير معلنة. والتوبيخ هنا غير مرتبط بأنه يصنع غير مستحقة للإدانة، ولهذا بحث على عدم إدانته، لأنه عبد للغير، لكنه ليس عبد لك، بل هو عبد لله.

بعد ذلك يعزيه مرة أخرى، فلم يقل، إنه “يسقط”، لكن ماذا قال؟ قال: “يثبت أو يسقط”. سواء حدث هذا أو حدث ذاك، فإن الرب يهتم بالأثنين، والخسارة تتجه إلى هناك، عندما يسقط، تمامًا مثلما يحدث مع الثراء، عندما يثبت. بالطبع فإن هذه الأمور، إن لم نفهم أيضًا هدف القديس بولس منها، والذي يريد ألا يوّبخ هؤلاء قبل الوقت الملائم، تكون غير جديرة بالمرة بالإهتمام الذي يناسب المسيحيين. لكنه وهو الأمر الذي أقوله دائمًا، ينبغي أن نفحص القصد، والدافع من وراء قول هذا الكلام، وماذا يريد أن يحقق من وراء هذا الكلام. وهو لم يحيد هذا عن الموضوع . لأنه إن كان الله، الذي أحتمل الضرر، لم يضع شيئًا في البداية، فكيف لا تكون فضوليًا أكثر مما ينبغي، ومتثاقلاً عليه، وسببًا في ضيقه، حين تتكلم في الوقت غير المناسب؟

3-“واحد يعتبر يومًا (أكثر قداسة) دون يوم، وآخر يعتبر كل يوم (مقدس) رو14-5.

هنا يبدو لي إنه رويدًا رويدًا يلمح إلى الصوم. خاصة وإنه كان أمرًا طبيعيًا أن يُدين البعض ممن كانوا يصومون، وبإستمرار كل من كان لا يصوم، أو كان أمرًا طبيعيًا بحسب هذه التمييزات، أن البعض كانوا يأكلون في بعض الأيام، وفي بعض الأيام لا يأكلون. ولهذا قال “فليتيقن كل واحد في عقله”. هكذا إذًا بدد خوف أولئك الذين صنعوا هذه التمييزات، قائلاً أن الأمر لا يستحق الإهتمام، وأبطل عداوة أولئك الذين شنوا هجومًا شديدًا على هؤلاء، مظهرًا إنه غير مُستحب بالمرة أن يكونوا مزعجين بإستمرار من أجل هذه الموضوعات. وهذا الأمر غير مستحب بالمرة، لا بسبب طبيعته، بل بسبب الزمن ومن أجل أنهم حديثي الإيمان. كذلك وهو يكتب إلى أهل كولوسي بإهتمام كبير، يمنع هذا الأمر، قائلاً “أنظروا أن لا يكون أحدكم يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح”، وأيضًا “فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت” و “لا يُخسّركم أحد الجعالة”(2). بل وإلى أهل غلاطية يكتب بدقة كبيرة ويطلب من هؤلاء الإيمان والكمال في موضوعات مثل هذه. لكنه هنا لا يستخدم هذه النغمة بسبب إنهم كانوا حديثي الإيمان. إذًا ينبغي ألا نقل في كل شيء “فليتيقن كل واحد في عقله”. لأنه حين يكون الكلام عن العقائد أسمع ماذا يقول: “إن كان أحد يبشركن بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”(3). وأيضًا “أخاف إنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح”(4). ويكتب إلى أهل فيلبي قائلاً: “أنظروا الكلاب أنظروا فعلة الشر أنظروا القطع”(5). لكن إلى أهل رومية، لأنه لم يكن وقت أن يصحح هذه الأمور الآن، يقول : “فليتيقن كل واحد في عقله”. خاصة وأن الكلام كان عن الصوم أيضًا، وهو قد تكلم عن هذه الأمور لكي يمحو تباهي أولئك ولكي يبدد الخوف عند هؤلاء.

“الذي يهتم باليوم فللرب يهتم والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم. والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله. والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله”. رو14-6. وهو مستمر في الإهتمام بهذه الأمور. بالطبع ما يقوله يعني الآتي، أن الأمر لا يتعلق بالأشياء التي تأتي في الأوقات المناسبة. لأن المطلوب هو إن كان هذا الأمر يفعله هذا وذاك لأجل الله، إن ما يُطلب هو إن كان الأثنان ( أي الذي يهتم والذي لا يهتم والذي يأكل والذي لا يأكل) يختمان بالشكر على ما يقومان به. خاصة أن هذا وذاك يشكران الله. إذًا فإن كان الإثنان يشكران الله، فالفرق ليس كبيرًا. لكن لاحظ من فضلك، كيف إنه هنا أيضًا، دون أن يُشعر به، يضرب المتهود. لأنه إن كان المطلوب هو هذا، أي الشكر ، فإنه من الجليّ أن ذاك الذي يأكل هو الذي يشكر، وليس ذاك الذي لا يأكل، لأنه كيف يكون من الممكن هذا (أن يشكر الذي لا يأكل)، طالما إنه بعد، متجه نحو الناموس! هذا ما قاله بالضبط لأهل غلاطية: ” أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة” غلا5-4. بالطبع هو هنا يشير إلى هذا، لكنه لا يوضحه هكذا (لأنه لم يكن وقته بعد)، بل إنه يُقيّمه أولاً، ثم يوضحه أكثر بالكلام اللاحق. قائلاً: “لأن ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته. لإننا إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن” رو7:14-8. هنا هو يُشير على هذا (أي للحياة مع المسيح) بأكثر وضوح من خلال هذه العبارات. لأن ذاك الذي يحيا للناموس، كيف يمكن أن يحيا للمسيح؟ لكنه لا يبرهن على هذا (أي الحياة للمسيح) من خلال ما قاله فقط، بل إن ذاك الذي يشرع في التصحيح، يضبطه ويُقنعه أن يكون طويل الأناة، موضحًا إنه من المستحيل أن يُزدرى بهم الله، لكنه سيُصلحهم في الوقت الملائم.

(1) رو14:13.

(2) كو2-8،16-18.

(3) غلا1-9.

(4) 2كو11-3.

(5) في3-2.

رسالة رومية الأصحاح14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          3 ـ إذًا فلنتخلص من هذا النوم الخبيث. لأنه إن كان يومنا قد كرّس للنوم، فسيتبعه موت أبدي. بل أننا قبل ذلك اليوم، سنكون ضعفاء أمام كل الأعداء، الذين يأتون من هنا (من النوم أو الكسل) وأمام الناس، وأمام الشياطين، وإن أرادوا أن يهلكونا، فلن يوجد يمنعهم من ذلك. لأنه إن كان الساهرون (أي اليقظون) هم كثيرين فإن الخطر لن يكون كبيراً بهذا القدر، لأن واحد، وربما اثنين، أشعل سراجاً وظل ساهراً، بينما ينام الآخرون، تمامًا مثلما يحدث في منتصف الليل، ولذلك يُفرض علينا الكثير من اليقظة والكثير من الأمان، حتى لا نُصاب بشرور لا تُصحح. ألا يبدو لنا الآن كيف أن النهار مشرق؟ ألا نعتقد جميعنا، أننا استيقظنا وأننا هادؤن؟ لكننا جميعاً (ربما تسخرون من الكلام، لكنني سأقوله)، نشبه أولئك الذين يغطون في نوم عميق ويشخرون. وإن كانت هناك إمكانية أن نرى كائناً جوهراً غير جسداني، فيكون معنى ذلك أن الأكثرية تغط في نوم عميق، بينما الشيطان يثقب الأسوار ويفترس كل النائمين، وسلب كل ما يوجد في الداخل، صانعًا كل هذا بكل اطمئنان كمن يعمل في ظلام دامس. أو من الأفضل أن نقول، أن الشيطان يعرف أنه يستحيل على أحد أن يراه، إلا أننا نراه عن طريق الكلام الرديء ولنفكر في كم هم الذين يحاربون بالرغبات الشريرة، والذين سيطر عليهم المخدر المخيف الناتج عن الفجور، وكم عدد الذين يطفئون نور الروح تمامًا. ولهذا إذًا يرون، أن الإنسان عندما يكون مستغرقاً في حلم يري ويسمع ولكن ليس بطريقة واقعية، ولذلك فهو لا يصغي إذا ما تكلم أحد مستيقظ.

لكن إن كنت أنا أكذب عندما أتحدث عن هذه الأمور، وإذ كنت أنت يقظًا، أخبرني، ماذا حدث اليوم هنا، إن لم قد حدث كما لو كان في حلم؟ وأنا أعرف بالطبع أن البعض سيقولوا لماذا لم أتحدث عن هذه الموضوعات في مواجهة الجميع. لكن أنت يا من أنت مُذنب فيما يختص بالأمور السالفة، والذي دخلت هنا بلا فائدة، تكلم، أى نبي، وأى رسول حدّثنا اليوم، وعن أى الأشياء تحدث. أنت لا تستطع أن تقول، لأنك تكلمت عن أمور كثيرة هنا، كما في حلم، دون أن تستمع للأمور الحقيقية. لكن لنتكلم عن هذه الأمور بالنسبة للنساء، خاصةً وأن النوم عندهن كثير، وليته وهو نوم لأن من ينام لا يتكلم بالشر، ولا بالصلاح، بينما اليقظ مثلكم يتكلم كثيراً عن شره، يعد الفوائد، ويحسب الأرباح ويعد لحسابات القروض يحمل في ذاكرته خمراً  (سكراً) فاسداً، يزرع شوكاً كثيفاً في نفسه، لا يترك البذرة قليلاً حتى تثمر عليك أن تستيقظ تمامًا، وانزع هذا الشوك من الجذور، وتحرر من السكر، لأن من هنا يأتي النوم. لكنني لا أقصد بالسكر، سكر الخمر فقط، بل الاهتمامات الحياتية أيضًا، ومع سكر هذه الاهتمامات، يأتي السكر من الخمر أيضًا.

          وأنا لا أنصح الأغنياء فقط بهذه الأمور، بل والفقراء أيضًا، وبخاصةً أولئك الذين يصنعون موائد الأغابي. لأن هذا لا يُمثل متعة، ولا تجلب راحة، بل جزاءاً وعقوبة. لأن المتعة ليست أن نتكلم كلاماً وقاحاً، بل أن نتكلم بوقار، أن نشبع، لا أن نتشاحن. أما إن اعتقدت أن في هذا لذة، فاظهر لي في المساء هذه اللذة. أنك لا تستطيع أن تظهرها. وأنا لم أتكلم بعد عن الأضرار التي تأتي من هنا (أى من السكر)، بل أكلمك أولاً عن اللذة التي تذبل على الفور. لأنه في لحظة واحدة تنفض المائدة ويختفي الفرح. لكن عندما أشير إلى القيء، وأوجاع الرأس، والأمراض التي لا تُعد، وأسر النفس، ماذا ستقول في كل هذه الأمور؟ فهل لأننا فقراء، يجب أن نسلك بلا وقار؟ أنني أتكلم عن هذه الأمور، لا لكي أمنعكم أن تعدوا موائد مشتركة، ولا لكي أمنعكم عن أن تقيموا طعام مشترك، بل لكي أمنعكم أن تسلكوا بلا وقار، ولأنني أريد للمتعة أن تكون متعة حقيقية، وألا تكون جزاء وعقاباً، وسكراً، وتسلية. ولعلم الأمم، أن المسيحيين يعرفوا على أية حال كيف يستمتعوا ويتمتعوا، وأن يتمتعوا بوقار. يقول المرنم “افرحوا في الرب بخوف”[1]. وكيف يكون ممكنًا أن نفرح؟ نفرح ونحن نقول التسابيح، ونرفع الصلوات، ولتحل المزامير محل تلك الأناشيد السفيهة.

          وهكذا فإن المسيح سيوجد بجوارنا على المائدة، وسيمتلئ بالبركة الطعام والشراب، عندما تصلي، وعندما ترنم روحيًا، وعندما تدعو فقراء إلى الشركة في الطعام المقدم، وعندما تفرض طاعة كبيرة ووقاراً على المائدة. هكذا أيضًا ستصنع الكنيسة الطعام والشراب، ويسبح الجميع الرب، ويحل هذا التسبيح مكان الصياح والمديح غير اللائق. ولا تقل لي، إنه قد ساد ناموس آخر، بل عليك أن تصحح الأوضاع الشريرة التي تصاحب السلوكيات هكذا يقول: “فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شئ لمجد الله”[2]. خاصةً وأن الرغبات الشريرة تتولد من هذه الموائد ومنها يأتي الفجور، ومن هنا (أى من هذه الموائد) تُحتقر نساءكم، بينما تُكرَّم العاهرات، من هنا يأتي انحلال أو تفكك العائلات، وتأتي شرور لا حصر لها، وتعم الفوضى كل شيء، وبعدما تركتم النبع النقي، ركضتم إلى مجرى الوحل. ومن حيث أن جسد الزانية هو وحل، فإنني لا أسأل أحداً في هذا الأمر، بل أسألك أنت يا من تتمرغ في الوحل، إن لم تخجل من نفسك، إن لم تتصور كيف أنك دنس بعد الخطية.

          4 ـ ولهذا أتوسل إليكم أن تتجنبوا الزنا، ومصدره الذي هو السكر. لماذا تغرس حيث لا يمكن أن تحصد، أو ربما حتى وإن حصدت بعد، فإن الثمر يحمل لك كثيراً من الخجل؟ لأنه، حتى وإن وُلد ولد من هذه العلاقة الآثمة، فإن هذا يخجلك، ويكون (الولد) قد ظُلم بسببك، طالما أنه يعتبر أبناً شرعي، ومن أصل سيء. حتى وإن كنت بعد تترك له أموالاً طائلة، فهو يصير محتقراً في البيت، ومحتقر في المدينة، ومحتقر في القضاء.

          هذا هو المولود من  زانية، هذا هو المولود من سفاح أو خداع، بل وأنت أيضًا تكون، مُحتقراً حين تعيش، وحين تموت. لأنه حتى وإن مت بعد، تظل ذكريات أعمالك المشينة باقية. لماذا إذًًا تُخجل كل شئ؟ لماذا تبذر، حيث تحاول الأرض أن تبيد الثمر؟ تبذر حيث الأجزاء المجدبة أو القاحلة كثيرة؟ حيث قبل الولادة يوجد قتل أو اغتيال؟ خاصةً وأن الزانية لا تتركها تبقى زانية فقط، بل تجعلها قاتلة أيضًا. أرأيت، كيف أن العهر يأتي من السكر، والزنا يأتي من العهر والقتل من الزنا؟ بل وربما شئ أسوأ من القتل، لأنني لا أستطيع أن أسمى هذا الأمر. لأنه لا يقتله بعدما يولد، بل ويمنعه  أن يولد. إذًا لماذا تحتقر عطية الله، وتحارب نواميسه، وهذا الذي يُعد لعنة، تسعى أنت نحوه كبركة، ومستودع الولادة، تجعله مستودع قتل، والمرأة التي أُعطيت لك لولادة الأبناء، تعدها للقتل؟ كما أنك لا ترفض أن هذه المرأة مبهجة ومرغوباً فيها لدى العشاق، وتجمع أموال أكثر، فتجمع بسبب هذا ناراً حارقة فوق رأسك. لأنه على الرغم من أن الإباحية تُنسب لها، لكن السبب يرجع إليك.

          من هنا تأتي عبادة الأوثان. لأن كثيرات، لكي يصرن جذابات يبتدعن تمتمات (صلوات)، وأحجبة، وطرقاً أو وسائل سحرية جنسية وأشياء أخرى لا تُعد. لكن بعد هذا القُبح الكبير وبعد حالات قتل كثيرة، وبعد عبادة أوثان، فقد بدى الأمر للكثيرين أنه لا يستحق الاهتمام، على الرغم من ان الكثيرين لديهم نساء. وهنا يظهر بالأكثر حجم الشرور لأنهم يلجأون إلى الشعوذة، ليس في بطن الزانية بل لدى المرأة المظلومة، وإلى آلاف المكائد، وستدعون الشياطين، ويتصلون بالموتى (عن طريق العرافة)، ويشنوا حروباً يومية، ومعارك وحشية، ونزاعات يومية. ولذلك فإن القديس بولس، بعدما قال ” لا بالمضاجع والعهر” أضاف ” لا بالخصام والحسد”، لأنه يعرف الحروب التي تأتي تنشب عن طريق هذه الأمور، وتفكك العائلات، والظلم الذي ينال من الأولاد المهذبين، والشرور التي لا حصر لها. ولكي نتجنب إذًا كل ذلك، فلنلبس المسيح، ولنكن دومًا معه. وألا نتركه أبدًا، فإن معنى كلمة “لبس” هو أن يظهر المسيح من داخلنا من كل الجوانب من خلال قداستنا، من خلال صلاحنا. هكذا نقول لأصدقائنا أن فلاناً قد لبس فلاناً، قاصدين المحبة الكبيرة، والعشرة المستمرة. لأن من لبس، يبدو هو ذاك الذي لُبس.

          إذًا ليظهر المسيح من داخلنا من كل جانب. وكيف سيظهر؟ إن فعلت ما يفعله. وماذا فعل هو؟ ” أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه “[3]. هذا ما يجب أن تتشبه به أنت أيضًا. كان يجب أن يحيا متمتعًا بالطعام، فأكل خبز الشعير. كان يحتاج للسفر فلم يجد خيولاً، ودواباً، فمشى مسافات طويلة جدًا، حتى أنه تعب أيضًا. كان يحتاج أن ينام، لكنه تمدد (نام) وجعل من مقدمة السفينة وسادة لرأسه. احتاج أن يُجلسهم للطعام، وأمر أن يجلسوا فوق العشب. بل وملابسه أيضًا كانت زهيدة، وفي حالات عديدة بقى وحده، دون أن يُحضر أحد معه، وطالما أنك تعرف كل ما حدث في الصليب، والإهانات، وكل شئ بشكل عام، فلتفعل كل هذا، وتكون قد لبست المسيح، إن لم تهتم بإشباع شهوات الجسد. لأن هذا الأمر لا يحمل أى فرح. خاصةً وأن هذه الشهوات تلد أيضًا أشياء أخرى مؤلمة، ولن تشبع أبدًا. إن الذي يعيش في الشهوات يعطش دائماً يشبه من يظل عطشاناً، وحتى وإذا وجدت بالقرب منه آبار مياه لا حصر لها، فإنه لن يربح شيئاً من ذلك، طالما أنه لا يستطيع أن يطفئ شهوته، هكذا ذاك الذي يعيش دومًا بالشهوات.

          أما إذا تدرب الجسد على الحرمان، فلن يصاب مطلقًا بهذه الحمى (أى حمى الشهوات)، بل سيفارقك السكر، والعهر. إذ عليك أن تأكل بقدر ما توقف الجوع، وتلبس، بقدر ما تتغطى فقط، ويجب ألا تزين الجسد بالملابس لكي لا تهلكه. خاصةً وأنك بهذا تجعله أكثر ضعفًا، وتضر بالصحة، بعدما تضعفه بكثير من الحماقة. لكي يكون لك إذًا عربة حسنة للنفس، لكي يجلس القائد بأمان أمام عجلة القيادة، ولكي يستخدم الجندي الأسلحة بسهولة، فعليك ممارسة كل ذلك كما ينبغي. لأن ما يجعلنا لا نقبل الهزيمة، ليس هو أن نمتلك الكثير، بل هو أن نحتاج للقليل. لأن ذاك (أى الذي يمتلك الكثير)، حتى وإن لم يُظلم بعد، يخاف، بينما ذاك (الذي لا يحتاج إلاّ للقليل)، حتى وإن ظُلم بعد، سيكون في حالة أفضل من أولئك الذين لم يُظلموا بعد، ولهذا سيوجد في بهجة أكثر. إذًا يجب ألا نطلب هذا (أى الكثير)، أى يجب ألا يصيبنا أحد بالضرر، بل وحتى إذا كان يريد بعد أن يؤذينا، فإنه لن يستطع. وهذا لن يحدث بأي حال على الإطلاق، حين نحتمل الحرمان، ولا نشتهي المزيد. لأنه هكذا إنطلاقًا من هذا السلوك، سنستطيع أن نحيا حياة مملوءة بالمتعة، وسننال خيرات الدهر الآتي، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الدهور آمين.

 

         

         

[1] مز11:2 (س).

[2] 1كو31:10.

[3] لو58:9.

رسالة رومية الأصحاح13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

” هذا وإنكم عارفون الوقت أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم ” (رو11:13).

          1 ـ بعدما أوصى بكل ما ينبغي فعله، يحثهم مرة أخرى أن يتمموا الأمور الصالحة على وجه السرعة. لأن وقت الدينونة هو قريب جدًا، تمامًا كما كتب إلى أهل كورنثوس، قائلاً: ” الوقت منذ الآن مُقصر “[1]. وأيضًا كتب إلى العبرانيين ” لأنه بعد قليل جدًا سيأتي الآتي ولا يُبطئ “[2]. لكنه في هاتين الرسالتين قال هذا لكي يُشدد الذين تعبوا، ولكي يُعزيهم لأجل المتاعب، والتجارب المتوالية، بينما هنا (أى في رومية)، قال هذا لكي يوقظ أولئك الذين ناموا (أى المتغافلين). كذلك فإن هذا الكلام نافع للاثنين أيضًا. لكن ما معنى قوله: ” أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم “؟ يعني أن القيامة قريبة، أن الدينونة الرهيبة قريبة، أن اليوم الذي يحرق مثل كمين النار هو قريب، ويجب بالأكثر أن نتخلص من اللامبالاة. لأن ” خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا “.

          أرأيت كيف أنه يقدم الآن موضوع القيامة لهؤلاء؟ لأنه بينما يمر الزمن، يُنفق وقت الحياة الحاضرة، ويأتي زمن الحياة الأبدية قريب جدًا. إذًا لو أنك مستعد وتتمم كل ما أوصى به، يصير اليوم يوم خلاص، لك، أما إذا حدث العكس، فإن اليوم لن يكون بعد يوم خلاص.

          لكنه لم يعظ في البداية عن الأمور المحزنة، بل عن النافعة، لكي يُخلّصهم بذلك من شهوة الأشياء الحاضرة. لكنه تحدث عن ما هو محزن بعد ذلك، لأنه كان من الطبيعي أن يُظهروا استعداد أكثر في البداية، طالما كانت رغبتهم شديدة. إلاّ أن الرغبة تتلاشي تماماً مع مرور الزمن، وهنا يبدأ يوصيهم بأنهم  لا 

لكن مع مرور الزمن، تبدأ تنمحي تمامًا كل غيرة، فيقول

يجب أن يفعلوا العكس، فلا يتراخوا كلما عبر الزمن، بل بالأكثر يكثفوا من محاولاتهم. لأنه كلما أقترب موعد الملك، كلما زاد الاستعداد وكلما أقترب موعد المكافئة، بقدر ما ينبغي بالأكثر أن نُزيد استعدادنا للجهاد. لأن هذا ما يفعله العدائون، حين يصلون بالقرب من نهاية الطريق واستلام الجائزة، فهم يشددون بالأكثر من بذل جهد قوي ولهذا قال ” خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا “.

 

2 ـ ” قد تناهى الليل وتقارب النهار ” (رو12:13).

          إذًا إن كان الليل ينتهي، فالنهار يقترب. فلنصنع بالأولى تلك الأعمال (أى أعمال النور)، وليست هذه الأعمال (أى أعمال الظلمة). خاصةً وأن هذا هو ما يحدث في الأمور الحياتية. حين نرى أن الليل يركض نحو السحر، ونسمع شدو العصفور، فإن كل واحد يوقظ قريبه، وإن كان بالطبع مازال ليل. ونظراً لأن الليل يرحل بالفعل فنحن نتصرف في عجالة ونتمم كل شيء تلو الأخر فالنهار قد طلع عندئذٍ ونصنع كل ما يليق بالنهار، أى نرتدي ملابسنا، نفيق من الأحلام، ونودع النوم، لكي يجدنا اليوم مستعدين، حتى لا نبدأ وقت أن نستيقظ مباشرة بل ونشدد أنفسنا حين تشرق الشمس. إذًا ما نصنعه في حياتنا اليومية، فلنصنعه هنا أيضًا. فلنتجاوز الخيال، ولنتخلص من أحلام الحياة الحاضرة، ولنترك النوم العميق، ولنلبس الفضيلة بدلاً من الملابس. لكي يعلن عن كل هذا، قال ” فلنخلع أعمال الظلمة. ولنلبس أسلحة النور “. خاصةً وأن يومنا يدعو للإصطفاف والمعركة.

          لكن لا نخاف حين نسمع إصطفاف ومعركة. لأن التسلح بالأسلحة المادية، يُعتبر أمراً ثقيلاً وغير مرغوب فيه، بينما هنا هو أمر مرغوب فيه ويستحق أن نطلبه، لأن الأسلحة هى أسلحة النور. ولهذا فإنها تظهر لك أكثر بهاءً من أشعة الشمس، لأنها تشع نوراً كثيراً، وتؤمّنك، وتجعلك تشرق بشكل فائق، لأنها أسلحة النور. ماذا إذًا؟ هل هناك حاجة لنحارب؟ نعم بالطبع لا ولكن لنجهد أنفسنا، وأن نتعب، لأن هذه ليست حرب حرباً، بل فرحاً واحتفالاً. هذه هي طبيعة هذه الأسلحة (أسلحة النور)، وهذه هى قوة القائد. وتمامًا مثل العريس الذي يتزين ويخرج من غرفة العرس، هكذا أيضًا ذاك الذي هو مُدَعَم بهذه الأسلحة (أسلحة النور). خاصةً وأن كل من الجندي والعريس، يتزين بها في مسيرته. لكن فبعدما قال إن النهار اقترب، لم يتركه يقترب، بل يقدمه على الفور، لأنه يقول:

 

” لنسلك بلياقة كما في النهار ” (رو13:13).

          إذًا الآن بلغ النهار. عن وأخذ يجذب هؤلاء طريق الأمور التي يُنصح بها الكثيرين، يجذب هؤلاء، أى اللياقة. لأن الكثيرين تحدثوا مع هؤلاء كثيرًا عن المجد. ولم يقل “أن نسلك”، بل قال “لنسلك”، لكي يجعل النصح بلا ضجر، ولتخفف من التوبيخ.

          ” لا بالبطر والسكر”، لا أن يمنع المرء عن أن يشرب، بل يوصيه بألا يشرب بشكل مبالغ فيه، ولا يمنعه من أن يستمتع بالخمر، بل يمنعه أن يستمتع بفجور، تمامًا مثل الكلام اللاحق أيضًا، إذ يُشير إليه بنفس المعيار قائلاً: ” لا بالمضاجع والعهر “. وبالطبع هو هنا لا يبطل الإتحاد الجسدي بالنساء، لكنه يرفض الزنا. ” لا بالخصام والحسد”. أي يحرم الأشياء القاتلة من الأهواء، والشهوة والغضب. ولهذا تحديدًا لا يبطل هذه الأمور فقط، بل ويُبطل مصادرها أيضًا. لأنه لا يوجد شئ يُشعل الشهوة بهذا القدر الكبير، ويجعل الغضب أمراً لا مفر منه، سوى السكر والفجور. ولذلك بعدما قال أولاً “لا بالبطر والسكر”، أضاف لا بالمضاجع والعهر. لا بالخصام والحسد”. ولم يتوقف عن هذا الحد، بل بعدما نزع عنا الملابس المدنسة، اسمع كيف يزيّننا فيما بعد قائلاً: ” بل البسوا الرب يسوع المسيح “. لم يشر بعد إلى الأعمال، بل حثهم (عليها) إلى أقصى درجة. لأنه حين كلمهم عن الشر، أشار للأعمال، بينما حين تكلم عن الفضيلة، لم يشر بعد للأعمال بل للأسلحة، مظهرًا أن الفضيلة تقود من يقتنيها إلى الأمان وإلى كل بهاء. ولا هنا أيضًا توقف، بل استمر بالحديث إلى ما هو أعظم، والذي هو أمر مُرعب جدًا، يُقدم لنا الرب نفسه كملبس، الملك ذاته يقدمه كملبس. لأن ذاك الذي هو لابس الرب، يملك كل الفضيلة.

          لكن عندما يقول “البسوا” يأمر أن نلبسه من كل جانب، تمامًا كما يقول في موضع آخر ” إن كان المسيح فيكم “[3]، وأيضًا ” ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم “[4]. كذلك يريد أن نكون أنفسنا مسكنًا للمسيح، ونلبسه كملبس، لكي يكون لنا كل شئ من الداخل ومن الخارج. لأنه هو كما لنا، إذ هو ” ملء الذي يملأ الكل في الكل “[5]. وهو طريق، وزوج، وعريس، لأنه يقول ” خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح “[6]، وهو الأصل أو الجذر، والماء وطعام الحياة ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ “[7]، وهو رسول، ورئيس كهنة، ومعلّم، وأب، وأخ، ووارث، وشريك في قبرنا وصليبنا ” فدفنا معه .. للموت .. صرنا متحدين معه بشبه موته “[8]، متوسل ” نسعى كسفراء عن المسيح “[9]، وشفيع عنا أمام الآب ” بالحرى يشفع فينا “[10]، وهو المسكن والساكن ” يثبت فيّ وأنا فيه “[11]، وهو مُحب ” أنتم أحبائي “[12]، وهو الأساس وحجر الزاوية، ونحن أعضائه، ونحن الحقل، والبناء، والأغصان، ونحن عاملون معه.

          ومن هو الذي لا يريد أن يصير منا، لكي يربط فيما بيننا ويوحدنا معًا بكل طريقة؟ الأمر الذي هو سمة ذاك الذي يُحب بشكل فائق. إذًا لتخضع، وبعدما تستيقظ من النوم، فلتلبس المسيح، وبعدما تلبسه، أن تهب جسدك له بالطاعة. لأن هذا هو ما أشار له قائلاً:

“ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات” (رو14:13).

          فكما أنه لم يمنع شرب الخمر، بل منع السكر، ولم يمنع الزواج، بل منع الفجور، هكذا لم يحرم الاعتناء بالجسد، بل أنه قد حزر من إشباع شهوات الجسد، أى الشعور بالاحتياج المبالغ فيه. فمن حيث أنه يأمر بالاهتمام بالجسد، اسمع ماذا يقول لتيموثاوس ” استعمل خمرًا قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة “[13]. هكذا هنا أيضًا، فهو يوصي بالاهتمام بالجسد، ولكن من اجل سلامة الصحة، وليس من أجل الفجور. إن تتوفر الظروف التي تساعد على إشعال النار بشكل مخيف لا يمكن اعتباره رعاية أو اهتمام ولكي تعلموا جيدًا، ماذا يعني، على أية حال، أن يعتني المرء بالجسد بالنسبة لإشباع شهواته، ولتدركوا كيف يمكن تجنب الأهتمام الخاطئ عليكم أن تتذكروا السكارى، والذين هم عبيد لبطونهم، والذين يفتخرون بملابسهم، والفاسقين، وأولئك الذين يحيون حياة اللذة، حياة مملوءة بالمتع، وستعرفوا معنى ما قيل.

          لأن أولئك الذين يفعلون كل شئ، هم يفعلون ذلك، لا من أجل أن يصيروا أكثر صحة، بل لكي يشعروا بالمتعة، لكي يشعلوا الشهوة. لكن أنت يا من تلبس المسيح، عندما تنقض كل هذا، لتطلب شيئًا واحدًا فقط، كيف يكون لك جسدًا صحيحاً. وتعتني به إلى هذا الحد فقط، وليس أكثر من ذلك، بل أن تخصص كل رغبتك لاقتناء الصلاح الروحي أو الخيرات الروحية. إذًا هكذا سيمكنك أن تستيقظ من هذا النوم، دون أن تشعر بثقل من هذه الشهوات المتنوعة. كذلك فإن الحياة الحاضرة، هى نوم، وكل ما يحدث في هذه الحياة، لا يختلف أبدًا عما يحدث في الأحلام. وتمامًا مثل هؤلاء الذين ينامون، ويهذون، ومرات كثيرة لا يرون شيئًا صحيحًا، هكذا نحن أيضًا، وربما تكون أسوأ بكثير. من يرتكب أفعالاً فادحة أثناء الحلم فهو لا يُعاقب عليها عندما يسقط بل يتخلص منها. أما بالنسبة لما يحدث بالفعل فإن عقابه لا ينتهي وهكذا الخجل الذي يتبعه هذه الأفعال. أيضًا كل من صار غني في الحلم، عندما يشرق النهار، يُوبخون، لأنهم اغتنوا مصادفةً، بينما هنا قبل أن يطلع النهار، فإنهم يلقوا أكثر من التوبيخ، وقبل أن ننتقل إلى هناك، تكون هذه الأحلام قد تبددتْ.

[1] 1كو29:7.

[2] عب37:10.

[3] رو10:8.

[4] أف17:3.

[5] أف23:1.

[6] 2كو2:11.

[7] غلا20:2.

[8] رو4:6ـ5.

[9] 2كو20:5.

[10] رو34:8.

[11] يو56:6.

[12] يو14:15.

[13] 1تيمو23:5.

رسالة رومية الأصحاح13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب  

رسالة رومية الأصحاح13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

        4 ـ إذًا فليحب الواحد الآخر، لكي نحب بهذه الطريقة أيضًا الله الذي أحبنا. إن ما يحدث بين البشر هو أنك إذا أحببت من هو موضع محبة، فإن الذي يُحبه سيقاومك، أما هنا فإنه يعتبرك مستحقًا أن تصير شريكًا له في المحبة، وحين ترفض أن تصير شريكًا، فإنه يُبغضك. لأن العشق الإنساني مملوء بالبغضة والحسد، بينما المحبة الإلهية متحررة من كل معاناة عاطفية، ولهذا فإنها تطلب شريكًا للمحبة. إذًا فلتحب بالاشتراك معي، هكذا يقول، وحينها سأحبك بالأكثر. أرأيت عاشقاً يتكلم بهذه القوة؟ فكأنه يقول: إن كنت تحب الذين أحبهم أنا فحينئذٍ أتصور أنني أنا ذاتي، أكون محبوبًا بشكل فائق منك. خاصةً وأنه يشتهي خلاصنا جدًا، وقد أظهر ذلك منذ البداية. اسمع ماذا يقول حين خلق الإنسان: ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا “[1]، وأيضًا: ” ليس جيدًا أن يكون آدم وحده. فأصنع له معينًا نظيره “[2]. وحين وبّخه، عندما خالف الوصية، لاحظ كيف وبّخه بكل حنو. لأنه لم يقل له أيها الدنس والملوث، برغم من أنك قد نلت إحسانات كثيرة، فإنك آمنت بالشيطان، بعد كل هذه الإحسانات، وهجرت من أحسن إليك، وكرست ذاتك للشيطان الخبيث، بل ماذا قال: “من أعلمك أنك عريان. هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها “[3]. إن ذلك يشبه أباً أوصى أبنه بألاّ يمسك بالسيف فرفض الابن سماع النصيحة فمسك بالسيف وأصيب بجراح. وعندما أصيب أخذ يصرخ قائلاً عن سبب إصابته. فأجابه الأب قائلاًَ: أنك جرحت يا أبني بسبب عدم طاعتك لي ولأنك لم تسمعني.

          أرأيت أن الكلام هو من صديق أكثر منه رب؟ لصديق قد احتقر، لكنه برغم ذلك لم يبتعد. إذًا فلنتشبه به حتى عندما نُوبخ أيضًا، ولنتبع هذه الرأفة. كذلك المرأة أيضًا (أي حواء) وبّخت بنفس الرقة. أو من الأفضل أن نقول، إن ما حدث لا يُعد توبيخاً بل كان نصيحة، وتصحيح (للمسيرة)، وتأمين للمستقبل. ولهذا تحديدًا لم يقل شيئًا للحية، لأنها كانت هي المخططة للشرور، ولم تستطع أن تنقل السبب إلى شخص آخر، ولذلك فقد عاقبها بشدة، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل جعل الأرض مشتركة في اللعنة. وإذ أن الله قد طرد آدم من الفردوس، وحكم عليه بالعمل الشاق، ولذلك يجب أن نسجد له ونُمجده. لأن الشهوة قادت إلى الخمول والإهمال في تنفيذ الوصية، وحاصرت الفرح، وساد الحزن الناتج عن عدم  اللامبالاة، وهذا ما يدفعنا إلى الرجوع إلى محبته.

          ماذا حدث أيضًا في حالة قايين؟ ألم يستخدم معه نفس أسلوب الرأفة؟ كذلك برغم من أنه أُهين منه، لم يرد الإهانة، لكنه تجدث معه برجاء وقال: “لماذا سقط وجهك”[4]. وإن كان ما حدث خال بالطبع من أية مقدرة على صفح، وقد برهن الأخ الأصغر على ذلك. لكن ولا هكذا وبّخ، ماذا قال: ” إن أحسنت أفلا ترفع. وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها “[5]، ويعني بذلك أخاه. إذًا وإن كنت تخاف، هكذا يقول، ربما بسبب ذبح هابيل سأنزع عنك سلطة البكر، فلتتشجع (أى لا تخف). فكل سلطته سأضعها في يدك. فقط أريد أن تصير أفضل، وأن تحب الذي لم يظلمك أبدًا. خاصةً وإني أعتني بكما معاً، على أن ما يفرحني هو ألا تتشاجروا فيما بينكما. ومثلما تفعل الأم الحنون، هكذا يفعل الله، كل شئ يصنعه ويبدعه، حتى لا ينفصل أحد عن الآخر.

          لكن لكي تعلم ما أقوله جيدًا، سأذكر لك مثالاً: غليك أن تتذكر رفقة التي أصابها القلق وركضت في كل مكان، عندما حارب ابنها الأكبر، الابن الأصغر. لأنه برغم من أنها كانت تحب يعقوب، إلاّ أنها لم تُبغض عيسو. ولهذا قالت: ” لماذا أعدم أثنيكما في يوم واحد “[6]. ولهذا تحديدًا قال الله آنذاك لقايين: “عند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها”، لكي يجنبه القتل لأنه كان يطلب سلام الاثنين. وحتى عندما ذبحه دون حزن أو أسى، لم تتوقف عنايته لذاك لقايين، بل برأفة، يسأل قاتل أخيه قائلاً: ” أين هابيل أخوك “[7]. لكي بهذه الطريقة على الأقل يقدم توبة. لكن ذاك جادل في الأمور السابقة، جاعلاً السفاهات أكبر وأفظع. ولا هذا أيضاً جعل الله يبتعد عنه بل حدّثه أيضًا بكلام يليق بمن يحب بقوة، على الرغم من أنه أُهين واُحتقر، فيقول “صوت دم أخيك صارخ إليّ “[8]. وأيضًا لعن الأرض مع قاتل أخيه، تاركًا غضبه للأرض، قائلاً: ” ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك “[9]، وقد فعل مثلما يفعل أولئك الذين يدعون شخصاً للرجوع.

          هذا ما صنعه داود، عندما سقط شاول. خاصةً وأن ذاك (أى داود) لعن الجبال التي حدث عليها جريمة القتل الذبح (أى ذبح شاول)، قائلاً: ” يا جبال جلبوع لا يكن طل ولا مطر عليكن .. لأنه هناك طُرح مجن الجبابرة “[10]. هكذا فإن الله كمن رنم بصوت فردي، يقول: ” صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك “. وقال هذا لكي يضبط غضبه الذي كان محتداً، ولكي يُقنعه على الأقل بأن يحبه حتى وإن لم يكن حيًا. هكذا يقول لقد محوت حياته، فلماذا لم تمحو البغضة؟ لكن ماذا يفعل؟ إنه يُحب هذا وذاك، لأنه خلق الاثنين. ماذا إذًا؟ هل سيترك قاتل أخيه بلا عقاب. لكنه في هذه الحالة سيصير أسوأ؟ فهل سيعاقبه؟ إلاّ أنه أكثر حنو من أى أب. لاحظ إذًا كيف أنه يُعاقب ويُظهر رحمة لنفس الشخص، أو من الأفضل أن نقول، لا يُعاقب بل يُصحح فقط. لأنه لم يُميته، بل قيده بالرعب، حتى يطرد العار منه، ليعود على الأقل إلى حنوه وعطفه، لكي يُقيم عهداً على الأقل مع ذاك الذي مات، لأنه لم يُرد لقايين أن يرحل من هناك وهو لازال عدواً، لهابيل الذي قتله.

          إن الذين يحبون يكون مثل هؤلاء. فعندما يصنعون إحسانات، لا يكونون موضع محبة، يصيرون قساة، ويهددون، بالطبع دون أن يريدوا ذلك بل ينقادوا بالمحبة إلى هذه القسوة لكي يجذبوا، على الأقل بهذه الطريقة، أولئك الذين يحتقرونهم. وإن كانت مثل هذه المحبة، تصير نتيجة الحاجة، لكن هذا أيضًا يُعزيهم بسبب محبتهم الفائقة. وبناء عليه فإن العقاب أيضًا يصير بالمحبة. لأن أولئك الذين لا يتضايقوا حين يُبغضوا، لا يفضلوا أن يعاقبوا. ولك أن تلحظ ما يقوله القديس بولس، في هذا الأمر لأهل كورنثوس: “لأنه إن كنت أحزنكم أنا فمن هو الذي يُفرحني إلاّ الذي أحزنته “[11]. وبناء على ذلك، فعندما يزيد حجم العقوبة جدًا، عندئذٍ يُظهر المحبة الفائقة. هكذا فإن زوجة فوطيفار المصرية عاقبت يوسف بقسوة بسبب المحبة الفائقة. لكنها بالطبع عاقبته بدافع أمر سيء، خاصةً وأن المحبة كانت قد أخذت شكل الفجور ولكن الله يعاقب من أجل أمر حسن، لأن محبته أيضًا كانت بالقدر الذي يستحق الذي أحب. ولهذا لم يتجنب أيضًا أن يستخدم كلاماً ثقيلاً، وأن يقدم كلمات الميول الإنسانية، وأن يدعو نفسه، غيور ” لأني أنا الرب إلهك إله غيوراً”[12]، يقول هذا لكي تعلم مدى قدر المحبة.

          إذًا فلنحب الله كما يريد هو، لأنه يعتبر هذا الأمر، هاماً جدًا. وإن تحولنا عنه، فيظل يدعو، وإن لم نُرد أن نعود، يُعاقب بمحبة، وليس لأنه يريد العقاب. لاحظ إذًا ماذا يقول في سفر حزقيال، عن المدينة التي أحبها، وأهانته ” هاأنذا أهيج عليك عشاقك وأسلمك إلى أيديهم وسيرجمونك وسيحطمونك. وسأنزع غيرتي عنك. وسأستريح ولن أهتم بعد بك “[13]. هل هناك قسوة أكثر قسوة من ذلك، يمكن لعاشق أن يقوله يظهرها عندما يُحتقر من معشوقته، وحين يحترق بالنار لأجلها، بعد كل هذا؟ إن الله يصنع كل شئ، لكي يصير محبوباً لنا، ولهذا لم يُشفق على ابنه. لكننا قساة ومتوحشون. ويجب علينا أن نصير ودعاء، ولنحب الله، كما ينبغي أن نحبه، لكي نتمتع بالفضيلة، بفرح، لأنه إن كان أحد يحب أو يعشق امرأة، لا يشعر بأى أمر من الأمور اليومية المحزنة، فكّر في كم السعادة التي سيتمتع بها ذاك الذي يشتهي جدًا، هذا العشق الإلهي النقي.

          إن هذا العشق الإلهي لأمر عظيم جداً هو ملكوت السموات، هو تمتع بالخيرات، هذه هى المسرة، هذا هو الابتهاج، هو الفرح، هو السعادة. أو من الأفضل أن نقول، أنه مهما تكلمت فلن أستطيع أن أعرض شيئاً يستحق أن يعادله، لكنني بالخبرة أعرف مدى عظمة هذا العشق الإلهي.

          ولهذا قال النبي ” ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب “[14]. لنخضع إذًا ولنتمتع بمحبته. لأنه هكذا (من هذه المحبة)، سنرى ملكوت السموات، وسنحيا حياة ملائكية، وعلى الرغم من أننا نحيا على الأرض، إلا أننا ننقص شيئاً عن أولئك الذين يسكنون السماء، وبعد انتقالنا من هنا، سنمثل أمام عرش المسيح أكثر بهاءً من الجميع وسنتمتع بمجده الذي لا يعبر عنه، والذي ليتنا نناله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد إلى أبد الدهور أمين.

 

[1] تك26:1.

[2] تك18:2.

[3] تك11:3.

[4] تك6:4.

[5] تك7:4.

[6] تك45:27.

[7] تك9:4.

[8] تك10:4.

[9] تك11:4.

[10] 2صم21:1.

[11] 2كو2:2.

[12] خر5:20.

[13] خر22:23 (س).

[14] مز8:34.

رسالة رومية الأصحاح13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version