«قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» — «إيجو إيمي» بين يوحنا 8: 58 والأعمى في يوحنا 9 بحسب دانيال والاس

مدخل الموضوع
يوضح العالم دانيال والاس في كتابه Greek Grammar Beyond the Basics أن عبارة «إيجو إيمي» في يوحنا 8: 58 هي استخدام مطلق يشير إلى الألوهية، وليس مجرد إعلان عن وجود سابق أو قديم.
ويؤكد والاس أن هذا التعبير يربط يسوع بالاسم الإلهي في خروج 3: 14، مما يفسر محاولة رجمه كرد فعل على ادعائه، بحسب فهم اليهود، ادعاءً تجديفيًا.
المرجع:
Wallace, Daniel B. Greek Grammar Beyond the Basics: An Exegetical Syntax of the New Testament. Grand Rapids, MI: Zondervan, 1996, pp. 515, 530–531.
النقاط الأساسية التي ذكرها والاس
أولًا: رفض «المضارع التاريخي» Historical Present
يوضح والاس أن فعل الكينونة eimi لا يُستخدم كمضارع تاريخي في العهد الجديد، خاصة بصيغة المتكلم First Person.
فنفي دانيال والاس لاستخدام الحاضر التاريخي هنا مهم جدًا؛ لأن الأمر ببساطة غير ممكن نحويًا، إذ إن مثل هذه الحالات تتطلب صيغة الغائب، لا صيغة المتكلم.
ملاحظة: «الحاضر التاريخي» هو أسلوب كتابي يستخدم زمن الحاضر لتصوير حدث ماضٍ بصورة أكثر حيوية، بهدف وضع القارئ أو السامع داخل الحدث الماضي. لكن هذا الأسلوب يُستخدم عادة بصيغة الغائب، وليس بصيغة المتكلم كما في يوحنا 8: 58، وهذا ما أكده دانيال والاس في الصفحات 526–531.
ثانيًا: الوجود الأزلي Eternal Existence
يرى والاس أن استخدام المضارع «أنا كائن» للإشارة إلى ما قبل وجود إبراهيم، الذي استُخدم معه فعل ماضٍ، هو تعمّد نحوي لإظهار الأزلية، وليس مجرد سبق زمني.
فالنص لا يعني ببساطة: «كنت موجودًا قبل إبراهيم»، بل يحمل معنى أقوى: «أنا كائن»؛ أي وجود قائم بذاته لا يُحدّ بالزمن.
ثالثًا: الربط بسفر الخروج
يؤكد والاس أن يسوع يربط نفسه صراحةً بالاسم الإلهي الوارد في خروج 3: 14 في الترجمة السبعينية LXX، وهو التعبير اليوناني:
Ἐγώ εἰμι ὁ ὤν
أي: «أنا هو الكائن».
وعلى هذا، فإن عبارة يسوع في يوحنا 8: 58 لا تُقرأ كمجرد إعلان عن قدم زمني، بل كتعبير لاهوتي عن كينونته الأزلية.
رابعًا: دليل رد الفعل
يستشهد والاس بمحاولة اليهود رجم يسوع في يوحنا 8: 59 كدليل قوي على أنهم فهموا كلامه كـ تجديف وادعاء للألوهية، لا كمجرد ادعاء بالوجود قبل إبراهيم.
فلو كان يسوع يقول فقط إنه كان موجودًا قبل إبراهيم، لكان الاعتراض مختلفًا، أما محاولة الرجم فتُظهر أنهم فهموا العبارة في إطار الاسم الإلهي.
التحديد Identification
عندما استخدم الرجل المولود أعمى عبارة Ἐγώ εἰμι، أي «أنا هو»، كان يعرّف نفسه بوضوح بأنه الرجل المولود أعمى، ولذلك تصح ترجمتها هناك: «أنا هو».
أما في يوحنا 8: 58، فالوضع مختلف؛ لأن يسوع لا يجيب على سؤال عن هويته البشرية المباشرة، بل يتكلم في سياق المقارنة مع إبراهيم، وقبل وجود إبراهيم.
لذلك يرى والاس أن الصيغة ἐγώ εἰμι أمام الماضي، أي «قبل أن يكون إبراهيم»، ليست استعمالًا عاديًا للحاضر، ولا مجرد ترتيب زمني.
بل إن هذا الاستخدام غير المعتاد للحاضر يوصل معنى إضافيًا: ليس فقط أن المسيح سبق إبراهيم، بل أن له نوعًا من الوجود لا يحدّه الزمن نفسه.
الوجود Existence
إذا افترضنا أن غرض تصريح يسوع هو الوجود، فعندئذ يكون لدينا تصريح واضح بأن يسوع كان موجودًا قبل إبراهيم، وهو ما يتوافق مع يوحنا 17: 5.
لكن حتى هذا لا يختزل قوة النص؛ لأن طريقة التعبير في يوحنا 8: 58 تتجاوز مجرد القول بالوجود السابق، وتدخل في إعلان الكينونة الأزلية.
ويقدم دانيال والاس في كتابه Greek Grammar Beyond the Basics، صفحة 531، تعليقًا مهمًا على ترجمة NWT، التي تفترض الحاضر التاريخي وتبرره في ملاحظات المترجمين، فيقول:
«في الواقع، هذا اعتراف سلبي بأنه إذا لم تكن ἐγὼ εἰμί حاضرًا تاريخيًا، فإن يسوع هنا يدّعي أنه هو الذي تكلّم إلى موسى عند العليقة المشتعلة، الـ “أنا هو”، الكائن الأزلي، يهوه، قارن خروج 3: 14 في السبعينية: Ἐγώ εἰμι ὁ ὤν.»
وعلى أي حال، فإن حقيقة أن اليهود اعتبروا ادعاء يسوع بأنه كان موجودًا قبل إبراهيم، وبالتالي أنه «أنا هو» في خروج 3، تجديفًا، تدل على أنهم فهموا أن يسوع كان يدّعي أكثر بكثير من مجرد الوجود السابق.
لماذا ذُكر إبراهيم تحديدًا؟
اليهود في هذا الحوار كانوا يفتخرون بكونهم «نسل إبراهيم» كما يظهر في يوحنا 8: 33 و39. فإبراهيم بالنسبة لهم هو أعظم شخصية، وهو الأب الذي بدأت معه العهود.
ذكر إبراهيم هنا كان لكسر هذا الفخر، وتوضيح أن مقام يسوع أعلى من الشخص الذي يستمدون منه شرعيتهم.
فاليهود هم من وضعوا إبراهيم كمعيار للمقارنة، عندما سألوا يسوع باستنكار في يوحنا 8: 53: «أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟»
فهم الذين حددوا سقف المقارنة، فأجابهم يسوع بأنه ليس فقط أعظم منه، بل كان كائنًا قبل أن يوجد إبراهيم أصلًا.
الفرق النحوي: الخلق مقابل الكينونة
يركز دانيال والاس في Greek Grammar Beyond the Basics على فرق جوهري بين الكلمات اليونانية المستخدمة في العبارة:
«قبل أن يكون إبراهيم، أنا كائن»
أي إن إبراهيم قبل أن يُخلق أو يوجد، بحسب الفعل اليوناني γενέσθαι genesthai، كان المسيح يقول عن نفسه:
ἐγώ εἰμι — أنا كائن.
فلو كان المقصود مجرد السبق الزمني، أو الأقدمية فقط، لكان من المتوقع أن يقول شيئًا مثل: «كنت موجودًا قبل إبراهيم».
لكن استخدام ἐγώ εἰμι أمام الحديث عن «وجود» إبراهيم أو «صيرورته» يشير إلى وجود أزلي، إلهي، متفرد.
- لو كان المقصود مجرد سبق زمني، لكان المعنى: «كنت موجودًا قبل إبراهيم».
- لكن استخدام ἐγώ εἰμι أمام خلق إبراهيم أو صيرورته يشير إلى وجود أزلي إلهي.
- أي إن التركيز ليس على الزمان الذي سبق فيه المسيح إبراهيم، بل على الجوهر الأزلي للوجود نفسه.
الخلاصة
بحسب تحليل دانيال والاس، عبارة المسيح في يوحنا 8: 58 ليست مجرد إعلان عن أنه وُجد قبل إبراهيم، بل إعلان عن كينونته الأزلية.
فالصيغة النحوية، وسياق المقارنة مع إبراهيم، والربط بخروج 3: 14، ورد فعل اليهود بمحاولة الرجم، كلها تؤكد أن عبارة «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» هي إعلان لاهوتي قوي عن ألوهية المسيح.