هل لقب «ابن الإنسان» ينفي لاهوت المسيح أم يعلنه بطريقة أعمق؟

الإشكال
يقول البعض: إن المسيح كثيرًا ما أشار إلى نفسه بلقب «ابن الإنسان»، كما في قوله:
«فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ» (متى ٨: ٢٠).
وقد يبدو هذا اللقب، لأول وهلة، أنه يشير إلى ناسوت المسيح أكثر من لاهوته. فإذا كان المسيح هو بالحقيقة المسيا وابن الله، فلماذا استخدم عن نفسه هذا التعبير: «ابن الإنسان»؟
الحل
أولًا، حتى لو كان تعبير «ابن الإنسان» يشير إلى إنسانية المسيح، فهذا لا يعني مطلقًا أنه ينفي لاهوته. فالمسيح عندما صار إنسانًا لم يتوقف عن كونه الله. التجسد لم يكن طرحًا للاهوت، بل إضافة الناسوت. أي إن الابن الأزلي أخذ طبيعة بشرية كاملة دون أن يفقد طبيعته الإلهية.
لذلك فالإيمان المسيحي لا يقول إن المسيح كان إلهًا ثم صار مجرد إنسان، بل يقول إن المسيح هو الإله المتجسد: لاهوت كامل وناسوت كامل، متحدان في شخص واحد هو شخص الابن الكلمة.
وقد أعلن المسيح لاهوته في مواضع كثيرة، منها إعلان بطرس له:
«فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى ١٦: ١٦–١٧).
وكذلك قوله لليهود:
«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا ٨: ٥٨).
وأيضًا قوله:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٣٠).
إذن، استخدام المسيح للقب «ابن الإنسان» لا يلغي كونه ابن الله، بل يكشف جانبًا مهمًا من شخصه وعمله: أنه هو الله الكلمة الذي صار إنسانًا لأجل خلاص الإنسان.
لقب «ابن الإنسان» لا ينفي اللاهوت
المهم أن نلاحظ أن لقب «ابن الإنسان» لا يُستخدم في الكتاب المقدس فقط للدلالة على الناسوت، بل يرتبط أيضًا بمجد المسيح وسلطانه الإلهي.
فالكتاب يعلن أن الله وحده هو الذي يغفر الخطايا:
«أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا» (إشعياء ٤٣: ٢٥).
ولهذا اعترض الكتبة عندما قال المسيح للمفلوج إن خطاياه مغفورة:
«لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟» (مرقس ٢: ٧).
لكن المسيح أعلن أن «ابن الإنسان» له سلطان غفران الخطايا:
«وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ» (مرقس ٢: ١٠–١١).
فلو كان لقب «ابن الإنسان» مجرد لقب بشري عادي، لما ربطه المسيح بسلطان غفران الخطايا، وهو سلطان إلهي بحسب شهادة الكتاب نفسه.
ابن الإنسان الآتي على سحاب السماء
كذلك استخدم المسيح لقب «ابن الإنسان» في سياق المجد والدينونة والسلطان. فعندما سأله رئيس الكهنة:
«أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» (متى ٢٦: ٦٣).
أجاب المسيح:
«أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ» (متى ٢٦: ٦٤).
هذه الإجابة لم تكن نفيًا للقب «ابن الله»، بل كانت تأكيدًا له من خلال لقب «ابن الإنسان» المرتبط بنبوة دانيال:
«كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ» (دانيال ٧: ١٣–١٤).
إذن، لقب «ابن الإنسان» في هذا السياق لا يشير إلى الضعف أو مجرد البشرية، بل إلى شخصية سماوية ممجدة لها سلطان أبدي وملكوت لا ينقرض، وتقبل العبادة من كل الشعوب والأمم والألسنة.
لماذا اختار المسيح هذا اللقب؟
اختار المسيح لقب «ابن الإنسان» لأنه يعلن حقيقة التجسد وعمل الخلاص. فهو لم يأتِ من بعيد كمن لا علاقة له بالبشر، بل صار قريبًا منهم، وأخذ طبيعتهم، ودخل إلى تاريخهم، لكي يخلصهم.
وفي العهد القديم نجد فكرة «الولي» أو «الفادي القريب»، أي القريب الذي له حق الفداء والمسؤولية عن افتداء قريبه المحتاج. نرى هذا المبدأ في شريعة الفداء:
«إِذَا افْتَقَرَ أَخُوكَ وَبَاعَ مِنْ مُلْكِهِ، يَأْتِي وَلِيُّهُ الأَقْرَبُ إِلَيْهِ وَيَفُكُّ مَبِيعَ أَخِيهِ» (لاويين ٢٥: ٢٥).
ونراه أيضًا في سفر راعوث:
«فَقَالَتْ نُعْمِي لِكَنَّتِهَا: مُبَارَكٌ هُوَ مِنَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْمَعْرُوفَ مَعَ الأَحْيَاءِ وَالْمَوْتَى. ثُمَّ قَالَتْ لَهَا نُعْمِي: الرَّجُلُ ذُو قَرَابَةٍ لَنَا. هُوَ ثَانِي وَلِيِّنَا» (راعوث ٢: ٢٠).
فالمسيح، بوصفه «ابن الإنسان»، يعلن أنه دخل إلى قرابتنا البشرية لكي يكون فادينا. إنه الفادي القريب، الذي صار إنسانًا حقيقيًا لكي يفتدي الإنسان، وفي الوقت نفسه هو الله المتجسد القادر وحده أن يتمم هذا الفداء بقوة إلهية.
شرح النقاط المهمة
١. لقب «ابن الإنسان» لا يعني أن المسيح مجرد إنسان
كثيرًا ما يظن البعض أن «ابن الإنسان» تعبير ينفي لاهوت المسيح، لكن هذا فهم ناقص. فاللقب يعلن إنسانية المسيح الحقيقية، لكنه لا ينكر لاهوته. المسيح هو إنسان حقيقي، لكنه ليس مجرد إنسان.
٢. التجسد إضافة الناسوت لا إنقاص اللاهوت
عقيدة التجسد لا تعني أن الابن فقد لاهوته، بل تعني أن الابن، وهو إله حق، أخذ ناسوتًا حقيقيًا. لذلك فالمسيح له طبيعتان: الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية، في شخص واحد.
٣. المسيح استخدم لقب «ابن الإنسان» في سياقات إلهية
المسيح ربط لقب «ابن الإنسان» بغفران الخطايا، وبالمجيء على سحاب السماء، وبالجلوس عن يمين القوة. وهذه ليست مجرد أوصاف بشرية، بل إعلان عن سلطان ومجد ودينونة وملكوت.
٤. اللقب يكشف المسيح كالفادي القريب
من خلال هذا اللقب يعلن المسيح أنه صار قريبًا من الإنسان، لا بحسب الخطية، بل بحسب الطبيعة البشرية، لكي يحمل عمل الفداء والخلاص. فهو شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها.
٥. اللقب كان يميز بين من يفهمون إعلان العهد القديم ومن لا يفهمونه
الذين عرفوا نبوات العهد القديم، خصوصًا دانيال ٧، كان يمكنهم أن يدركوا أن لقب «ابن الإنسان» ليس لقبًا عاديًا، بل لقب مسياني عميق يحمل إعلانًا عن سلطان المسيح ومجده. أما الذين رفضوا الإيمان، فلم يروا في اللقب إلا مظهر الاتضاع والناسوت.
وهذا ينسجم مع طريقة المسيح في التعليم أحيانًا، إذ كان يكلم الجموع بأمثال وأقوال تختبر القلب وتكشف موقف السامع:
«فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولئِكَ فَلَمْ يُعْطَ» (متى ١٣: ١٠–١١).
الخلاصة
لقب «ابن الإنسان» لا ينفي أن المسيح هو ابن الله، بل يعلن جانبًا جوهريًا من شخصه وعمله. فهو يعلن أن الابن الأزلي صار إنسانًا حقيقيًا، لا لكي يفقد لاهوته، بل لكي يقترب من الإنسان ويفتديه.
وفي الوقت نفسه، هذا اللقب في ضوء دانيال ٧ يحمل إعلانًا عن مجد المسيح وسلطانه الأبدي وملكوته الذي لا ينقرض. لذلك، عندما دعا المسيح نفسه «ابن الإنسان»، لم يكن ينكر لاهوته، بل كان يعلن أنه هو المسيا الإلهي المتجسد: ابن الله الذي صار ابن الإنسان لأجل خلاص الإنسان.
تنبيهات لاهوتية
لا يصح أن نفصل بين لقب «ابن الله» ولقب «ابن الإنسان» كما لو أن الأول يدل فقط على اللاهوت والثاني ينفيه. فالمسيح هو ابن الله من جهة لاهوته الأزلي، وهو ابن الإنسان من جهة تجسده الحقيقي. واللقبان معًا يعلنان كمال شخصه الواحد: إله حق وإنسان حق.
كما يجب الانتباه إلى أن التجسد لا يعني تحول اللاهوت إلى ناسوت، ولا امتزاج الطبيعتين، ولا انفصال الشخص. بل هو اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص الابن الكلمة، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 335). Victor Books: Wheaton, Ill.