القائمة إغلاق

هل جاء المسيح لليهود فقط أم للأمم أيضًا؟

هل جاء المسيح لليهود فقط أم للأمم أيضًا؟

كيف نفهم قول المسيح: «إلى خراف بيت إسرائيل الضالة» مع إرساليته إلى جميع الأمم؟

هل جاء المسيح لليهود فقط أم للأمم أيضًا؟كيف نفهم قول المسيح: «إلى خراف بيت إسرائيل الضالة» مع إرساليته إلى جميع الأمم؟
هل جاء المسيح لليهود فقط أم للأمم أيضًا؟
كيف نفهم قول المسيح: «إلى خراف بيت إسرائيل الضالة» مع إرساليته إلى جميع الأمم؟

الإشكال

قد يبدو أمام القارئ أن هناك تعارضًا بين بعض أقوال المسيح عن إرساليته.

فمن جهة، أوصى المسيح تلاميذه بعد قيامته قائلًا:

«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى ٢٨: ١٩).

وقال أيضًا عن غير اليهود:

«وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا، فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ١٦).

بل إن أنبياء العهد القديم أعلنوا أن المسيا سيكون نورًا للأمم، كما يقول إشعياء:

«فَقَالَ: قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (إشعياء ٤٩: ٦).

لكن من جهة أخرى، عندما أرسل المسيح الاثني عشر في بداية خدمتهم، أوصاهم قائلًا:

«إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ» (متى ١٠: ٥–٦).

وقال أيضًا:

«لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ» (متى ١٥: ٢٤).

فهل جاء المسيح لليهود فقط؟ أم جاء للأمم أيضًا؟ وهل توجد هنا أوامر متناقضة؟

الحل

لا يوجد تناقض بين هذه النصوص، لأن الأقوال التي تبدو متعارضة تتكلم عن مرحلتين مختلفتين في التدبير الإلهي للخلاص.

من الصحيح أن إرسالية المسيح الأرضية في بدايتها كانت موجهة رسميًا وأولًا إلى اليهود، أي إلى شعب العهد القديم الذي تسلم المواعيد والنبوات. لذلك قال المسيح: «لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة». لكن هذا لا يعني أن خطة الله كانت محصورة في اليهود وحدهم، ولا أن المسيح تجاهل الأمم، بل يعني أن الترتيب التاريخي والعهدي كان: اليهود أولًا، ثم الأمم.

وقد شهد الكتاب أن المسيح جاء إلى خاصته، لكن خاصته لم تقبله:

«إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ» (يوحنا ١: ١١).

وبحسب الموقف الرسمي لقادة اليهود، رُفض المسيح كمسيا، وانتهى هذا الرفض بتسليمه وصلبه. وبعد الصليب والقيامة، اتسعت إرسالية التلاميذ بصورة علنية ومباشرة إلى جميع الأمم، تحقيقًا للنبوات التي أعلنت دخول الأمم في خلاص الله.

شرح النقاط المهمة

١. إرسالية المسيح بدأت باليهود بحسب ترتيب العهد

كان اليهود هم الشعب الذي تسلم الناموس والأنبياء والعهود والمواعيد. لذلك كان من اللائق، بحسب ترتيب الله في التاريخ، أن تُقدَّم لهم رسالة المسيا أولًا.

وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس لاحقًا حين قال:

«لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ» (رومية ١: ١٦).

فالعبارة المهمة هنا هي: «لليهودي أولًا ثم لليوناني». أي إن أولوية اليهود لم تكن إلغاءً للأمم، بل ترتيبًا تاريخيًا في إعلان الخلاص.

٢. الرفض الرسمي للمسيح فتح مرحلة الإرسالية إلى الأمم

بعد أن رفضت الأمة اليهودية المسيح رسميًا، وأسلَمه قادتها للصلب، جاءت القيامة ثم الإرسالية العظمى، حيث أرسل المسيح تلاميذه إلى جميع الأمم:

«فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ» (متى ٢٨: ١٨–٢٠).

إذن، قول المسيح في متى ١٠: «إلى طريق أمم لا تمضوا» كان توجيهًا مؤقتًا ومحددًا في مرحلة معينة من الخدمة، وليس نفيًا نهائيًا لإرسالية المسيح إلى الأمم.

٣. المسيح لم يهمل الأمم أثناء خدمته الأرضية

مع أن إرسالية المسيح الرسمية بدأت باليهود، إلا أنه لم يتجاهل الأمم أو السامريين. بل ظهرت إشارات واضحة أثناء خدمته إلى أن نعمته ستصل إليهم أيضًا.

فقد خدم المرأة السامرية، وتحدث معها عن العبادة الحقيقية، ثم آمن به كثيرون من السامريين:

«فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ: قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ» (يوحنا ٤: ٣٩).

كما شفى ابنة المرأة السورية الفينيقية، رغم أن الحوار معها أكد أولًا أولوية رسالة إسرائيل:

«وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا: دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ. فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ لَهُ: نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ. فَقَالَ لَهَا: لأَجْلِ هذِهِ الْكَلِمَةِ، اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ» (مرقس ٧: ٢٧–٢٩).

وهذا يوضح أن المسيح لم يكن رافضًا للأمم، بل كان يحافظ على ترتيب الخلاص: البنون أولًا، ثم امتداد النعمة إلى الآخرين.

٤. العهد القديم أعلن مسبقًا خلاص الأمم

لم تكن إرسالية الأمم فكرة طارئة بعد القيامة، بل كانت ضمن قصد الله المعلن في الأنبياء. فإشعياء أعلن أن عبد الرب سيكون نورًا للأمم، وخلاص الله إلى أقصى الأرض:

«فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (إشعياء ٤٩: ٦).

لذلك، عندما أرسل المسيح تلاميذه إلى جميع الأمم، لم يكن يغيّر خطة الله، بل كان يعلن اكتمالها بعد موته وقيامته.

٥. بولس شرح الترتيب: اليهود أولًا ثم الأمم

يشرح بولس أن دخول الأمم لا يعني أن الله ألغى قصده من جهة إسرائيل، بل يعني أن الأمم دخلت في بركات الخلاص بسبب رفض إسرائيل، وأن الله لا يزال قادرًا أن يردهم إن لم يثبتوا في عدم الإيمان:

«فَسَتَقُولُ: قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لأُطَعَّمَ أَنَا. حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ!» (رومية ١١: ١٩–٢٠).

ويقول أيضًا:

«فَإِنْ كَانُوا هُمْ أَيْضًا لاَ يَثْبُتُونَ فِي عَدَمِ الإِيمَانِ، فَسَيُطْعَمُونَ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُطْعِمَهُمْ أَيْضًا» (رومية ١١: ٢٣).

ثم يضيف:

«فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ. وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ» (رومية ١١: ٢٥–٢٦).

إذن، التعليم الرسولي لا يضع اليهود والأمم في تناقض، بل يشرح ترتيب إعلان الخلاص في التاريخ.

صياغة الفرق بين المرحلتين

يمكن تلخيص الفكرة هكذا:

  • جاء المسيح إلى اليهود: رسميًا، أولًا، وبصورة أساسية، قبل رفضهم له.
  • وجاء المسيح إلى الأمم أيضًا: فعليًا، لاحقًا، وبصورة ممتدة، بعد رفضه وصلبه وقيامته وإرسال التلاميذ.

فليست المسألة: هل جاء المسيح لليهود أم للأمم؟ بل الصياغة الأدق هي: جاء المسيح إلى اليهود أولًا، ثم امتدت رسالة الخلاص إلى الأمم أيضًا، بحسب قصد الله المعلن سابقًا في الأنبياء.

الخلاصة

لا يوجد تناقض بين قول المسيح لتلاميذه في متى ١٠: «إلى طريق أمم لا تمضوا»، وبين أمره لهم في متى ٢٨: «تلمذوا جميع الأمم».

الأول كان توجيهًا مؤقتًا في مرحلة مبكرة من خدمة المسيح، حيث كانت الرسالة موجهة رسميًا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. أما الثاني فجاء بعد الصليب والقيامة، حين أُعلنت الإرسالية العظمى إلى كل الأمم.

لذلك، جاء المسيح إلى اليهود أولًا بحسب ترتيب العهد والمواعيد، لكنه جاء أيضًا لخلاص الأمم، كما أعلنت النبوات وكما تحقق في إرسالية الكنيسة. فالبشارة هي «لليهودي أولًا ثم لليوناني»، لا لليهودي وحده دون اليوناني.

تنبيهات لاهوتية

لا ينبغي فهم أولوية اليهود في خدمة المسيح على أنها تمييز عنصري أو رفض للأمم، بل هي ترتيب عهدي وتاريخي في خطة الخلاص. فالخلاص في المسيح موجَّه إلى كل من يؤمن، من اليهود والأمم.

كما يجب الانتباه إلى أن دخول الأمم في الخلاص لا يعني أن الله فشل في قصده من جهة إسرائيل، بل يعني أن خطة الله أوسع من الحدود القومية، وأن المسيح هو مخلص العالم، لا مخلص جماعة عرقية واحدة فقط.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 338). Victor Books: Wheaton, Ill.

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة