القائمة إغلاق

هل قال المسيح إن يوحنا المعمدان هو إيليا بالتناسخ؟

هل قال المسيح إن يوحنا المعمدان هو إيليا بالتناسخ؟

كيف نفهم قول المسيح عن يوحنا: «هذا هو إيليا المزمع أن يأتي»؟

هل قال المسيح إن يوحنا المعمدان هو إيليا بالتناسخ؟كيف نفهم قول المسيح عن يوحنا: «هذا هو إيليا المزمع أن يأتي»؟
هل قال المسيح إن يوحنا المعمدان هو إيليا بالتناسخ؟
كيف نفهم قول المسيح عن يوحنا: «هذا هو إيليا المزمع أن يأتي»؟

الإشكال

قال المسيح عن يوحنا المعمدان:

«وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ» (متى ١١: ١٤).

وفي موضع آخر، بعد التجلي، قال المسيح أيضًا إن إيليا قد جاء:

«وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ» (متى ١٧: ١٢).

وقد يظن البعض أن هذا يعني أن يوحنا المعمدان كان هو إيليا نفسه بطريقة التناسخ، أي إن روح إيليا عادت وسكنت في جسد يوحنا. فهل كان المسيح يعلّم التناسخ؟ وهل كان يوحنا المعمدان هو إيليا حرفيًا؟

الحل

لا، هذا النص لا يعلّم التناسخ. المسيح لم يكن يقول إن يوحنا المعمدان هو إيليا حرفيًا من جهة الكيان أو الشخص، بل كان يقول إن يوحنا جاء في وظيفة إيليا النبوية، وبنفس روح خدمته وقوتها.

المفتاح الواضح لفهم هذا النص موجود في بشارة الملاك عن يوحنا قبل ولادته:

«وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا» (لوقا ١: ١٧).

إذن، يوحنا لم يكن إيليا بالتناسخ، بل جاء «بروح إيليا وقوته»، أي في نفس الطابع النبوي والدور الإصلاحي: دعوة الشعب إلى التوبة، وتهيئة الطريق أمام الرب.

شرح النقاط المهمة

١. يوحنا وإيليا لم يكونا نفس الشخص، بل نفس الدور النبوي

الفرق واضح بين أن نقول إن يوحنا هو إيليا حرفيًا، وبين أن نقول إنه جاء في روح إيليا وقوته. المعنى الأول يعني وحدة الشخص أو التناسخ، أما المعنى الثاني فيعني التشابه في الخدمة والرسالة.

يوحنا المعمدان قام بدور شبيه بدور إيليا: مواجهة الانحراف، والدعوة إلى التوبة، وإعداد الشعب للقاء الرب. لذلك وصفه المسيح بأنه «إيليا المزمع أن يأتي»، لا لأنه هو إيليا في جسد جديد، بل لأنه تمم الدور النبوي المنتظر.

٢. ظهور إيليا في التجلي ينفي فكرة التناسخ

بعد أن مات يوحنا المعمدان، ظهر إيليا نفسه مع موسى على جبل التجلي:

«وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ» (متى ١٧: ٣).

ثم سأل التلاميذ المسيح عن إيليا:

«وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلًا وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ. حِينَئِذٍ فَهِمَ التَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ» (متى ١٧: ١٠–١٣).

ظهور إيليا باسمه ووعيه الشخصي بعد موت يوحنا المعمدان يدل بوضوح أن إيليا لم يتحول إلى يوحنا. فلو كان إيليا قد تجسد ثانية في يوحنا، لما ظهر إيليا كشخص متميز باسمه في حادثة التجلي.

٣. إيليا لا يصلح أصلًا كنموذج للتناسخ لأنه لم يمت

التناسخ، بحسب المفهوم التقليدي، يفترض أن الإنسان يموت أولًا، ثم تعود روحه في جسد آخر. لكن إيليا لم يمت بالطريقة العادية، بل رفعه الله:

«وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَفَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ» (٢ ملوك ٢: ١١).

وهذا يشبه ما قيل عن أخنوخ:

«بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ» (عبرانيين ١١: ٥).

فإذا كان إيليا لم يمت، فلا يصح استخدامه لإثبات التناسخ، لأن الفكرة نفسها تشترط موت الشخص قبل انتقاله إلى جسد آخر.

٤. يوحنا نفسه نفى أنه إيليا بمعنى الهوية الحرفية

عندما سأل اليهود يوحنا المعمدان عن هويته، سألوه:

«فَسَأَلُوهُ: إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا. أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟ فَأَجَابَ: لاَ» (يوحنا ١: ٢١).

هذا لا يناقض كلام المسيح، بل يوضحه. يوحنا لم يكن إيليا حرفيًا كشخص، لذلك قال: «لست أنا». لكنه كان إيليا بالمعنى النبوي الوظيفي، لأنه جاء بروح إيليا وقوته، مهيئًا الطريق أمام المسيح.

٥. الكتاب المقدس يرفض فكرة التناسخ

إذا وُجد أي التباس في فهم النص، فيجب تفسيره في ضوء التعليم الكتابي الواضح عن الموت والدينونة. فالكتاب لا يعلّم أن الإنسان يعيش حيوات متعددة في أجساد مختلفة، بل يعلن أن للإنسان حياة أرضية واحدة، ثم الدينونة:

«وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ» (عبرانيين ٩: ٢٧).

وهذا النص وحده يكفي لرفض قراءة متى ١١: ١٤ على أنها تعليم بالتناسخ. فالإنسان لا يموت مرارًا ثم يعود في أجساد مختلفة، بل يموت مرة واحدة ثم تأتي الدينونة.

٦. يوحنا ٩ لا يدعم التناسخ

قد يحاول البعض ربط فكرة التناسخ بسؤال التلاميذ عن المولود أعمى:

«وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟ أَجَابَ يَسُوعُ: لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ» (يوحنا ٩: ١–٣).

لكن المسيح لم يؤيد فكرة وجود حياة سابقة لهذا الإنسان، بل رفض التفسير القائم على ربط حالته بخطيته الشخصية أو بخطية والديه. لذلك لا يصح استخدام هذا النص لدعم التناسخ.

الخلاصة

قول المسيح عن يوحنا المعمدان: «هذا هو إيليا المزمع أن يأتي» لا يعني أن يوحنا كان إيليا بالتناسخ. المقصود أن يوحنا جاء في نفس وظيفة إيليا النبوية، وبروح إيليا وقوته، لكي يهيئ الطريق أمام الرب.

هذا الفهم تؤكده بشارة الملاك في لوقا ١: ١٧، وظهور إيليا نفسه في التجلي بعد موت يوحنا، وحقيقة أن إيليا لم يمت أصلًا، وكذلك تعليم الكتاب الواضح أن الإنسان يموت مرة واحدة ثم بعد ذلك الدينونة.

إذن، النص لا يعلّم التناسخ، بل يعلن أن يوحنا المعمدان تمم الدور النبوي الذي كان منتظرًا قبل ظهور المسيح، فكان «إيليا» من جهة الرسالة والقوة النبوية، لا من جهة الهوية الشخصية أو التناسخ.

تنبيهات لاهوتية

لا يصح إدخال فكرة التناسخ إلى النصوص الكتابية، لأنها غريبة عن تعليم الكتاب المقدس. الإيمان المسيحي يعلّم القيامة والدينونة، لا تكرار الحيوات وانتقال الأرواح بين الأجساد.

كما يجب التمييز بين اللغة الرمزية أو الوظيفية في الكتاب، وبين الهوية الحرفية. فكما يمكن أن يُقال عن شخص إنه يقوم بدور شخص آخر أو يحمل روحه وقوته في الخدمة، دون أن يكون هو نفس الشخص حرفيًا، هكذا كان يوحنا المعمدان بالنسبة إلى إيليا.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 341). Victor Books: Wheaton, Ill.

هل قال المسيح إن يوحنا المعمدان هو إيليا بالتناسخ؟

كيف نفهم قول المسيح عن يوحنا: «هذا هو إيليا المزمع أن يأتي»؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة