القائمة إغلاق

هل أخطأ المسيح؟ هل قال إن بعض التلاميذ سيَرون ملكوته قبل موتهم؟ كيف نفهم قوله: «لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»؟

هل أخطأ المسيح؟ هل قال إن بعض التلاميذ سيَرون ملكوته قبل موتهم؟ كيف نفهم قوله: «لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»؟

هل أخطأ المسيح؟ هل قال إن بعض التلاميذ سيَرون ملكوته قبل موتهم؟ كيف نفهم قوله: «لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»؟
هل أخطأ المسيح؟ هل قال إن بعض التلاميذ سيَرون ملكوته قبل موتهم؟ كيف نفهم قوله: «لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»؟

الإشكال

قال المسيح لتلاميذه:

«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ» (متى ١٦: ٢٨).

والإشكال هنا أن البعض يفهم العبارة على أنها وعد من المسيح بأن بعض التلاميذ سيظلون أحياء إلى أن يرجع المسيح في مجده ليؤسس ملكوته بصورة نهائية. لكن المسيح لم يرجع في المجيء الثاني أثناء حياة الرسل. فهل أخطأ المسيح في تحديد التوقيت؟ وهل توقّع رجوعه في حياة تلاميذه ولم يحدث ذلك؟

 

الحل

المسألة هنا ليست في صدق وعد المسيح، بل في تحديد الحدث الذي قصده بقوله إن بعض القائمين هناك سيرون ابن الإنسان آتيًا في ملكوته. وقد فُسِّر هذا النص بعدة طرق، لكن التفسير الأقرب إلى السياق هو أن المسيح يشير إلى حادثة التجلي التي تأتي مباشرة بعد هذا القول في بداية الإصحاح التالي.

فبعد قوله في متى ١٦: ٢٨، يبدأ متى ١٧ مباشرة بقوله:

«وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ» (متى ١٧: ١–٢).

وهذا ينسجم مع كلام المسيح: «من القيام ههنا قوم»، لأن بطرس ويعقوب ويوحنا كانوا من بين التلاميذ الحاضرين، وقد رأوا لمحة حقيقية من مجد المسيح وملكوته على جبل التجلي.

١. التفسير الأول: يوم الخمسين وحلول الروح القدس

يرى بعض المفسرين أن المقصود هو يوم الخمسين، حين حل الروح القدس على الرسل، وبدأت الكنيسة تعلن المسيح بقوة. فقد وعد المسيح تلاميذه بإرسال الروح القدس:

«وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يوحنا ١٤: ٢٦).

وقبل صعوده قال لهم:

«لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أعمال ١: ٨).

لكن هذا التفسير لا يطابق العبارة بدقة، لأن النص يقول إنهم سيرون «ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»، وهذا يبدو أكثر من مجرد حلول الروح القدس أو بداية خدمة الكنيسة.

 

٢. التفسير الثاني: خراب أورشليم سنة ٧٠م

يرى آخرون أن المقصود هو خراب أورشليم والهيكل سنة ٧٠م، وأن المسيح جاء بالدينونة على المدينة التي رفضته وصلبته.

هذا التفسير ممكن عند بعض الدارسين، لأن خراب أورشليم كان حدثًا قضائيًا عظيمًا في التاريخ اليهودي. لكنه لا يفسر النص بصورة كافية، لأن العبارة تتحدث عن رؤية «ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»، وهي عبارة ترتبط بمجد المسيح وسلطانه، لا بمجرد حدث تاريخي لم يظهر فيه المسيح منظورًا للتلاميذ.

كما أن النص موجه إلى بعض «القائمين ههنا»، أي إلى بعض التلاميذ الحاضرين مع المسيح، وكأنهم سيشهدون شيئًا متعلقًا بإعلان مجده، لا مجرد كارثة تحل بأورشليم بعد سنوات.

 

٣. التفسير الأقرب: التجلي على الجبل

التفسير الأقرب هو أن المسيح كان يشير إلى التجلي. وهذا التفسير قوي لعدة أسباب.

أولًا، لأن حادثة التجلي تأتي مباشرة بعد هذا القول. فمتى لا يفصل بين الوعد وتحقيقه بسرد طويل، بل ينتقل مباشرة إلى مشهد التجلي:

«وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ» (متى ١٧: ١).

ثانيًا، لأن بعض التلاميذ فقط رأوا هذا الحدث، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا. وهذا يطابق قول المسيح: «إن من القيام ههنا قومًا»، أي ليس كلهم، بل بعضهم.

ثالثًا، لأن التجلي أظهر المسيح في مجده بصورة منظورة:

«وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ» (متى ١٧: ٢).

وهذا ينسجم مع رؤية ابن الإنسان في ملكوته، لأن التلاميذ رأوا لمحة مسبقة من مجد المسيح الملكي قبل موته وقيامته.

 

٤. التجلي كان عربونًا للمجيء الثاني لا إتمامًا نهائيًا له

حادثة التجلي لا تعني أن المجيء الثاني قد حدث بالفعل في ذلك الوقت، بل تعني أن بعض التلاميذ رأوا لمحة أو عربونًا من مجد المسيح الذي سيُعلن كاملًا في مجيئه الثاني.

فالمجيء الثاني سيُرى علنًا وبصورة شاملة، كما قال الملاك للتلاميذ بعد الصعود:

«أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ» (أعمال ١: ١١).

ويقول سفر الرؤيا:

«هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. نَعَمْ آمِينَ» (رؤيا ١: ٧).

أما التجلي فكان إعلانًا جزئيًا ومسبقًا لمجد المسيح أمام بعض التلاميذ، لا الإتمام النهائي للملكوت في نهاية الدهر.

 

٥. بطرس نفسه فهم التجلي كشهادة لمجد المسيح

بطرس، الذي كان حاضرًا في التجلي، يشير لاحقًا إلى أنه رأى عظمة المسيح بعينيه:

«لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ. وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ» (٢ بطرس ١: ١٦–١٨).

وهذا النص مهم لأنه يربط بين رؤية بطرس لمجد المسيح على الجبل وبين إعلان قوة المسيح ومجيئه. أي إن التجلي كان شهادة مسبقة لمجد المسيح الآتي.

 

٦. لماذا لا يكون النص خطأ في توقيت المجيء الثاني؟

النص لا يقول بالضرورة إن المسيح سيعود في المجيء الثاني النهائي قبل موت بعض التلاميذ. بل يقول إن بعضهم لن يذوقوا الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته. وإذا كان المقصود هو التجلي، فقد تحقق الكلام بعد أيام قليلة، إذ رأى بطرس ويعقوب ويوحنا مجد المسيح بصورة عجيبة على الجبل.

لذلك لا يوجد خطأ في وعد المسيح. الخطأ يأتي من افتراض أن العبارة لا يمكن أن تشير إلا إلى المجيء الثاني النهائي، مع أن السياق المباشر يشير إلى حادثة التجلي.

 

الخلاصة

لم يخطئ المسيح في متى ١٦: ٢٨، ولم يعد تلاميذه وعدًا فشل في تحقيقه. فالأقرب إلى السياق أن قوله يشير إلى التجلي على الجبل، حيث رأى بعض التلاميذ، بطرس ويعقوب ويوحنا، لمحة حقيقية من مجد المسيح وملكوته.

التجلي لم يكن المجيء الثاني النهائي، لكنه كان عربونًا ومقدمة منظورة لمجد المسيح الذي سيظهر كاملًا عند مجيئه الثاني. ولذلك قال المسيح إن بعض القائمين هناك لن يذوقوا الموت حتى يروا هذا الإعلان الملكي لمجده.

إذن، لا يوجد خطأ زمني ولا تناقض. النص تحقق في التجلي، ويبقى المجيء الثاني في المجد هو الإتمام الكامل لما رآه التلاميذ جزئيًا على الجبل.

 

تنبيهات لاهوتية

ينبغي التمييز بين رؤية مسبقة لمجد الملكوت وبين الإتمام النهائي للملكوت. التجلي أعلن مجد المسيح الحقيقي، لكنه لم يكن نهاية التاريخ ولا المجيء الثاني الكامل.

كما يجب قراءة نهاية متى ١٦ مع بداية متى ١٧، لأن تقسيم الإصحاحات لاحق على كتابة النص، والسياق الطبيعي يربط قول المسيح بحادثة التجلي التي تليه مباشرة.

 

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 349). Victor Books: Wheaton, Ill.

هل أخطأ المسيح؟ هل قال إن بعض التلاميذ سيَرون ملكوته قبل موتهم؟ كيف نفهم قوله: «لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة