هل نهى المسيح أن ندعو أحدًا «أبانا»؟
كيف نفهم قول المسيح: «لا تدعوا لكم أبًا على الأرض» مع استعمال الكتاب لكلمة الأبوة الجسدية والروحية؟

كيف نفهم قول المسيح: «لا تدعوا لكم أبًا على الأرض» مع استعمال الكتاب لكلمة الأبوة الجسدية والروحية؟
قال المسيح:
«وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ.»
متى 23: 9-10
وقد يفهم البعض هذه الكلمات وكأن المسيح ينهى نهياً مطلقًا عن استعمال كلمة «أب» لأي إنسان، سواء كان أبًا جسديًا أو مرشدًا روحيًا. لكن هذا الفهم يصطدم بنصوص كثيرة في الكتاب المقدس نفسه، حيث يأمر الله بإكرام الأب والأم، كما يستخدم الكتاب أيضًا لغة الأبوة الروحية في أكثر من موضع.
إذن، هل توجد مشكلة؟ وهل كان المسيح يمنع استعمال كلمة «أب» نهائيًا؟ أم كان يحذر من نوع معين من السلطة الروحية التي تسلب الله مكانه؟
موضع الإشكال
الإشكال الظاهري هو أن المسيح قال: «لا تدعوا لكم أبًا على الأرض»، بينما الوصية الخامسة تقول:
«أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.»
خروج 20: 12
فلو كان المسيح يمنع تمامًا استعمال كلمة «أب»، فكيف يأمر الكتاب بإكرام الأب؟ وكيف يستخدم الكتاب نفسه تعبيرات الأبوة الروحية؟
مثلًا، عندما رأى أليشع إيليا صاعدًا، قال:
«يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا!»
2 ملوك 2: 12
وكذلك يقول بولس الرسول للمؤمنين في كورنثوس:
«لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ.»
1 كورنثوس 4: 15
فهل يناقض بولس وصية المسيح؟ بالطبع لا. بل هذا يدل على أن كلام المسيح في متى 23 لا يقصد منع كل استعمال لغوي أو اجتماعي أو روحي لكلمة «أب»، بل يقصد أمرًا أعمق يتعلق بالسلطة الدينية المطلقة.
السياق يكشف المقصود من كلام المسيح
لكي نفهم كلام المسيح، يجب أن نقرأه في سياقه. في متى 23، كان المسيح يوبخ الكتبة والفريسيين بسبب محبتهم للمظاهر الدينية، وطلبهم للكرامة، ورغبتهم في الألقاب والمكانة:
«وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَدْعُوهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي، سَيِّدِي!»
متى 23: 6-7
إذن، المشكلة ليست في مجرد اللفظ، بل في روح التعظيم الديني التي تجعل الإنسان سيدًا مطلقًا على ضمائر الآخرين. المسيح لا يهاجم الاحترام المشروع، بل يهاجم تحويل القادة الدينيين إلى مراجع معصومة، تُمنح لهم الطاعة غير المشروطة والهيبة التي لا تليق إلا بالله.
المسيح لا يرفض وجود مرشدين روحيين
الكتاب المقدس لا يرفض وجود معلمين ومرشدين روحيين، بل يقرّ بوجودهم ويدعو إلى احترامهم. بولس نفسه كان أبًا روحيًا لتيموثاوس، ولذلك كتب إليه قائلًا:
«إِلَى تِيمُوثَاوُسَ الابْنِ الْحَبِيبِ: نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ وَالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.»
2 تيموثاوس 1: 2
كما دعا نفسه أبًا روحيًا للمؤمنين الذين خدمهم بالإنجيل:
«لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ.»
1 كورنثوس 4: 15
هذا لا يناقض كلام المسيح، لأن بولس لم يطلب لنفسه مقام الله، ولم يضع نفسه كمرجع معصوم مستقل عن المسيح. بل كان دائمًا يوجّه المؤمنين إلى المسيح، لا إلى شخصه.
الفرق بين الأبوة الروحية المشروعة والسلطة المعصومة
هناك فرق كبير بين أن يكون الإنسان أبًا روحيًا بمعنى أنه يرشد، ويعلّم، ويخدم، ويقود الناس إلى المسيح، وبين أن يجعل نفسه سيدًا مطلقًا على الإيمان والضمير.
الأبوة الروحية المشروعة هي خدمة ومسؤولية واتضاع. أما الأبوة المرفوضة في متى 23 فهي أن يأخذ الإنسان لنفسه مكان الله، أو يطلب من الناس خضوعًا مطلقًا لا يحق إلا لله وحده.
ولهذا قال المسيح:
«لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.»
متى 23: 9
أي إن الله وحده هو المصدر النهائي للسلطان، والحق، والهداية، والأبوة المطلقة. أما كل أبوة بشرية، سواء جسدية أو روحية، فهي نسبية ومحدودة وخاضعة لله.
بولس نفسه وضع حدودًا لاتباع القائد الروحي
بولس لم يقل للمؤمنين: اتبعوني بلا شرط. بل قال:
«كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ.»
1 كورنثوس 11: 1
هذه العبارة تضع الحد الفاصل بوضوح: نتبع القائد الروحي بقدر ما يتبع هو المسيح. فالمعيار النهائي ليس شخصية القائد، ولا لقبه، ولا مكانته، بل المسيح نفسه.
وهذا ينسجم تمامًا مع تحذير المسيح في متى 23. فالمسيح لا يمنع احترام القادة، لكنه يمنع تحويلهم إلى مصادر مطلقة للحق أو إلى أشخاص فوق النقد والمراجعة الكتابية.
الكتاب يأمر باحترام القادة دون تأليههم
الكتاب يدعو المؤمنين إلى احترام من يتعبون في التعليم والخدمة. يقول بولس:
«أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا، فَلْيُحْسَبُوا أَهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ.»
1 تيموثاوس 5: 17
إذن، الاحترام ليس مرفوضًا. التعليم ليس مرفوضًا. القيادة الروحية ليست مرفوضة. لكن المرفوض هو أن يأخذ القائد لنفسه مكان الله، أو أن يعطيه الناس طاعة عمياء، أو أن يُعامل كأنه معصوم لا يُراجع ولا يُسأل.
هل يجوز أن ندعو الأب الجسدي «أبي»؟
نعم، لأن المسيح لا ينسخ وصية إكرام الوالدين، ولا يمنع اللغة الطبيعية التي يعترف بها الكتاب نفسه. فالكتاب يأمر الإنسان أن يكرم أباه وأمه، وهذا يفترض أن كلمة «أب» في معناها العائلي الطبيعي ليست محرمة.
لو كان النهي مطلقًا عن اللفظ، لصار من الخطأ أن نقول للأب الجسدي «أبي»، وهذا غير معقول كتابيًا، لأن الله نفسه قال: «أكرم أباك وأمك».
هل يجوز أن يكون للإنسان أب روحي؟
من حيث المعنى الكتابي، نعم، إذا كان المقصود أبوة روحية خادمة وخاضعة للمسيح، لا أبوة متسلطة ومعصومة. بولس استخدم هذه اللغة، وعلاقة إيليا وأليشع تحمل هذا المعنى أيضًا.
لكن يجب أن تبقى كل أبوة روحية تحت سلطان الله وكلمته. الأب الروحي الحقيقي لا يربط الناس بنفسه بدلًا من المسيح، بل يقودهم إلى المسيح. لا يطلب عبادة الشخصية، بل يعلّم الاتضاع والطاعة لله.
الخلاصة
قول المسيح «لا تدعوا لكم أبًا على الأرض» لا يعني منع استعمال كلمة «أب» لكل أب جسدي أو مرشد روحي. فالكتاب نفسه يأمر بإكرام الأب والأم، ويستخدم لغة الأبوة الروحية في مواضع متعددة.
المقصود في سياق متى 23 هو التحذير من رفع البشر إلى مقام الآباء أو المعلمين المعصومين، ومنحهم طاعة وهيبة لا تليق إلا بالله. الاحترام المشروع للقادة الروحيين شيء، أما الخضوع الأعمى والتقديس غير المشروط فشيء آخر.
إذن، لا خطأ في استخدام كلمة «أب» بمعناها العائلي أو الروحي الصحيح، بشرط ألا تتحول إلى لقب يمنح الإنسان سلطانًا مطلقًا أو مكانة لا يستحقها إلا الله وحده.
المصدر
Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 356.