هل كان المسيح يجهل موعد مجيئه الثاني؟ كيف نفهم قول المسيح: «ولا الابن» مع أن المسيح هو الله العليم بكل شيء؟

قال المسيح عن يوم مجيئه الثاني وساعته:
«وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ.»
مرقس 13: 32
وهنا يطرح البعض سؤالًا: إذا كان المسيح هو الله، والله يعلم كل شيء، فكيف يقول المسيح إن الابن لا يعلم اليوم والساعة؟ هل كان المسيح جاهلًا بموعد مجيئه الثاني؟ وهل هذا ينفي ألوهيته؟
الإجابة المختصرة هي: لا. يجب أن نميز بين ما يعرفه المسيح من جهة لاهوته، وما يعرفه من جهة ناسوته. فالمسيح، بصفته الله، كلي العلم. لكنه، بصفته الإنسان الحقيقي المتجسد، قبل أن يعيش ضمن حدود الطبيعة البشرية، بما في ذلك النمو في الحكمة والمعرفة بحسب ناسوته. لذلك لا يوجد تناقض بين ألوهيته وبين قوله «ولا الابن»، إذا فهمنا النص في ضوء عقيدة التجسد.
موضع الإشكال
الإشكال يقوم على الجمع بين نوعين من النصوص. فمن جهة، يعلن الكتاب أن المسيح هو الله:
«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.»
يوحنا 1: 1
ويعلن أيضًا أن في المسيح كنوز الحكمة والمعرفة:
«الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ.»
كولوسي 2: 3
كما يذكر يوحنا أن المسيح كان يعرف ما في الإنسان:
«وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ.»
يوحنا 2: 25
ومن جهة أخرى، يقول مرقس إن المسيح قال عن اليوم والساعة: «ولا الابن». ويذكر لوقا أن يسوع نما في الحكمة:
«وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.»
لوقا 2: 52
فكيف يكون المسيح عالمًا بكل شيء، وفي نفس الوقت يتقدم في الحكمة أو يقول عن أمر معين إنه لا يعلمه؟
المفتاح: المسيح إله كامل وإنسان كامل
المفتاح اللاهوتي لفهم هذا النص هو عقيدة التجسد. فالمسيح ليس مجرد إنسان، وليس مجرد ظهور إلهي بلا ناسوت حقيقي، بل هو الإله المتجسد: إله كامل وإنسان كامل في شخص واحد.
لذلك، ما يقال عنه من جهة لاهوته لا يلزم أن يقال بنفس الطريقة من جهة ناسوته. فمن جهة لاهوته هو كلي العلم، كلي القدرة، غير محدود. ومن جهة ناسوته الحقيقي، عاش حياة بشرية حقيقية، نما في القامة، وتعب، وجاع، وعطش، واختبر حدود الحياة البشرية بلا خطية.
فإذا قلنا إن المسيح يعلم كل شيء، فنحن نتكلم عنه من جهة لاهوته. وإذا قلنا إنه نما في الحكمة، فنحن نتكلم عنه من جهة ناسوته. وليس في ذلك تناقض، لأن الكلام ليس عن نفس الطبيعة بنفس المعنى.
مقارنة بين المسيح كإله والمسيح كإنسان
يمكن توضيح الفرق بين ما يخص لاهوت المسيح وما يخص ناسوته كما يلي:
| يسوع كإله | يسوع كإنسان |
|---|---|
| غير محدود في المعرفة | محدود في المعرفة |
| لا نمو في المعرفة | نمو في المعرفة |
| يعرف وقت مجيئه | لا يعرف وقت مجيئه |
هذا التمييز لا يعني أن في المسيح شخصين منفصلين، بل يعني أن الشخص الواحد، يسوع المسيح، له طبيعتان: طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية. فما يخص الطبيعة الإلهية لا يلغي ما يخص الطبيعة الإنسانية، وما يخص الطبيعة الإنسانية لا ينفي ما يخص الطبيعة الإلهية.
المسيح كإله كلي العلم
من جهة لاهوته، المسيح كلي العلم. فهو الكلمة الأزلي، والابن الواحد مع الآب في الجوهر، وفيه جميع كنوز الحكمة والعلم:
«الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ.»
كولوسي 2: 3
كما أن المسيح أظهر في خدمته معرفة فوق بشرية؛ فقد عرف أفكار الناس وقلوبهم، وعرف تفاصيل لم تُخبر له بالطريق العادي. وهذا ينسجم مع كونه الله الظاهر في الجسد.
المسيح كإنسان قبل حدود المعرفة البشرية
لكن المسيح، في ناسوته، لم يكن يمثل البشرية تمثيلًا ظاهريًا فقط، بل صار إنسانًا حقيقيًا. لذلك نقرأ أنه نما في الحكمة والقامة:
«وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.»
لوقا 2: 52
لو لم يكن للمسيح ناسوت حقيقي، لما صح أن يقال إنه نما في الحكمة. لكن لأنه أخذ طبيعتنا البشرية الحقيقية، فقد قبل أن يعيش نموًا بشريًا حقيقيًا، دون أن يعني ذلك أن لاهوته ناقص أو جاهل.
هل كان المسيح يسأل لأنه لا يعلم؟
في بعض المواضع، سأل المسيح أسئلة، مثل سؤاله عن موضع قبر لعازر:
«وَقَالَ: أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟ قَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، تَعَالَ وَانْظُرْ.»
يوحنا 11: 34
ولا يلزم من كل سؤال أن يكون السائل يجهل بالضرورة. فقد يسأل المعلّم لكي يقود الحاضرين إلى موقف معين، أو لكي يدخل في الحدث إنسانيًا، أو لكي يكشف ما في القلوب. ومع ذلك، فإننا لا ننكر أن المسيح عاش حياة بشرية حقيقية من جهة ناسوته، ولذلك قبل بعض حدود الخبرة الإنسانية.
معنى «ولا الابن» في مرقس 13: 32
عندما قال المسيح: «ولا الابن»، فهو يتكلم من جهة وضعه كابن الإنسان في اتضاع التجسد وخدمته الأرضية. فالابن، في دوره المتجسد، لا يعلن اليوم والساعة ولا يتصرف كمن جاء ليكشف هذا التوقيت للبشر.
ليس المقصود أن لاهوت الابن ناقص العلم، بل أن المسيح، في ناسوته وفي إطار رسالته الأرضية، لم يجعل معرفة هذا الموعد جزءًا من إعلانه للتلاميذ. لذلك فالنص يعلّمنا التواضع والسهر، لا الفضول في تحديد الأزمنة.
المشكلة ليست في ألوهية المسيح بل في فهم التجسد
كثير من الاعتراضات على هذا النص تأتي من عدم التمييز بين الطبيعتين في المسيح. فإذا افترضنا أن كل ما يصدق على المسيح من جهة ناسوته يجب أن ينفي لاهوته، فسنقع في مشكلات كثيرة.
فالمسيح جاع، لكن الله لا يجوع. المسيح عطش، لكن الله لا يعطش. المسيح تعب، لكن الله لا يتعب. المسيح مات بحسب الجسد، لكن لاهوته لا يموت. فهل هذه النصوص تنفي ألوهيته؟ لا. بل تثبت أنه صار إنسانًا حقيقيًا لأجل خلاصنا.
بنفس الطريقة، قول المسيح «ولا الابن» لا ينفي علمه الإلهي، بل يدخل ضمن حقيقة اتضاعه وتدبيره كابن الإنسان المتجسد.
هل هذا تناقض؟
لا يوجد تناقض، لأننا لا نقول إن المسيح يعلم ولا يعلم بنفس المعنى ومن نفس الجهة. بل نقول:
من جهة لاهوته: المسيح يعلم كل شيء.
من جهة ناسوته: قبل المسيح حدود الطبيعة البشرية، بما في ذلك النمو في الحكمة وعدم إعلان أو ممارسة كل معرفة إلهية في كل موقف.
التناقض كان سيكون لو قلنا إن المسيح، من نفس الجهة وبنفس الطبيعة، يعلم كل شيء ولا يعلم كل شيء في آن واحد. لكن هذا ليس تعليم الإيمان المسيحي. التعليم الصحيح هو الاتحاد الأقنومي: شخص واحد في طبيعتين، لاهوت كامل وناسوت كامل.
لماذا لم يكشف المسيح اليوم والساعة؟
حتى من الناحية الرعوية، لم يكن قصد المسيح أن يعطي التلاميذ جدولًا زمنيًا للمجيء الثاني، بل أن يدعوهم إلى السهر والاستعداد. لذلك يقول بعد ذلك مباشرة:
«اُنْظُرُوا! اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ.»
مرقس 13: 33
فالرسالة العملية ليست: احسبوا اليوم والساعة، بل: اسهروا وكونوا مستعدين. ولذلك، لم يجعل المسيح توقيت المجيء الثاني موضوع معرفة بشرية معلنة.
المعرفة الإلهية والاقتصاد الخلاصي
في اللاهوت المسيحي، نفرق بين ما يعرفه الابن في ذاته كإله، وبين ما يعلنه أو يمارسه في تدبير التجسد. فليس كل ما يعرفه الله يعلنه للبشر، وليس كل سلطان يملكه المسيح يستخدمه بطريقة ظاهرة في كل موقف.
وهذا لا يعني نقصًا في طبيعته الإلهية، بل يعني أن الابن المتجسد عاش بحسب تدبير الخلاص، في طاعة كاملة للآب، وفي اتضاع حقيقي، لكي يتمم العمل الذي جاء لأجله.
الخلاصة
لم يكن المسيح جاهلًا من جهة لاهوته بموعد مجيئه الثاني، لأن المسيح هو الله، وفيه جميع كنوز الحكمة والعلم. لكن من جهة ناسوته واتضاعه في التجسد، قبل أن يعيش ضمن حدود المعرفة البشرية، وأن لا يجعل معرفة اليوم والساعة جزءًا من إعلانه لتلاميذه.
لذلك لا يوجد تناقض بين ألوهية المسيح وبين قوله: «ولا الابن». فالمسيح واحد في شخصه، لكنه ذو طبيعتين: إله كامل يعرف كل شيء، وإنسان كامل عاش نموًا حقيقيًا في الحكمة. النص لا ينفي ألوهيته، بل يذكّرنا بسر التجسد ويدعونا إلى السهر بدل الانشغال بتحديد الأزمنة.
المصدر
Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 374.