القائمة إغلاق

هل أسس المسيح العشاء الرباني في يوم الفصح أم في اليوم السابق؟

المحتوى

هل أسس المسيح العشاء الرباني في يوم الفصح أم في اليوم السابق؟

هل أسس المسيح العشاء الرباني في يوم الفصح أم في اليوم السابق؟ الرد على شبهة مرقس 14: 12 وما بعده ومقارنة الأناجيل الإزائية بإنجيل يوحنا
هل أسس المسيح العشاء الرباني في يوم الفصح أم في اليوم السابق؟ الرد على شبهة مرقس 14: 12 وما بعده ومقارنة الأناجيل الإزائية بإنجيل يوحنا

الرد على شبهة مرقس 14: 12 وما بعده ومقارنة الأناجيل الإزائية بإنجيل يوحنا

تُثار شبهة معروفة حول توقيت العشاء الأخير وتأسيس العشاء الرباني. فالأناجيل الثلاثة الأولى، متى ومرقس ولوقا، تبدو وكأنها تقول إن الرب يسوع أكل الفصح مع تلاميذه في اليوم الذي كان اليهود يذبحون فيه خروف الفصح. أما إنجيل يوحنا فيبدو أنه يضع الأحداث قبل عيد الفصح، وأن اليهود في يوم صلب المسيح لم يكونوا قد أكلوا الفصح بعد. فهل يوجد هنا تناقض بين الأناجيل؟ وهل أسس المسيح العشاء الرباني في يوم الفصح نفسه أم في اليوم السابق له؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض لازم بين النصوص. توجد طريقتان أساسيتان بين العلماء الإنجيليين لفهم المسألة، وكلتاهما تحاول التوفيق بين نصوص الأناجيل. الرأي الأول يرى أن المسيح أكل الفصح في نفس اليوم الذي كان اليهود يحفظون فيه الفصح. والرأي الثاني يرى أن المسيح أكل الفصح قبل اليهود بيوم، لكي يقدّم نفسه في اليوم التالي كحمل الفصح الحقيقي. وكلا الرأيين ممكن دون تناقض، وإن كان الرأي الثاني يبدو عند كثيرين أوضح في تفسير نصوص يوحنا.

موضع الإشكال

يقول إنجيل مرقس:

«وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ، حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟»

مرقس 14: 12

وهذا يبدو واضحًا في أن العشاء الأخير حدث في إطار الاستعداد لأكل الفصح. وكذلك يقول متى:

«وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟»

متى 26: 17

ويقول لوقا أيضًا:

«وَقَرُبَ عِيدُ الْفَطِيرِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْفِصْحُ.»

لوقا 22: 1

ثم يذكر لوقا استعداد التلاميذ للفصح:

«وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ.»

لوقا 22: 7

لكن إنجيل يوحنا يقول في بداية حديثه عن غسل الأرجل والعشاء:

«أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى.»

يوحنا 13: 1

ثم يقول عن اليهود يوم محاكمة يسوع:

«ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ.»

يوحنا 18: 28

ويقول أيضًا:

«وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: هُوَذَا مَلِكُكُمْ!»

يوحنا 19: 14

فموضع الإشكال هو: هل أكل يسوع الفصح مع تلاميذه في نفس يوم الفصح كما تفيد الأناجيل الإزائية؟ أم أن العشاء حدث قبل الفصح كما يبدو من يوحنا؟

أولًا: الرأي القائل إن المسيح أكل الفصح في اليوم نفسه مع اليهود

يرى فريق من العلماء الإنجيليين أن المسيح أكل خروف الفصح مع تلاميذه في نفس اليوم الذي كان اليهود يحفظون فيه الفصح، وأنه أسس العشاء الرباني في نهاية عشاء الفصح نفسه. ويستند هذا الرأي إلى عدة اعتبارات مهمة.

1. هذا هو اليوم الذي يطلبه ناموس العهد القديم

بحسب شريعة العهد القديم، كان ذبح خروف الفصح وأكل الفصح مرتبطين بتوقيت محدد. وبما أن المسيح لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله، يرى أصحاب هذا الرأي أنه أكل الفصح في الوقت الناموسي الصحيح.

«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.»

متى 5: 17-18

فمن هذه الزاوية، بما أن المسيح هو مكمّل الناموس، فمن المناسب أن يكون قد حفظ الفصح في موعده الصحيح.

2. قراءة مرقس 14: 12 تبدو واضحة في هذا الاتجاه

النص في مرقس يقول إن الحدث كان «في اليوم الأول من الفطير، حين كانوا يذبحون الفصح». وهذه العبارة تُفهم طبيعيًا عند أصحاب هذا الرأي على أن يسوع كان يستعد لأكل الفصح في نفس اليوم المعروف بذبح خروف الفصح.

كما أن سؤال التلاميذ: «أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح؟» يدل على أنهم كانوا يفهمون أن العشاء الذي سيأكلونه مع المسيح هو عشاء الفصح نفسه.

3. عبارة “استعداد الفصح” في يوحنا قد تعني الاستعداد للسبت في أسبوع الفصح

عندما يقول يوحنا إن ذلك اليوم كان «استعداد الفصح»، يفسر أصحاب هذا الرأي العبارة على أنها تشير إلى يوم الاستعداد للسبت الواقع في أسبوع الفصح، لا بالضرورة اليوم السابق لأكل الفصح نفسه.

وبحسب هذا الفهم، لا يكون يوحنا مخالفًا للأناجيل الإزائية، بل يستخدم تعبيرًا يصف يوم الاستعداد للسبت في أسبوع الفصح، بينما كانت وجبة الفصح قد أُكلت بالفعل.

ثانيًا: الرأي القائل إن المسيح أكل الفصح قبل اليهود بيوم

يرى فريق آخر من العلماء أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه قبل أن يأكله اليهود بيوم، أي أنه أكل العشاء مع تلاميذه في الخميس، ثم صُلب في اليوم التالي، الجمعة، في الوقت الذي كان فيه خروف الفصح يُقدَّم. وبهذا يكون المسيح قد أظهر نفسه كحمل الفصح الحقيقي.

1. المسيح قدّم نفسه كحمل الفصح الحقيقي

هذا الرأي يرى أن هناك معنى رمزيًا ولاهوتيًا عميقًا في أن يأكل يسوع الفصح قبل اليهود، ثم يقدم نفسه في اليوم التالي، في ذات الوقت الذي كان فيه الفصح حاضرًا في وعي الأمة اليهودية. فهو ليس مجرد مشارك في طقس الفصح، بل هو تحقيق الفصح نفسه.

يوحنا المعمدان أعلن عن المسيح قائلًا:

«وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!»

يوحنا 1: 29

والرسول بولس يعلن بوضوح أن المسيح هو فصحنا:

«إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا.»

1 كورنثوس 5: 7

فالمسيح، بحسب هذا الفهم، أسس العشاء الرباني في ضوء الفصح، ثم في اليوم التالي تمم الرمز القديم بتقديم نفسه فصحًا حقيقيًا لأجلنا.

2. القراءة المباشرة لعبارة “استعداد الفصح” في يوحنا 19: 14

يرى أصحاب هذا الرأي أن العبارة في يوحنا 19: 14 تُقرأ بطريقة مباشرة: كان ذلك اليوم هو «استعداد الفصح»، أي اليوم السابق لأكل الفصح عند اليهود، لا مجرد الاستعداد للسبت.

«وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: هُوَذَا مَلِكُكُمْ!»

يوحنا 19: 14

ومن هنا يرى هذا الفريق أن يوحنا يحدد توقيت الصلب قبل أكل اليهود للفصح، بحيث يموت المسيح كحمل الله في توقيت لاهوتي مقصود.

3. يوحنا 18: 28 يقول إن اليهود لم يكونوا قد أكلوا الفصح بعد

النص في يوحنا 18: 28 مهم جدًا في هذا النقاش، لأنه يقول إن اليهود لم يدخلوا دار الولاية لكي لا يتنجسوا، حتى يستطيعوا أن يأكلوا الفصح:

«وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ.»

يوحنا 18: 28

وبحسب القراءة المباشرة، كان اليهود في صباح يوم محاكمة المسيح وصلبه لم يأكلوا الفصح بعد. لذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه قبلهم، ثم صُلب في اليوم الذي كان اليهود يستعدون فيه لأكل الفصح.

ثالثًا: هل الرأيان يثبتان وجود تناقض؟

لا. وجود أكثر من تفسير ممكن لا يعني وجود تناقض. التناقض الحقيقي يتطلب أن يقول نص إن الحدث وقع في يوم معين بمعنى محدد، وأن يقول نص آخر إنه لم يقع في ذلك اليوم بنفس المعنى وبنفس الإطار الزمني، دون وجود أي احتمال لغوي أو تاريخي أو تقويمي يفسر الاختلاف.

لكن في هذه المسألة توجد عوامل متعددة يمكن أن تشرح النصوص، منها طريقة استخدام تعبيرات الفصح والفطير، واتساع أسبوع الفصح، ومعنى “الاستعداد”، وإمكانية اختلاف زاوية يوحنا اللاهوتية عن عرض الأناجيل الإزائية. لذلك لا يلزم من اختلاف طريقة العرض أن يكون هناك تناقض.

رابعًا: كيف نفهم الفرق بين الأناجيل الإزائية ويوحنا؟

الأناجيل الإزائية تركز على أن العشاء الأخير كان في إطار الفصح، وأن المسيح أسس العشاء الرباني في سياق عميق مرتبط بعهد الله وخلاصه. أما يوحنا فيبرز بصورة خاصة أن يسوع هو حمل الله، وأن موته يتمم معنى الفصح نفسه.

فحتى لو أخذنا الرأي الأول، لا يكون يوحنا متناقضًا مع الإزائيين، لأن عبارة “استعداد الفصح” يمكن فهمها كاستعداد للسبت في أسبوع الفصح. وحتى لو أخذنا الرأي الثاني، لا يكون الإزائيون متناقضين مع يوحنا، لأن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه في إطار فصحي حقيقي قبل أن يتمم الرمز في صلبه كحمل الفصح.

المهم في كلا الرأيين أن المعنى اللاهوتي لا يتغير: المسيح هو الذبيحة الحقيقية، والعشاء الرباني تأسس على أساس موته الفدائي، والفصح القديم كان يشير إلى الخلاص الكامل الذي يتم في المسيح.

خامسًا: العشاء الرباني مرتبط بالفصح لكنه يتجاوزه

في العشاء الأخير، أخذ المسيح الخبز والكأس وأعطاهما معنى جديدًا مرتبطًا بجسده ودمه. فهو لا يلغي الفصح بطريقة سطحية، بل يكشف عن تحقيقه الأعمق.

«وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ، وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي. وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.»

متى 26: 26-28

فالعشاء الرباني ليس مجرد وجبة تذكارية منفصلة، بل إعلان للعهد الجديد المؤسس على دم المسيح. وهذا المعنى يظل قائمًا سواء كان المسيح أكل الفصح في نفس اليوم مع اليهود، أو أكله قبلهم بيوم ثم تمم رمزه بموته في اليوم التالي.

سادسًا: لماذا يبدو الرأي الثاني أكثر مباشرة عند بعض العلماء؟

يرى جيزلر وهاو أن كلا الرأيين ممكن دون تناقض، لكن الرأي الثاني يبدو أنه يشرح النصوص بطريقة أكثر مباشرة. والسبب أن يوحنا 18: 28 يقول إن اليهود كانوا يريدون أن يأكلوا الفصح، ويوحنا 19: 14 يتحدث عن “استعداد الفصح”. لذلك يبدو من القراءة المباشرة أن يوم صلب المسيح كان قبل أكل اليهود للفصح.

وبحسب هذا الرأي، يكون الترتيب اللاهوتي بالغ القوة: المسيح يأكل مع تلاميذه العشاء الفصحي ويؤسس العشاء الرباني، ثم في اليوم التالي يقدم نفسه ذبيحة حقيقية، بصفته حمل الله الذي يرفع خطية العالم، وفصحنا الذي ذُبح لأجلنا.

لكن حتى مع ترجيح هذا الرأي، لا ينبغي تقديم المسألة كأنها تناقض بين الأناجيل، بل كمسألة تفسيرية لها أكثر من حل مقبول داخل الإيمان بصدق النص الكتابي.

الخلاصة

لم تتناقض الأناجيل في توقيت تأسيس العشاء الرباني. فهناك رأيان أساسيان بين العلماء الإنجيليين: الأول يرى أن المسيح أكل الفصح في نفس اليوم الذي أكل فيه اليهود الفصح، وأن عبارة “استعداد الفصح” في يوحنا تشير إلى الاستعداد للسبت في أسبوع الفصح. والثاني يرى أن المسيح أكل الفصح قبل اليهود بيوم، لكي يقدّم نفسه في اليوم التالي كحمل الفصح الحقيقي، وهو الرأي الذي يبدو أنه يفسر نصوص يوحنا بطريقة أكثر مباشرة.

في كل الأحوال، لا يوجد تناقض لازم، لأن النصوص يمكن فهمها بانسجام. والأهم أن الأناجيل كلها تتفق على الحقيقة المركزية: المسيح أسس العشاء الرباني على أساس موته الفدائي، وأنه هو حمل الله وفصحنا الحقيقي، الذي بذل نفسه لأجل خلاص العالم.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 375. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل أسس المسيح العشاء الرباني في يوم الفصح أم في اليوم السابق؟ الرد على شبهة مرقس 14: 12 وما بعده ومقارنة الأناجيل الإزائية بإنجيل يوحنا

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة