كيف تكون أليصابات قريبة مريم وهي من بنات هارون؟

الرد على شبهة لوقا 1: 27 و1: 36 وعلاقة مريم بسبط يهوذا وأليصابات بسبط هارون
تُثار شبهة حول العلاقة بين مريم العذراء وأليصابات أم يوحنا المعمدان. فالكتاب يقول إن أليصابات كانت من بنات هارون، أي من العائلة الكهنوتية المرتبطة بسبط لاوي، بينما مريم مرتبطة ببيت داود وسبط يهوذا. فكيف يقول الملاك لمريم إن أليصابات نسيبتها أو قريبتها؟ هل هذا يعني أن مريم كانت من سبط هارون؟ أم أن أليصابات كانت من سبط يهوذا؟ وهل يوجد هنا تعارض في النسب؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد أي تعارض. كون أليصابات قريبة مريم لا يعني بالضرورة أنهما من نفس السبط من جهة النسب الأبوي. فقد تكون القرابة عن طريق الزواج أو المصاهرة، وكان الزواج بين الأسباط جائزًا في إسرائيل في الظروف العادية. بل إن هارون نفسه، رئيس الكهنة، تزوج امرأة من سبط يهوذا. لذلك يمكن أن تكون أليصابات من بنات هارون، وفي الوقت نفسه قريبة لمريم العذراء من خلال علاقة عائلية أو مصاهرة بين الأسباط.
موضع الإشكال
يقول لوقا عن زكريا وأليصابات:
«كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ.»
لوقا 1: 5
ثم يقول الملاك جبرائيل لمريم:
«وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا.»
لوقا 1: 36
والإشكال المطروح هو: إذا كانت أليصابات من بنات هارون، فكيف تكون قريبة مريم، ومريم مرتبطة ببيت داود وسبط يهوذا؟
أولًا: القرابة لا تعني بالضرورة الانتماء إلى نفس السبط
الخطأ الأساسي في الشبهة هو افتراض أن كل قرابة عائلية في إسرائيل لا بد أن تعني الانتماء إلى نفس السبط. لكن هذا غير لازم. فالإنسان يمكن أن يكون قريبًا لشخص آخر من خلال الزواج أو المصاهرة أو قرابة من جهة الأم أو ارتباطات عائلية بين الأسباط.
لوقا لا يقول إن أليصابات من سبط يهوذا، ولا يقول إن مريم من سبط هارون، بل يقول إن أليصابات من بنات هارون، ويقول أيضًا إنها نسيبة مريم. هاتان العبارتان يمكن أن تكونا صحيحتين معًا دون أي تعارض.
فكما أن الإنسان اليوم يمكن أن يكون قريبًا لعائلة أخرى عن طريق الزواج دون أن يحمل نفس اسم العائلة أو نفس النسب الأبوي، كذلك في إسرائيل القديمة كان يمكن أن توجد صلات قرابة بين عائلات من أسباط مختلفة.
ثانيًا: الزواج بين الأسباط كان جائزًا في إسرائيل
كان الزواج بين الأسباط مسموحًا في الشريعة في الأحوال العادية، باستثناء حالات خاصة تتعلق بالميراث، خاصة عندما تكون المرأة وارثة لأرض أبيها، حتى لا ينتقل نصيب السبط إلى سبط آخر. أما من حيث المبدأ العام، فلم يكن هناك منع مطلق من المصاهرة بين الأسباط.
لذلك يمكن بسهولة أن تكون هناك علاقة قرابة بين بيت كهنوتي من نسل هارون وبين بيت من سبط يهوذا من خلال الزواج. وهذا يفسر كيف تكون أليصابات من بنات هارون، وفي الوقت نفسه نسيبة مريم.
ثالثًا: هارون نفسه تزوج امرأة من سبط يهوذا
أقوى مثال كتابي على إمكانية هذه المصاهرة هو هارون نفسه. فسفر الخروج يذكر أن هارون تزوج أليشابع بنت عميناداب أخت نحشون:
«وَأَخَذَ هَارُونُ أَلِيشَابَعَ بِنْتَ عَمِّينَادَابَ أُخْتَ نَحْشُونَ زَوْجَةً لَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ نَادَابَ وَأَبِيهُوَ وَأَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ.»
خروج 6: 23
ونحشون مرتبط بسبط يهوذا في أخبار الأيام:
«وَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ، وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ رَئِيسَ بَنِي يَهُوذَا.»
1 أخبار الأيام 2: 10
إذن هارون، رأس العائلة الكهنوتية، تزوج امرأة من عائلة مرتبطة بسبط يهوذا. فإذا كان هذا قد حدث في بداية التاريخ الكهنوتي نفسه، فلا يوجد أي مانع أن توجد لاحقًا قرابة بين أليصابات، وهي من بنات هارون، وبين مريم، المرتبطة ببيت داود وسبط يهوذا.
رابعًا: مريم مرتبطة ببيت داود ولا يلزم أن تكون كل قراباتها من يهوذا فقط
يؤكد إنجيل لوقا أن البشارة وُجهت إلى مريم في سياق بيت داود، إذ يقول عن يوسف:
«إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ.»
لوقا 1: 27
كما أن نسب المسيح في لوقا يرتبط بسلسلة داودية ويهوذية، كما يظهر في ذكر يهوذا ضمن النسب:
«بْنِ شَمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ.»
لوقا 3: 30
لكن ارتباط مريم ببيت داود أو بسبط يهوذا لا يعني أن جميع أقاربها من نفس السبط فقط. فالقرابة قد تمتد من جهة الأم أو عبر زواج سابق في العائلة أو عبر مصاهرة بين بيتين. لذلك لا يوجد أي تعارض بين انتماء أليصابات إلى بنات هارون وكونها نسيبة مريم.
خامسًا: كلمة “نسيبتك” لا تحدد نوع القرابة بدقة
النص في لوقا 1: 36 لا يشرح درجة القرابة بين مريم وأليصابات. فهو لا يقول إنها أختها، ولا ابنة عمها بالمعنى الضيق، ولا من نفس السبط، بل يستخدم تعبيرًا عامًا يفيد القرابة أو النسبة العائلية.
وبما أن النص لا يحدد نوع القرابة، فلا يجوز أن نفرض عليه معنى ضيقًا ثم نتهمه بالتناقض. الاحتمال الطبيعي والبسيط هو أن هناك علاقة عائلية بينهما عبر المصاهرة أو أحد خطوط النسب، مع بقاء أليصابات من بنات هارون ومريم مرتبطة ببيت داود.
سادسًا: لا يوجد تعارض بين الكهنوت والملوكية في وجود صلة عائلية
ينبغي التمييز بين الانتماء الرسمي إلى سبط أو بيت معين وبين وجود صلة قرابة عائلية. أليصابات من بنات هارون، وهذا يحدد خلفيتها الكهنوتية. ومريم مرتبطة ببيت داود، وهذا مهم في إعلان المسيح ابن داود والملك المنتظر. لكن وجود قرابة بينهما لا يلغي هذا ولا ذاك.
بالعكس، يقدّم لوقا مشهدًا جميلًا يجمع بين بيت الكهنوت وبيت داود في بداية الإنجيل: أليصابات أم يوحنا المعمدان، السابق الكهنوتي النبوي، ومريم أم المسيح، ابن داود ومخلص العالم. لكن هذا المعنى اللاهوتي لا يقوم على خلط الأسباط، بل على عمل الله في التاريخ من خلال عائلات حقيقية وقرابات طبيعية.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض حقيقي. التناقض يتطلب أن يقول النص إن أليصابات من بنات هارون، ثم يقول في نفس الوقت وبنفس المعنى إنها ليست من بنات هارون، أو يقول إن مريم لا يمكن أن تكون قريبتها. لكن النص لا يقول ذلك.
كل ما يقوله لوقا هو أمران منسجمان:
الأول
أليصابات من بنات هارون، أي لها نسب كهنوتي.
الثاني
أليصابات نسيبة مريم، أي توجد بينهما قرابة عائلية.
وهذان الأمران يمكن تفسيرهما بسهولة من خلال الزواج أو المصاهرة بين الأسباط، وهو أمر مسموح به ومعروف كتابيًا.
الخلاصة
لا توجد مشكلة في أن تكون أليصابات من بنات هارون وفي الوقت نفسه قريبة لمريم العذراء. فالقرابة لا تعني بالضرورة الانتماء إلى نفس السبط، ويمكن أن تكون من خلال الزواج أو المصاهرة أو إحدى جهات العائلة. والزواج بين الأسباط كان جائزًا في إسرائيل، بل إن هارون نفسه تزوج أليشابع، وهي من عائلة مرتبطة بسبط يهوذا.
لذلك، لا يوجد أي تناقض في لوقا. أليصابات تحتفظ بنسبها الكهنوتي من بنات هارون، ومريم مرتبطة ببيت داود وسبط يهوذا، والقرابة بينهما يمكن فهمها طبيعيًا في إطار المصاهرة والعلاقات العائلية بين أسباط إسرائيل.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 380. Victor Books: Wheaton, Ill.