القائمة إغلاق

هل علّم المسيح الجموع واقفًا أم جالسًا؟

هل علّم المسيح الجموع واقفًا أم جالسًا؟

الرد على شبهة لوقا 6: 17 ومتى 5: 1-2 حول وضعية المسيح أثناء الموعظة

هل علّم المسيح الجموع واقفًا أم جالسًا؟
هل علّم المسيح الجموع واقفًا أم جالسًا؟

تُثار شبهة حول وصف الأناجيل لوضعية الرب يسوع أثناء الموعظة. فبحسب لوقا، يسوع «وقف في موضع سهل»، بينما يذكر متى أنه «لما جلس» بدأ يعلّم تلاميذه. فيسأل البعض: هل كان المسيح واقفًا أم جالسًا عندما علّم؟ وهل يوجد تعارض بين ما رواه لوقا وما رواه متى؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فمن الممكن جدًا أن يكون متى ولوقا يذكران لحظتين مختلفتين داخل نفس الحدث؛ فقد يكون يسوع جلس في بداية التعليم عندما اقترب إليه تلاميذه، ثم وقف عندما اجتمع جمهور أعظم ليسمعه. أو يكون لوقا يصف وقوف يسوع في مرحلة الشفاء وخدمة الجموع قبل الموعظة، ثم جلس بعد ذلك وبدأ يعلّم تلاميذه كما يقول متى. وفي كلتا الحالتين لا يوجد اختلاف غير قابل للتوفيق.

موضع الإشكال

يقول لوقا:

«وَنَزَلَ مَعَهُمْ وَوَقَفَ فِي مَوْضِعٍ سَهْل، هُوَ وَجَمْعٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ مِنْ جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ وَسَاحِلِ صُورَ وَصَيْدَا، الَّذِينَ جَاءُوا لِيَسْمَعُوهُ وَيُشْفَوْا مِنْ أَمْرَاضِهِمْ.»

لوقا 6: 17-18

أما متى فيقول عن بداية الموعظة:

«وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفَتَحَ فَاهُ وَعَلَّمَهُمْ قَائِلاً.»

متى 5: 1-2

الإشكال الظاهري هو أن لوقا يقول إن يسوع وقف، بينما متى يقول إنه جلس. فهل هذه روايتان متعارضتان؟

أولًا: الوقوف والجلوس قد يكونان في لحظتين مختلفتين من نفس الحدث

لا يوجد ما يلزمنا أن نفترض أن يسوع ظل في وضعية واحدة طوال الحدث كله. فالموعظة لم تكن بالضرورة لحظة قصيرة ثابتة، بل كانت حدثًا فيه تجمع، وشفاء، واقتراب تلاميذ، ووجود جمهور كثير، ثم تعليم.

من الطبيعي أن يتحرك المعلم أو يغير وضعه أثناء الحدث الواحد. قد يقف في مرحلة، ثم يجلس ليعلّم تلاميذه، أو يجلس في البداية، ثم يقف عندما يزداد الجمع ليسمعه الناس بوضوح أكبر. لذلك، لا يكفي أن يقول أحد النصين «وقف» والآخر «جلس» لنحكم بوجود تناقض، لأن النصين لا يقولان إنه فعل الأمرين في نفس اللحظة وبنفس المعنى.

ثانيًا: ربما جلس في البداية لتعليم التلاميذ ثم وقف للجموع

الاحتمال الأول أن متى يصف بداية الحدث، حين اقترب التلاميذ من يسوع، فجلس وبدأ يعلّمهم. وهذا كان أسلوبًا معروفًا للمعلم اليهودي؛ فالجلوس كان وضعية تعليمية مناسبة، خاصة عندما يكون التعليم موجّهًا للتلاميذ القريبين.

يقول متى:

«فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفَتَحَ فَاهُ وَعَلَّمَهُمْ قَائِلاً.»

متى 5: 1-2

ثم عندما اجتمع جمهور عظيم حوله ليسمعوا، يكون من الطبيعي أن يقف المسيح حتى يصل صوته إلى عدد أكبر من الناس، كما يذكر لوقا. فالوقوف يساعد المتكلم على إسماع الجمع، خاصة في مكان مفتوح ومع وجود جمهور كبير.

وفي هذا الفهم، لا يوجد تناقض: متى يذكر جلسة التعليم الأولى مع التلاميذ، ولوقا يذكر وقوفه أمام الجموع في نفس الإطار العام للحدث.

ثالثًا: ربما يصف لوقا الوقوف قبل الموعظة أثناء خدمة الشفاء

الاحتمال الثاني أن لوقا لا يصف وضعية المسيح أثناء إلقاء الموعظة نفسها، بل يصف وقوفه قبل بداية التعليم، في مرحلة خدمة الشفاء واستقبال الجموع. فالنص في لوقا يربط المشهد بالذين جاءوا «ليسمعوه ويُشفوا من أمراضهم»:

«الَّذِينَ جَاءُوا لِيَسْمَعُوهُ وَيُشْفَوْا مِنْ أَمْرَاضِهِمْ. وَالْمُعَذَّبُونَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ، وَكَانُوا يُبْرَأُونَ. وَكُلُّ الْجَمْعِ طَلَبُوا أَنْ يَلْمِسُوهُ، لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي الْجَمِيعَ.»

لوقا 6: 18-19

ثم بعد هذا مباشرة يقول لوقا:

«وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ.»

لوقا 6: 20

هذا الترتيب يسمح بأن يكون يسوع واقفًا في موضع سهل أثناء مجيء الجموع وشفائهم، ثم بعد ذلك جلس أو اتخذ موضع التعليم، ورفع عينيه إلى تلاميذه وبدأ يعلّم. وهذا ينسجم مع متى الذي يذكر أنه كان جالسًا عندما علّمهم.

رابعًا: لوقا لا يقول صراحة إن يسوع ظل واقفًا أثناء كل العظة

ينبغي قراءة نص لوقا بدقة. لوقا يقول إن يسوع «وقف في موضع سهل»، لكنه لا يقول إن يسوع ظل واقفًا طوال مدة التعليم، ولا يقول إنه لم يجلس عندما بدأ يعلّم التلاميذ. لذلك لا يجوز أن نضيف إلى النص ما لا يقوله.

كذلك متى يقول إن يسوع جلس وعلّم، لكنه لا يقول إن يسوع لم يقف قبل ذلك أو بعده. إذن كل نص يذكر جزءًا من المشهد ولا ينفي الجزء الذي يذكره الآخر.

وهذه قاعدة مهمة في قراءة الأناجيل: ذكر تفصيل في رواية لا يعني نفي تفصيل آخر في رواية ثانية، إلا إذا كان هناك نفي صريح أو تعارض مباشر في نفس اللحظة والمعنى. وهذا غير موجود هنا.

خامسًا: اختلاف زاوية السرد لا يعني التناقض

متى يركز على المسيح المعلم الذي يجلس ويعلّم تلاميذه، وهو تصوير يتناسب مع جو الموعظة التعليمية. أما لوقا فيركز على المشهد الواسع: يسوع وسط الجموع، والناس يأتون ليسمعوا ويُشفوا، وقوة تخرج منه وتشفي الجميع.

لذلك قد يذكر متى وضعية الجلوس لأنها مرتبطة ببداية التعليم، بينما يذكر لوقا الوقوف لأنه مرتبط بالحركة وسط الجموع وخدمة الشفاء أو إعلان التعليم للجمهور الواسع. فكل إنجيلي يختار التفصيل الذي يخدم هدفه وسياقه.

سادسًا: حتى لو كانا يشيران إلى نفس المناسبة فلا يوجد تعارض غير قابل للحل

قد يرى بعض الدارسين أن متى ولوقا يتحدثان عن نفس الموعظة، وقد يرى آخرون أن يسوع علّم تعاليم متشابهة في أكثر من مناسبة. لكن حتى إذا افترضنا أنهما يتحدثان عن نفس الحدث، فلا توجد مشكلة حقيقية.

لأن الإنسان يمكن أن يكون واقفًا في مرحلة من الحدث وجالسًا في مرحلة أخرى. والنص لا يفرض أن الوقوف والجلوس حدثا في اللحظة نفسها. لذلك لا يوجد تعارض غير قابل للتوفيق بين الروايتين.

سابعًا: مثال بسيط يوضح الأمر

يمكن أن نقول عن محاضر: «وقف أمام القاعة واستقبل الطلاب»، ثم يقول شخص آخر: «جلس على المنصة وبدأ المحاضرة». لا يوجد تناقض، لأن الأول يصف مرحلة من الحدث، والثاني يصف مرحلة أخرى. كذلك يمكن أن يقول أحدهم: «وقف الخطيب أمام الجمهور»، بينما يقول آخر: «جلس وشرح لتلاميذه»، بحسب أي جزء من المشهد يريد كل شاهد أن يبرزه.

بنفس الطريقة، لوقا يذكر وقوف المسيح في الموضع السهل وسط الجموع، ومتى يذكر جلوسه للتعليم عندما اقترب إليه تلاميذه.

ثامنًا: ما الذي يريد كل إنجيل أن يبرزه؟

متى يبرز المسيح المعلم

في متى، صورة المسيح وهو يجلس ويعلّم تلاميذه تحمل طابعًا تعليميًا واضحًا. فهو يعلن مبادئ الملكوت، ويظهر كالمعلم صاحب السلطان، الذي يفتح فاه ويعلّم.

لوقا يبرز المسيح وسط الجموع

في لوقا، المشهد أوسع وأكثر حيوية: جمع من التلاميذ، وجمهور كثير، ومرضى، ومعذبون من أرواح نجسة، وجموع تطلب أن تلمسه. لذلك يذكر لوقا وقوف يسوع في موضع سهل وسط هذا المشهد الخدمي العام.

الصورتان لا تتعارضان، بل تكمل إحداهما الأخرى: المسيح هو المعلم، وهو أيضًا الشافي والخادم وسط الجموع.

هل يوجد تناقض حقيقي؟

لا يوجد تناقض حقيقي. التناقض يتطلب أن يقول متى إن يسوع كان جالسًا في نفس اللحظة التي يقول فيها لوقا إنه كان واقفًا، مع استحالة الجمع بين الوصفين. لكن النصين لا يحددان نفس اللحظة بهذه الطريقة.

الأرجح أن الوقوف والجلوس حدثا في مرحلتين مختلفتين من نفس المناسبة: ربما وقف يسوع وسط الجموع للشفاء أو لإسماع الجمهور، وجلس عندما بدأ يعلّم تلاميذه. أو جلس أولًا للتلاميذ، ثم وقف بعد تجمع الجموع. وفي كلتا الحالتين، لا يوجد اختلاف جوهري بين الروايتين.

الخلاصة

لم يتناقض لوقا ومتى في وصف وضعية المسيح أثناء الموعظة. لوقا يذكر أن يسوع وقف في موضع سهل، وهو وصف قد يخص مرحلة تجمع الجموع والشفاء أو الإعداد للتعليم. أما متى فيذكر أنه جلس وعلّم تلاميذه، وهو وصف يناسب لحظة التعليم نفسها أو بدايته.

ومن الطبيعي أن يتغير وضع المتكلم خلال حدث واحد، خاصة عندما يكون هناك تلاميذ قريبون وجمهور كبير جاء ليسمع ويُشفى. لذلك فقول لوقا إن المسيح وقف، وقول متى إنه جلس، لا يمثلان تناقضًا، بل تفصيلين مختلفين يمكن أن ينتميا إلى مراحل مختلفة من نفس الحدث.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 388. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل علّم المسيح الجموع واقفًا أم جالسًا؟ الرد على شبهة لوقا 6: 17 ومتى 5: 1-2 حول وضعية المسيح أثناء الموعظة

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة