القائمة إغلاق

لماذا تختلف التطويبات في لوقا عن متى؟

لماذا تختلف التطويبات في لوقا عن متى؟

الرد على شبهة لوقا 6: 20 ومتى 5: 3 بين “المساكين” و“المساكين بالروح”

لماذا تختلف التطويبات في لوقا عن متى؟
لماذا تختلف التطويبات في لوقا عن متى؟

تُثار شبهة حول اختلاف صياغة التطويبة الأولى بين إنجيل لوقا وإنجيل متى. ففي لوقا يقول المسيح: «طوباكم أيها المساكين»، بينما في متى يقول: «طوبى للمساكين بالروح». ومن هنا يسأل البعض: هل كان المسيح يتكلم عن الفقر المادي كما في لوقا، أم عن الفقر الروحي كما في متى؟ وهل يوجد تناقض بين الروايتين؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فإما أن يكون المسيح قد قال تعاليم متشابهة في مناسبتين مختلفتين، أو، وهو الأرجح عند كثيرين، أن متى ولوقا يقدمان نفس الموعظة مع اختلاف في الاختصار والتركيز. لوقا يختصر ويركز على واقع الفقراء الذين يتقبلون رسالة الملكوت، بينما متى يوضح البعد الداخلي الأعمق: الفقر بالروح، أي الاتضاع والشعور بالاحتياج إلى الله. والفقر المادي لا يُستبعد من كلام متى، كما أن الفقر الروحي لا يُلغى من كلام لوقا.

موضع الإشكال

يقول لوقا:

«وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ.»

لوقا 6: 20

أما متى فيقول:

«طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.»

متى 5: 3

فيبدو أن لوقا يتكلم عن الفقراء ماديًا، بينما متى يتكلم عن المتضعين روحيًا. فهل هذا اختلاف في المعنى؟ وهل أحدهما غيّر كلام المسيح؟

أولًا: قد يكون الحديث عن مناسبتين مختلفتين

يرى بعض الدارسين أن الاختلاف بين لوقا ومتى قد يرجع إلى أن المسيح قال هذه التعاليم في مناسبتين مختلفتين. وهذا ليس أمرًا غريبًا، لأن المعلم قد يكرر نفس التعليم الأساسي أكثر من مرة لجماهير مختلفة، مع اختلافات في الصياغة بحسب المناسبة والحضور.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى عدة ملاحظات. فمتى يذكر أن يسوع صعد إلى الجبل وجلس، وأن تلاميذه تقدموا إليه:

«وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفَتَحَ فَاهُ وَعَلَّمَهُمْ قَائِلاً.»

متى 5: 1-2

أما لوقا فيذكر أن يسوع وقف في موضع سهل، وكان معه جمع من تلاميذه وجمهور كثير:

«وَنَزَلَ مَعَهُمْ وَوَقَفَ فِي مَوْضِعٍ سَهْل، هُوَ وَجَمْعٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ مِنْ جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ وَسَاحِلِ صُورَ وَصَيْدَا.»

لوقا 6: 17

كما أن رواية لوقا أقصر بكثير من رواية متى. لذلك رأى البعض أن متى يسجل موعظة، ولوقا يسجل موعظة أخرى مشابهة في مضمونها. ولو كان الأمر كذلك، فلا توجد أي مشكلة؛ لأن المسيح قد يطوّب الفقراء في مناسبة، ويطوّب المساكين بالروح في مناسبة أخرى.

ثانيًا: الأرجح أن متى ولوقا يقدمان نفس الموعظة من زاويتين مختلفتين

مع ذلك، يرى كثيرون أن متى ولوقا يشيران غالبًا إلى نفس المناسبة أو إلى نفس التعليم العام، لا إلى حدثين منفصلين تمامًا. والسبب أن التشابه بين الروايتين كبير: كلاهما يضع الموعظة في نفس المنطقة الجغرافية العامة، وكلاهما يذكر تلاميذ وجموعًا، وكلاهما يحتوي على أقوال متشابهة جدًا، وكلاهما يأتي بعد خدمة شفاء، وبعد الموعظة يظهر انتقال يسوع إلى كفرناحوم.

حتى في لوقا، مع أنه يقول إن يسوع رفع عينيه إلى تلاميذه، إلا أنه لا يحصر كلامه في التلاميذ وحدهم، لأن لوقا يقول بعد انتهاء التعليم:

«وَلَمَّا أَكْمَلَ أَقْوَالَهُ كُلَّهَا فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، دَخَلَ كَفْرَنَاحُومَ.»

لوقا 7: 1

وهذا يوضح أن أقواله، مع أنها وُجهت بتركيز إلى التلاميذ، كانت أيضًا في مسامع الشعب. وهذا ينسجم مع متى الذي يذكر الجموع والتلاميذ في إطار الموعظة.

ثالثًا: لوقا يختصر أكثر من متى

أحد أهم أسباب الاختلاف أن رواية لوقا أقصر من رواية متى. فمتى يقدم الموعظة بصورة أوسع، بينما يختصر لوقا ويختار منها ما يخدم غرضه اللاهوتي والإنجيلي.

وهذا أمر طبيعي في كتابة الأناجيل. فكل إنجيلي لا يسجل كل كلمة قالها المسيح حرفيًا، بل يختار ويختصر ويرتب بحسب هدفه، مع الحفاظ على المعنى الحقيقي للتعليم. والاختصار لا يعني التحريف.

فقد يكون المسيح قال في الموعظة كلامًا أوسع من الصيغتين المسجلتين في متى ولوقا. متى اختار أن يسجل الصياغة التي تبرز الفقر بالروح، ولوقا اختار صياغة أكثر مباشرة تناسب تركيزه على الفقراء والمحتاجين.

رابعًا: المسيح ربما قال أكثر مما سجله أي من الإنجيليين

من غير المنطقي أن نتصور أن موعظة المسيح كلها كانت فقط الكلمات المسجلة في متى أو لوقا. الأرجح أن المسيح قال أكثر مما دوّنه كل إنجيلي، وأن كل واحد اختار من المادة التعليمية ما يناسب غرضه وسياقه.

يوحنا يذكر مبدأ عامًا مهمًا عن كثرة أعمال المسيح وأقواله غير المدونة:

«وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ.»

يوحنا 20: 30

ويقول أيضًا في نهاية إنجيله:

«وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ.»

يوحنا 21: 25

فالأناجيل ليست تسجيلًا صوتيًا كاملًا لكل كلمة، بل شهادة أمينة تختار من أقوال وأعمال المسيح ما يعلن شخصه ورسالته. لذلك لا عجب أن يبرز متى جانبًا، ويبرز لوقا جانبًا آخر.

خامسًا: لوقا يركز على الفقراء والمحتاجين

إنجيل لوقا يولي اهتمامًا واضحًا بالفقراء والمحتاجين والمهمشين، ويبرز كثيرًا أن رسالة المسيح تحمل تعزية ورجاءً لمن لا يملكون سندًا في العالم. لذلك ليس غريبًا أن يسجل التطويبة بصيغة مباشرة: «طوباكم أيها المساكين».

وهذا لا يعني أن الفقر المادي بذاته يخلّص الإنسان، ولا أن كل فقير تلقائيًا من أهل الملكوت. بل المعنى أن الفقراء الذين يقبلون رسالة المسيح، والذين لا يتكلون على غناهم أو قوتهم، يجدون في ملكوت الله الغنى الحقيقي.

وهذا ينسجم مع اهتمام لوقا بالفقراء منذ بداية الإنجيل، في كلمات مريم:

«أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ، وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ.»

لوقا 1: 53

وكذلك في قراءة المسيح لإشعياء:

«رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ.»

لوقا 4: 18

سادسًا: متى يوضح البعد الداخلي للفقر

أما متى فيقول: «المساكين بالروح». وهذا يوضح أن المقصود ليس الفقر المادي وحده، بل حالة روحية داخلية: الاتضاع، وانكسار الكبرياء، والاعتراف بالاحتياج الكامل إلى نعمة الله.

المسكين بالروح هو الإنسان الذي لا يقف أمام الله متكلًا على بره الذاتي أو مكانته أو غناه أو قدرته، بل يأتي كمن يعرف أنه محتاج إلى رحمة الله. وهذا المعنى حاضر بقوة في تعليم الكتاب كله:

«اَلرَّبُّ قَرِيبٌ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ.»

مزمور 34: 18

«ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ.»

مزمور 51: 17

فمتى لا يلغي واقع الفقر المادي، لكنه يوضح أن البركة المقصودة تتعلق أساسًا بالموقف الداخلي أمام الله.

سابعًا: الفقر المادي والفقر الروحي ليسا متناقضين

الشبهة تفترض أن الفقر في لوقا والفقر بالروح في متى ضدان، لكنهما ليسا كذلك. الفقر المادي قد يساعد الإنسان أحيانًا على إدراك احتياجه إلى الله، بينما الغنى قد يغري الإنسان بالاكتفاء الذاتي والكبرياء. لذلك يربط الكتاب كثيرًا بين اتضاع الفقراء وخطر الاتكال على الغنى.

لكن هذا لا يعني أن كل فقير متضع بالضرورة، ولا أن كل غني متكبر بالضرورة. فالكتاب يدعو الجميع، فقراء وأغنياء، إلى فقر الروح أمام الله. لكن لوقا يبرز أن رسالة الملكوت تأتي كخبر سار للمساكين، ومتى يبرز أن البركة تخص الذين يدركون فقرهم الروحي أمام الله.

بهذا لا يتناقض النصان، بل يتكاملان: لوقا يبرز الجانب الاجتماعي والواقعي للفقير المستعد لقبول الملكوت، ومتى يبرز الجانب الروحي الداخلي الذي ينبغي أن يكون في كل من يدخل الملكوت.

ثامنًا: تحذير الكتاب من الغنى يوضح خلفية كلام لوقا

لوقا نفسه يبرز في مواضع أخرى خطورة الغنى عندما يقود الإنسان إلى القساوة والاكتفاء الذاتي. في قصة الغني ولعازر، نرى تباينًا حادًا بين الغني المتنعم والفقير المطروح عند بابه:

«كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ وَكَانَ يَلْبَسُ الأَرْجُوانَ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا. وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ.»

لوقا 16: 19-20

وكذلك يوصي بولس الأغنياء ألا يتكلوا على غناهم:

«أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أَنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَيِّ الَّذِي يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنىً لِلتَّمَتُّعِ.»

1 تيموثاوس 6: 17

هذا يوضح أن لوقا عندما يقول «طوباكم أيها المساكين» لا يقدم عقيدة خلاص بالفقر المادي، بل يضع الفقر في سياق خطر الغنى والاتكال على الذات، ويفتح الباب لفهم أعمق يكمله متى بعبارة «المساكين بالروح».

تاسعًا: متى لا يستبعد الفقر المادي، ولوقا لا يستبعد الفقر الروحي

من المهم ألا نضع متى ولوقا في مواجهة مصطنعة. متى لا يقول إن الفقراء ماديًا خارج اهتمام المسيح، ولوقا لا يقول إن الفقر المادي وحده يكفي دون توبة واتضاع وإيمان.

متى يشرح طبيعة الفقر الذي يملك الملكوت: الفقر بالروح. ولوقا يبرز أن المساكين الذين لا يملكون شيئًا في هذا العالم، والذين يأتون إلى المسيح، لهم بشارة الملكوت. فكل إنجيل يسلط الضوء على جانب حقيقي من تعليم المسيح.

لذلك لا ينبغي أن نسأل: أيهما الصحيح؟ بل نسأل: كيف يكمل أحدهما الآخر؟ والجواب أن ملكوت الله يُعطى لمن يأتون إلى الله بفقر روحي، وكثيرًا ما يكون الفقراء والمهمشون أكثر استعدادًا لسماع هذه البشارة من المتكلين على غناهم وقوتهم.

هل يوجد تناقض حقيقي؟

لا يوجد تناقض حقيقي. التناقض يتطلب أن يقول أحد النصين إن البركة تخص الفقراء روحيًا فقط ولا علاقة لها بالفقراء ماديًا، ويقول الآخر عكس ذلك بنفس المعنى. لكن هذا غير موجود. لوقا يختصر ويركز على الفقراء، ومتى يوضح البعد الروحي للبركة.

كما أن احتمال أن المسيح قال تعليمًا أوسع من الصيغتين، أو كرر نفس التعليم في أكثر من مناسبة، يجعل الاعتراض أضعف. فاختلاف الصياغة لا يعني اختلاف الحق، بل قد يكون نتيجة الاختصار والاختيار والتركيز اللاهوتي لكل إنجيلي.

الخلاصة

لا يوجد تناقض بين قول لوقا: «طوباكم أيها المساكين» وقول متى: «طوبى للمساكين بالروح». فقد يكون المسيح قال تعاليم متشابهة في مناسبتين، أو قال في مناسبة واحدة كلامًا أوسع اختار كل إنجيلي منه ما يناسب هدفه. لوقا يركز على الفقراء الذين يتقبلون بشارة الملكوت، ومتى يوضح أن البركة في جوهرها تخص الفقر الروحي، أي الاتضاع والاحتياج إلى الله.

إذن لوقا لا يعلّم أن الفقر المادي وحده يخلّص، ومتى لا ينكر اهتمام المسيح بالفقراء. بل الروايتان تتكاملان لتعلنا أن ملكوت الله يُعطى للذين لا يتكلون على ذواتهم أو غناهم، بل يأتون إلى الله بفقر واتضاع وإيمان.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 388. Victor Books: Wheaton, Ill.

لماذا تختلف التطويبات في لوقا عن متى؟ الرد على شبهة لوقا 6: 20 ومتى 5: 3 بين “المساكين” و“المساكين بالروح”

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة