هل السمعة الحسنة بركة أم أن مدح الناس قد يكون خطرًا؟
الرد على شبهة لوقا 6: 26 وجامعة 7: 1 وأمثال 22: 1 حول الاسم الحسن وكلام الناس

تُثار شبهة حول كلام الرب يسوع في إنجيل لوقا عن خطورة أن يتكلم جميع الناس حسنًا عن الإنسان، مقارنة بما يقوله سفر الجامعة وسفر الأمثال عن قيمة الاسم الحسن. فإذا كان الكتاب يعلّم أن الاسم الصالح أفضل من الغنى والطيب الثمين، فلماذا يقول المسيح: «ويل لكم إذا قال فيكم جميع الناس حسنًا»؟ وهل السمعة الطيبة بركة أم لعنة؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فالاسم الحسن في الكتاب المقدس لا يعني أن يمدحك كل الناس بلا استثناء، بل يعني أن تكون حياتك مستقيمة أمام الله والناس الصالحين. أما تحذير المسيح في لوقا فهو من مدح الناس الناتج عن مسايرة الباطل والتنازل عن الحق طلبًا للشعبية. فمدح الأبرار بركة، أما تصفيق محبي الرياء ومسايري الشر فقد يكون علامة خطر روحي.
موضع الإشكال
يقول المسيح في إنجيل لوقا:
«وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا! لأَنَّهُ هكَذَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ.»
لوقا 6: 26
وفي نفس السياق، يعلن المسيح أن تلاميذه قد يُبغضون ويُطردون ويُعيَّرون بسبب تمسكهم به:
«طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ. اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا، فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاءِ. لأَنَّ آبَاءَهُمْ هكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ.»
لوقا 6: 22-23
لكن سفر الجامعة يقول:
«اَلصِّيتُ خَيْرٌ مِنَ الدُّهْنِ الطَّيِّبِ، وَيَوْمُ الْمَمَاتِ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْوِلاَدَةِ.»
جامعة 7: 1
ويقول سفر الأمثال:
«الصِّيتُ أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى الْعَظِيمِ، وَالنِّعْمَةُ الصَّالِحَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ.»
أمثال 22: 1
فهل يمدح الكتاب الاسم الحسن، أم يحذر من أن يتكلم الناس حسنًا عن المؤمن؟
أولًا: الاسم الحسن لا يعني أن يمدحك كل الناس
الخطأ الأساسي في الشبهة هو مساواة “الاسم الحسن” بمدح كل الناس. لكن الكتاب لا يعلّم أن الإنسان البار لا بد أن يرضى عنه الجميع. فالاسم الحسن يعني حياة مستقيمة وشهادة صادقة وسمعة مبنية على البر والأمانة، لا شعبية سطحية عند كل الفئات.
قد يكون الإنسان صاحب اسم صالح أمام الله وأمام الأبرار، ومع ذلك يكرهه الأشرار أو يشوهون سمعته. لذلك لا ينبغي أن نخلط بين “السمعة الصالحة” وبين “رضا الجميع”. فالأنبياء كان لهم اسم حسن أمام الله، لكن كثيرين اضطهدوهم ورفضوهم.
ثانيًا: أعظم اسم مبارك هو اسم المسيح، ومع ذلك جُدِّف عليه
من أوضح الأدلة أن الاسم الحسن لا يعني مدح الجميع أن الرب يسوع نفسه، وهو القدوس الكامل، لم يتكلم عنه الجميع حسنًا. بل اتهمه أعداؤه زورًا، ورفضوه، وجدّفوا عليه، مع أنه بلا خطية.
قال المسيح لتلاميذه:
«إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ.»
يوحنا 15: 18
وقال أيضًا:
«لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَلاَ الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَالْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ الْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ!»
متى 10: 24-25
فلو كان مديح جميع الناس دليلًا لازمًا على الاسم الحسن، لكان المسيح نفسه قد فقد هذا المعيار، وهذا مستحيل. لذلك فالمعيار الكتابي ليس أن يرضى عنك الجميع، بل أن تكون أمينًا لله حتى إذا رفضك العالم.
ثالثًا: المسيح لا يذم السمعة الصالحة بل يذم الشعبية على حساب الحق
كلام المسيح في لوقا 6: 26 لا يعني أن السمعة الحسنة شر، ولا أن المؤمن ينبغي أن يسعى لكي يكرهه الناس. بل يحذر المسيح من حالة أخطر: أن يرضى عنك الجميع لأنك تسايرهم في باطلهم، ولا تشهد للحق، ولا تدفع ثمن الأمانة.
قال المسيح:
«وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا! لأَنَّهُ هكَذَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ.»
لوقا 6: 26
المقارنة هنا ليست بين السمعة الحسنة والسمعة السيئة، بل بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة. فالأنبياء الكذبة كانوا غالبًا يقولون ما يرضي الناس، لذلك نالوا مديح الجماهير. أما الأنبياء الحقيقيون فشهدوا للحق، ولذلك اضطُهدوا.
رابعًا: مدح الناس ليس دائمًا علامة بركة
مدح الناس قد يكون بركة إذا جاء نتيجة الأمانة والبر والرحمة والاستقامة. لكنه قد يكون خطرًا إذا جاء نتيجة التنازل عن المبادئ. فالإنسان قد ينال تصفيق الناس لأنه صادق وأمين، وقد ينال تصفيقهم لأنه يساير رغباتهم وشهواتهم.
ولهذا يحذر الكتاب من طلب مجد الناس بدل مجد الله:
«كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟»
يوحنا 5: 44
ويقول بولس:
«أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ.»
غلاطية 1: 10
إذن المشكلة ليست في أن يتكلم الناس حسنًا عن المؤمن، بل في أن يعيش المؤمن لأجل هذا المديح، وأن يبيع الحق ليحصل عليه.
خامسًا: الاسم الحسن أمام الله يختلف عن الشهرة عند الناس
الكتاب يمدح الاسم الحسن، لكنه لا يساويه بالشهرة أو الشعبية. الاسم الحسن هو ثمرة الأمانة والبر. أما الشهرة فقد تأتي من الرياء أو المجاملة أو مسايرة روح العصر.
لذلك يمكن أن يكون للإنسان اسم حسن عند الله، بينما يهاجمه الناس بسبب الحق. ويمكن أن يكون له اسم عظيم عند الناس، بينما يكون مرفوضًا روحيًا لأنه يرضيهم على حساب الله.
ومن هنا نفهم قول الأمثال:
«الصِّيتُ أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى الْعَظِيمِ، وَالنِّعْمَةُ الصَّالِحَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ.»
أمثال 22: 1
هذا لا يدعو الإنسان إلى شراء مديح الناس بأي ثمن، بل إلى أن تكون سيرته صالحة، وضميره مستقيمًا، وحياته جديرة بالاحترام الحقيقي.
سادسًا: الأبرار قد يمدحون البار بينما الأشرار يرفضونه
الفرق المهم هو: من الذي يمدح؟ ولماذا يمدح؟ فالاعتراف الصالح من الأبرار بركة، أما مديح الذين يضحون بالمبدأ لأجل الشعبية فقد يكون علامة خطر.
يقول الكتاب:
«ذِكْرُ الصِّدِّيقِ لِلْبَرَكَةِ، وَاسْمُ الأَشْرَارِ يَنْخَرُ.»
أمثال 10: 7
فالكتاب لا يرفض أن يكون للصديق ذكر حسن، بل يبارك ذكره. لكن هذا الذكر الحسن لا يعني أن الأشرار لن يقاوموه. فقد يكون الصديق مباركًا في نظر الله والمؤمنين، ومبغوضًا في نظر الذين يرفضون الحق.
سابعًا: المسيح أمرنا أن نفرح عندما نُعيَّر لأجل الحق لا لأجل أخطائنا
ينبغي أيضًا أن نفهم أن المسيح لا يطوّب الإنسان لمجرد أن الناس يتكلمون عليه بالسوء. فقد يتكلم الناس بالسوء عن إنسان لأنه فعل الشر أو تصرف بحماقة. هذا ليس سببًا للفرح.
المسيح يطوّب الذين يُرفضون «من أجل ابن الإنسان»:
«طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ.»
لوقا 6: 22
وهذا ينسجم مع كلام بطرس:
«فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ.»
1 بطرس 4: 15-16
إذن الفرح ليس في الشتيمة ذاتها، بل في الأمانة للمسيح التي قد تجلب الرفض من العالم.
ثامنًا: لماذا شبّه المسيح مدح الجميع بالأنبياء الكذبة؟
الأنبياء الكذبة كانوا غالبًا يطمئنون الناس بكلام لا يواجه خطيتهم. كانوا يقدمون رسالة محبوبة لأنها لا تدعو إلى توبة حقيقية. لذلك كان الناس يميلون إلى مدحهم وقبولهم.
أما النبي الحقيقي فكان يعلن كلمة الله حتى لو أزعجت السامعين. لذلك كثيرًا ما تعرض الأنبياء الحقيقيون للرفض والاضطهاد، لا لأنهم بلا اسم حسن، بل لأنهم أمناء للحق.
من هنا يكون تحذير المسيح واضحًا: إذا كان الجميع، بلا استثناء، يمدحونك لأنك لا تقول شيئًا يزعج الخطية ولا تشهد للحق، فهذه ليست علامة بركة بل علامة خطر.
تاسعًا: كيف يجمع المؤمن بين الاسم الحسن واحتمال الرفض؟
المؤمن مدعو أن يعيش حياة صالحة، محترمة، أمينة، بلا عثرة، وأن يسعى أن يكون له ضمير صالح وشهادة حسنة. لكنه ليس مدعوًا أن يجعل رضا الناس هدفه الأعلى.
يقول بطرس:
«وَأَنْ تَكُونَ لَكُمْ سِيرَةٌ حَسَنَةٌ بَيْنَ الأُمَمِ، لِكَيْ يَكُونُوا فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ فِي يَوْمِ الافْتِقَادِ، مِنْ أَجْلِ أَعْمَالِكُمُ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُلاَحِظُونَهَا.»
1 بطرس 2: 12
لاحظ التوازن: قد يفترون عليهم كفاعلي شر، ومع ذلك تكون لهم سيرة حسنة. هذا يثبت أن الافتراء لا ينفي الاسم الحسن، وأن السمعة الصالحة أمام الله لا تمنع وجود مقاومة أو تشويه من الناس.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض. جامعة 7: 1 وأمثال 22: 1 يعلّمان قيمة الاسم الحسن، أي الحياة المستقيمة والشهادة الصالحة. أما لوقا 6: 26 فيحذر من رضا الجميع ومديحهم عندما يكون هذا المديح نتيجة التنازل عن الحق والسير في طريق الأنبياء الكذبة.
فالاسم الحسن بركة عندما يكون مبنيًا على الحق والبر، لكن مديح كل الناس قد يكون لعنة إذا جاء بسبب مسايرة الشر وطلب الشعبية. لذلك لا يتعارض تعليم سليمان مع تعليم المسيح، بل يكمل أحدهما الآخر.
الخلاصة
الاسم الحسن بركة عظيمة، وهو أفضل من الغنى والطيب الثمين، كما يقول سفر الجامعة والأمثال. لكن الاسم الحسن لا يعني أن يمدحك كل الناس، ولا أن ترضي الجميع على حساب الحق. فقد كان المسيح نفسه أعظم من حمل اسمًا مباركًا، ومع ذلك جدّف عليه أعداؤه ورفضوه.
لذلك حذر المسيح من أن يتكلم جميع الناس حسنًا عن الإنسان عندما يكون هذا نتيجة التنازل عن المبادئ وطلب الشعبية، كما حدث مع الأنبياء الكذبة. أما الاعتراف الصالح من الأبرار، والسيرة الحسنة أمام الله، فهما بركة حقيقية. فمدح الجماهير المسايرة للباطل خطر، أما الاسم الصالح المبني على الحق فهو عطية مباركة.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 389. Victor Books: Wheaton, Ill.