القائمة إغلاق

هل ناقض المسيح نفسه في قوله: من ليس ضدنا فهو معنا؟

هل ناقض المسيح نفسه في قوله: من ليس ضدنا فهو معنا؟

الرد على شبهة لوقا 9: 50 ولوقا 11: 23 بين من يعمل باسم المسيح ومن يقاوم عمله

هل ناقض المسيح نفسه في قوله: من ليس ضدنا فهو معنا؟
هل ناقض المسيح نفسه في قوله: من ليس ضدنا فهو معنا؟

تُثار شبهة حول قولين للرب يسوع في إنجيل لوقا. ففي موضع يقول: «مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا»، بينما في موضع آخر يقول: «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ». فيسأل البعض: هل هذان القولان متناقضان؟ هل الإنسان المحايد يُحسب مع المسيح أم ضده؟ وكيف نفهم الفرق بين النصين؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض، لأن النصين يتكلمان عن موقفين مختلفين وسياقين مختلفين. في لوقا 9 كان الحديث عن شخص يعمل عملًا صالحًا باسم المسيح، رغم أنه لم يكن من الاثني عشر. أما في لوقا 11 فالحديث عن قوم قاوموا عمل المسيح واتهموه بأنه يخرج الشياطين ببعلزبول. فالأول لم يكن ضد المسيح بل كان يعمل باسمه، أما الآخرون فكانوا يقاومون المسيح وينسبون عمل الله إلى الشيطان.

موضع الإشكال

يقول لوقا في الإصحاح التاسع إن يوحنا رأى إنسانًا يخرج الشياطين باسم المسيح، فمنعه لأنه لم يكن يتبع جماعة التلاميذ الاثني عشر:

«فَأَجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِكَ، فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُ مَعَنَا. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ تَمْنَعُوهُ، لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا.»

لوقا 9: 49-50

لكن في لوقا 11 يقول المسيح:

«مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.»

لوقا 11: 23

فالشبهة تقول: في النص الأول يبدو أن من ليس ضد المسيح فهو معه، وفي النص الثاني يبدو أن من ليس معه فهو ضده. فكيف يجتمع القولان؟

أولًا: توجد مسألة نصية وترجمية في لوقا 9: 50

أول ما ينبغي الانتباه إليه أن بعض الترجمات القديمة، مثل ترجمة الملك جيمس الإنجليزية، ترجمت العبارة بمعنى «من ليس ضدنا فهو معنا»، لكن القراءة الأدق في كثير من الشواهد اليونانية هي: «من ليس ضدكم فهو معكم». والمعنى هنا يصبح أوضح: المسيح يوجه التلاميذ ألا يمنعوا إنسانًا لا يقاومهم، بل يعمل باسم المسيح.

ومع ذلك، حتى لو تُرجمت العبارة: «من ليس علينا فهو معنا»، فلا تزال الشبهة غير قائمة، لأن السياق يحدد المقصود. فالمسيح لا يتكلم هنا عن شخص محايد أخلاقيًا أو رافض له في قلبه، بل عن شخص يعمل باسمه ويخرج الشياطين باسمه. هذا الشخص لا ينبغي أن يُعامل كعدو لمجرد أنه ليس من الدائرة القريبة للتلاميذ الاثني عشر.

ثانيًا: سياق لوقا 9 هو خدمة باسم المسيح لا مقاومة للمسيح

في لوقا 9، الشخص الذي أراد يوحنا منعه لم يكن يهاجم المسيح، ولم يكن ينسب عمل المسيح إلى الشيطان، ولم يكن يقاوم الإنجيل. بل كان يخرج الشياطين باسم المسيح:

«رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِكَ.»

لوقا 9: 49

هذا التعبير مهم جدًا: «باسمك». فالمشكلة عند يوحنا لم تكن أن الرجل ضد المسيح، بل أنه «ليس يتبع معنا»، أي ليس من جماعتهم المباشرة. لذلك علّم المسيح تلاميذه ألا يحصروا عمل الله في جماعتهم الصغيرة، ولا يمنعوا من يعملون باسمه لمجرد أنهم ليسوا ضمن الاثني عشر.

وهذا لا يعني أن كل إنسان خارج الجماعة الرسولية صحيح التعليم أو مقبول بلا تمييز، بل يعني أن هذا الرجل، في ذلك السياق، لم يكن ضد المسيح، بل كان يعمل عملًا يتم باسم المسيح. لذلك قال الرب: «لا تمنعوه».

ثالثًا: سياق لوقا 11 هو اتهام عمل المسيح بأنه من الشيطان

أما في لوقا 11 فالسياق مختلف تمامًا. هنا لا يتحدث المسيح عن شخص يخرج الشياطين باسمه، بل عن أناس رأوا المسيح نفسه يخرج شيطانًا، ثم اتهموه بأن قوته من بعلزبول رئيس الشياطين:

«وَكَانَ يُخْرِجُ شَيْطَانًا، وَكَانَ ذلِكَ أَخْرَسَ. فَلَمَّا أَخْرَجَ الشَّيْطَانَ تَكَلَّمَ الأَخْرَسُ، فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ. وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ.»

لوقا 11: 14-15

هذا ليس موقفًا محايدًا، بل مقاومة صريحة لعمل الله. فالذين قالوا هذا لم يكونوا مترددين فقط، بل نسبوا عمل المسيح إلى الشيطان. لذلك قال المسيح في هذا السياق:

«مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.»

لوقا 11: 23

المسيح هنا يعلن أنه لا توجد حيادية حقيقية عندما يقف الإنسان أمام عمل الله الظاهر في المسيح ثم يرفضه أو يجدف عليه. فإما أن يكون الإنسان مع عمل المسيح، أو يكون في موقف مقاومة له.

رابعًا: الفرق بين من يعمل باسم المسيح ومن ينسب عمل المسيح إلى الشيطان

المفتاح الأساسي لحل الشبهة هو التمييز بين الشخصين أو الفريقين في النصين:

في لوقا 9

الرجل كان يخرج الشياطين باسم المسيح. لم يكن ضمن جماعة التلاميذ المباشرة، لكنه لم يكن مقاومًا للمسيح. لذلك لا يصح منعه لمجرد أنه ليس من المجموعة القريبة.

في لوقا 11

القوم كانوا يرفضون عمل المسيح وينسبونه إلى بعلزبول. هؤلاء ليسوا محايدين، بل مقاومون. لذلك قال المسيح إن من ليس معه فهو عليه.

إذن النصان لا يقدمان مبدأين متناقضين، بل يطبّقان مبدأ التمييز الروحي على حالتين مختلفتين.

خامسًا: المسيح يرفض روح الاحتكار بين التلاميذ

في لوقا 9، كان يوحنا قد منع الرجل لأن «ليس يتبع معنا». وهذا يكشف عن ميل بشري إلى حصر العمل الروحي في الدائرة التي ننتمي إليها. لكن المسيح صحح هذا التفكير، وقال: «لا تمنعوه».

فالخدمة باسم المسيح لا تُقاس فقط بالانتماء الخارجي لجماعة معينة، بل بالاتجاه الحقيقي نحو المسيح وعمله. والرجل المذكور لم يكن ضد المسيح، لذلك لم يكن من حق التلاميذ أن يعاملوه كعدو.

وهذا يعلّمنا أن الغيرة المقدسة ينبغي ألا تتحول إلى ضيق أفق أو احتكار لعمل الله. فمن يعمل بالحق باسم المسيح لا ينبغي رفضه لمجرد أنه ليس من دائرتنا الخاصة.

سادسًا: المسيح يرفض الحياد الزائف أمام الحق

في المقابل، لوقا 11 يعلّم أن الإنسان لا يستطيع أن يقف موقفًا محايدًا أمام المسيح عندما يكون الحق واضحًا. فالذين رأوا المسيح يحرر إنسانًا من سلطان الشيطان ثم قالوا إن هذا العمل من بعلزبول لم يكونوا باحثين عن الحق، بل كانوا يقاومون الحق.

لذلك قال المسيح:

«وَإِنْ كُنْتُ بِإِصْبِعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ.»

لوقا 11: 20

فالمسألة هنا ليست مجرد اختلاف تنظيمي، بل موقف من ملكوت الله نفسه. من يرفض عمل المسيح وينسبه إلى الشيطان لا يمكن أن يُحسب معه.

سابعًا: لا يوجد تناقض لأن الحكم يختلف باختلاف السياق

قول المسيح في لوقا 9 مناسب لشخص يعمل باسم المسيح ولا يقاوم التلاميذ. أما قوله في لوقا 11 فمناسب لأناس يقاومون المسيح وينسبون عمله إلى بعلزبول. لذلك فاختلاف العبارة يرجع إلى اختلاف الموقف، لا إلى تناقض في تعليم المسيح.

يمكن توضيح الأمر بمثال بسيط: إذا كان شخص يساعد في عمل صالح لكنه ليس من فريقك المباشر، فلا تعامله كعدو. لكن إذا كان شخص يحارب أصل العمل ويشوّه مصدره، فهو ليس محايدًا بل مقاوم. هذا بالضبط هو الفرق بين لوقا 9 ولوقا 11.

ثامنًا: هل توجد حيادية تجاه المسيح؟

من جهة القرار النهائي تجاه المسيح، لا توجد حيادية حقيقية. فالإنسان إما أن يكون مع المسيح بالإيمان والطاعة، أو يكون ضده بالرفض والمقاومة. وهذا هو معنى لوقا 11: 23.

لكن من جهة التعامل مع أشخاص ليسوا ضمن دائرتنا المباشرة، ولا يقاومون المسيح بل يخدمون باسمه، لا ينبغي أن نسرع إلى اعتبارهم أعداء. وهذا هو معنى لوقا 9: 50.

إذن النص الأول يعلّم التلاميذ عدم منع من لا يقاومهم ويعمل باسم المسيح، والنص الثاني يعلّم أنه لا حياد أمام المسيح عندما يكون الإنسان في موقف رفض ومقاومة لعمله.

تاسعًا: وحدة المعنى اللاهوتي في النصين

في كلا النصين، المسيح يضع نفسه في المركز. ففي لوقا 9، العمل المقبول هو العمل «باسمك»، أي باسم المسيح. وفي لوقا 11، الموقف الحاسم هو: «من ليس معي». فالمعيار في النصين هو العلاقة بالمسيح نفسه.

من يعمل باسم المسيح ولا يقاوم عمله لا ينبغي رفضه. أما من يقاوم المسيح وينسب عمله إلى الشيطان، فهو ضده. لذلك فالنصان متكاملان: الأول يمنع التعصب الضيق، والثاني يمنع الحياد الزائف أمام الحق.

هل يوجد تناقض حقيقي؟

لا يوجد تناقض حقيقي. التناقض يتطلب أن يكون المسيح يتكلم عن نفس النوع من الأشخاص في نفس السياق وبنفس المعنى، ثم يعطي حكمين متعارضين. لكن هذا غير موجود.

في لوقا 9، الشخص كان يعمل باسم المسيح، ولذلك لم يكن ضد التلاميذ. في لوقا 11، القوم كانوا يقاومون عمل المسيح وينسبونه إلى بعلزبول. لذلك قال عنهم إن من ليس معه فهو عليه. فاختلاف الحكم سببه اختلاف الموقف.

الخلاصة

لم يناقض المسيح نفسه في لوقا 9: 50 ولوقا 11: 23. ففي لوقا 9 كان الحديث عن شخص يخرج الشياطين باسم المسيح، لكنه لم يكن من جماعة الاثني عشر، فأراد يوحنا منعه. فصحح المسيح فهم التلاميذ وقال لهم ألا يمنعوه، لأن من لا يقاومهم وهو يعمل باسم المسيح ليس عدوًا لهم.

أما في لوقا 11، فكان الحديث عن قوم رأوا المسيح يخرج شيطانًا، ثم نسبوا عمله إلى بعلزبول رئيس الشياطين. هؤلاء لم يكونوا محايدين، بل كانوا ضد المسيح وضد ملكوت الله. لذلك قال المسيح: «من ليس معي فهو عليّ». فالنصان لا يتناقضان، بل يعلّمان معًا أن المؤمن لا يحتكر عمل الله، وفي الوقت نفسه لا يقبل الحياد الزائف أمام شخص المسيح وعمله.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 390. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل ناقض المسيح نفسه في قوله: من ليس ضدنا فهو معنا؟ الرد على شبهة لوقا 9: 50 ولوقا 11: 23 بين من يعمل باسم المسيح ومن يقاوم عمله

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة