القائمة إغلاق

هل كل من يطلب الله يجده أم أن البعض يطلبونه ولا يجدونه؟

هل كل من يطلب الله يجده أم أن البعض يطلبونه ولا يجدونه؟

الرد على شبهة “اطلبوا تجدوا” ولوقا 13: 24 ويوحنا 7: 34

هل كل من يطلب الله يجده أم أن البعض يطلبونه ولا يجدونه؟
هل كل من يطلب الله يجده أم أن البعض يطلبونه ولا يجدونه؟

تُثار شبهة حول تعليم الكتاب المقدس عن طلب الله. فالرب يسوع يقول: «اطلبوا تجدوا»، ونصوص كثيرة تؤكد أن من يطلب الله يجده. لكن في مواضع أخرى يقول المسيح إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون، ويقول أيضًا: «ستطلبونني ولا تجدونني». فهل وعد الله أن كل من يطلبه سيجده؟ أم أن هناك من يطلبون الله ولا يجدونه؟ وهل يوجد تناقض بين هذه النصوص؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فالكتاب يعلّم أن كل من يطلب الله بصدق، في وقته، وبطريقته التي أعلنها، وبروح التوبة والاتكال على رحمته، يجده. أما الذين لا يجدون فهم إما يطلبون الله بطريقتهم الخاصة، أو يطلبونه بعد فوات الأوان، أو يأتون بندم بشري لا بتوبة حقيقية. فالوعد «اطلبوا تجدوا» ليس وعدًا لمن يطلب الله بشروطه هو، بل لمن يأتي إلى الله كما أعلن الله الطريق إليه.

موضع الإشكال

قال الرب يسوع:

«اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ.»

متى 7: 7

وهذا التعليم يتكرر في الكتاب المقدس بصور متعددة. فقد قال داود لسليمان:

«وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْرِفْ إِلهَ أَبِيكَ وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِل وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ، لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَارِ. فَإِذَا طَلَبْتَهُ يُوجَدْ مِنْكَ، وَإِذَا تَرَكْتَهُ يَرْفُضُكَ إِلَى الأَبَدِ.»

1 أخبار الأيام 28: 9

ويقول إشعياء:

«اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.»

إشعياء 55: 6

وقال بطرس في بيت كرنيليوس:

«بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ.»

أعمال الرسل 10: 35

لكن في المقابل، قال المسيح:

«اِجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ.»

لوقا 13: 24

وقال أيضًا لليهود:

«سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا.»

يوحنا 7: 34

فالسؤال هو: كيف يقول الكتاب إن من يطلب يجد، ثم يقول إن كثيرين سيطلبون ولا يقدرون؟

أولًا: كل من يطلب الله بصدق يجده

الكتاب المقدس واضح في أن الله لا يردّ من يطلبه بصدق واتضاع. فالله ليس راغبًا في هلاك الإنسان، بل يدعو الجميع إلى التوبة. يقول كاتب العبرانيين:

«وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ.»

العبرانيين 11: 6

ويقول بطرس:

«لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ.»

2 بطرس 3: 9

إذن الله لا يغلق الباب أمام التائب الصادق. المشكلة ليست في عدم استعداد الله أن يرحم، بل في نوع الطلب وطريقته ووقته وحالة القلب الذي يطلب.

ثانيًا: هناك من يطلبون الله بطريقتهم لا بطريقة الله

ليست كل محاولة دينية لطلب الله هي طلب صحيح. قد يطلب الإنسان الخلاص بطريقته الخاصة، معتمدًا على أعماله وبره الذاتي ومجهوده البشري، بدلًا من الاتكال على رحمة الله ونعمته.

لكن الكتاب يعلن بوضوح أن الخلاص ليس بأعمال البر التي صنعناها نحن، بل برحمة الله:

«لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا، بِغَسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.»

تيطس 3: 5

لذلك، من يطلب الله بطريق الأعمال الذاتية، رافضًا نعمة الله، لا يأتي فعليًا في الطريق الذي أعلنه الله. قد يبدو في الظاهر طالبًا لله، لكنه في الحقيقة يطلب الخلاص بشروطه هو.

ويحذر سفر الأمثال من هذا الطريق:

«تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ.»

أمثال 14: 12

فالطريق الذي يبدو صحيحًا للإنسان ليس بالضرورة طريق الله. من يطلب الله يجب أن يأتي إلى الله كما أعلن الله نفسه، لا كما يخترع الإنسان لنفسه.

ثالثًا: هناك من يطلبون بعد فوات الأوان

عندما يقول المسيح إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون، فهو يتكلم في سياق التحذير من فوات الفرصة. فالباب الضيق ينبغي الدخول منه الآن، لا بعد أن يُغلق الباب.

في نفس سياق لوقا 13 يقول الرب:

«مِنْ بَعْدِ مَا يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَابْتَدَأْتُمْ تَقِفُونَ خَارِجًا وَتَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، افْتَحْ لَنَا. يُجِيبُ وَيَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ!»

لوقا 13: 25

المشكلة هنا ليست أن الله رفض تائبًا جاء في الوقت المقبول، بل أن هناك من يؤجلون التوبة حتى يُغلق الباب. وبعد الموت لا توجد فرصة جديدة للخلاص:

«وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ.»

العبرانيين 9: 27

لذلك يقول إشعياء: «اطلبوا الرب ما دام يوجد». هذه العبارة نفسها تفترض وجود زمن للطلب، وأن التأجيل قد يقود إلى فوات الفرصة.

رابعًا: هناك فرق بين الندم والتوبة

ليس كل حزن على الخطية هو توبة خلاصية. قد يحزن الإنسان لأنه خسر، أو لأنه انكشف، أو لأنه يواجه نتائج خطيته، دون أن يرجع إلى الله بقلب منسحق طالبًا الرحمة. هذا هو الندم أو الحزن البشري، لا التوبة الحقيقية.

يقدم الكتاب مثالًا واضحًا في يهوذا. فقد ندم بعد أن أسلم المسيح، وقال:

«قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا.»

متى 27: 4

لكن هذا الندم لم يتحول إلى رجوع إيماني إلى الله، بل قاده إلى اليأس. لذلك يقول المسيح عن يهوذا في صلاته للآب:

«حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ.»

يوحنا 17: 12

أما بطرس، فقد أنكر المسيح، لكنه تاب ورجع. يقول لوقا:

«فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ، كَيْفَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا.»

لوقا 22: 61-62

الفرق بين يهوذا وبطرس ليس أن بطرس لم يخطئ، بل أن بطرس رجع بتوبة، أما يهوذا سقط في ندم يائس لم يأتِ به إلى رحمة الله.

خامسًا: من هم الذين يطلبون ويجدون؟ ومن هم الذين لا يجدون؟

يمكن تلخيص الفارق بين النوعين كما في المخطط التالي:

الذين يطلبون ويجدون الله الذين يطلبون ولا يجدون الله
الذين يأتون إلى الله بطريق الله الذين يأتون بطريقتهم الخاصة
الذين يأتون في الوقت المقبول الذين ينتظرون حتى يفوت الأوان
الذين يأتون بتوبة حقيقية الذين يأتون بندم فقط دون توبة

هذا يوضح أن الوعد لا ينطبق على كل صورة ظاهرية للطلب، بل على الطلب الصادق الذي يأتي إلى الله بشروط الله، في زمن النعمة، وبقلب تائب.

سادسًا: “ستطلبونني ولا تجدونني” لا تنقض وعد الله

قال المسيح لليهود:

«سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا.»

يوحنا 7: 34

هذا الكلام جاء في سياق رفضهم له. فالمسيح يحذرهم من أن استمرارهم في الرفض سيقود إلى وقت يطلبونه فيه ولا يجدونه، لا لأن الله يرفض التائب الحقيقي، بل لأنهم يرفضون النور الحاضر أمامهم حتى تفوت الفرصة.

فالطلب بعد رفض النعمة وتأجيل التوبة حتى يُغلق الباب ليس هو الطلب الذي وعد الله أن يستجيب له. هناك فرق بين من يطلب الله الآن بتوبة، ومن يبحث بعد أن رفض الدعوة وضيّع زمن الافتقاد.

سابعًا: لا يوجد إنسان يأتي إلى الله بتوبة في هذه الحياة ويرفضه الله

النتيجة الأساسية التي ينبغي التمسك بها هي أن كل من يأتي إلى الله في هذه الحياة بتوبة وإيمان، متكلًا على رحمته، لا يرفضه الله. قال المسيح:

«كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا.»

يوحنا 6: 37

هذا وعد عظيم. الله لا يغلق الباب أمام النفس التائبة. لكن الإنسان لا يملك أن يحدد طريق الخلاص من عنده، ولا أن يؤجل التوبة إلى ما بعد الموت، ولا أن يستبدل التوبة بندم عقيم.

ثامنًا: لماذا يطلب كثيرون ولا يقدرون؟

كلام المسيح في لوقا 13: 24 يعلّم جدية الدخول من الباب الضيق. «سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون» لأنهم لم يدخلوا حين كان الباب مفتوحًا، أو لأنهم حاولوا الدخول بطرقهم الذاتية، أو لأنهم اعتمدوا على معرفة خارجية سطحية دون توبة حقيقية.

في نفس السياق يقولون:

«أَكَلْنَا قُدَّامَكَ وَشَرِبْنَا، وَعَلَّمْتَ فِي شَوَارِعِنَا.»

لوقا 13: 26

لكن الرب يجيب:

«أَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ. تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الظُّلْمِ.»

لوقا 13: 27

إذن المشكلة ليست في قلة المعلومات الدينية أو القرب الخارجي من المسيح، بل في غياب التوبة والطاعة والإيمان الحقيقي.

تاسعًا: الطلب الحقيقي يتضمن التوبة والرحمة والإيمان

الكتاب لا يقدّم طلب الله كفضول ديني أو محاولة فكرية باردة فقط، بل كرجوع القلب إلى الله. لذلك يقول إشعياء بعد دعوة طلب الرب:

«لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ.»

إشعياء 55: 7

هذا هو الطلب الذي يجد: ترك طريق الشر، الرجوع إلى الرب، الاتكال على رحمته، وقبول غفرانه. أما من يطلب الله مع الإصرار على طريقه الخاص، فهو لا يطلب الله كما أعلن الله.

هل يوجد تناقض حقيقي؟

لا يوجد تناقض. النصوص التي تقول «اطلبوا تجدوا» تتكلم عن الطلب الصادق لله، بحسب طريق الله، في زمن النعمة، بروح التوبة والإيمان. أما النصوص التي تقول إن البعض سيطلبون ولا يجدون، فتتكلم عن طلب متأخر، أو طلب على أساس الأعمال والطريق الذاتي، أو طلب بلا توبة حقيقية.

فالتناقض الحقيقي يتطلب أن يقول الكتاب إن الشخص نفسه، في نفس الحالة، يطلب الله بتوبة حقيقية في الوقت المقبول، ثم يرفضه الله. وهذا غير موجود. بل على العكس، الكتاب يقول: «من يقبل إليّ لا أخرجه خارجًا».

الخلاصة

كل من يطلب الله بصدق يجده، لأن الله يكافئ الذين يطلبونه، ولا يشاء أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة. لكن ليس كل من يقول إنه يطلب الله يطلبه بالطريقة الصحيحة. فهناك من يطلبون الله بطريقهم الخاص وبأعمالهم، وهناك من يؤجلون الطلب حتى يفوت الأوان، وهناك من يكتفون بالندم دون التوبة.

لذلك، لا تناقض بين «اطلبوا تجدوا» وبين «كثيرون سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون». الأول وعد للتائبين الطالبين الله بحسب نعمته، والثاني تحذير للذين يرفضون طريق الله أو يؤجلون التوبة أو يعتمدون على قرب خارجي بلا تغيير حقيقي في القلب.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 391. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل كل من يطلب الله يجده أم أن البعض يطلبونه ولا يجدونه؟ الرد على شبهة “اطلبوا تجدوا” ولوقا 13: 24 ويوحنا 7: 34

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة