هل المعجزات تثبت أن رسالة المسيح من الله؟
الرد على شبهة لوقا 16: 31 ويوحنا 12: 37 بين الدليل والإقناع

تُثار شبهة حول دور المعجزات في إثبات رسالة المسيح الإلهية. فمن جهة، يعلّم الكتاب المقدس أن الله أعطى المعجزات كعلامات تؤيد رسله وخدامه، وأن معجزات المسيح كانت شهادة إلهية واضحة أنه مُرسَل من الله. ومن جهة أخرى، يقول المسيح إن بعض الناس لن يؤمنوا حتى لو قام واحد من الأموات، ويوحنا يذكر أن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح رغم كثرة الآيات التي صنعها أمامهم. فهل المعجزات تثبت الرسالة الإلهية أم لا؟ وهل فشلت معجزات المسيح في تأكيد رسالته؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فهناك فرق بين أن تكون المعجزة دليلًا موضوعيًا حقيقيًا على صدق الرسالة، وبين أن تقنع كل إنسان ذاتيًا بالإيمان. المعجزات تثبت رسالة المسيح وتؤيدها، لكنها لا تُجبر القلب الرافض على الإيمان. فالدليل القوي ينفع القلب المستعد للحق، أما القلب المغلق فقد يرى الآية ولا يؤمن.
موضع الإشكال
في مثل الغني ولعازر، يقول إبراهيم للغني:
«فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ.»
لوقا 16: 31
ويقول يوحنا عن رفض كثيرين للمسيح رغم آياته:
«وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.»
يوحنا 12: 37
لكن في المقابل، نجد الكتاب يعلّم أن المعجزات كانت علامة على أن الله يؤيد رسله. فعندما أرسل الله موسى، أعطاه آيات أمام الشعب وفرعون لتأكيد رسالته:
«فَأَجَابَ مُوسَى وَقَالَ: وَلكِنْ هَا هُمْ لاَ يُصَدِّقُونَنِي وَلاَ يَسْمَعُونَ لِقَوْلِي، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ لَكَ الرَّبُّ.»
خروج 4: 1
وفي إنجيل يوحنا، قال نيقوديموس للمسيح:
«يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ.»
يوحنا 3: 2
وقال بطرس يوم الخمسين:
«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ.»
أعمال الرسل 2: 22
ويقول كاتب العبرانيين عن شهادة الله للرسالة:
«شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ.»
العبرانيين 2: 4
فالسؤال هو: إن كانت المعجزات تثبت الرسالة الإلهية، فلماذا لم يؤمن بها الجميع؟
أولًا: هناك فرق بين الإثبات والإقناع
حل الشبهة يقوم على تمييز مهم جدًا: المعجزة قد تكون دليلًا حقيقيًا على صدق الرسالة، لكنها لا تضمن أن كل من يراها سيقبل الدليل. فالإثبات شيء، والإقناع شيء آخر.
الإثبات يتعلق بقوة الدليل في ذاته. أما الإقناع فيتعلق باستجابة الشخص للدليل. فقد يكون الدليل واضحًا، لكن الإنسان يرفضه بسبب الكبرياء أو الخوف أو المصلحة أو القساوة الروحية.
لذلك، عندما يقول الكتاب إن معجزات المسيح تبرهن رسالته، فهو يتكلم عن قيمتها الموضوعية كعلامات إلهية. وعندما يقول إن البعض لم يؤمنوا رغم الآيات، فهو يتكلم عن موقفهم الذاتي الرافض للحق.
ثانيًا: معجزات المسيح كانت تأييدًا إلهيًا حقيقيًا
العهد الجديد يعلن بوضوح أن معجزات المسيح لم تكن مجرد أعمال مدهشة، بل علامات تكشف هويته وسلطانه ورسالته. قال يوحنا في نهاية إنجيله:
«وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.»
يوحنا 20: 30-31
إذن الآيات كُتبت لكي تقود القارئ إلى الإيمان بالمسيح ابن الله. فهي ليست بلا قيمة، ولا هي مجرد أحداث هامشية. لكنها أيضًا لا تعمل بطريقة آلية تُلغي حرية الإنسان ومسؤوليته.
فالآية تدعو الإنسان إلى الإيمان، لكنها لا تُجبره على الإيمان. وهي تكشف الحق، لكنها لا تفتح القلب المغلق رغمًا عنه.
ثالثًا: عدم اقتناع البعض لا يبطل قوة الدليل
من الخطأ أن نقول إن الدليل ليس حقيقيًا لأن بعض الناس رفضوه. فرفض الإنسان للدليل لا يعني أن الدليل ضعيف. كثيرون يرفضون حقائق واضحة لأسباب نفسية أو روحية أو أخلاقية.
فالمسيح صنع آيات كثيرة أمامهم، ومع ذلك يقول يوحنا:
«وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.»
يوحنا 12: 37
هذا لا يعني أن الآيات لم تكن دليلًا، بل يعني أن قلوبهم لم تكن مستعدة لقبول الدليل. فالمشكلة في الرافضين، لا في الدليل الإلهي.
رابعًا: القلب الرافض لا يقتنع حتى بقيامة ميت
في لوقا 16، يطلب الغني أن يُرسل لعازر من الأموات إلى إخوته، ظانًا أن ظهور ميت سيجعلهم يتوبون. لكن الجواب كان:
«إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ.»
لوقا 16: 31
المقصود ليس أن قيامة شخص من الأموات ليست دليلًا، بل أن القلب الذي يرفض إعلان الله في الكتب المقدسة قد يرفض أيضًا حتى أعظم الآيات. فالمشكلة ليست دائمًا في نقص البرهان، بل في عدم الاستعداد للخضوع لكلمة الله.
وهذا ما حدث بالفعل مع المسيح. فقد قام من الأموات، ومع ذلك لم يؤمن به الجميع. إذن المعجزة العظمى لا تنتج الإيمان تلقائيًا في قلب يرفض الحق.
خامسًا: المعجزات تؤيد الرسالة لكنها ليست بديلًا عن كلمة الله
المعجزات في الكتاب المقدس ليست عرضًا منفصلًا عن الإعلان الإلهي، بل تأتي لتؤيد كلمة الله ورسالة الله. لذلك قال إبراهيم في المثل: «عندهم موسى والأنبياء، ليسمعوا منهم».
«فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ. لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ.»
لوقا 16: 29
هذا يعني أن الله لا يريد إيمانًا قائمًا فقط على الانبهار بالخارق، بل إيمانًا يسمع كلمة الله ويخضع لها. فالمعجزة تؤيد الكلمة، لكنها لا تحل محلها.
سادسًا: منفتح القلب يسمع صوت الله، والمغلق يسمع مجرد رعد
يوضح إنجيل يوحنا مثالًا قويًا على اختلاف استجابة الناس لنفس الحدث. عندما جاء صوت من السماء، اختلفت استجابة الحاضرين:
«أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ! فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا! فَالْجَمْعُ الَّذِي كَانَ وَاقِفًا وَسَمِعَ، قَالَ: قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ. وَآخَرُونَ قَالُوا: قَدْ كَلَّمَهُ مَلاَكٌ.»
يوحنا 12: 28-29
الحدث واحد، لكن الاستجابة مختلفة. البعض لم يسمعوا إلا رعدًا، وآخرون أدركوا أن هناك رسالة سماوية. وهذا يوضح أن المشكلة ليست فقط في وضوح العلامة، بل في استعداد السامع لفهمها وقبولها.
هكذا أيضًا مع معجزات المسيح: القلب المفتوح يرى فيها يد الله، والقلب المغلق يحاول تفسيرها بعيدًا عن الله أو ينكر معناها.
سابعًا: المعجزات ليست لإشباع الفضول بل لتأكيد الحق
المسيح لم يصنع المعجزات لمجرد إثارة الدهشة أو إرضاء الفضول. بل كانت معجزاته علامات تكشف رحمته وسلطانه وهويته المسيانية. لذلك رفض أحيانًا أن يصنع آية لمن يطلبونها بروح التجربة أو الفضول.
قال بعض الكتبة والفريسيين:
«يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً.»
متى 12: 38
لكن المسيح أجابهم بأن الجيل الشرير والفاسق يطلب آية، وأن الآية العظمى ستكون آية يونان، أي موته وقيامته:
«جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ.»
متى 12: 39
فالمشكلة ليست في الآية ذاتها، بل في الروح التي تطلب الآية. من يطلب الحق يجد في المعجزات شهادة قوية، أما من يطلب اختبار الله أو تبرير رفضه فقد لا تقوده الآية إلى الإيمان.
ثامنًا: لماذا آمن نيقوديموس ورفض آخرون؟
نيقوديموس رأى في آيات المسيح دليلًا أن الله معه:
«نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ.»
يوحنا 3: 2
لكن آخرين رأوا أعمالًا مشابهة ورفضوا المسيح. الفرق لم يكن في الآيات نفسها، بل في استجابة القلب. نيقوديموس جاء باحثًا، أما آخرون جاءوا مقاومين أو متشككين أو طالبين أن يجدوا علة عليه.
لذلك لا يكفي أن يرى الإنسان الدليل، بل يحتاج أن يكون مستعدًا أن يتبعه إلى الحق الذي يشير إليه.
تاسعًا: الدليل الموضوعي لا يساوي القبول الذاتي
يمكن تلخيص الفكرة بهذه العبارة: معجزات المسيح كانت دليلًا موضوعيًا، لكنها لم تكن ضمانًا للقبول الذاتي عند كل إنسان. فهي تكشف أن الله يعمل في المسيح، لكنها لا تلغي حرية الإنسان في الرفض.
ولهذا السبب يستطيع الكتاب أن يقول في موضع إن المسيح «تبرهن» من الله بالآيات والعجائب، وفي موضع آخر يقول إن كثيرين لم يؤمنوا رغم هذه الآيات. الأول يتكلم عن قوة البرهان، والثاني يتكلم عن رفض الإنسان للبرهان.
عاشرًا: هل المعجزات وحدها أساس الإيمان؟
الإيمان المسيحي لا يقوم على المعجزات بمعزل عن شخص الله وإعلانه. المعجزات تعطي شهادة قوية أن الله يعمل، لكنها تقودنا إلى الثقة في الله نفسه. فالغرض النهائي ليس أن نؤمن بالمعجزة كحدث مدهش، بل أن نؤمن بالمسيح الذي تشير إليه المعجزة.
فالمعجزات تؤكد الرسالة، لكنها ليست بديلًا عن التوبة والإيمان والخضوع لكلمة الله. لذلك قد يرى الإنسان المعجزة ولا ينتفع بها إن كان قلبه لا يريد الله.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض. النصوص التي تقول إن الله شهد للرسل والمسيح بالآيات والعجائب تتكلم عن وظيفة المعجزات كدليل وتأييد إلهي. أما النصوص التي تقول إن البعض لم يؤمنوا رغم الآيات، فتتكلم عن رفض الإنسان للدليل وعدم اقتناعه الذاتي بسبب قساوة القلب.
إذن المعجزات تثبت رسالة المسيح، لكنها لا تُجبر الجميع على قبولها. الدليل موجود، لكن الاستجابة تختلف بحسب القلب. فمن يريد الحق يرى صوت الله في الآية، ومن يرفض الحق قد لا يسمع إلا “رعدًا”.
الخلاصة
المعجزات تثبت رسالة المسيح الإلهية وتؤيدها، كما شهد نيقوديموس وبطرس وكاتب العبرانيين. لكنها لا تضمن أن كل من يراها سيؤمن، لأن الدليل الموضوعي لا يساوي الإقناع الذاتي. فالقلب المنفتح يرى في المعجزات صوت الله وشهادته، أما القلب الرافض فقد يرى نفس الآية ولا يؤمن.
لذلك لا يوجد تعارض بين القول إن معجزات المسيح برهنت رسالته، وبين القول إن بعض الناس لم يؤمنوا رغم المعجزات. المعجزات تعمل كشهادة حقيقية من الله، لكنها تنفع من يطلب الحق، لا من يغلق قلبه أمام الله.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 392. Victor Books: Wheaton, Ill.