القائمة إغلاق

هل قصد المسيح حرفيًا أن الخبز صار جسده؟

هل قصد المسيح حرفيًا أن الخبز صار جسده؟

الرد على شبهة لوقا 22: 19 وتعليم التحول الجوهري في العشاء الرباني

هل قصد المسيح حرفيًا أن الخبز صار جسده؟
هل قصد المسيح حرفيًا أن الخبز صار جسده؟

تُثار شبهة لاهوتية حول قول الرب يسوع في العشاء الأخير: «هذا هو جسدي». فالبعض يقول إن تفسير الكتاب المقدس تفسيرًا حرفيًا يقود بالضرورة إلى قبول أن خبز العشاء الرباني يتحول حرفيًا إلى جسد المسيح الحقيقي، كما يعلّم التعليم الكاثوليكي المعروف بالتحول الجوهري. فهل قصد المسيح أن الخبز صار جسده المادي الحقيقي؟ أم أن العبارة مجازية رمزية تحمل معنى روحيًا عميقًا؟

الإجابة المختصرة هي: لا يلزم أن تُفهم عبارة «هذا هو جسدي» بمعنى حرفي مادي. فالرب يسوع كثيرًا ما استخدم تعبيرات رمزية قوية، مثل: «أنا هو الباب» و«أنا الكرمة الحقيقية». والسياق نفسه يوضح أن المسيح كان يمسك الخبز بيده بينما جسده الحقيقي حاضر أمام التلاميذ. لذلك فالمعنى الأقرب هو أن الخبز يشير إلى جسده المبذول لأجلنا، لا أنه تحوّل ماديًا إلى جسده في تلك اللحظة.

موضع الإشكال

يقول لوقا عن العشاء الأخير:

«وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.»

لوقا 22: 19

الإشكال المطروح هو: إذا كان المسيح قال عن الخبز: «هذا هو جسدي»، فلماذا لا نأخذ العبارة حرفيًا ونقول إن الخبز صار جسد المسيح الحقيقي؟ وهل رفض الفهم الحرفي هنا يناقض مبدأ تفسير الكتاب المقدس تفسيرًا أمينًا؟

أولًا: التفسير الحرفي لا يعني تجاهل المجاز

ينبغي أولًا توضيح معنى “التفسير الحرفي” بطريقة صحيحة. التفسير الحرفي السليم لا يعني أن كل عبارة في الكتاب تُفهم بطريقة مادية مباشرة دون اعتبار للنوع الأدبي أو السياق أو الصور البلاغية. بل يعني أن نفسر النص بحسب معناه الطبيعي المقصود، سواء كان هذا المعنى مباشرًا أو مجازيًا.

فحين يقول المسيح: «أنا هو الباب»، لا يعني التفسير الأمين أن المسيح باب خشبي حرفيًا. وحين يقول: «أنا الكرمة الحقيقية»، لا يعني أنه نبات حرفيًا. بل نفهم أن هذه عبارات رمزية تكشف حقيقة روحية. وكذلك في عبارة «هذا هو جسدي»، يجب أن نسأل: هل السياق يفرض المعنى الحرفي المادي، أم يسمح بالمعنى الرمزي العهدي؟

ثانيًا: السياق يرفض الفهم الحرفي المادي

السياق المباشر في لوقا يقول إن يسوع أخذ خبزًا وشكر وكسر وأعطى التلاميذ قائلًا: «هذا هو جسدي». وهذا يعني أن الشيء الذي كان في يده هو الخبز. وفي نفس اللحظة، كان جسد المسيح الحقيقي حاضرًا أمام التلاميذ، ممسكًا بالخبز، ومتحدثًا إليهم.

لو كان المسيح يقصد أن الخبز صار جسده المادي الحقيقي، لكان التلاميذ يرون جسد المسيح أمامهم يمسك شيئًا آخر في يده. ولذلك لم يكن طبيعيًا أن يفهموا أن الخبز صار حرفيًا نفس الجسد الجالس أمامهم.

الأقرب إلى السياق أن المسيح يستخدم الخبز كعلامة منظورة لجسده الذي سيُبذل على الصليب. لذلك قال:

«هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.»

لوقا 22: 19

فالمفتاح هو عبارة «لذكري». فالخبز في العشاء الرباني يعلن ويذكّر ويشير إلى جسد المسيح المبذول، لا أنه يكرر الذبيحة أو يتحول إلى جسد مادي محسوس.

ثالثًا: الحواس نفسها تشهد أن الخبز يبقى خبزًا

من الاعتراضات المهمة على الفهم الحرفي المادي أن الخبز بعد التقديس يبقى، بحسب الحواس، خبزًا: منظره منظر خبز، ورائحته رائحة خبز، وطعمه طعم خبز. والله هو الذي خلق الحواس وجعل الإنسان يستخدمها في معرفة العالم المحيط به.

فليس من المعقول أن يطلب الله من الإنسان أن يشك في الحواس التي يعتمد عليها في كل حياته، دون وجود نص كتابي واضح يفرض هذا النوع من التفسير. أما هنا، فالسياق نفسه واللغة الرمزية في أقوال المسيح يجعلان المعنى المجازي مناسبًا وطبيعيًا.

وهذا لا يقلل من قدسية العشاء الرباني، بل يمنعنا من تحميل النص معنى ماديًا لا يفرضه السياق.

رابعًا: المسيح استخدم كثيرًا لغة رمزية مشابهة

استخدم الرب يسوع كثيرًا عبارات تبدأ بصيغة «أنا هو» أو عبارات تعريفية قوية، ومع ذلك لا تُفهم حرفيًا بصورة مادية. قال المسيح:

«أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى.»

يوحنا 10: 9

ولا يفهم أحد أن المسيح باب خشبي أو حجري. وقال أيضًا:

«أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ.»

يوحنا 15: 1

ولا يفهم أحد أن المسيح تحوّل إلى كرمة نباتية. إذن لا يكفي أن تكون العبارة قوية أو مباشرة لكي تكون حرفية مادية. ينبغي أن يحدد السياق المقصود.

وبنفس الطريقة، عندما قال المسيح: «هذا هو جسدي»، فالمعنى الطبيعي في سياق العشاء هو: هذا الخبز يمثّل جسدي المبذول ويشير إليه في عهد جديد، لا أنه صار ماديًا جسدي الحقيقي.

خامسًا: “هذا هو جسدي” تشبه لغة العهد والرمز في الفصح

العشاء الأخير حدث في سياق الفصح، حيث كان اليهود يستخدمون عناصر منظورة لها معنى تذكاري ورمزي عهدي. فالطعام الفصحي لم يكن مجرد أكل، بل كان إعلانًا وتذكارًا لخلاص الله لشعبه من عبودية مصر.

في هذا الإطار، يأخذ المسيح الخبز والكأس ويعطيهما معنى العهد الجديد. فالخبز يشير إلى جسده المبذول، والكأس تشير إلى دمه المسفوك:

«كَذلِكَ الْكَأْسُ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي، الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ.»

لوقا 22: 20

من الواضح أن الكأس نفسها ليست العهد حرفيًا، بل هي علامة العهد وتشير إلى دم المسيح. وبنفس المنطق، الخبز ليس الجسد حرفيًا، بل علامة الجسد المبذول.

سادسًا: عبارة “هذه الكأس هي العهد الجديد” تؤكد اللغة الرمزية

من أهم الأدلة داخل نفس النص أن المسيح قال عن الكأس: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي». ولا أحد يفهم أن الكأس المعدنية أو الخزفية نفسها تحولت حرفيًا إلى “عهد”. بل المقصود أن الكأس بما تحتويه ترمز إلى العهد الجديد المؤسس على دم المسيح.

فإذا كانت عبارة «هذه الكأس هي العهد الجديد» مفهومة رمزيًا، فمن الطبيعي أن نفهم عبارة «هذا هو جسدي» في نفس السياق العهدي الرمزي، لا كتحول جوهري مادي.

اللغة هنا لغة سرية وعهدية وتذكارية، لا لغة تحليل مادي لطبيعة الخبز.

سابعًا: “اصنعوا هذا لذكري” يوضح وظيفة العشاء الرباني

قال المسيح:

«اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.»

لوقا 22: 19

التذكار في الكتاب المقدس ليس مجرد تذكر ذهني بارد، بل إعلان حي لعمل الله الخلاصي. ومع ذلك، كلمة «لذكري» تؤكد أن العشاء الرباني يشير إلى عمل المسيح ويعلنه، لا أنه يعيد ذبيحته أو يحوّل الخبز ماديًا إلى جسده.

وهذا ينسجم مع قول بولس:

«فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ.»

1 كورنثوس 11: 26

بولس لا يقول إنكم تعيدون موت الرب، بل «تخبرون بموت الرب». فالعشاء إعلان وتذكار وشركة مقدسة في معنى موت المسيح، وليس تحولًا ماديًا للخبز إلى جسده.

ثامنًا: بولس ما زال يسميه خبزًا بعد التناول

في 1 كورنثوس 11، بعد حديث بولس عن العشاء الرباني، يظل يسمي العنصر «خبزًا»:

«فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ.»

1 كورنثوس 11: 26

ثم يقول:

«إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ.»

1 كورنثوس 11: 27

مع أن بولس يعلّم خطورة التناول بدون استحقاق، إلا أنه لا يقول إن الخبز لم يعد خبزًا. بل يسميه خبزًا، مع أنه خبز مقدس من حيث دلالته واستعماله في العشاء الرباني.

تاسعًا: يوحنا 6 لا يلزم منه الفهم الحرفي المادي

قد يستند البعض إلى قول المسيح عن أكل جسده وشرب دمه. لكن حتى هذا النص لا يلزم منه الفهم الحرفي المادي، لأن المسيح نفسه يوضح في نهاية الحديث أن المقصود روحي:

«اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ.»

يوحنا 6: 63

فالأكل والشرب في هذا السياق يشيران إلى الإيمان بالمسيح والاتحاد به والاشتراك في حياته، لا إلى أكل مادي لجسده بطريقة حرفية. وهذا ينسجم مع لغة المسيح الرمزية في مواضع كثيرة.

عاشرًا: قدسية العشاء الرباني لا تتوقف على التحول الجوهري

رفض الفهم الحرفي المادي لا يعني أن العشاء الرباني مجرد عادة عادية أو رمز فارغ. فالخبز والكأس لهما قدسية عظيمة لأن المسيح عيّنهما تذكارًا لموته، ولأن المؤمنين يعلنون بهما موت الرب إلى أن يجيء.

لكن القدسية لا تعني بالضرورة تحول المادة إلى جسد ودم حقيقيين. فالرمز الذي عيّنه المسيح ليس رمزًا فارغًا، بل علامة مقدسة تنقل المعنى، وتدعو المؤمن إلى الإيمان والشكر والتوبة والشركة في ذكرى موت الرب.

هل يوجد تناقض بين التفسير الأمين ورفض الحرفية هنا؟

لا يوجد تناقض. التفسير الأمين للكتاب لا يعني الحرفية الخشنة في كل موضع، بل يعني فهم النص بحسب قصده وسياقه. وفي لوقا 22: 19، السياق واللغة الموازية وأسلوب المسيح في التعليم كلها تشير إلى أن العبارة رمزية عهدية: الخبز يشير إلى جسد المسيح المبذول لأجلنا.

كما أن أخذ العبارة حرفيًا يوقع في صعوبات واضحة: جسد المسيح كان حاضرًا يمسك الخبز، والكأس نفسها ليست العهد حرفيًا، وبولس يستمر في تسمية الخبز خبزًا، والمسيح استخدم كثيرًا لغة رمزية مشابهة.

الخلاصة

عندما قال المسيح: «هذا هو جسدي»، لم يكن يقصد أن الخبز تحوّل ماديًا إلى جسده الحقيقي، بل أن الخبز يشير إلى جسده المبذول لأجلنا. فالسياق يوضح أن المسيح كان يمسك الخبز بينما جسده الحقيقي حاضر أمام التلاميذ، واللغة نفسها تشبه أقوال المسيح الرمزية مثل: «أنا هو الباب» و«أنا الكرمة الحقيقية».

كما أن قوله عن الكأس: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي» يثبت أن لغة العشاء الرباني لغة عهدية رمزية. لذلك فالعشاء الرباني مقدس وعظيم، لكنه لا يلزم أن يُفهم بمعنى التحول الجوهري. فالخبز والكأس يعلنان موت المسيح، ويذكران المؤمنين بجسده المبذول ودمه المسفوك، إلى أن يجيء.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 393. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل قصد المسيح حرفيًا أن الخبز صار جسده؟ الرد على شبهة لوقا 22: 19 وتعليم التحول الجوهري في العشاء الرباني

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة