هل شهادة المسيح عن نفسه صادقة أم غير صادقة؟ يوحنا 5: 31
الرد على شبهة يوحنا 5: 31 ويوحنا 8: 14 حول شهادة المسيح لنفسه وقانون الشهود

تُثار شبهة حول كلام الرب يسوع عن شهادته لنفسه. ففي يوحنا 8: 14 يقول المسيح بوضوح: «وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ». لكن في يوحنا 5: 31 يقول: «إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا». فهل شهادة المسيح عن نفسه حق أم ليست حقًا؟ وهل يناقض المسيح نفسه؟
لا يوجد تناقض. شهادة المسيح عن نفسه حق في ذاتها، لأنه هو الحق المتجسد، ويعلم من أين أتى وإلى أين يذهب. لكن بحسب القاعدة القانونية اليهودية، لا تُقبل الدعوى رسميًا إذا قامت على شاهد واحد فقط دون تأييد. لذلك في يوحنا 5 يخاطب المسيح اليهود على مستوى الإثبات القانوني، فيبيّن أن لهم شواهد أخرى تؤيد دعواه: شهادة يوحنا المعمدان، وأعماله، والآب، والكتب. أما في يوحنا 8 فهو يعلن الحقيقة الفعلية لشهادته في ذاتها.
موضع الإشكال
قال الرب يسوع في يوحنا 5:
«إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا.»
يوحنا 5: 31
لكن في يوحنا 8 قال:
«أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ، لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ.»
يوحنا 8: 14
الاعتراض يقول: في موضع يقول المسيح إن شهادته عن نفسه ليست حقًا، وفي موضع آخر يقول إنها حق. فكيف يمكن التوفيق بين النصين؟
أين يقع الالتباس؟
يقع الالتباس في عدم التمييز بين صدق الشهادة في ذاتها، وقبولها قانونيًا أمام السامعين. فقد تكون الشهادة صحيحة فعليًا، لكنها لا تُقبل رسميًا في إطار قضائي إلا إذا دعمتها شهادة أخرى. وهذا هو الفرق بين يوحنا 8 ويوحنا 5.
في يوحنا 8، يتكلم المسيح عن الحقيقة الفعلية: شهادته حق لأنه يعرف أصله السماوي ومقصده. أما في يوحنا 5، فهو يتكلم في إطار محاجّة مع اليهود، ويبيّن أنه لا يطلب منهم أن يبنوا الحكم على شهادته منفردة، بل إن لديهم شواهد متعددة تؤكد هويته.
شهادة المسيح عن نفسه كانت حقًا فعليًا وشخصيًا وفي ذاتها. لكنها، بحسب الإجراء القانوني اليهودي، كانت تحتاج إلى شاهد آخر لتُقبل رسميًا أمامهم. لذلك لا يتكلم النصان عن نفس المعنى لكلمة “حق”.
أولًا: يمكن فهم يوحنا 5: 31 كقول افتراضي
أحد أوجه التفسير أن كلام المسيح في يوحنا 5: 31 يحمل معنى افتراضيًا، كأنه يقول: إن كنتم لا تقبلون شهادتي عن نفسي وحدها، فهناك شاهد آخر يشهد لي. وهذا ينسجم مع الآية التالية مباشرة:
«الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌّ.»
يوحنا 5: 32
أي أن المسيح لا يقول إن كلامه كاذب أو غير صحيح، فهذا مستحيل، بل يقول في إطار مخاطبة اليهود: حتى لو لم تبنوا قبولكم على شهادتي وحدها، فهناك شهادة أخرى تؤكد ما أعلنه.
ثانيًا: يمكن فهم يوحنا 5: 31 بمعنى قانوني لا فعلي
الفهم الآخر، وهو مهم جدًا، أن المسيح في يوحنا 5 يتكلم بمعنى قانوني رسمي. فبحسب الشريعة، لا تثبت الدعوى على شاهد واحد فقط، بل على شاهدين أو ثلاثة:
«لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ مَا أَوْ خَطِيَّةٍ مَا مِنْ جَمِيعِ الْخَطَايَا الَّتِي يُخْطِئُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ.»
تثنية 19: 15
إذن عندما يقول المسيح: «إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقًا»، فالمعنى ليس أنها كاذبة في ذاتها، بل إنها لا تُقبل قانونيًا أمامهم إذا كانت بلا شهادة مؤيدة. لذلك يسوق المسيح بعد ذلك عدة شهود.
ثالثًا: شهادة المسيح حق في ذاتها لأنه هو الحق
من جهة الحقيقة الفعلية، كل ما يقوله المسيح حق، لأنه هو نفسه الحق. قال الرب:
«قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.»
يوحنا 14: 6
فالمسيح لا يمكن أن يشهد لنفسه شهادة كاذبة أو باطلة، لأن طبيعته وشخصه وكلامه حق. لذلك يقول في يوحنا 8:
«وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ، لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ.»
يوحنا 8: 14
السبب الذي يقدمه المسيح واضح: هو يعرف مصدره ومصيره، بينما سامعوه لا يعرفون. هو لا يتكلم بالظن، بل من معرفة إلهية مباشرة.
رابعًا: اليهود كانوا يحتاجون شهادة قانونية بحسب فهمهم
المسيح في يوحنا 5 يحاجج اليهود داخل إطارهم الديني والقانوني. لذلك لا يكتفي بالقول: “أنا أشهد لنفسي”، بل يقدم لهم شواهد يمكنهم الرجوع إليها. هذا من جهة تنازله لمستوى محاكمتهم العقلية والقانونية، لا من جهة احتياجه هو في ذاته إلى إثبات خارجي.
ولهذا قال في يوحنا 5:
«أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ.»
يوحنا 5: 33
ثم يتابع ليذكر أعماله وشهادة الآب والكتب. أي أنه يقدم لهم ملفًا كاملًا من الشهادات، حتى لا تكون دعواه أمامهم بلا تأييد.
خامسًا: شهادة يوحنا المعمدان تؤيد المسيح
أول شاهد يذكره المسيح هو يوحنا المعمدان. واليهود كانوا قد سألوا يوحنا وسمعوا شهادته. يقول المسيح:
«أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ.»
يوحنا 5: 33
وشهادة يوحنا للمسيح كانت واضحة:
«وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائِلًا: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنِ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ.»
يوحنا 1: 32-34
إذن لم تكن شهادة المسيح بلا شاهد آخر؛ فقد سبق يوحنا المعمدان وشهد له.
سادسًا: أعمال المسيح تشهد له
ثم يذكر المسيح شاهدًا أعظم من يوحنا، وهو الأعمال التي أعطاه الآب أن يعملها:
«وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.»
يوحنا 5: 36
معجزات المسيح وأعماله ليست مجرد مظاهر قوة، بل علامات تشهد أن الآب أرسله. وهذا ينسجم مع غرض إنجيل يوحنا كله:
«وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.»
يوحنا 20: 31
سابعًا: الآب نفسه يشهد للابن
يذكر المسيح أيضًا شهادة الآب:
«وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ.»
يوحنا 5: 37
وشهادة الآب ظهرت في أكثر من موضع، منها معمودية المسيح:
«وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ.»
متى 3: 17
إذن دعوى المسيح ليست شهادة ذاتية منفردة بالمعنى القانوني، بل الآب نفسه يشهد له.
ثامنًا: الكتب تشهد للمسيح
ثم يواجه المسيح اليهود بما كانوا يفتخرون به: الكتب. قال:
«فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي.»
يوحنا 5: 39
وهذا يعني أن العهد القديم نفسه يشهد للمسيح. لذلك ليست شهادة المسيح منفصلة عن الإعلان الإلهي السابق، بل هي تتميمه. فالكتب التي كان اليهود يدرسونها كانت تشير إليه، لكنهم لم يريدوا أن يأتوا إليه لتكون لهم حياة:
«وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ.»
يوحنا 5: 40
تاسعًا: موسى نفسه يشهد للمسيح ضد الرافضين
يواصل المسيح محاجته مع اليهود، فيقول إن موسى الذي يتكلون عليه يشهد ضدهـم إن لم يؤمنوا بالمسيح:
«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي أَشْكُوكُمْ إِلَى الآبِ. يُوجَدُ الَّذِي يَشْكُوكُمْ وَهُوَ مُوسَى، الَّذِي عَلَيْهِ رَجَاؤُكُمْ. لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي.»
يوحنا 5: 45-46
هذا يؤكد أن المسيح لا يقدّم نفسه كشاهد منفرد بلا جذور كتابية. بل موسى والكتب والآب والأعمال ويوحنا يشهدون له.
عاشرًا: جدول يوضح الفرق بين النصين
يمكن تلخيص الفرق بين يوحنا 8: 14 ويوحنا 5: 31 بهذه الصورة:
| شهادة المسيح عن نفسه كانت حقًا | شهادة المسيح عن نفسه لم تكن مقبولة منفردة قانونيًا |
|---|---|
| فعليًا | رسميًا |
| شخصيًا | قانونيًا |
| في ذاتها | بالنسبة لليهود ومحاجتهم |
ففي يوحنا 8 يتكلم المسيح عن صدق شهادته في ذاتها، لأنها صادرة من الحق المتجسد. وفي يوحنا 5 يتكلم عن قبول الشهادة أمام اليهود بحسب قواعد الإثبات، ولذلك يقدم لهم شواهد أخرى.
حادي عشر: هل هذا اختلاف أم تناقض؟
لا يوجد تناقض، لأن النصين لا يستخدمان كلمة “حق” بنفس زاوية المعنى. يوحنا 8: 14 يتكلم عن الحقيقة الفعلية لشهادة المسيح. أما يوحنا 5: 31 فيتكلم عن قبول الشهادة قانونيًا لو كانت منفردة دون شهود آخرين.
التناقض كان سيحدث لو قال المسيح في نفس المعنى ونفس السياق إن شهادته صادقة وكاذبة في آن واحد. لكنه لم يفعل ذلك. بل قال إن شهادته حق في ذاتها، ومع ذلك قدّم لليهود شواهد متعددة بحسب مبدأ الشهود المعروف عندهم.
شهادة المسيح حق لأنها صادرة من الحق نفسه. لكنها لم تكن تُقبل قانونيًا عند اليهود كشهادة منفردة، لذلك استدعى المسيح شهادة يوحنا، وأعماله، والآب، والكتب.
خلاصة دفاعية
يوحنا 5: 31 لا يعني أن شهادة المسيح عن نفسه كاذبة أو باطلة في ذاتها، بل يعني أنها، لو قُدمت وحدها ضمن الإطار القانوني اليهودي، لا تُقبل رسميًا دون شهادة أخرى. لذلك مباشرة بعد هذه العبارة، يذكر المسيح شهادات أخرى تؤيده: يوحنا المعمدان، وأعماله، والآب، والكتب، وموسى.
أما يوحنا 8: 14 فيؤكد الحقيقة الفعلية: شهادة المسيح حق، لأنه يعلم من أين أتى وإلى أين يذهب، ولأنه هو الحق المتجسد. فلا يوجد تناقض، بل تمييز بين الصدق الحقيقي للشهادة في ذاتها، وقبولها القانوني الرسمي أمام اليهود بحسب قاعدة «على فم شاهدين أو ثلاثة شهود يقوم الأمر».
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 410. Victor Books: Wheaton, Ill.