تخطى إلى المحتوى

هل سيخلص الجميع في استرداد كل شيء؟ أعمال 3: 21

  • بواسطة

هل سيخلص الجميع في استرداد كل شيء؟ أعمال 3: 21

هل تعني عبارة «استرداد كل شيء» أن جميع الناس سينالون الخلاص في النهاية؟

هل سيخلص الجميع في استرداد كل شيء؟ أعمال 3: 21
هل سيخلص الجميع في استرداد كل شيء؟ أعمال 3: 21

قال الرسول بطرس عن الرب يسوع المسيح:

«الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ» (أعمال 3: 21).

وقد يعترض البعض قائلًا: إن عبارة «رد كل شيء» أو «استرداد كل شيء» تبدو كأنها تعني أن جميع البشر سيُخلَّصون في النهاية، وأن كل شيء سيعود إلى الله دون هلاك أبدي لأحد.

لكن الكتاب المقدس يعلن أيضًا أن هناك من سيرفضون الله وينتهون إلى الدينونة:

«ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ» (متى 25: 41).

كما يتكلم سفر الرؤيا عن الدينونة النهائية والموت الثاني:

«وَطُرِحَ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ مَعَهُ… حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ» (رؤيا 19: 20).

«وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ» (رؤيا 20: 15).

فهل سيخلص الجميع في النهاية؟ أم أن عبارة «رد كل شيء» تعني شيئًا آخر في سياق كلام بطرس؟

الإجابة المختصرة

لا تعلّم أعمال 3: 21 خلاص جميع البشر في النهاية. فالله يريد أن الجميع يخلصون، لكنه لا يُرغم الإنسان على قبول نعمته. من يرفض محبة الله بإرادته لا يُجبر على محبته، لأن المحبة القسرية تناقض معنى المحبة. أما عبارة «رد كل شيء» في سياق عظة بطرس فتشير إلى تحقيق مواعيد الله النبوية، وبخاصة ما يتعلق بالعهد الإبراهيمي واسترداد ما وعد به الله شعبه، لا إلى عقيدة خلاص كل البشر بلا استثناء.

الفكرة الأساسية: «استرداد كل شيء» لا يعني خلاص كل رافض لله، بل إتمام مقاصد الله ومواعيده كما تكلم بها الأنبياء.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على عبارة بطرس:

«أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ» (أعمال 3: 21).

فيُقال إن «كل شيء» يجب أن تعني أن كل البشر سيُستردون في النهاية إلى الله، وأن الهلاك الأبدي لن يبقى لأحد. لكن هذا الفهم يصطدم بنصوص كثيرة تتكلم بوضوح عن الدينونة، والهلاك، ورفض البعض للنعمة الإلهية.

لذلك لا بد أن نفهم العبارة في سياقها، لا أن نعزلها عن حديث بطرس وعن تعليم الكتاب كله.

أولًا: الله يريد خلاص الجميع، لكنه لا يرغم أحدًا

يعلن الكتاب أن الله يريد خلاص جميع الناس:

«الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ» (1 تيموثاوس 2: 4).

ويقول الرسول بطرس أيضًا:

«لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ» (2 بطرس 3: 9).

لكن إرادة الله الخلاصية لا تعني أن كل إنسان سيقبل الخلاص فعلًا. فهناك من يرفضون النعمة، ولا يريدون أن يأتوا إلى الله. وهذا ما قاله المسيح لأورشليم:

«يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!» (متى 23: 37).

المسيح يقول: «أردتُ»، لكنهم «لم يريدوا». فالمشكلة ليست في نقص محبة الله، بل في رفض الإنسان لهذه المحبة.

ثانيًا: المحبة لا تُفرَض بالقوة

الله محبة:

«وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ» (1 يوحنا 4: 16).

وبما أن الله محبة، فهو يدعو الإنسان ويجذبه ويقنعه بالنعمة، لكنه لا يُرغمه على محبته. فالمحبة بالإكراه ليست محبة. والحرية المفروضة ليست حرية. لذلك لا يمكن أن يكون الخلاص الحقيقي علاقة حب قسرية، لأن الحب لا يكون حبًا إلا إذا كان مقبولًا بحرية.

ولهذا، من يصر على رفض الله، يسمح له الله في النهاية أن ينال ما اختاره. من لا يقول لله: «لتكن مشيئتك»، يسمع في النهاية، بمعنى الدينونة، ما اختاره هو لنفسه. وهذه هي طبيعة الجحيم: أن يثبت الإنسان في رفضه لله، وأن تُترك إرادته الرافضة لما اختارته.

تمييز مهم: الله يريد الخلاص للجميع، لكن إرادة الله الخلاصية لا تلغي حرية الإنسان ولا تحول الرفض إلى محبة قسرية.

ثالثًا: الكتاب لا يعطي رجاءً لمن يرفض محبة الله نهائيًا

لا يوجد في الكتاب وعد بأن الذين يرفضون محبة الله بإصرار سيُخلَّصون رغمًا عنهم في النهاية. فالكتاب يعلن محبة الله ودعوته العامة، لكنه يعلن أيضًا خطورة رفض هذه الدعوة.

فالمسيح نفسه يتكلم عن «النار الأبدية» المعدة لإبليس وملائكته:

«اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ» (متى 25: 41).

وسفر الرؤيا يتكلم عن المصير النهائي لمن لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة:

«وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ» (رؤيا 20: 15).

فلا يصح أن نستخدم عبارة «رد كل شيء» لإلغاء هذه النصوص الواضحة عن الدينونة.

رابعًا: ما معنى «رد كل شيء» إذن؟

لكي نفهم العبارة، يجب أن نرجع إلى سياق بطرس. فهو لا يتكلم في فراغ عن خلاص كل فرد بلا استثناء، بل يخاطب اليهود، ويستند إلى ما تكلم به الله بفم أنبيائه:

«الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ» (أعمال 3: 21).

ثم يربط بطرس هذا الكلام بالعهد الذي قطعه الله مع الآباء، وبخاصة مع إبراهيم:

«أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلًا لإِبْرَاهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ» (أعمال 3: 25).

إذن، بطرس يتكلم عن تحقيق مواعيد الله النبوية والعهود، لا عن خلاص كوني إجباري لكل البشر.

خامسًا: بطرس يشير إلى العهد الإبراهيمي ومواعيد الله

يربط بطرس «رد كل شيء» بالعهد الإبراهيمي، حيث وعد الله أن تتبارك جميع قبائل الأرض في نسل إبراهيم. وهذا العهد تضمن مواعيد لشعب الله، منها وعد الأرض والبركة.

قال الرب لإبراهيم:

«لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ» (تكوين 13: 15).

فبحسب شرح المصدر، يشير بطرس إلى الإتمام المستقبلي لمواعيد العهد الإبراهيمي، أي إلى استرداد ما وعد به الله إسرائيل وشعبه بحسب الأنبياء، لا إلى القول إن كل إنسان بلا استثناء سيخلص حتى لو رفض نعمة الله.

سادسًا: «كل شيء» تُفهم بحسب السياق لا بمعزل عنه

كلمة «كل» في الكتاب، كما في أي لغة، تُفهم بحسب السياق. أحيانًا تعني كل شيء بلا استثناء، وأحيانًا تعني كل ما هو داخل المجال الذي يتحدث عنه النص.

وفي أعمال 3، المجال هو ما تكلم به الأنبياء عن رد المواعيد واسترداد مقاصد الله في التاريخ، لا مسألة إلغاء الدينونة النهائية أو خلاص الرافضين رغم إرادتهم.

لذلك، معنى «رد كل شيء» هنا ليس «خلاص كل شخص»، بل «إتمام كل ما وعد به الله في خطته النبوية والعهودية».

سابعًا: بركة إبراهيم تمتد إلى جميع الأمم، لكنها لا تُفرض على كل فرد

قال بطرس إن في نسل إبراهيم تتبارك جميع قبائل الأرض. وهذا يعلن اتساع مقاصد الله لتشمل الأمم، لا اليهود فقط. لكن البركة العامة المعروضة على جميع الأمم لا تعني أن كل فرد سيقبلها بالضرورة.

فالإنجيل يُكرَز به للجميع، ومحبة الله تُعلن للجميع، والخلاص يُقدَّم للجميع، لكن الإنسان يمكنه أن يرفض. لذلك لا يوجد تناقض بين عالمية الدعوة والبركة، وبين حقيقة أن بعض الناس يهلكون بسبب رفضهم للنعمة.

ثامنًا: هل يمكن أن يكون الله محبًا مع وجود الدينونة؟

نعم. الدينونة لا تناقض محبة الله، لأن المحبة الحقيقية لا تلغي العدل ولا تلغي حرية الإنسان. الله لا يريد هلاك أحد، لكنه لا يحول الإنسان إلى آلة مجبرة على الحب والطاعة.

إن الله يعمل بالمحبة والإقناع والدعوة والصبر، لكنه لا يعمل بالقهر في علاقة الحب. ومن ثم، فالدينونة هي النتيجة المأساوية لرفض الإنسان المستمر لمحبة الله.

الجحيم ليس انتصارًا للشر على محبة الله، بل هو إعلان أن الله يحترم حرية الإنسان حتى عندما يسيء استخدامها ويرفض النعمة.

المبدأ الدفاعي: محبة الله تريد خلاص الجميع، لكنها لا تقهر إرادة الإنسان. لذلك لا تقود عبارة «رد كل شيء» إلى الخلاص الشامل القسري.

الرد المختصر على الشبهة

أعمال 3: 21 لا يعلّم أن كل البشر سيخلصون في النهاية. فالكتاب يعلن أن الله يريد خلاص الجميع، لكنه يعلن أيضًا أن البعض يرفضون النعمة ويهلكون. عبارة «رد كل شيء» في سياق بطرس تشير إلى إتمام مواعيد الله التي تكلم عنها الأنبياء، وبخاصة مواعيد العهد مع إبراهيم، لا إلى إلغاء الدينونة أو خلاص الرافضين رغم إرادتهم.

الخلاصة

لن يُخلَّص الجميع قسرًا في النهاية، لأن المحبة لا تُفرض بالقوة، والكتاب لا يعطي رجاءً لمن يرفض الله بإصرار. «استرداد كل شيء» في أعمال 3: 21 يعني إتمام خطة الله ومواعيده النبوية والعهودية، لا خلاص كل إنسان بلا استثناء. فالله يريد خلاص الجميع، لكن الذين لا يريدون قبول نعمته يختارون الانفصال عنه، وهذا هو جوهر الدينونة.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 430). Victor Books: Wheaton, Illinois.

هل سيخلص الجميع في استرداد كل شيء؟ أعمال 3: 21