كيف ينهى الكتاب عن الاشتهاء ثم يأمر بطلب المواهب؟ 1 كورنثوس 12: 31
هل «اشتهوا المواهب» تعني الطمع الممنوع أم الرغبة المقدسة في خدمة الكنيسة؟

تقول الوصية العاشرة:
«لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ» (خروج 20: 17).
لكن الرسول بولس قال لأهل كورنثوس:
«وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ» (1 كورنثوس 12: 31).
وفي بعض الترجمات الإنجليزية القديمة، مثل ترجمة الملك جيمس، تُترجم العبارة بمعنى: «اشتهوا بغيرة المواهب الأفضل» أو “covet earnestly the best gifts”.
وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان الاشتهاء ممنوعًا في الوصايا العشر، فكيف يطلب بولس من المؤمنين أن «يشتهوا» المواهب الأفضل؟ هل يناقض بولس الوصية؟ أم أن الكلمة تُستخدم هنا بمعنى مختلف؟
الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض، لأن كلمة «اشتهاء» أو covet يمكن أن تُستخدم بمعنيين مختلفين بحسب السياق. الوصية العاشرة تنهى عن الاشتهاء الشرير، أي الطمع في ما ليس لنا، والرغبة غير المشروعة في امتلاك ما يخص الآخرين. أما بولس في 1 كورنثوس 12: 31 فيتكلم عن الرغبة المقدسة أو الاجتهاد الروحي في طلب المواهب التي تبني الكنيسة. فالمشكلة ليست في كل رغبة قوية، بل في الرغبة الفاسدة التي تطمع في ما لا يحق للإنسان.
الفكرة الأساسية: الاشتهاء الممنوع هو الطمع الشرير في ما لا يخصنا، أما طلب المواهب فهو رغبة مقدسة في ما يبني الجسد ويخدم الآخرين.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على تشابه لفظي بين وصية:
«لاَ تَشْتَهِ» (خروج 20: 17).
وبين صياغة بعض الترجمات لكلام بولس:
“covet earnestly the best gifts”
فيبدو كأن بولس يأمر بما نهت عنه الوصية. لكن هذا الاعتراض يتجاهل أن الكلمة الواحدة قد تستعمل في معنى مذموم أو معنى ممدوح بحسب موضوع الرغبة وغرضها.
أولًا: الوصية تنهى عن الطمع غير المشروع
في خروج 20: 17، لا يتكلم النص عن كل رغبة أو كل اشتياق، بل عن الرغبة الفاسدة في امتلاك ما يخص القريب:
«لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ… وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ» (خروج 20: 17).
إذن، الاشتهاء الممنوع هو الطمع في ما ليس للإنسان، والرغبة الأنانية في أخذ ما يخص غيره. هذا النوع من الاشتهاء ينشأ من عدم القناعة، ومن الحسد، ومن حب الامتلاك، وقد يقود إلى خطايا أخرى مثل السرقة أو الزنا أو الظلم.
ثانيًا: بولس يتكلم عن الرغبة المقدسة لا الطمع
أما في 1 كورنثوس 12: 31، فبولس لا يقول للمؤمنين: اطمعوا فيما يملكه غيركم، ولا يقول: اشتهوا مواهب الآخرين بحسد أو منافسة. بل يقول:
«جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى» (1 كورنثوس 12: 31).
أي اطلبوا باجتهاد ما هو أنفع لبنيان الكنيسة. فالمقصود ليس الطمع الأناني، بل الرغبة الروحية في أن يعمل الله في الكنيسة بمواهب نافعة.
ولهذا جاءت ترجمات حديثة كثيرة بمعنى «ارغبوا بشدة» أو «اجتهدوا في طلب» أو «اطلبوا بغيرة» بدل كلمة «اشتهوا» التي قد تفهم اليوم بمعنى سلبي فقط.
ثالثًا: السياق هو بناء الكنيسة لا إشباع الذات
الإصحاح الثاني عشر كله يتكلم عن المواهب الروحية بوصفها عطايا من الروح القدس لبنيان جسد المسيح، لا أدوات للتفاخر الشخصي. قال بولس:
«وَلكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ» (1 كورنثوس 12: 7).
إذن، الغاية من المواهب هي «المنفعة»، أي منفعة الكنيسة وخدمة الجسد. لذلك، عندما يقول بولس: «جدوا للمواهب الحسنى»، فهو يدعوهم إلى طلب ما يخدم الكنيسة، لا إلى التنافس الجسدي أو الحسد.
تمييز مهم: الطمع يقول: أريد ما لغيري لأجل نفسي. أما طلب المواهب فيقول: أريد أن أُستخدم من الله لأجل بنيان الآخرين.
رابعًا: ليست كل رغبة قوية خطية
الكتاب لا يدين كل رغبة قوية. توجد رغبات مقدسة، مثل الرغبة في معرفة الله، والرغبة في القداسة، والرغبة في خدمة الكنيسة، والرغبة في خلاص الآخرين. المشكلة ليست في قوة الرغبة، بل في موضوعها ودافعها.
فإذا كان موضوع الرغبة شيئًا شريرًا أو شيئًا لا يخص الإنسان، فهي طمع وخطية. أما إذا كان موضوعها خدمة الله وبنيان الكنيسة بحسب مشيئة الله، فهي رغبة صالحة.
خامسًا: بولس يضع المحبة فوق كل المواهب
من المهم جدًا أن نلاحظ أن بولس بعد أن قال:
«جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى» (1 كورنثوس 12: 31).
أضاف مباشرة:
«وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ» (1 كورنثوس 12: 31).
ثم بدأ الإصحاح الثالث عشر عن المحبة:
«إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ» (1 كورنثوس 13: 1).
وهذا يوضح أن طلب المواهب يجب أن يكون محكومًا بالمحبة. فلو صار طلب المواهب بابًا للكبرياء أو الحسد أو التفاخر، يكون قد انحرف عن قصد بولس.
سادسًا: الفرق بين الحسد والغيرة المقدسة
الحسد ينظر إلى ما عند الآخر ويتمنى زواله عنه أو امتلاكه بدلًا منه. أما الغيرة المقدسة فتطلب من الله ما يمجد اسمه وينفع الكنيسة.
لذلك لا يأمر بولس أهل كورنثوس أن يحسدوا أصحاب المواهب، بل أن يطلبوا من الله المواهب النافعة بغيرة روحية صالحة، مع خضوع للمحبة وترتيب الجسد الواحد.
سابعًا: المواهب ليست ملكية خاصة حتى يُطمع فيها
المواهب الروحية ليست ممتلكات شخصية يتنازع عليها الناس، بل عطايا من الروح القدس يعطيها كما يشاء. يقول بولس:
«وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ» (1 كورنثوس 12: 11).
فطلب المواهب لا يعني أن الإنسان يخطف ما عند غيره، بل أن يطلب من الله أن يعمل فيه وفي الكنيسة بما يبني الجسد، مع الخضوع لمشيئة الروح.
ثامنًا: لماذا قال «المواهب الحسنى»؟
المواهب «الحسنى» أو «الأفضل» ليست بالضرورة المواهب الأكثر لفتًا للانتباه أو الأكثر إثارة، بل الأكثر نفعًا لبنيان الكنيسة في السياق المعين. فبولس في الإصحاحات 12-14 يعالج سوء استخدام المواهب في كورنثوس، خصوصًا الافتخار ببعض المواهب الظاهرة.
لذلك، يدعوهم إلى طلب الأفضل بمعنى الأنفع، لا الأكثر استعراضًا. ثم يوجههم إلى الطريق الأفضل من كل المواهب: المحبة.
المبدأ الدفاعي: الوصية تنهى عن رغبة أنانية تسرق القلب نحو ما ليس لنا، أما بولس فيدعو إلى رغبة مقدسة تخدم الجسد وتخضع للمحبة.
هل يناقض بولس الوصية العاشرة؟
لا. بولس لا يناقض الوصية العاشرة، لأنه لا يستخدم «الاشتهاء» بمعنى الطمع الممنوع، بل بمعنى الرغبة الصالحة والاجتهاد الروحي. وهذا واضح من السياق، لأن موضوع الكلام هو مواهب الروح وبنيان الكنيسة، لا ممتلكات الآخرين أو زوجاتهم أو بيوتهم أو أموالهم.
فالمعنى الصحيح هو: اطلبوا باجتهاد المواهب التي تبني الكنيسة، وليس: اطمعوا في ما لا يخصكم.
الرد المختصر على الشبهة
لا يوجد تناقض بين خروج 20: 17 و1 كورنثوس 12: 31. الوصية «لا تشته» تنهى عن الطمع الشرير في ما يخص الآخرين. أما بولس عندما يقول «جدوا للمواهب الحسنى» أو كما في بعض الترجمات «اشتهوا بغيرة المواهب الأفضل»، فهو يستخدم الكلمة بمعنى «ارغبوا بشدة» أو «اطلبوا باجتهاد». فالمقصود رغبة مقدسة في عطايا الروح التي تبني الكنيسة، لا طمعًا أنانيًا في ما ليس لنا.
الخلاصة
الكتاب لا يدين كل رغبة قوية، بل يدين الرغبة الفاسدة التي تطمع في ما لا يخص الإنسان. لذلك، لا يناقض بولس الوصية العاشرة عندما يحث المؤمنين على طلب المواهب الحسنى، لأن المقصود هو الاجتهاد الروحي في طلب ما يبني الكنيسة، مع الخضوع للروح والمحبة. الاشتهاء الممنوع أناني، أما الرغبة في المواهب الحسنى فهي خادمة ومقدسة إذا كانت محكومة بالمحبة.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 461). Victor Books: Wheaton, Illinois.