هل كان افتخار بولس مخالفًا للكتاب؟ 1 كورنثوس 15: 10
هل كان بولس يمجد نفسه، أم يدافع عن خدمة الإنجيل وينسب كل شيء للنعمة؟

قال الرسول بولس عن خدمته:
«وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي» (1 كورنثوس 15: 10).
وقد يعترض البعض قائلًا: أليس هذا افتخارًا؟ كيف يقول بولس: «تعبت أكثر منهم جميعهم»، مع أن الكتاب ينهى عن الافتخار؟ ألم يقل بولس نفسه:
«لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ» (1 كورنثوس 1: 29).
كما يقول سفر الأمثال:
«لِيَمْدَحْكَ الْغَرِيبُ لاَ فَمُكَ، الأَجْنَبِيُّ لاَ شَفَتَاكَ» (أمثال 27: 2).
فهل ناقض بولس نفسه؟ وهل كان يتباهى بعمله وخدمته؟
الإجابة المختصرة
لا، بولس لم يفتخر افتخارًا جسديًا يمجد نفسه، بل كان يدافع عن صدق رسوليته وخدمة الإنجيل في مواجهة من هاجموه. وحتى حين اضطر أن يتكلم عن أتعابه، وضع كلامه كله تحت سلطان النعمة: «بنعمة الله أنا ما أنا»، و«لا أنا بل نعمة الله التي معي». لذلك فافتخار بولس لم يكن مدحًا للذات، بل شهادة لعمل نعمة الله فيه، ودفاعًا عن الإنجيل، وافتخارًا بالرب وباحتمال الضعف والاضطهاد لأجله.
الفكرة الأساسية: الافتخار المرفوض هو تمجيد الذات والجسد، أما بولس فكان يفتخر بالرب وبنعمة الله العاملة فيه، لا بنفسه مستقلة عن النعمة.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على أن بولس يقول:
«أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ» (1 كورنثوس 15: 10).
وفي مواضع أخرى من 2 كورنثوس يتكلم بولس عن أتعابه وآلامه وخدمته، وكأنه يقارن نفسه بآخرين. لذلك قد يبدو وكأنه يمارس نفس الافتخار الذي نهى عنه.
لكن الحل هو قراءة هذه العبارات في سياقها الكامل، ومع ملاحظة القيود التي يضعها بولس بنفسه على كلامه.
أولًا: بولس يعلن أولًا أن كل شيء بالنعمة
النص نفسه الذي يقول فيه بولس إنه تعب أكثر من الجميع يبدأ بإعلان النعمة:
«وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا» (1 كورنثوس 15: 10).
ثم يقول:
«وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً» (1 كورنثوس 15: 10).
إذن، بولس لا يبدأ من ذاته، بل من نعمة الله. هو لا يقول: أنا صنعت نفسي، أو أنا مصدر نجاح خدمتي، بل يقول إن كل ما هو عليه هو بنعمة الله.
ثانيًا: بولس ينفي أن يكون الفضل له وحده
بعد أن قال:
«أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ» (1 كورنثوس 15: 10).
أضاف فورًا:
«وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي» (1 كورنثوس 15: 10).
هذه العبارة تفسر كل الكلام السابق. بولس لا ينسب العمل إلى ذاته مستقلة عن الله، بل إلى نعمة الله العاملة معه. فهو يعترف بجهده الحقيقي، لكنه لا يجعله أساس افتخار ذاتي.
تمييز مهم: الاعتراف بعمل النعمة في الخدمة ليس كبرياء. الكبرياء هو أن ينسب الإنسان المجد لنفسه لا لله.
ثالثًا: بولس كان يدافع عن الإنجيل لا يمدح ذاته
في 2 كورنثوس، تكلم بولس عن أتعابه ورسوليته لأن خصومه كانوا يهاجمون سلطانه الرسولي، وهذا كان يهدد قبول الكنيسة للإنجيل الذي بشر به. لذلك اضطر أن يرد، لا لأجل كرامته الشخصية، بل لأجل حماية الإنجيل والكنيسة من الخداع.
ولهذا يقول في نفس سياق دفاعه:
«قَدْ صِرْتُ غَبِيًّا وَأَنَا أَفْتَخِرُ. أَنْتُمْ أَلْزَمْتُمُونِي! لأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُمْدَحَ مِنْكُمْ، إِذْ لَمْ أَنْقُصْ شَيْئًا عَنْ فَائِقِي الرُّسُلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ شَيْئًا» (2 كورنثوس 12: 11).
لاحظ أنه يقول: «وإن كنت لست شيئًا». فحتى وهو يدافع عن رسوليته، لا يقدم نفسه كعظيم في ذاته.
رابعًا: بولس وصف هذا النوع من الكلام بأنه «كغباوة»
عندما اضطر بولس أن يتكلم عن أتعابه وآلامه مقارنة بخصومه، قال بوضوح:
«الَّذِي أَتَكَلَّمُ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ بِحَسَبِ الرَّبِّ، بَلْ كَأَنَّهُ فِي غَبَاوَةٍ، فِي جَسَارَةِ الافْتِخَارِ هذِهِ» (2 كورنثوس 11: 17).
هذا يعني أن بولس لم يكن مرتاحًا للغة الافتخار الذاتي، بل استخدمها اضطرارًا وبطريقة ساخرة أو جدلية ضد خصوم كانوا يفتخرون بالجسد. هو كأنه يقول: سأدخل إلى منطقكم الافتخاري لأكشف بطلانه، مع أن هذا ليس هو الطريق الروحي الأعلى.
خامسًا: افتخار بولس كان بالضعف والآلام لا بالكرامة البشرية
الافتخار الجسدي عادة يكون بالقوة، والسلطان، والمكانة، والكرامة، والإنجاز الشخصي. أما بولس، فعندما اضطر أن يفتخر، افتخر بما يُظهر ضعفه وآلامه لأجل المسيح.
قال عن نفسه:
«أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ: فَأَنَا أَفْضَلُ. فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً» (2 كورنثوس 11: 23).
ثم يعدد الجلد، والسجون، والأخطار، والجوع، والعري، والاهتمام بالكنائس. هذا ليس افتخارًا بالترف أو المجد الأرضي، بل بآلام الخدمة واحتمال الصليب.
سادسًا: بولس يفتخر بالرب لا بالجسد
الكتاب لا يمنع كل افتخار بأي معنى، بل يمنع الافتخار بالجسد وبالذات أمام الله. أما الافتخار بالرب فهو مطلوب. يقول بولس نفسه:
«حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ» (1 كورنثوس 1: 31).
وهذا هو نوع افتخار بولس الحقيقي. هو لا يقول: انظروا إلى عظمتي، بل: انظروا إلى ما فعلته نعمة الله في إنسان كان مضطهدًا للكنيسة وصار رسولًا للمسيح.
سابعًا: بولس نفسه كان يعرف أنه لا يستحق
في نفس سياق 1 كورنثوس 15، قبل أن يقول إنه تعب أكثر من الجميع، قال:
«لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ» (1 كورنثوس 15: 9).
هذا ليس كلام إنسان متكبر. بولس يتذكر ماضيه، ويعترف أنه لا يستحق في ذاته أن يُدعى رسولًا. ثم يفسر كل ما صار إليه بالنعمة.
إذن، عندما يقول إنه تعب أكثر من الجميع، فهو لا يقولها كمدح للذات، بل كشهادة أن نعمة الله فيه لم تكن باطلة.
المبدأ الدفاعي: بولس يجمع بين أمرين: الاعتراف الواقعي بتعب الخدمة، والاعتراف الأعمق أن كل الثمر من نعمة الله.
ثامنًا: أمثال 27: 2 لا يمنع الدفاع الضروري عن الحق
يقول سفر الأمثال:
«لِيَمْدَحْكَ الْغَرِيبُ لاَ فَمُكَ، الأَجْنَبِيُّ لاَ شَفَتَاكَ» (أمثال 27: 2).
وهذا مبدأ مهم ضد حب المديح الذاتي. لكن النص لا يعني أن الإنسان لا يجوز له أبدًا أن يدافع عن صدقه أو خدمته عندما يكون الحق نفسه مهددًا.
بولس لم يكن يسعى إلى مديح شخصي، بل كان يدافع عن رسوليته لأن رفض رسوليته كان مرتبطًا برفض الإنجيل الذي تسلمه من المسيح. لذلك لم يكن كلامه طلبًا للتمجيد، بل دفاعًا اضطراريًا عن الخدمة والرسالة.
تاسعًا: الفرق بين الشهادة والافتخار الجسدي
هناك فرق بين أن يشهد الإنسان لعمل الله في حياته، وأن يمجد نفسه. الشهادة تقول: الله عمل في ضعفي. أما الافتخار الجسدي فيقول: أنا عظيم بذاتي.
بولس كان من النوع الأول. فهو يذكر أتعابه ليؤكد أن نعمة الله عملت فيه، لا ليطلب مجدًا مستقلًا لنفسه. لذلك قال:
«بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا» (1 كورنثوس 15: 10).
وقال:
«لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي» (1 كورنثوس 15: 10).
عاشرًا: الافتخار المتوافق مع الاتضاع
قد يبدو التعبير غريبًا، لكن يوجد نوع من «الافتخار» المتوافق مع الاتضاع: هو الافتخار بالرب، وبالنعمة، وبالصليب، وبالضعف الذي تظهر فيه قوة الله.
قال بولس في موضع آخر:
«فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ» (2 كورنثوس 12: 9).
هذا ليس كبرياء، بل اتضاع عميق؛ لأنه لا يجعل الذات مركز المجد، بل يجعل ضعف الإنسان مسرحًا لقوة المسيح.
هل ناقض بولس نفسه؟
لا. بولس يرفض الافتخار الجسدي أمام الله، لكنه يقبل الافتخار بالرب وبنعمة الله. وعندما تكلم عن أتعابه، فعل ذلك دفاعًا عن الإنجيل، لا بحثًا عن مديح شخصي. كما أنه قيّد كلامه باعترافات واضحة: «لست شيئًا»، و«لا أنا»، و«بنعمة الله أنا ما أنا».
لذلك، لا يوجد تناقض بين رفض بولس لافتخار الجسد، وبين شهادته لعمل نعمة الله في خدمته.
الرد المختصر على الشبهة
بولس لم يفتخر افتخارًا جسديًا يمجد ذاته. عندما قال «تعبت أكثر منهم جميعهم»، أضاف مباشرة: «ولكن لا أنا، بل نعمة الله التي معي». وفي 2 كورنثوس، عندما اضطر إلى الكلام عن أتعابه، أوضح أنه يتكلم «كأنه في غباوة»، وأنه «ليس شيئًا». كان هدفه الدفاع عن الإنجيل والرسولية، لا طلب مديح شخصي. لذلك فافتخاره كان بالرب وبالنعمة وباحتمال الآلام لأجل المسيح، وهذا منسجم مع الاتضاع الحقيقي.
الخلاصة
1 كورنثوس 15: 10 لا يقدّم بولس كإنسان متفاخر بذاته، بل كرسول يعرف أنه لا يستحق شيئًا في نفسه، وأن كل ما هو عليه يرجع إلى نعمة الله. تعبه كان حقيقيًا، لكنه لم ينسب الفضل لنفسه، بل قال: «لا أنا، بل نعمة الله». لذلك لا يخالف بولس الكتاب، لأن الافتخار المرفوض هو افتخار الجسد، أما افتخار بولس فكان بالرب وبالنعمة وبالصليب وخدمة الإنجيل.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 462). Victor Books: Wheaton, Illinois.