هل يجوز أخذ مال من غير المؤمنين لخدمة عمل الله؟ يوحنا الثالثة 7
عمل الله يعتمد على شعب الله، لكن قبول العطية بلا شروط ليس ممنوعًا دائمًا

تُثار شبهة حول قول يوحنا الرسول إن الخدام خرجوا من أجل اسم المسيح «وهم لا يأخذون شيئًا من الأمم». فهل يعني هذا أن قبول أي دعم مادي من غير المؤمنين لخدمة الله أمر خاطئ دائمًا؟ وكيف نفهم ذلك في ضوء قبول سليمان مساعدات من أممٍ أخرى عند بناء الهيكل؟
الأصل أن عمل الله يجب أن يدعمه شعب الله، لا أن يُطلب تمويله من غير المؤمنين. لكن هذا لا يعني أن كل عطية من غير المؤمنين يجب رفضها دائمًا، خاصة إن كانت بلا شروط ولا تشتري خدمة أو امتيازًا روحيًا. يوحنا الثالثة 7 يصف موقفًا معينًا ولا يضع قانونًا مطلقًا يمنع كل قبول للعطايا.
الشبهة
يقول يوحنا الرسول عن بعض الخدام:
لأَنَّهُمْ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ خَرَجُوا، وَهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ شَيْئًا مِنَ الأُمَمِ.
يوحنا الثالثة 7
فيبدو من هذا أن الخدام رفضوا أي دعم من غير المؤمنين. لكن في العهد القديم نجد سليمان، عند بناء الهيكل، قد قبل مساعدة من حيرام ملك صور، كما قبل لاحقًا عطايا من ملكة سبأ. فهل هناك تناقض؟ وهل يحرم الكتاب دائمًا أخذ المال أو الدعم من غير المؤمنين لخدمة عمل الله؟
مفتاح الحل هو التمييز بين طلب المال من غير المؤمنين كقاعدة لتمويل عمل الله، وبين قبول عطية لا تحمل شروطًا ولا تشتري امتيازًا روحيًا. كما يجب التمييز بين النص الوصفي الذي يذكر ما حدث، والنص التشريعي الذي يأمر بما يجب أن يحدث دائمًا.
أولًا: القاعدة العامة أن عمل الله يدعمه شعب الله
المبدأ الكتابي العام هو أن الذين ينتفعون روحيًا من الخدمة ينبغي أن يشاركوا ماديًا في دعم الخدام. فالخدمة الروحية ليست تجارة، لكنها تحتاج إلى دعم من المؤمنين الذين يعرفون قيمة العمل الروحي ومسؤوليته.
لذلك يقول بولس الرسول:
إِنْ كُنَّا نَحْنُ قَدْ زَرَعْنَا لَكُمُ الرُّوحِيَّاتِ، أَفَعَظِيمٌ إِنْ حَصَدْنَا مِنْكُمُ الْجَسَدِيَّاتِ؟
كورنثوس الأولى 9: 11
فالأصل أن الكنيسة والمؤمنين هم الذين يحملون مسؤولية دعم الخدمة، لأنهم هم الذين يشتركون في الإيمان والرسالة والغاية. ولا ينبغي أن يُتوقع من غير المؤمنين أن يمولوا قضية الإيمان التي لا يؤمنون بها.
ثانيًا: قبول عطية من غير المؤمنين ليس خطأً في كل الأحوال
مع أن القاعدة العامة هي أن عمل الله يدعمه شعب الله، إلا أن الكتاب لا يقرر أن كل عطية من غير المؤمنين يجب رفضها دائمًا. فقد يقود رفض العطية أحيانًا إلى إساءة غير ضرورية، أو يضع عائقًا أمام شخص قد يكون في طريقه إلى معرفة الله.
في خروج بني إسرائيل من مصر، لم يرفض موسى ما أخذه الشعب من المصريين:
فَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِحَسَبِ قَوْلِ مُوسَى. طَلَبُوا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا. وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ.
خروج 12: 35-36
وكذلك لم يرفض سليمان مساعدة حيرام ملك صور في مواد وخبرات بناء الهيكل:
فَكَانَ حِيرَامُ يُعْطِي سُلَيْمَانَ خَشَبَ أَرْزٍ وَخَشَبَ سَرْوٍ حَسَبَ كُلِّ مَسَرَّتِهِ.
ملوك الأول 5: 10
كما قبل سليمان عطايا ملكة سبأ:
وَأَعْطَتِ الْمَلِكَ مِئَةً وَعِشْرِينَ وَزْنَةَ ذَهَبٍ، وَأَطْيَابًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَحِجَارَةً كَرِيمَةً.
ملوك الأول 10: 10
إذًا، لا يمكن أن يكون المبدأ الكتابي هو رفض كل عطية من غير المؤمنين في كل ظرف. القضية ليست في كون العاطي غير مؤمن فقط، بل في طبيعة العطية، ودافعها، وما إذا كانت تحمل شروطًا أو تساوم على الحق.
ثالثًا: لا يجوز طلب المال من غير المؤمنين كوسيلة لتمويل الخدمة
يوحنا الثالثة 7 يمدح هؤلاء الخدام لأنهم خرجوا من أجل اسم المسيح، ولم يجعلوا غير المؤمنين مصدر تمويل خدمتهم. وهذا مهم، لأن طلب المال من غير المؤمنين لأجل خدمة الكلمة قد يعطي انطباعًا أن الحق يُباع، أو أن الكرازة وسيلة لجمع المال.
لهذا حرص بولس أحيانًا أن يخدم بلا مقابل من بعض الكنائس حتى لا يضع عائقًا أمام الإنجيل، فقال:
أَمْ أَخْطَأْتُ خَطِيَّةً إِذْ أَذْلَلْتُ نَفْسِي كَيْ تَرْتَفِعُوا أَنْتُمْ، لأَنِّي بَشَّرْتُكُمْ مَجَّانًا بِإِنْجِيلِ اللهِ؟
كورنثوس الثانية 11: 7
وقال أيضًا:
فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ تَعَبَنَا وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللهِ وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ.
تسالونيكي الأولى 2: 9
فالمشكلة ليست في الدعم المادي نفسه، بل في أن يظهر الخادم كأنه يبيع الحق، أو يطلب منفعة شخصية من غير المؤمنين باسم الخدمة.
رابعًا: لا تُقبل العطية إذا كانت مشروطة أو تشتري امتيازًا روحيًا
حتى إن جاز قبول بعض العطايا من غير المؤمنين في ظروف معينة، فهناك حد واضح لا يمكن تجاوزه: لا يجوز أن تُقبل عطية تحمل شروطًا تمس الحق، أو تشتري خدمة، أو تطلب امتيازًا روحيًا، أو تؤثر في أمانة الرسالة.
فالمال لا يشتري نعمة، ولا خدمة، ولا منصبًا روحيًا، ولا قبولًا أمام الله. وكل عطية تحاول أن تفرض على الخدمة اتجاهًا أو صمتًا أو تنازلًا، يجب رفضها. لأن عمل الله لا يُدار بالمساومة، ولا تُباع الكلمة مقابل دعم مادي.
خامسًا: نص يوحنا الثالثة وصفي لا تشريعي مطلق
من المهم ملاحظة أن يوحنا الثالثة 7 لا يقول: «لا تأخذوا أبدًا أي شيء من غير المؤمنين». بل يصف ما فعله هؤلاء الخدام في رحلتهم: أنهم لم يقبلوا شيئًا من الأمم. إذًا النص وصفي، أي يذكر حالة معينة، وليس أمرًا تشريعيًا مطلقًا يُطبّق على كل موقف بلا تمييز.
كان هؤلاء الخدام يريدون غالبًا أن يتجنبوا أي مظهر من مظاهر بيع الحق أو التربح من الكرازة، لذلك اعتمدوا على المؤمنين الذين كان عليهم أن يشيعوهم ويدعموهم «كما يحق لله».
أَيُّهَا الْحَبِيبُ، بِالأَمَانَةِ تَصْنَعُ كُلَّ مَا تَفْعَلُهُ إِلَى الإِخْوَةِ وَإِلَى الْغُرَبَاءِ، الَّذِينَ شَهِدُوا بِمَحَبَّتِكَ أَمَامَ الْكَنِيسَةِ. الَّذِينَ تَفْعَلُ حَسَنًا إِذَا شَيَّعْتَهُمْ كَمَا يَحِقُّ للهِ.
يوحنا الثالثة 5-6
| ما ينبغي تجنبه | ما قد يُقبل بشروط صحيحة |
|---|---|
| طلب المال من غير المؤمنين كقاعدة لتمويل خدمة الله. | قبول عطية حرة بلا شروط ولا مساومة على الحق. |
| إظهار الكرازة كأنها تجارة أو وسيلة ربح. | قبول مساعدة لا تعطل الشهادة ولا تشتري امتيازًا. |
| قبول مال يفرض شروطًا أو تنازلات روحية. | قبول إحسان لا يرتبط بشرط ضد الإيمان أو القداسة. |
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين يوحنا الثالثة 7 وبين قبول سليمان أو موسى عطايا من غير المؤمنين. يوحنا يصف موقف خدام اختاروا ألا يأخذوا شيئًا من الأمم حتى لا يعثروا أحدًا أو يظهروا كبائعين للحق. أما أمثلة موسى وسليمان فتُظهر أن قبول عطية من غير المؤمنين ليس ممنوعًا دائمًا، ما دامت لا تحمل شروطًا ولا تشتري امتيازًا روحيًا ولا تفسد الشهادة.
لا ينبغي طلب تمويل عمل الله من غير المؤمنين، لأن عمل الله مسؤولية شعب الله. لكن لا يجب رفض كل عطية من غير المؤمنين في كل حالة، إلا إذا كانت مشروطة أو تسيء إلى الشهادة أو تجعل الحق يبدو كأنه يُباع.
خلاصة دفاعية
الكتاب يوازن بين نقاوة الشهادة وحكمة التعامل. فمن جهة، لا ينبغي أن يعتمد خدام الله على غير المؤمنين في تمويل عمل الإيمان، ولا أن يجعلوا الكرازة تبدو كأنها تجارة. ومن جهة أخرى، لا يضع الكتاب قانونًا جامدًا يمنع قبول أي عطية من غير المؤمنين في كل ظرف. الفيصل هو نقاوة الدافع، وغياب الشروط، وعدم شراء الامتيازات الروحية، وحفظ كرامة الإنجيل. لذلك فالنص في يوحنا الثالثة لا يناقض أمثلة العهد القديم، بل يعلّمنا أن عمل الله يجب أن يبقى حرًا من المساومة، نقيًا في شهادته، ومعتمدًا أساسًا على أمانة شعب الله.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 546. Victor Books: Wheaton, Ill.