تخطى إلى المحتوى

لماذا كان يسوع يدعو نفسه «ابن الإنسان»؟ متى 8: 20

  • بواسطة

لماذا كان يسوع يدعو نفسه «ابن الإنسان»؟ متى 8: 20

اللقب يعلن إنسانيته الحقيقية ومجده المسياني الآتي بحسب دانيال

لماذا كان يسوع يدعو نفسه «ابن الإنسان»؟ متى 8: 20
لماذا كان يسوع يدعو نفسه «ابن الإنسان»؟ متى 8: 20

توجد شبهة أو سؤال حول اللقب الذي كان الرب يسوع يستخدمه كثيرًا عن نفسه: «ابن الإنسان». فإذا كان يسوع هو ابن الله، فلماذا كان يكثر من استخدام لقب «ابن الإنسان»؟ وهل هذا اللقب يقلل من لاهوته؟ أم أنه يكشف جانبًا مهمًا من شخصه وعمله الخلاصي؟

الإجابة المختصرة
يسوع استخدم لقب «ابن الإنسان» لأنه يعلن حقيقته كالمسيح الإلهي المتجسد: إنسان حقيقي يستطيع أن يمثل البشر ويفديهم، وفي الوقت نفسه هو الشخصية السماوية الممجدة في دانيال 7، الذي يأتي على سحاب السماء ويُعطى سلطانًا ومجدًا وملكوتًا. فاللقب لا ينفي لاهوته، بل يجمع بين تجسده ومجده الملكي والدينوني.

الشبهة

أول ظهور للقب «ابن الإنسان» على لسان الرب يسوع في إنجيل متى هو قوله:

للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه.
متى 8: 20

وقد استخدم يسوع هذا اللقب عن نفسه مرات كثيرة في الأناجيل. وهنا يأتي السؤال: لماذا كان يسوع يتكلم عن نفسه غالبًا بصفته «ابن الإنسان»؟ ولماذا لا يكتفي بلقب «ابن الله»؟

فالكتاب يعلن أيضًا أن يسوع هو ابن الله. ففي المعمودية قال الآب:

أنت ابني الحبيب الذي به سررت.
مرقس 1: 11

وعلى جبل التجلي:

هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا.
مرقس 9: 7

والتلاميذ اعترفوا به قائلين:

بالحقيقة أنت ابن الله.
متى 14: 33

فإذا كان يسوع هو ابن الله حقًا، فلماذا يختار لنفسه لقب «ابن الإنسان»؟

مفتاح فهم الشبهة
لقب «ابن الإنسان» لا يعني أن يسوع مجرد إنسان عادي، بل هو لقب مسياني عميق مأخوذ من دانيال 7. وفي الوقت نفسه يؤكد أن المسيح صار إنسانًا حقيقيًا لكي يفدي البشر، لأن الفادي لا بد أن يكون قريبًا من الذين يفديهم.

أولًا: يسوع لم يرفض لقب «ابن الله»

يجب أولًا توضيح أن استخدام يسوع للقب «ابن الإنسان» لا يعني أنه رفض لقب «ابن الله». فالآب نفسه أعلن بنوته الإلهية في المعمودية والتجلي، ويسوع لم يصحح هذا الإعلان أو يرفضه.

كما أن الشياطين نفسها صرخت أمامه:

إنك أنت ابن الله.
مرقس 3: 11

وعندما أعلن بطرس إيمانه قال:

أنت هو المسيح ابن الله الحي.
متى 16: 16

فمدح يسوع اعتراف بطرس، وقال له إن هذا الإعلان لم يأت من لحم ودم، بل من الآب السماوي. إذن لقب «ابن الإنسان» ليس بديلًا عن «ابن الله»، ولا إنكارًا له، بل يعلن جانبًا آخر من هوية المسيح وعمله.

ثانيًا: لقب «ابن الإنسان» مرتبط مباشرة بنبوة دانيال

أهم خلفية للقب «ابن الإنسان» هي نبوة دانيال، حيث يرى النبي شخصية سماوية تأتي مع سحاب السماء:

كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه. فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض.
دانيال 7: 13-14

هذه الشخصية ليست إنسانًا عاديًا. فهو يأتي مع سحب السماء، ويُعطى سلطانًا عالميًا أبديًا، وتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. لذلك عندما يستخدم يسوع لقب «ابن الإنسان»، فهو لا يخفض شأن نفسه، بل يعلن أنه هو الملك المسياني السماوي الذي رآه دانيال.

ثالثًا: يسوع أعلن هذا اللقب في محاكمته أمام قيافا

في محاكمة يسوع، سأله رئيس الكهنة:

أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله؟
متى 26: 63

فأجاب يسوع:

أنت قلت. وأيضًا أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء.
متى 26: 64

هنا جمع يسوع بين لقب «ابن الإنسان» وبين مشهد دانيال 7: الجلوس عن يمين القوة، والمجيء على سحاب السماء. وهذا الإعلان كان واضحًا جدًا لليهود، حتى إنهم فهموه كادعاء للمجد الإلهي والسلطان الدينوني.

إذن لقب «ابن الإنسان» في فم يسوع ليس مجرد تعبير عن التواضع أو البشرية، بل إعلان أنه هو المسيح الملك الديان الذي سيأتي في المجد.

رابعًا: المسيح كان لا بد أن يكون إنسانًا حقيقيًا لكي يفدي البشر

مع ذلك، اللقب يؤكد أيضًا حقيقة إنسانية المسيح. فالفداء يتطلب أن يكون الفادي قريبًا من الذين يفديهم. في العهد القديم توجد فكرة «الولي الفادي» أو «القريب الفادي»، أي الشخص القريب بالنسب الذي يحق له أن يفتدي قريبه أو يسترد ميراثه أو يقيم له حقه.

نجد مثلًا في الشريعة:

بعد أن يبيع نفسه يكون له فكاك. واحد من إخوته يفكه.
لاويين 25: 48

وكذلك في موضوع استرداد الملك:

إذا افتقر أخوك فباع من ملكه، يأتي وليه الأقرب إليه ويفك مبيع أخيه.
لاويين 25: 25

هذه الخلفية مهمة لأن البشر الساقطين يحتاجون إلى فادٍ يمثلهم حقًا. لذلك كان لا بد أن يصير ابن الله إنسانًا حقيقيًا، قريبًا من البشر، لكي يحمل خطاياهم ويموت عنهم.

والكلمة صار جسدًا وحل بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب، مملوءًا نعمة وحقًا.
يوحنا 1: 14

خامسًا: الفادي يجب أن يكون إنسانًا حقيقيًا وإلهًا حقيقيًا

لو كان المسيح مجرد إنسان، لما استطاع أن يقدم فداءً ذا قيمة غير محدودة. ولو كان الله فقط دون تجسد حقيقي، لما مثّل الجنس البشري تمثيلًا حقيقيًا. لذلك كان لا بد أن يكون الفادي إنسانًا حقيقيًا وإلهًا حقيقيًا في آن واحد.

فبصفته إنسانًا، يمثل البشر ويموت عنهم. وبصفته الله الابن، يقدم ذبيحة ذات قيمة غير محدودة. وبهذا يبقى الله عادلًا، وفي الوقت نفسه يبرر الخاطئ المؤمن:

وأما الذي لا يعمل، ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر، فإيمانه يُحسب له برًا.
رومية 4: 5

إذن لقب «ابن الإنسان» يحفظ حقيقة أساسية في الإيمان المسيحي: الفداء لم يتم بمظهر بشري وهمي، بل بتجسد حقيقي وموت حقيقي وقيامة حقيقية.

سادسًا: اللقب يحمي من إنكار ناسوت المسيح الحقيقي

كان من الممكن أن يظن البعض أن يسوع ظهر فقط في هيئة إنسان دون أن يكون إنسانًا حقيقيًا، كما زعمت بعض الاتجاهات الدوسيتية لاحقًا. لكن إصرار يسوع على لقب «ابن الإنسان» يؤكد أنه لم يلبس جسدًا كقناع مؤقت، بل صار إنسانًا حقيقيًا.

وهذا مهم جدًا، لأن المسيح لا يقدر أن يكون فاديًا للبشر إلا إذا شاركهم الطبيعة البشرية مشاركة حقيقية، بلا خطية. لذلك يقول كاتب العبرانيين:

فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس.
عبرانيين 2: 14

فلقب «ابن الإنسان» يعلن أن الذي يفدينا ليس إلهًا بعيدًا عن طبيعتنا، بل ابن الله المتجسد الذي صار واحدًا منا لكي يخلصنا.

سابعًا: ابن الإنسان هو أيضًا الديان الآتي

لأن المسيح عاش كإنسان كامل بلا خطية، فهو أيضًا مؤهل أن يدين البشر. فهو ليس ديانًا لا يعرف التجربة أو الضعف البشري، بل عاش في طبيعتنا، وجُرّب مثلنا، لكنه لم يخطئ.

لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا، بل مجرَّب في كل شيء مثلنا، بلا خطية.
عبرانيين 4: 15

لذلك فابن الإنسان الذي تألم وفدى، هو نفسه الذي سيأتي على سحاب السماء ليدين الأحياء والأموات. وهذا هو جوهر إعلان دانيال 7 الذي طبقه يسوع على نفسه.

مقارنة توضيحية

ما قد يظنه البعض المعنى الكتابي للقب ابن الإنسان
لقب يقلل من لاهوت المسيح. لقب مسياني ملوكي مرتبط بدانيال 7 وسلطان أبدي.
يعني أن يسوع مجرد إنسان. يعني أن ابن الله صار إنسانًا حقيقيًا لكي يفدي البشر.
يناقض لقب ابن الله. يكمله، لأن المسيح هو إله حقيقي وإنسان حقيقي.
مجرد تعبير عن التواضع. إعلان عن الفادي المتجسد والملك الديان الآتي على السحاب.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين أن يكون يسوع «ابن الله» وأن يدعو نفسه «ابن الإنسان». لقب «ابن الله» يعلن علاقته الفريدة بالآب ولاهوته، ولقب «ابن الإنسان» يعلن تجسده الحقيقي وهويته كالمسيح الممجد في دانيال 7. فاللقبان لا يتعارضان، بل يكشفان سر شخص المسيح الواحد: إله حق وإنسان حق.

خلاصة الفكرة
يسوع استخدم لقب «ابن الإنسان» لأنه هو الفادي المتجسد الذي صار إنسانًا حقيقيًا ليمثل البشر، وهو أيضًا الملك السماوي في دانيال 7 الذي يأتي على سحاب السماء ويُعطى سلطانًا أبديًا. اللقب لا ينفي لاهوته، بل يعلن سر التجسد والفداء والمجد الآتي.

خلاصة دفاعية

لقب «ابن الإنسان» ليس دليلًا ضد لاهوت المسيح، بل هو من أقوى الألقاب المسيانية في الكتاب. فهو يربط يسوع بشخصية دانيال 7 السماوية، ويعلن في الوقت نفسه إنسانيته الحقيقية الضرورية للفداء. فالمسيح كان لا بد أن يكون قريبًا منا لكي يفدينا، ولا بد أن يكون الله لكي تكون ذبيحته ذات قيمة غير محدودة. لذلك كان يسوع يدعو نفسه «ابن الإنسان» لأنه هو الكلمة المتجسد، الفادي القريب، والملك الديان الآتي في المجد.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 322. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

لماذا كان يسوع يدعو نفسه «ابن الإنسان»؟ متى 8: 20