هل قصد يسوع أنه سيأتي ثانية في حياة تلاميذه؟ متى 16: 28
المقصود ظهور تمهيدي لملكوته لا المجيء النهائي في المجد والدينونة

تُثار شبهة حول قول الرب يسوع إن بعض الواقفين معه لن يذوقوا الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته. فيظن البعض أن المسيح كان يتنبأ بمجيئه الثاني النهائي في حياة تلاميذه، وأن هذا لم يحدث، فيكون النص خطأً. لكن عند قراءة العبارة في سياقها، يتضح أن المسيح يتكلم عن مظهر تمهيدي لمجيئه وملكوته، لا عن المرحلة النهائية الكاملة التي يأتي فيها مع ملائكته في المجد للدينونة العامة.
لم يقصد يسوع في متى 16: 28 أن المجيء الثاني النهائي سيحدث قبل موت كل التلاميذ، بل قصد أن بعضهم سيرون إعلانًا تمهيديًا لقوة ملكوته قبل موتهم. وقد يكون هذا قد تحقق بصورة قوية في يوم الخمسين بحلول الروح القدس، وربما له صلة أيضًا بالتجلي أو بدينونة أورشليم سنة 70م.
الشبهة
قال الرب يسوع:
فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ.
متى 16: 27
ثم قال مباشرة:
اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ.
متى 16: 28
فيقول المعترض: بما أن المسيح تكلم في العدد السابق عن مجيئه في المجد مع ملائكته للدينونة، ثم قال إن بعض الحاضرين لن يموتوا حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته، فهل كان يقصد أن مجيئه الثاني النهائي سيحدث في حياة تلاميذه؟ وإذا كان كذلك، أليس هذا نبوءة لم تتحقق؟
مفتاح الحل هو التمييز بين المجيء النهائي الكامل في المجد والدينونة، وبين إعلانات تمهيدية لقوة الملكوت ومجيء المسيح بمعنى حضوره وسلطانه. متى 16: 28 لا يلزم أن يشير إلى المجيء الثاني النهائي، بل إلى رؤية بعض التلاميذ لمظهر من ملكوت المسيح قبل موتهم.
أولًا: العدد يتكلم عن تحقق قبل موت بعض السامعين لا عن نهاية العالم
المسيح يقول إن «من القيام ههنا قومًا» لن يذوقوا الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته. وهذا يعني أن الحدث المقصود سيحدث فعلًا في حياة بعض السامعين. لذلك لا بد أن نفهم العبارة عن مظهر قريب من مجيء الملكوت، لا عن المجيء النهائي الشامل الذي لم يحدث بعد.
فالكلام لا ينفي المجيء الثاني النهائي، ولا يختصر كل التعليم الأخروي في حدث واحد، بل يشير إلى إعلان تمهيدي لسلطان المسيح وملكوته سيختبره بعض التلاميذ في حياتهم.
ثانيًا: الاحتمال الأول هو التجلي على الجبل
الاحتمال الأول أن المسيح كان يشير إلى حادثة التجلي، المذكورة مباشرة بعد ذلك في متى 17. فقد أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا إلى جبل عالٍ، وتجلّى قدامهم، وظهر موسى وإيليا يتكلمان معه:
وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ.
متى 17: 1-2
في التجلي رأى بطرس ويعقوب ويوحنا لمحة من مجد المسيح السماوي، وكأنهم رأوا بصورة مسبقة بهاء الملكوت. وهذا يفسر قول المسيح إن «بعض» الواقفين معه فقط سيرون ذلك، لأن ثلاثة فقط من التلاميذ شاهدوا التجلي.
لكن بحسب تحليل المصدر، هذا الاحتمال ليس الأقوى وحده، لأن تركيز حادثة التجلي، خاصة في لوقا، كان على «خروج» المسيح، أي آلامه وموته وقيامته، أكثر من كونه إعلانًا مباشرًا عن مجيئه الملكي النهائي:
اللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ، وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ.
لوقا 9: 31
ثالثًا: الاحتمال الأقوى هو مجيء المسيح بالروح القدس في يوم الخمسين
الاحتمال الثاني، وهو الأرجح عند المصدر، أن المقصود تحقق تمهيدي لمجيء المسيح في حلول الروح القدس على الكنيسة يوم الخمسين. فقد وعد الرب تلاميذه قبل الصليب:
لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ.
يوحنا 14: 18
وهذا الوعد جاء في سياق حديثه عن إرسال الروح القدس، «المعزي الآخر» وروح الحق:
وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ.
يوحنا 14: 16-17
ثم قال أيضًا:
إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا.
يوحنا 14: 23
إذًا، هناك معنى حقيقي يأتي فيه المسيح إلى تلاميذه بروحه، لا كظهور جسدي منظور، بل كحضور إلهي داخلي بقوة الروح القدس. وهذا تحقق علنًا وبقوة في يوم الخمسين:
وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
أعمال 2: 2-4
بهذا المعنى لم يترك المسيح تلاميذه يتامى، بل أتى إليهم بقوة الروح القدس، وبدأ ملكوته يظهر بقوة في الكنيسة والكرازة والتوبة وانتشار الإنجيل.
رابعًا: مجيء المسيح بالروح لا يعني غياب شخصه بل حضورًا حقيقيًا
قد يتصور البعض أن مجيء المسيح بالروح القدس مجاز ضعيف، لكن العهد الجديد يربط حضور المسيح في المؤمن بعمل الروح القدس. فعندما يدخل الروح القدس قلب المؤمن، يكون المسيح نفسه حاضرًا فيه كمخلّص ورب.
نقرأ في سفر الرؤيا:
هأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.
رؤيا 3: 20
هذا لا يتكلم عن ظهور جسدي مرئي للمسيح لكل مؤمن، بل عن دخول المسيح إلى حياة الإنسان بقوة الروح وتحويل القلب. ومن هنا يمكن فهم متى 16: 28 عن مجيء تمهيدي حقيقي للمسيح في ملكوته، اختبره كثيرون ممن كانوا أحياء في ذلك الجيل.
خامسًا: الاحتمال الثالث هو دينونة أورشليم سنة 70م
هناك احتمال ثالث، وهو أن المقصود قد يشمل دينونة أورشليم سنة 70م، حين دُمّر الهيكل والمدينة على يد الرومان بقيادة تيطس. فقد تنبأ يسوع عن خراب الهيكل:
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ.
متى 24: 2
كما بكى على أورشليم وتكلم عن خرابها الآتي:
فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ، وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ.
لوقا 19: 43-44
بهذا المعنى يمكن أن يقال إن المسيح أتى في دينونة على المدينة التي رفضته. لكن هذا الاحتمال، بحسب المصدر، أضعف من يوم الخمسين، لأنه لا يُظهر بوضوح بهاء الملكوت ومجد المسيح بنفس القوة التي ظهرت في انسكاب الروح القدس وتأسيس الكنيسة.
سادسًا: المقصود ليس المجيء النهائي مع الملائكة في الدينونة العامة
ينبغي التمييز بين متى 16: 27 ومتى 16: 28. العدد 27 يتكلم عن المجيء النهائي العظيم في مجد الآب مع الملائكة لمجازاة كل واحد حسب عمله. أما العدد 28 فيشير إلى رؤية قريبة لابن الإنسان آتيًا في ملكوته، أي إعلان مسبق وتمهيدي لقوة هذا الملكوت.
فالخطأ هو افتراض أن كل استعمال للغة «المجيء» يجب أن يشير إلى المرحلة النهائية نفسها. الكتاب قد يتكلم عن مجيء المسيح بمعانٍ مختلفة: مجيئه في المجد النهائي، أو حضوره الروحي في المؤمنين، أو مجيئه في الدينونة على مدينة أو نظام، أو ظهور مجده بصورة مسبقة كما في التجلي.
| الاحتمال | وجه القوة | درجة الترجيح |
|---|---|---|
| التجلي | بعض التلاميذ رأوا مجد المسيح السماوي قبل موتهم. | ممكن، لكنه ليس الأقوى لأن تركيز التجلي كان على خروج المسيح وآلامه. |
| يوم الخمسين | المسيح أتى إلى تلاميذه بالروح القدس، وظهر ملكوته بقوة في الكنيسة. | الأرجح بحسب اتجاه المصدر. |
| خراب أورشليم سنة 70م | تحققت دينونة المسيح على المدينة التي رفضته. | ممكن، لكنه أضعف من الخمسين من جهة إظهار مجد الملكوت. |
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض ولا نبوءة فاشلة. المسيح لم يقل إن المجيء الثاني النهائي سيحدث قبل موت كل التلاميذ، بل قال إن بعضهم سيرون ابن الإنسان آتيًا في ملكوته. وهذا تحقق بصورة تمهيدية في ظهور مجده، وبقوة خاصة في حلول الروح القدس يوم الخمسين، وربما أيضًا في دينونة أورشليم سنة 70م.
متى 16: 28 لا يتكلم بالضرورة عن المجيء النهائي الكامل، بل عن إعلان قريب لقوة ملكوت المسيح قبل موت بعض السامعين. والأقوى أن هذا تحقق في يوم الخمسين، حين أتى المسيح إلى تلاميذه بالروح القدس وبدأ ملكوته يظهر بقوة في الكنيسة.
خلاصة دفاعية
الشبهة تقوم على افتراض أن عبارة «ابن الإنسان آتيًا في ملكوته» لا يمكن أن تعني إلا المجيء الثاني النهائي. لكن هذا الافتراض غير لازم. فالمسيح نفسه وعد تلاميذه أنه سيأتي إليهم بروحه ولن يتركهم يتامى، وقد تحقق هذا في يوم الخمسين بقوة ظاهرة. كما أن التجلي أعطى بعض التلاميذ لمحة من مجده، وخراب أورشليم أظهر دينونته التاريخية على المدينة الرافضة. لذلك فمتى 16: 28 لا ينقض صدق المسيح، بل يعلن أن ملكوته بدأ يظهر في التاريخ قبل اكتماله النهائي في مجيئه الأخير.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 326. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.