أصالة متى 28:19 والمعمودية باسم الثالوث و«باسم يسوع» في سفر الأعمال
أصالة متى 28:19 والمعمودية باسم الثالوث و«باسم يسوع» في سفر الأعمال
دراسة نصية وآبائية وليتورجية وتفسيرية في خمسة مباحث
تمهيد منهجي
يقول المسيح لتلاميذه في خاتمة إنجيل متى:
«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ».
بينما يصف سفر الأعمال المعمودية في عدة مواضع بأنها:
- «على اسم يسوع المسيح» في أعمال 2:38.
- «باسم الرب يسوع» في أعمال 8:16.
- «باسم يسوع المسيح» في أعمال 10:48.
- «باسم الرب يسوع» في أعمال 19:5.
وقد بُني على ذلك اعتراض مركب:
- لعل الصيغة الثالوثية في متى 28:19 ليست أصلية.
- ولو كانت أصلية، لكان الرسل قد استعملوها في سفر الأعمال.
- وبما أن لوقا الرسول في سفر الأعمال يقول إنهم عمّدوا باسم يسوع، فلا بد أن المعمودية الرسولية كانت باسم يسوع وحده، وبالتالي فصيغة المعمودية باسم الثالوث، لم يقلها المسيح.
- وربما تكون الكنيسة قد استبدلت الصيغة القديمة بصيغة ثالوثية متأخرة.
لكن هذا الاعتراض يخلط بين خمسة أسئلة مختلفة:
- السؤال النصي: ماذا كتب متى في نص إنجيله بحسب علم النقد النصي الذي يعتمد على مقارنة المخطوطات، والترجمات، وأقوال الآباء وكتب الليتورجيا والطقوس الكنسية.
- السؤال التاريخي والليتورجي: كيف كانت الكنيسة القديمة تقيم المعمودية عمليا؟
- السؤال الأدبي: هل كان لوقا (في سفر أعمال الرسل) يسجل الكلمات الطقسية حرفيًا، أم يصف المعمودية بحسب سلطان المسيح والانتماء إليه؟
- السؤال الكرازي: لماذا أبرز الرسل اسم يسوع أمام جماعات بعينها؟
- السؤال الثالوثي: هل ذكر الابن/المسيح/يسوع المسيح في عمل إلهي يعني استبعاد الآب والروح، أم أن الأقانيم غير منفصلين في الوجود والحضور والعمل؟
ولهذا تنقسم الدراسة إلى خمسة مباحث مستقلة:
- التحقيق النصي لمتى 28:19.
- الأدلة المباشرة لممارسة الكنيسة القديمة للمعمودية باسم الثالوث.
- التفسيرات الآبائية لعبارات المعمودية باسم يسوع. ولماذا ذكر سفر الأعمال “المعمودية باسم يسوع المسيح”؟
- اختلاف التركيز بين الأمم وبين الجماعات التي عرفت إله إسرائيل مسبقًا.
- الاتحاد الأقنومي الأقنومي، ودلالة ذكر المسيح على الآب والروح القدس.
الرد النهائي المختصر
الاعتراض يقول:
لو كان متى 28:19 أصيلًا، لعمّد الرسل بالصيغة الثالوثية، لكن أعمال الرسل يقول إنهم عمّدوا باسم يسوع.
والجواب المركب هو:
1. نصيًا: الصيغة الثالوثية ثابتة في جميع المخطوطات اليونانية التي تحوي الموضع، وفي الترجمات القديمة الباقية، ومعروفة قبل نيقية.
2. تاريخيًا وليتورجيًا: الكنيسة القديمة مارست المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس في مناطق متعددة ومنذ الشهادات المبكرة.
3. أدبيًا: عبارات سفر الأعمال لا تقدم نقلًا حرفيًا كاملًا لطقس المعمودية، بل تصف المعمودية بحسب المسيح الذي تُقام بسلطانه وإليه ينضم المعتمد.
4. كرازيًا: الجماعات الأربع في سفر أعمال الرسل كانت تعرف إله إسرائيل أو تتجه إلى عبادته، وكان العنصر الاعترافي الجديد هو أن يسوع هو المسيح والرب.
5. ثالوثيًا: ذكر المسيح يتضمن تلقائيًا ذكر:
- الآب هو الذي مسحه.
- الابن هو الممسوح.
- الروح هو المسحة.
- المعمودية من الآب بالابن في الروح.
- الأقانيم غير منفصلين في السكنى والعمل.
المبحث الأول
التحقيق النصي لمتى 28:19
أولًا: تحديد مجال النقد النصي
ينبغي التفريق بين سؤالين:
السؤال الأول: هل نطق يسوع تاريخيًا بهذه العبارة حرفيًا؟
هذا سؤال تاريخي وتفسيري يتعلق بإعادة بناء كلمات يسوع، وبعلاقة الصياغة الإنجيلية بالتقليد الكنسي.
السؤال الثاني: هل كانت عبارة: «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس»
جزءًا أصيلًا مما القديس متى في انجيله، أم أُدخلت لاحقًا في مخطوطات الإنجيل؟
هذا هو سؤال النقد النصي بالمعنى الدقيق. والنقد النصي لا يبدأ من تصور لاهوتي مسبق، بل من:
- المخطوطات اليونانية.
- الترجمات القديمة.
- اقتباسات الآباء.
- الكتب الليتوريجية والطقسية.
- تاريخ انتقال النص.
- صعوبة القراءات وانتشارها الجغرافي.
- احتمال الحذف أو الإضافة من جهة الناسخ.
والنتيجة النصية الصريحة والمباشرة والمذهلة هي:
لا توجد أي مخطوطة يونانية معروفة تحذف أسماء الآب والابن والروح القدس من متى 28:19 مطلقًا، ولا توجد مخطوطة يونانية تقرأ في الموضع: «تلمذوا جميع الأمم باسمي» مطلقًا.
ثانيًا: النص اليوناني
النص النقدي لمتى 28:19 هو:
πορευθέντες οὖν μαθητεύσατε πάντα τὰ ἔθνη, βαπτίζοντες αὐτοὺς εἰς τὸ ὄνομα τοῦ πατρὸς καὶ τοῦ υἱοῦ καὶ τοῦ ἁγίου πνεύματος
وترجمته الدقيقة:
«فاذهبوا إذًا وتلمذوا جميع الأمم، معمّدين إياهم إلى اسم الآب والابن والروح القدس».
التركيب:
εἰς τὸ ὄνομα
يعني حرفيًا «إلى الاسم»، ويمكن أن يدل على الإدخال في علاقة أو تبعية أو ملكية أو اعتراف وسلطان، لا على مجرد نطق أصوات لفظية فوق الماء.
والكلمة «اسم» مفردة، ثم تليها ثلاثة مضافات: الآب. الابن. الروح القدس.
ثالثًا: المخطوطات اليونانية الكبرى
1. المخطوطة السينائية من القرن الرابع — Codex Sinaiticus
2. المخطوطة الفاتيكانية من القرن الرابع — Codex Vaticanus
3. المخطوطة الإسكندرانية من القرن الخامس — Codex Alexandrinus
4. مخطوطة بيزا من القرن الخامس — Codex Bezae
5. المخطوطة الواشنطونية من القرن الرابع/الخامس — Codex Washingtonianus
رابعًا: البرديات من القرن الثاني أو الثالث
لا توجد بردية مبكرة باقية تحفظ الصفحة الأخيرة من إنجيل متى وتتيح مقارنة الصيغتين. ولذلك فإن أقدم الشواهد اليونانية المباشرة الباقية للآية ترجع إلى القرن الرابع.
لكن غياب بردية أقدم ليس دليلًا على أن العبارة لم تكن موجودة؛ لأن:
- لا توجد بردية منافسة تحمل قراءة أقصر.
- أقدم المخطوطات الكاملة متفقة.
- الترجمات القديمة متفقة.
- الصيغة معروفة في الأدب الكنسي قبل المخطوطات الكبرى بزمن طويل.
- ترتليان وإيرينيئوس يشهدان للنص قبل مجمع نيقية بأكثر من قرن.
- الديداخي ويوستينوس يشهدان لاستعمال المعمودية الثالوثية في مرحلة أبكر.
وبالتالي، فالمخطوطات اليونانية تشهد بشكل تام وكامل وحاسم لصيغة المعمودية الثالوثية (باسم الآب والابن والروح القدس).
خامسًا: الترجمات اللاتينية القديمة والفولجاتا
1. النص اللاتيني
تقرأ الفولجاتا:
Euntes ergo docete omnes gentes, baptizantes eos in nomine Patris et Filii et Spiritus Sancti.
English
“Baptizing them in the name of the Father and of the Son and of the Holy Spirit.”
الترجمة العربية
«معمّدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس».
النص اللاتيني الكامل ثابت في تقليد الفولجاتا.
2. أهمية الشهادة اللاتينية السابقة للفولجاتا
لا يعتمد إثبات النص على ترجمة جيروم وحدها؛ لأن ترتليان، قبل جيروم بنحو قرنين، ينقل الصيغة اللاتينية ويصفها بأنها «قانون التعميد والصيغة المقررة».
كما يستشهد بها كبريانوس في القرن الثالث. وهذا يدل على أن النص كان حاضرًا في التقليد اللاتيني الأفريقي قبل ظهور الفولجاتا.
سادسًا: الترجمات السريانية
1. البشيطا السريانية
تحفظ البشيطا متى 28:19 بالصيغة الكاملة.
English — Etheridge
“Baptize them in the name of the Father, and of the Son, and of the Spirit of Holiness.”
الترجمة العربية
«وعمّدوهم باسم الآب والابن وروح القداسة».
وتقدم ترجمات مردوخ وغيرها المعنى نفسه.
2. السريانية القديمة
المخطوطتان السريانيتان القديمتان الأشهر، السينائية والكيريتونية، لا تحفظان خاتمة إنجيل متى كاملة في الموضع الذي يتيح لهما أن تشهدا لمتى 28:19.
ولهذا لا يجوز القول:
- إنهما تؤيدان الصيغة الثالوثية.
- أو إنهما تحذفانها.
بل هما شاهدان محايدان بسبب الفقد المادي في هذا الموضع.
والقاعدة النقدية هي أن الصفحة المفقودة لا تُعامل كقراءة مخالفة.
سابعًا: الترجمات القبطية
يحفظ النص الصعيدي القبطي لمتى 28:19 المعنى الثالوثي الكامل.
English rendering
“Baptizing them in the name of the Father and the Son and the Holy Spirit.”
الترجمة العربية
«معمّدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس».
وتتيح قاعدة Coptic Scriptorium فحص نص متى 28 في الطبعة الصعيدية الرقمية.
وتكتسب الشهادة القبطية أهمية جغرافية؛ لأنها تمثل تقليدًا لغويًا مصريًا مستقلًا عن اللاتينية والسريانية، ومع ذلك لا تحمل صيغة «باسمي».
ثامنًا: شهادة الآباء السابقين لمجمع نيقية
هذه الشهادة مهمة؛ لأنها تسبق الادعاء بأن مجمع نيقية أو قسطنطين أدخل الصيغة.
1. الديداخي 7 (70-100 م)
English
“Baptize into the name of the Father, and of the Son, and of the Holy Spirit.”
الترجمة العربية
«أما بخصوص المعمودية، فعمّدوا هكذا: بعدما تعلّمون جميع الأمور السابقة، عمّدوا باسم الآب والابن والروح القدس في ماء جارٍ (حي). وإن تعذر الماء الجاري فليكن في ماء آخر، وإن لم يوجد ماء كافٍ للغطس، فليُسكب الماء ثلاث مرات على الرأس باسم الآب والابن والروح القدس».
فالديداخي لا تثبت فقط معرفة العبارة، بل تثبت استخادمها عمليا في التعليم الطقسي المبكر.
2. يوستينوس الشهيد – الدفاع الأول، الفصل 61 – (150 م)
English
“In the name of God the Father, Jesus Christ, and the Holy Spirit, they receive the washing with water.”
الترجمة العربية
«يُقاد الذين اقتنعوا بالإيمان إلى موضع فيه ماء، ويولدون من جديد بالطريقة التي وُلدنا بها نحن من جديد؛ إذ ينالون الاغتسال بالماء باسم الله الآب ورب الكون، وباسم مخلصنا يسوع المسيح، وباسم الروح القدس».
هذه شهادة من منتصف القرن الثاني على ممارسة فعلية، وليس هذا فحسب، بل أن يوستينوس يشهد أن هذه هي الطريقة التي تم عماده بها هو وآخرين، وبهذا يعطي تطبيقا عمليا وطقسيا لاستخدام هذه الصيغة الثالوثية للمعمودية لزمن أقدم من زمن كتابة هذا العمل
3. إيرينيئوس (ضد الهرطقات 3: 17: 1) 180 م
في كتابه ضد الهرطقات ينقل إيرينيئوس أمر المسيح:
English
“Go and teach all nations, baptizing them in the name of the Father, Son, and Holy Spirit.”
الترجمة العربية
«وإذ أعطى الرب تلاميذه سلطان التجديد إلى الله، قال لهم: اذهبوا وعلّموا جميع الأمم، معمّدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس».
وهذه شهادة من القرن الثاني، سابقة لمجمع نيقية ولأقدم المخطوطات الكاملة الباقية.
4. ترتليان (ضد براكيسياس، الفصل 26) 216 م
«بعد قيامته… أمرهم أن يعمدوا باسم الآب والابن والروح القدس، وليس باسم إله أقنومي واحد. فنحن لا نُغمر في الماء مرة واحدة، بل ثلاث مرات، عند نطق كل اسم من أسماء الأقانيم الثلاثة».
5. كبريانوس – الرسالة إلى يوباينوس
English
“Christ commands the Gentiles to be baptized in the full and united Trinity.”
الترجمة العربية اللاهوتية
«المسيح نفسه يأمر بأن تعتمد الأمم في الثالوث الكامل المتحد، باسم الآب والابن والروح القدس».
ويقول إن الرب بعد قيامته علّم الرسل:
«الكيفية التي ينبغي أن يعمدوا بها».
وكتابته ترجع إلى القرن الثالث.
عاشرًا: اقتباسات يوسابيوس القيصري
1. الصيغة المختصرة عند يوسابيوس
يختصر يوسابيوس الصيغة الثالوثية للعماد في صيغة مختصرة (وسنعرف السبب) حيث يقول:
English
“Go, and make disciples of all nations in my name.”
الترجمة العربية
«اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي».
2. هل يمثل ذلك قراءة مخطوطية بديلة؟
لا مطلقًا، فلا توجد مخطوطة يونانية تحمل هذه القراءة في متى 28:19، ولذلك لا يصح إدراج صياغة يوسابيوس هذه بوصفها «قراءة مخطوطية»، لأنه لا يوجد لها دعم مخطوطي.
بل يجب بحث احتمالين:
- أن يوسابيوس كان يعيد صياغة مضمون الإرسالية والعماد الثالوثي، مركزًا على سلطان المسيح.
- أو أنه نقل تقليدًا مختصرًا أو ذاكرة اقتباسية، لا نصًا حرفيًا من نسخة متى.
3. يوسابيوس نفسه يعرف الصيغة الكاملة ويذكرها في أعماله كثيرًا
في رسالته إلى كنيسة قيصرية:
English
“Go teach all nations, baptizing them in the Name of the Father, Son, and Holy Ghost.”
الترجمة العربية السياقية
«نؤمن بأن الآب آب حقًا، والابن ابن حقًا، والروح القدس روح قدس حقًا، كما قال ربنا عندما أرسل تلاميذه: اذهبوا وعلّموا جميع الأمم، معمّدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس».
كما تحوي الثيوفانيا أيضًا نص الإرسالية كاملًا:
«اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس».
وفي اللاهوت الكنسي يفسر الأقانيم الثلاثة في المعمودية:
- الآب يمنح النعمة.
- الابن يخدم تدبيرها.
- الروح يوزع المواهب.
4. الحكم النقدي على يوسابيوس
لا يمكن استعمال يوسابيوس لإثبات أن جميع مخطوطات متى قبل نيقية كانت تقرأ «باسمي»، للأسباب التالية:
- لا توجد مخطوطة تحمل هذه القراءة النصية أصلا.
- يوسابيوس نفسه ينقل الصيغة الكاملة لمرات كثيرة.
- كان يختصر النصوص ويجمع بينها في سياقات خطابية.
- الصيغة المختصرة تظهر غالبًا في سياق إثبات انتشار الكرازة باسم المسيح، لا في شرح نص المعمودية تفصيلًا.
إذن اقتباسات يوسابيوس مسألة اقتباس آبائي، لا اختلافًا نصيًا مثبتًا في مخطوطات القديس متى.
الحادي عشر: كتب الليتورجيا والقراءات الكنسية
تثبت كُتب التعليقات النصية أن القراءات الكنسية اليونانية التي تحفظ متى 28:19 تحمل الصيغة الثالوثية، ولا تقدم قراءة «باسمي» بديلة.
كما يظهر النص في:
- طقوس المعمودية.
- قوانين الكنيسة.
- تعليم الموعوظين.
- استجوابات الإيمان.
- الثلاث غطسات في المعمودية.
وهذا لا يُستخدم بدل المخطوطات، لكنه يثبت أن النص لم يكن عبارة نظرية متأخرة فحسب، بل كان متجذرًا في ممارسة الكنائس اليومية في مناطق مختلفة عالميا، وهذا كله يؤيد الاستخدام القديم جدا لهذه الصيغة تنفيذا لكلام الرب يسوع المسيح.
النتيجة النصية للمبحث الأول
وفق قواعد النقد النصي:
- القراءة الثالوثية هي القراءة الوحيدة المدعومة بالمخطوطات اليونانية عالميا.
- الترجمات اللاتينية والسريانية الباقية والقبطية تؤيدها عالميا.
- الآباء السابقون لنيقية يعرفون الصيغة بشكل مذهل عالميا.
- يوسابيوس لا يقدم مخطوطة بديلة، وهو نفسه يشهد أكثر من مرة للنص الكامل كما هو في إنجيل القديس متى (المعمودية باسم الثالوث).
المبحث الثاني
شهادات الكنيسة القديمة على المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس
لن نكتفي بمجرد اقتباس نظري لمتى 28:19 الذي يحوي صيغة المعمودية على اسم الثالوث، لكن الدليل الأقوى هو ما كان:
- تعليمات طقسية عملية.
- وصفًا لمعمودية فعلية.
- شهادة لمعمّدين عما جرى معهم عمليا.
- استجوابًا إيمانيًا مرتبطًا بالغطس عمليا.
- قانونًا يحدد صحة المعمودية عمليا.
1. الديداخي — الفصل السابع
English
“Pour water three times upon the head in the name of Father, Son, and Holy Spirit.”
الترجمة العربية
«أما المعمودية، فعمّدوا هكذا: بعد تعليم الموعوظ ما سبق، عمّدوه باسم الآب والابن والروح القدس في ماء جارٍ. وإن لم يوجد ماء جارٍ فليكن ماء آخر، وإن لم يمكن في ماء بارد ففي دافئ. وإن لم يوجد من الماء ما يكفي للغطس، فاسكب الماء ثلاث مرات على الرأس باسم الآب والابن والروح القدس».
الدلالة
هذه تعليمات تنفيذية:
- نوع الماء.
- البدائل عند الضرورة.
- عدد مرات السكب.
- الاسم الذي تتم فيه المعمودية.
فهي من أقوى الأدلة المباشرة.
2. يوستينوس الشهيد — الدفاع الأول 61
English
“They are regenerated as we were, receiving the washing in the Father, Jesus Christ, and the Holy Spirit.”
الترجمة العربية
«يُقاد الذين آمنوا والتزموا بالحياة التي علّم بها المسيح إلى حيث يوجد الماء، فيولدون من جديد بالطريقة نفسها التي وُلدنا نحن بها من جديد؛ إذ يُغسلون بالماء باسم الله الآب ورب الكون، وباسم مخلصنا يسوع المسيح، وباسم الروح القدس».
الدلالة
يوستينوس يقول:
- «يُقادون من قبلنا».
- «ينالون الاغتسال».
- «كما وُلدنا نحن من جديد».
فهو يصف ممارسة جماعته في منتصف القرن الثاني.
3. إيرينيئوس — برهان الكرازة الرسولية 3
English
“We received baptism in God the Father, Jesus Christ the Son, and the Holy Spirit of God.”
الترجمة العربية اللاهوتية
«ينبغي أولًا أن نتذكر أننا قد نلنا المعمودية لمغفرة الخطايا باسم الله الآب، وباسم يسوع المسيح ابن الله، الذي تجسد ومات وقام، وبالروح القدس روح الله».
الدلالة
العبارة الأساسية هي:
«نحن قد نلنا المعمودية».
إذن النص يصف المعمودية التي تسلمتها الكنيسة، لا مجرد نص نظري. والعمل محفوظ أساسًا في ترجمة أرمنية قديمة عن أصل يوناني مفقود، ولذلك لا يصح اختلاق أصل يوناني له.
4. ترتليان — في المعمودية 6 و13
English
“Faith is sealed in the Father, Son, and Holy Spirit.”
الترجمة العربية السياقية
«الإيمان يُختم في الآب والابن والروح القدس؛ فقد فُرض قانون التعميد، ووُضعت الصيغة المقررة: عمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس».
الدلالة
يربط ترتليان:
- الإيمان.
- الماء.
- الختم.
- الأقانيم الثلاثة.
- صيغة المسيح المقررة.
5. التقليد الرسولي — الفصل 21
ينبغي الاحتياط في نسبة العمل إلى هيبوليتس؛ فالنسبة والتاريخ وطبقات النص محل نقاش. لكن النص يمثل تقليدًا كنسيًا قديمًا في طقس المعمودية.
English
“Do you believe in God the Father Almighty? … I believe. And he shall immerse him once.”
الترجمة العربية السياقية
«عندما ينزل المعتمد إلى الماء، يضع خادم المعمودية يده عليه ويسأله: أتؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ فيجيب: أؤمن، فيغطسه مرة. ثم يسأله: أتؤمن بالمسيح يسوع ابن الله؟ فيجيب: أؤمن، فيغطسه ثانية. ثم يسأله عن الإيمان بالروح القدس والكنيسة وقيامة الجسد، فيجيب: أؤمن، فيغطسه للمرة الثالثة».
الدلالة
نجد هنا صيغة وطريقة طقسية تفصيلية ترتبط بالإيمان، حيث يُسأل فيها المعمَّد عن إيمانه تفصيلا بالثالوث، وليس حتى مجرد ذكر لصياغة سماعية له (أعمدك باسم الآب والإبن والروح القدس)، مما يدل صراحةً على استقرار هذا النص وهذه الصيغة عند العماد.
6. كبريانوس — الرسالة إلى يوباينوس
English
“Christ commands the Gentiles to be baptized in the full and united Trinity.”
الترجمة العربية اللاهوتية
«المسيح نفسه يأمر بأن تعتمد الأمم في الثالوث الكامل المتحد، باسم الآب والابن والروح القدس».
ويقول إن الرب بعد قيامته علّم الرسل:
«الكيفية التي ينبغي أن يعمدوا بها».
الدلالة
السياق نزاع عملي حول معمودية الهراطقة، ولذلك تعد الصيغة معيارًا كنسيًا لتقييم المعمودية، لا مجرد اقتباس عقائدي.
7. النص الأورشليمي المعروف بالعظة الميستاغوجية الثانية 4
نسبة العظات الميستاغوجية إلى كيرلس نفسه أو إلى يوحنا الثاني الأورشليمي محل بحث، لكن النص شاهد على طقس أورشليم في القرن الرابع.
English
“..Each was asked whether he believed in the Father, Son, and Holy Spirit…”
الترجمة العربية اللاهوتية
«بعد ذلك اُقتيد كل واحد منكم إلى جرن المعمودية المقدسة، كما حُمل المسيح من الصليب إلى القبر. وسُئل كل واحد هل يؤمن باسم الآب والابن والروح القدس، فقدمتم ذلك الاعتراف الخلاصي، ونزلتم إلى الماء ثلاث مرات، ثم صعدتم، مشيرين رمزًا إلى دفن المسيح ثلاثة أيام».
الدلالة
الكاتب يخاطب أشخاصًا تعمدوا بالفعل:
- «سُئلتم».
- «اعترفتم».
- «نزلتم ثلاث مرات».
8. باسيليوس الكبير — عن الروح القدس 12:28
English
“…As we believe in Father, Son, and Holy Spirit, so are we baptized in their name…”
الترجمة العربية اللاهوتية
«كما نؤمن بالآب والابن والروح القدس، هكذا نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس؛ فالاعتراف يدخلنا إلى الخلاص، ثم تتبعه المعمودية خاتمةً موافقتنا».
الدلالة
يجعل باسيليوس:
- الاعتراف.
- المعمودية.
- الأسماء.
- الإيمان.
بنية واحدة لا يجوز حذف أقنوم منها.
9. غريغوريوس النزينزي — العظة الأربعون
English
“…I will baptize you in the name of the Father, Son, and Holy Spirit…”
الترجمة العربية اللاهوتية
«سأعمدك وأجعلك تلميذًا باسم الآب والابن والروح القدس؛ وهؤلاء الثلاثة لهم اسم مشترك واحد من جهة الألوهة، مع تمايز الأقانيم».
الدلالة
لا يقتبس غريغوريوس أمرًا تاريخيًا فقط، بل يقول لطالب المعمودية: «هكذا سأعمدك».
10. أمبروسيوس — في الأسرار
English
“…You were baptized in the name of the Trinity; you confessed Father, Son, and Holy Spirit….”
الترجمة العربية اللاهوتية
«أما أنتم فقد اعتمدتم باسم الثالوث: اعترفتم بالآب، واعترفتم بالابن، واعترفتم بالروح القدس. وإذا لم يعتمد الإنسان باسم الآب والابن والروح القدس، فلا ينال كمال سر الغفران والنعمة».
الدلالة
يخاطب أمبروسيوس المعمدين الجدد ويصف ما جرى بالفعل في كنيسة ميلانو.
11. أمبروسيوس — في الأسرار المقدسة
English
“…Do you believe in the Father? You said, I believe, and were immersed….”
الترجمة العربية السياقية
«سُئلت: أتؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ فقلت: أؤمن، وغطست. ثم سُئلت: أتؤمن بربنا يسوع المسيح؟ فقلت: أؤمن، وغطست ثانية. ثم سُئلت: أتؤمن أيضًا بالروح القدس؟ فقلت: أؤمن، وغطست للمرة الثالثة».
الدلالة
هذا النص أقرب إلى محضر تفصيلي للطقس:
- السؤال.
- الإجابة.
- الغطسة.
- تكرار ذلك مع الأقانيم الثلاثة.
12. الدساتير الرسولية — الكتاب الثالث
الدساتير الرسولية عمل كنسي منحول الاسم من أواخر القرن الرابع، فلا تُنسب إلى الرسل حرفيًا.
English
“…The bishop or presbyter shall name Father, Son, and Holy Spirit, and dip them in the water…”
الترجمة العربية اللاهوتية
«بعد ذلك ينطق الأسقف أو القس رسميًا فوق المعتمد باسم الآب والابن والروح القدس، ثم يغطسه في الماء، ويتولى الشمامسة استقبال المعتمدين بما يحفظ اللياقة والنظام».
الدلالة
النص يحدد:
- خادم الطقس.
- الكلمات.
- الفعل المائي.
- ترتيب الخدمة.
13. الدساتير الرسولية — الكتاب السابع
English
“Baptize as the Lord commanded: in the name of the Father, Son, and Holy Spirit.”
الترجمة العربية السياقية
«ليعمد الأسقف أو القس كما أمر الرب: باسم الآب والابن والروح القدس. وبعد جحد الشيطان والاعتراف بالإيمان والمسح بالزيت وتقديس الماء، يُعمد الموعوظ باسم الأقانيم الثلاثة، ثم يُمسح بالمسحة المقدسة».
الدلالة
وجود الصيغة وسط ترتيب تفصيلي يمنع عدها استشهادًا عرضيًا.
14. ثيودور المصيصي — العظة عن المعمودية
English
“Three immersions: one in the Father, one in the Son, and one in the Holy Spirit.”
الترجمة العربية اللاهوتية
«يقول الكاهن: فلان يُعمّد باسم الآب والابن والروح القدس. ثم يضع يده على رأسك ويقول: باسم الآب، ويجعلك تغطس؛ ثم يقول: والابن، فتغطس ثانية؛ ثم يقول: والروح القدس، فتغطس مرة ثالثة. والغطسات الثلاث متماثلة، لكي تعلم أن كل اسم من الأسماء الثلاثة كامل، وأن التجديد والميلاد الثاني يُمنحان من الآب والابن والروح القدس».
| المصدر الآبائي / الوثيقة | تاريخ النص | النص المقتبس والموثق | الدلالة اللاهوتية والتاريخية |
| الديداخي (تعليم الرسل الاثني عشر) | 70-100 م | “أما بخصوص المعمودية، فعمدوا هكذا: بعد أن تُعلموا بكل ما سبق، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس بماء حي (جارٍ)… وإن لم يكن لديك ماء حي، فأسكب الماء على الرأس ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس” | أقدم وثيقة كنسية ليتورجية خارج العهد الجديد. تُثبت أن الصيغة الثالوثية كانت الممارسة الرسمية والعملية للكنيسة في الجيل الرسولي الأول، وليست تطوراً لاهوتياً لاحقاً. |
| يوستينوس الشهيد (الدفاع الأول، الفصل 61) | 150 م | “ثم يُقادون من قِبلنا إلى مكان فيه ماء، ويولدون ثانية بالطريقة ذاتها التي ولدنا نحن بها ثانية… لأنهم يغتسلون في الماء باسم الله الآب رب الكون، ومخلصنا يسوع المسيح، والروح القدس” | يقدم وصفاً تفصيلياً لطقس المعمودية في روما في منتصف القرن الثاني، مؤكداً استقرار الممارسة الثالوثية في الكنيسة الغربية. |
| تاتيان السوري (الدياطسرون، الفصل 55) | 170 م | “اذهبوا الآن إلى كل العالم… وتلمذوا كل الشعوب، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” | يثبت أن النسخة المدمجة للأناجيل الأربعة في الكنيسة السريانية المبكرة كانت تحتوي على النص الثالوثي الأصيل لمتى 28: 19. |
| إيريناوس أسقف ليون (ضد الهرطقات 3: 17: 1) | 180 م | “لقد منح تلاميذه سلطان التجديد في الله، قائلاً لهم: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” | يربط بين وصية المسيح الثالوثية وبين فاعلية سر المعمودية كـ “تجديد في الله”، مدافعاً عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الغنوصيين. |
| هيبوليتوس الروماني (التقليد الرسولي، الفصل 21) | 215 م | “هل تؤمن بالله الآب الضابط الكل؟… هل تؤمن بالمسيح يسوع؟… هل تؤمن بالروح القدس؟… وبعد كل إجابة بـ ‘أؤمن’، يُعمد (يُغطس) للمرة الثالثة” | يعكس تطور قانون الإيمان المعمودي كصيغة سؤال وجواب تعتمد كلياً على الأقانيم الثلاثة، مما يؤكد أن الثالوث كان جوهر الطقس. |
| ترتليان (ضد براكيسياس، الفصل 26) | 216 م | “بعد قيامته… أمرهم أن يعمدوا باسم الآب والابن والروح القدس، وليس باسم إله أقنومي واحد. فنحن لا نُغمر في الماء مرة واحدة، بل ثلاث مرات، عند نطق كل اسم من أسماء الأقانيم الثلاثة” | يرد ترتليان على بدعة (مؤلمي الآب/الشكلية)، مستخدماً الممارسة المعمودية كدليل قاطع على التمايز بين الأقانيم الثلاثة. |
| أوريجانوس (تعليق على رسالة رومية 5: 8) | 248 م | “لقد أخبر الرب نفسه تلاميذه أن يعمدوا كل الشعوب باسم الآب والابن والروح القدس… لأنه في الواقع، المعمودية الشرعية لا تتم إلا باسم الثالوث” | شهادة من أعظم علماء مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في القرن الثالث بأن المعمودية لا تكون شرعية إلا بالصيغة الثالوثية. |
| أعمال كسانثيبي وبوليكسينا (الفصل 21) | 250 م | “نزل بروبس إلى الماء قائلاً: يسوع المسيح، ابن الله… فقال بولس: نحن نعمدك باسم الآب والابن والروح القدس” | وثيقة مسيحية مبكرة توضح التمييز بين اعتراف طالب المعمودية بيسوع كمخلص، وبين نطق الكاهن للصيغة الثالوثية رسمياً. |
| كبريانوس القرطاجي (رسالة 73: 18) | 253 م | “فكيف يزعم البعض إذن أن الأممي إذا اعتمد… طالما تم ذلك باسم يسوع المسيح، يمكن أن ينال غفران الخطايا، في حين أن المسيح نفسه يأمر بتعميد الأمم بالثالوث الكامل المتحد؟” | في سياق جداله حول معمودية الهراطقة، يرفض قبريانوس الاكتفاء باسم يسوع للأمم، مشدداً على إلزامية أمر المسيح بالثالوث. |
| يوسابيوس القيصري (رسالة إلى رعيته، الفصل 3) | 323 م | “نؤمن… بالآب والابن والروح القدس، كما قال ربنا حين أرسل تلاميذه للكرازة: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” | يدحض هذا الاقتباس النظريات النقدية القائلة بأن يوسابيوس لم يكن يعرف الصيغة الثالوثية، إذ يقتبسها صراحة في رسائله العقائدية. |
| أثناسيوس الرسولي (رسائل إلى سيرابيون 1: 28) | 360 م | “لقد أسس المخلص المعمودية… باسم الآب والابن والروح القدس… هذه هي حقيقة الإيمان في الكنيسة الكاثوليكية” | استخدم أثناسيوس نص (متى 28: 19) كسلاح رئيسي ضد “محاربي الروح القدس”، ليثبت أن الروح مساوٍ للآب والابن في طقس المعمودية. |
| كيرلس الأورشليمي (المقالات التعليمية للموعوظين 20: 4) | 350 م | “لقد سُئل كل واحد منكم عما إذا كان يؤمن باسم الآب والابن والروح القدس. وقد اعترفتم بهذا الاعتراف الخلاصي، ونزلتم إلى الماء ثلاث مرات” | دليل قاطع على استمرارية الطقس الثالوثي في كنيسة أورشليم، أم الكنائس. |
| باسيليوس الكبير (عن الروح القدس 15: 35) | 375 م | “في ثلاث تغطيسات، وبنفس العدد من الدعوات (الآب والابن والروح القدس)، يكتمل سر المعمودية العظيم… لكي يستنير المعمدون بمعرفة الله” | يوضح باسيليوس أن التغطيس الثلاثي والدعوات الثلاث للثالوث هما تقليد كنسي متلازم لتكميل السر. |
نتيجة المبحث الثاني
لدينا شهادات مستقلة من:
- سوريا أو فلسطين.
- روما.
- آسيا الصغرى وغالة.
- شمال أفريقيا.
- أورشليم.
- قيصرية الكبادوك.
- القسطنطينية.
- ميلانو.
- أنطاكية ومصيصة.
- أنظمة الكنيسة الشرقية.
وتثبت هذه الشهادات أن المعمودية الثالوثية لم تكن: اختراعًا أو عادة محلية أو نتيجة تعديل متأخر للنص.
بل ظهرت في: تعليمات وترتيب الطقسوالاعتراف الإيماني والغطسات وقواعد صحة المعمودية وشهادات المعمدين.
المبحث الثالث
لماذا يقول سفر الأعمال إنهم اعتمدوا «باسم يسوع»؟
يتخلص هدف هذا الفصل في الاجابة على السؤال: إذا كانت كل الأدلة النصية والليتوريجية والطقسية تؤكد جميعًا وعالميا وزمنيا أن الصيغة نصيا وعمليا وطقسيا كانت هي المعمودية باسم الثالوث القدوس، فلماذا ذكر سفر أعمال الرسل لـ 4 مرات صيغة أخرى للمعمودية؟ وللإجابة على هذا السؤال، نضع الرد المتكامل لكي يروي ظمأ القاريء الحبيب املتعطش للمعرفة والحق.
السبب الأول: القديس لوقا يذكر اسم صاحب المعمودية (معمودية المسيح) ولا ينقل الترتيب الطقسي للمعمد
فكما أن المعمودية التي عمّد بها يوحنا كان اسمها “معمودية يوحنا” نسبة له (مت 21: 25)، (مر 11: 30)، (لو 7: 29)، (أع 1: 22)، (أع 18: 25)، (أع 19: 3)، فهكذا كانت في المقابل المعمودية المسيحية منسوبة بحسب الرب يسوع المسيح الذي أعطاها: معمودية المسيح، المعمودية على اسم المسيح، للتفريق عن معمودية يوحنا. فصيغة “باسم الآب والابن والروح القدس” ليست هي اسم المعمودية.
1. باسيليوس الكبير
English
“…The apostle’s omission of Father and Spirit does not prove that the invocation of the names was not preserved…”
الترجمة العربية اللاهوتية الموسعة
«لا يضل أحد بسبب أن الرسول، حين يذكر المعمودية، يحذف كثيرًا اسم الآب والروح القدس، فيتوهم بسبب ذلك أن استدعاء الأسماء لم يكن محفوظًا. فالرسول يتحدث عن الاعتماد للمسيح وعن الاعتماد لموته، لكنه لا يقدم بذلك صيغة بديلة عن الاستدعاء الذي تسلمته الكنيسة».
التحليل
هنا، يفرق القديس باسيليوس بين:
- ذكر المعمودية في السرد أو التعليم (معمودية يسوع، معمودية المسيح).
- استدعاء الأسماء طقسيا عند إجراء معمودية.
إذن قول لوقا:
«اعتمدوا باسم يسوع»
تسميةً للمعمودية وليس تسجيلًا حرفيًا لجميع الكلمات التي ينطق بها خادم المعمودية.
السبب الثاني: تسمية “معمودية المسيح” هي اعتراف بالثالوث كله
1. شهادة الديداخي الداخلية
تقول الديداخي في الفصل السابع بصيغة المعمودية الثالوثية (باسم الثالوث):
«عمّدوا باسم الآب والابن والروح القدس».
ثم تقول تعود في الفصل التاسع وتسمي هذه المعمودية الثالوثية “باسم الرب”:
«لا يأكل ولا يشرب أحد من إفخارستيتكم إلا الذين اعتمدوا باسم الرب».
إذن الوثيقة نفسها:
- تأمر بالصيغة الثالوثية.
- ثم تصف أصحاب هذه المعمودية بأنهم «معتمدون باسم الرب».
وهذا دليل مبكر وحرفي أن تسمية «المعمودية باسم الرب» هي وصفًا مختصرًا للمعمودية المسيحية الثالوثية باسم الثالوث.
2. باسيليوس الكبير – عن الروح القدس
English
“…The designation Christ is a confession of the whole…”
الترجمة العربية السياقية
«إن تسمية المسيح هي اعتراف بالكل؛ لأنها تكشف الله الذي مسح، والابن الذي مُسح، والروح القدس الذي هو المسحة. وهذا ظاهر في قول بطرس: يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس».
التحليل
لفظ «المسيح» يعني «الممسوح»، فيفترض:
- الآب الماسح.
- الابن الممسوح.
- الروح الذي به كانت المسحة.
ومن ثم يكون اسم «معمودية المسيح» اسمًا للمعمودية التي تتم باسم الثالوث (الماسح والممسوح والمسحة). وأيضا يستشهد باسيليوس بقول بولس الرسول:
«بروح واحد اعتمدنا جميعًا إلى جسد واحد».
فإذا لم يكن ذكر الروح وحده في وصف المعمودية دليلًا على استبعاد الآب والابن، فلا يجوز جعل ذكر المسيح وحده في الوصف دليلًا على استبعاد الآب والروح.
3. أمبروسيوس — عن الروح القدس 1:3
English
“…He who has named One has signified the Trinity….”
الترجمة العربية السياقية
«لنتبع البرهان: من سمّى واحدًا فقد دلّ على الثالوث. فإن قلت المسيح، فقد دللت على الله الآب الذي مسح، وعلى الابن الذي مُسح، وعلى الروح القدس الذي به مُسح. وإن ذكرت الآب، فقد دللت على الابن وروح فمه، بشرط أن يكون هذا إيمان قلبك. وإن ذكرت الروح، فقد أشرت إلى الآب الذي منه الروح، وإلى الابن الذي هو روح الابن أيضًا».
4. أغسطينوس — العظة 71
English
“Their indwelling is inseparable because their operation is inseparable.”
الترجمة العربية السياقية
«قال بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد باسم يسوع المسيح، فتقبلوا عطية الروح القدس. وكانت المعمودية باسم يسوع لأن المسيح قال عن الروح: الذي سيرسله الآب باسمي. فالروح لا يسكن في أحد بدون الآب والابن، والابن لا يسكن بدون الآب والروح، والآب لا يسكن بدونهما؛ لأن سُكناهم غير منفصلة، كما أن عملهم غير منفصل».
التحليل
أعمال 2:38 يحمل بنية ثالوثية:
- المعمودية باسم الابن.
- عطية الروح.
- الآب الذي يرسل الروح باسم الابن.
فإبراز اسم المسيح، يتضمن تلقائيا ذكر الأقنومين الآخرين.
نتيجة المبحث الثالث
التفسيرات الآبائية لا ترى تعارضًا بين متى وأعمال الرسل، بل تؤكد المعاني الآتية:
- لوقا يصف المعمودية نفسها وليس طقس المعمودية.
- «اسم المسيح» يحدد المعمودية المسيحية في مقابل «معمودية يوحنا».
- تسمية المسيح تتضمن الآب الماسح والروح المسحة.
- العمل الخلاصي للثالوث غير منقسم.
- الديداخي نفسها تستخدم الوصفين الثالوثي والمختصر معًا.
المبحث الرابع
تفسير آخر: التمييز بين معمودية من يعرفون الإله الحقيقي ومن لا يعرفونه
من بين التفسيرات الاستثنائية التي وُجِدت في الكنيسة الأولى لبيان استخدام الصيغة المختصرة باسم المسيح والصيغة الكاملة باسم الثالوث، هي التمييز اللاهوتي الدقيق بين خلفية الذين يعرفون إله اليهود والناموس وخلفية من لا يعرفونه. فهناك 4 حالات ذكر القديس لوقا أنهم تم عمادهم باسم الرب، كما سيأتي تفصيله.
فعندما أمر الرب يسوع المسيح بالمعمودية باسم الثالوث قال لرسله أن يذهبوا ويتلمذوا ويعلموا ويعمدوا جميع “الأمم”، فما معنى هذه الكلمة في قصد المسيح؟ وهل تعني مجرد “كل من هو غير يهودي الديانة”؟ أم أن يقصد المسيح معنى الكلمة العام “الذين لا يعرفون الإله الحقيقي” في مقابل “الذين يعرفون الإله الحقيقي”؟
صاغ القديس كبريانوس هذا التمييز بعبارات صريحة في رسالته إلى جوبيانوس (الرسالة 73، الفقرات 17-18):
“لأن حالة اليهود في عهد الرسل كانت شيئاً، وحالة الأمم كانت شيئاً آخر. فاليهود، لأنهم كانوا قد نالوا بالفعل أقدم معمودية للناموس وموسى وعَرَفوا الله الآب، كان ينبغي أن يعتمدوا أيضاً باسم يسوع المسيح… أما الأمم، فبما أنهم لم يعرفوا الله، فقد أمر المسيح أن يُعمدوا في الثالوث الكامل المتحد: باسم الآب والابن والروح القدس”.
المنطق هنا ينطلق من مبدأ “تكميل الإيمان”. اليهود كانوا منخرطين في عبادة الإله الواحد الخالق، ولديهم إعلانات الروح القدس عبر الأنبياء. ما كانوا يفتقرون إليه حصراً هو قبول يسوع الناصري كـ “المسيا” والرب المتجسد. لذلك، فرض الرسل عليهم إعلان ولائهم الصريح لاسم يسوع. في المقابل، الأمم كانوا غارقين في تعدد الآلهة، جاهلين بالآب، ولم تكن لهم صلة تاريخية بالروح القدس؛ فكان لزاماً أن يتأسس إيمانهم عبر إعلان الثالوث الكامل.
لكن، هل تعني كلمات “اليهود” – “الأمم” المعنى الضيق لها (مختون – غير مختون)؟ أم معناها العام (يعرف – لا يعرف الله الحقيقي)؟ لنعرف هذا، سنستعرض الأربعة حالات التي أتت في سفر أعمال الرسل لنعرف تفاصيلهم.
عند فحص الحالات الأربع التي وردت فيها عبارة المعمودية مقترنة باسم يسوع/الرب في العهد الجديد، نجد أن التوثيق الكتابي يدعم نظرية قبريانوس بشكل دقيق. جميع هذه الحالات بلا استثناء كانت مرتبطة بأشخاص لهم جذور في الديانة اليهودية أو إلمام مسبق بإله إسرائيل:
أولا: معمودية اليهود في يوم الخمسين (أعمال الرسل 2: 38):
المخاطبون هنا محددون نصياً: “يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ” (أعمال 2: 5). هم يهود فعلا جاؤوا لأورشليم، يؤمنون بالآب وبالروح القدس الناطق في الأنبياء، بينما كانت خطيئتهم هي صلب يسوع ورفض أنه المسيا المنتظر، لذا كان الشرط أن يكتمل إيمانهم الثالوثي باسم الرب يسوع.
ثانيا: معمودية السامريين (أعمال الرسل 8: 16):
السامريون يمثلون حالة وسطية؛ فهم يوقرون توراة موسى ويؤمنون بإله الآباء مثل اليهود وينتظرون المسيّا المنتظر (كما يظهر في يوحنا 4) أيضًا. وبالتالي، كان الإعلان المطلوب منهم هو الإقرار بأن يسوع الذي كرز به فيلبس هو هذا المسيا، لذا اعتمدوا باسمه.
ثالثا: معمودية كرنيليوس وأهل بيته (أعمال الرسل 10: 48):
رغم أن كرنيليوس قائد مئة روماني (على الأغلب أممي بحسب العادة أي غير مختون)، إلا أن النص يصفه دينياً بدقة، فيقول:
- تقي، خائف الله مع جميع بيته، يصنع حسنات كثيرة للشعب، يصلي إلى الله في كل حين (أعمال 10: 2)،
- رأى ملاكًا من الله في رؤيا (أعمال 10: 3)،
- صعدت صلواته وصدقاته تذكارًا أمام الله (أعمال 10: 4)،
- أطاع الأمر الإلهي وأرسل إلى بطرس (أعمال 10: 5–8، 33)،
- كان ينتظر بطرس وقد جمع أنسباءه وأصدقاءه الأقربين (أعمال 10: 24)،
- رجل بار، خائف الله، مشهود له من كل أمة اليهود، أوحي إليه بملاك مقدس (أعمال 10: 22)،
- كان يصلي في بيته في الساعة التاسعة (أعمال 10: 30)،
- سُمعت صلاته وذُكرت صدقاته أمام الله (أعمال 10: 31)،
- كان حاضرًا أمام الله ليسمع جميع ما أمر الله به بطرس (أعمال 10: 33)،
- يتقي الله ويصنع البر ومقبول عنده (أعمال 10: 34–35)،
- حلّ عليه الروح القدس، ونال موهبة الروح، وتكلم بألسنة وعظّم الله، ثم اعتمد باسم الرب (أعمال 10: 44–48).
فنجد هنا هذه الأوصاف والصفات الإيمانية الكثيرة عن كرنيليوس، وليس فقط من جانبه، بل من جانب الله أيضا، فالنص يقول أنه رأى ملاكا، وأن صلاته صعدت أمام الله، مشهود له من جميع اليهود، أوحي إليه من ملاك، سُمعت صلاته وذكرت صدقاته، وكل هذه الأوصاف لربما لم تأت في حق اليهود أنفسهم لكنها جاءت بهذه الكثافة عنه، وهذا كله يدل على معرفته العميقة والروحية السامية بالإله الحقيقي على عكس الوثنيين الأمم الذي لا علاقة لهم بإله اسرائيل.
رابعا: معمودية أفسس (أعمال 19: 1-7)
تمثل هذه المعمودية، ركيزة أساسية لفهم سبب استخدام اسم “يسوع”؛ وهي حادثة لقاء بولس الرسول بتلاميذ يوحنا المعمدان في أفسس. فقد سألهم بولس إن كانوا قد نالوا الروح القدس حين آمنوا، فأجابوا: “وَلاَ سَمِعْنَا إِنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ”. فسألهم: “فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟” فقالوا: “بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا“. حينها أوضح بولس أن يوحنا عمد بمعمودية التوبة داعياً للإيمان بالآتي بعده، أي “بالمسيح يسوع”. فلما سمعوا ذلك، “اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“، وحل عليهم الروح القدس.
وهنا وكما هو واضح، فكان هؤلاء التلاميذ (تلاميذ يوحنا) يعرفون إله إسرائيل واعتمدوا من يوحنا فعلا، لكنهم كانوا عالقين في العهد القديم ولم يعبروا بعد للعهد الجديد. للانتقال من معمودية يوحنا إلى المعمودية الخلاصية المانحة للروح القدس، كان عليهم تحويل ولائهم الصريح من يوحنا إلى من أشار إليه يوحنا (أي يسوع). لذا، سُجلت معموديتهم “باسم يسوع” كعلامة فاصلة بين عهدين، وليس كنفي لصيغة الثالوث، بل كتأسيس لسلطان المسيح مانح الروح.
فهذه الأربعة حالات التي ذُكر فيها المعمودية باسم يسوع، والنتيجة -كما رأينا- تفسر لماذا أبرز لوقا اسم يسوع في وصف هذه المعموديات. ولهذا نستطيع أن نقول
كان الذين دخلوا الكنيسة من داخل المجال الديني الإسرائيلي أو القريب منه يعرفون الإله الحقيقي، وكان العنصر الإيماني الجديد والحاسم بالنسبة إليهم هو الاعتراف بأن يسوع هو المسيح والرب. ولذلك ركَّز سفر الأعمال اسم يسوع في وصف معموديتهم. أما الوثني الذي يخرج من تعدد الآلهة فكان يحتاج إلى التعليم الكامل عن الآب والابن والروح القدس.
المبحث الخامس
الاتحاد والتداخل الأقنومي ودلالة ذكر المسيح على الآب والروح القدس
أولًا: ضبط المصطلحات
يستعمل تعبير التلازم الأقنومي هنا للدلالة الواسعة على أن:
- الآب لا يكون آبًا بلا الابن.
- الابن لا يكون ابنًا بلا الآب.
- المسيح لا يكون مسيحًا بلا الآب الماسح والروح الذي به مُسح.
- الأقانيم غير منفصلين في الوجود الإلهي والعمل الخارجي.
أما Perichoresis بالمعنى التقني، فهي الحضور المتبادل للأقانيم بعضهم في بعض دون:
- اختلاط.
- امتزاج.
- زوال للتمايز.
- تحول أقنوم إلى آخر.
ويقابلها في التقليد اللاتيني اللاحق مصطلحا:
Circumincessio
Circuminsessio
ولا ينبغي استعمال Perichoresis بمعنى أن الأقانيم مجرد أسماء لشخص واحد؛ فهذا سابيلية لا تداخل أقنومي.
ثانيًا: أقوى قاعدة عند أثناسيوس
1. الرسالة الأولى إلى سيرابيون 14
«الإيمان الرسولي لا يقسم الثالوث، لأن الثالوث القدوس المبارك غير منقسم وواحد في ذاته. فإذا ذُكر الآب، كان كلمته مشمولًا معه، وكان الروح الذي في الابن غير خارج عنه. وإذا سُمّي الابن، فالآب في الابن، والروح ليس خارج الكلمة. فالنعمة واحدة تأتي من الآب، وتتم بالابن، في الروح القدس؛ والطبيعة الإلهية واحدة».
الدلالة
هذا النص يؤصل للتعليم اللاهوتي السليم: إذا ذُكر الابن، لا يكون الآب والروح خارجين عن الذكر اللاهوتي والعمل الإلهي. ولا يعني ذلك أن الابن هو الآب، بل أن الابن في الآب ومن الآب وغير منفصل عن روح الآب.
2. أثناسيوس — ضد الأريوسيين
«عند إعطاء المعمودية، لا يعطي الآب النعمة دون الابن، لأن الابن في الآب كما أن الشعاع في النور. فمن يعمده الآب يعمده الابن، ومن يعمده الابن يتقدس في الروح القدس. فالنعمة لا تأتي من ثلاثة مصادر منفصلة، بل من الآب بالابن في الروح».
الدلالة
هذه صياغة ثالوثية كاملة لفعل المعمودية:
- المصدر: الآب.
- الوساطة الإلهية: الابن.
- التقديس والإتمام: الروح القدس.
فالمعمودية المنسوبة إلى الابن ليست فعلًا مستقلًا عن الآب والروح.
ثالثًا: باسيليوس وتلازم «المسيح» مع الماسح والمسحة
3. باسيليوس الكبير — عن الروح القدس
«إن تسمية المسيح هي اعتراف بالكل؛ لأن لقب المسيح يعلن الله الذي مسح، والابن الذي مُسح، والروح الذي هو المسحة. وقد أعلن بطرس هذا بقوله: يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس».
التحليل
لقب «المسيح» ليس مجرد اسم شخصي، بل اسم علاقي تدبيري.
فلا توجد مسحة دون:
- ماسح.
- ممسوح.
- مسحة.
وفي الإعلان الكتابي:
- الآب هو الماسح.
- الابن هو الممسوح.
- الروح هو الذي به كانت المسحة.
إذن حين يقول سفر الأعمال:
«باسم يسوع المسيح»
فهو لا يقدم «يسوع» منفصلًا عن الآب والروح، بل يقدم المسيح الذي هويته نفسها ثالوثية العلاقات.
رابعًا: أمبروسيوس يطبق القاعدة على أعمال 19
4. أمبروسيوس — عن الروح القدس 1:3
«يكون سر المعمودية كاملًا إن اعترف الإنسان بالآب والابن والروح القدس؛ فإن أنكر واحدًا هدم الكل. وقد يحدث أن يُذكر في الألفاظ واحد فقط، دون أن يكون الآب أو الابن أو الروح منكرًا في الإيمان؛ وعندئذ يكون سر الإيمان كاملًا. أما إن نطق الإنسان الأسماء الثلاثة وانتقص من ألوهية أحدهم، أفرغ السر من حقيقته.
والذين قالوا إنهم لم يسمعوا بوجود الروح القدس عرفوه بعد كرازة بولس، ثم اعتمدوا باسم الرب يسوع. فلا يبدو عدم ذكر الروح في العبارة نفيًا له؛ فما سكت عنه اللفظ عبّر عنه الإيمان، والروح لا ينفصل عن معمودية المسيح.
فلنتبع البرهان: من سمّى واحدًا فقد دلّ على الثالوث. فإن ذكرت المسيح، فقد دللت على الآب الذي مسحه، وعلى الابن الذي مُسح، وعلى الروح القدس الذي به مُسح».
الدلالة
هذا النص هو الأقوى تطبيقًا على المعمودية باسم يسوع؛ لأنه يجمع:
- أعمال 19.
- عدم ذكر الروح في وصف لوقا.
- وجود الروح في الإيمان.
- عدم انفصال الروح عن معمودية المسيح.
- دلالة اسم المسيح على الأقانيم الثلاثة.
خامسًا: أغسطينوس وعدم انفصال السكنى والعمل
5. أغسطينوس — العظة 71
«لا يسكن الروح القدس في أحد بدون الآب والابن، كما لا يسكن الابن بدون الآب والروح، ولا الآب بدونهما. فسُكناهم غير منفصلة لأن عملهم غير منفصل. قد تضطر اللغة إلى نطق أسماء الأقانيم واحدًا بعد آخر، لكن تعاقب المقاطع الصوتية لا يعني تعاقبًا أو انفصالًا في وجود الله».
التطبيق
عندما يقول لوقا:
«باسم يسوع»
فحدود الجملة البشرية لا تجعل:
- الآب غائبًا.
- الروح غائبًا.
- الابن عاملًا بمفرده.
6. أغسطينوس — المختصر في الإيمان والرجاء والمحبة 38
English
“..When one Person is named as acting, the whole Trinity must be understood to act…”
الترجمة العربية
«حين يُذكر أحد الأقانيم الثلاثة باعتباره فاعل عمل إلهي، ينبغي أن يُفهم أن الثالوث كله يعمل؛ لأن أعمال الثالوث نحو الخليقة غير منفصلة».
سادسًا: غريغوريوس النيسي
7. لا فجوة بين المسيح ومسحته
English
“…We conceive no interval between Christ and His anointing, nor between Wisdom and the Spirit of Wisdom…”
الترجمة العربية السياقية
«لا نتصور فاصلة بين المسيح ومسحته، ولا بين الحكمة وروح الحكمة، ولا بين الحق وروح الحق، ولا بين القوة وروح القوة. فالروح ليس غريبًا عن الابن، ولا الابن منفصلًا عن الآب. وقد سلّم الرب الإيمان في الاسم الواحد للآب والابن والروح القدس: فالاسم الواحد يعلن وحدة الطبيعة، والأسماء الثلاثة تحفظ تمييز الأقانيم».
سابعًا: غريغوريوس النزينزي – العظة الأربعون في المعمودية
English
“…No sooner do I conceive the One than I am illumined by the splendor of the Three….”
الترجمة العربية السياقية
«ما إن أتصور الواحد حتى أستنير ببهاء الثلاثة، وما إن أميز الثلاثة حتى أُحمل من جديد إلى الواحد. وعندما أفكر في واحد من الثلاثة، أفكر فيه في ملء الألوهة، لا باعتباره جزءًا أو ثلثًا من الله. وعندما أتأمل الثلاثة معًا، لا أرى إلا نورًا واحدًا غير منقسم».
الضبط
لا يقول غريغوريوس إن كل أقنوم هو الأقانيم الثلاثة، بل:
- كل أقنوم يملك ملء الطبيعة الإلهية.
- الأقانيم لا ينقسمون إلى أجزاء من الله.
- الواحد لا يُعزل عن الاثنين الآخرين.
ثامنًا: يوحنا الدمشقي وصياغة التداخل الأقنومي
10. الإيمان الأرثوذكسي
English
“…They dwell and are established firmly in one another, without coalescing or mingling…”
الترجمة العربية اللاهوتية
«الأقانيم متحدون، لا على سبيل الامتزاج أو الاختلاط، بل بالسكنى بعضهم في بعض. فالابن في الآب والروح، والروح في الآب والابن، دون أن يتحول أحدهم إلى الآخر أو يفقد خاصيته الأقنومية. لهم حركة واحدة، وطاقة واحدة، وإرادة واحدة، وربوبية واحدة».
معنى Perichoresis
التداخل الأقنومي يعني:
- حضورًا متبادلًا.
- عدم انفصال.
- وحدة في الطبيعة والطاقة.
- مع بقاء الآب آبًا والابن ابنًا والروح روحًا.
ولهذا لا يمكن أن يكون «اسم الابن» في عمل الخلاص اسمًا لإله منفصل عن الآب والروح.
تاسعًا: العلاقة بين المبحث الرابع والتداخل الأقنومي
الحالات الأربع في سفر الأعمال كانت تعرف الإله الحقيقي أو تتجه إلى عبادته:
- اليهود يعرفون الآب بحسب العهد.
- السامريون يعرفون إله إسرائيل مع قصور في المعرفة والعبادة.
- كرنيليوس يخاف الله ويصلي له.
- تلاميذ أفسس داخل انتظار يوحنا للمسيح.
ولهذا كان التركيز على اسم المسيح إعلانًا للأقنوم الذي لم يعرفوه أو لم يعترفوا به على النحو الكامل.
لكن هذا لا يعني أنهم انتقلوا:
من الآب إلى ابن منفصل عنه.
بل انتقلوا إلى معرفة الآب معرفة مسيحية كاملة في الابن وبالروح.
فبحسب الاتحاد الأقنومي:
- الاعتراف بالابن يقود إلى الآب.
- المسيح معلن بالروح.
- نوال الروح هو سكنى الآب والابن.
- لا يوجد أقنوم في عزلة وجودية أو خلاصية عن الآخرين.
وبذلك تكون معرفة الجماعات السابقة بالإله الحقيقي هو السبب للتركيز على المعمودية باسم المسيح في سفر الأعمال،، بينما يكون التداخل الأقنومي هو الأساس اللاهوتي الذي يمنع تحويل هذا الإبراز إلى استبعاد للآب والروح.
عاشرًا: ما الذي تحسمه عقيدة التداخل الأقنومي؟
تحسم بطلان الاستنتاج الآتي:
«ذُكر يسوع، إذن الآب والروح غير حاضرين أو غير داخلين في المعمودية».
فالآباء يقررون:
- إذا سُمّي الابن، فالآب فيه والروح ليس خارجًا عنه.
- تسمية المسيح اعتراف بالآب الماسح والابن الممسوح والروح المسحة.
- من سمّى واحدًا داخل الإيمان الصحيح دلّ على الثالوث.
- سكنى الأقانيم وعملهم غير منفصلين.
- المعمودية من الآب بالابن في الروح القدس.
إلى ههنا أعاننا الرب.. نعمة لكم وسلام من الآب والإبن والروح القدس، إلهنا الواحد آمين


