هل كذب المسيح على إخوته عندما قال إنه لن يصعد إلى العيد؟ يوحنا 7: 8
الرد على شبهة يوحنا 7: 8 ويوحنا 7: 10 حول صعود المسيح إلى العيد سرًا لا علنًا

تُثار شبهة حول ما قاله الرب يسوع لإخوته في يوحنا 7. فقد طلب منه إخوته غير المؤمنين أن يصعد إلى اليهودية ويُظهر نفسه علنًا إن كان هو المسيح، فأجابهم: «أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد، لأن وقتي لم يكمل بعد». لكن بعد آيات قليلة يقول النص إن يسوع صعد إلى العيد. فهل قال المسيح شيئًا ثم فعل عكسه؟ وهل يمكن اتهامه بالكذب؟
لا، المسيح لم يكذب على إخوته. هو لم يصعد بالطريقة التي طلبوها منه، أي صعودًا علنيًا استعراضيًا ليُظهر نفسه أمام الناس. إخوته قالوا له: «أظهر نفسك للعالم»، أما النص نفسه يوضح أنه صعد لاحقًا «لا ظاهرًا، بل كأنه في الخفاء». إذن الفرق ليس بين “قال لن أصعد” ثم “صعد”، بل بين صعود علني بحسب اقتراح إخوته، وصعود خفي بحسب توقيت الآب ومشيئة المسيح.
موضع الإشكال
قال إخوة يسوع له:
«انْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَاذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، لِكَيْ يَرَى تَلاَمِيذُكَ أَيْضًا أَعْمَالَكَ الَّتِي تَعْمَلُ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلاَنِيَةً. إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هذِهِ الأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ.»
يوحنا 7: 3-4
ثم يوضح يوحنا أن الدافع لم يكن إيمانًا حقيقيًا:
«لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ.»
يوحنا 7: 5
فأجابهم يسوع:
«اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ، لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ.»
يوحنا 7: 8
لكن بعد ذلك يقول النص:
«وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا، حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الْعِيدِ، لاَ ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ.»
يوحنا 7: 10
فالشبهة تقول: كيف يقول المسيح إنه لا يصعد إلى العيد، ثم يصعد بعد ذلك؟
أين يقع الالتباس؟
يقع الالتباس في تجاهل طبيعة الطلب الذي طلبه إخوة المسيح. هم لم يطلبوا مجرد ذهابه إلى العيد، بل طلبوا نوعًا محددًا من الذهاب: صعودًا علنيًا استعراضيًا، لكي يُظهر نفسه للعالم، ويصنع أعماله أمام الجموع.
لكن المسيح رفض هذا النوع من الصعود. لم يقبل أن يتحرك بحسب ضغط إخوته غير المؤمنين، ولا بحسب منطق الشهرة والاستعراض. ثم صعد لاحقًا بطريقة مختلفة تمامًا: «لا ظاهرًا، بل كأنه في الخفاء».
إخوة المسيح طلبوا منه صعودًا علنيًا: «أظهر نفسك للعالم». أما يسوع فصعد لاحقًا صعودًا غير علني: «لا ظاهرًا بل كأنه في الخفاء». إذن المسيح لم يفعل عكس كلامه، بل رفض طريقتهم وصعد بحسب طريقته وتوقيته.
أولًا: طلب الإخوة كان صعودًا علنيًا استعراضيًا
نص يوحنا 7: 3-4 يوضح أن إخوة المسيح كانوا يضغطون عليه لكي يظهر علانية. قالوا له:
«لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلاَنِيَةً. إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هذِهِ الأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ.»
يوحنا 7: 4
المشكلة هنا ليست مجرد السفر إلى أورشليم، بل طريقة السفر وغرضه. كانوا يريدون أن يتحرك المسيح بمنطق الظهور الجماهيري وإثبات الذات أمام الناس. وهذا يتعارض مع طريقة المسيح في إعلان نفسه، إذ لم يكن يسعى إلى شهرة بشرية ولا إلى استعراض المعجزات لإرضاء الفضول.
ثانيًا: يوحنا يذكر أن إخوته لم يكونوا يؤمنون به
يقول النص:
«لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ.»
يوحنا 7: 5
هذا التفصيل مهم جدًا. فطلبهم لم يكن نابعًا من إيمان روحي برسالته، بل من فهم غير صحيح لطبيعة عمله. كانوا يطلبون ظهورًا علنيًا، لا إعلانًا خلاصيًا بحسب توقيت الله.
لذلك لم يسلّم المسيح قراره لضغطهم أو لمفاهيمهم الناقصة. هو لا يتحرك بحسب عدم إيمانهم، بل بحسب إرادة الآب وتوقيت رسالته.
ثالثًا: المسيح رفض الصعود بالطريقة التي اقترحوها
عندما قال المسيح: «أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد»، لا ينبغي فصل العبارة عن السياق. فهو لا يقول: “لن أصعد إلى العيد بأي شكل وفي أي وقت”، بل يرفض الصعود كما اقترحه إخوته: صعودًا ظاهرًا واستعراضيًا.
وهذا يتضح من المقارنة المباشرة بين طلبهم وبين ما فعله لاحقًا:
| ما طلبه الإخوة | ما فعله المسيح |
|---|---|
| اصعد علانية | صعد لا ظاهرًا |
| أظهر نفسك للعالم | صعد كأنه في الخفاء |
| تحرك بحسب الشهرة والظهور | تحرك بحسب التوقيت الإلهي |
إذن النص نفسه يقدّم الحل: يسوع لم يصعد كما أراد إخوته، بل صعد بطريقة معاكسة تمامًا لما اقترحوه.
رابعًا: عبارة “وقتي لم يكمل بعد” تكشف السبب الحقيقي
قال المسيح:
«أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ، لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ.»
يوحنا 7: 8
في إنجيل يوحنا، توقيت المسيح له معنى لاهوتي عميق. هو لا يتحرك بحسب ضغط الناس، بل بحسب “ساعته” وتدبير الآب. سبق وقال لأمه في عرس قانا:
«قَالَ لَهَا يَسُوعُ: مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ.»
يوحنا 2: 4
وفي موضع آخر يقول يوحنا:
«فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ، لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ.»
يوحنا 7: 30
فكلام المسيح عن عدم اكتمال وقته يعني أنه لن يصعد بحسب توقيتهم وغرضهم، بل بحسب تدبيره هو.
خامسًا: النص نفسه يقول إنه صعد “لا ظاهرًا”
أقوى دليل على عدم وجود كذب هو أن يوحنا نفسه يوضح نوع الصعود:
«حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الْعِيدِ، لاَ ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ.»
يوحنا 7: 10
لو كان يوحنا يريد أن يذكر تناقضًا أو خطأً، لما أضاف هذا التفصيل. لكنه يذكره ليبين أن صعود المسيح لم يكن من النوع الذي طلبه إخوته. هم أرادوا صعودًا ظاهرًا، أما هو فصعد في الخفاء.
إذن الآية 10 ليست مشكلة ضد الآية 8، بل هي المفتاح الذي يفسرها.
سادسًا: المسيح لم يكن يطلب المجد من الناس
طلب الإخوة قائم على منطق الظهور والشهرة: «أظهر نفسك للعالم». لكن المسيح أعلن بوضوح أنه لا يطلب المجد من الناس:
«مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ.»
يوحنا 5: 41
لذلك لم يكن مناسبًا أن يصعد إلى العيد ليصنع استعراضًا علنيًا بحسب اقتراحهم. فهو لا يستخدم آياته كوسيلة دعاية، ولا يتحرك بدافع إثبات الذات، بل يعمل أعمال الآب في التوقيت الصحيح وبالطريقة التي تخدم الخلاص والحق.
سابعًا: المسيح كان يتجنب سوء الفهم الجماهيري لهويته
في إنجيل يوحنا نرى أكثر من مرة أن الناس كانوا يسيئون فهم رسالة المسيح. بعد إشباع الجموع أرادوا أن يجعلوه ملكًا:
«وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ.»
يوحنا 6: 15
هذا يساعدنا على فهم يوحنا 7. لم يكن المسيح يريد أن يُستغل ظهوره العلني لإشعال حماس سياسي أو فضول جماهيري. لذلك رفض طريقة إخوته، وصعد لاحقًا في الخفاء.
ثامنًا: “ليس أصعد بعد” لا تعني “لن أصعد مطلقًا”
العبارة تحمل معنى التوقيت. النص العربي يقول: «لست أصعد بعد»، أي ليس الآن، وليس بهذه الطريقة. وحتى لو ركّزنا على المعنى العام، فالسياق يبين أن المقصود ليس نفي الصعود نهائيًا، بل رفض الصعود العلني الفوري الذي طلبه الإخوة.
فالفرق كبير بين أن يقول شخص: “لن أذهب بهذه الطريقة الآن”، ثم يذهب لاحقًا بطريقة أخرى، وبين أن يقول: “لن أذهب مطلقًا”، ثم يذهب. النص ينتمي إلى النوع الأول، لا الثاني.
تاسعًا: المسيح صادق بلا خطية
اتهام المسيح بالكذب يصطدم بشهادة الكتاب عن قداسته الكاملة. يقول بطرس عن المسيح:
«الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ.»
1 بطرس 2: 22
ويقول كاتب العبرانيين:
«لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.»
العبرانيين 4: 15
لذلك يجب تفسير النص بما ينسجم مع قداسة المسيح وسياق يوحنا نفسه. والسياق يبين بوضوح أنه لم يخدع إخوته، بل رفض طريقتهم العلنية ثم صعد سرًا.
عاشرًا: هل هذا اختلاف أم تناقض؟
لا يوجد تناقض. التناقض كان سيحدث لو قال المسيح: “لن أصعد إلى العيد مطلقًا بأي صورة”، ثم صعد بالطريقة نفسها التي طلبها إخوته. لكن النص لا يقول ذلك.
النص يقول إن إخوته طلبوا منه صعودًا علنيًا: «أظهر نفسك للعالم»، وأنه رفض هذا، ثم صعد لاحقًا «لا ظاهرًا بل كأنه في الخفاء». لذلك فالحدثان مختلفان في الطريقة والغرض والتوقيت.
المسيح لم يقل شيئًا ثم يفعل عكسه، بل رفض الصعود العلني الذي طلبه إخوته، ثم صعد سرًا بحسب توقيته. يوحنا 7: 10 يفسر يوحنا 7: 8 ولا يناقضه.
خلاصة دفاعية
يوحنا 7: 8 لا يثبت أن المسيح كذب على إخوته. إخوته، وهم غير مؤمنين به في ذلك الوقت، طلبوا منه أن يصعد إلى العيد علانية ليُظهر نفسه للعالم. لكن المسيح رفض هذا النوع من الصعود، لأن وقته لم يكن قد كمل بعد، ولأنه لا يتحرك بحسب ضغط الناس أو منطق الشهرة.
ثم صعد لاحقًا بطريقة مختلفة تمامًا: «لا ظاهرًا بل كأنه في الخفاء». لذلك لا يوجد تناقض بين قوله وفعله. هو لم يصعد كما أراد إخوته، بل صعد بحسب مشيئته وتوقيته. فالشبهة تزول بمجرد ملاحظة الفرق بين الصعود العلني الاستعراضي الذي طلبوه، والصعود الخفي الهادئ الذي فعله المسيح.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 414. Victor Books: Wheaton, Ill.