هل التجسد أظهر ضعف الله أم قوته؟ وهل قلل التجسد من الله؟ آراء الفلاسفة الغربيين

يقارن الفلاسفة المعاصرون (مثل ألفين بلانتينجا Alvin Plantinga)
بين مفهومين للقوة: إله أرسطو (المحرك الأول): إله يجلس في ترفع بارد، لا يكترث بالعالم، وقيمته في عزلتها. الإله المتجسد: إله قوي لدرجة أنه يستطيع اقتحام المادة، والزمن، والألم، والموت، ثم يهزم الموت ويقوم دون أن تتأثر طبيعته الإلهية الصافية.
يُشبه بعض الفلاسفة المسيحيين الاعتراض على التجسد بشخصين أمام البحر: الأول لا يستطيع النزول إلى الماء لأنه سيغرق، والثاني يستطيع أن ينزل إلى أعماق البحر ثم يخرج سالمًا دون أن يفقد شيئًا من قوته أو حياته. من منهما الأقوى؟ من الواضح أن القوة ليست في البقاء بعيدًا عن الماء، بل في القدرة على دخوله دون أن يهزمك.
وبالمثل، يرى المدافعون عن التجسد أن الكمال الإلهي لا يعني العجز عن دخول العالم المادي أو التاريخ البشري، بل يعني القدرة على ذلك دون أن يفقد الله شيئًا من ألوهيته أو كماله. فإذا كان الله لا يستطيع الاقتراب من المادة أو الزمن لأن ذلك يهدد طبيعته الإلهية، فإن هذا يبدو قيدًا على قدرته لا تعبيرًا عن كمالها.
لذلك يؤكد اللاهوت المسيحي التقليدي أن الابن لم يتوقف عن كونه إلهًا عندما تجسد، ولم تتحول الطبيعة الإلهية إلى طبيعة بشرية، بل اتحدت الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في شخص واحد. فالله، بحسب هذا الفهم، لم يُهزم بالمادة بل دخل إليها، ولم يُهزم بالزمن بل دخل التاريخ، ولم يُهزم بالموت بل اجتازه وقهره بالقيامة.
ومن هنا يقول بعض اللاهوتيين إن الصليب ليس إعلانًا عن ضعف الله، بل إعلان عن نوع أسمى من القوة؛ قوة تستطيع مواجهة الألم والموت والفساد دون أن تُقهر بها.
وينطبق الأمر نفسه على اعتراض الاحتياج. فالحاجة الحقيقية تعني أن يفتقر الكائن إلى شيء لا يملكه ثم يكتسبه من الخارج. أما إذا كان الله كاملًا في ذاته منذ الأزل، ثم اختار بحرية أن يدخل في علاقة مع مخلوقاته أو أن يتجسد لأجل خلاصهم، فإن هذا لا يدل على احتياج بل على إرادة حرة. فالفقير يحتاج إلى المال ليكمل نقصًا عنده، أما الغني الذي يعطي من غناه فلا يفعل ذلك بدافع الحاجة بل بدافع الاختيار.
ولهذا يجادل بعض الفلاسفة المسيحيين بأن الكائن الأقوى ليس هو الذي يعجز عن الاقتراب من العالم حفاظًا على كماله، بل الذي يستطيع دخول العالم والتعامل معه دون أن يفقد كماله. فالكمال ليس في العزلة عن الواقع، بل في السيادة الكاملة عليه. ومن هنا تأتي المقارنة بين المحرك الأول عند أرسطو والإله المتجسد في المسيحية: فالأول كامل لأنه بعيد عن العالم، أما الثاني فكامل لأنه قادر على دخول العالم والخروج منه دون أن يفقد شيئًا من مجده أو ألوهيته.
يرى الفيلسوف المسيحي توماس ف. موريس أن التجسد لا يقلل من قيمة الله أو كرامته، لأن التواضع الاختياري لا يساوي فقدان العظمة. فالقاضي الذي يترك مكتبه لينقذ طفلًا سقط في حفرة لا يفقد مكانته القضائية، والعالم الكبير الذي ينزل إلى مستوى طفل ليشرح له مسألة بسيطة لا يصبح أقل علمًا، والغني الذي يخدم الفقراء لا يفقد ثروته بسبب خدمته لهم. في جميع هذه الحالات لا يحدث نقصان في المكانة أو القيمة، بل يظهر الكمال من خلال القدرة على التنازل الاختياري من أجل الآخرين.
وبالمثل، يجادل موريس بأن التجسد لم يكن إذلالًا فُرض على الله أو فقدانًا لصفة من صفاته الإلهية، بل كان فعلًا حرًا واختياريًا. فالله، بحسب الفهم المسيحي، لم يتخلَّ عن قدرته أو علمه أو ألوهيته عندما تجسد، بل أضاف إلى نفسه طبيعة بشرية مع احتفاظه بكامل طبيعته الإلهية. ومن ثم فإن التجسد ليس طرحًا للألوهية بل إضافة للإنسانية.
ولهذا يصوغ موريس الحجة فلسفيًا على النحو التالي: قيمة الكائن لا تنقص إلا إذا فقد كمالًا من كمالاته، والتجسد لا يتضمن فقدان أي من الصفات الإلهية، بل يتضمن إضافة طبيعة بشرية إلى الشخص الإلهي. لذلك لا يترتب على التجسد أي انتقاص من قيمة الله أو عظمته.
ومن هذا المنطلق يرى موريس أن السؤال الصحيح ليس: “هل صار الله أقل قيمة عندما تجسد؟” بل: “هل يستطيع الكائن الأعظم أن يضيف إلى نفسه طبيعة بشرية دون أن يفقد شيئًا من عظمته؟”. وإجابته هي أن القدرة على فعل ذلك لا تدل على الضعف، بل على عظمة تفوق عظمة الكائن الذي لا يستطيع إلا أن يبقى بعيدًا ومنعزلًا عن العالم.

يرى ريتشارد سوينبرن أن الاعتراض القائل بأن التجسد يقلل من الله يفترض أن العظمة الإلهية تعني البقاء بعيدًا عن العالم والألم والمعاناة. لكنه يعتقد أن هذا التصور ناقص، لأن الكمال لا يتضمن القدرة والمعرفة فقط، بل يتضمن أيضًا المحبة الكاملة.
فلو أن ملكًا قويًا رأى شعبه يتألم واكتفى بإرسال الرسائل من قصره، لاعتبر الناس أنه يمارس سلطته من بعيد. أما إذا نزل بنفسه إلى شعبه وشاركهم ظروفهم الصعبة من أجل مساعدتهم، فإن هذا لا يجعله أقل ملكًا، بل يكشف عن عظمة أخلاقية أكبر. فمكانته لم تنقص، وإنما ظهرت صفات جديدة من الشجاعة والمحبة والتضحية.
وبالمثل، يرى سوينبرن أن الله لم يتجسد لأنه عاجز عن إنقاذ البشر بطريقة أخرى، بل لأنه اختار أن يمنحهم أعظم دليل ممكن على محبته. فالتجسد يسمح لله، بحسب الفهم المسيحي، بأن يشارك البشر آلامهم وتجاربهم الإنسانية بصورة مباشرة. وهذا لا يعني أن الله فقد ألوهيته أو أصبح أقل كمالًا، بل يعني أن كمال محبته ظهر بطريقة لم تكن لتظهر لو بقي بعيدًا عن العالم.
ويجادل سوينبرن بأن الذي يرفض التجسد بحجة أنه لا يليق بالله، يفترض ضمنيًا أن العظمة تكمن في الابتعاد عن الضعفاء والمتألمين. أما هو فيرى أن العظمة الأخلاقية الحقيقية تكمن في القدرة على الاقتراب منهم دون فقدان شيء من الكرامة أو الكمال. فالمحبة الكاملة لا تكتفي بالمراقبة من بعيد، بل تسعى إلى المشاركة والمساندة.
ولهذا فإن التجسد، في نظر سوينبرن، لا يقلل من الله، بل يكشف جانبًا من عظمته لا يظهر في القدرة المطلقة وحدها، وهو عظمة المحبة التي تدفع الله إلى الاقتراب من مخلوقاته ومشاركتهم حياتهم من أجل خيرهم وخلاصهم.
وجوهر حجة سوينبرن يمكن اختصاره في جملة واحدة:
إذا كان التجسد لا يتضمن فقدان أي صفة إلهية، لكنه يُظهر محبة أعظم تجاه البشر، فلا يوجد سبب منطقي للقول إنه انتقاص من الله؛ بل قد يكون تعبيرًا عن كماله الأخلاقي بأسمى صورة.
ترى إليانور ستامب أن الاعتراض على التجسد يفترض أن العظمة تتطلب مسافة بين العظيم ومن هم دونه، لكن هذا التصور لا ينسجم مع فهمنا لأسمى أشكال المحبة. فالشخص الذي يحب حقًا لا يكتفي بمراقبة معاناة من يحبهم من بعيد، بل يسعى إلى الاقتراب منهم ومشاركتهم أحزانهم وآلامهم. ولهذا فإن القرب من المتألمين ليس علامة ضعف، بل علامة قوة أخلاقية ومحبة حقيقية.
وتستخدم ستامب أمثلة من العلاقات الإنسانية لتوضيح هذه الفكرة. فالأم التي تجلس بجوار طفلها المريض طوال الليل لا تصبح أقل كرامة بسبب نزولها إلى مستوى ضعفه، والطبيب الذي يدخل إلى مناطق الأوبئة لمعالجة المرضى لا يفقد مكانته العلمية بسبب احتكاكه بالمرض، بل تظهر عظمة شخصيته من خلال استعداده لتحمل المشقة من أجل الآخرين. فالقيمة الحقيقية لا تتناقص بالاقتراب من المحتاجين، بل قد تتجلى بصورة أوضح من خلال هذا الاقتراب.
ومن هذا المنطلق ترى ستامب أن التجسد ليس تنازلًا عن الألوهية ولا انتقاصًا من الله، بل هو أقصى تعبير ممكن عن المحبة الإلهية. فبدلًا من أن يبقى الله بعيدًا عن الألم البشري، دخل إلى الواقع الإنساني وعاش ظروف البشر وآلامهم. وهذا لا يعني أن الله فقد شيئًا من كماله، بل يعني أن كمال محبته ظهر بطريقة ملموسة وشخصية.
ولهذا تؤكد ستامب أن السؤال ليس: “هل اقترب الله من الإنسان؟” بل: “هل الاقتراب من الإنسان المتألم يُنقص من عظمة الله؟”. وإجابتها هي أن المحبة الكاملة تدفع صاحبها إلى هذا الاقتراب، وأن القدرة على مشاركة الآخرين معاناتهم دون فقدان الكمال هي في ذاتها صورة من صور العظمة. لذلك فالتجسد، في نظرها، لا يقلل من الله، بل يكشف عمق محبته وقوة التزامه بعلاقته مع البشر.
وخلاصة حجة ستامب في عبارة واحدة:
العظمة التي لا تستطيع الاقتراب من المتألم عظمة ناقصة، أما العظمة القادرة على مشاركة المتألم ألمه دون أن تفقد كمالها فهي عظمة أسمى.
ولهذا ترى أن التجسد ليس هبوطًا من المجد، بل إظهار للمجد الإلهي في صورة المحبة الشخصية والقرب من الإنسان
يرى براين لفتو أن الاعتراض القائل بأن التجسد يقلل من الله يفترض أن الاقتراب من ما هو أدنى مرتبة يؤدي بالضرورة إلى الانتقاص من ما هو أعلى مرتبة. لكنه يرى أن هذا الافتراض غير صحيح. فليس كل اتحاد بين شيئين يعني أن الأقوى يفقد شيئًا من قوته أو أن الأعلى ينحدر إلى مستوى الأدنى.
ففي الحياة اليومية نرى أن الشيء الأقوى يؤثر في الأضعف أكثر مما يتأثر به. فالنار عندما تلامس الحديد تجعل الحديد حارًا، لكنها لا تتحول هي إلى حديد. والشمس عندما تضيء مكانًا مظلمًا لا تكتسب ظلامًا من المكان الذي تنيره. وفي كلتا الحالتين يظهر تفوق الشيء الأقوى في قدرته على التأثير دون أن يفقد طبيعته الخاصة.
ويطبق لفتو هذا المبدأ على التجسد. فإذا كانت الطبيعة الإلهية كاملة وغير محدودة، فلا ينبغي أن نفترض أن اتحادها بطبيعة بشرية سيؤدي إلى إفسادها أو تقليلها. بل إن الاعتقاد بأن الألوهية يمكن أن تُنقص بمجرد اتحادها بالإنسانية يوحي بأن الألوهية شيء هش وضعيف، بينما الكمال الإلهي الحقيقي ينبغي أن يكون فوق مثل هذه التأثيرات.
ومن هنا يرى لفتو أن التجسد لا يعني أن الله تحول إلى مجرد إنسان أو تخلى عن ألوهيته، بل يعني أن الشخص الإلهي اتحد بطبيعة بشرية مع احتفاظه بكامل طبيعته الإلهية. فالطبيعة البشرية لم تمتص الألوهية ولم تقللها، كما أن الألوهية لم تُمحَ أو تُستبدل، بل بقيت كما هي.
ولذلك يجادل لفتو بأن القدرة على الاتحاد بما هو محدود دون فقدان اللامحدودية هي علامة قوة لا علامة ضعف. فالكائن الذي يخشى أن يفقد كماله بمجرد اقترابه من ما هو أدنى ليس كائنًا كاملًا على الإطلاق. أما الكائن الكامل حقًا فهو الذي يستطيع أن يدخل إلى العالم المادي والإنساني دون أن يفقد شيئًا من جوهره أو مجده.
ولهذا فإن التجسد، في نظر لفتو، لا يمثل تقليلًا من الله، بل يمثل برهانًا على سمو الطبيعة الإلهية وقدرتها على الاتحاد بما هو أدنى منها دون أن تتغير أو تتضرر.