القائمة إغلاق

هل شفى المسيح مجنونًا واحدًا أم مجنونين؟

هل شفى المسيح مجنونًا واحدًا أم مجنونين؟

هل يوجد تناقض بين متى ومرقس ولوقا في عدد المجانين الذين شفاهم المسيح؟

هل شفى المسيح مجنونًا واحدًا أم مجنونين؟
هل شفى المسيح مجنونًا واحدًا أم مجنونين؟

الإشكال

يعترض البعض قائلين إن هناك تناقضًا بين الأناجيل في عدد المجانين أو الممسوسين الذين جاءوا إلى المسيح في كورة الجدريين أو الجرجسيين.

فإنجيل متى يذكر أن اثنين من المجانين خرجا للقاء المسيح:

«وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجِسِيِّينَ اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ، هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ» (متى ٨: ٢٨).

أما مرقس فيركز على مجنون واحد:

«وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ، لِلْوَقْتِ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ» (مرقس ٥: ٢).

وكذلك لوقا يذكر رجلًا واحدًا:

«فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الأَرْضِ، اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَكَانَ لاَ يَلْبَسُ ثَوْبًا، وَلاَ يُقِيمُ فِي بَيْتٍ، بَلْ فِي الْقُبُورِ» (لوقا ٨: ٢٧).

فهل كان هناك مجنون واحد أم مجنونان؟ وهل اختلاف العدد هنا يدل على تناقض بين الروايات الإنجيلية؟

الحل

لا يوجد تناقض حقيقي هنا، لأن متى يذكر العدد الكامل: كان هناك مجنونان. أما مرقس ولوقا فيركزان على واحد منهما، غالبًا لأنه كان الأبرز أو الأكثر ظهورًا في القصة، أو لأنه هو الذي دار حوله الحوار بصورة أوضح.

والقاعدة البسيطة هنا هي: حيث يوجد اثنان، يوجد واحد بالضرورة. فلا يوجد أي تعارض منطقي بين أن يقول متى إن هناك اثنين، وأن يذكر مرقس ولوقا واحدًا منهما. التعارض كان سيظهر فقط لو قال مرقس أو لوقا: «كان هناك واحد فقط» أو «لم يكن هناك إلا واحد». لكن النص لا يقول ذلك.

إذن، المشكلة ليست في نص الكتاب، بل في قراءة الناقد الذي يضيف إلى النص كلمة غير موجودة، وهي كلمة «فقط» أو «واحد فقط». فمرقس ولوقا لم ينفيا وجود الثاني، بل ركزا على الشخص الأبرز في الحادثة.

شرح النقاط المهمة

١. ذكر واحد لا ينفي وجود اثنين

عندما يذكر شاهدٌ شخصًا واحدًا في حادثة ما، فهذا لا يعني بالضرورة أنه ينفي وجود شخص آخر معه. فقد يختار الكاتب أن يركز على الشخصية الأكثر بروزًا أو صاحبة الدور الأكبر في السرد.

فمتى يقول إن المسيح استقبله مجنونان. ومرقس ولوقا يقدمان تفاصيل موسعة عن واحد منهما. وهذا لا يعني أن الثاني لم يكن موجودًا، بل يعني أن التركيز السردي وقع على واحد بعينه.

٢. لا توجد كلمة «فقط» في مرقس أو لوقا

النقطة الحاسمة أن مرقس ولوقا لا يقولان إن المسيح قابل «مجنونًا واحدًا فقط». النص يذكر واحدًا، لكنه لا يحصر العدد في واحد.

والفرق كبير بين عبارتين:

الأولى: «قابل المسيح رجلًا به روح نجس».

والثانية: «قابل المسيح رجلًا واحدًا فقط، ولم يكن معه آخر».

الأولى لا تنفي وجود آخر، أما الثانية فهي التي كانت ستعارض متى. لكن العبارة الثانية غير موجودة في النص الإنجيلي.

٣. التركيز على الأبرز أسلوب معروف في السرد

من الطبيعي في السرد التاريخي أن يختار الكاتب التركيز على شخص واحد من بين أكثر من شخص، خصوصًا إذا كان هذا الشخص هو الذي تكلم، أو ظهر بصورة أوضح، أو صار شاهدًا على عمل المسيح بعد شفائه.

وهذا واضح في رواية مرقس، إذ يذكر تفاصيل كثيرة عن هذا الرجل، مثل سكنه في القبور، وشدة حالته، وكلامه مع المسيح، ثم رغبته بعد الشفاء في أن يكون مع المسيح:

«وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ، طَلَبَ إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ مَجْنُونًا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ. فَلَمْ يَدَعْهُ يَسُوعُ، بَلْ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ» (مرقس ٥: ١٨–١٩).

وهذا يفسر لماذا ركز مرقس ولوقا على هذا الرجل تحديدًا؛ لأنه كان محور التفاصيل اللاحقة في القصة.

٤. متى يعطي العدد الكامل، ومرقس ولوقا يعطيان التركيز التفصيلي

يمكن أن تكون الروايات الثلاث صحيحة معًا: متى يذكر أن الحادثة شملت مجنونين، ومرقس ولوقا يذكران الرجل الأبرز بينهما.

وهذا شبيه بأن يقول شخص: «قابلتُ اليوم مدير الشركة»، بينما يقول آخر عن نفس اللقاء: «قابلنا مدير الشركة ومساعده». لا يوجد تناقض بين القولين؛ لأن ذكر المدير وحده لا ينفي حضور المساعد، إلا إذا قال المتكلم صراحة: «لم يكن هناك أحد غير المدير».

٥. الناقد هو الذي يصنع التعارض بإضافة معنى غير موجود

لكي يجعل الناقد النصوص متناقضة، يجب أن يضيف إلى مرقس ولوقا معنى الحصر: «واحد فقط». لكن هذا الحصر غير موجود في النص.

فالكتاب لا يقول في مرقس أو لوقا إن الذي جاء إلى المسيح كان واحدًا فقط. بل يذكر واحدًا دون أن ينفي وجود آخر. لذلك لا يصح بناء اتهام بالتناقض على كلمة غير موجودة في النص.

الخلاصة

لا يوجد تناقض بين متى ومرقس ولوقا في عدد المجانين الذين شفاهم المسيح. متى يذكر العدد الكامل: مجنونان. أما مرقس ولوقا فيركزان على واحد منهما، غالبًا لأنه كان الأبرز في القصة أو لأنه هو الذي تظهر حوله التفاصيل الرئيسية.

ذكر الواحد لا ينفي وجود الاثنين؛ لأن النص لا يقول «واحد فقط». ومن ثم فالتعارض لا ينشأ من الأناجيل، بل من قراءة تضيف إلى النص ما لم يقله.

وهكذا تبقى الروايات متوافقة: كان هناك اثنان، وركز مرقس ولوقا على واحد منهما لسبب سردي واضح، دون أن ينكرا وجود الثاني الذي ذكره متى.

تنبيهات لاهوتية

ينبغي التمييز بين الاختلاف التكميلي والتناقض الحقيقي. الاختلاف التكميلي هو أن يذكر كاتب تفصيلًا لا يذكره كاتب آخر، أو يركز أحدهم على شخص بارز بينما يذكر الآخر العدد الكامل. أما التناقض الحقيقي فيحتاج إلى نفي صريح لا يمكن جمعه مع النص الآخر.

وفي هذه الحادثة لا يوجد نفي صريح لوجود مجنونين في مرقس أو لوقا. لذلك لا يصح القول إن الأناجيل تناقضت، بل الأصح أن كل إنجيل قدم زاوية معينة من نفس الحدث.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 337). Victor Books: Wheaton, Ill.

هل شفى المسيح مجنونًا واحدًا أم مجنونين؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة