هل كان المسيح يتكلم دائمًا بالأمثال؟
كيف يقول متى إن المسيح لم يكن يكلم الجموع إلا بأمثال، بينما توجد عظات مباشرة مثل الموعظة على الجبل؟

الإشكال
يقول إنجيل متى:
«هذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِأَمْثَال، وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ» (متى ١٣: ٣٤).
وقد يبدو من هذه العبارة أن المسيح كان لا يتكلم أبدًا إلا بالأمثال. لكننا نجد في إنجيل متى نفسه أن المسيح قدّم الموعظة على الجبل في الإصحاحات ٥–٧، وهي تعليم مباشر طويل، وليست كلها أمثالًا.
فهل يوجد تناقض؟ هل كان المسيح يتكلم دائمًا بالأمثال، أم كان أحيانًا يعلّم تعليمًا مباشرًا؟
الحل
لا يوجد تناقض، لأن عبارة متى ١٣: ٣٤ يجب أن تُفهم في سياقها المحدد. فالنص لا يقول إن المسيح لم يتكلم في كل حياته، وفي كل مناسبة، ومع كل شخص، إلا بالأمثال. بل يتكلم عن أسلوبه في ذلك الوقت، وفي ذلك السياق، وهو كلامه مع «الجموع» في متى ١٣.
النص نفسه يحدد المخاطبين:
«هذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِأَمْثَال» (متى ١٣: ٣٤).
إذن، الكلام هنا عن تعليمه للجموع في هذا الموقف، لا عن كل تعليم نطق به المسيح في كل مناسبة.
شرح النقاط المهمة
١. متى ١٣: ٣٤ يتكلم عن «الجموع»
العامل الأول المهم هو أن متى يذكر صراحة أن المسيح كان يكلم «الجموع» بأمثال. فالنص لا يتكلم عن كل أنواع التعليم التي قدمها المسيح لتلاميذه في كل الأوقات، بل عن أسلوب تعليمه للجموع في ذلك السياق.
وهذا ينسجم مع ما جاء في نفس الإصحاح عندما سأله التلاميذ:
«فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟» (متى ١٣: ١٠).
لاحظ أن السؤال هو: «لماذا تكلمهم»، أي الجموع، بأمثال؟ فالسياق كله يركز على طريقة المسيح في مخاطبة الجموع في هذه المرحلة من خدمته.
٢. الموعظة على الجبل كانت موجهة أساسًا إلى التلاميذ
أما الموعظة على الجبل، فمتى يفتتحها هكذا:
«وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفَتَحَ فَاهُ وَعَلَّمَهُمْ قَائِلًا» (متى ٥: ١–٢).
إذن، المخاطبون المباشرون في بداية الموعظة هم التلاميذ. نعم، يبدو أن الجموع كانت تسمع أيضًا، لأن متى يقول في نهاية الموعظة:
«فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ» (متى ٧: ٢٨).
لكن هذا لا يغيّر أن التعليم كان موجهًا أساسًا إلى التلاميذ، وأن سياق متى ١٣: ٣٤ مختلف، إذ يتكلم عن مخاطبة الجموع بالأمثال.
٣. عبارة «بدون مثل لم يكن يكلمهم» قد تشير إلى ذلك الوقت تحديدًا
العامل الثاني المهم هو أن عبارة متى قد تشير إلى ما كان المسيح يفعله في تلك المرحلة أو في ذلك الموقف، لا إلى قاعدة مطلقة تشمل كل مناسبة في حياته.
فالمعنى هو: في هذا السياق التعليمي أمام الجموع، كان المسيح يقدّم تعليمه بالأمثال. ولا يلزم من ذلك أنه لم يعطِ أي تعليم مباشر في أي وقت آخر.
٤. لا يصح تحويل العبارة السياقية إلى حكم مطلق
كثير من الإشكالات تنشأ عندما تُفصل العبارة عن سياقها. فلو قال شخص عن معلم في يوم تدريسي معين: «لم يتكلم اليوم إلا بالأمثلة»، فهذا لا يعني أنه في كل حياته لم يشرح شرحًا مباشرًا. بل يعني أن أسلوبه في ذلك الدرس أو مع تلك الفئة كان قائمًا على الأمثلة.
كذلك قول متى: «بدون مثل لم يكن يكلمهم» لا يعني أن كل كلمات المسيح في كل الأناجيل كانت أمثالًا، بل يعني أن تعليمه للجموع في ذلك السياق جاء بالأمثال.
٥. لدينا سجل محدود لكلمات المسيح
ينبغي أيضًا أن نتذكر أن الأناجيل لا تسجل كل كلمة قالها المسيح، بل تقدم لنا ما أراد الروح القدس أن يُكتب لخلاصنا وتعليمنا. يقول يوحنا:
«وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ» (يوحنا ٢١: ٢٥).
لذلك، لا يجوز أن نقرأ عبارة في موقف محدد وكأنها إحصاء كامل لكل أساليب تعليم المسيح في كل أوقاته.
٦. الأمثال كانت وسيلة إعلان وفرز
استخدام المسيح للأمثال أمام الجموع لم يكن مصادفة. فقد كانت الأمثال تكشف موقف السامع من الحق. فالذي يريد أن يفهم ويطلب الحق بتواضع، يتقدم ويسأل، كما فعل التلاميذ. أما الذي يسمع بقلب مغلق، فيبقى المعنى بالنسبة له غامضًا.
ولهذا قال المسيح:
«مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ» (متى ١٣: ١٣).
فالأمثال لم تكن مجرد أسلوب أدبي، بل كانت أيضًا وسيلة روحية تكشف القلوب وتدعو المستعدين إلى طلب الفهم.
الخلاصة
لا يوجد تناقض بين متى ١٣: ٣٤ والموعظة على الجبل. فقول متى إن المسيح كان يكلم الجموع بأمثال لا يعني أنه في كل حياته لم يتكلم إلا بالأمثال، بل يعني أن تعليمه للجموع في ذلك السياق كان بالأمثال.
أما الموعظة على الجبل فكانت موجهة أساسًا إلى التلاميذ، مع حضور الجموع وسماعهم. كما أن عبارة متى ١٣ يمكن أن تشير إلى ذلك الوقت أو ذلك الموقف، لا إلى كل مناسبة في خدمة المسيح.
إذن، المسيح استخدم الأمثال مع الجموع في سياقات معينة، وعلّم أيضًا تعليمًا مباشرًا في سياقات أخرى. وهذا لا يخلق تناقضًا، بل يظهر تنوع أسلوب المسيح التعليمي بحسب المخاطبين والهدف الروحي من التعليم.
تنبيهات لاهوتية
لا ينبغي قراءة العبارات العامة في الكتاب بمعزل عن سياقها. فالسياق يحدد المخاطبين، والزمن، والهدف، وطبيعة الكلام.
كما يجب الانتباه إلى أن أمثال المسيح ليست مجرد قصص بسيطة، بل إعلان لحقائق الملكوت بطريقة تكشف قلب السامع: من يطلب الحق يُعطى فهمًا، ومن يرفض النور يزداد ظلامًا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 345). Victor Books: Wheaton, Ill.