هل يعلّم المسيح أن نحب أنفسنا أولًا قبل الآخرين؟
كيف نفهم وصية «تحب قريبك كنفسك» دون أن تتحول إلى أنانية؟

كيف نفهم وصية «تحب قريبك كنفسك» دون أن تتحول إلى أنانية؟
قال المسيح في وصيته العظمى:
«وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.»
متى 22: 39
وهنا يُثار سؤال مهم: هل معنى هذه الوصية أن الإنسان يجب أن يحب نفسه أولًا، ثم بعد ذلك يحب قريبه؟ وهل يعلّم المسيح أن محبة الذات هي الأساس، بحيث تصبح الذات قبل الآخر؟ هل في هذه الوصية دعوة إلى الأنانية؟
الإجابة الواضحة هي: لا. المسيح لا يعلّم الأنانية، ولا يضع الذات في مركز الحياة الأخلاقية. بل يستخدم محبة الإنسان الطبيعية لنفسه كمقياس عملي يُلزم الإنسان أن يهتم بالآخر كما يهتم بنفسه.
موضع الإشكال
الإشكال يأتي من عبارة «كنفسك». فالبعض يفهمها على هذا النحو: لكي أحب قريبي كنَفسي، يجب أولًا أن أحب نفسي، ثم أجعل هذه المحبة أساسًا لمحبة الآخرين. ومن هنا قد يبدو كأن المسيح يضع محبة الذات قبل محبة القريب.
لكن هذا الفهم لا ينسجم مع تعليم الكتاب المقدس كله، لأن الكتاب لا يمدح الإنسان المتمركز حول ذاته، ولا يبارك الأنانية، بل يدينها بوضوح.
الكتاب لا يمدح الأنانية بل يدينها
الرسول بولس يصف انحراف الناس في الأيام الأخيرة قائلًا:
«لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ.»
2 تيموثاوس 3: 2
إذن، محبة الذات الأنانية ليست فضيلة في الكتاب، بل علامة من علامات الفساد الروحي والأخلاقي. كما يقول بولس أيضًا:
«لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا.»
فيلبي 2: 4
فلا يمكن أن يكون قصد المسيح في متى 22: 39 هو تشجيع الإنسان على أن يضع ذاته أولًا، لأن هذا يناقض تعليم الكتاب كله عن المحبة، والاتضاع، وبذل الذات.
المعنى الأول المحتمل: أحب غيرك كما ينبغي أن تحب نفسك بلا أنانية
قد يفهم البعض عبارة «تحب قريبك كنفسك» بمعنى: أحب الآخرين كما ينبغي أن تحب نفسك، أي بطريقة غير أنانية. وهذا المعنى يحاول أن يقول إن المسيح لا يطلب محبة ذاتية أنانية، بل محبة منضبطة ونقية.
لكن هذا التفسير يبدو دقيقًا جدًا ومركبًا أكثر مما تحتمله صيغة الوصية البسيطة. فلو كان المقصود فقط أن يقول المسيح: «لا تكن أنانيًا»، لكان التعبير المباشر أوضح. لذلك، مع أن المعنى لا يحمل خطأً لاهوتيًا، إلا أنه ليس بالضرورة أفضل تفسير لعبارة المسيح.
المعنى الثاني: أحب غيرك كما ينبغي أن تحب نفسك محبة صحيحة
هناك نوع مشروع من العناية بالنفس واحترامها، لا بمعنى التمركز حول الذات، بل بمعنى إدراك قيمة الإنسان كخليقة الله، والعناية بالجسد والحياة والمسؤوليات بطريقة صحيحة.
فالكتاب لا يطلب من الإنسان أن يكره نفسه بمعنى احتقار ذاته أو تدميرها. بل يقرر حقيقة طبيعية عن الإنسان:
«فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ.»
أفسس 5: 29
فالإنسان الطبيعي يعتني بجسده، يطعمه، يحميه، يريحه، ويطلب له الخير. هذه العناية في حد ذاتها ليست شرًا. الشر هو أن تتحول العناية بالنفس إلى عبادة للذات، أو تفضيل للنفس على الحق، أو تجاهل لحقوق الآخرين.
ولهذا يوازن الكتاب بين رفض الكبرياء وبين التفكير الصحيح في النفس:
«فَإِنِّي أَقُولُ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي، لِكُلِّ مَنْ هُوَ بَيْنَكُمْ: أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ.»
رومية 12: 3
إذن، من الممكن أن يكون معنى كلام المسيح: أحب قريبك كما ينبغي أن تحب نفسك محبة سليمة، لا محبة متكبرة ولا محبة مدمرة، بل محبة عاقلة تحترم كرامة الإنسان ومسؤوليته أمام الله.
المعنى الثالث: أحب غيرك بقدر ما تحب نفسك بالفعل
وهذا هو المعنى الأقوى والأبسط: المسيح يشير إلى حقيقة يعرفها كل إنسان، وهي أن الإنسان يحب نفسه عمليًا ويهتم بها تلقائيًا. فهو لا يحتاج أن يتعلم كيف يجوع فيبحث عن طعام، أو يتألم فيطلب راحة، أو يتعرض للخطر فيحمي نفسه.
المسيح يأخذ هذه الحقيقة الطبيعية ويجعلها معيارًا لمحبة القريب: كما أنك تهتم بنفسك بجدية، اهتم بقريبك بجدية. كما أنك لا تحب أن تُظلم، لا تظلم غيرك. كما أنك تريد الرحمة، ارحم. كما أنك تطلب الكرامة والعدل، أعطِ غيرك الكرامة والعدل.
بهذا المعنى، لا يقول المسيح إن طريقة محبتك لنفسك صحيحة دائمًا، ولا يقول إن عليك أن تبدأ بالذات ثم تصل إلى الآخر، بل يقول إن مقدار اهتمامك بنفسك يكشف لك مقدار ما يجب أن تقدمه من اهتمام للآخر.
الوصية تكسر الأنانية لا تؤسسها
إذا فهمنا عبارة «كنفسك» بهذا المعنى، نرى أن الوصية ليست دعوة إلى الأنانية، بل ضربة قوية للأنانية. لأن الإنسان الأناني يحب نفسه كثيرًا ويهمل الآخر. أما المسيح فيقول له: اجعل هذا الاهتمام نفسه يمتد إلى قريبك.
فالوصية لا تقول: أحب نفسك أكثر. بل تقول: لا تجعل نفسك وحدها مركز اهتمامك. إن كنت حريصًا على راحتك، وكرامتك، وحقوقك، وسلامتك، فليكن لقريبك نصيب حقيقي من هذا الحرص.
وهذا ينسجم تمامًا مع القاعدة الذهبية التي علّمها المسيح:
«فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ.»
متى 7: 12
فالمسيح لا يطلب من الإنسان أن يدور حول ذاته، بل أن يستخدم إدراكه الطبيعي لما يريده لنفسه لكي يعرف كيف يعامل غيره.
محبة القريب لا تلغي العناية الصحيحة بالنفس
من المهم أيضًا أن نميز بين أمرين: الأنانية المرفوضة، والعناية الصحيحة بالنفس. المسيحية لا تطلب من الإنسان أن يحتقر نفسه أو يهمل جسده أو يظن أن قيمته معدومة. الإنسان مخلوق على صورة الله، وله كرامة ومسؤولية.
لكن المسيحية ترفض أن تتحول الذات إلى إله صغير تدور حوله كل الأشياء. فمحبة النفس الصحيحة يجب أن تكون تحت سلطان الله، ومفتوحة نحو خدمة الآخرين، لا مغلقة على الذات.
ولهذا لا تناقض بين أن يعتني الإنسان بنفسه عناية سليمة، وأن يحب قريبه محبة حقيقية. بل إن المسيح يأخذ العناية الطبيعية بالنفس ويجعلها مرآة عملية لمحبة الآخر.
المسيح هو المثال الأعلى للمحبة غير الأنانية
لا يمكن تفسير وصية المسيح بمعزل عن حياته هو. فالمسيح لم يعلّم الأنانية، بل عاش البذل. وقد قال:
«لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.»
مرقس 10: 45
فمن غير المعقول أن يكون المسيح، الذي بذل نفسه لأجل الآخرين، يعلّم الناس أن يكونوا محبين لأنفسهم بمعنى الأنانية. بل هو يعلّمهم أن يخرجوا من مركزية الذات إلى محبة القريب.
الخلاصة
وصية المسيح «تحب قريبك كنفسك» لا تعني أن نضع أنفسنا أولًا، ولا أنها دعوة إلى الأنانية. فالكتاب يدين «محبي أنفسهم»، ويدعو المؤمنين ألا ينظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه فقط، بل إلى ما هو للآخرين أيضًا.
المعنى الأقرب هو أن المسيح يستخدم محبة الإنسان العملية لنفسه كمقياس لمحبة القريب. كما تهتم بنفسك، اهتم بقريبك. كما تطلب الخير لنفسك، اطلب الخير له. كما ترفض الظلم على نفسك، لا تظلم غيرك.
إذن، الوصية لا تؤسس الأنانية، بل تكشفها وتكسرها. لأنها تلزم الإنسان أن يعطي للآخر من الاهتمام والرحمة والعدل ما يطلبه لنفسه.
المصدر
Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 355.