هل أخطأ المسيح حين قال إن هذا الجيل لا يمضي حتى تكون كل هذه الأمور؟
كيف نفهم عبارة «هذا الجيل» في متى 24 دون افتراض أن المسيح حدّد نهاية العالم في زمن معاصريه؟

قال المسيح في حديثه عن علامات النهاية:
«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ.»
متى 24: 34
وقد رأى بعض النقاد في هذه العبارة مشكلة خطيرة، إذ ظنوا أن المسيح كان يقول إن كل علامات النهاية، بما فيها الضيقة العظيمة، وعلامة مجيء ابن الإنسان، ونهاية الدهر، ستحدث في حياة الجيل الذي كان يسمعه في ذلك الوقت. وبما أن هذه الأحداث لم تتم كلها في حياة معاصري المسيح، فهل يعني هذا أن المسيح أخطأ؟
الإجابة هي: لا. لا يلزم من عبارة «هذا الجيل» أن المقصود هو بالضرورة جيل معاصري المسيح فقط. فهناك أكثر من معنى محتمل لكلمة «جيل» في هذا السياق، وكلاهما يرفع الإشكال دون اتهام المسيح بالخطأ.
موضع الإشكال
في متى 24، يتكلم المسيح عن أحداث عظيمة تشمل رجسة الخراب، والضيقة العظيمة، واضطراب السماء، وظهور علامة ابن الإنسان، ومجيء ابن الإنسان على سحاب السماء بقوة ومجد كثير:
«فَمَتَى نَظَرْتُمْ رِجْسَةَ الْخَرَابِ الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ، لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ.»
متى 24: 15
«لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ.»
متى 24: 21
«وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.»
متى 24: 30
ثم يقول المسيح: «لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله». فلو كان «هذا الجيل» يعني فقط معاصري المسيح في القرن الأول، فقد يبدو كأن النص يقول إن كل هذه الأحداث كانت يجب أن تتم في حياتهم. لكن هذه الأحداث، بهذا الاتساع، لم تتم كلها في زمنهم، ولذلك يجب فحص معنى كلمة «جيل» بدقة أكبر.
المعنى الأول: كلمة «جيل» قد تعني «جنسًا» أو «أمة»
الكلمة اليونانية المستخدمة لكلمة «جيل» يمكن أن تُفهم أحيانًا بمعنى «جنس» أو «سلالة» أو «شعب». وبحسب هذا الفهم، تكون عبارة المسيح: «لا يمضي هذا الجيل» بمعنى أن الشعب اليهودي أو أمة إسرائيل لن تزول قبل أن تتم كل هذه الأمور.
وهذا المعنى له أهمية خاصة لأن الله أعطى وعودًا لإسرائيل في العهد القديم، منها وعود مرتبطة بالأرض والنسل والملكوت. فقد وعد الله إبراهيم:
«وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ.»
تكوين 17: 7
كما أعطى الله وعدًا داوديًا بملك ثابت:
«وَيَأْمَنُ بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ إِلَى الأَبَدِ أَمَامَكَ. كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتًا إِلَى الأَبَدِ.»
2 صموئيل 7: 16
فإذا كان المسيح يقصد بـ«هذا الجيل» الأمة اليهودية، فالمعنى يكون أن هذه الأمة لن تفنى قبل أن تتم مقاصد الله الأخيرة. وهذا ينسجم مع فكرة حفظ الله لإسرائيل في التاريخ حتى تتم وعوده.
بولس يتكلم عن مستقبل لإسرائيل
هذا المعنى يتوافق أيضًا مع كلام بولس الرسول في رومية 11، حيث يتكلم عن مستقبل لشعب إسرائيل في خطة الله، لا عن زوال نهائي بلا رجاء:
«فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ.»
رومية 11: 25-26
إذن، من الممكن أن يكون المسيح يتكلم عن بقاء الأمة إلى أن تتم كل النبوات المرتبطة بنهاية الدهر. وفي هذه الحالة، لا يكون قد قال إن كل شيء سيتم في حياة مستمعيه المباشرين، بل قال إن هذا الشعب لن يزول قبل إتمام مقاصد الله.
سؤال التلاميذ بعد القيامة يؤكد وجود انتظار مستقبلي
بعد قيامة المسيح، سأل التلاميذ:
«يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟»
أعمال 1: 6
والمهم أن المسيح لم يوبخهم كأن السؤال نفسه خاطئ تمامًا، بل قال:
«لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ.»
أعمال 1: 7
هذا الرد لا يلغي فكرة وجود مستقبل في خطة الله، بل يضع توقيت ذلك في سلطان الآب. ولذلك، ففهم «هذا الجيل» بمعنى بقاء الأمة أو الشعب حتى تتم الوعود ينسجم مع هذا الإطار الكتابي الأوسع.
المعنى الثاني: «هذا الجيل» قد يعني الجيل الذي يرى بداية هذه العلامات
هناك معنى آخر محتمل، وهو أن كلمة «جيل» تُفهم بمعناها العادي: الناس الأحياء في وقت معين. لكن في هذه الحالة لا يلزم أن يكون المقصود هو جيل معاصري المسيح، بل الجيل الذي يكون حيًا عندما تبدأ هذه الأحداث الأخيرة في التحقق.
أي إن المسيح يقول: الجيل الذي يرى بداية هذه العلامات الكبرى، مثل رجسة الخراب، والضيقة العظيمة، وعلامة ابن الإنسان، لن يمضي حتى تكتمل هذه الأحداث.
وبهذا لا يكون المسيح يتكلم عن القرن الأول بالضرورة، بل عن الجيل المستقبلي الذي سيعيش بداية سلسلة الأحداث النهائية ويرى اكتمالها.
الضيقة كفترة محددة في نهاية الدهر
يربط كثير من المفسرين بين الضيقة الأخيرة ونبوة دانيآل عن الأسبوع الأخير، حيث يقول:
«وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ.»
دانيآل 9: 27
كما يذكر سفر الرؤيا مدة مرتبطة بالأحداث الأخيرة:
«وَسَيَدُوسُونَ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا.»
رؤيا 11: 2
فإذا فُهمت الضيقة كفترة محددة في نهاية الدهر، فإن قول المسيح «لا يمضي هذا الجيل» يعني أن الجيل الذي يكون حيًا عند بداية تلك الفترة سيظل حيًا حتى اكتمالها. وهذا يرفع الإشكال، لأن المسيح لا يكون قد قال إن نهاية العالم ستحدث في حياة معاصريه، بل إن الجيل الذي يرى بداية أحداث النهاية سيرى اكتمالها.
لماذا لا يصح افتراض أن المسيح أخطأ؟
الاعتراض يفترض مسبقًا أن «هذا الجيل» لا يمكن أن تعني إلا جيل معاصري المسيح. لكن هذا ليس الاحتمال الوحيد في اللغة أو السياق. فالكلمة يمكن أن تُفهم بمعنى الأمة أو الجنس، ويمكن أن تُفهم بمعنى الجيل الذي يرى الأحداث حين تبدأ.
كما أن الأحداث المذكورة في متى 24، مثل ظهور ابن الإنسان بقوة ومجد، لم تتم كلها بصورة نهائية في القرن الأول. لذلك يكون من المعقول أن نبحث عن معنى لعبارة «هذا الجيل» ينسجم مع طبيعة الأحداث نفسها، بدلًا من أن ننسب إلى المسيح قولًا ثبت بوضوح أنه لم يقصده بهذا المعنى الضيق.
هل هذا تهرّب من النص؟
ليس الأمر تهربًا من النص، بل قراءة للكلمة في ضوء استعمالاتها المحتملة والسياق الكامل. فالنص لا يقف وحده، بل يأتي ضمن حديث نبوي واسع، وفيه إشارات إلى أحداث لم تتم بعد بصورة نهائية. لذلك من الطبيعي أن تُفهم العبارة بطريقة تتوافق مع السياق النبوي كله.
والهدف ليس إفراغ كلام المسيح من معناه، بل فهمه بدقة. فإما أنه يؤكد بقاء الأمة إلى إتمام مقاصد الله، أو يؤكد أن الجيل الذي يرى بداية أحداث النهاية سيرى اكتمالها.
الخلاصة
لم يخطئ المسيح في قوله: «لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله». فليس من الضروري أن تُفهم عبارة «هذا الجيل» على أنها تشير حصرًا إلى معاصري المسيح في القرن الأول.
قد تعني الكلمة «الأمة» أو «الجنس»، أي أن الشعب اليهودي لن يزول قبل أن تتم كل مقاصد الله ووعوده. وقد تعني أيضًا الجيل الذي سيكون حيًا عند بداية أحداث النهاية، أي أن هذا الجيل سيرى اكتمال ما بدأ يحدث في زمانه.
وفي كلتا الحالتين، لا توجد ضرورة لافتراض أن المسيح قال إن نهاية العالم ستحدث في حياة معاصريه، ولا توجد ضرورة لاتهامه بالخطأ. بل النص يدعونا إلى فهم العبارة في ضوء السياق النبوي الكامل لمتى 24.
المصدر
Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 358.