هل علّم المسيح السلامية المطلقة ورفض عقوبة الإعدام؟
كيف نفهم قوله لبطرس: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ»؟

عندما جاء الجمع للقبض على المسيح، اندفع بطرس وأخرج سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. عندها قال له المسيح:
«رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ، بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ.»
متى 26: 52
وقد استخدم البعض هذه العبارة للقول إن المسيح يعلّم السلامية المطلقة، أي رفض كل استعمال للسيف في أي ظرف، ورفض الحرب الدفاعية، ورفض سلطة الدولة في العقوبة، بل وحتى رفض عقوبة الإعدام. لكن هل هذا هو المعنى الذي قصده المسيح؟
الإجابة المختصرة هي: لا. المسيح لم يعلّم في هذا الموضع رفض كل استعمال للسيف، بل رفض استخدام بطرس للسيف في هذا السياق المحدد: استخدام فردي عدواني لحماية المسيح بطريقة تعارض قصد الله الخلاصي. الكتاب المقدس يفرّق بين استعمال السيف لأغراض عدوانية أو روحية خاطئة، وبين استعماله بواسطة السلطة المدنية للعدل والحماية ومقاومة الشر.
موضع الإشكال
المشكلة الظاهرية تأتي من قول المسيح:
«لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ، بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ.»
متى 26: 52
فيُفهم الكلام أحيانًا كأنه إلغاء كامل لكل استخدام مشروع للقوة، سواء في الدفاع عن النفس، أو حماية الأبرياء، أو سلطة الدولة في معاقبة المجرمين، أو الحروب العادلة ضد المعتدين. لكن هذا الفهم يصطدم بنصوص كثيرة في الكتاب المقدس تؤكد أن المشكلة ليست في كل استعمال للسيف، بل في استعماله خارج موضعه، أو بروح العدوان، أو لأهداف روحية لا يقرّها الله.
الكتاب لا يعلّم السلامية المطلقة
لو كان الكتاب يعلّم رفضًا مطلقًا لكل استعمال للقوة، لكان من المتوقع أن يدين كل وجود عسكري وكل دفاع مشروع. لكننا نجد في الكتاب أمثلة متعددة تبيّن أن مقاومة العدوان الشرير ليست مرفوضة في ذاتها.
فعندما حارب إبراهيم الملوك الذين أسروا لوطًا، لم يُدَن بسبب ذلك، بل بعد رجوعه باركه ملكي صادق قائلًا:
«مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.»
تكوين 14: 19
هذا لا يعني تبرير كل حرب أو كل عنف، لكنه يبيّن أن الكتاب لا يرفض مبدأ مقاومة العدوان في كل الأحوال.
يوحنا المعمدان لم يأمر الجنود بترك الجيش
عندما جاء الجنود إلى يوحنا المعمدان وسألوه ماذا يفعلون، لم يقل لهم: اتركوا الجندية فورًا، ولا قال إن مجرد كونهم جنودًا خطية. بل قال لهم:
«لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ.»
لوقا 3: 14
أي إنه وجّههم إلى العدل، وعدم الظلم، وعدم الابتزاز، والقناعة، لا إلى ترك كل وظيفة عسكرية. وهذا مهم جدًا، لأنه يبيّن أن الكتاب لا يدين الجندية في ذاتها، بل يدين الظلم والعدوان وإساءة استعمال السلطة.
كرنيليوس كان قائدًا عسكريًا ودُعي رجلًا تقيًا
في سفر الأعمال، نقرأ عن كرنيليوس، وهو قائد مئة في الجيش الروماني:
«وَهُوَ تَقِيٌّ وَخَائِفُ اللهِ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ، يَصْنَعُ حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً لِلشَّعْبِ، وَيُصَلِّي إِلَى اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ.»
أعمال 10: 2
كما قيل له إن صلواته وصدقاته صعدت تذكارًا أمام الله:
«صَلَوَاتُكَ وَصَدَقَاتُكَ صَعِدَتْ تَذْكَارًا أَمَامَ اللهِ.»
أعمال 10: 4
وعندما قبل كرنيليوس الإيمان، لم يقل له بطرس إن عليه أن يترك الجيش، ولا إن وظيفته العسكرية في ذاتها تجعل إيمانه باطلًا. مرة أخرى، هذا لا يبرر كل ممارسة عسكرية، لكنه يرفض فكرة أن الكتاب يعلّم سلامية مطلقة تمنع كل انتماء عسكري أو كل استعمال مشروع للقوة.
المسيح نفسه لم يأمر التلاميذ بالتخلص من السيوف
قبل القبض عليه، قال المسيح لتلاميذه:
«لكِنِ الآنَ، مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا.»
لوقا 22: 36
ثم قالوا له:
«يَا رَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ. فَقَالَ لَهُمْ: يَكْفِي!»
لوقا 22: 38
فلو كان المسيح يعلّم رفضًا مطلقًا للسيف بمعنى رفض كل دفاع مدني مشروع، لما قال هذا الكلام. لكنه في نفس الوقت لم يسمح لبطرس أن يستخدم السيف في لحظة القبض عليه. وهذا يوضح أن القضية ليست «السيف دائمًا خطأ»، بل «أي سيف؟ وفي أي يد؟ ولأي غرض؟ وفي أي سياق؟»
بولس قبل حماية الجيش الروماني
بولس الرسول نفسه استفاد من حماية السلطة الرومانية عندما كان مهددًا بالقتل ظلمًا. ففي أعمال 23، استخدم الله تدخل الجنود لإنقاذ بولس من مؤامرة الذين أرادوا قتله. وهذا يبيّن أن حماية الدولة للإنسان من العدوان ليست أمرًا مرفوضًا في ذاتها.
بل إن بولس يقرر مبدأ عامًّا عن سلطة الدولة قائلًا:
«لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ.»
رومية 13: 1
ثم يقول عن الحاكم:
«فَإِنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ.»
رومية 13: 4
هذا النص مهم جدًا، لأنه يوضح أن السيف في يد السلطة المدنية ليس عبثًا، بل له دور في كبح الشر ومعاقبة المعتدي. لذلك لا يمكن تفسير متى 26: 52 كإلغاء شامل لسلطة الدولة في استخدام السيف للعدل.
رجوع المسيح نفسه مرتبط بدينونة الشر
في سفر الرؤيا، يظهر المسيح في صورة الملك الديان الذي يحارب الشر:
«ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ.»
رؤيا 19: 11
وهذا لا يعني أن الكنيسة تحمل السيف لتفرض الإيمان، لكنه يؤكد أن الكتاب لا يصور الله كرافض لكل دينونة أو مقاومة للشر. فالله عادل، ومحبته لا تلغي عدله.
إذن، ماذا قصد المسيح بقوله لبطرس: «رُدَّ سيفك»؟
كان بطرس مخطئًا في استعمال السيف لسببين أساسيين.
أولًا: استعمل السيف لغرض روحي لا يقرّه الله
الكتاب يقرّ بأن السيف قد يكون للسلطة المدنية في حفظ النظام والعدل، لكنه لا يقرّ استخدام السيف كأداة لتحقيق أهداف روحية أو لحماية رسالة المسيح بالقوة. ملكوت المسيح لا ينتشر بالإكراه ولا بالعنف.
قال المسيح في موضع آخر:
«مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا.»
يوحنا 18: 36
إذن، بطرس حاول أن يدافع عن المسيح بطريقة تخالف طبيعة ملكوته وتخالف طريق الصليب. المسيح لم يأتِ ليؤسس ملكوته بالسيف، بل ليبذل نفسه فدية عن كثيرين.
ثانيًا: تصرف بطرس كان عدوانيًا لا دفاعًا واضحًا عن النفس
بطرس لم يكن في موقف دفاع شخصي واضح عن حياته ضد قاتل مباشر، بل بادر بالضرب في لحظة كان المسيح فيها مُسلِّمًا نفسه بإرادته لتحقيق خطة الفداء. لذلك لم يكن استعمال السيف هنا دفاعًا مشروعًا، بل تدخلًا خاطئًا في مشيئة الله.
الكتاب يميز بين الاعتداء وبين الدفاع عن النفس في ظروف معينة. مثلًا، في الشريعة نقرأ عن حالة اللص الذي يُضرب أثناء اقتحام ليلي:
«إِنْ وُجِدَ السَّارِقُ وَهُوَ يَنْقُبُ، فَضُرِبَ وَمَاتَ، فَلَيْسَ لَهُ دَمٌ.»
خروج 22: 2
فالمشكلة في فعل بطرس ليست أنه امتلك سيفًا فقط، بل أنه استخدمه في غير موضعه، وبطريقة لا توافق قصد المسيح في تلك اللحظة.
هل ألغى المسيح عقوبة الإعدام؟
لا. متى 26: 52 لا يتكلم عن عقوبة الإعدام أصلًا، بل عن تصرف بطرس الفردي أثناء القبض على المسيح. لذلك لا يصح استخدامه لإلغاء كل ما يقوله الكتاب عن سلطة الدولة في العقوبة.
بعد الطوفان، قال الله لنوح:
«سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ، لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ.»
تكوين 9: 6
ويقرر سفر العدد مبدأً مشابهًا بخصوص القاتل:
«وَلاَ تَأْخُذُوا فِدْيَةً عَنْ نَفْسِ الْقَاتِلِ الْمُذْنِبِ لِلْمَوْتِ، بَلْ إِنَّهُ يُقْتَلُ.»
عدد 35: 31
وفي العهد الجديد، لم يلغ بولس مبدأ سلطان الدولة في السيف، بل قال إن الحاكم «لا يحمل السيف عبثًا» لأنه خادم الله لمعاقبة الشر. لذلك، بحسب هذا الفهم الكتابي، لم يلغ المسيح سلطة الدولة في إقامة العدل، بما في ذلك العقوبة القصوى عندما تكون عادلة ومشروعة.
المسيح اعترف بسلطة بيلاطس المدنية
عندما قال بيلاطس للمسيح إن له سلطانًا أن يصلبه أو يطلقه، أجابه المسيح:
«لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ.»
يوحنا 19: 11
المسيح هنا لا يبرر ظلم بيلاطس، لكنه يقر بأن السلطة المدنية نفسها ليست مستقلة عن سماح الله وسيادته. أي إن إساءة استعمال السلطة لا تعني أن أصل السلطة باطل.
ما معنى «كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون»؟
هذه العبارة لا تعني أن كل من يحمل سيفًا بسلطان مشروع أو دفاع عادل يهلك حتمًا. بل المقصود أن الذين يعيشون بروح العدوان والعنف، ويتخذون السيف طريقًا لحياتهم، غالبًا يهلكون بنفس الطريق.
إنها تحذير من حياة العنف والعدوان، لا إلغاء لكل استعمال عادل ومنضبط للقوة في المجتمع. فهناك فرق بين من يعيش بالسيف كأداة اعتداء، وبين سلطة مدنية تستخدم السيف لضبط الشر، أو إنسان يدافع عن نفسه من اعتداء ظالم.
الفرق بين الكنيسة والدولة
من أهم النقاط في هذا الموضوع أن السيف ليس أداة الكنيسة لنشر الإيمان أو حماية الإنجيل. الكنيسة تكرز، تعلّم، تخدم، تشهد، وتصلي. أما السيف المدني فهو من اختصاص الدولة لحفظ العدل والنظام ومقاومة الشر.
عندما خلط بطرس بين الحماسة الروحية واستعمال السيف، صححه المسيح فورًا. لكنه لم يكن بذلك يلغي دور الدولة، ولا الدفاع المشروع، ولا مبدأ العدالة المدنية.
الخلاصة
قول المسيح لبطرس: «رُدَّ سيفك إلى مكانه» لا يعلّم السلامية المطلقة، ولا يلغي عقوبة الإعدام، ولا يرفض كل استعمال مشروع للقوة. بل يرفض استعمال بطرس الخاطئ للسيف في سياق القبض على المسيح، لأن ملكوت المسيح لا يُحمى بالعنف، ولأن طريق الصليب كان جزءًا من قصد الله الخلاصي.
الكتاب يرفض العدوان والانتقام الشخصي والعنف باسم الدين، لكنه يقرّ بسلطة الدولة المدنية في حمل السيف لمعاقبة الشر وحماية النظام. كما يميّز بين استعمال السيف للعدوان، واستعماله للعدل والدفاع المشروع.
لذلك، لا يصح استخدام متى 26: 52 لإثبات السلامية المطلقة أو إلغاء العقوبة المدنية. المقصود هو أن من يعيش بالسيف عدوانًا يهلك بالسيف، وأن السيف لا يجوز أن يكون أداة الكنيسة أو وسيلة تحقيق ملكوت المسيح.
المصدر
Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 360.