القائمة إغلاق

هل عيّر اللصان المسيح أم عيّره واحد فقط؟ كيف نفهم رواية متى عن اللصين مع رواية لوقا عن توبة أحدهما؟

هل عيّر اللصان المسيح أم عيّره واحد فقط؟

كيف نفهم رواية متى عن اللصين مع رواية لوقا عن توبة أحدهما؟

هل عيّر اللصان المسيح أم عيّره واحد فقط؟كيف نفهم رواية متى عن اللصين مع رواية لوقا عن توبة أحدهما؟
هل عيّر اللصان المسيح أم عيّره واحد فقط؟
كيف نفهم رواية متى عن اللصين مع رواية لوقا عن توبة أحدهما؟

 

يذكر إنجيل متى أن اللصين المصلوبين مع المسيح كانا يعيّرانه:

«وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ.»

متى 27: 44

لكن إنجيل لوقا يذكر أن واحدًا من المذنبين كان يجدّف عليه، بينما الآخر دافع عنه وطلب منه أن يذكره في ملكوته:

«وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!»

لوقا 23: 39

«ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.»

لوقا 23: 42

فهل عيّر اللصان المسيح كما يقول متى؟ أم عيّره واحد فقط كما يظهر في لوقا؟ وهل يوجد تناقض بين الروايتين؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فمن الممكن جدًا أن يكون اللصان في البداية قد اشتركا في تعيير المسيح، ثم بعد ذلك تغيّر قلب أحدهما وتاب، فصار يوبخ اللص الآخر ويعترف ببراءة المسيح وملكوته.

موضع الإشكال

الإشكال الظاهري يقوم على أن متى يتكلم بصيغة الجمع: «اللصان»، بينما لوقا يميز بين الاثنين: واحد يجدف، والآخر يؤمن ويتوب. لكن هذا لا يلزم منه وجود تناقض، لأن الروايتين قد تتكلمان عن لحظتين مختلفتين أثناء الصلب.

متى يذكر الحالة الأولى أو الصورة العامة في بداية المشهد، حيث كان اللصان يشتركان مع الجمع في التعيير. أما لوقا فيقدم تطورًا لاحقًا في نفس الحدث، حيث تغيّر أحد اللصين واعترف بالمسيح.

من الممكن أن يكون كلاهما قد عيّر المسيح في البداية

في بداية مشهد الصلب، كان الجو كله مشحونًا بالتعيير والسخرية. فالعابرون كانوا يجدفون، ورؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ كانوا يستهزئون، والجنود أيضًا اشتركوا في الإهانة. وسط هذا الجو، يذكر متى أن اللصين المصلوبين معه كانا يعيّرانه أيضًا.

وهذا لا يمنع أن أحدهما، بعد وقت قصير، بدأ يرى شيئًا مختلفًا في المسيح: صمته، احتماله، صلاته لأجل صالبيه، وكرامته وسط الألم. ومن هنا تغيّر موقفه.

لوقا يذكر توبة أحد اللصين لاحقًا

لوقا لا ينفي أن اللص التائب قد يكون عيّر المسيح في البداية، لكنه يركز على ما حدث لاحقًا: واحد من المذنبين استمر في التجديف، أما الآخر فوبخه قائلًا:

«أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.»

لوقا 23: 40-41

هذا الكلام يكشف تغيرًا واضحًا في قلب اللص التائب. فهو يعترف بخطيته واستحقاقه للعقوبة، ويعترف ببراءة المسيح، ثم يطلب منه:

«اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.»

لوقا 23: 42

فالمشهد عند لوقا لا يناقض متى، بل يضيف تطورًا داخليًا مهمًا في أحد المصلوبين.

ما الذي ربما أثّر في اللص التائب؟

من المحتمل أن اللص التائب تأثر بما رآه وسمعه من المسيح على الصليب. فقد سمع المسيح يصلي لأجل صالبيه قائلًا:

«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ.»

لوقا 23: 34

هذه الصلاة وحدها كانت كفيلة بأن تكشف له أن هذا المصلوب ليس إنسانًا عاديًا. ففي وسط الظلم والألم، لم يطلب الانتقام، بل طلب الغفران. وربما كان هذا الموقف، مع هدوء المسيح وبراءته، سببًا في أن ينفتح قلب اللص التائب ويؤمن به.

التوبة قد تحدث في لحظة حقيقية

قصة اللص التائب تكشف أن التوبة قد تحدث في لحظة صادقة، حتى بعد حياة طويلة من الخطية. لكنه لم يكتفِ بكلام عاطفي، بل أظهر عناصر حقيقية للتوبة: خاف الله، اعترف بعدل الحكم عليه، اعترف ببراءة المسيح، وآمن بملكوته الآتي.

ولهذا أجابه المسيح:

«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.»

لوقا 23: 43

هذه واحدة من أعظم صور النعمة في العهد الجديد: إنسان خاطئ، في آخر لحظات حياته، يلتفت إلى المسيح بإيمان، فيسمع وعد الخلاص.

اختلاف التوقيت يفسر الاختلاف في الوصف

يمكن فهم الروايتين بهذه الطريقة البسيطة:

في البداية: اللصان اشتركا في تعيير المسيح، كما يذكر متى.

لاحقًا: أحدهما استمر في التجديف، أما الآخر فتغيّر وتاب وآمن، كما يذكر لوقا.

وبذلك يكون متى ولوقا يتكلمان عن مراحل مختلفة من نفس الحدث. متى يذكر ما حدث أولًا، ولوقا يذكر ما حدث بعد ذلك لأحد اللصين.

هل يحتاج النص إلى افتراض معقد؟

لا. الجمع بين النصين بسيط جدًا وطبيعي. فالإنسان قد يبدأ موقفًا معينًا ثم يغيره بعد أن يسمع أو يرى شيئًا مؤثرًا. وهذا يحدث كثيرًا في الحياة اليومية، فكيف إذا كان المشهد هو صليب المسيح، وكلماته الأخيرة، وصلاته لأجل قاتليه؟

إذن، ليس من الصعب أن نفهم أن اللص التائب كان في البداية ضمن المعيرين، ثم تاب لاحقًا بعدما تأثر بما رآه من المسيح.

البعد اللاهوتي في رواية لوقا

لوقا يبرز في هذه القصة اتساع رحمة المسيح حتى في لحظات الألم. فالمسيح، وهو على الصليب، لا يزال يخلّص ويقبل التائبين. واللص التائب لم تكن له أعمال يفتخر بها، ولا وقت ليصلح ماضيه، لكنه اتجه إلى المسيح بإيمان صادق.

وهذا يوضح أن الخلاص بالنعمة، وأن الإيمان الحقيقي يتجه إلى شخص المسيح، حتى في أضعف وأصعب اللحظات.

هل يوجد تناقض إذن؟

لا يوجد تناقض. متى يذكر أن اللصين عيّرا المسيح، وهذا يمكن أن يكون قد حدث في بداية الصلب. ولوقا يذكر أن واحدًا منهما لاحقًا تاب ووبخ الآخر وطلب من المسيح أن يذكره في ملكوته.

لا يقول لوقا إن اللص التائب لم يعيّر المسيح أبدًا في البداية، ولا يقول متى إن اللصين استمرا في التعيير حتى النهاية. لذلك لا يوجد تعارض حقيقي بين النصين.

الخلاصة

يمكن الجمع بين رواية متى ورواية لوقا بسهولة: في البداية، اشترك اللصان في تعيير المسيح. ثم لاحقًا، تأثر أحدهما بما رأى وسمع من المسيح، خاصة صلاته لأجل صالبيه، فتاب وآمن وطلب أن يذكره المسيح في ملكوته.

وبذلك لا تكون الروايتان متناقضتين، بل متكاملتين. متى يذكر موقف اللصين في البداية، ولوقا يذكر توبة أحدهما في النهاية. والقصة كلها تكشف سلطان نعمة المسيح، الذي يفتح باب الفردوس حتى لتائب على حافة الموت.

المصدر

Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 362.

هل عيّر اللصان المسيح أم عيّره واحد فقط؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة