القائمة إغلاق

لماذا لم يقتبس المسيح نبوة إشعياء كاملة في لوقا؟

لماذا لم يقتبس المسيح نبوة إشعياء كاملة في لوقا؟

الرد على شبهة لوقا 4: 19 وإشعياء 61: 2 حول “يوم انتقام لإلهنا”

لماذا لم يقتبس المسيح نبوة إشعياء كاملة في لوقا؟
لماذا لم يقتبس المسيح نبوة إشعياء كاملة في لوقا؟

تُثار شبهة حول قراءة الرب يسوع لنبوة إشعياء في مجمع الناصرة. فقد اقتبس المسيح من إشعياء 61، لكنه توقف قبل عبارة «وَيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلهِنَا». فيقول البعض: هل اقتبس المسيح النص بطريقة غير دقيقة؟ ولماذا حذف جزءًا من الآية؟ وهل هذا يعني أن الرب يسوع لم يلتزم بالنص النبوي كاملًا؟

الإجابة المختصرة هي: المسيح اقتبس النص بدقة، لكنه لم يقتبسه كاملًا. وهذا ليس خطأ ولا تحريفًا، لأن الاقتباس الجزئي أمر معروف ومقبول. والأهم أن المسيح توقف عند الجزء الذي كان يتحقق في مجيئه الأول. أما عبارة «يوم انتقام لإلهنا» فهي مرتبطة بالدينونة والاكتمال النهائي في مجيئه الثاني، لذلك لم يكن مناسبًا أن يقرأها ثم يقول: «اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم».

موضع الإشكال

يروي لوقا أن يسوع دخل المجمع في الناصرة وقام ليقرأ من سفر إشعياء، فقرأ:

«رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ، وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ.»

لوقا 4: 18-19

ثم أغلق السفر وجلس، وقال:

«إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ.»

لوقا 4: 21

لكن النص في إشعياء يقول:

«لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ.»

إشعياء 61: 2

فالشبهة تقول: لماذا توقف المسيح عند «سنة الرب المقبولة» ولم يكمل «وبيوم انتقام لإلهنا»؟ هل اقتبس النبوة بشكل غير دقيق؟

أولًا: المسيح اقتبس بدقة لكنه لم يقتبس كل النص

ينبغي التمييز بين الاقتباس غير الدقيق والاقتباس غير الكامل. فالمسيح لم يغيّر معنى النص، ولم ينسب إلى إشعياء كلامًا غير موجود، ولم يشوّه النبوة. هو اقتبس جزءًا حقيقيًا من النص، لكنه توقف قبل إكمال بقية الآية.

وهذا أمر معروف في كل أنواع الكتابة والخطاب. فالكاتب أو المتكلم قد يقتبس جزءًا من نص طويل لأنه يريد التركيز على موضع معين منه. وهذا لا يُعد خطأ، ما دام الجزء المقتبس صحيحًا، وما دام عدم إكمال الاقتباس لا يحرّف المعنى المقصود في السياق.

إذن المشكلة ليست أن المسيح اقتبس خطأ، بل أنه اقتبس جزءًا محددًا لغرض محدد. وهذا هو مفتاح فهم النص.

ثانيًا: يسوع حدد أن الجزء المقروء هو الذي تحقق في ذلك اليوم

بعد أن قرأ المسيح النص، قال عبارة حاسمة:

«إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ.»

لوقا 4: 21

هذه العبارة توضح سبب توقفه. فهو لم يكن يقرأ النبوة قراءة عامة فقط، بل كان يعلن أن ما قرأه قد تم في خدمته أمامهم. لذلك اقتبس بالضبط الجزء الذي كان يتحقق في مجيئه الأول: البشارة، الشفاء، التحرير، إعلان سنة الرب المقبولة.

أما لو أكمل وقرأ «ويوم انتقام لإلهنا»، ثم قال: «اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم»، لكان ذلك غير مناسب، لأن يوم الدينونة والانتقام الإلهي لم يكن هو غرض مجيئه الأول في تلك اللحظة.

ثالثًا: مجيء المسيح الأول كان لإعلان النعمة والخلاص

الجزء الذي قرأه يسوع من إشعياء يصف خدمته في مجيئه الأول: إعلان البشارة للمساكين، شفاء المنكسري القلوب، إطلاق المأسورين، رد البصر للعمي، وتحرير المنسحقين. هذا هو زمن النعمة، أو كما قال إشعياء: «سنة مقبولة للرب».

وهذا ينسجم مع تعليم العهد الجديد عن مجيء المسيح الأول. فالرب يسوع قال:

«لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ.»

متى 18: 11

وقال أيضًا:

«لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.»

يوحنا 3: 17

إذن توقف المسيح لم يكن نقصًا في الاقتباس، بل إعلانًا دقيقًا لمرحلة محددة من تتميم النبوة: مرحلة النعمة والخلاص.

رابعًا: “يوم انتقام لإلهنا” يرتبط بالدينونة والمجيء الثاني

العبارة التي لم يقرأها المسيح، «وَيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلهِنَا»، تشير إلى جانب الدينونة الإلهية. وهذا الجانب ليس ملغيًا من تعليم الكتاب المقدس، لكنه ليس ما كان المسيح يعلنه في مجمع الناصرة باعتباره قد تم في ذلك اليوم.

العهد الجديد يعلّم بوضوح أن المسيح سيأتي أيضًا في المجد للدينونة. يقول بولس:

«لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا.»

2 كورنثوس 5: 10

ويقول الرسول بولس أيضًا عن إعلان الرب يسوع في الدينونة:

«عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.»

2 تسالونيكي 1: 7-8

إذن «يوم انتقام لإلهنا» ليس محذوفًا من خطة الله، لكنه مرتبط بالجانب المستقبلي من عمل المسيح، لا بالجزء الذي كان يتحقق في بداية خدمته العلنية في الناصرة.

خامسًا: النبوات قد تحتوي على مراحل زمنية مختلفة في آية واحدة

كثيرًا ما تجمع النبوات في العهد القديم بين أحداث متقاربة في النص لكنها متباعدة في الزمن. فقد تذكر النبوة مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني في سياق واحد، دون أن تفصل بينهما زمنيًا كما اتضح لاحقًا في العهد الجديد.

لذلك، عندما قرأ المسيح إشعياء 61، ميّز بدقة بين الجزء الذي يتم في مجيئه الأول والجزء الذي يرتبط بمرحلة لاحقة. فالنبي يرى المشهد النبوي كاملًا، أما المسيح فيعلن في الناصرة أي جزء من النبوة يتم الآن.

وهذا لا يضعف النبوة، بل يوضحها. فالمسيح لم يلغِ بقية الآية، لكنه لم يطبّقها على ذلك اليوم، لأنها لم تكن بعد موضع التتميم.

سادسًا: لو قرأ المسيح العبارة الأخيرة لكان التطبيق غير صحيح

يركز الحل الدفاعي هنا على نقطة دقيقة: لو أن المسيح قرأ «ويوم انتقام لإلهنا» ضمن النص الذي أعلن أنه تم في مسامعهم، لكان التطبيق غير صحيح، لأن يوم الانتقام لم يكن قد تم في ذلك الوقت.

لذلك كان توقفه مقصودًا ودقيقًا. فهو لا يقتبس النبوة لكي يستعرض نصًا طويلًا، بل لكي يعلن رسالته الحالية: أنه الممسوح بالروح، الذي جاء يعلن سنة الرب المقبولة.

فالتوقف عند هذا الموضع ليس خطأ، بل هو تفسير مسياني دقيق للنبوة، يربطها بعمله الخلاصي في مجيئه الأول.

سابعًا: الاقتباس الجزئي لا يعني تحريفًا

من المهم في الرد على هذه الشبهة أن نفهم طبيعة الاقتباس في الكتاب المقدس. فالعهد الجديد كثيرًا ما يقتبس من العهد القديم جزءًا من نص، أو يركّز على عبارة معينة، أو يجمع بين مواضع نبوية، بحسب الغرض اللاهوتي والتفسيري. وهذا لا يعني أن الكاتب أو المتكلم لا يعرف بقية النص.

في حالتنا، المسيح بالطبع يعرف إشعياء 61 كاملًا. لكنه، باعتباره رب النبوة ومتممها، اختار أن يقرأ الجزء الذي يعلن طبيعة خدمته في ذلك الوقت. والاقتباس الجزئي هنا ليس إخفاءً لبقية النص، بل إعلانًا أن التتميم يتم على مراحل.

ثامنًا: الفرق بين الدقة والكمال في الاقتباس

الدقة تعني أن ما اقتبسه المسيح صحيح ويمثل النص والمعنى تمثيلًا أمينًا. أما الكمال في الاقتباس فيعني نقل كل الجملة أو كل الفقرة أو كل السفر، وهذا ليس مطلوبًا في كل اقتباس.

فالمسيح كان دقيقًا لأنه نقل الجزء الذي أراد تطبيقه على خدمته. لكنه لم يكن ملزمًا أن يقرأ كل ما يلي ذلك، خاصة إذا كان الجزء التالي لا يخص التتميم الحاضر في تلك اللحظة.

إذن الشبهة تخلط بين “لم يقتبس كاملًا” و“لم يقتبس بدقة”. عدم الاكتمال هنا لا يعني عدم الدقة.

هل يوجد تناقض أو خطأ؟

لا يوجد خطأ ولا تناقض. المسيح اقتبس إشعياء 61 بدقة، لكنه لم يقتبس الآية كاملة، لأن الجزء غير المقتبس لم يكن قد تحقق في مجيئه الأول. وقد صرّح بأن النص الذي قرأه هو الذي تم في مسامعهم، ولذلك كان من الضروري أن يتوقف عند حدود التتميم الحاضر.

فلو كانت الشبهة تقول إن يسوع غيّر النص، فهذا غير صحيح. ولو كانت تقول إنه لم يقرأ كل الآية، فهذا صحيح، لكنه ليس خطأ. لأن الاقتباس الجزئي جائز، بل كان هنا ضروريًا لكي لا يُنسب إلى المرحلة الأولى من خدمة المسيح ما يخص الدينونة في المرحلة الأخيرة.

الخلاصة

لم يخطئ المسيح في اقتباس إشعياء 61. هو اقتبس النص بدقة، لكنه لم يقتبسه كاملًا. والسبب واضح من كلامه نفسه: «اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم». فالجزء الذي تحقق في مجيئه الأول هو إعلان سنة الرب المقبولة، أي زمن النعمة والخلاص والبشارة. أما «يوم انتقام لإلهنا» فيرتبط بالدينونة والمجيء الثاني، ولم يكن قد تم في ذلك اليوم.

لذلك، توقف المسيح عند هذا الموضع لم يكن حذفًا خاطئًا، بل تفسيرًا دقيقًا للنبوة، يميز بين مجيئه الأول للخلاص ومجيئه الثاني للدينونة. وهذا يثبت أن المسيح لم يقتبس النبوة بطريقة ناقصة في المعنى، بل طبقها بدقة كاملة على المرحلة التي كان يعلن تحققها أمام سامعيه.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 387. Victor Books: Wheaton, Ill.

لماذا لم يقتبس المسيح نبوة إشعياء كاملة في لوقا؟ الرد على شبهة لوقا 4: 19 وإشعياء 61: 2 حول “يوم انتقام لإلهنا”

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة