القائمة إغلاق

هل أخطأ المسيح حين قال للص أن يكون معه في الفردوس اليوم؟

هل أخطأ المسيح حين قال للص أن يكون معه في الفردوس اليوم؟

الرد على شبهة لوقا 23: 43 وهل ذهب المسيح إلى السماء يوم موته؟

هل أخطأ المسيح حين قال للص أن يكون معه في الفردوس اليوم؟
هل أخطأ المسيح حين قال للص أن يكون معه في الفردوس اليوم؟

تُثار شبهة حول قول الرب يسوع للص التائب على الصليب: «اليوم تكون معي في الفردوس». فالبعض يسأل: كيف يكون اللص مع المسيح في الفردوس في نفس يوم موت المسيح، بينما يقال إن المسيح لم يصعد إلى الآب إلا بعد قيامته؟ وهل كان المسيح في القبر ثلاثة أيام؟ فهل أخطأ المسيح في وعده للص؟

الإجابة المختصرة هي: لا، لم يخطئ المسيح. فهناك فرق بين جسد المسيح الذي وُضع في القبر، وبين روحه أو نفسه التي سلّمها للآب عند موته. جسد المسيح بقي في القبر إلى القيامة، أما روحه فذهبت إلى حضرة الآب، أي إلى الفردوس. لذلك كان وعده للص صحيحًا: في ذلك اليوم نفسه يكون معه في الفردوس.

موضع الإشكال

قال اللص التائب للمسيح وهو على الصليب:

«ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.»

لوقا 23: 42

فأجابه الرب يسوع:

«فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.»

لوقا 23: 43

لكن المسيح مات ودُفن، وقام في اليوم الثالث. كما قال لمريم بعد قيامته:

«قَالَ لَهَا يَسُوعُ: لاَ تَلْمِسِينِي، لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ.»

يوحنا 20: 17

فالشبهة تقول: إذا كان المسيح لم يصعد إلى الآب إلا بعد القيامة، فكيف قال للص إنه سيكون معه في الفردوس يوم الصلب نفسه؟

أولًا: ينبغي التمييز بين جسد المسيح وروحه

حل الإشكال يبدأ من التمييز بين جسد المسيح وروحه. عند موت المسيح، لم تختفِ ذاته، ولم تتوقف روحه عن الوجود. جسده وُضع في القبر، أما روحه فسلّمها للآب.

يقول لوقا عن لحظة موت المسيح:

«وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ.»

لوقا 23: 46

هذه العبارة مهمة جدًا. المسيح لم يقل إن روحه ستبقى في القبر مع الجسد، بل قال للآب: «في يديك أستودع روحي». وهذا يدل على أن روحه ذهبت إلى حضرة الآب عند موته، بينما ظل جسده في القبر حتى القيامة.

ثانيًا: الفردوس هو موضع الشركة مع الله

كلمة «الفردوس» في العهد الجديد تشير إلى حالة البركة والحضور مع الله. والرسول بولس يربط الفردوس بالسماء الثالثة:

«أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ.»

2 كورنثوس 12: 2

ثم يقول:

«أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا.»

2 كورنثوس 12: 4

لذلك، حين قال المسيح للص: «اليوم تكون معي في الفردوس»، كان يعده بالدخول إلى موضع البركة والحضور مع الله في نفس يوم موته، لا بعد انتظار القيامة الجسدية العامة.

ثالثًا: جسد المسيح بقي في القبر ثلاثة أيام

الكتاب يعلّم بوضوح أن جسد المسيح وُضع في القبر. يقول لوقا عن يوسف الرامي:

«وَأَنْزَلَهُ، وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ.»

لوقا 23: 53

وهذا لا يناقض أن روح المسيح ذهبت إلى الآب. فالموت الجسدي هو انفصال الروح عن الجسد. جسده كان في القبر، لكنه من جهة روحه سلّمها للآب.

إذن عندما نقول إن المسيح كان في القبر ثلاثة أيام، فنحن نتكلم عن جسده المدفون. وعندما نقول إنه وعد اللص بالفردوس في نفس اليوم، فنحن نتكلم عن ذهاب روحه إلى حضرة الآب، وعن دخول اللص إلى الراحة معه.

رابعًا: قول المسيح لمريم لا ينفي ذهاب روحه إلى الآب

الاعتراض يستند أحيانًا إلى قول المسيح لمريم: «لم أصعد بعد إلى أبي». لكن هذا النص لا يتكلم عن ذهاب روح المسيح إلى الآب بين الموت والقيامة، بل عن صعوده الجسدي العلني بعد القيامة.

بعد القيامة، ظل المسيح يظهر لتلاميذه أربعين يومًا، ثم صعد جسديًا إلى السماء كما يذكر سفر الأعمال:

«اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ.»

أعمال الرسل 1: 3

ثم يقول عن صعوده:

«وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ.»

أعمال الرسل 1: 9

إذن يوحنا 20: 17 يتكلم عن الصعود الجسدي العلني إلى الآب بعد القيامة، لا عن مصير روح المسيح في لحظة موته.

خامسًا: وعد المسيح للص كان عن ذلك اليوم نفسه

قول المسيح واضح جدًا:

«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.»

لوقا 23: 43

العبارة لا تقول إن اللص سيبقى في حالة انتظار إلى ما بعد ثلاثة أيام، بل تقول: «اليوم». والسبب أن الخلاص الذي ناله اللص كان فوريًا، لأنه آمن بالمسيح وهو على الصليب، واتكل على ملكوته، فنال وعدًا مباشرًا بالحياة معه.

المسيح لم يعده فقط بالمستقبل البعيد، بل وعده بالشركة معه بعد الموت مباشرة. وهذا يعلن قوة نعمة الله التي تخلّص حتى في آخر لحظات الحياة عندما يأتي الإنسان إلى المسيح بإيمان حقيقي.

سادسًا: اللص التائب مثال للخلاص بالنعمة

اللص لم يكن لديه وقت ليقدّم أعمالًا كثيرة، ولا ليعيش سنوات طويلة من الخدمة، لكنه آمن بالمسيح واعترف ببراءته وطلب أن يذكره في ملكوته. قال لصاحبه:

«أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.»

لوقا 23: 41

ثم قال للمسيح:

«اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.»

لوقا 23: 42

فجاءه الجواب الإلهي: «اليوم تكون معي في الفردوس». وهذا يثبت أن الخلاص عطية نعمة تُقبل بالإيمان الحقيقي، لا نتيجة أعمال يستحق بها الإنسان الفردوس.

سابعًا: هل عبارة “اليوم” يمكن أن تُفهم بطريقة أخرى؟

يحاول البعض أن يغيّر معنى النص بوضع الوقف هكذا: «الحق أقول لك اليوم: إنك تكون معي في الفردوس»، أي كأن المسيح يقول “أنا أقول لك اليوم” لا “ستكون اليوم في الفردوس”. لكن هذا الفهم ضعيف جدًا، لأن عبارة «الحق أقول لك» في كلام المسيح هي صيغة معروفة لا تحتاج إلى إضافة «اليوم» لتأكيد وقت القول.

المسيح دائمًا كان يتكلم في نفس اللحظة التي يقول فيها «الحق أقول لكم»، ولا معنى قويًا لأن يقول: “أنا أقول لك اليوم”؛ لأن هذا بديهي. أما المعنى الطبيعي للنص فهو أن «اليوم» تتعلق بالوعد نفسه: «اليوم تكون معي في الفردوس».

ثامنًا: عبارة “نزل إلى الجحيم” ليست أساسًا لحل النص

أحيانًا تُطرح عبارة “نزل إلى الجحيم” من قانون الإيمان الرسولي في هذا النقاش. لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه العبارة ليست موجودة في أقدم صيغ قانون الإيمان الرسولي، بل أضيفت لاحقًا في تاريخ القانون.

لذلك لا ينبغي أن نبني فهم لوقا 23: 43 على عبارة لاحقة محل نقاش تاريخي، بل على النص الكتابي الواضح نفسه: المسيح قال للص إنه سيكون معه في الفردوس اليوم، وقال للآب: «في يديك أستودع روحي». هذا هو الأساس الكتابي المباشر.

تاسعًا: هل ذهب المسيح إلى السماء قبل القيامة؟

ينبغي صياغة السؤال بدقة. جسد المسيح لم يصعد إلى السماء قبل القيامة والصعود العلني، بل كان في القبر. أما روح المسيح فقد استودعها في يدي الآب عند موته. لذلك يمكن القول إن المسيح من جهة روحه كان في حضرة الآب، ومن جهة جسده كان في القبر.

وهذا لا يقسم شخص المسيح إلى شخصين، بل يصف ما يحدث في الموت الحقيقي: الجسد يموت ويُدفن، والروح تذهب إلى الله. والمسيح مات موتًا حقيقيًا بحسب ناسوته، لكنه لم يفقد سلطانه ولا لاهوته ولا وحدته الشخصية.

عاشرًا: لا يوجد تعارض بين الفردوس والقيامة

دخول روح المؤمن إلى الفردوس بعد الموت لا يلغي انتظار القيامة الجسدية. فاللص دخل إلى الراحة مع المسيح من جهة نفسه، لكنه مثل باقي المؤمنين ينتظر القيامة الجسدية في اليوم الأخير.

كذلك المسيح، من جهة جسده، قام في اليوم الثالث، ثم صعد جسديًا بعد أربعين يومًا. فالكتاب يميز بين الحالة بعد الموت مباشرة وبين القيامة الجسدية، دون أن يجعل أحدهما ينقض الآخر.

هل يوجد خطأ في كلام المسيح؟

لا يوجد أي خطأ. المسيح لم يقل إن جسده لن يوضع في القبر، ولم يقل إنه سيصعد جسديًا إلى الآب في نفس يوم الصلب. بل قال للص إنه سيكون معه في الفردوس اليوم. وهذا تحقق لأن روح المسيح ذهبت إلى الآب، واللص التائب دخل إلى الراحة معه.

أما قول المسيح لمريم «لم أصعد بعد إلى أبي»، فيتعلق بالصعود الجسدي العلني بعد القيامة، وليس بذهاب روحه إلى الآب في لحظة الموت. لذلك لا يوجد تعارض بين لوقا 23: 43 ويوحنا 20: 17.

الخلاصة

لم يخطئ المسيح عندما قال للص التائب: «اليوم تكون معي في الفردوس». فالمسيح مات موتًا حقيقيًا: جسده وُضع في القبر ثلاثة أيام، أما روحه فاستودعها في يدي الآب. لذلك كان بإمكان اللص التائب أن يكون مع المسيح في الفردوس في نفس يوم موتهما.

وقول المسيح لمريم بعد القيامة: «لم أصعد بعد إلى أبي» لا ينفي ذلك، لأنه يتكلم عن الصعود الجسدي العلني إلى السماء بعد القيامة، كما يصفه سفر الأعمال. أما وعد الفردوس للص فيتعلق بحضرة المسيح بعد الموت مباشرة. وهكذا يثبت النص أن وعد المسيح كان صادقًا، وأن الخلاص بالنعمة يُعطى لمن يرجع إليه بإيمان، حتى في آخر لحظات حياته.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 394. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل أخطأ المسيح حين قال للص أن يكون معه في الفردوس اليوم؟ الرد على شبهة لوقا 23: 43 وهل ذهب المسيح إلى السماء يوم موته؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة