هل يسمع الله صلاة الخطاة أم لا؟ يوحنا 9: 31
الرد على شبهة يوحنا 9: 31 ولوقا 18: 13 حول صلاة الخاطئ وقبول الله للتائبين

الرد على شبهة يوحنا 9: 31 ولوقا 18: 13 حول صلاة الخاطئ وقبول الله للتائبين
تُثار شبهة حول قول الرجل الذي فتح المسيح عينيه في يوحنا 9: «نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ». فهل معنى هذا أن الله لا يسمع أي صلاة من أي خاطئ؟ وكيف يتفق هذا مع مثل الفريسي والعشار، حيث صلى العشار قائلًا: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ»، وقال المسيح إنه نزل إلى بيته مبررًا؟ فهل يسمع الله صلاة الخطاة أم لا؟
نعم، الله يسمع صلاة الخاطئ عندما يأتي إليه بالتوبة والاعتراف وطلب الرحمة. فالعشار قال: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ»، فقبله الله. لكن يوحنا 9: 31 لا يتكلم عن الخاطئ التائب، بل عن الإنسان الذي يعيش في رفض الله ولا يعبده ولا يفعل مشيئته، ومع ذلك يطلب أن تكون له استجابة كمن له شركة مع الله. الله لا يَعِد أن يستجيب صلاة الشرير المتمرد، لكنه في نعمته قد يتدخل أحيانًا في حياة غير المؤمنين ليقودهم إلى التوبة.
موضع الإشكال
قال الرجل الذي وُلد أعمى ثم شفاه المسيح:
«وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ فَلِهذَا يَسْمَعُ.»
يوحنا 9: 31
لكن الرب يسوع قدّم في مثل الفريسي والعشار صورة مختلفة. فقد وقف العشار من بعيد وقال:
«اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ.»
لوقا 18: 13
ثم قال المسيح عنه:
«أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ.»
لوقا 18: 14
فهل الله لا يسمع للخطاة كما في يوحنا 9؟ أم يسمع صلاة الخاطئ كما في لوقا 18؟
أين يقع الالتباس؟
يقع الالتباس في استخدام كلمة «الخاطئ» بمعنى واحد في كل السياقات. فالكتاب قد يستخدم الكلمة عن كل إنسان ساقط يحتاج إلى رحمة الله، وقد يستخدمها عن الإنسان المصرّ على شره، الرافض لله، غير التائب، الذي لا يريد أن يخضع لمشيئة الله.
لذلك ينبغي أن نفرق بين:
- خاطئ يعترف بخطيته ويطلب رحمة الله.
- وخاطئ متمرد لا يتوب ولا يعبد الله ولا يفعل مشيئته.
الله يسمع الأول برحمة، أما الثاني فلا يعطيه وعدًا باستجابة صلاته وهو باقٍ في رفضه وتمرده.
يوحنا 9: 31 لا ينفي أن الله يسمع صرخة التائب، بل ينفي أن الإنسان المتمرد على الله يستطيع أن يطالب باستجابة الله وكأنه عابد لله وفارض لمشيئته. صلاة التوبة شيء، وصلاة الإصرار على الشر شيء آخر.
أولًا: الله يسمع الخاطئ عندما يعترف بخطيته ويطلب الرحمة
مثل العشار يوضح أن الله لا يطرد الخاطئ الذي يأتي إليه بالتوبة والاتضاع. العشار لم يتظاهر بالبر، ولم يبرر نفسه، بل قال:
«اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ.»
لوقا 18: 13
هذه ليست صلاة إنسان متمرد يطلب أن يبارك الله خطيته، بل صلاة إنسان منكسر يعترف بحاجته إلى رحمة الله. لذلك قال المسيح إنه نزل إلى بيته مبررًا.
وهذا ينسجم مع وعد الكتاب:
«لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ.»
رومية 10: 13
فالباب مفتوح لكل من يدعو الرب بتوبة وإيمان وطلب خلاص.
ثانيًا: المسيح وعد ألا يطرح من يأتي إليه
قال الرب يسوع:
«كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا.»
يوحنا 6: 37
هذا النص مهم جدًا. المسيح لا يقول: “من كان بلا خطية يأتي إليّ”، بل يقول إن من يأتي إليه لا يخرجه خارجًا. لذلك لا يمكن أن يكون يوحنا 9: 31 معناه أن الله يغلق الباب أمام الخاطئ التائب. لو كان كذلك، لما خلص أحد.
المشكلة ليست في كون الإنسان خاطئًا، بل في رفضه التوبة ومقاومته لله مع توقع استجابة الله وكأن العلاقة سليمة.
ثالثًا: يوحنا 9: 31 يربط السماع باتقاء الله وفعل مشيئته
النص نفسه يشرح مقصده:
«وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ فَلِهذَا يَسْمَعُ.»
يوحنا 9: 31
المقابلة هنا ليست بين إنسان ارتكب خطية في حياته وإنسان بلا خطية مطلقًا، بل بين من يعيش في رفض الله، ومن يتقي الله ويفعل مشيئته. فالرجل الذي فتح المسيح عينيه كان يجادل الفريسيين ويقول لهم إن الله لا يؤيد رجلًا شريرًا مقاومًا له بمعجزة عظيمة كهذه، بل يسمع لمن يتقيه.
إذن سياق يوحنا 9 ليس عن صلاة التوبة، بل عن تأييد الله لخدمة المسيح ومعجزته. المعنى: لو كان يسوع خاطئًا متمردًا على الله كما تزعمون، لما أجرى الله على يديه هذا العمل.
رابعًا: الله لا يعد باستجابة صلاة من يصر على الشر
الكتاب يعلّم أن الإصرار على الشر ورفض التوبة يؤثران على استجابة الصلاة. يقول إشعياء:
«هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقُلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ. بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ.»
إشعياء 59: 1-2
فالمشكلة ليست عجزًا في الله، بل موقف الإنسان من الخطية. عندما يتمسك الإنسان بشره، تصبح الخطية حاجزًا في العلاقة مع الله.
لذلك لا يصح أن يقول إنسان: “أنا أرفض الله وأعيش في الشر، ومع ذلك يجب أن يستجيب الله لي كما يستجيب لعباده”. هذا ما ينفيه يوحنا 9: 31.
خامسًا: صلاة الاعتراف تختلف عن صلاة المطالبة
صلاة العشار في لوقا 18 كانت صلاة اعتراف وطلب رحمة. أما الخاطئ الرافض لله فقد يصلي من منطلق المصلحة أو الخوف أو الرغبة في منفعة، دون توبة أو خضوع.
الفرق جوهري:
| الخاطئ التائب | الخاطئ المتمرد |
|---|---|
| يعترف بخطيته | يصر على خطيته |
| يطلب الرحمة | يطالب بالاستجابة |
| يريد الرجوع إلى الله | يريد منفعة دون توبة |
| هذا يسمعه الله برحمة | هذا لا يَعِده الله باستجابة |
إذن لا تعارض بين أن الله يسمع العشار التائب، وبين أن الله لا يسمع للخطاة بمعنى الذين يرفضون مشيئته ويصرون على الشر.
سادسًا: نعمة الله قد تتجاوز الوعد لتقود غير المؤمن إلى التوبة
مع أن الله لا يعطي وعدًا باستجابة صلاة الإنسان المتمرد وهو باقٍ في رفضه، إلا أن نعمته قد تتدخل أحيانًا في حياة غير المؤمنين ضمن عنايته، لكي يقودهم إلى التوبة.
مثال ذلك ما حدث مع البحارة في سفر يونان. فقد صرخوا إلى الرب في موقف شديد:
«فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ وَقَالُوا: آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ.»
يونان 1: 14
ثم هدأ البحر بعد أن طرحوا يونان:
«ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ.»
يونان 1: 15
هذا لا يعني أن الله وعد كل إنسان غير تائب أن يستجيب له كما يشاء، بل يعني أن الله في عنايته قد يستخدم حتى صرخات الضيق ليجذب الإنسان إلى معرفته.
سابعًا: إحسان الله يقود إلى التوبة
يقول بولس:
«أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟»
رومية 2: 4
فإذا استجاب الله أحيانًا لصرخة إنسان بعيد عنه، فهذا من لطفه الذي يقود إلى التوبة، لا من حق الإنسان المتمرد أن يطالب الله باستجابة وهو يرفضه.
إذن هناك فرق بين وعد الله لعباده التائبين، وبين تصرفات نعمته العامة والعناية الإلهية التي قد تلمس غير المؤمنين لتقودهم إليه.
ثامنًا: يوحنا 9 يتكلم عن تأييد الله للمسيح لا عن غلق باب التوبة
في سياق يوحنا 9، الفريسيون كانوا يحاولون تشويه المسيح، والرجل الذي نال الشفاء كان يرد عليهم. قالوا عن المسيح:
«إِنَّ هذَا الإِنْسَانَ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ.»
يوحنا 9: 16
ثم حاولوا أن يجعلوا الرجل يقول إن المسيح خاطئ:
«فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى، وَقَالُوا لَهُ: أَعْطِ مَجْدًا للهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ.»
يوحنا 9: 24
فكان رد الرجل منطقيًا: لو كان هذا الإنسان خاطئًا بمعنى متمردًا على الله، فكيف أجرى الله على يديه هذه الآية العظيمة؟ ومن هنا قال:
«وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ.»
يوحنا 9: 31
إذن كلامه جزء من دفاعه عن أن المسيح من الله، وليس قاعدة تمنع الله من سماع أي خاطئ تائب يطلب الرحمة.
تاسعًا: هل هذا اختلاف أم تناقض؟
لا يوجد تناقض بين يوحنا 9: 31 ولوقا 18: 13. يوحنا 9 يتكلم عن أن الله لا يؤيد ولا يستجيب للشرير المتمرد كمن له علاقة صحيحة معه. أما لوقا 18 فيتكلم عن خاطئ يعترف بخطيته ويطلب رحمة الله. وهذا النوع من الخطاة يسمعه الله ويقبله.
التناقض كان سيحدث لو قال نص إن الله يرفض التائب الذي يطلب الرحمة، بينما يقول آخر إنه يقبله. لكن هذا غير موجود. الكتاب كله يعلن أن الله يقبل المنكسرين والتائبين.
الله لا يسمع صلاة الإصرار على الشر كأنها علاقة سليمة معه، لكنه يسمع صرخة التوبة والرحمة. لذلك قُبل العشار لأنه لم يبرر نفسه، بل قال: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».
خلاصة دفاعية
يوحنا 9: 31 لا يعني أن الله يرفض كل صلاة من كل إنسان خاطئ، وإلا لما خلص أحد. المقصود أن الله لا يَعِد بأن يستجيب لمن يرفضه ويصر على شره ولا يفعل مشيئته. أما الخاطئ الذي يأتي بالتوبة والاعتراف وطلب الرحمة، فالله يسمعه ويقبله، كما قبل العشار الذي قال: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».
كما أن الله في نعمته قد يتدخل أحيانًا في حياة غير المؤمنين ضمن عنايته ليقودهم إلى التوبة، لأن لطف الله يقتاد الإنسان إلى التوبة. لذلك فالحل هو التمييز بين الخاطئ التائب والخاطئ المتمرد: الأول يسمعه الله برحمة، والثاني لا يستطيع أن يطالب باستجابة الله وهو مصرّ على رفضه.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 416. Victor Books: Wheaton, Ill.